أَوْلِيَاءَ﴾ للعصمة أو عدم القدرة، فكيف يصحُّ لنا أن ندعوَ غيرَنا أو أن نتولَّى أحدًا دونك.
وقرئ: ﴿نَتَّخِذَ﴾ (١) على البناء للمفعول من (اتَّخَذَ) الذي له مفعولان، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] ومفعوله الثاني ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ لأن (مِن) لا تزاد في المفعول الثاني، بل في الأول، وعلى الأول مزيدةٌ لتأكيد النفي.
ولمَّا تضمَّن قولهم: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ أنَّا لم نضلَّهم ولم نَحملْهم على الامتناع من الإيمان، صلح أن يستدرك بـ ﴿وَلَكِنْ﴾ فقالوا:
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ بالأموال والأولاد وطُول العمر والسلامة من العذاب.
﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ حتى غَفلوا عن ذِكْرك، أو التذكُّرِ لآلائك.
والواو الفصيحة في ﴿وَكَانُوا﴾ للعطف على محذوف تقديره: فكفروا ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾: هالكينَ، مصدرٌ وصفَ به، ولذلك يَستوي فيه الجمعُ والواحد، قال ابن الزِّبَعرى في الواحد:
يا رسولَ الإله إنَّ لساني … راتقٌ ما فَتَقتُ إذ أنا بُورُ (٢)
* * *
(١٩) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾.
стр. 3257
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ المعنى: فقد كذَّبكم المعبودون، وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصَّة إذا انضمَّ إليها الالتفاتُ وحُذف القول، وقد سبق تحقيقُ هذا في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ من سورة المائدة [الآية: ١٩] (١).
﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بقولكم فيه: إنَّهم آلهة، أو: هؤلاء أضلُّونا، والباء بمعنى (في)، أو مع المجرور بدل من الضمير.
وقرئ بالياء (٢)، ومعناه: فقد كذَّبوكم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾.
﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قرئ بالتاء (٣) على خطاب العابدين ﴿صَرْفًا﴾ هو: دفعًا للعذاب عنكم ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ فيُعِينكم عليه.
ثم خاطب المكلَّفين على العموم بقوله:
﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ الشرط وإن عمَّ كلَّ مَن كفر أو فسَق، لكنه في اقتضاء الجزاء مقيَّد بعدم المُزاحم وهو التوبة إجماعًا، وبالإحباط بالطاعة والعفو عندنا في الأخير.
﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ وهو عذاب النار، وفي عبارة ﴿نُذِقْهُ﴾ إشارةٌ إلى أن العذاب جسمانيٌّ.
* * *
(٢٠) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾.
стр. 3258
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ كُسرَت (إنَّ) لا لأجل اللامِ في الخبر؛ لأنَّ دخولها وخروجها هاهنا سواءٌ، بل لأنَّه موضع ابتداء تقديره: إلَّا هم يأكلون، والجملة بعد (إلَّا) صفةٌ لموصوف محذوف، والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلَّا آكلين وماشين، وإنَّما حذف لدلالة ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ عليه (١)، ويجوز أن يكون حالاً اكتفي فيها بالضمير، وهو جواب لقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ﴾ أيُّها الناس ﴿لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾: ابتلاءً، ولا دلالة فيه على القضاء والقَدَر لأن قوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ علَّةٌ للجعل لا للتقدير، والمعنى: وجعلنا بعضَكم لبعضٍ فتنة ليَظهر أيُّكم يَصبر (٢).
ومن الفتنة: أن يَحسد المُبتلَى المعافَى، ويَحقِرَ المعافَى المبتلَى، والصبرُ أن يَحبس كلاهما نفسَه؛ هذا عن البَطَر (٣)، وذاك عن الضجر.
﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بصَبْر مَن صَبَر، وضَجَر مَن ضَجِر، أو: بالصواب فيما يَبتلي (٤) به وغيرِه.
* * *
стр. 3259
(٢١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ الرجاء: ترقُّب الخير الذي يقوَى في النفس وقوعه، وبهذا القيد الأخير يفارق الأمل.
﴿لِقَاءَنَا﴾ بالخير؛ لكفرهم بالبعث، أو: لا يخافون عقابنا؛ إما لأنَّ الراجيَ قلق فيما يرجوه، كالخائف، أو لأنَّ الرجاء في لغةِ تِهامة الخوفُ.
واللقاءُ: المصيرُ إلى الشيء من غير حائل، ولهذا صحَّ لقاءُ الجزاء؛ لأن العباد يصيرون إليه في الآخرة، وعلى هذا يصحُّ أن يقال: لا بدَّ مِن لقاء الله تعالى.
﴿لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ رسلًا دون البشر، أو شهوداً على نبوَّته ﵇ ودعوى رسالته.
﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ جهرةً فيُخبرَنا برسالته ويأمرَنا باتِّباعه.
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: في شأنها، حتى أرادوا لها ما يتفق للأفراد من الأنبياء - الذين هم أكملُ خلقِ الله تعالى في أكملِ أوقاتها - وما هو أعظمُ من ذلك (١).
﴿وَعَتَوْا﴾ العتوُّ: الخروج إلى أفحشِ الظلم ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ بالغاً أقصى مراتبه؛ حيث عاينوا المعجزاتِ الباهرةَ فأَعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسِهم الخبيثةِ ما
стр. 3260
سُدَّت دونه مطامع النفوس القدسيَّة، واللام جوابُ قَسَم محذوف، وفي الاستئناف بالجملة حُسْنٌ وإشعار بالتعجُّب (١) من استكبارهم وعتوِّهم، فإن في فحوى هذا الفعل دليل على التعجيب من غير لفظه، أَلا يُرى أنَّ المعنى: ما أشدَّ استكبارهم وما أكبرَ عتوَّهم!
* * *
(٢٢) - ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾: ملائكةَ الموت أو العذاب، و ﴿يَوْمَ﴾ نصب بما دلَّ عليه: ﴿لَا بُشْرَى﴾؛ أي: يومَ يَرَون الملائكةَ يُمنعون البشرى أو يعدمونها (٢).
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مؤكِّد لـ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾، أو خبرٌ و ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ تبيينٌ، أو خبرٌ ثانٍ، أو ظرفٌ لِمَا تتعلَّق به اللام، أو لـ ﴿بُشْرَى﴾ إن قدِّرت منوَّنةً غيرَ مبنيَّةٍ مع (لا)، فإنَّها لا تعمل، أو بإضمار: اذْكُر، ثم أخبر فقال: لا بشرى بالجنة (٣) يومئذٍ.
وقيل: لا ينتصب بـ ﴿يَرَوْنَ﴾؛ لأنَّ المضاف إليه لا يَعمل في المضاف، ولا بـ ﴿بُشْرَى﴾؛ لأنها مصدرٌ، والمصدر لا يَعمل فيما قبله، ولأنَّ المنفىَّ بـ (لا) (٤) لا يَعمل فيما قبل (لا).
﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ظاهرٌ في موضعِ ضميرهم؛ تسجيلاً على جرمهم، وإشعاراً بما هو المانع للبُشرى والمُوجِبُ لما يقابلها، أو عامٌّ يَتناول حكمُه حكمَهم من طريق
стр. 3261
البرهان، ولا يلزم من نفي البشرى لعامة المجرمين حينئذٍ نفيُ البشرى بالعفوِ والشفاعةِ في وقتٍ آخر.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ عطفٌ على المدلول؛ أي: يقول الكفرةُ حينئذٍ هذه الكلمةَ؛ استعاذةً وطلباً من الله تعالى أن يَمنع لقاءَهم، وهي ممَّا كانوا يقولونه عند لقاءِ عدوٍّ أو هجومِ مكروهٍ، أو يقولها الملائكةُ بمعنى: حراماً محرَّماً عليكم الجنة أو البشرى.
وقرئ: (حُجْراً) بالضَّمِّ (١)، وأصله الفتح أو الكسر، فإنَّهما لغتان فيه، غير أنَّه لمَّا اختصَّ بموضعٍ مخصوصٍ غيِّر (٢)؛ كـ: قَعْدَكَ وعمرَكَ (٣)، ولذلك لم يتصرَّف فيه (٤)، ولا يظهر ناصبُه، ووصفه بـ ﴿مَحْجُورًا﴾ للتأكيد، كقولهم: موتٌ مائِتٌ.
* * *
стр. 3262
(٢٣) - ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ لا قدومَ ولا ما يُشبه القدومَ، ولكن مُثِّلت حالُ هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم - من صلةِ رحمٍ وإغاثةِ ملهوفٍ، وقِرَى ضيفٍ، ونحوِ ذلك - بحالِ مَن خالَفَ سلطانَه وعَصاهُ، فقدِم إلى أسبابه وما تحت يديه فأفسدها ومزَّقها كلَّ ممزَّقٍ، ولم يترك لها أثراً.
وعلى هذا يكون الكلامُ المذكورُ تمثيلاً على سبيل الاستعارة، لا الاستعارة (١) في مفرداته، بخلافِ ما إذا كان المعنى: وعَمدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم فأَحبطناهُ، فإنه حينئذٍ تكون الاستعارة في المفردات لا في الكلام.
والهباء: الشيءُ المنبثُّ الذي تراهُ في البيت من ضوء الشمس، والهباء أيضًا دُقاقُ التراب، ويقال له إذا ارتفع، و ﴿مَنْثُورًا﴾ صفته، وليس فيه تشبيهٌ على تقدير التمثيل.
وأمَّا على المعنى الثاني فقد شبَّه به عملَهم المُحبَط في حقارته وعدمِ نفعه ثَمَّ بالمنثور منه في انتشاره؛ بحيث لا يَقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع.
* * *
(٢٤) - ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ تمييزٌ، والمُستَقَرُّ: المكان الذي يُستَقَرُّ فيه في أكثرِ الأوقات للتجالُس والتحادُث.
﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قال الأزهريُّ: القيلولةُ والمَقيلُ: الاستراحةُ في نصف النهار
стр. 3263
وإن لم يكن مع ذلك نومٌ (١)، ورُوي أنه يُفرغُ من الحساب في نصف ذلك اليوم، فيقيلُ أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار (٢).
وفي لفظَي (٣) الخيرِ والأحسنِ تهكُمٌ بهم.
* * *
(٢٥) - ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾: واذْكُر يومَ ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ أصله: تتشقَّق، فحَذف التاءَ بعضُهم، وأَدغمها في الشين الآخرون (٤).
﴿بِالْغَمَامِ﴾: بسبب طلوعِ الغمام منها، وهو الغمام المذكور في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠].
﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ في ذلك الغمامِ بصحائف أعمالِ العباد.
* * *
(٢٦) - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾: الثابتُ له؛ لأنَّ كلَّ مُلْكٍ يومئذٍ يَبطُل ولا يَبقى إلَّا
стр. 3264
مُلْكَه تعالى، فهو الخبر، و ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ صلته أو تبيينٌ، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ معمولُ ﴿الْمُلْكُ﴾ لا ﴿الْحَقُّ﴾؛ لأنَّه متأخِّر، أو صفةٌ والخبر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أو ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾: شديداً؛ لِمَا يَنالهم من الأهوال والتشديد في السؤال، ثم الخزيِ والنكال، ثم النارِ والأغلال، ويُفهَم منه يُسْرُه على المؤمنين، وفي الحديث: "يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخفَّ من صلاةٍ مكتوبةٍ صلَّوها في الدنيا" (١).
* * *
(٢٧) - ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ مِن فرط الحسرة، وعضُّ اليدين كنايةٌ عن الغيظ والحسرة؛ لأنَّه من روادفهما، ولإفادة الدلالة على استمرارِ تلك الحال ضمِّن الفعلُ المذكور معنى الاستقرار، فعدَّاه بـ ﴿عَلَى﴾، والمراد بالظالم الجنس، وقيل: عُقْبَة بنُ أبي مُعَيْط.
﴿يَقُولُ﴾ جملة في محلِّ النصب على الحال: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ في الدنيا ﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ تابعاً له ﴿سَبِيلًا﴾ هَداهُ الله إليه، وتنكيره للإشعار بكمال الاتِّباع.
* * *
(٢٨) - ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾.
﴿يَاوَيْلَتَى﴾ وقرئ بالياء (٢)، وهو الأصل؛ لأنَّ الرجلَ ينادي ويلته، وهي هَلَكتُه، يقول لها: تعالي فهذا أوانُك.
стр. 3265
﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني: مَن أضلَّه، و (فلان) كنايةٌ عن الأعلام، كما أنَّ الهَنَ كنايةٌ عن الأجناس.
* * *
(٢٩) - ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾: عن ذِكْر اللهِ، أو كتابه، أو موعظةِ الرسول، أو كلمة الشهادة ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ من الله، اعترافٌ بالقصور من جانبه.
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني: الخليلَ المضِلَّ، أو إبليسَ؛ لأنَّه حَمَله على مخالفته ومخالفةِ الرسول، أو كلَّ مَن تشيطَنَ من الجنِّ والإنس ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المطيعِ له ﴿خَذُولًا﴾ مبالغةٌ في الخذلان؛ أي: من عادته ترك مَن يواليه وقتَ حاجته إليه.
* * *
(٣٠) - ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾؛ أي: في الدنيا بثًّا إلى الله، ولو كان في الآخرة لَمَا عدل عن سَنَنِ ما تقدَّم: ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشاً (١) ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾: متروكًا؛ أي: تركوه ولم يؤمنوا به، من الهجران، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾.
وفي هذا تعظيمٌ للشكاية وتخويفٌ لقومه؛ لأن الأنبياء ﵈ إذا شَكَوا إليه تعالى قومَهم، حلَّ عليهم العذابُ ولم يُنظَروا.
ثم أقبل عليه مسلِّياً وواعداً بالنصرة عليهم فقال:
стр. 3266
(٣١) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: كما جعلناه لك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ فاصبر كما صبروا، ومعنى الكلِّية الكثرةُ؛ كما في: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فلا يُشكِل بآدم ﵇؛ فإنه لم يكن مبتلًى بعداوة قومه، والعدوُّ يجوز أن يكون واحدًا وجمعاً.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾؛ أي: إلى طريق الصبرِ المؤدِّي إلى النصر، والباء زائدة، و ﴿هَادِيًا﴾ تمييزٌ، ويجوز أن يكون حالاً؛ أي: كفى ربُّك في حال الهداية.
﴿وَنَصِيرًا﴾ لك عليهم.
* * *
(٣٢) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: أحبارُ اليهود (١): ﴿لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ﴾؛ أي: أُنزل عليه كخبَّر بمعنى أَخْبَر، بدلالة قوله:
﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: مُجتمِعاً دفعةً واحدةً كالتوراة والزَّبور، وهذا فضولٌ من القول ومماراةٌ بما لا طائلَ تحته، وغفولٌ عن مقتضى أصولِ البلاغة؛ من وجوب رعاية المطابقة لمقتضى المقام (٢) في كلِّ جملةٍ من الكلام، ولا تتيسَّر تلك الرعاية عند نزولِ مجموعِ القرآن دفعةً واحدةً والشريعةِ من وجوبِ تقديم المُجمَل والعامِّ
стр. 3267
والمنسوخ، وتأخيرِ البيان والخاص والناسخ، ولا يتيسَّر ذلك أيضًا على التقدير المذكور والتذكير من (١) وجوب رعايةِ شرط التكرير، وهو أن يكون في أوقاتٍ متعدِّدة، مع أنَّ للتفرقة فوائدَ:
منها: ما أشار إليه بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ جوابٌ لهم؛ أي: أنزلناه إنزالاً كذلك (٢)، والإشارةُ إلى مدلولِ قولهم؛ لأَّن معناه: لِمَ ينزل عليه القرآنُ مفرَّقاً؟ فأَعْلمَ أن ذلك ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ بتفريقه؛ ليَقْوَى فؤادُك حتى تعيَهُ وتحفظَه؛ لأنَّ المتلقِّن وإن لم يكن أميًّا إنَّما يقوى قلبُه على حفظ العلم شيئًا بعد شيء، ولو أُلقيَ عليه جملةً واحدةً لعَجَزَ عن حفظه.
أو: لنثبِّت به فؤادَك عن الضَّجَر بتواتر الأصول، وتتابُع الرسول؛ لأن قلبَ المحبِّ يَسكُن بتواصل كُتُبِ المحبوب، ولأنه إذا نزل منجَّماً وهو يتحدى (٣) بكلِّ نجمٍ فيَعجزون عن معارضته، زاد ذلك قوَّة قلبه.
ومنها: أنَّ نزوله بحسب الوقائع يوجب زيادةَ بصيرة وغوصاً في المعنى (٤).
ومنها: انضمام القرائنِ الحالية إلى الدلالات اللفظية، فإنه يُعِين على البلاغة، وأما أنَّ الناسخ والمنسوخ لا يجتمعان، وكذا أسباب النزول لا يجتمعنَ، فليس من الفوائد وإن كان من جملة البواعث لذلك.
стр. 3268
ويحتمل أن يكون ﴿كَذَلِكَ﴾ من تمام كلامِ الكفرة، ولذلك وقف عليه، فيكون حالاً، والإشارة إلى الكتب السالفة، واللام على الوجهين متعلِّق بمحذوف.
﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾: وقرأناه عليك شيئًا بعد شيء على تُؤَدةٍ وتَمهُّلٍ، وأصله الترتيل في الأسنان وهو تفليجها (١).
* * *
(٣٣) - ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ سؤالٍ عجيبٍ من سؤالاتهم الباطلة، كأنه مَثَلٌ في البطلان.
﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الدافعِ له ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ وبما هو أحسن بياناً، التفسير: التكشيف عمَّا يدلُّ عليه الكلام.
* * *
(٣٤) - ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾؛ أي: يُساقون ويُجرُّون ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، ذمٌّ منصوب أو مرفوعٌ، أو مبتدأٌ خبرُه:
﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ جعل مكانهم شرًّا ليكون أبلغَ في الدلالة على شرارتهم، وقيل: ﴿مَكَانًا﴾: مُنصَرَفاً.
﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ وصفُ السبيل بالإضلال من الإسناد المجازيِّ للمبالغة، والمفضَّل عليه هو الرسولُ ﵊ على طريقةِ قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآية [المائدة: ٦٠]، كأنه قيل: إنَّ
стр. 3269
حاملَهم على هذه الأسولة (١) تحقيرُ مكانه بتضليل سبيله (٢)، ولا يعلمونَ حالَهم ليعلموا أنَّهم شرٌّ مكاناً وأضلُّ سبيلاً.
* * *
(٣٥) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التوراةَ ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ﴾ في عبارة ﴿مَعَهُ﴾ إشارةٌ إلى أصالةِ موسى ﵇ في أمر الدعوة ﴿أَخَاهُ هَارُونَ﴾ بدل أو عطفُ بيان ﴿وَزِيرًا﴾ وهو في اللغة: مَن يُرجَع إليه ويُتحصَّن برأيه، مِن الوَزَر وهو الملجأ، والوزارة لا تنافي النبَّوة؛ فقد كان يُبعَث في الزمن الواحد أنبياءُ، ويُؤمَرون بأن يُوازرَ بعضهم بعضاً.
* * *
(٣٦) - ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾.
﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: فرعونَ وقومِه.
﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ التدميرُ: الإهلاك (٣) بأمرٍ عجيبٍ، أراد الاختصارَ فاقتصر على حاشيتي القصَّة؛ لأنَّها المقصودُ منها، وهو إلزامُ الحجَّة ببعثة الرسل، واستحقاقُ التدمير بتكذيبهم، فالفاء فصيحةٌ، وهي فاءٌ سببيَّةٌ، ولا يلزمها التعقيب.
* * *
стр. 3270
(٣٧) - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ منصوب بفعل مقدَّر يفسِّره هذا الظاهر؛ أي: أغرقنا قومَ نوحٍ، والعامل في ﴿لَمَّا﴾ ذلك المحذوف.
﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾: أنكروا البعثةَ مطلقًا كالبراهمة.
﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ بالطُّوفان ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾: وجعلنا قصَّتهم ﴿لِلنَّاسِ آيَةً﴾: عبرةً.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ لقومِ نوحٍ ﵇، وأصله (١): وأعتدنا لهم، إلَّا أنه أراد تظليمَهم فأُظهروا، وهو عامٌّ لكلِّ مَن ظَلَمَ ظُلْمَ شركٍ، ويتناولهم بعمومه.
﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في جهنَّم، وأمَّا عذابهم في البرزخ فغيرُ متراخٍ عن إغراقهم.
* * *
(٣٨) - ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾.
﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ عطفٌ على (هم) في ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾، أو على ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ لأنَّ المعنى: ووعدنا الظالمين.
وإنَّما صُرفَ (ثمود)؛ على تأويل الحيِّ، أو لأنَّه اسمُ الأبِ الأكبرِ، وقرئ: ﴿وَثَمُودَ﴾ (٢) على تأويل القبيلة.
﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ هم قومُ شعيبٍ ﵇ كانوا يعبدون الأصنامَ فكذَّبوا
стр. 3271
شعيباً، فبينما هم حول ﴿الرَّسِّ﴾ - وهو البئرُ غيرُ المطويَّة (١) - انهارت بهم، فخُسف بهم وبديارهم.
وقيل: الرَّسُّ: قريةٌ نبيِّهم، فهلكوا وهم أصحاب الرَّسِّ والأُخدود.
﴿وَقُرُونًا﴾: وأهلَ أعصارٍ، قد مرَّ تفسير القرون في سورة الأنعام.
﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر ﴿كَثِيرًا﴾ لا يَعلمها إلا الله.
* * *
(٣٩) - ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾.
﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ بيَّنَّا له القصصَ العجيبةَ من الأمم التي كانت قبلهم؛ أي: حذَّرنا كلَّ أمة أن يَنزل بها ما نزل بمَن قبلها، فلمَّا أصرُّوا أُهلكوا، كما قال:
﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾؛ أي: أهلكنا إهلاكاً، وأصلُ التَّتبيرِ: التفتيتُ، ومنه: التِّبْر، لِفُتاتِ الذهبِ والزجاجِ.
و (كلًّا) الأوَّل منصوب بما دلَّ عليه ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾، وهو: أَنذرْنا، أو: حذَّرنا، والثاني بـ ﴿تَبَّرْنَا﴾ لأنَّه فارغ له.
* * *
(٤٠) - ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾.
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني: أهلَ مكَّة ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ سَدُوم، وهي أعظمُ قرى قومِ لوط ﵇.
стр. 3272
﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾؛ أي: أُهلكت بالحجارة، و ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ مفعول ثانٍ، والأصل: أُمطرت القريةُ مطراً، أو مصدر محذوف الزوائد؛ أي: إمطارَ السَّوء.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في مِرَارِ مرورهم فيتَّعظون بما يَرَون فيها من آثار عذابِ الله تعالى.
﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾: بل كانوا كفرةً لا يخافون (١) نشوراً، فلذلك لم يَنظروا ولم يتَّعظوا.
* * *
(٤١) - ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾: ما يتَّخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾: موضعَ هُزُوٍ، أو: مَهزوءاً به.
﴿أَهَذَا﴾ محكيٌّ بعد القول المضمَر، و (هذا) استصغارٌ واستحقار؛ أي: قائلين: ﴿أَهَذَا﴾.
﴿الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ والعائدُ إلى ﴿الَّذِي﴾ محذوف؛ أي: بعثه الله، وإخراجُه في معرض التسليم بجعله صلةً وهم في غاية الإنكارِ تهكُّمٌ واستهزاءٌ.
* * *
(٤٢) - ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
стр. 3273
﴿إِنْ كَادَ﴾: إنَّه كاد ﴿لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾: ليَصرفُنا عن عبادتها (١) ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ فيه دلالةٌ على فرط مجاهدةِ الرسول ﵊ في دعوتهم وعَرْضِ المعجزاتِ عليهم، حتى شارفوا - بزَعْمهم - أن يَتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرطُ لجاجِهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم.
ولمَّا عَدُّوا عبادتهم الأصنام رشاداً واعتقدوا صرفهم عنها ضلالاً، أوعدهم الله تعالى فقال:
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فيه وعيدٌ ودلالةٌ على أنَّه لا يُهملِهم وإنْ أَمهلهم.
* * *
(٤٣) - ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾.
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾؛ أي: مَن أطاع هواه فيما يأتي وَيذَر، فهو عابدُ هواه وجاعلُه آلهةً، فيقول لرسوله: هذا الذي لا يَرى معبوداً إلَّا هواهُ كيف تستطيع أنْ تَدعوَه إلى الهدى، وإنَّما قدَّم المفعول الثاني للإشعار بأنَّ المعبودَ حقُّه التقديمُ والتعظيم، فهم أَخلُّوا بحقِّه حيث اتخذوا أهواءَهم آلهةً (٢).
﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: حفيظاً تحفظه عن متابعة هواهُ وعبادةِ ما يهواهُ، أو: أفأنت تكون عليه موكَّلاً فتصرِفَه عن الهوى إلى الهدى، عرَّفه أنَّ إليه التبليغ فقط، فالاستفهام الأول للتعجُّب والتقرير، والثاني للإنكار.
стр. 3274
(٤٤) - ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ فيُجدي لهم الآياتُ أو الحِجَجُ فتهتمَّ بشأنهم وتطمعَ في إيمانهم.
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (أم) منقطعة، معناه: بل أَتحسب، كأنَّ هذه المذمَّة أشدُّ من التي تقدَّمتْها حتى حُقَّت بالإضراب عنها إليها، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول؛ لأنَّهم لا يُلقُون إلى استماع الحقِّ أُذُناً، ولا إلى تدبُّره (١) عقلاً، ومشبَّهين بالأنعام التي هي مَثَلٌ في الغفلة والضلالة، فقد رَكِبهم الشيطانُ بالاستزلال لتركهم الاستدلال.
ثم هم أَرجحُ ضلالةً منها؛ لأنَّ الأنعامَ تُسبِّح ربَّها وتسجد له، وتطيع مَن يَعلفها، وتعرف مَن يُحسِن إليها ممَّن يُسِيءُ إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنبُ ما يضرُّها، وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادونَ لربِّهم ولا يَعرفون إحسانه إليهم مِن إساءةِ الشيطان الذي هو عدوُّهم، ولا يطلبون الثوابَ الذي هو أعظمُ المنافع ولا يتَّقون العقاب الذي هو أشدُّ المضارِّ، ولا يهتدون للحقِّ الذي هو المَشْرع الهنيُّ والعَذْب الرَّويُّ.
وإنَّما ذكر الأكثر؛ لأنَّ فيهم مَن لم يصدَّه عن الإسلام إلَّا حبُّ الرئاسة، وكفى به داءً عضالاً، ولأنَّ فيهم مَن آمَنَ.
* * *
стр. 3275
(٤٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾: أَلم تنظر إلى صُنع ربِّك وقُدْرته ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾؛ أي: بَسَطه فعمَّ الأرضَ؛ وذلك من حينِ طلوع الفجر إلى وقتِ طلوع الشمس في قول الجمهور، ولأنَّه ظلٌّ ممدودٌ لا شمس معه ولا ظُلْمة، وهو أطيب الأحوال، فإنَّ الظُّلْمة الخالصة تُنفِّر الطبع وتسدُّ النظر، وشعاعَ الشمس يُسخِّن الجوَّ ويُبهِر البصرَ، ولذلك وَصَف به الجنة فقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].
﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾: ثابتاً دائماً لا يَزول ولا تُذهِبه الشمسُ، وفيه دليل على أنه تعالى يَفعل بالقدرة والاختيار لا بالإيجاب والاضطرار.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ لأنَّه بالشمس يُعرَف الظِّلُّ، ولولا الشمسُ لَمَا عُرفَ الظِّلُّ، فالأشياء تُعرَف بالأضداد.
* * *
(٤٦) - ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾.
﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ القَبْض: جَمْعُ المنبسطِ من الشيء، والمراد: إزالتُه بإيقاع الشيء موقعَه.
﴿إِلَيْنَا﴾؛ أي: حيث أردنا.
﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾: سهلاً، أو قليلاً قليلاً.
وجاء بـ ﴿ثُمَّ﴾ في الموضعين؛ لتفاضُل الأمور.
* * *
стр. 3276
(٤٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ شبَّه ظلامَه الساترَ باللباس.
﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾: راحةً للأبدان بقطع المشاغل، وأصلُ السَّبْتِ: القَطْعُ، والنائمُ مسبوتٌ؛ لأنَّه انقطع عملُه وحركتُه.
﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾: ذا نشور؛ أي: انبعاثٍ من النوم، كنُشُور الميت، أو يَنشُر فيه الخَلْقَ للمعاش.
وفي هذه الآية - مع دلالتها على قدرة الخالق - إظهارٌ لنعمته على خَلْقه، فإن في الاستجنان (١) بستر الليل فوائدَ دينيَّةٍ ودنيويَّة، وفي النوم واليقظة الشَّبِيهين بالموت والحياة عبرةً لمن اعتَبر.
* * *
(٤٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ وقرئ على التوحيد (٢)؛ إرادة للجنس ﴿نُشُرًا﴾ ناشراتٍ للسَّحاب، جمع: نَشُور، وقرئ بالفتح على أنه مصدرٌ وصفت به، وقرئ: ﴿بُشْرًا﴾ تخفيف بُشُر (٣)، جمع: بَشُور، بمعنى مُبشِّر.
стр. 3277
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: قدَّام المطر؛ لأنَّه ريح ثم سحاب ثم مطر، وهذه استعارةٌ مَليحةٌ.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾: بليغاً في طهارته، وذلك لأنَّه لم يَشُبْهُ شيءٌ، بخلاف ما نَبَعَ من الأرض ونحوه، فإنَّه يَشوبُه أجزاءٌ أرضيَّةٌ مِن مَقرِّه أو مِن ممرِّه، أو ممَّا يُطرَح فيه، وقيل: مُطهِّراً لقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وهو اسمٌ لِمَا يُتطهَّر به، كالوضوء لَمَا يُتوضَّأ به، قال ﵊: "الترابُ طهورُ المؤمنِ" (١).
* * *
(٤٩) - ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾.
﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ بالنباتِ ﴿بَلْدَةً﴾ ذكَّر ﴿مَيْتًا﴾ على إرادة البلد والمكان، أو لأنَّه غير جارٍ على الفعل كسائر أبنية المبالغة، فأُجري مجرى الجامد.
﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ وقرئ: (ونَسْقِيَه) (٢)، وسَقَى وأَسْقَى لغتان، والأناسيُّ: جمع إِنْسِيٍّ على القياس، ككِرْسيّ وكَراسيَّ، أو: إنسانٍ، وأصله: أَناسِين، كسِرْحان وسَراحين، فأُبدلت النونُ ياءً وأُدغمت.
وقدِّم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسيِّ لأنَّ حياتها سببٌ لحياتهما، فقدِّم سبب حياتهما على سقيهما.
стр. 3278
وتخصيصُ الأنعامِ مِن بين الحيوانِ الشارب؛ لأنَّ عامَّةَ منافع الأناسيِّ متعلِّقةٌ بها، فكان الإِنعامُ بسقي الأَنعام كالإِنعام بسقيهم.
وتنكيرُ الأنعام والأناسي ووصفُهما بالكثرة؛ لأنَّ أكثر الناس مُنيخون بالقُرب من الأودية والأنهار، فيهم غُنيةٌ عن سقي الماء، وأعقابهم - وهم كثيرٌ - يعيشون بما ينزل من رحمته.
وتنكيرُ البلدة؛ لأنَّه يريد بعضَ بلاد هؤلاء المتبعِّدين (١) عن مظانِّ الماء.
ولمَّا كان سقيُ الأناسيِّ من جملة ما أُنزِل له الماءُ وَصَفه بالطَّهور؛ إكرامًا لهم، وبياناً أنَّ من حقِّهم أن يُؤثِروا الطهارةَ في بواطنهم وظواهرهم؛ لأنَّ الطهورَّيةَ شرطٌ للإحياء.
* * *
(٥٠) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾: صرَّفنا هذا القولَ بين الناس في القرآن وسائرِ الكُتُب المنزلة على الرسل.
﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: ليتفكَّروا ويعتبروا، أو يعرفوا كمالَ القدرة وحقَّ النعمة فيَشكروا.
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: فأَبى أكثرُهم إلَّا كفر أن النعمة وقلَّةَ الاكتراث لها، وإنَّما عدل عن الضمير لكيلا يُتوهَّم أنَّ المرادَ أكثرُ ذلك الكثيرِ.
أو: صرَّفنا المطرَ بينهم في البلدان المختلفة والأوقاتِ المتغايرة على الصفات المتفاوتة مِن وابلٍ وطَلٍّ وجَودٍ ورذاذٍ ودِيْمَة، فأَبَوا إلَّا كفوراً، وأن
стр. 3279
يقولوا: مُطِرنا بنَوءِ كذا، ولا يذكروا صنعَ الله تعالى ورحمته، وعن ابنِ عبَّاس ﵄: ما مِن عامٍ أقلُّ مطراً من عامٍ، ولكن الله يُصرِّفه حيث يشاء، وقرأ الآية (١).
* * *
(٥١) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾: نبيًّا يُنذِر أهلها، يعني: أنَّ المقصودَ من البعثة إبلاغُ الدعوة وإلزامُ الحجة، لا الاهتمامُ في أمر الهداية وقَبولها، وإلَّا لفعلنا ما هو أدعى لذلك من دعوة كلِّ أهلِ قريةٍ بنذيرٍ مستقلٍّ.
* * *
(٥٢) - ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾.
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: فلا تُوافِق هواهُم في بعض الأمور؛ ابتغاءً لقَبولهم الدعوة ودخولِهم في طريق الهداية.
وأمَّا ما قيل: نبيًّا يُنذِر أهلَها فيخفُّ عليكَ أعباءُ النبوَّة، لكن قَصَرْنا الأمرَ عليكَ تعظيماً لشأنك وتفضيلاً لكَ على سائر الرسل، فقابِلْ ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة، فلا تُطعِ الكافرينَ فيما يريدونك عليه.
فيَرِدُ عليه: أنَّ موجَب ذلك العطفُ بالواو دون الفاء، على ما أَفصحَ عنه مَن قال: فقابل ذلك بالتشدُّد والتصبُّر، ولا تُطع الكافرين، ولم يَدْرِ أنَّ فيه تغييراً لنَظْم القرآن وإثباتاً للقصور فيه.
стр. 3280
﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ لترك طاعتهم الذي دلَّ عليه ﴿فَلَا تُطِعِ﴾ يعني: أنَّهم يجتهدون في إبطال حقِّك، فقابِلْهم بالاجتهاد في مخالفتهم (١) وإزاحة باطلهم.
﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ لأنَّه جهاد مع كلِّ الكفرة، على ما فُهم ممَّا سبق مِن بعثه إلى (٢) جميع القرى وجملة الأمم.
ثم عاد إلى تعداد النِّعَم فقال:
(٥٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: خلَّاهما متجاورين متلاصقين، تقول: مرجتُ الدَّابَّة، إذا خلَّيتَها ترعى، وسمَّى الماءَين الكثيرين الواسعين بحرين.
﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ قامعٌ للعطش مِن فرط عذوبته.
﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ بليغُ الملوحة، وقرئ: (مَلِحٌ) على فَعِلٍ (٣)، ولعلَّ أصله: مالح، فخفّف، كبَرِدٍ في بارد، وقد نقل الأزهريُ عن الكسائيِّ صحَّةَ: مالح، وإن كان المليحُ الفصيحُ: مِلْح (٤).
﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾: حاجزاً من قُدرته.
﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾: وتنافراً بليغاً، كأنَّ كلًّا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوِّذ
(٥٧) - ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: على التبليغ الذي دلَّ عليه ﴿إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
﴿مِنْ أَجْرٍ﴾: جُعْلٍ ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾: إلَّا فعلَ مَن شاء ﴿أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: أن يتقرَّب إليه ويَطلُب الزُّلفى عنده بالإيمان والطاعة، فصوَّر ذلك بصورة الأجر من حيث إنَّه مقصودٌ فِعْلُه، واستثناه منه قلعاً لشُبهة الطمع، وإظهاراً لغاية الشفقة، حيث اعتدَّ بإنفاعك نفسَك بالتعرُّض للثواب والتخلُّص عن العقاب أجراً وافياً مرضيًّا به، مقصوراً عليه، وإشعاراً بأنَّ طاعتهم تعود عليه بالثواب من حيث إنها بدلالته (١).
* * *
(٥٨) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾: اتَّخذْ مَن لا يموت وكيلاً، لا يَكِلْك إلى مَن يموت ذليلاً، يعني: ثِقْ به وأَسْنِد أمرَك إليه في استكفاءِ شرورهم والإغناءِ عن أجورهم، فإنه الحقيقُ بأن يُعتمَد عليه في كلِّ أمرٍ.
стр. 3283
﴿وَسَبِّحْ﴾ ونزِّهْه عن أن يَكِلَ إلى غيره مَن توكَّل عليه ﴿بِحَمْدِهِ﴾: بتوفيقه الذي يُوجب الحمدَ.
﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ﴾ ما ظَهَر منها وما بَطَن ﴿خَبِيرًا﴾: مطَّلعاً، يعني: أنَّه عالمٌ بأحوالهم، كافٍ في جزاء أعمالهم.
* * *
(٥٩) - ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قد سبق الكلام فيه، وذكره هنا لزيادة تقريرٍ لكونه حقيقًا بأنْ يُتوكَّلَ عليه من حيث إنه الخالق للكُلِّ والمتصرِّف فيه، وتحريضٌ على الثبات والتأنِّي في الأمور، فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعةِ نفاذِ أمره في كلِّ مراد خَلَقَ الأشياء على تَؤدَةٍ وتدرُّجٍ.
﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر لـ ﴿الَّذِي﴾ إنْ جُعل مبتدأً، أو لمحذوفٍ إنْ جعل صفةً لـ ﴿الْحَيِّ﴾، أو بدلاً من المستكنِّ في ﴿اسْتَوَى﴾، وقرئ بالجَرِّ (١) صفةً لـ ﴿الْحَيِّ﴾.
﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ السؤال كما يعدَّى بـ (عن) لتضمُّنه معنى البحث والاستفسار، يُعدَّى بالباء لتضمُّنه معنى الاعتناء، قيل: إنَّه صلة ﴿خَبِيرًا﴾ أي: فاسأل عمَّا ذكر من الخَلْق والاستواء عالماً يُخبرْك بحقيقته، وهو الله تعالى، أو جبريل ﵇، أو مَن وجده في الكتب المتقدِّمة ليصدقَكَ فيه.
* * *
стр. 3284
(٦٠) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾: للمشركين: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: لا نعرف الرحمنَ فنسجدَ له، فهذا سؤال عن المسمَّى به؛ لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم، والسؤال عن المجهول بـ (ما)، أو لأنَّهم ظنُّوا أنه أراد به غيرَه، ولذلك قالوا:
﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾؛ أي: للَّذي تأمرنا بالسجود له، أو لأمرك لنا من غيرِ عرفان، وقرئ: ﴿تَأْمُرُنَا﴾ بالياء (١)، على أنه قولُ بعضِهم لبعضٍ.
﴿وَزَادَهُمْ﴾؛ أي: الأمرُ المذكورُ ﴿نُفُورًا﴾: تباعُداً عن الإيمان.
