(٧٣) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: قُرئَ عليهم القرآنُ، أو وُعِظوا به.
﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ هذا ليس بنفي للخرور، بل هو إثباتٌ له ونفىٌ للصَّمم والعَمى، ونحوه قول الشاعر:
بأيدي رجالٍ لم يَشيموا سيوفَهم … ولم تكثُر القتلى بها حين سُلَّتِ (١)
أي: بأيدي رجالٍ شاموا سيوفَهم، فقد كثرت القتلى.
يعني: أنَّهم إذا ذكِّروا بها خَرُّوا سُجَّداً وبُكيًّا، سامعينَ باَذانٍ واعيةٍ، مُبصرين بعيونٍ باصرةٍ لِمَا أُمروا به ونُهُوا عنه، لا كالمنافقين وأشباههم، دليله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] فإن القرآن يُفسِّر بعضُه بعضاً.
* * *
(٧٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ للبيان، كأنَّه قيل: هَبْ لنا ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ ثم بُيِّنت القُرَّةُ وفُسِّرت بقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، ومعناه: أنْ يَجعلهم اللهُ قُرَّةَ أعينٍ، وهو من قولهم: رأيتُ منكَ أسداً؛ أي: أنتَ أسدٌ.
أو للابتداء؛ على معنى: هَبْ لنا مِن جهتِهم ما تَقَرُّ به عيونُنا من طاعةٍ وصلاح،
стр. 3292
فإنَّ المؤمن إذا شاركه أهلُه في طاعةِ الله سُرَّ بهم قلبُه وقَرَّت بهم عينُه؛ لِمَا يَرى من مساعدته في الدِّين، وتوقُع لحوقهم به في الجنة.
وتنكير الأعين لإرادة تنكير القُرَّة تعظيماً، فإنَّ المضاف لا سبيلَ إلى تنكيره إلَّا بتنكير المضافِ إليه.
وإنما قيل: ﴿أَعْيُنٍ﴾ على القِلَّة، دون: عيون؛ لأن المرادَ أعينُ المتقين، وهي قليلٌ بالإضافة إلى عيونِ غيرهم.
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: أئمَّةً يَقتدون بنا في أمرِ الدِّين بإفاضة العلمِ والتوفيق للعمل، واكتفى بالواحد لدلالته على الجنس وعدم اللَّبْس، كقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] أو لأنَّه مصدر في الأصل، أو لأنَّ المرادَ: واجْعَل كلَّ واحدٍ منَّا، أو لأنَّهم كنفسٍ واحدةٍ؛ لاتِّحادهم في الطريقة واتفاقِ كلمتهم.
وقيل: جمعُ اَمٍّ، كصائمٍ وصيامٍ، ومعناه: قاصدين لهم مقتدِين بهم، قيل في الآية:
(٧٥) - ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾.
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾؛ أي: الغُرُفات؛ وهي العلالي في الجنَّة، فوحِّد اقتصاراً على الواحد الدالِّ على الجنس، دليلُه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بصبرهم على المشاقِّ مِن مضض الطاعات، ورفض الشهوات، وتحمُّل المجاهدات.
﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ دعاءٌ بالتعمير وبالسلامة، يعني: أنَّ الملائكة
стр. 3293
يُحيُّونهم ويسلِّمونهم، أو يُحيِّي بعضُهم بعضاً ويُسلِّم عليه، وقرئ: ﴿يُلَقَّوْنَ﴾ (١) مِن لقي (٢).
* * *
(٧٦) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يموتونَ ولا يخرجونَ عنها.
﴿حَسُنَتْ﴾؛ أي: الغرفة ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: موضعَ قرار وإقامةٍ، وهي في مقابَلةِ: ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ مِثْله إعراباً.
* * *
(٧٧) - ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾.
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ (ما) متضمِّنةٌ لمعنى الاستفهام، وهي في محلِّ النصب على المصدر، كأنه قيل: أيَّ عَبْءٍ يَعبأُ بكم؟ معناه: ما يصنع بكم ربِّي؟ مِن: عبأتُ الجيشَ، إذا هيَّأته.
﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾: لولا دعاؤه إيَّاكم إلى الإسلام، أو: لو لا عبادتُكم له؛ أي: أنه خَلَقكم لعبادته؛ لقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: الاعتبار عند ربِّكم لعبادتكم (٣)، أو: ما يَصنَع بعذابكم لو لا دعاؤكم معه آلهةً، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
стр. 3294
﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ بما أخبرتُكم به حيث خالفتُموه (١).
وقيل: فقد قصَّرتم في العبادة، من قولهم: كذب القتالَ، إذا لم يُبالغ فيه.
وقرئ: (فقد كذَّب الكافرون) (٢) منكم؛ لأن الخطاب لعامَّة الناس بما وجدَ في جنسهم من العبادة والتكذيب.
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ جزاء التكذيبِ وأَثَره ﴿لِزَامًا﴾ لازماً بكم، وإنَّما أُضمر من غير ذكرٍ للتهويل، أو التنبيه على أنه ممَّا لا يُكتنهُ كنهُه بالوصف.
وقرئ: (لَزاماً) (٣) بمعنى اللزوم، كالثبات والثبوت.
* * *
ولَمَّا كانَ مظنَّة أنْ يُقال: إنَّ ذلك لتنفيذِ أمرِ اللهِ تعالى وتحصيلِ المرادات الإلهيَّة مِن الأوامر والنَّواهي تُدورِكَ (١) دفعُه بقوله:
(٤) - ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.
﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ قاهرةً قاسرةً لهم على الإيمان، أُشيرَ إلى ذلك بقولِه: ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني: أنَّ إيمان تلك الطَّائفة ليس بمرادٍ لنا، إنَّما المرادُ مِن بعثِكَ تبليغُ أحكامِ التَّكليفِ على ما تقتضيه الحكمة، فليس أمرُنا عن إرادةٍ، ولا نهيُنا عن كراهةٍ.
