﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: كفروا، بالتدمير.
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إشعارٌ بأنَّ الانتقامَ مِن المجرمين كان لأجلهم، وتعظيمٌ لهم، وإظهارٌ لكرامتهم عند الله تعالى؛ بأنْ جعلهم مستحِقِّين على الله بنصرهم، مستوجِبين لأنْ يُظهِرهم على عدوِّهم، ولذلك قدَّم الخبر على الاسم؛ اعتناءً بهم وبحقيَّة نصرهم عليه، وقد يُوقف على ﴿حَقًّا﴾ على أنَّ اسم (كان) ضميرُ الانتقام، ويُبتدأ ﴿عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اكتفاءً مِن معنى الحق بـ: ﴿عَلَيْنَا﴾ (١).
(٤٨) - ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: يَجعله متصلًا تارةً في الجو ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ سائرًا وواقفًا، مطبَقًا أو غير مطبَق، مِن جانبٍ دونَ جانبٍ، إلى غير ذلك ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾: قِطَعًا تارةً أخرى.
وقرئ بالسكون (٢) على أنَّه مخفَّف، أو جمع كِسْفَةٍ، أو مصدرٌ وصف به.
والمرادُ بالسماء جهةُ العُلُو وسَمْتُها.
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: المطر ﴿يَخْرُجُ﴾ في التارتين ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾: وسطه.
﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾: بالوَدْق ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يريد: إصابةَ بلادهم وأراضيهم.
﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بمجيء الخصب.
стр. 3572
(٤٩) - ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ (إن) هي المخفَّفة مِن الثقيلة، واللام في ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ (١) هي الفارق بينها وبين النافية.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ﴾ المطرُ ﴿عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ تكرَّر للتأكيد كقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ [الحشر: ١٧]، وللدلالة على بُعْدِ عهدِهم بالمطر، واستِحكامِ يَأْسِهم، وتمادي إِبْلاسِهم؛ ليفيد مبالغةً في استبشارهم، فإنَّ الفرح بنزول المطر على قَدْر اغتمامِهم بانقطاعه، ويقوِّيه معنى التأكيد، واللامُ في: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾؛ أي: آيسينَ متحيِّرينَ مِن الغَمِّ منقبضينَ، وكذلك معنى السببية في:
(٥٠) - ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ مِن النبات والأشجار وأنواع الثمار وغير ذلك؛ أي: إذا كان كلُّ الاستبشارِ في نزولِه، وجُلُّ الغم في احتباسه، فانظر إلى آثار (٢) رحمته كيف هو واعْتَبِرْهُ، والضمير في ﴿فَانْظُرْ﴾ لكلِّ مخاطب.
﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ أي: إنَّ ذلك القادرَ الذي يُحيي الأرضَ بعدَ موتِها، هو الذي يُحيي الناسَ بعد موتِهم، فهذا استدلالٌ بإحياء الموات على إحياء الأموات.
وفي ﴿إِنَّ﴾ واللام تأكيدٌ وتقويةٌ للدليل في مقابلة إنكارِهم، ثم قرَّره وقوَّاه بقوله:
стр. 3573
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأنَّ نسبةَ قدرتِه إلى جميعِ الممكنات على السواء.
(٥١) - ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ﴾؛ أي: فَرَأَوا أَثَرَ رحمةِ اللهِ؛ لأنَّ الرحمةَ الغيثُ، وأثره النبات.
﴿مُصْفَرًّا﴾ يابسًا جافًّا؛ لأنَّه إذا يبسَ اصفرَّ، وقيل: الضميرُ للسحاب؛ لأنَّه إذا كان مصفرًّا لم يُمطِر، واللام موطِّئة للقَسَم دخلت على حرف الشرط، وقوله:
﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ جوابه سَدَّ مَسَدَّ جزاءِ الشرط، ولذلك فسِّر بالمستقبل؛ أي: ليَظلُّنَّ مِن بعدِ اصفراره يَكفرون نِعَمَه.
وهذه الآياتُ ناعيةٌ على الكفَّار قلَّةَ تثبُّتهم وسرعةَ تزلزلهم؛ لعدم تدبُّرهم وسُوءِ رأيهم، فإنَّ النظرَ السويَّ يقتضي أن يتوكَّلوا على الله في الأحوال كلِّها ولا يَضْطَربوا؛ فيشكروا نِعَمَه عند السَّعَة والرَّخاء، ويصبروا عند الضِّيق والبلاء، ولا يكفروا نِعَمَه في (١) الشِّدَّة، وَيرضوا بما جرى مِن القضاء؛ فيفوزوا في الدارين بالنعماء.
والفاء في:
(٥٢) - ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ للسببية؛ أي: إذا كفروا ولم يَنتبهوا بهذه الآياتِ الواضحاتِ ولم يسمعوا (٢)، فهم موتى أو صُمٌّ عُميٌ، فإنَّك لا تُسمِع الموتى، ولا تُسمِع الصُّمَّ، ولا تَهدي العُمْيَ، وتقييد الحكم بقوله:
стр. 3574
﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ للمبالغة في غفلتهم، وتماديهم في جهلهم، وعدم نجعِ الدعوة فيهم؛ فإنَّ الأصمَّ وإنْ لم يَسمع، فإذا كان مقبلًا فربما تفطَّن بالإشارات (١) والحركات، وأمَّا إذا كان مُدبِرًا فلا إمكانَ لسماعِه وفهمِه.
(٥٣) - ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ إنَّما عدل هنا عن صيغة الفعل إلى صيغة الفاعل؛ لأنَّه لم يُرِدْ نفيَ الهداية أصلًا، فإنَّ الهدايةَ في الجملة ممكنةٌ للأعمى، بل أراد نفيَ الهداية التامَّة، ولذلك ضمَّنها معنى الإذهاب فقال:
﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ يقال: هداهُ عن الضلالة؛ أي: أَبعدهُ عنها بالهدى، ومَن قرأ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ (٢) فقد اكتفى بما في قوله: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ مِن الدلالة على المراد، واللهُ الهادي إلى سبيل الرشاد.
﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ فإنَّ إيمانَهم يدعوهم إلى سماعِ اللفظ وتدبُّر المعنى فهم منقادونَ لِمَا تَأمرهم به ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: منقادونَ لأوامرِ الله.
(٥٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾: ابتدأَكُم منه، وجعلَ أساسَ أمرِكم وما عليه بنيتُكم الضعفَ، كقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وذلك حال الطفوليَّة والصِّبا.
стр. 3575
وقرئ: ﴿ضَعْفٍ﴾ بالفتح والضَّمِّ، وهما لغتان كالفَقْر والفُقْر، والثاني أقوى قراءةً؛ لِمَا روي أن ابنِ عمرَ ﵄ قال: قرأتُها على رسول الله ﷺ : ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾، فأَقرأَني (١): ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ (٢) بالضَّمِّ (٣).
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾: وهو حالُ الشبيبة؛ مِن أوانِ البلوغِ إلى زمانِ الكهولة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾: ثم ردَّكم إلى الضعف والشيخوخة، وزيادة قوله: ﴿وَشَيْبَةً﴾؛ للتنبيه على أنَّ المرادَ التبدُّلُ بحسب السِّنِّ، ففيه دفعٌ (٤) لذهاب الوهم إلى أنْ يراد بالجَعل الأولِ الخلقُ مِن النُّطفة، ومِن الثاني نفخُ الروح في البَدَن، والتنكيرُ مع التكرير لأنَّ المتأخِّر غير المتقدِّم (٥).
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ مِن ضعفٍ وقوَّةٍ وشَيبةٍ.
﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ فإنَّ هذه الانتقالاتِ في الأحوال المختلفة دالَّةٌ على أنَّه تعالى يَخلق على مقتضى المشيئة والعلم والقدرة؛ لأنَّ التغيير (٦) مِن صورةٍ إلى صورةٍ، والترديدَ مِن حالةٍ إلى حالةٍ، مع إمكان خلافِ ذلك، دليل على الإرادة المبنيَّة على العلم والحكمة المفْضية إلى القدرة.
стр. 3576
(٥٥) - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ (الساعة) للقيامة مِن الأسماء الغالبة، كالنَّجم للثُّريا، والكوكب للزُّهَرة، سُمِّيت بها لأنَّها تقوم في آخِرِ ساعةٍ مِن الدنيا، وقيل: لأنَّها تقع بغتةً، كما تقول لمن تستعجله: في ساعة.
﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يَحلف الكافرون: ﴿مَا لَبِثُوا﴾ في الدنيا، أو في القبور، أو في ما بينَ فناءِ الدنيا وانقطاع عذابهم، وفي الحديث: "ما بينَ فناءِ الدنيا والبعثِ أربعونَ" (١)، وهو يحتملُ الساعاتِ والأيامَ والأعوامَ.
﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ الظاهر مِن القَسَم أنَّ ما ذكروه على زعمهم لنسيانهم، لا أنَّهم استقلُّوا مدَّة لبثهم إضافةً إلى مدَّة عذابهم؛ لأنَّ ذلك القولَ منهم قبلَ الدخول في زمانِ عذابِ الآخرة والوقوفِ على مدَّتها، فلا وجه للإضافة إليها.
﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الصرفِ عند الصِّدق والتحقيق ﴿كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُصرَفون في الدنيا عن الصدق إلى الكذب، ويقولون: ما هي إلَّا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين.
(٥٦) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
стр. 3577
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾: مِن المَلَك والِإنس والجنِّ:
﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فيما كتبه وأَوجبه لكم على أنَّ ﴿فِي﴾ للتعليل، كما في قوله ﵊: "إنَّ امرأةً دخلت النارَ في هرَّةٍ حَبَسَتْها" (١).
﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ ردُّوا ما قالوه وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم (٢) على إنكار البعث بقوله:
﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾؛ أي: فقد تبيَّن بطلانُ قولِكم، والفاءُ فصيحةٌ دخلت جوابَ شرطٍ محذوفٍ تقديره: إنْ كنتم مُنكِرين البعثَ فهذا يومه.
﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّه حقٌّ؛ لتفريطكم في النَّظَر.
(٥٧) - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ وقرئ بالياء (٣)؛ لأنَّ المعذرةَ بمعنى العذرِ، ولأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ، وقد فصل بينهما.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ الاستعتابُ: الاسترضاءُ، يقال: اسْتَعْتبَني فلانٌ فأَعتبتُه؛ أي: أَزلتُ عَتبَه وأَرضيتُه، والمعنى: لا يُطلَب منهم أن يَستعتبوا ربَّهم بالتوبة والطاعة كما طُلب منهم في الدنيا، ولا يقال لهم: استرضُوا ربَّكم.
стр. 3578
(٥٨) - ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: ولقد بيَّنَّا كلَّ أمرٍ مِن أمور الدِّين والتوحيد، أو أحوال الآخرة، في هذا القرآن بالتمثيل، أو: وصفنا لهم كلَّ صفةٍ هي في التَّبيين والغرابةِ كالمَثَل لصفةِ المبعوثين وأحوالِهم ومقاولاتهم، وعدمِ فائدة معذرتهم وتوبتِهم واستعتابِهم.
﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ ولكِنْ لقسوةِ قلوبهم واحتجابها (١) بمزخرفاتهم، لَئِنْ جِئتهم بآيةٍ عظيمةٍ لَنَسَبوكَ ومَن معك مِن المؤمنين إلى التزوير (٢) والإبطالِ.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضوعٌ موضعَ الضمير للتصريح بكفرهم ذمًّا، وبيانِ أنَّ كفرهم هو الموجبُ للعناد والإنكار، ونسبةِ المحقِّ إلى التزوير (٣) والإبطال.
(٥٩) - ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الطبعِ العظيم ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ مِن باب إجراءِ المتعدِّي مجرى اللازم؛ أي: الذين لا عِلْمَ لهم ولا يَطلبونه ويصرُّون على معتقداتهم الباطلة حتى طبعَ على قلوبهم ورَانَ (٤) بسبب
стр. 3579
الجهل المركَّب المانعِ مِن إدراك الحقِّ له ومعرفة المُحقِّ. والفاء في:
(٦٠) - ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.
﴿فَاصْبِرْ﴾ للسببية على تقديرِ شرطٍ؛ أي: وإذا علمتَ أنَّهم جُهَّالٌ مطبوعٌ على قلوبهم، فاصبر على أذاهُم ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بنُصرتك وإظهارِ دينك على الدِّين كلَّه ﴿حَقٌّ﴾ لابُدَّ مِن إنجازه.
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ولا يَحملَنَّك على الخفَّةِ والقَلَقِ قولُ هؤلاء الجَهَلة، فإنَّهم قومٌ شاكُّون ضالُّون لا يُستبدَعُ (١) ذلك منهم.
وقرئ: (ولا يَستَحِقَّنَّك) (٢) مِن الاستحقاق؛ أي: لا يُزيغوك (٣) فيكونوا أحقَّ بكَ مِن المؤمنين.
стр. 3580
سُورَةُ لُقْمَانَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١ - ٢) - ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.
﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ سبقَ بيانُه في سورة يونس ﵇.
(٣) - ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ حالان من الآيات، والعامل ما في ﴿تِلْكَ﴾ مِن معنى الإشارة، وقرئ بالرَّفع على أَّنَّه خبرٌ بعدَ خبرٍ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ.
﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾: الجامعينَ بين العلم والعمل، وقوله:
(٤) - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بيانُه، كما قال:
الألمعي الَّذي يَظُنُّ بِكَ الظْ … ظَنَّ كأنْ قَدْ رأى وقَدْ سَمِعا (١)
أو: الذين يعملون الحسنات كلَّها، وتخصيصُ القائمين بهذه الثَّلاث (٢) بالذِّكر لإنافتها وفضل (٣) الاعتداد بها.
стр. 3581
وتكرُّرُ الضَّميرِ للتَّوكيدِ، ولِمَا فصَل (١) بينَه وبينَ خبرِه.
(٥) - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ سبق تفسيره في سورة البقرة.
(٦) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ نزلَتْ في النَّضرِ بنِ الحارثِ، وكان يشتري أخبارَ الأكاسرة من فارس، ويقول: إنَّ محمَّدًا يقصُّ طرفًا مِن قصَّة عادٍ وثمود، وأنا (٢) أحدِّثكم طرفًا من أحاديث رستم وأسفنديار، فيميلون إلى حديثه ويتركون استماع القرآن (٣).
وقيل: كان يشتري القَيْنات ويحملهنَّ على معاشرة مَن أرادَ الإسلام ومَنْعِه عنه بشَغْله باللَّهو (٤).
стр. 3582
واللَّهوُ: كلُّ باطلٍ ألهى عن الخير وعمَّا يعني (١). ولهوُ الحديثِ نحو السَّمر بالأساطير التي لا أصلَ لها، والغناء.
والاشتراءُ مِن الشراء، كما روي عن النَّضر، أو من قوله: ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٧٧]؛ أي: استبدلوه منه، واختاروه عليه.
والإضافة بمعنى (مِن)، وهي تبيينيَّة سواءٌ أراد بـ ﴿الْحَدِيثِ﴾ المنكَر أو الأعمَّ منه، نعم على الثَّاني يجيء التَّبعيض باعتبار أنَّ بينهما عمومًا وخصوصًا من وجهٍ، ولكن لا يكون من مقتضى الإضافة.
﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن دينه، أو عن قراءة القرآن، وقرئ: ﴿لِيُضِلَّ﴾ بفتح الياء (٢)؛ أي: ليَثبُتَ على الضَّلال عن الدِّين ويزيد فيه.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بحالِ ما يشتريه أو بالتِّجارة، حيث استبدلَ الباطل بالحقِّ والضَّلالَ بالهدى، حال من ضمير ﴿يَشْتَرِي﴾؛ أي: جاهلًا.
والضَّمير في: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ للسَّبيل؛ لأنَّها مؤنَّثة ﴿هُزُوًا﴾: سخريةً.
وقرئ ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالنَّصب (٣) عطفًا على ﴿لِيُضِلَّ﴾.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ لإهانتهم الحقَّ باستئثارهم (٤) الباطل عليه.
стр. 3583
(٧) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾: متكبِّرًا لا يعبأ بها (١).
﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ مُشْبِهًا حالُه في عدم التفاته إليها حالَ مَن لم يسمعها.
﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾: ثقلًا لا يقدر أنْ يسمعَ.
﴿كَأَنَّ﴾ مخفَّفة من الثَّقيلة، اسمُها ضمير الشَّأن محذوفًا، أصلها: كأنَّه لم يسمعها، جملة وقعَتْ حالًا من ضمير ﴿وَلَّى﴾، أو ضمير ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾، ﴿كَأَنَّ﴾ بدل من الأوَّل، أو حال من ضمير (لم يسمع)، فهما حالان متداخلتان، ويجوز أن يكونا جملتَيْن مستأنفتين.
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ تهكُّم بهم، والمعنى: أعلِمْهُ.
(٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ النَّعيمُ: جنَّةٌ مِنْ الجِنانِ الثَّمانية، كالمأوى والعدن، وقد سبق التَّفصيل (٢) في سورة البقرة.
والتَّعبيرُ عن جنَّةٍ واحدةٍ بالجنَّاتِ للمبالغة.
(٩) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
стр. 3584
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من الضَّمير في ﴿لَهُمْ﴾، أو من ﴿جَنَّاتُ﴾، - والعامل ما تعلَّق به اللَّام من معنى الاستقرار.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكِّدان؛ الأوَّل لنفسِه لأنَّ قولَه: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ في معنى: وعدهم الله جنَّات النَّعيم، والثَّاني لغيره لأنَّ معناه: الصِّدق والثَّبات، وليس كلُّ وعدٍ كذلك.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: القويُّ الذي لا يغلبُه أحدٌ فيمنعَه عن إنجاز وعدِه وإنفاذ وعيده.
﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يفعل ما يفعل بمقتضى الحكمة.
(١٠) - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ قد سبق في تفسير (١) سورة الرعد.
﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: جبالًا شوامخ ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾: لئلَّا تضطرب ