(٨١) - ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾.
﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ لم يقل: إذا متُّ؛ لأَنَّه الخروج مِن حبسِ البلاءِ ودارِ الفَناء إلى رَوضِ البقاء لوعد اللِّقاءِ، فليس هو كالمرضِ.
ولَمَّا كانت الإماتةُ والبعث ممَّا لا يمكن إسنادها (١) إلَّا إلى الله تعالى كالخَلْقِ، لم يَحتجْ إلى توكيدٍ، بخلاف الهداية والإطعام والإسقاء والشِّفاء، فإنَّه ممَّا يمكن إسنادها إلى غير الله تعالى.
وإنَّما أتى بأداة التَّراخي في قوله: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لأنَّه أرادَ الإحياءَ في الآخرة دون القبر، وبأداة التَّعقيب في الهداية والشِّفاء لأنهما يعقبان الخَلْق والمرض، وبأداة الجمع المطلق في السَّقي لأنَّه قد يَعقب الإطعامَ وقد يتأخَّر وقد يتقدم عليه (٢).
* * *
(٨٢) - ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ﴾ طمعَ العبيد في الموالي بالإفضالِ، لا على الاستحقاق بالسُّؤالِ.
﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ استغفارُ الأنبياء ﵈ تواضعٌ منهم لربِّهم، وهضمٌ لأنفسهم، وتعليمٌ للأمم في طلب المغفرة.
قدَّم الثَّناء على الله وذَكَره بالأوصاف الحسنة بين يدَي طَلِبته ومسألته، ثمَّ سألَه تعالى فقال:
* * *
стр. 3327
(٨٣) - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾: كمالاً في العلم والعمل لأنتظِم في عداد الكاملين في صلاح الدِّين (١) لا يشوب صلاحَهم كبيرُ ذنبٍ ولا صغيرُه.
﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾؛ أي: الأنبياءِ ﵈، ولقد أجابه حيث قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].
* * *
(٨٤) - ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾؛ أي: ثناءً حسنًا وذِكْراً جميلاً. وفي العبارة باللِّسان عن القول ما لا يخفى مِن البلاغة، وإنَّما أضافه إلى الصِّدق إضافةَ الموصوفِ إلى الصِّفة الدَّالة للاختصاص به والعَراقة فيه؛ احترازاً عن الإطراء في شأنه.
﴿فِي الْآخِرِينَ﴾: في الأمم التي تجيء مِن بعدي، فأُعْطِيَ ذلك، فكلُّ أهلِ دينٍ يتولَّونه (٢) ويثنون عليه بلا إطراء (٣).
* * *
(٨٥) - ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾.
﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ أي: وارثاً من ﴿وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ سألَه أن يفعل معه من الألطاف ما يختار عنده (٤) الطَّاعات؛ لأن الجنة لا يُتنعَّم فيها إلَّا بالاستحقاق،
стр. 3328
وإنْ كان الدُّخول بمَحْضِ لُطْفِ الله تعالى، فلذلك قال: ﴿مِنْ وَرَثَةِ﴾؛ فإنَّ الوارث يأخذ الميراث بلا كَسْبٍ منه (١).
* * *
(٨٦) - ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾.
﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ طلبَ هدايتَه إلى الإيمان اقتضاءً؛ قضاءً لحق أبوَّته (٢)، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: استمرَّ على الضَّلال في الأزمنة الماضية، قاله تأسُّفاً وتلهُّفاً، لا إخبارًا وإظهارًا، أو كان ذلك الطَّلبُ (٣) منه ﵇ قبلَ أنْ (٤) مات أبوه، ولَمَّا ماتَ أبوه على الكفر فتبيَّن أنَّه عدوُّ الله (٥) تبرأ منه (٦).
* * *
(٨٧) - ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
﴿وَلَا تُخْزِنِي﴾ الإخزاءُ: مِن الخِزْيِ، وهو الهوان، أو مِن الخزاية، وهي الحياء.
﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ الضَّمير للنَّاس لأنَّه معلوم؛ أي: لا تخزني على رؤوس المعشر بتعذيب أبي يوم المحشر (٧)، فهو مِن تتمَّة الاستغفار لأبيه.
стр. 3329
(٨٨) - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ﴾ - بدلٌ مِن اليوم الأوَّل - ﴿وَلَا بَنُونَ﴾ أحداً، كما ينفع في الدُّنيا يفديه (١) ماله ويذبُّ عنه بنوه (٢).
* * *
(٨٩) - ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ﴾ مفعول لـ ﴿يَنْفَعُ﴾.
﴿أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن الكفرِ والنِّفاق سليم القلب (٣)، فقلبُ الكافر والمنافق مريض لقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].
أي: إنَّ المال إذا صُرِفَ في وجوه البرِّ وبنوه صالحون فإنَّه ينتفع به وبهم سليمُ القلبِ.
قد صوَّب الجليل استثناء الخليل إكراماً له، ثم جعله صفةً له في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٤﴾.
* * *
(١٤٧) - ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وهذا أيضًا إجمال ثمَّ تفصيل.
* * *
(١٤٨) - ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.
﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ﴾ أفردَ النَّخل تفضيلاً له على سائر أشجار الجنَّات.
﴿طَلْعُهَا﴾ وهو ما يخرجُ من النَّخلة كنَصْلِ السَّيفِ.
﴿هَضِيمٌ﴾: ليِّنٌ نضيجٌ (١).
كأنَّه قالَ: ونخلٍ قد أَرْطبَ ثمرُه، فإنَّه ما دام رطباً فهو هضيم، فإذا يَبِسَ فهو هَشِيم.
* * *
(١٤٩) - ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.
﴿وَتَنْحِتُونَ﴾: وتَنقبون ﴿مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾: بَطِرين (٢)، وهذا هو المناسب لِمَا في سورة الحِجْر مِن قوله: ﴿آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، لا معنى: حاذقين (٣).
* * *
стр. 3345
(١٥٠ - ١٥١) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا﴾؛ أي: لا تمتثلوا ﴿أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ إنَّما صرف الكلام عن الظَّاهر، والكلمةَ عن المتبادِر، حيث لم يقل: (ولا تطيعوا المسرفين) تنزيلًا لشأنهم من درجة الإطاعةِ، وتبعيدًا لهم عن حيِّزِ المطاعين، وأمَّا جَعْلُ الأمرِ مُطاعًا على المجاز الحكمي فلا يناسب المقام (١).
* * *
(١٥٢) - ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وصفٌ موضِّحٌ لإسرافِهم، ولذلك عطف: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ على ﴿يُفسِدُونَ﴾؛ دلالةً على خلوصِ فسادِهم (٢)، وتعميمُ إفسادِهم (٣) المستفادُ من الإسناد إلى كليَّة الأرض يناسبُ هذا.
* * *
(١٥٣) - ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ المسحَّرُ: الذي سُحِرَ كثيرًا حتى غلبَ على عقلِه.
* * *
(١٥٤) - ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ كنايةٌ عن استحالةِ كونه رسولًا بناءً على ما زعموا مِن أنَّ
стр. 3346
الرَّسولَ (١) لا يكون مِن جنس البشرِ، خصوصًا بلا امتيازٍ له عن سائر الأفراد.
وكأن صالحًا ﵇ ردَّ قولهم هذا بأنْ يقولَ: إنِّي رسولُ اللهِ بواسطة الملك، ولي (٢) امتياز عن سائر البشر بالمعجزة الخارقة للعادة، فقالوا في مقابلته: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ خارقةٍ للعادةِ ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعواك.
* * *
(١٥٥) - ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.
﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ﴾ وفي سورة الأعراف: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣].
﴿لَهَا شِرْبٌ﴾: نصيبٌ من الماء، فلا تزاحموها فيه.
﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ لا تزاحمُكُم فيه.
* * *
(١٥٦) - ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ نهيٌ عن المسِّ الذي هو مقدِّمة الإصابة (٣) بالسوء الجامعِ لأنواع الأذى؛ مبالغةً في الأمر، وإزاحةً للعذر.
﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عِظَمُ اليومِ لعِظَمِ ما يحلُّ فيه، وهو أبلغ مِن تعظيمِ العذابِ؛ لأنَّ اليوم إذا عَظُمَ بسببِه (٤) كان موقعُه مِن العِظَمِ أشَدَّ.
стр. 3347
(١٥٧) - ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ الفاءُ فصيحةٌ، والجملة المحذوفة مذكورة في سورة الأعراف، وإنَّما أسندَ الفعل إلى الجميع لأنَّه كان بأمرهم وتعاوُنهم على ما أفصح عنه قوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩].
﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ لا على عقرها خوفًا من نزول العذاب بهم؛ لأنَّه مردود بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني بعدما عقروها: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، بل على ترك ولدِها، وقد تقدَّم ذلك في سورة الأعراف.
* * *
(١٥٨) - ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: العذاب الموعود، وهو الرَّجفةُ الحادثةُ مِن الصَّاعقةِ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ عظيمةً ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في نفي الإيمان عن أكثرهم في هذا المعرض إيماءٌ بأنَّه لو آمنَ أكثرُهم أو شطرهم لَما أُخِذوا بالعذابِ، وأنَّ قريشًا إنَّما عُصِموا عن مثله ببركة مَن آمنَ منهم.
* * *
(١٥٩) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ جامع لجهَتَي الانتقام والإنعام.
* * *
(١٦٠ - ١٦٤) - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
стр. 3348
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) تقدم (٢) تفسيره في هذه السورة.
* * *
(١٦٥) - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾؛ أي: أتأتون [الذكران] مِن أولادِ آدمَ مع كثرتهم وغلبةِ الإناث فيهم كأنهنَّ قد أعوَزْنَكم.
أو: أتأتون مِن بينِ مَن عَداكم ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ الذُّكرانَ، لا يشارككم فيه غيركم.
فالمراد بـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾ على الأوَّل: النَّاس، وعلى الثَّاني: كل مَن يُنكَح (٣).
وعلى هذا: الجمعُ للتَّغليب، ومبنى هذا الوجه على اختصاص ذلك الفعل بالإنسان، وفيه نظر.
* * *
(١٦٦) - ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾ لأجلِ استمتاعِكم ﴿رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ لبيانِ ﴿مَا﴾ إنْ أُريدَ به جنسُ الإناث، أو للتَّبعيضِ إنْ أُريدَ به العضو المباح منهنَّ، فيكون تعريضًا بأنَّهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائِهم، وإنَّما خَصَّ الأزواجَ بالذِّكْرِ لعمومِه؛ فإنَّ الإماء مخصوصَةٌ بالأحرار.
стр. 3349
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ إضرابٌ بمعنى الانتقال مِن شيء إلى شيء.
والعادي (١): المتعدِّي في ظُلْمِه، المجاوِزُ فيه الحدَّ، والمرادُ هاهنا: التَّجاوزُ عن حدِّ الشَّهواتِ بالزِّيادة على سائر النَّاس، بل الحيوانات، أو الإفراطُ في المعاصي مطلقًا، وعلى هذا: الإضرابُ للتَّرقي.
* * *
(١٦٧) - ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾.
﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾؛ أي: لم تمتنعْ من إنكارك علينا، وتقبيحِ (٢) أمرنا.
﴿يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾: مِن جُملةِ مَن أخرجْناه مِن بينِنا وطردْناه مِن ديارِنا، ولعلَّهم كانوا يُخْرِجُونَ مَن أخرجُوهُ على أسوءِ حالٍ.
* * *
(١٦٨) - ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ فلا أكرَهُ مفارَقتكم، ولا أرضى مجاوَرَتَكم.
والقِلَى: البغضُ الشَّديدُ، كأنَّه بغضٌ يقلي الفؤادَ.
وإنَّما قال: ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ للتَّنبيه على أنَّه غير منفردٍ بذلك، بل واحدٌ مِن الجماعة المعروفين به، وأيضاً هو أبلغ مِن (قَالٍ) وإن كان هو أرجحَ من جهة اللَّفظ لِمَا بينه وبين ﴿قَالَ﴾ مِن صنعة التَّجنيس.
* * *
стр. 3350
(١٦٩) - ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾: مِن شؤمِه وعذابِه.
* * *
(١٧٠) - ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: مَن آمنَ به أَجْمَعِينَ﴾ بإخراجِهم مِن بينهم وقتَ حلولِ العذاب بهم.
* * *
(١٧١) - ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾.
﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ مقدَّرةً ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ العجوزُ: المرأةُ التي قد أعجزَها عن أمورٍ كثيرةٍ كبرُ سنِّها.
وهي امرأتُه على ما أفصحَ عنه قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣]؛ أي: الباقين من لِدَاتِها وأهل بيتها.
وقيل: الغابرُ: الباقي في قِلَّةٍ، كالتُّراب الذي يذهب بالكنس ويبقى غباره.
* * *
(١٧٢) - ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ التَّدميرُ: الإهلاك.
* * *
(١٧٣) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أمطرَ اللهُ تعالى على شذَّاذِ (١) القومِ حجارةً فأهلكَهم.
﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) قد مرَّ تفسيرُه في هذه السُّورة.
* * *
(١٨١) - ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾.
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾: أتمُّوه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ حقوقَ النَّاسِ بالتَّطفيف.
ولو قيل: ولا تُخسروا، لكان أبلغَ في النَّهي، على ما تقدَّم في تفسير: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣]، وإنَّما عدل عنه إلى ما ذَكَرَ تعريضًا لاشتهارِهم بتلكَ الحالِ.
* * *
(١٨٢) - ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ الوزنُ: وضعُ الشَّيء بإزاء المعيار بما يُظهِرُ منزلَتَهُ منه في ثِقَلِ المقدار: إمَّا بالزِّيادة، أو النُّقصان (٢)، أو التَّساوي.
والقِسْطاسُ: الميزانُ، أو القبان؛ فإنْ كان مِن القِسْطِ وهو العدل وجعلَتِ العين مكرَّرة فوزنه فِعلاس (٣)، وإلَّا فهو رباعيٌّ.
стр. 3353
(١٨٣) - ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ﴾ يقال: بخستَهُ حقَّه: إذا نقصْتَه إيَّاه.
﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾: دراهمهم ودنانيرهم (١) بقطع أطرافها، ولولا (٢) [أن] المرادُ النَّهيُ عن المعتاد لقيل: ولا تبخسوا الناس شيئًا؛ لأنَّه أبلغُ في النَّهي.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وهذا أيضًا نهيٌ عن معتادهم، ولذلك عدل عن الأبلغ في النَّهي وهو: (لا تفسدوا في الأرض).
والعُثُوُّ: أشدُّ الفسادِ، وذلك قد يكون لمصلحةٍ كتخريب ديار الكفر (٣)، فلدَفْعِ هذا الاحتمال قيل: ﴿مُفْسِدِينَ﴾.
* * *
(١٨٤) - ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾؛ يعني: مَن تقدَّمهم مِن الخلائق، أُطلقَ الخليقةُ وأُريدَ به (٤) الخَلْقُ.
قيل: ﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾: الخَلْق المتجمِّد (٥) الغليظ، مأخوذ مِن الجَبلِ، فحينئذ يناسبُ التَّفسير عن خِلْقَةِ عادٍ وثمودَ.
* * *
стр. 3354
(١٨٥) - ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تركَ أداةَ الجمع في قصَّة ثمود ليفيدَ التَّوكيد والتَّقرير والقطع بأنَّه بشرٌ مثلهم؛ أي: لا ينبغي أنْ نؤمن برسالتك إلَّا بشيءٍ تمتازُ به عنَّا، ولهذا قالوا: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وأتى بها هنا للدِّلالة على أنَّه جامعٌ بينَ وصفَيْنِ متنافِيَيْنِ للرِّسالة؛ مبالغةً في تكذيبهم، فكأنَّهم قالوا: نحن وأنت في عدم صلاحيَة الرِّسالة من جهة كوننا بشراً سواءٌ، ولكَ (١) المزيَّة علينا في كونك مسحَّراً (٢) دوننا، ثمَّ أكَّدوا ذلك بقولهم:
﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ والظَّنُّ بمعنى اليقين، ولذلك أدخل (إنْ) واللَّام.
ولَمَّا كانَ هذا الرَّدُّ أبلغُ مِن الأوَّلِ، ما طلبوا البرهان كما طلبَ ثمودُ حيثُ قالوا: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، بل قطعوا بما يدلُّ على اليأس مِن إيمانهم بقولهم على سبيلِ الاستهزاءِ:
(١٨٧) - ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾: جمع كِسْفَةٍ، وهي قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ عقوبةً ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ كما قطعَ قريشٌ بقولهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢].
* * *
стр. 3355
(١٨٨) - ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: إنَّ اللّهَ تعالى أعلمُ بأعمالِكم وبما تستحقُّون عليها مِنَ العذابِ؛ فإنْ أرادَ أن يعاقبَكُم بإسقاط كِسَفٍ مِن السَّماءِ فَعَلَ، وإنْ أراد عقاباً آخر فإليه الحكم والمشيئة.
* * *
(١٨٩) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ على نحو ما اقترحوا.
و ﴿الظُّلَّةِ﴾: سحابةٌ أظلَّتْهُم بعدَ ما حُبِسَ عنهم الرِّيحُ وعُذِّبوا بالحرِّ سبعةَ إيَّام، فاجتمعوا تحتَها مستجيرين (١) بها ممَّا نالهم مِن الحرِّ، فأمطرَ تْعليهم (٢) فاحترقوا.
ولهذا - أي: ولكونهم معذَّبَين في ذلك الوقت بسببٍ آخر غير الظُّلَّةِ - أضيف العذاب إلى اليوم دون الظُّلَّة، وقطعُ إضافةِ العذابِ عنها لا يخلو عن نوعِ إشعارٍ بأنَّ عذابهم قبلَ نزول النَّار مِن الظُّلَّةِ بلغ إلى حَدٍّ كان ذلك خلاصاً لهم من العذاب.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قد مرَّ أنَّ وصفَ اليومِ بالعِظَمِ أبلغُ مِن وصفِ العذابِ بِهِ.
* * *
стр. 3356
(١٩٠) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هذا آخر القَصص السَّبع المذكورة على وجه الاختصار تسليةً لرسول الله ﷺ وتهديداً للمكذبين به.
* * *
(١٩٢) - ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: إنَّ القرآنَ لَمُنزَّلٌ مِن عندِ اللهِ تعالى لمصلحةِ العالَمِين.
* * *
(١٩٣) - ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾.
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾: أي: جبريل ﵇، فإنَّه أمين الله على وحيه.
وقرئ ﴿نَزَلَ﴾ مشدَّداً و ﴿الرُّوحُ﴾ منصوباً (١)؛ أي: جعلَ اللهُ الرُّوحَ نازلاً به، والباء على القراءتَيْنِ للتَّعدية.
* * *
(١٩٤) - ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.
﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ أقحمَ القلبَ - والمعنى: عليكَ - لأنَّه محلُّ الوحيِ والتَّثبيت، وليُعْلَمَ أنَّ المنزَلَ محفوظٌ عن المخالطة والمغالطة؛ لوصوله إلى القلب بالذَّات، لا بواسطة الصَّوت وآلة السَّمع، فافهم هذا السَرَّ الدَّقيقَ.
стр. 3357
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ اقتصرَ على الإنذار لعمومِه الفريقَيْن، ولأنَّه أزجرُ للسَّامعِ.
* * *
(١٩٥) - ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾: بلغةِ العربِ، متعلِّق بـ ﴿نَزَلَ﴾ هو، ويجوز أنْ يتعلَّق بـ ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: لتكونَ ممَّنْ أنْذَروا بلغة العرب، وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمَّد عليهم الصلاة والسلام.
﴿مُبِينٍ﴾ للنَّاسِ ما يحتاجون إليه مِن أمورِ دينِهم ودنياهم.
* * *
(١٩٦) - ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: ذِكْرُ مثبَتٌ في سائر الكتب المنزَلَةِ السَّماويَّةِ.
وقيل: إنَّ معانيه فيها، فلا دلالة فيه على أنَّ القرآن قرآن إذا تُرْجِمَ بغير العربية.
والزُّبُرُ: جمع زَبُورٍ، كرُسُل ورَسُولٍ، وقد تقدَّمَ بيانُه.
* * *
(١٩٧) ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾ على صحَّةِ القرآنِ ونبوَّةِ محمَّدٍ ﵇ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أنْ يعرفوه بنعته المذكور في كتبِهم. وهو تقريرٌ لكونه دليلاً.
قرئ: ﴿يَكُنْ﴾ بالتَّذكير، و ﴿آيَةً﴾ بالنَّصب، على أنَّها خبره، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الاسم، تقديره: أو لم يكن لهم عِلمُ علماءِ بني إسرائيل آيةً.
стр. 3358
وقرئ: ﴿تَكُنْ﴾ بالتَّأنيث و ﴿آيَةً﴾ بالرَّفع (١)، على أنهَّا اسم (كان) وخبره: ﴿لَهُمْ﴾، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ بدل.
وقيل في ﴿تَكُنْ﴾ ضمير القصَّة، و ﴿آيَةً﴾ خبر مقدَّم والمبتدأ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾، والجملة خبر (كان).
وقيل: (كان) تامَّةٌ، والفاعل ﴿آيَةً﴾، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ بدل منها (٢)، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: أولم يحصل لهم آيةٌ.
* * *
(١٩٨) - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ كما هو زيادة في إعجازه، أو: بلغة العجم.
* * *
(١٩٩) - ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لفَرْط عنادِهم واستكبارِهم، أو لعدم فهمِهم واستنكافِهم مِن اتِّباع العجم.
و ﴿الْأَعْجَمِينَ﴾: جمع أعْجَميٍّ (٣) على التَّخفيف، كما قالوا: الأشعرون؛ أي: الأشعريُّون، بحذف ياء النِّسبة، ولولا هذا التَّقديرُ لم يَجزْ أنْ يُجمَعَ جمعَ السَّلامة؛ لأنَّ مؤنَّثه عجماء (٤).
(٢٠٣) - ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾.
﴿فَيَقُولُوا﴾ حذف النُّون منه عطفاً عَلى قوله: ﴿يَرَوُا﴾.
﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾: يَسألون النَّظِرةَ والإمهال طرفةَ عينٍ فلا يجابون إليها.
* * *
(٢٠٤) - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فيقولون: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]، وحالُهم عند حلول (١) العذاب طلب النَّظِرة، فجيء بالهمزة للإنكارِ، والفاءُ دلالةٌ (٢) على ترتيبه على السَّابق، إلَّا أنهَّا أُخِّرَتْ لأنَّ همزة الاستفهام لها حقُّ الصَّدارة وإنْ استعيرَتْ لمعنًى آخر.
قال يحيى بن معاذ: أشدُّ النَّاسِ غفلةً مَن اغترَّ بحياته، والتذَّ بمراداته (٣)، وسكن إلى مألوفاته، واللّه يقول:
(٢٠٥ - ٢٠٧) - ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٤) مِن العذابِ ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ به في تلك السِّنين في دفع العذاب وتخفيفه.
стр. 3361
وإنَّما جيء بفعل الرُّؤية والاستفهامِ ليكون في معنى أخبر إفادةً لمعنى التَّعجُّب والإنكار، وأنَّ مِن حقِّ هذه القصَّة أنْ يُخبَرَ بها كلُّ أحدٍ حتى يتعجَّب (١).
وزيادة (كان) في الموضعَيْن لإفادة الاستمرار.
* * *
(٢٠٨) - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾.
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا﴾ لم تدخل الواو على الجملة بعد إلَّا كما في: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ [الحجر: ٤] لأنَّ الأصل عدم الواو؛ إذ الجملة صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصِّفة بالموصوف.
﴿مُنْذِرُونَ﴾ أتى بصيغة الجمع لأنَّ ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ عامٌّ، فكأنَّه قيل: وما أهلكنا من القرى، والعدول عنه لإفادته الدِّلالة على أنَّ المراد الكلَّ الإفراديَّ، لا الكلَّ (٢) المجموعيَّ.
* * *
(٢٠٩) - ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
﴿ذِكْرَى﴾: تذكرةً، ومحلُّها النَّصب على العلَّة، أو المصدر؛ لأنها في معنى الإنذار، أو حال من الضَّمير في ﴿مُنْذِرُونَ﴾، أو الرَّفعُ على أنَّه صفة منذرين بإضمار ذَوو، وبجعلهم ذكرى لإمعانهم في التَّذكرة (٣)، أو خبرُ مبتدأ محذوف بمعنى: هذه ذكرى.
стр. 3362
والجملة اعتراضية، فلا يجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى﴾ متعلِّقةً بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ مفعولاً لَه؛ لأنَّ مذهب الجمهور أنَّ ما بعد إلَّا لا يعمل فيما قبلَها، إلَّا أن يكون مستثنًى أو مستثنًى منه، أو تابعاً له غير معتمِد على الأداة.
﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؛ أي: ليس مِن شأننا الظُّلم فنعذِّبَ فيها غير مستحقِّين له.
ولَمَّا قال المشركون: إنَّ الشَّياطين تلقي القراَنَ على محمَّد ﵊ نزل:
(٢١٠) - ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾.
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿الشَّيَاطِينُ﴾ وإنَّما أتى بصيغة التَّكلُّف والجمعِ لأنَّه على تقدير وقوع المنفيِّ لا يكون إلَّا بزيادة كُلْفَةٍ ومشقَّةٍ مِن جماعةٍ منهم على ما بُيِّنَ عند تفصيل كيفيَّة استراق السَّمع.
ردٌّ لِما زَعَمَ المشركون أنَّه مِن قَبيل ما يُلقي الشَّياطينُ على الكهنةِ.
* * *
(٢١١) - ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أن ينزِلوا به ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلك. نفى أوَّلاً الوقوع، ثمَّ اللِّياقة، ثمَّ القدرة، ثمَّ بيَّنَ علَّة عدم القدرة بقوله:
(٢١٢) - ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾ لكلامِ الملائكةِ ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾: لمنحَّونَ.
والعَزْلُ: تنحية الشَّيء عن الموضع (١) إلى خلافه.
стр. 3363
وسبب ذلك ما ذُكِرَ في سورة الجنِّ من كونهم مَرْجومينَ بالشُّهبِ.
* * *
(٢١٣) - ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾.
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ إنَّما نهى النَّبيَّ ﵇ عن الشِّركِ في العبادة مع عدم الحاجة إليه في حقِّه تمهيداً لبيان ترتُّب العذابِ عليه على وجهٍ لا يتخلَّفُ عنه أصلاً، حيث لا يتخلَّف عنه في حقِّ (١) خيرِ الخلقِ، فكيف في حقِّ غيره؟
* * *
(٢١٤) - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ خصَّهم لنفي التُّهمة؛ إذ الإنسان يُساهِلُ قرابَته، وليَعلموا أنَّه لا يغني عنهم مِن الله شيئاً؛ فإنَّ النَّجاةَ في اتِّباعه دون قربه.
والعشيرة تنتظِم الفخذَ فما فوقَها.
* * *
(٢١٥) - ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾: وألِنْ (٢) جانِبَكَ وتواضَعْ، مستعارٌ مِن خفضِ الطَّائر جناحَه إذا أرادَ أنْ ينحطَّ.
﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مِن عشيرتِكَ وغيرهم، ولإفادة هذا التَّعميم ذكر قولَه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وإلَّا فالإيمان واتِّباعه ﵊ توأمان.
стр. 3364
(٢١٦) - ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ مرتبطٌ بقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وكان أصلُ الكلامِ: أنذرْ أقرباءَكَ فإنِ اتَّبعوك وأطاعوك فاخفضْ لهم جناحَك وإنْ عصَوْكَ (١) ولم يتَّبعوكَ فتبرَّأْ مِن أعمالهم، إلَّا أنَّه غيَّرَ التَّعبير في أحدِ الشِّقَّينِ تنزيلاً للمُقَدَّرِ منزلةَ المُحَقَّقِ في الجانب الغالب، وعمَّمَ حكمَه تنبيهاً على أنَّ حكم الإنذار أصلُه غيرُ مخصوصٍ، إنَّما (٢) الاختصاص بأقربائه ﵇ في صفة تقديمه، وخصَّ حكم شقِّ العصيان بهم ليظهرَ ذلك الحكم في حقِّ غيرِهم بطريقِ الأَولى.
﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ لَمَّا كانَ الحكمُ في صورة الاتِّباع وجوديًّا، وفي صورة خلافه عدميًّا، أمرَ بنفسِ الحكم في الأولى، وبالإظهار قولاً في الثَّانية، وهذا مِن دقائق الاعتبار، قلَّما يتنبَّه له إلَّا ذوو الاختبارِ (٣).
﴿مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ممَّا تعملونه، أو: مِن أعمالِكم.
أمرَ بالبراءة مِن عملِهم لا منهم؛ إشعاراً بانَّهم لا يُترَكون بإظهار العصيانِ، بل يُدعَون إلى الإطاعة مرَّةً بعدَ أخرى باللُّطف، إلى أنْ نزلَ الأمرُ بالعنفِ.
* * *
(٢١٧) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾.
﴿وَتَوَكَّلْ﴾ التَّوكُّلُ: تفويضُ الأمرِ إلى مَن يملكُه. وقرئ: ﴿فَتَوَكَّلْ﴾ (٤) على الإبدال من جواب الشرط.
стр. 3365
﴿عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾: على الذي يقهَرُ أعداءَك بعزَّتِه، وينصرُكَ عليهم برحمَتِهِ، يَكفِكَ شرَّ مَن يعصيْكَ منهم ومن غيرهم.
* * *
(٢١٨) - ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾.
﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ الرُّؤيةُ: علمٌ خاصٌّ بنوع مِن المحسوسِ غيرُ متوقِّف على النَّظر، بل قد يحصل بطريقٍ آخر، فلذلك زاد موسى ﵇ قوله: ﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] حين طلب الرُّؤيةَ المعهودة.
﴿حِينَ تَقُومُ﴾ متهجِّداً.
* * *
(٢١٩) - ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.
﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾؛ أي: ويرى تقلُّبَكَ ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾: في المصلِّين.
أتبعَ كونَه رحيماً على رسولِه ما هو مِن أسبابِ الرَّحمةِ، وهو ذكرُ ما كان يفعلُه في جوفِ اللَّيل مِن قيامِه للتَهجُّدِ، وتردُّدِه في تصفُّح أحوال المتهجِّدين مِن أصحابه ﵃ ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون، ويعلم أنَّهم كيفَ يعبدون اللّه في خلواتِهم.
وقيل: تصرُّفه فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود إذا أمَّهم، ولا يخفى ما في التعبير عن أركان صلواته ﵊ حال إمامته بالتقلب في الساجدين مما يخلُّ بشأنها، ثم إن المناسب عطفه على ﴿تَقُومُ﴾، والعدول عن سننه لكونه جنساً، وهو على ما قررناه.