* * *
(٦١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ يعني: البروج الاثني عشر، سُمِّيت به لظهورها وارتفاعها، قال الزجَّاج: كلُّ ظاهرٍ مُرتفِعٍ يقال له: بُرْجٌ (٢).
﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ يعني: الشمس لتوقُّدها، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦]. وقرئ: ﴿سِرَاجًا﴾ (٣) وهي الكواكبُ الكبارُ.
وقيل: الشمس والكواكب الكبار، وعلى هذا يَلزم تخصيصُ القمرِ بالذِّكر بعد دخوله في السُّرُج، مع أنَّ حقَّ التخصيص بالذِّكر للشمس؛ لظهور فضيلتها على سائرها.
стр. 3285
﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أي: مضيئاً بالليل، وقرئ: (قُمْراً) كالرَّشَد والرُّشْد، والعَرَب والعُرْب (١).
* * *
(٦٢) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ جعلهما ذَوَي خِلْفةٍ؛ يَخلُف كلٌّ منهما الَاخَر؛ بأن يَقوم مقامه فيما ينبغي أن يُعمَل فيه، أو بأن يَعتقِبان (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وهي للحالة مِن خَلَفَ، كالرِّكْبة والجِلْسة.
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾: يتذكَّر اَلاءَ الله ويتفكَّرَ في صنعه فيَعلم أنَّه لا بُدَّ له من صانعٍ حكيمٍ.
﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: أن يَشكُرَ اللّهَ على ما فيه مِن النِّعم.
* * *
(٦٣) - ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مبتدأٌ، خبره في آخر السورة ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ وإضافتهم إلى الرحمن للتخصيص والتفضيل، وقرئ: (وعُبَّادُ الرحمنِ) (٣) على أنه جمع: عابِد، كتُجَّار وتاجِر.
стр. 3286
﴿هَوْنًا﴾ حالٌ أو صفةٌ للمشي؛ أي: هَيِّنين، أو مشياً هيِّناً، والهونُ: الرِّفق واللِّين؛ أي: يمشون بسكينةٍ ووقارٍ وتواضعٍ دون مرحٍ واختيال وتكبُّر، ولذا ولقولِه: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] كَرِهَ بعضُ العلماء الركوبَ في الأسواق.
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾؛ أي: السفهاءُ بما يَكرهون ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: سداداً من القول يَسلمون فيه من الإيذاء والإثم، أو: تسلُّماً منكم؛ نتارككم ولا نجاهلكم، فأقيم السلام مقام التسلُّم (١).
قيل: نَسَختها آيةُ القتال. ولا وجه له؛ لأن الإغضاءَ عن السفهاء مُستَحسنٌ شرعاً ومروءةً.
هذا وصفُ نهارهم، ثم وَصَفَ ليلَهم بقوله:
(٦٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا﴾: جمع ساجد ﴿وَقِيَامًا﴾: جمع قائم، والبيتوتةُ خلاف الظلول، وهي أن يُدرِككَ الليلُ، نمتَ فيه أو لم تَنَم، وتخصيصُها لأن العبادةَ بالليل أحمزُ وأبعدُ من الرياء، وتأخيرُ القيام لمحافظة الفاصلة.
* * *
(٦٥) - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: لازماً، ومنه الغريم لملازمته، وهو إيذانٌ بأنهم مع حُسْنِ مخالطتهم مع الخَلْق
стр. 3287
واجتهادهم في عبادة الحقِّ وَجِلونَ مِن العذاب، مبتهِلونَ إلى الله في صَرْفه عنهم؛ لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقِهم على استمرار أحوالهم.
* * *
(٦٦) - ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ﴿سَاءَتْ﴾ في حُكْم: بِئْسَت، وفيها ضميرٌ مُبهَمٌ يُفسِّره ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ والمخصوصُ بالذَّمِّ ضميرٌ محذوفٌ معناه: ساءَت مستقرًّا ومقاماً هي، وهذا الضمير هو الذي ربط الجملةَ باسم (إنَّ) وجعلها خبراً لها.
أو بمعنى: أَحْزَنَت، وفيها ضمير اسم (إنَّ)، و ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ حالٌ أو تمييزٌ، والجملة تعليلٌ للعلَّة الأولى، أو تعليلٌ ثانٍ، وكلاهما يحتمِلان الحكاية والابتداء من الله تعالى.
* * *
(٦٧) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ الإسرافُ: مجاوزة الحدِّ في الإنفاق، والإقتارُ: التقصيرُ عمَّا لا بُدَّ منه، وعن ابنِ عباس ﵄: الإسرافُ: الإنفاقُ في معصية الله تعالى قلَّ أو كَثُرَ، والإقتار: مَنْعُ حقِّ اللهِ تعالى من المال (١).
وقال ﵊: "مَن مَنَعَ حقًّا فقد قَتَر، ومَن أَعطى في غيرِ حقٍّ فقد أَسرف" (٢).
стр. 3288
﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ بضمِّ التاء، وبضمِّ الياء وكسرِ التاء، وبفتحِ الياء وكسرِ التاء (١)، والقترُ والإقتارُ والتَّقتيرُ: التضييقُ الذي هو ضدُّ الإسراف.
﴿وَكَانَ﴾؛ أي: إنفاقهم ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: الإسراف والإقتار.
﴿قَوَامًا﴾ القَوام بالفتح: العَدل، وبالكسر: العماد، وهو ما يُقام به الحاجة، لا يَفضُل عنها ولا يَنقص، وهو خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ مؤكِّدة، ويجوز أن يكون الخبرُ ﴿قَوَامًا﴾، و ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ لغواً.
* * *
(٦٨) - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾؛ أي: لا يُشرِكون.
﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ أي: حرَّمها، يعني (٢): ذمَّ قتلها (٣)، وهي نفس الإنسان.
﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ متعلِّق بالقتل المحذوف، أو بـ ﴿لَا يَقْتُلُونَ﴾.
﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ نفى عنهم أُمَّهات المعاصي بعدما أَثبت لهم أصولَ الطاعات؛ إظهاراً لكمال إيمانهم، وإشعاراً بأنَّ الأجر المذكور موعودٌ للجامع
стр. 3289
بين ذلك، وتعريضاً للكفرة بأضدادهم، ولذلك عقَّبه الوعيد؛ تهديداً لهم فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ قال أبو عبيدة: الأثامُ: العقوبةُ (١)، وقرئ: (أيَّاماً) (٢) أي: شدائدَ، يقال: يومٌ ذو أيَّام؛ أي: صَعْبٌ.
* * *
(٦٩) - ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.
﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بدلٌ مِن ﴿يَلْقَ﴾ لأنهما في معنًى واحد؛ إذ مضاعفةُ العذاب هي لُقيُّ الآثام.
وقرئ: ﴿يُضَاعَفْ﴾ (٣) على الاستئناف، أو على الحال، وكذلك ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٤): ذليلاً.
* * *
(٧٠) - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ عن الكفر ﴿وَآمَنَ﴾ بمحمَّد ﵊ ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ بعد توبته.
﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ بأن يمحوَ سابق معاصيهم بالتوبة، ويُثبِت مكانها لواحقَ طاعاتهم، أو يوفِّقَهم للمحاسن بعد القبائح.
стр. 3290
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ولذلك يكفِّر السيئات ﴿رَحِيمًا﴾ يُبدِلها بالحسنات.
* * *
(٧١) - ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾.
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: ومن خرج عن المعاصي ودخل في الطاعات؛ أي: تاب وحقَّق التوبة بالعمل الصالح ﴿فَإِنَّهُ﴾ بذلك ﴿يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ مرضيًّا عنده، مُكفِّراً للخطايا، مُحصِّلاً للثواب.
* * *
(٧٢) - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾: لا يُقيمون الشهادةَ الباطلةَ، أو: لا يَحضرون محاضرَ الكذبِ، فإنَّ مشاهدةَ الباطل شَركةٌ فيه؛ لأنَّ حضورَهم ونظرَهم دليل على (١) الرضا به، وسببُ وجودِ الزيادة فيه.
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يعني: إذا مرُّوا بأهل اللغوِ والمشتغلينَ به، وهو كلُّ (٢) ما ينبغي أن يُلقى ويُطرح.
﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾: مُعرِضين عنه، مُكرِمين أنفسَهم عن التلوُّث به بالوقوف (٣) عليه والخوض فيه.
* * *
стр. 3291
(٧٣) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: قُرئَ عليهم القرآنُ، أو وُعِظوا به.
﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ هذا ليس بنفي للخرور، بل هو إثباتٌ له ونفىٌ للصَّمم والعَمى، ونحوه قول الشاعر:
بأيدي رجالٍ لم يَشيموا سيوفَهم … ولم تكثُر القتلى بها حين سُلَّتِ (١)
أي: بأيدي رجالٍ شاموا سيوفَهم، فقد كثرت القتلى.
يعني: أنَّهم إذا ذكِّروا بها خَرُّوا سُجَّداً وبُكيًّا، سامعينَ باَذانٍ واعيةٍ، مُبصرين بعيونٍ باصرةٍ لِمَا أُمروا به ونُهُوا عنه، لا كالمنافقين وأشباههم، دليله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] فإن القرآن يُفسِّر بعضُه بعضاً.
* * *
(٧٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ للبيان، كأنَّه قيل: هَبْ لنا ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ ثم بُيِّنت القُرَّةُ وفُسِّرت بقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، ومعناه: أنْ يَجعلهم اللهُ قُرَّةَ أعينٍ، وهو من قولهم: رأيتُ منكَ أسداً؛ أي: أنتَ أسدٌ.
أو للابتداء؛ على معنى: هَبْ لنا مِن جهتِهم ما تَقَرُّ به عيونُنا من طاعةٍ وصلاح،
стр. 3292
فإنَّ المؤمن إذا شاركه أهلُه في طاعةِ الله سُرَّ بهم قلبُه وقَرَّت بهم عينُه؛ لِمَا يَرى من مساعدته في الدِّين، وتوقُع لحوقهم به في الجنة.
وتنكير الأعين لإرادة تنكير القُرَّة تعظيماً، فإنَّ المضاف لا سبيلَ إلى تنكيره إلَّا بتنكير المضافِ إليه.
وإنما قيل: ﴿أَعْيُنٍ﴾ على القِلَّة، دون: عيون؛ لأن المرادَ أعينُ المتقين، وهي قليلٌ بالإضافة إلى عيونِ غيرهم.
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: أئمَّةً يَقتدون بنا في أمرِ الدِّين بإفاضة العلمِ والتوفيق للعمل، واكتفى بالواحد لدلالته على الجنس وعدم اللَّبْس، كقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] أو لأنَّه مصدر في الأصل، أو لأنَّ المرادَ: واجْعَل كلَّ واحدٍ منَّا، أو لأنَّهم كنفسٍ واحدةٍ؛ لاتِّحادهم في الطريقة واتفاقِ كلمتهم.
وقيل: جمعُ اَمٍّ، كصائمٍ وصيامٍ، ومعناه: قاصدين لهم مقتدِين بهم، قيل في الآية:
(٧٥) - ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾.
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾؛ أي: الغُرُفات؛ وهي العلالي في الجنَّة، فوحِّد اقتصاراً على الواحد الدالِّ على الجنس، دليلُه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بصبرهم على المشاقِّ مِن مضض الطاعات، ورفض الشهوات، وتحمُّل المجاهدات.
﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ دعاءٌ بالتعمير وبالسلامة، يعني: أنَّ الملائكة
стр. 3293
يُحيُّونهم ويسلِّمونهم، أو يُحيِّي بعضُهم بعضاً ويُسلِّم عليه، وقرئ: ﴿يُلَقَّوْنَ﴾ (١) مِن لقي (٢).
* * *
(٧٦) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يموتونَ ولا يخرجونَ عنها.
﴿حَسُنَتْ﴾؛ أي: الغرفة ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: موضعَ قرار وإقامةٍ، وهي في مقابَلةِ: ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ مِثْله إعراباً.
* * *
(٧٧) - ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾.
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ (ما) متضمِّنةٌ لمعنى الاستفهام، وهي في محلِّ النصب على المصدر، كأنه قيل: أيَّ عَبْءٍ يَعبأُ بكم؟ معناه: ما يصنع بكم ربِّي؟ مِن: عبأتُ الجيشَ، إذا هيَّأته.
﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾: لولا دعاؤه إيَّاكم إلى الإسلام، أو: لو لا عبادتُكم له؛ أي: أنه خَلَقكم لعبادته؛ لقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: الاعتبار عند ربِّكم لعبادتكم (٣)، أو: ما يَصنَع بعذابكم لو لا دعاؤكم معه آلهةً، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
стр. 3294
﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ بما أخبرتُكم به حيث خالفتُموه (١).
وقيل: فقد قصَّرتم في العبادة، من قولهم: كذب القتالَ، إذا لم يُبالغ فيه.
وقرئ: (فقد كذَّب الكافرون) (٢) منكم؛ لأن الخطاب لعامَّة الناس بما وجدَ في جنسهم من العبادة والتكذيب.
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ جزاء التكذيبِ وأَثَره ﴿لِزَامًا﴾ لازماً بكم، وإنَّما أُضمر من غير ذكرٍ للتهويل، أو التنبيه على أنه ممَّا لا يُكتنهُ كنهُه بالوصف.
وقرئ: (لَزاماً) (٣) بمعنى اللزوم، كالثبات والثبوت.
* * *