﴿فَظَلَّتْ﴾ عطف على ﴿نُنَزِّلْ﴾، عطفَ (أكنْ) على (أصَّدَّق) (٢)؛ لأنَّه لو قيل: أنزلنا، بدله لصحَّ.
﴿أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ الخضوعُ أمارةُ الانقياد اللَّازم للإذعان، وهو المراد هاهنا (٣) بطريق الكناية، أصله: فظلُّوا لها خاضعين، فأقحِمَتِ الأعناق لبيان موضعِ الخضوع (٤)، وتُرِكَ الخبرُ على أصله، وفي الكناية المقصودة مِن عبارة الخضوع إشارةٌ إلى أنَّ قهر تلك الآية قهرُ حجَّةٍ وبرهانٍ، فلا يفوت الاختيار المعتَبر في صحَّة الإيمان.
* * *
стр. 3297
(٥) - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾.
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: ما يجدِّد (١) لهم اللهُ تعالى بوحيه على نبيِّه موعظةً وتذكيراً إلَّا استمروا على ما اعتادوا عليه مِن الإعراض.
* * *
(٦) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ حذفُ المفعولِ إشارةٌ إلى أنَّ تكذيبَهم تجاوَزَ عن حدِّ الخصوص إلى حدِّ العموم؛ فإنَّ تكذيبَهم محمَّداً ﵊ كان تكذيباً لسائر الأنبياء المخبِرين عنه والمبشِّرين به، بل تكذيباً لله تعالى أيضًا، والفاء في قوله (٢):
﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ فصيحةٌ، تُفصِحُ عن محذوفٍ معطوفٍ على المذكور، تقديره: واستهزؤوا به.
﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ إتيانُ الخبرِ: عبارةٌ عن وقوعِ المحذورِ المنتَظرِ، وهذا وعيدٌ لهم، وإيذانٌ بأنَّهم سيعلمون -إذا مسَّهم العذابُ يومَ بدرٍ أو يومَ القيامةِ- الشَّيءَ الذي كانوا يستهزئون به.
* * *
(٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾ الواو للعطف على محذوفٍ، تقديره: ألم يتأمَّلوا في عجائب قدرةِ اللهِ تعالى، ولم ينظروا إلى الأرض؟!
стр. 3298
﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ الزَّوجُ: اللَّونُ؛ قاله الفرَّاء (١)، و ﴿كُلِّ﴾ للإحاطة، و ﴿كَمْ﴾ للكثرة.
﴿كَرِيمٍ﴾: كثيرِ المنفعة، يأكل منه (٢) النَّاسُ والإنعامُ، كالرَّجلِ الكريمِ الذي نفعُه عامٌّ.
وفيه دلالةٌ على كمال القدر، ولذلك قال:
(٨) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: إنباتِ تلك الأنواع ﴿لَآيَةً﴾ عظيمةً على أنَّ مُنبِتَها تامُّ القدرةِ عامُّ النِّعمةِ والرَّحمةِ ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: مصدِّقين.
و ﴿كَانَ﴾ هنا صلة في قول سيبويه (٣)، وهذا إخبار عن حالهم في الواقع، لا عن حالهم في علم الله تعالى.
* * *
(٩) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ الذي لا يغالَبُ، فليسَ لعجزِه وضعفِه طالَتْ مدَّةُ هؤلاءِ في الشِّرك والعتوِّ.
﴿الرَّحِيمُ﴾ فلا يعجِّلُ في عقوبتهم؛ إذ لا يَخاف الفوت، ويقبل توبةَ مَن تابَ منهم قبل الموت.
стр. 3299
ولَمَّا كانَ مساقُ الكلام في بيان القُدرةِ قدَّمَ صفة العزَّة على الرَّحمة، والرَّحمة إذا (١) كانت عن قدرةٍ كانَت أعظمَ وقعاً.
* * *
(١٠) - ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ مقدَّر بـ (اذكر) (٢)، أو ظرفٌ لِمَا بعدَه (٣).
﴿أَنِ ائْتِ﴾: (أن) مصدرَّية أو تفسيريَّة.
﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم، أو لبني إسرائيل.
* * *
(١١) - ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾.
﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عطفُ بيانٍ، وليس فيه اقتصارٌ على قومِه، بل اكتفاءٌ بالدِّلالة في جانبه، وإيماءٌ (٤) للإشارة إلى أن (٥) ظُلْمَ قومِه لاتِّباعِهم له.
﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ استئنافٌ للتَّعجُّب من إفراطهم في الظُّلم واجترائهم عليه، وقرئ بالتَّاء (٦) على الالتفات للتَّوبيخ والحثِّ.
стр. 3300
وأصلُ الاتِّقاءِ: صرفُ الأمرِ لحاجزٍ بينه وبين الصَّارف، والمرادُ: اتِّقاءُ العِقابِ بالطَّاعةِ.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ﴾ الخوفُ: انزعاجُ النَّفسِ بتوقُّع الضَّررِ.
﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ لتكذيبهم إيِّايَّ، مستأنَفٌ أو عطفٌ على ﴿أَخَافُ﴾.
﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ على ما أرى مِن المحال، وأسمعُ من الجدال.
وينصبهما يعقوبُ (١) عطفاً على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، فالخوف متعلِّقٌ بهذه الثَّلاثة على هذا التَّقدير، وبالتَّكذيب وحدَه بتقدير الرَّفع.
﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾؛ أي: أرسل إليه جبريلَ واجعله نبيًّا يُعينني على الرسالة، ولم يكنْ هذا الالتماس منه ﵇ توقُّفاً في الامتثال، بل التِماسُ عونٍ في تبليغ الرِّسالة، وتمهيد العذر (٢) في التماس المعين على تنفيذ الأمر، وكفى بطلب العون دليلاً على التَّقبُّل لا على التَّعلُّل، ومِن الدَّليلِ على ذلكَ وقوعُ ﴿فَأَرْسِلْ﴾ معترِضاً بين الأوائل والرَّابعة (٣)؛ فإنَّه لو كان تعلُّلاً لأخِّر (٤).
стр. 3301
(١٤) - ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾.
﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾: دعوى جُرْمٍ، وهو قتلُ القِبْطيِّ.
﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ كان عندَه ﵇ خوفان: خوفُ تلفِ النَّفسِ، وخوفُ فواتِ مصلحة الرِّسالة، وإنَّما قدَّم الثَّاني على الأوَّل تقديماً لمصلحة الرِّسالة على مصلحة نفسه كما هو اللَّائق بشأن أولي العزم مِن الأنبياء ﵈.
* * *
(١٥) - ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾.
﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ إجابةٌ له إلى الطَّلِبتَيْن بوعدِه للدَّفع اللَّازم ردعه (١) عن الخوف، وضمِّ أخيه إليه في الإرسال.
والفاء فصيحةٌ دلَّتْ على محذوفٍ تقديرُه ظاهرٌ مِن التَّفصيل في موضعٍ آخر، حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا﴾ الآية [الفرقان: ٣٥ - ٣٦]، فالخطاب في ﴿فَاذْهَبَا﴾ على تغليب الحاضر؛ لأنَّه عطف على الفعل الذي دلَّ عليه ﴿كَلَّا﴾، كأنَّه قيل: ارتدعْ يا موسى عمَّا تظنُّ، فاذهَبْ أنت والذي طَلَبْتَه، وهو هارون.
﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ يعني: موسى وهارون ﵉ وفرعون.
﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ الاستماعُ من السَّمع بمنزلة النَّظر من الرُّؤية، والكلام من قَبيل التَّمثيل، والمراد: إنَّا لكما ولعدوِّكما كالنَّاصر الظَّهير لكما عليه إذا حضر واستمع
стр. 3302
ما يجري بينكما وبينه، فالمفردات (١) على حقائقها، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
* * *
(١٦) - ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا﴾ له (٢) ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ويجوز أنْ يُقال: أفردَ الرَّسولَ لاتِّفاقِ كلمتِهما، أو أفرد هنا (٣) وثنَّى في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، وذلك لأنَّه كان في هارون ﵇ جهتان؛ جهة الرِّسالة مِن الله تعالى، وجهة الوزارة لموسى ﵇ على ما نطقَ به قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٥]، فحين قيل: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ (٤) [طه: ٤٧] نظر إلى جهة رسالته من الله تعالى، وحين قيل: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) نظر (٦) إلى جهة وزارته لموسى ﵇، ولكون موسى ﵇ أصلاً في باب الرسالة كان مخاطبة فرعون إياه ومجادلته معه خاصَّة. وإنَّما زِيدَ قوله: (له) (٧) لعدم كاف الخطاب المغني عنه.
стр. 3303
(١٧) - ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: بأن أطلق بني إسرائيل عن أسر الاستعباد، وخلِّهم يذهبوا حيث شاؤوا، وهو كإرسال (١) الصَّيد وأهل القيد.
* * *
(١٨) - ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾ فرعونُ لموسى بعدَ ما أتياه وقالا له ذلك:
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ التَّربيةُ: تنشئةُ الشَّيء حالاً بعدَ حالٍ.
﴿فِينَا﴾: في منازلنا ﴿وَلِيدًا﴾: طفلاً، سُمِّيَ به لقربه مِن الوِلادة.
﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قيل: مكثَ فيهم ثلاثينَ سنةً.
* * *
(١٩) - ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يعني: قتلَ القِبطيِّ. وبَّخَهُ به معظِّماً إيِّاه (٢) بعدما عدَّدَ عليه مِن نِعمتِهِ، وإنَّما عرَّضَ رعايةً لدأبِ الملوكِ.
وقرئ: (فِعْلتَكَ) بالكسر (٣)؛ لأنَّها كانَتْ قِتلةً بالوَكْزِ (٤).
стр. 3304
﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ بنعمتي، حيث قتلْتَ خبَّازي.
* * *
(٢٠) - ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾.
﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا﴾؛ أي: إذ ذاك ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: الجاهلين، وقد قرئ به (١)، والمعنى: مِن الفاعلين فِعلَ أولي الجهلِ، أو: مِن الذَّاهِلين عمَّا يَؤول إليه الوَكْزُ؛ لأنَّه أراد به التَّأديب.
والضَّالُّ عن الشَّيء: هو الذَّاهِبُ عَن معرفتِه.
* * *
(٢١) - ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ الفِرارُ: الذَّهابُ على وجهِ التَّحرُّزِ مِن الإدراكِ ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ أنْ تقتلوني (٢).
﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾: حكمةً ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: مِن جُملةِ رُسُلِهِ.
* * *
(٢٢) - ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (تلك) إشارةٌ إلى خصلة شنعاءَ مبهمةٍ لا يُدرى ما هي إلَّا بتفسيرها.
стр. 3305
ومحلُّ ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ الرَّفعُ عطفَ بيانٍ لـ (تلك)؛ أي: تعبيدك (١) لبني إسرائيل نعمةٌ تمنُّها عليَّ! كرَّ على امتنانِه عليه بالتَّربية فأبطلَه من أصلِه، وأبى أن (٢) يسمي نعمته إلَّا نقمة، حيثُ (٣) بيَّنَ أنَّ حقيقةَ إنعامِه عليه تعبيدُ بني إسرائيل؛ لأنَّ تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السَّبب في حصوله عنده وتربيته، ولو تركهم لربَّاه (٤) أبواه، فكأنَّ فرعونَ امتنَّ على موسى ﵇ بتعبيد قومه وإخراجه مِن حجر أبوَيْه إذا حُقِّقَتْ (٥).
وتعبيدُهم: تذليلُهم واتِّخاذُهم عبيداً.
ووحَّد الضمير في ﴿تَمُنُّهَا﴾ و ﴿عَبَّدْتَ﴾ وجمع في ﴿مِنْكُمْ﴾ و ﴿خِفْتُكُمْ﴾؛ لأنَّ الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكنَّه منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله.
* * *
(٢٣) - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لَمَّا سمع جوابَ ما طَعن به فيه (٦)، ورأى أنَّه لم يَرْعَوِ بذلكَ، شرعَ في الاعتراض على دعواه، فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسِل.
стр. 3306
(٢٤) - ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ عرَّفَه بأظهر خواصِّه وآثارِه لَمَّا امتنعَ تعريفُ حقيقتِه.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: إنْ كنتم تعرفون الأشياء بالدَّليل، فكفى (١) خلقُ هذهِ الأشياءِ دليلاً، وإن كان يُرْجَى منكم الإيقانُ الذي يؤدِّي إليه النَّظرُ الصَّحيح نفَعَكم هذا الجواب، وإلَّا لم ينفعْ.
والإيقانُ: العلمُ الذي يُستَفادُ بالاستدلال، ولذا لا يُقالُ: اللهُ موقِنٌ.
* * *
(٢٥) - ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾.
﴿قَالَ﴾ فرعونُ ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ مِن أشرافِ قومِه:
﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ مُعجِّباً قومَه مِن جوابه؛ لأنَّهم يزعمون قدَمهما (٢) وينكرون أنَّ لهما ربًّا، فاحتاجَ موسى ﵇ إلى أن يستدلَّ بما شاهدوا مِن حدوثِه وفنائِه.
* * *
(٢٦) - ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبُّكُمْ﴾ عدولاً إلى ما لا مجال للنِّزاع فيه، وإنَّما قال:
﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ لأنَّ فرعون كان يدَّعي الرُّبوبيَّة على أهل عصره، دونَ مَن تقدَّمهم.
стр. 3307
(٢٧) - ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.
﴿قَالَ﴾ فرعونُ: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ أسألُه عن شيءٍ ويجيبُني عن آخر!
وسمَّاه رسولًا سخريةً، وترفَّعَ (١) عن نسبته إلى نفسه ولو سخريةً، ولذلك لم يقل: (إلينا).
* * *
(٢٨) - ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ انتقلَ إلى هذا لأنَّ طلوعَ الشَّمس مِن أحد الخافِقَين وغروبها في الآخر على تقديرٍ مستقيمٍ في فصول السَّنة، وحسابٍ مستوٍ، مِن أظهرِ ما استدلَّ به (٢)، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليلُ الرَّحمن عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمرود بن كنعان.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: إنْ كانَ لكم عقلٌ علمتُم أنَّه لا يمكنُ معرفتُه إلَّا بهذا الطَّريق.
* * *
(٢٩) - ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.
فلمَّا تحيَّر فرعونُ ولم يتهيَّأ له أنْ يَدفعَ ظهورَ آثار صنعِه ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ عُدولاً إلى التَّهديد عن المحاجَّة بعد الانقطاع، وهكذا دَيْدَنُ المعانِدِ المحجوجِ.
стр. 3308
واللَّام في ﴿الْمَسْجُونِينَ﴾ للعهد؛ أي: ممَّنْ عرفْتَ حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يريد سَجنه فيطرحَه في هوَّةٍ ذاهبةٍ في الأرض، بعيدةِ العمقِ، فرداً لا يُبصرُ فيها (١) ولا يسمعُ، وكان ذلك أشدَّ من القتل، ولو قيل: (لأسجننك) لم يؤدِّ هذا المعنى، وإن كان أَخْصَرَ.
* * *
(٣٠) - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾.
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ الواو للحال، وهمزة الاستفهام إنَّما دخلَتْ على الفعل المقدَّر، والمعنى: أتفعل ذلك ولو جئتك.
﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ صِدْقَ دَعوايَ؛ يعني: المعجزة.
* * *
(٣١) - ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ﴾: بالذي يبيِّنُ صِدقَكَ ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في أنَّك قادر على إتيانه، وهذا الكلام بمعزَلٍ عن الدِّلالة على أنَّ المعجزة لا يأتي بها إلَّا الصادق (٢).
* * *
(٣٢) - ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: حيَّةٌ عظيمةٌ، يُقال: انثعبَ الماءُ: إذا جرى
стр. 3309
باتِّساعٍ، والمثعَبُ: المجرَى الواسِع، ومنه: الثُّعبانُ؛ لأنَّه يجري باتِّساعٍ لعظمه (١).
والجانُّ أيضًا: هو العظيم من الحيَّات، ذكره في "الفائق" (٢).
فلا تَدَافُعَ بينَ هذا وبينَ قوله: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: ١٠]، على أنَّ المشابهة للجانِّ في الاهتزاز لا ينافي الثُّعبانيَّة، على تقدير المخالفة بينهما في القَدْرِ.
﴿مُبِينٌ﴾ أبانَ عن نفسه أنَّه ثُعبانٌ حقيقةً، لا شيءٌ يشبه الثُّعبان، كما تكون الأشياء المزوَّرة بالشَّعوذة (٣) والسِّحر.
* * *
(٣٣) - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾؛ أي: أخرجَها مِن جيبِه أو كمِّه. والنَّزْعُ: إخراجُ الشَّيءِ ممَّا كان (٤) متَّصلاً به، أو ملابساً له.
﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ لها شُعاعٌ يكاد يُغشي الأبصار ويسدُّ الأفق.
وفي قوله: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ دلالةٌ على أنَّ بياضها كان شيئًا يجتمع (٥) النَّظَّارَةُ (٦) على النَّظر إليه؛ لخروجه (٧) عن العادة.
стр. 3310
(٣٤) - ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿قَالَ لِلْمَلَإِ﴾: للأشراف (١)؛ ليلبِّسَ عليهم.
﴿حَوْلَهُ﴾ منصوب بنصبَيْن؛ نصب في اللَّفظ، والعامل فيه ما يُقدَّر في الظَّرف، ونصب في المحلِّ وهو النَّصب على الحال من الملأ؛ أي: كائنين حولَه، والعامل فيه ﴿قَالَ﴾.
﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: فائِقٌ في علم السِّحر.
* * *
(٣٥) - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ بأنْ يُلقِي العَداوةَ والفُرْقةَ بينكم، ويستميل بعضَكُم ليحارِبَ به بعضَكُم، فيخرجَكُم مِن بلادِكم.
﴿فَمَاذَا﴾ منصوب لأنَّه مفعول به، من قولك: أمرتُكَ الخيرَ (٢).
﴿تَأْمُرُونَ﴾: تشيرون في أمرِه، من المؤامَرة، وهي المشاوَرة.
* * *
(٣٦) - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾؛ أي: أخِّر أمرَهما، وإنَّما أشاروا بذلك لأنَّهم رأوا أنَّ
стр. 3311
النَّاس يُفتَنون إنْ قُتِل أو حُبِس، وأنَّ السَّحرة إذا قاومَتْه زالَ ذلك الافتتان، فكان له حينئذ عُذْرٌ في قتلِه أو حبسِه بحسب ما يراه.
﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾: رجالاً يحشرون. والحشرُ: السَّوقُ مِن جهاتٍ مختلفة إلى مكانٍ واحدٍ.
ثم إنَّهم عارضوا قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بقولهم:
(٣٧) - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾.
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ فجاؤوا بكلمة الإحاطة وصيغةِ المبالغة ليسكِّنوا بعضَ قلقِه.
* * *
(٣٨) - ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.
﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾؛ أي: أَنفذ الحاشرين في المدائن، وأنهم حَشَروا فجمعوا السَّحرة، فالفاء فصيحة.
﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾: يومِ الزِّينة، وميقاتُه: وقتُ الضُّحى؛ لأنَّه الوقت (١) الذي وقَّتَ لهم موسى ﵇ في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩].
والميقاتُ: ما وُقِّتَ به - أي: حُدِّدَ - مِن زمانٍ أو مكانٍ، ومنه مواقيت الإحرام.
* * *
стр. 3312
(٣٩) - ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾.
﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾؛ أي: اجتمِعوا، وهو استبطاءٌ لهم في الاجتماع، والمراد منه استعجالهم.
* * *
(٤٠) - ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.
﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ في دِينهم ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: إن غلبوا موسى ﵇، وليس غرضُهم اتِّباع السَّحرة، وإنَّما الغرضُ أن لا يتَّبعوا موسى ﵇، فساقوا الكلامَ مساقَ الكناية.
والغَلَبة: الاستعلاءُ بالقوَّةِ.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ الأجرُ: الجزاءُ على العمل بالخير، وإذا كان بالشَّرِّ يُسمَّى عقابًا.
﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا﴾؛ أي: حينئِذٍ ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ التزمَ لهم الأجرَ، والقُرْبَةَ عنده زيادةً عليه إنْ غَلَبَوا (١).
* * *
стр. 3313
(٤٣) - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾.
﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ لم يُرِدْ به أمرَهم بالسَّحر والتَّمويه، بل الإذنُ في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة؛ توسُّلاً به إلى إظهار الحقِّ، ولذلك زاد قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ فإنَّ قوله: ﴿أَلْقُوا﴾ كان كافياً في جوابهم حين قالوا: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥].
* * *
(٤٤) - ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾.
﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا﴾؛ أي: جاؤوا بسحرٍ عظيمٍ وقالوا، فالواو فصيحةٌ.
﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ أقسموا بعزَّته، وهي مِن أيمان الجاهليَّة. والعزَّةُ: القدرةُ (١) التي يُمتَنع بها مِن إلحاقِ ضيمٍ لعلوِّ منزلَتِها.
* * *
(٤٥) - ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.
﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ الفاءُ فصيحةٌ تنبئ عن مقدَّر ذُكِرَ في سورة الأعراف.
﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ التَّلقُّفُ: تناول الشَّيء بالفم بسرعة.
﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾: ما يخيلونه (٢) منقلِباً عن وجهه بتمويههم وتزويرهم، أو: إفكَهم؛ تسميةً للمأفوك به مبالغةً.
стр. 3314
(٤٦) - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾.
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ لعلمهم بأنَّ مثلَه لا يتأتَّى بسحرٍ.
وعبَّرَ عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة؛ لأنَّه ذُكِرَ مع الإلقاءات، ولسرعةِ ما سجدوا كأنَّهم أُلْقُوا.
* * *
(٤٧) - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بدلٌ مِن (ألقي) بدلَ الاشتمال، أو استئنافٌ.
* * *
(٤٨) - ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ عطفُ بيانٍ لـ ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّهم أرادوا به فرعون؛ لأنَّه حين حشر جنوده نادى فقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].
* * *
(٤٩) - ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾؛ أي: لموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ بذلك.
﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ فعلَّمكم شيئًا دون شيءٍ، فلذلك غلبَكُم، وواعدَكُم ذلك، وتواطأتم عليه، وقد أفصح عن ذلك في سورة الأعراف، وأراد به التَّلبيس على قومِه كيلا يعتقدوا أنَّهم اَمنوا عن بصيرةٍ وظهورِ حقٍّ.
﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ ما قصدتم، فالفاء فصيحةٌ، ومدخولُها مرتبِطٌ
стр. 3315
بمحذوفٍ، وهو على ما ذكر في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف: ١٢٣]، ثمَّ خبَّرَ بما كَنى عنه فقال:
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ مِن كلِّ (١) شِقٍّ طرفاً، وهذه الطَّريقةُ في السِّياسة على الحكمة؛ فإنَّه حينئذٍ لا ييأس الجاني عن الحياة والتَّعيُّش، فيكون القتلُ بعدَه سياسةً أخرى، بخلافِ ما إذا قُطِعا مِن شِقٍّ واحدٍ، فإنَّه حينئذٍ يكون القتلُ راحةً وإزاحةً للعذابِ المَحْضِ.
﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: لا أتركُ أحداً منكم لا (٢) تنالُه عقوبتي.
* * *
(٥٠) - ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.
﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾: لا ضررَ، وخبر ﴿لَا﴾ محذوفٌ؛ أي: في ذلك، أو: علينا.
﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ قد تقدَّم تفسيرُه في سورة الأعراف.
* * *
(٥١) - ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ الطَّمعُ: طلبُ النَّفسِ للخير الذي يُقدَّر فيها أنَّه يكون.
﴿أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾؛ أي (٣): ما فعلناه مِن السِّحر وغيره. والخطيئةُ: الزَّوالُ عن الاستقامة المؤدِّية إلى الثَّوابِ.
﴿أَنْ كُنَّا﴾: لأن كنَّا ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مِن أتباعِ فرعونَ، أو مِن أهلِ المشهدِ.
стр. 3316
والجملةُ في المعنى تعليلٌ ثانٍ لنفي الضَّير، أو تعليلٌ للعلَّة المتقدِّمة.
وقرئ: (إنْ كنَّا) (١) على الشَّرط؛ لهضم النَّفس وعدم الثِّقة بالخاتمة، أو على طريقة المُدِلِّ (٢) بأمرِه، المتحقِّقِ لصحَّته (٣).
* * *
(٥٢) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ وكانَ هذا بعدَ سنين مِن إيمان السَّحرة.
﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾: ببني إسرائيل، وإضافتَهم إلى نفسه للتَّشريف؛ لأنَّهم آمنوا به وصدَّقوا نبيَّه. والإسراءُ: السَّير في اللَّيل، وإنَّما زِيْدَ قولُه:
﴿لَيْلًا﴾ لأنَّ المرادَ: السَّيرُ في معظمه، لا في أوائله أو أواخره.
﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: يتَّبعُكم عدوُّكم، وهو علَّةُ الأمر بالسَّير في الوقت المذكور، فإنَّهم لو ساروا في أوَّل اللَّيل لتبعه العدوُّ في الحال، فلا يحصل لهم التَّقدُّم، وكذا لو ساروا في آخره.
* * *
(٥٣) - ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.
﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾؛ أي: ففعلَ موسى ﵇ ذلك فخرجوا، فأُخْبِرَ بذلك فرعونُ فأرسلَ، فالفاء فصيحة.
﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾: مدائن مصر.
стр. 3317
وتعدية (أرسل) بـ ﴿فِي﴾ دون (إلى) للتَّنبيه على الاستعجال منه وسرعةِ الامتثال مِن الرُّسلِ، وعلى أنَّ ملكَ مصر كان معموراً في عهده، بحيث سار الرُّسلُ كما خرجوا مِن عنده في المدائن.
وفيه كسر استبعاد ما (١) ذكر في كثرة (٢) جنده.
﴿حَاشِرِينَ﴾ العساكرَ ليتَّبعوهم:
* * *
(٥٤) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾.
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ على إرادة القول. والشِّرْذِمَةُ: الجمعُ المحتَقَرُ، ذكرهم بالاسم الدَّال على القلَّة، ثمَّ وصفَهم بها، وأتى بصيغة الجمع باعتبار الأسباط، واختار جمع السَّلامة الذي هو للقلَّة، وإنَّما (٣) استقلَّهم وكانوا ستَّ مئة ألف وسبعين ألفاً لكثرةِ مَن معه (٤).
* * *
(٥٥) - ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾.
﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ لفاعلون ما يَغيظنا بخروجهم مِن مِصرَ بلا إذنٍ منَّا، وذهابهم بأموالنا التي استعاروها.
* * *
стр. 3318
(٥٦) - ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.
﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ وقرئ: ﴿حَاذِرُونَ﴾ (١)، فالحذرُ: اليقظُ، والحاذِرُ الذي يجدِّد حذرَه (٢).
يعني: نحنُ قومٌ مِن عادتنا التَّيقُّظُ والحذرُ واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارِجٌ سارعنا إلى حسمِ فسادِه.
وهذه معاذيرُ اعتذرَ بها إلى أهلِ المدائن؛ لئلا يُظَنَّ به العجزُ والفتورُ.
* * *
(٥٧ - ٥٨) - ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾.
﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ بإحداثَ الدَّاعي على الخروج.
﴿مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ﴾ إنَّما خصَّها لأنَّ أموالهم الظَّاهرة قد انطمسَتْ، ومَن غفلَ عن هذا قال: سمَّاها كنوزاً لأنَّهم لم ينفقوا منها في طاعة الله.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: بهيٍّ بهيجٍ.
* * *
(٥٩) - ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾ يحتمل النَّصبَ على: أخرجناهم مثلَ ذلك الإخراج، والجرَّ على أنه صفة (مقامٍ)؛ أي: مثلِ ذلك (٣) المقام الذي كان لهم، والرَّفعَ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: الأمرُ كذلك.
﴿سَيَهْدِينِ﴾ طريقَ النَّجاةِ، ويجوز أن يكونَ مِن قَبيلِ التَّمثيل.
* * *
(٦٣) - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾: بحرَ القُلْزُم (١).
﴿فَانْفَلَقَ﴾؛ أي: فضربَ فانفلقَ فانشقَّ فصار اثني عشر فِرْقاً على عدد الأسباط.
وفي حذف الفعل وترتيبِ الانفعال على الأمر المذكور في الظَّاهر إشعارٌ بأنَّ ذلك الأمرَ الخارق أثرُ أمرِه تعالى، لا أثرُ ضَرْبِ موسى ﵇.
﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾: كالجبل المنيف الثَّابت في مقرِّه، فدخلوا في شِعابها، كلُّ سبطٍ في شعبٍ (٢).
* * *
(٦٤) - ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾.
﴿وَأَزْلَفْنَا﴾: وقرَّبنا ﴿ثَمَّ﴾: حيثُ انفلق البحر ﴿الْآخَرِينَ﴾ فرعونَ وقومَه، حتى دخلوا على أثرِهم مداخلَهم.
* * *
(٦٥) - ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ بحفظِ البحرِ على تلك الهيئةِ إلى أنْ عَبروا.
وإنَّما قالَ: ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾، ولم يقل: قومه؛ لينتظِمَ مؤمنَ آلِ فرعون؛ فإنَّه كانَ بينَ يدَي موسى ﵇.
стр. 3321
ويدلُّ على أنَّ نجاتهم كانت لبركةِ مصاحبتِهم (١) موسى ﵇ ومتابعتِه.
* * *
(٦٦) - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ بإطباقِ البحرِ عليهم، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ دلَّتْ على تأخُّر الهالكين عن خروج النَّاجين، وذلك بحبس (٢) جبريل أوَّلَهم ليَلحقَ به آخرُهم، لا يَشَذَّ منهم أحدٌ.
* * *
(٦٧) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: فيما فُعِلَ بموسى ﵇ وفرعونَ ﴿لَآيَةً﴾: لعبرةً عجيبةً لا توصَفُ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وما تنبَّه (٣) عليها أكثرهم؛ إذ لم يؤمن بها أحدٌ ممَّن بقي في مصر من القِبْط وبنو (٤) إسرائيل، بعد ما نجوا سألوا بقرة يعبدونها، واتَّخذوا العجل، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (٥) [البقرة: ٥٥].
* * *
стр. 3322
(٦٨) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ غيرُ عاجزٍ عن الانتقام مِن أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ يؤخِّرُ العذاب برحمته ليتوبَ منهم مَن تاب.
* * *
(٦٩) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾: على مشركي العرب ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾: خبرَه العجيبُ الشَّأن.
* * *
(٧٠) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾: أيُّ شيءٍ تعبدون؟ سألهم يريهم أنَّ ما يعبدونه ليس بمستحَقٍّ للعبادة.
* * *
(٧١) - ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ كان السؤال عن المعبود لا عن العبادة، وإنَّما زادوا ﴿نَعْبُدُ﴾ في الجواب افتخاراً ومباهاة بعبادتها، ولذا عطفوا على ﴿نَعْبُدُ﴾:
﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾: فنُقيم على عبادتها طول النَّهار، ويحتمل أن يكون (نظلُّ) بمعنى: ندوم، فلا يدلُّ على اختصاص عبادتهم بالنَّهار.
* * *
(٧٢) - ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾.
﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ ﵇: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾: هل يجيبونكم ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾؟
стр. 3323
فإنَّ سَمِعَ بمعنى أجاب شائعٌ، ومنه: سمعَ اللهُ لمن دعَى، ولو كان (يسمعون) على معناه الحقيقىِّ لقيل: هل يسمعونكم تدعون؟
* * *
(٧٣) - ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾.
﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ إن عبدتموها ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ إنْ تركْتُم عبادَتها.
* * *
(٧٤) - ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
﴿قَالُوا بَلْ﴾ إضراب؛ أي: لا تسمَعُ ولا تنفعُ ولا تضرُّ، ولا نعبدُها لشيءٍ (١) مِن ذلك، ولكن ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فقلَّدناهم.
* * *
(٧٥ - ٧٦) - ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾.
﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ فإنَّ التَّقدُّم لا يدلُّ على الصِّحة ولا ينقلب بها الباطل حقًّا.
* * *
(٧٧) - ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ العدوُّ والصَّديقُ يجيئان في معنى الوحدة والجماعة، يعني: لو عبدتهم لكانوا أعداءً لي (٢) إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢].
стр. 3324
وقال الفرَّاء: هو مِن المقلوب؛ أي: فإنِّي عدوٌّ لهم (١).
وفي قوله: ﴿لي﴾ دون: لكم، زيادةُ نصحٍ؛ ليكونَ أدعى لهم إلى القَبول.
﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ استثناء منقطع، أو متَّصلٌ على أنَّ الضَّمير لكلِّ معبودٍ عبدوه، فيدخل فيه المعبودُ بحقٍّ، ولا حاجة إلى أنْ يُقالَ: وكان من آبائهم مَن عبدَ اللهَ؛ لأنَّهم أيضًا يعبدون الله إلَّا أنَّهم يشركون الأصنام في العبادة، دلَّ على ذلك قوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨].
* * *
(٧٨) - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾.
﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ بالتَّكوين في القرار المكين.
﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ لِمَناجِح (٢) الدُّنيا ولمصالح الدِّين.
والاستقبال في ﴿يَهْدِينِ﴾ مع سبقِ العناية بالهداية لأنَّه يحتمل: يهديني للأهمِّ الأفضل والأتمِّ الأكمل.
أو: الذي خلقني لأسبابِ خدمته فهو يهديني إلى آداب (٣) خلَّته.
والفاء للسَّببية إنْ جُعِلَ الموصولُ مبتدأً، وللعطف إنْ جُعِلَ صفةَ ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، فيكون اختلافُ النَّظمِ لتقدُّم الخلق واستمرار الهداية.
* * *
стр. 3325
(٧٩) - ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾.
﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ على الأوَّل مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ لدلالة ما قبلَه، وكذا (١) اللَّذان بعدَه.
وتكرير الموصول على الوجهين للدِّلالة على أنَّ كلَّ واحدةٍ من الصِّلاتِ مستقلَّة باقتضاءِ الحكم.
أضاف الإطعام إلى وليِّ الإنعام لأنَّ الرُّكون إلى الأسباب عادةُ الأنعام.
* * *
(٨٠) - ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ لم يقلْ: أَمرضني؛ لأنَّه قصدَ الذِّكْرَ (٢) بلسانِ الشُّكر، فلم يُضفْ إليه ما يقتضي الصَّبر (٣)، ولأنَّ ذلك لم يكون مقصوداً بذاته كسائر ما ذُكِرَ (٤) مِن أفعاله تعالى الكمالية، وإنَّما هو من (٥) روادف الطَّعام والشَّراب، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ على الفرض (٦)، فلم (٧) يَنسبه إليه تعالى نسبةَ البواقي؛ تنبيهاً على الفصل بينهما.
﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ إنْ شُفِيْتُ لا غيرُه، لا أنَّه يشفين لا محالة.
стр. 3326
(٨١) - ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾.
﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ لم يقل: إذا متُّ؛ لأَنَّه الخروج مِن حبسِ البلاءِ ودارِ الفَناء إلى رَوضِ البقاء لوعد اللِّقاءِ، فليس هو كالمرضِ.
ولَمَّا كانت الإماتةُ والبعث ممَّا لا يمكن إسنادها (١) إلَّا إلى الله تعالى كالخَلْقِ، لم يَحتجْ إلى توكيدٍ، بخلاف الهداية والإطعام والإسقاء والشِّفاء، فإنَّه ممَّا يمكن إسنادها إلى غير الله تعالى.
وإنَّما أتى بأداة التَّراخي في قوله: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لأنَّه أرادَ الإحياءَ في الآخرة دون القبر، وبأداة التَّعقيب في الهداية والشِّفاء لأنهما يعقبان الخَلْق والمرض، وبأداة الجمع المطلق في السَّقي لأنَّه قد يَعقب الإطعامَ وقد يتأخَّر وقد يتقدم عليه (٢).
* * *
(٨٢) - ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ﴾ طمعَ العبيد في الموالي بالإفضالِ، لا على الاستحقاق بالسُّؤالِ.
﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ استغفارُ الأنبياء ﵈ تواضعٌ منهم لربِّهم، وهضمٌ لأنفسهم، وتعليمٌ للأمم في طلب المغفرة.
قدَّم الثَّناء على الله وذَكَره بالأوصاف الحسنة بين يدَي طَلِبته ومسألته، ثمَّ سألَه تعالى فقال:
* * *
стр. 3327
(٨٣) - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾: كمالاً في العلم والعمل لأنتظِم في عداد الكاملين في صلاح الدِّين (١) لا يشوب صلاحَهم كبيرُ ذنبٍ ولا صغيرُه.
﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾؛ أي: الأنبياءِ ﵈، ولقد أجابه حيث قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].
* * *
(٨٤) - ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾؛ أي: ثناءً حسنًا وذِكْراً جميلاً. وفي العبارة باللِّسان عن القول ما لا يخفى مِن البلاغة، وإنَّما أضافه إلى الصِّدق إضافةَ الموصوفِ إلى الصِّفة الدَّالة للاختصاص به والعَراقة فيه؛ احترازاً عن الإطراء في شأنه.
﴿فِي الْآخِرِينَ﴾: في الأمم التي تجيء مِن بعدي، فأُعْطِيَ ذلك، فكلُّ أهلِ دينٍ يتولَّونه (٢) ويثنون عليه بلا إطراء (٣).
* * *
(٨٥) - ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾.
﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ أي: وارثاً من ﴿وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ سألَه أن يفعل معه من الألطاف ما يختار عنده (٤) الطَّاعات؛ لأن الجنة لا يُتنعَّم فيها إلَّا بالاستحقاق،
стр. 3328
وإنْ كان الدُّخول بمَحْضِ لُطْفِ الله تعالى، فلذلك قال: ﴿مِنْ وَرَثَةِ﴾؛ فإنَّ الوارث يأخذ الميراث بلا كَسْبٍ منه (١).
* * *
(٨٦) - ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾.
﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ طلبَ هدايتَه إلى الإيمان اقتضاءً؛ قضاءً لحق أبوَّته (٢)، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: استمرَّ على الضَّلال في الأزمنة الماضية، قاله تأسُّفاً وتلهُّفاً، لا إخبارًا وإظهارًا، أو كان ذلك الطَّلبُ (٣) منه ﵇ قبلَ أنْ (٤) مات أبوه، ولَمَّا ماتَ أبوه على الكفر فتبيَّن أنَّه عدوُّ الله (٥) تبرأ منه (٦).
* * *
(٨٧) - ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
﴿وَلَا تُخْزِنِي﴾ الإخزاءُ: مِن الخِزْيِ، وهو الهوان، أو مِن الخزاية، وهي الحياء.
﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ الضَّمير للنَّاس لأنَّه معلوم؛ أي: لا تخزني على رؤوس المعشر بتعذيب أبي يوم المحشر (٧)، فهو مِن تتمَّة الاستغفار لأبيه.
стр. 3329
(٨٨) - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ﴾ - بدلٌ مِن اليوم الأوَّل - ﴿وَلَا بَنُونَ﴾ أحداً، كما ينفع في الدُّنيا يفديه (١) ماله ويذبُّ عنه بنوه (٢).
* * *
(٨٩) - ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ﴾ مفعول لـ ﴿يَنْفَعُ﴾.
﴿أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن الكفرِ والنِّفاق سليم القلب (٣)، فقلبُ الكافر والمنافق مريض لقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].
أي: إنَّ المال إذا صُرِفَ في وجوه البرِّ وبنوه صالحون فإنَّه ينتفع به وبهم سليمُ القلبِ.
قد صوَّب الجليل استثناء الخليل إكراماً له، ثم جعله صفةً له في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٤﴾.
* * *