(٦٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أي: أهل مكَّة ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدَهم ﴿حَرَمًا﴾: ممنوعًا مصونًا عن النَّهب والتَعدي ﴿آمِنًا﴾: يأمنُ داخلوه سواءٌ كان مِن أهلِه أو مِن غيرِهم مِن القتلِ والسَّبي.
﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يُختلسون قَتْلًا وسَبْيًا؛ إذ كانَتِ العربُ حولَه في تغاورٍ وتناهبٍ.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾: أبعدَ هذه النِّعمةِ المكشوفةِ وغيرِها ممَّا لا يَقدرُ عليه إلا اللَّه، بالصَّنم أو الشَّيطانِ ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ حيثُ أشركوا به غيرَه، وتقديم الصِّلتَيْن لمحافظةِ الفاصلةِ والاختصاصِ على طريق المبالغةِ.
* * *
(٦٨) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأنْ جعلَ له شريكٌ، قائلينَ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وهذا القولُ منهم باعتبار أنَّ التَّقرُّبَ لا يكون إلَّا بالطَّاعة في معنى القول بأنَّ تلك العبادةَ طاعةٌ أمروا بها، وهذا افتراءٌ منهم على اللَّه تعالى.
ثُمَّ إنَّ الافتراءَ نفسَه وإن كان لا يخلو عن كذبٍ لكنَّ المفتَرى قد يكون صادقًا، والمفتَرى هاهنا - وهو كون عبادة الأصنام طاعةً - لَمَّا كان كذبًا زادَ قولَه: ﴿كَذِبًا﴾ زيادةً (١) في تقبيحِ شأنِهم.
стр. 3537
﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾؛ يعني: الرَّسول أو الكتاب.
وفي: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ تسفيهٌ لهم حيثُ لم يتوقَّفوا ولم يتأمَّلوا قطُّ حين جاءهم، بل سارعوا إلى التَّكذيبِ أوَّلَ ما سمعوه.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ تقريرٌ لثوائهم فيها؛ أي: ألا (١) يَثْوون فيها، وقد افتروا مثل هذا الافتراء على اللَّه، وكذَّبوا بالحقِّ هذا التَّكذيب؛ أو: ألم يصحَّ عندهم أنَّ في جهنَّم مثوًى للكافرين، حتَّى اجترؤوا مثلَ هذه الجرأة.
* * *
(٦٩) - ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ أطلقَ المجاهدة ليتناولَ كلَّ ما تجب مجاهدته من الأعادي الظَّاهرة والباطنة بأنواعها.
﴿فِينَا﴾: في حقِّنا ومن أجلِنا ولوجهنا خالصًا.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾: لنزيدنَّهم هدايةً إلى سُبُلِ الخير وتوفيقًا لسلوكها، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧].
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالنُّصرةِ والمعونةِ في الدُّنيا، وبالثَّوابِ والمغفرة في العُقبى.
* * *
стр. 3538
سُورَةُ الرُّومِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١ - ٢) - ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾.
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: غُلِبَتِ في القراءة المشهورة على البناء للمفعول، و ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ على البناء للفاعل، وقرئ على العكس (١)، وإضافةُ غَلَبتهم (٢) في الأولى إلى المفعول، وفي الثانية إلى الفاعل.
* * *
(٣ - ٥) - ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: أرضِ العربِ؛ لأنَّها الأرض المعهودة عندهم؛ أي: في أدنى أرضِ العرب منهم، أو: أرضِهم؛ أي: أدنى أرضِهم مِن العرب، واللامُ بدلٌ مِن الإضافة.
стр. 3539
وقيل: أدنى أرضهم إلى عدوِّهم (١)؛ أمَّا الدلالة على الإضافة فظاهرةٌ مِن ذِكْرهم، وأمَّا النهاية فلحديث المغلوبيَّة.
وعن مجاهد: هي أرضُ الجزيرة، وهي أدنى أرضِ الروم إلى فارس (٢).
وقيل: أَذْرعاتَ وبُصْرى، وهي أدنى أرضِ الشام مِن العرب.
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ وقرئ بسكون اللَّام (٣)، فالغَلَب والغَلْب مصدران، كالحَلَب والحَلْب.
﴿سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ البِضْعُ: ما بين الثلاثةِ إلى العَشَرة، وفي "المجمل": ما بين الواحد إلى التسعة (٤).
روي أنَّه لمَّا بلغ مكةَ خبرُ غلبةِ فارسَ الرومَ، فرحَ المشركون وشَمتوا بالمسلمين، وقالوا: أنتم ونصارى أهلُ الكتاب، ونحن وفارسُ أُمِّيُّون، فقد ظهر إخوانُنا على إخوانكم، ولنَظهرنَّ عليكم، فنزلت (٥).
وظهرت الرومُ على فارسَ يومَ الحديبية، وذلك عند رأسِ سبعِ سنين.
وقيل: كان النصر يومَ بدر للفريقين.
والمعنى على القراءة الثانية؛ أنَّ الرومَ غلبوا على ريفِ الشام، وسيَغلبهم المؤمنون في بِضْعِ سنين، وقد غَلَبهم المسلمون في السنة التاسعة وفتحوا بعضَ بلادهم.
стр. 3540
﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾؛ أي: مِن قَبْلِ كونهم غالبين؛ وهو وقتُ كونهم مغلوبين، ومِن بعد كونهم مغلوبين؛ وهو وقتُ كونهم غالبين؛ أي: ليس الأمر في الحالين إلَّا للّه.
وقرئ: (من قبلٍ ومن بعدٍ) على الجرِّ مِن غير تقدير مضافٌ (١)، كأنَّه قيل: قَبْلًا وبَعْدًا؛ أي: أوَّلًا وآخرًا.
﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾: ظرفٌ معمول لـ ﴿يَفْرَحُ﴾، والتنوين فيه للعوض مِن الجملة المحذوفة؛ أي: ويوم إذ يَغلبُ الرومُ فارسَ.
﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وتغليبِه مَن له كتابٌ على مَن لا كتابَ له؛ لِمَا فيه مِن انقلابِ التفاؤل وغيظِ مَن شمتَ بهم مِن كفار مكة، أو لِمَا ظهر مِن صدقِ المؤمنين فيما أَخبروا به المشركين.
وقيل: وافق ذلك يومَ بدر، وفي هذا اليوم نُصِرَ المؤمنون (٢).
﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فينصرُ هؤلاء تارةً وهؤلاء أخرى.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ينتقمُ تارةً مِن عباده بالنصر عليهم، ويتفضَّل عليهم أخرى بنصره إيَّاهم (٣).
* * *
стр. 3541
(٦) - ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: مصدرٌ مؤكِّد لنفسه؛ لأنَّ ما تقدَّمه في معنى وَعَدَ، كقولك: عليَّ ألفُ درهمٍ عرفًا؛ لأنَّ معناه: أَعترفُ لكَ بها اعترافًا.
﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ اعتراض.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وعْدَه، أو: صحَّةَ وعدِه؛ لبلوغهم في الجهل غايَته حتى يستحقُّوا أنْ يقال فيهم: لا يعلمون مطلقًا.
(٧) - ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
﴿يَعْلَمُونَ﴾ بدلٌ مِن ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وفي هذا الإبدال - مع أنَّه مِن لطائف علمِ البديع - إشعارٌ بأنَّ سَلْب العلمِ - الذي هو الجهل - لا ينافي وجودَ العلم بظاهر أمورِ الدنيا، بل هو هو لا فرقَ بينهما.
﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: فيه إشارةٌ إلى أنَّ للحياة الدنيا ظاهرًا؛ وهو ما يَعرفه الجهَّال مِن التمتُّع بزخارفها، والتنعُّم بملاذِّها، وجمعِ أسبابها وضبطها، وباطنًا وهو ما يعرفه العقلاء مِن الاعتبار بهم، وبسرعة انقضائها، وكون محلِّها متجرَ (١) الأولياء ومجازَ الآخرة، يجب التَّزوُّد منها بالتقوى والطاعة.
وتنكيرُ ﴿ظَاهِرًا﴾ يفيد أنَّهم لا يعلمون إلَّا ظاهرًا واحدًا من ظواهرها؛ وهو التمتُّع منها بالأكل والشرب كالبهائم، لا جملتَها؛ فإنَّ مِن ظواهرَها معرفةَ خواصِّها، والاستدلالَ بها على صانعها، وكيفيَّة الانتفاع بها لصلاحِ الدارين، ففيه ذمٌّ لهم بالجهلِ بليغٌ.
стр. 3542
﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ التي هي غايتُها والمقصودةُ منها ﴿هُمْ غَافِلُونَ﴾ لا تخطر ببالِهم، و ﴿هُمْ﴾ الثانية تكريرٌ للأولى، أو مبتدأ و ﴿غَافِلُونَ﴾ خبره، والجملة خبرُ الأولى، وعلى كِلَا الوجهين في توسطيه وتكريرِ ﴿هُمْ﴾ إشعارٌ بأنَّهم معدنُ الغفلة عن الآخرة ومنبعُها، متمادونَ فيها بالسكون إليها، كأنَّه لا غافلَ غيرُهم.
(٨) - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾: كلمةُ استبطاءٍ، ومعناها: هلَّا يتفكَّرون (١) لِمَ أخَّروا التفكُّر، والواو للعطف على محذوفٍ تقديره: أَلَم يلتفتوا ولم يتفكَّروا، وقوله:
﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً، وأن يكون صلةً للتفكُّر.
ومعنى تقييد (٢) التفكُّر به على الأول مع أنَّه لا يكون [إلا] (٣) في النفس: زيادةُ تصويرٍ لحال المتفكِّرين وتقريرٌ، كقولك: كتبتهُ بيميني، كأنَّه قيل: أَوَلم يُحْدِثوا التفكُّر في أنفسهم العاطلةِ الفارغة عن التفكُّر والتأمُّل.
وعلى الثاني معناه: أَوَلم يتفكَّروا في أنفسِهم التي هي أقربُ الأشياء وما فيها مِن عجائبِ الصنع وبدائعِ الحكَم التي أَودعها اللهُ تعالى فيها، وفي انتقالاتها في السِّنِّ إلى الشيخوخة والضَّعْف وضرورة فنائها.
стр. 3543
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ متعلِّق بعِلْمٍ أو قولٍ محذوفٍ دلَّ الكلامُ عليه؛ أي: فيَعلموا أو يقولوا هذا القول.
﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ حالٌ؛ أي: إلَّا مُلْتبسةً بالحق؛ أي: بالحكمة البالغة والعدل والصواب.
﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: وبتقديرِ أجلٍ مسمًّى يَنتهي إليه، وهو قيامُ الساعة ووقتُ الحسابِ والثوابِ والعقابِ.
أو: إلَّا وهي ملتبسةٌ بالحقِّ وتقديرِ أجلٍ مسمًّى، يعني: ما خَلَقهما باطلًا، ولا لتبقى خالدةً.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: لقاءِ جزائه عند الأَجَلِ المسمَّى والبعث.
﴿لَكَافِرُونَ﴾: منكِرون (١).
(٩) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: تقريرٌ لسيرهم في البلاد، ونَظَرِهم إلى آثار المدمَّرين - مِن عادٍ وثمودَ وغيرِهم مِن الأُمم العاتية - المترتِّبِ على ذلك السير، ثم وصف حالهم فقال:
стр. 3544
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾: وقلَّبوا وجهَها لزرعِ البُزُور واستنباطِ المياه واستخراجِ المعادن وغيرها.
﴿وَعَمَرُوهَا﴾ بالاهتمام في أمرِ البناءِ والغرسِ ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾: مِن عمارة أهلِ مكَّة إيَّاها، وفيه تهكُّمٌ بهم؛ لأنَّهم أهلُ وادٍ غيرِ ذي زرعٍ لا عمارةَ لهم ولا حرثَ، وهم مغترُّون بالدنيا مفتخرونَ بها، مع أنَّهم أضعفُ حالًا فيها، إذ مدارُ أمرِها على التبسُّط في البلاد، والتسلُّط على العباد، والتصرُّف في الأقطار بإظهارِ أنواعِ الآثار.
﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزاتِ أو الآياتِ الواضحاتِ.
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: فما صحَّ لهم أنْ يَظلمهم اللهُ؛ لأنَّ حاله تعالى يُنافي الظلم، كناية عن عدمِ كون تدميرِهم واستئصالِهم ظلمًا.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: حيث أصرُّوا على ما أَوجب تدميرَهم مِن الكفر والتكذيب والمعاصي.
(١٠) - ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾؛ أي: عُوقبوا في الدنيا بالتدمير، ثم كانت عاقبتهم التي هي أَسوأ العقوبات، وهي جهنَّم التي أعدَّت للكافرين، فوضع الظاهر موضعَ المضمر للدلالة على أنَّ الموجبَ للعقوبة السوأى إساءتُهم المفرطة.
﴿السُّوأَى﴾ تأنيثُ: الأَسْوَأ وهو الأقبحُ، كما أنَّ الحُسْنى تأنيث الأحسنِ، أو مصدرٌ كالبُشْرى نعت بها للمبالغة.
стр. 3545
﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ علةٌ؛ أي: لِأَنْ كذَّبوا، أو بدلٌ مِن ﴿السُّوأَى﴾ أو عطفُ بيانٍ له، أو خبر ﴿كَانَ﴾ و ﴿السُّوأَى﴾ مصدرُ ﴿أَسَاءُوا﴾، أو مفعولُه؛ أي: [ثم كان عاقبةَ الذين] اقترفوا الخطيئةَ [أن طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ حتى كذبوا بآيات الله واستهزؤوا بها.
ويجوز أن تكون ﴿السُّوأَى﴾ صلةَ الفعل و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ تابعَها، والخبرُ محذوف للإبهام] (١) والتهويل، وأن تكون ﴿أَنْ﴾ مفسِّرةً (٢) بمعنى: أي؛ لأنَّ الإساءة إذا كانت مفسَّرة بالتكذيب والاستهزاء، كانت في معنى القول، نحو: نادى، وكتب وما أشبههما.
ويجوز أن يكون معنى ﴿أَسَاءُوا السُّوأَى﴾: اقترفوا الخطيئةَ التي هي أسوأُ الخطايا، ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ عطف بيانٍ لها، وخبر ﴿كَانَ﴾ محذوف كما يُحذف جوابُ (لو) و (لمَّا) لإرادة الإبهام؛ أي: ما لا يدخل تحت الوصف.
وقرئ: ﴿عَاقِبَةَ﴾ بالنصب (٣)، على أنَّ الاسم ﴿السُّوأَى﴾ و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ على الوجوه المذكورة.
﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ عدل عن صيغةِ الماضي، وزاد عبارة (كان)؛ للدلالة على الاستمرار التجدُّديِّ في أمرِ الاستهزاء المتضمِّن للتكذيب، والمحافظةِ على رؤوس الفاصلة (٤).
стр. 3546
(١١) - ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: يُنشئهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: يبعثهمُ ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء، والالتفاتُ للاستحضار والتنبيهِ على أنه المقصود، وقرئ بالياء على الأصل (١).
(١٢) - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾: يسكتون متحيَّرين آيسينَ، يقال: ناظَرْتُه فَأَبْلَسَ، إذا سكتَ ويئس مِن أنْ يَحْتَجَّ، ومنه: ناقةٌ مِبْلاسٌ، إذا لم يكن لها رُغاء.
وقرئ: بفتح اللام (٢)؛ مِن: أَبْلسَهُ، إذا أَسكتَهُ.
(١٣) - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾: مِن الذين أشركوهم بالله وعَبَدوهم مِن دونه ﴿شُفَعَاءُ﴾ يُجيرونهم مِن عذاب الله.
﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾: يكفرونَ بآلهتهم حين يئسوا منهم. وإنَّما جِيءَ بـ (لم يكن) و (كانوا) على لفظ الماضي لتحقُّق وقوعِه.
وقيل: كانوا في الدنيا بسببهم كافرين، وزيادة (كان) للمحافظة على الفاصلة (٣).
стр. 3547
(١٤) - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ في الأحوالِ والمحالِّ على ما فسَّره بعدها، والضمير لـ ﴿الْخَلْقَ﴾ أو ضمير ﴿يُرْجَعُونَ﴾، وإعادة (يوم تقوم الساعة)؛ للتهويل.
(١٥) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾: الفاء للتفصيل، والروضةُ: البستانُ، وكلُّ مكانٍ ذا نباتٍ وماءٍ يُسمَّى روضةً، وتنكيرها للتفخيم بالإبهام؛ أي: في روضةٍ لا يُعرَف قَدْرُها في علوِّ شأنها.
﴿يُحْبَرُونَ﴾: يُسَرُّون، مِن: حَبَرهُ، إذا سَرَّهُ سرورًا تهلَّل له وجهُه.
(١٦) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: مقيمونَ لا يغيبونَ عنه، وفي بناء الإحضار دلالةٌ على الكُرْهِ، وأنَّهم مُجبَرون في العذاب، وأمَّا ﴿يُحْبَرُونَ﴾ فللدلالة على أنَّه سرورٌ فوق ما بالطبعِ والعادةِ، فلا بُدَّ مِن سارٍّ يَسرُّهم بأنواع المسارِّ التي لم يكن للإنسان مثلُها في الدنيا.
(١٧) - ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: لمَّا ذكر الوعدَ والوعيدَ، أَتبعه
стр. 3548
بما يتعيَّن طريقًا للخلاص عن الدَّرَكات إلى الوصول إلى الدَّرَجات، كأنَّه قيل: إذا صحَّ ووَضحَ عاقبةُ المُعرِضين عن عبادته وطاعته، والمقبلين إليها، فسبِّح اللهَ تسبيحًا دائمًا (١).
وقرئ: (حينًا تُمسون وحينًا تُصبحون) (٢)؛ أي: تُمسون فيه، وتُصبحون فيه.
(١٨) - ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ للشواهد الناطقة فيهما باستحقاقِه الحمدَ ممَّن له تمييزٌ مِن أهلهما، ووجوبِه عليهم.
﴿وَعَشِيًّا﴾: إنَّما عدل هنا عن سَنَنِ نظائرها؛ لأنَّه لم يُصرَف مِن العشيِّ فِعْلٌ، لا يقال: أعشى، كما يقال: أَمسى وأَصبح وأَظهر.
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: أمرٌ في صورة الإخبار؛ لكونه أكِّد بتنزيه اللهِ (٣) تعالى والثناءِ عليه في هذه الأوقات التي تَظهر فيها آياتُ قدرته، ويتجدَّد فيها نِعَمه، وإنَّما خصَّص التسبيح بطرفَي النهار لأنَّ آثارَ القدرة فيهما أظهرُ، والحمدَ بالعشيِّ والإظهارِ لأنَّ تجدُّد النِّعم فيها أظهرُ وأكثرُ وأبينُ، والعشيُّ: آخرُ النهار، مِن: عَشى العينِ، إذا نقصَ نورُها، والظهيرة وَسَطه.
ويجوز أن يكون ﴿وَعَشِيًّا﴾ معطوفًا على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعتراضٌ.
стр. 3549
وقيل: المراد بالتسبيح والتحميد في الأوقاتِ المعيَّنةِ الصلاةُ.
وعن ابنِ عباس ﵄: أنَّ الآيةَ جامعةٌ للصلواتِ الخمسِ: ﴿تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب والعشاء، و ﴿تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الفجر، و ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر، و ﴿تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر (١).
ولا يلزم منه أن تكونَ مدنيَّة؛ لأنَّ الخمسَ فُرِضت بمكَّة، يدلُّ عليه حديثُ المعراج (٢) دلالةً بيِّنةً.
(١٩) - ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: الطائرَ مِن البيضةِ، والحيوانَ مِن النُّطفةِ ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ بالعكس.
﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾: بإخراج النبات منها ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: يُبْسها.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلك الإخراج ﴿تُخْرَجُونَ﴾ مِن القبور للبعث، فإنَّه تعقيبُ الموتِ بالحياة، وإخراجُ الحيِّ مِن الميت، والمراد أنَّ الإبداءَ والإعادةَ متساويان بالنسبة إلى قُدرة القادر، وفي الإخراج والإحياء المذكورين دليل قاطعٌ على البعث.
(٢٠) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ لأنَّ أصلهم منه ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ثم فاجأتُم وقتَ كونكم بَشَرًا منتشرين في الأرض.
стр. 3550
(٢١) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ لأنَّ حوَّاءَ خُلِقت مِن ضِلَعِ آدمَ ﵇، وسائرَ النساءِ خُلِقنَ مِن نُطَفِ الرجالِ، أو لأنَّهنَّ مِن جنسهم لا مِن جنسٍ آخر.
﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾: لتميلوا إليها، يقال: سَكَنَ إليهِ، إذا مالَ إليه، ومنه: السَّكَن، وهو الأُلْفُ المسكونُ إليه، وذلك لأنَّ الأُلْفَ إنَّما يكون بين المتجانسَيْن؛ لأنَّ الجنسيَّةَ علَّةُ الضَّمِّ، والاختلافَ سببُ التنافر.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾: بين الرجال والنساء ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾: التوادَّ والتراحُمَ بعصمة الزواج بعد أنْ لم يكن بينهما سابقةُ معرفةٍ ولا قرابةٍ تُوجِب ذلك؛ لينتظِم أمرُ النسبِ والتربية والإرث، أو بين أفراد الجنس؛ لابتناءِ أمرِ المعاش على التعاون المحوِج إلى التوادِّ والتراحم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلَمونَ ما في ذلك مِن الحِكَم والمصالح.
(٢٢) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾: لغاتِكم؛ مِن العربيَّة والعجميَّة وغيرِ ذلك مِن لغاتِ كلِّ صنفٍ وأهلِ كلِّ إقليم ولهجاتهم.
﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾: أشكالِكم وهيئاتكم؛ مِن تخاطيطِ الأعضاء والصُّور، فإنَّه لا يكاد يتَّفق اثنان في الشكل والهيئة، وعليه يبتني التعارُف المحتاج إليه في ضبط النظام.
стр. 3551
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ حيث ولدوا مِن أبٍ واحدٍ، وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلَّا اللهُ متفاوتون ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ لكلِّ مَن له عقلٌ مِن أهل العالَم.
وقرئ: بالكسر (١)، ويرجِّحها قولُه تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
(٢٣) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ظاهرُ الآيةِ يدلُّ على أنَّ المنامَ في الليل والنهار وابتغاءَ الفضل فيهما، وهو معنًى صحيحٌ، فإنَّ المنامَ في النهارِ الصيفيَّة الطويلةِ هو القيلولةُ المستحبَّةُ في السُّنَّة لاستراحة القوى النفسانيَّة وانتعاشِ القوى الطبيعيَّة، وكذلك ابتغاءُ الفضلِ في الليالي الشتويَّة مِن المباحات لقِصَرِ النهار، وقصورها عن حاجات الناس.
ويجوز أن يكون ﴿مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ مِن بابِ اللَّفِّ، وترتيبُه: منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار؛ أي: منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، حصرًا بين المتعاطفَين بالزمانين، إشعارًا بأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الزمانين وإن اختصَّ بأحدهما، فهو صالحٌ للآخر عند الحاجة، ويؤيد هذا الاختصاصَ تكريرُ هذا المعنى في القرآن.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: يدركون المحسوس، لمَّا كان المشارُ إليه مِن جنسِ ما يُدرَك بالمشاهدة وبالسماع مِن الغير كما في حقِّ الأعمى،
стр. 3552
والثاني أضعف الطريقين، عبَّر به عن إدراكه إعمالًا للدِّلالة، وهذا من جنس لطائف الاعتبار الذي قلمَّا يَتنبَّه له إلَّا مَن له الاختبار.
(٢٤) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: مِن آياته ما يُذكَر، أو: ما يُتلى عليكم، ثم قيل: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ إمَّا بيانٌ لذلك، أو: ﴿يُرِيكُمُ﴾ مبتدأ على حذف (أنْ) ورفعِ الفعلِ، كقوله:
أَلَا أيُّهذا الزَّاجِري أَحْضُرُ الوَغَى (١)
أو: تنزيلِ الفعلِ منزلةَ المصدر المرفوع؛ أي: ومِن آياته إراءتكم البرق، كقوله: تَسمعُ بالمُعيديِّ خيرٌ مِن أنْ تراهُ، أو: صفة لمحذوف تقديره: آيةٌ يريكُم بها البرقَ، كقوله:
فَمَا الدَّهرُ إلَّا تارتان فمنهما … أَموتُ وأُخرى أَبتغي العيشَ أَكدَحُ (٢)
أي: تارةً أموت فيها.
﴿خَوْفًا﴾ مِن الصاعقة ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيث.
стр. 3553
وقيل: خوفًا للمسافر وطمعًا للحاضر.
ونصبُهما على المفعولِ له، وإنَّما جاز مع أنَّهما ليسا بفعلِ فاعلِ الفعلِ المعلَّل؛ لأنَّ الإراءَة متضمِّنة للرؤية، أو على حذف المضاف، وإقامةِ المضاف إليه مقامه؛ أي: إراءةَ خوفٍ وطمعٍ، أو: تأويلِ الخوف والطمع بالإخافة والإطماع، كقولك: فعلتُه رغمًا للشياطين، أو: على الحال؛ أي: خائفين وطامعين.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يُبسها، وقد سبق وجهُ الفاءِ التعقيبية بين الإنزال والإحياء في تفسير سورة النحل.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولَهم في استنباط أسبابها وكيفيَّة تكوُّنها؛ ليظهر لهم كمالُ قدر الصانع وحكمته.
(٢٥) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بقوله: كونا قائمتَيْن، والمراد به تعلُّقُ إرادته بقيامِهما في حيِّزهما المعيَّنين مِن غير مقيمٍ محسوسٍ، شُبِّهتا في قيامِهما على وَفْقِ. إرادته بمأمورٍ مطيعٍ امتثلَ أمرَ آمرٍ مطاعٍ بلا توانٍ وتقصيرٍ؛ للمبالغة في كمالِ قدرته ونفاذِ أمره، وعدمِ تخلُّف المراد عن إرادته، وكذا في قوله:
﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ شبَّه الموتى بالمأمورِ المطيعِ؛ لتصوير ترتُّب خروجهم على دعائه مِن غير توقُّفٍ، عطفٌ على ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ على تأويلِ مفردٍ، كأنَّه قال: ومن آياته قيامُهما، ثم خروجُكم مِن الأرض بسرعة إذا دعاكُم دعوةً، فيقول: أيُّها الموتى اخْرُجوا.
стр. 3554
و ﴿ثُمَّ﴾ مستعارٌ لبُعد هذه الحالة مِن قيام السماوات والأرض بأمره، وهي خروج الموتى كلُّهم من الأرض دفعةً عند قوله: قوموا.
و (إذا) الأولى شرطيَّة، والثانيةُ للمفاجأة، وهي تقومُ مقامَ الفاء في جواب الشرط، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلِّق بـ ﴿دَعَاكُمْ﴾ لابـ ﴿تَخْرُجُونَ﴾ لأنَّ ما بعد (إذا) لا يعمل فيما قبله.
(٢٦) - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قد سبق ما يتعلَّق بـ ﴿مَنْ﴾ في مثل هذا المقام.
﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يَمتنعون عليه.
(٢٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد هلاكهم.
﴿وَهُوَ﴾؛ أي: الإعادةُ، وتذكيرُه لمطابقةِ ﴿أَهْوَنُ﴾، أو على تأويل: أنْ يعيده.
﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: أَسهلُ عليه مِن الإنشاء بالنسبة إلى عقولكم، والقياسِ على أصولكم (١)، وإلَّا فجميع الممكناتِ بالنسبة إلى قدرته سواءٌ، والإعادةُ في نفسها عظيمةٌ، ولكنَّها هوِّنت بالقياس إلى الإنشاء، وإنَّما قدِّمت الصلة في قوله: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩]؛ لقصد الاختصاص، ولا وجهَ له ها هنا، فلذلك أخِّرت.
стр. 3555
وقيل: الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ للخَلْق؛ أي: الإعادةُ أهونُ على الخَلْق؛ لأنَّه وجودٌ وقع (١) على التمام، وأمَّا الإنشاءُ فهو وجودٌ متدرِّجٌ مِن النقصان إلى الكمال، فعليه فيه شدَّةٌ ومشقَّةٌ.
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: الوصفُ العجيبُ الشأنِ الذي ليس لغيرِه ما يُساويه أو يُدانيه، كالقدرة الكاملة، والحكمة البالغة، يَصفهُ به ما في السماوات والأرض دلالةً ونطقًا.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: القويُّ القادرُ المُطلَق على إبداءِ كلِّ ممكنٍ وإعادته، ولا يُعجِزه شيءٌ ولا يمتنع عليه.
﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يجري شؤونه وأفعاله على مقتضى الحكمة.
(٢٨) - ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ في التوحيد ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: مُنتَزَعًا مِن أقرب شيءٍ إليكم وهي أنفسُكم.
﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مِن مماليكِكم ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ في أموالكم التي رزقناكموها؛ أي: هل ترضونَ لأنفسِكم أنْ يُشارككم عبيدُكم فيما رزقناكم مِن الأموال، وهم بشرٌ مثلكُم وأنتم عبيدٌ مثلُهم.
стр. 3556
﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ فتكونونَ أنتم وهم سواءٌ في التصرُّف فيها مِن غير فرقٍ.
و (مِن) الأولى للابتداء، والثانية للتبعيض، والثالثة مزيدةٌ لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي؛ لأنَّه (١) الإنكاري.
﴿تَخَافُونَهُمْ﴾: [أن] يستبدُّوا (٢) بالتصرُّف فيها ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ كما يخاف بعضُ الأحرار بعضًا إذا شاركه في ميراثٍ في مالٍ مُشتَركٍ أنْ يَحوزَهُ دونه، أو يَستقلَّ بتدبيره والتصرُّف فيه.
أو: تخافون أنْ تستبدُّوا بتصرُّفٍ دونَهم؛ مخافةَ بعضِ الأحرار بعضًا.
فإذا لم تَرضوا بذلك لأنفسِكم، وأنتم وعبيدُكم سواءٌ في البشريَّة، فكيف تَرضونَ لرَبِّ الأربابِ ومالكِ العبيدِ والأحرارِ أن يكون بعضُ عبيده له شركاءَ؟!.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ هذا التفصيل ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: نبيِّنها، فإنَّ التمثيلَ ممَّا يكشف المعاني ويوضِّحها تصويرًا وتشكيكًا.
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولَهم في تدبُّر الأمثال.
(٢٩) - ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
стр. 3557
﴿بَلِ﴾: إضرابٌ عن تبصُّر المشركين وهدايتهم، وإثبات أنَّ هداهُم لا يُجدي عليهم شيئًا ﴿اتَّبَعَ﴾: التفاتٌ مِن الخطاب إلى الغِيبة للإعراض والمتاركة.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالشرك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ﴾ حالٌ، إنَّما قيَّدهم به لأنَّ العالِمَ إذا ركبَ الهوى فربَّما يَردعه عِلْمه، وأمَّا الجاهل فهو كالبهيمة (١) لا يردُّه شيء.
﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾: فمَن يَقدِرُ أنْ يهديَ مَن أضلَّ اللهُ وخَذَلهُ، والفاء في ﴿فَمَنْ﴾ للسببية، والاستفهام للإنكار؛ أي: إذا اتَّبعَ الظالمون أهواءَهم جاهلينَ لا وازعَ لهم، فلا يقدر أحدٌ أنْ يهديَهم.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: ينقذونهم مِن ضلالتهم، ويمنعونهم تَبِعاتِهم.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ و ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ موضوعانِ موضعَ الضميرِ، والأول للتسجيل عليهم بالظلم والتعليلِ لاتِّباع الهوى، والثاني للتعليل لامتناعِ قَبولِ الهدى.
(٣٠) - ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾: تمثيلٌ للإقبال عليه والاستقامةِ إليه بحالِ مَن قَصدَ شيئًا غيرَ ملتفِتٍ عن سمتِهِ يمينًا وشمالًا؛ أي: قَوِّم وجهَك أو عَدِّله إليه غيرَ منحرفٍ عنه أصلًا، وكنايةٌ عن كمالِ الاهتمام؛ فإنَّ مَن اهتمَّ بالشيء غايةَ الاهتمام، عَقَدَ طرفَه
стр. 3558
علي وسدَّد نَظَره إليه وقوَّم وجهَه مُقبِلًا عليه بكُلِّيَّته، والفاء للسببية؛ أي: إذا لم تَنجَع (١) هدايتُك فيه، فأَقِم وجهَك للدِّين واترُكْهم.
﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِن ضمير (أقم) أو مِن (الدِّين).
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ نصبٌ على الإغراء؛ أي: الزموا فطرةَ اللهِ، أو: عليكم فطرةَ اللهِ، والإضمارُ على خطاب الجماعة؛ لقوله: ﴿مُنِيبِينَ﴾ فإنَّه حالٌ مِن ضمير العامل المقدَّر، وقولِه: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ ﴿وَأَقِيمُوا﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ فإنَّه عطفٌ على المقدَّر.
وإضافةُ الفطرة إلى اللهِ وتوصيفُها بقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ للاختصاص والتعظيم، وأنَّه لا ينبغي أنْ تبدَّل وتغيَّر، ولا يَقدرُ أحدٌ أنْ يغيِّرها؛ حسمًا لأطماع المشركين، وحتمًا بأنَّ توحيدَه ذاتيٌّ لا يُمكن تغييرُه، وبيَّنه للتأكيد والتقرير بقوله:
﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ففيه دلالةٌ على أنَّ المرادَ مِن الفطرةِ الخِلْقةُ؛ وهي: الحالةُ التي جُبِلوا عليها مِن قَبولهم للتوحيد ودينِ الإسلام، وتمكُّنهم مِن إدراكه، بحيث لو خُلُّوا وما جُبِلوا عليه لَمَا اختاروا عليه (٢) دينًا آخَرَ، وشهدت عقولُهم الفطريَّة به، ومَن غوى منهم فبإغواء شياطينِ الإنس والجنِّ، وقد أَفصحَ عن هذا قولُه ﵊: "كلُّ عبادي خَلقتُ حنفاءَ، فاجتالتهم الشياطينُ عن دينِهم وأَمروهم أنْ يُشركوا بي غيري" (٣)، وقولُه ﵊: "كلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة حتى يكون أبواهُ هما اللَّذان يُهوِّدانه أو يُنصَّرانه" (٤).
стр. 3559
ويجوز أن يُراد بالفطرة دينُ ملَّةِ الإسلام، فيكون معنى: ﴿لَا تَبْدِيلَ﴾: لا ينبغي أْن يُبدَّل، وإنَّما وحِّد الخطابُ أولًا ثم جُمعَ؛ لأنَّ خطابَ الرسول خطابٌ لأمَّته، فأُفرد تعظيمًا للاهتمام، ثم جُمعَ لأنَّ الخطابَ للبيان، وأنَّ الدِّين له بالأصالة ولهم بالتبعيَّة.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الدِّين المأمورِ بإقامة الوجهِ له ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ المستوي الذي لا عِوَجَ فيه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ استقامتَه؛ لعدم تدبُّرهم.
(٣١) - ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾؛ أي: راجعينَ إلى الله بآمالكم، مُقبِلين عليه بأعمالكم، مِن أناب: إذا رجع مرَّة بعد أخرى، والمرادُ مِن التكرار المبالغةُ في الرجوع إلى الرضا والانقطاع عن الهوى، أو تضمين التنبيه على قَبول التوبة كرَّةً بعد أُولى.
وقيل: الإنابةُ: الانقطاعُ إلى الله بالطاعة، وأصله على هذا القطعُ، ومنه: النائب؛ لأنَّه قاطعٌ.
﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ خصَّهما بالذِّكْر لأنَّهما عمادُ الدين.
﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ممَّن يُشرِك به غيرَه في العبادة، وفيه نهيٌ عن الرِّياء في الصلاة؛ فإنَّه شركٌ خفيٌّ.
(٣٢) - ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ بدلٌ من ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَارَّقُوا دِينَهُمْ﴾ تركوا دينَ الإسلامِ،
стр. 3560
وإنَّما عَّبر عن دينِه بالمفارقة لِمَا عرفتَ أنَّهم جُبِلوا على قَبوله، فنزِّل قَبولُه منزلةَ فعلِه مبالغةً في قوَّة قبولِهم إيَّاه.
وقرئ: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (١)؛ أي: جعلوه أديانًا مختلفة؛ لاختلاف أهوائهم.
﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: يُشايع كلُّ فرقة إمامَها الذي أضلَّها، والشِّيَعُ: الفِرَقُ التي يَجتمع كلُّ فريقٍ منها على مذهبٍ خلافَ مذهبِ الفريق الآخَرِ.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: مسرورونَ يَحسبونَ أنَّه الحقُّ، والجملة في محلِّ النصب صفةُ ﴿شِيَعًا﴾، أو: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ مبتدأ، خبرُه ﴿مِنَ الَّذِينَ فَارَّقُوا﴾ منقطعًا عمَّا قبله، و ﴿فَرِحُونَ﴾ صفة ﴿كُلُّ﴾.
(٣٣) - ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾: شدَّةٌ ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعينَ إليه مِن دعاء غيره.
﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ﴾: مِن ذلك الضُّرِّ ﴿رَحْمَةً﴾: خلاصًا.
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فاجَأَ فريقٌ منهم بالإشراك بربِّهم الذي عافاهم.
وفي عبارة ﴿ثُمَّ﴾ ولفظ ﴿أَذَاقَهُمْ﴾ إشارةٌ إلى أنَّهم مع امتدادِ شدَّتهم وتأثُّرهم منها في الغاية يشركون كما يظهر طليعة الخلاص منها.
стр. 3561
(٣٤) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللامُ مجازٌ عن العاقبة، وقيل: هي بمعنى التهديد.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ على الأول أمرٌ للتهديد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، والفاءُ للسببيَّة على تقدير شرط محذوف؛ أي: إذا أَصررتم على الشرك وتمادَيتم في الكفر فتمتعوا، وعلى الثاني عطفٌ على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، والالتفات مِن الغيبة إلى الخطاب؛ للمبالغة في التهديد.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ تمتُّعكم.
(٣٥) - ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾.
﴿أَمْ أَنْزَلْنَا﴾: ﴿أَمْ﴾ بمعنى (بل) والهمزةِ للإضراب عن الكلام السابق، والهمزة للاستفهام عن الحُجَّة استفهامَ إنكارٍ وتوبيخٍ.
﴿عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ التنكير للتعظيم، وفائدتُه الدلالة على أنَّ ما يَنزل في مثلِ هذا الأمرِ حقُّه أن يكون برهانًا عظيمَ الشأن واضحَ الدلالة، ولهذا عبَّر عن دلالته الواضحة بالنطق في قوله تعالى:
﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ وأتى بالتفريعِ دون التوصيفِ.
﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾: بالأمرِ الذي بسببه يُشركون به تعالى في ألوهيَّته.
(٣٦) - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.
стр. 3562
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: نعمةً مِن صحةٍ وَسَعةٍ ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾: بَطِروا بسببها.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: شدَّة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: بشؤم معاصيهم.
﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾: قَنطُوا مِن الرحمة بالكلِّيَّة، وإنَّما جِيء بصيغة المضارع على حكاية الحال الماضية؛ استحضارًا لها، واستفظاعًا للقنوط، وتنبيهًا على أنَّ ذلك دَيْدَنُهم ماضيًا ومستقبلًا.
و ﴿إِذَا﴾ المفاجأة جوابُ الشرط، نائبٌ عن الفاء، لتآخيها في التعقيب.
ثم أَنكر عليهم بَطَرهم وقُنوطَهم؛ بأنَّهم قد علموا أنَّ الله هو الباسطُ القابضُ، فما لهم لا يشكرونه على نعمته، ولا يرجعون إليه تائبين (١) عن معصيته كالمؤمنين، حتى يعيدَ عليهم رحمتَه ويبسطَ عليهم نعمتَه.
(٣٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وهذا ما أراد بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ عبارةً وإشارةً.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فيستدلُّون به على كمالِ القُدرة والحكمة.
لمَّا وبَّخهم على البَطَر والقُنوط، وعلَّق السيئةَ بارتكاب المعاصي والذنوب، حثَّهم على ما يجب عليهم، وأَوعد على ارتكاب ما حرَّم، وحرَّضهم على ما يجب أن يُفعَل في حال السَّعَة، ولذلك جاء بالفاء السببية، وقال:
(٣٨) - ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
стр. 3563
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ إذا فسِّر حقُّ الأخيرين بالنُّصيب المسمَّى لهما مِن الزكاة، وجب أنْ يفسَّر حقُّ الأول بالنفقة الواجبة؛ لئلا يلزم استعمال لفظ (١) الأمر للوجوب والندب معًا في استعمالٍ واحد.
ولهذا احتجَّ أبو حنيفة بهذه الآية في وجوب النفقةِ للمحارم إذا كانوا محتاجينَ عاجزينَ عن الكَسْب، وخصَّ الشافعيُّ في وجوبها بالوالدين والأولاد، وقاسَ سائرَ القرابات على ابنِ العمِّ؛ إذ لا وِلادَ بينهم.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾؛ أي: يقصدون بمعروفهم إيَّاه خالصًا.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ حيث حصَّلوا بما بُسط (٢) لهم مِن زخارف الدنيا النَّعيمَ المقيمَ في العقبى.
(٣٩) - ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾.
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾: زيادةٍ محرَّمةٍ في المعاملة، وقرئ بالقصر (٣)؛ أي: ما جئتم به مِن إعطاءِ ربًا ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾: ليزيدَ ويزكوَ في أموالهم ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ فلا يزكو، أو: لا يبارك فيه.
وقرئ: ﴿لِيَرْبُوَ﴾ (٤)؛ أي: لتَزيدوا، أو: لتصيروا ذا ربًا.
стр. 3564
وقيل: هو مِن الربا الحلال؛ [أي] (١): وما تُعْطونه مِن الهدية (٢) لتأخذوا أكثرَ منها، ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ لأنَّكم لم تريدوا بذلك وجهَ الله تعالى.
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: تبتغونَ به وجهَه خالصًا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ المُضعِف: ذو الضِّعْف، كالمُقوِي والمُوسِر بمعنى: ذي القوة وذي اليسار.
وقرئ بفتح العين (٣).
والراجع منه محذوفٌ إنْ كانت (ما) موصولةً، تقديره: المُضعِفُون به، أو: فمُؤْتُوه أولئك هم المُضعِفون وذوو الأضعاف مِن الثواب، أو الذين ضعَّفوا أموالهم ببركة الزكاة، وفيه التفاتٌ حَسَنٌ للتعظيم؛ كأنَّه قال لملائكته (٤) وخواصِّ خلقِه تعريفًا لحالهم: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الذين يريدونَ وجهَ اللهِ بصدقاتهم ﴿هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، فهو أمدحُ لهم مِن أنْ يقول: وأنتم (٥) المضعفون.
وتغيير العبارة والنَّظم عن سَنَن المقابلة للمبالغة في المدح، أو للتعميم؛ أي: فمَن فَعَلَ ذلك فأولئك هم المضعفون، فيكون إثباتًا برهانيًا.
(٤٠) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
стр. 3565
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ خبره، أو صفةٌ والخبر ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ والرابط للجملة بالمبتدأ: ﴿ذَلِكُمْ﴾؛ لأنَّ معناه: من أفعاله.
و ﴿مِنْ﴾ الأولى والثانية يفيدان شيوعَ الحكم في جنسِ الشركاء والأفعال، والثالثة لاستغراق النفي، وكلٌّ منها مستقلَّة بتأكيد (١) مقرِّرٍ لتعجيز الشركاء وتجهيل عَبَدتها، فإنَّ معنى الاستفهام: الإنكارُ المستلزمُ للنفي على سبيل التأكيد، أثبت اللهُ تعالى [له] (٢) هذه الأفعال التي هي مِن لوازم الألوهيَّة وخواصِّها، ونفاها عن شركائهم مِن الأصنام وغيرِها، لِمَا دلَّ عليه البرهان والعيانُ ووقع عليه الوفاق، ثم استنتج (٣) مِن ذلك أنَّه منزَّه أن يكون له شركاء.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قيل: لمَّا لم يُجيبوا عمَّا سأل عنه عجزًا (٤) قال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ إلخ.
(٤١) - ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
стр. 3566
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ مِثْل: المُوتان (١) في الناسِ والدوابِّ، والجَدْب والقَحْط، وكثرة الحَرْق والغَرَق، وقلَّة الزرع (٢)، وخَيْبة الصيادينَ والغاصَةِ (٣)، وخُسران التجَّار، واحتباس الأمطار، ومَحْقِ البركات، وشمول الآفات.
﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾: بشؤم معاصيهم وذنوبهم.
وقيل: ظهر الفسادُ في البرِّ بقَتْل ابنِ آدمَ أخاه، وفي البحر بأنَّ جُلَنْدَى كان يأخذُ كلَّ سفينةٍ غصبًا.
وعن الحسن: أنَّ المرادَ بالبحر: المدنُ والقرى التي على شاطئه.
﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أراد: وبالَهُ في الدنيا، فإنَّ جزاءَه الموعودَ في الآخرة، ولمَّا كان ما في الدنيا موجِبَ شآمةَ ما عملوا، ومقتضَى شأنِ ذلك العملُ، نُزِّل منزلتَه، واللام للعلَّة استعيرت هنا لترتُّب المسبَّب على السبب.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لإرادة الرجوع عمَّا هم عليه.
(٤٢) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَمَرهم بالسير في الأرض
стр. 3567
والنظرِ في آثار مَن أَهلك اللهُ تعالى مِن الأُمم قبلهم بسبب كفرهم ومعاصيهم؛ ليشاهدوا مصداقَ ذلك ويتحقَّقوا صدقه.
﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ استئنافٌ للدلالة على أنَّ منهم مَن أَهلكهم بسبب سائر المعاصي، ولم يكن الشركُ وحده سببَ تدميرِ الكُلِّ.
(٤٣) - ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾: البليغِ الاستقامة، الذي لا يتأتَّى فيه عِوَجٌ، يعني: قد بلغ الإنذارُ مبلغَه، فلا تهتمَّنَّ لإعراض هؤلاء، واقصِدْ أنتَ الطريقَ الذي يُوصِلك إلى الدِّين المستقيم، وهو ما تقدَّم ذِكْره: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠].
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: يومٌ لا يَقدِرُ أنْ يردَّه أحدٌ، أو: يأتي يومٌ لا رادَّ له مِن جهة الله؛ أي: لا يردُّه الله؛ لتعلُّق إرادته القديمة بمجيئه.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾: يتصدَّعون؛ أي: يتفرَّقون تفرُّق الأشخاص، على ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، لا تفرُّق الفريقَيْن كما ظَّنه مَن قال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] فإنَّ المبالغةَ في التفرُّق المستفاد مِن ﴿يُصَدَّعُونَ﴾ إنَّما يناسب الأول، ثم استأنف لبيانِ شأنهم في تلك الحال، فكأنَّه يقول: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].
стр. 3568
(٤٤) - ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾.
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾: وبالُ كفرِه، مبالغةً في إحاطة جميع المضارِّ به؛ لأنَّ مضرَّة الكفرِ ووبالَهُ غاية في المضارِّ لا وراءَ لها، وهي إحاطةُ النار به.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾؛ أي: يُسوُّونَ مقرًّا في الجنة لا أَنعمَ ولا أَجلبَ للراحة منه، وهو تمثيلٌ لحالهم بحالِ مَن يُمهِّد فراشَه ويوطِّئه لنفسه في غايةِ النعومة، بحيث لا يصيبه في مَرْقده ما ينغِّصه عليه مِن أدنى خشونةٍ.
وتقديمُ الظرفِ في الموضعين للاختصاص، وصيغةُ الإفراد في الكافر للدلالة على انفرادِه في زمانِ عذابه تشديدًا له، فإنَّ الوحشةَ نقمةٌ أخرى، وصيغةُ الجمعِ في المؤمن للدلالة على أنَّ لهم نعمةَ الأُنْس زيادةً على ثوابهم الجزيل.
وفي مقابلةِ ﴿مَنْ كَفَر﴾ بـ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ تنبيهٌ على أنَّ العملَ الصالح مِن روادف الإيمان، لا يوجد مع الكفر، ولمَّا كان العملُ الصالحُ كنايةً عن الإيمان، لم يبقَ قسمٌ آخَرُ مجهولَ الحال.
(٤٥) - ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾: ممَّا يَتفضَّل به عليهم؛ لأنَّ الثوابَ مِن الفَضْل، والعقابَ مِن العدل.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ تعليلٌ لـ ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾، والاقتصارُ على جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصودُ بالذات، والاكتفاءُ مِن جزاء الكافرين بفحوى قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ وتوصيفُ المؤمنين بالعمل الصالح، ليس للتخصيص، بل للتنبيه على أنَّ الإيمانَ الخالصَ شأنُه استتباعُ العملِ الصالحِ.
стр. 3569
أو لـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾، والموصول مع صلته مِن باب وضعِ الظاهرِ موضعَ المُضمَر، والتصريح بالتكرير للمدح والإشعارِ بأنَّه هو الموجب للكرامة والاستحقاق والترغيب في الإيمان والصلاح.
وكذا: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ بعد قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ فإنَّه تقريرٌ بعد تقريرٍ على الطَّرْدِ والعكسِ؛ أي: يُقرِّر الأولُ الثانيَ وبالعكس، وذلك أنَّ قولَه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلخ، يدلُّ بمنطوقه على اختصاصِهم بالجزاء التكريميِّ، وبمفهومه على أنَّهم أهلُ الولاية والزُّلْفى (١)، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ لتعليلِ الاختصاص يدلُّ بمنطوقه على أنَّ عدمَ المحبَّة اقتضى حرمانهم، وبمفهومه على أنَّ مقتضى الجزاء لأضدادهم موفورٌ فهو بحبِّ المؤمنين.
(٤٦) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: ومن آياتٍ قدرته وحكمته ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ هي الجَنوب والشَّمال والصَّبا، وهي رياح الرحمة، وأمَّا الدَّبُور فريحُ العذاب، ومنه قوله ﵊: "اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا" (٢)، وذلك أنَّ العربَ تقول: لا يُلقَّح السحابُ إلَّا مِن رياحٍ مختلفةٍ، يريد: اجْعَلها لقاحًا للسحاب ولا
стр. 3570
تجعلها عقابًا، وتحقيقُ (١) ذلك: مجيءُ الجمعِ في آيات الرحمة، والواحدِ في قصصِ العذاب.
وقرئ: ﴿الرِّيَاحَ﴾ على إرادة الجنس (٢).
ثم عدَّد الفوائدَ في إرسالها فقال: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾؛ أي: إرسالها للبشارة في الغيث.
﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ ولإفاضة الرحمة؛ وهي نزول المطر، وحصول الخصب الذي يتبعه، والرَّوحُ الذي هو مع هبوب الريح، وزكاءُ الأرض، وغيرُ ذلك، عطفٌ على علَّة أو علل شتَّى محذوفة دلَّ عليها ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾، أو عليها باعتبار المعنى؛ لأنَّه في معنى التعليل، كأنَّه قيل: ليبشِّركم وليذيقكم، أو متعلق بمحذوفٍ دلَّ عليه ﴿أَنْ يُرْسِلَ﴾ تقديره: وليذيقكم وليكون كذا وكذا أرسلناها.
﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ عند هبوبها ﴿بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بتجارة البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ولتشكروا نعمة الله فيها.
(٤٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ لمَّا وسَّط بين دلائل التوحيدِ تسليةَ الرسولِ ﵊ ووعدَه، اقتصر الكلام بإدراج ذِكْر الفريقين في طيِّ ذكر الانتصارِ والنصر؛ تقريبًا للمقصود وقصرً لطريقه، والمعنى: فجاؤوهم بالبينات، فمنهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر.
стр. 3571
﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: كفروا، بالتدمير.
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إشعارٌ بأنَّ الانتقامَ مِن المجرمين كان لأجلهم، وتعظيمٌ لهم، وإظهارٌ لكرامتهم عند الله تعالى؛ بأنْ جعلهم مستحِقِّين على الله بنصرهم، مستوجِبين لأنْ يُظهِرهم على عدوِّهم، ولذلك قدَّم الخبر على الاسم؛ اعتناءً بهم وبحقيَّة نصرهم عليه، وقد يُوقف على ﴿حَقًّا﴾ على أنَّ اسم (كان) ضميرُ الانتقام، ويُبتدأ ﴿عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اكتفاءً مِن معنى الحق بـ: ﴿عَلَيْنَا﴾ (١).
(٤٨) - ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: يَجعله متصلًا تارةً في الجو ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ سائرًا وواقفًا، مطبَقًا أو غير مطبَق، مِن جانبٍ دونَ جانبٍ، إلى غير ذلك ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾: قِطَعًا تارةً أخرى.
وقرئ بالسكون (٢) على أنَّه مخفَّف، أو جمع كِسْفَةٍ، أو مصدرٌ وصف به.
والمرادُ بالسماء جهةُ العُلُو وسَمْتُها.
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: المطر ﴿يَخْرُجُ﴾ في التارتين ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾: وسطه.
﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾: بالوَدْق ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يريد: إصابةَ بلادهم وأراضيهم.
﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بمجيء الخصب.
стр. 3572
(٤٩) - ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ (إن) هي المخفَّفة مِن الثقيلة، واللام في ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ (١) هي الفارق بينها وبين النافية.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ﴾ المطرُ ﴿عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ تكرَّر للتأكيد كقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ [الحشر: ١٧]، وللدلالة على بُعْدِ عهدِهم بالمطر، واستِحكامِ يَأْسِهم، وتمادي إِبْلاسِهم؛ ليفيد مبالغةً في استبشارهم، فإنَّ الفرح بنزول المطر على قَدْر اغتمامِهم بانقطاعه، ويقوِّيه معنى التأكيد، واللامُ في: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾؛ أي: آيسينَ متحيِّرينَ مِن الغَمِّ منقبضينَ، وكذلك معنى السببية في:
(٥٠) - ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ مِن النبات والأشجار وأنواع الثمار وغير ذلك؛ أي: إذا كان كلُّ الاستبشارِ في نزولِه، وجُلُّ الغم في احتباسه، فانظر إلى آثار (٢) رحمته كيف هو واعْتَبِرْهُ، والضمير في ﴿فَانْظُرْ﴾ لكلِّ مخاطب.
﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ أي: إنَّ ذلك القادرَ الذي يُحيي الأرضَ بعدَ موتِها، هو الذي يُحيي الناسَ بعد موتِهم، فهذا استدلالٌ بإحياء الموات على إحياء الأموات.
وفي ﴿إِنَّ﴾ واللام تأكيدٌ وتقويةٌ للدليل في مقابلة إنكارِهم، ثم قرَّره وقوَّاه بقوله:
стр. 3573
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأنَّ نسبةَ قدرتِه إلى جميعِ الممكنات على السواء.
(٥١) - ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ﴾؛ أي: فَرَأَوا أَثَرَ رحمةِ اللهِ؛ لأنَّ الرحمةَ الغيثُ، وأثره النبات.
﴿مُصْفَرًّا﴾ يابسًا جافًّا؛ لأنَّه إذا يبسَ اصفرَّ، وقيل: الضميرُ للسحاب؛ لأنَّه إذا كان مصفرًّا لم يُمطِر، واللام موطِّئة للقَسَم دخلت على حرف الشرط، وقوله:
﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ جوابه سَدَّ مَسَدَّ جزاءِ الشرط، ولذلك فسِّر بالمستقبل؛ أي: ليَظلُّنَّ مِن بعدِ اصفراره يَكفرون نِعَمَه.
وهذه الآياتُ ناعيةٌ على الكفَّار قلَّةَ تثبُّتهم وسرعةَ تزلزلهم؛ لعدم تدبُّرهم وسُوءِ رأيهم، فإنَّ النظرَ السويَّ يقتضي أن يتوكَّلوا على الله في الأحوال كلِّها ولا يَضْطَربوا؛ فيشكروا نِعَمَه عند السَّعَة والرَّخاء، ويصبروا عند الضِّيق والبلاء، ولا يكفروا نِعَمَه في (١) الشِّدَّة، وَيرضوا بما جرى مِن القضاء؛ فيفوزوا في الدارين بالنعماء.
والفاء في:
(٥٢) - ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ للسببية؛ أي: إذا كفروا ولم يَنتبهوا بهذه الآياتِ الواضحاتِ ولم يسمعوا (٢)، فهم موتى أو صُمٌّ عُميٌ، فإنَّك لا تُسمِع الموتى، ولا تُسمِع الصُّمَّ، ولا تَهدي العُمْيَ، وتقييد الحكم بقوله:
стр. 3574
﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ للمبالغة في غفلتهم، وتماديهم في جهلهم، وعدم نجعِ الدعوة فيهم؛ فإنَّ الأصمَّ وإنْ لم يَسمع، فإذا كان مقبلًا فربما تفطَّن بالإشارات (١) والحركات، وأمَّا إذا كان مُدبِرًا فلا إمكانَ لسماعِه وفهمِه.
(٥٣) - ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ إنَّما عدل هنا عن صيغة الفعل إلى صيغة الفاعل؛ لأنَّه لم يُرِدْ نفيَ الهداية أصلًا، فإنَّ الهدايةَ في الجملة ممكنةٌ للأعمى، بل أراد نفيَ الهداية التامَّة، ولذلك ضمَّنها معنى الإذهاب فقال:
﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ يقال: هداهُ عن الضلالة؛ أي: أَبعدهُ عنها بالهدى، ومَن قرأ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ (٢) فقد اكتفى بما في قوله: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ مِن الدلالة على المراد، واللهُ الهادي إلى سبيل الرشاد.
﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ فإنَّ إيمانَهم يدعوهم إلى سماعِ اللفظ وتدبُّر المعنى فهم منقادونَ لِمَا تَأمرهم به ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: منقادونَ لأوامرِ الله.
(٥٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾: ابتدأَكُم منه، وجعلَ أساسَ أمرِكم وما عليه بنيتُكم الضعفَ، كقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وذلك حال الطفوليَّة والصِّبا.
стр. 3575
وقرئ: ﴿ضَعْفٍ﴾ بالفتح والضَّمِّ، وهما لغتان كالفَقْر والفُقْر، والثاني أقوى قراءةً؛ لِمَا روي أن ابنِ عمرَ ﵄ قال: قرأتُها على رسول الله ﷺ : ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾، فأَقرأَني (١): ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ (٢) بالضَّمِّ (٣).
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾: وهو حالُ الشبيبة؛ مِن أوانِ البلوغِ إلى زمانِ الكهولة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾: ثم ردَّكم إلى الضعف والشيخوخة، وزيادة قوله: ﴿وَشَيْبَةً﴾؛ للتنبيه على أنَّ المرادَ التبدُّلُ بحسب السِّنِّ، ففيه دفعٌ (٤) لذهاب الوهم إلى أنْ يراد بالجَعل الأولِ الخلقُ مِن النُّطفة، ومِن الثاني نفخُ الروح في البَدَن، والتنكيرُ مع التكرير لأنَّ المتأخِّر غير المتقدِّم (٥).
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ مِن ضعفٍ وقوَّةٍ وشَيبةٍ.
﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ فإنَّ هذه الانتقالاتِ في الأحوال المختلفة دالَّةٌ على أنَّه تعالى يَخلق على مقتضى المشيئة والعلم والقدرة؛ لأنَّ التغيير (٦) مِن صورةٍ إلى صورةٍ، والترديدَ مِن حالةٍ إلى حالةٍ، مع إمكان خلافِ ذلك، دليل على الإرادة المبنيَّة على العلم والحكمة المفْضية إلى القدرة.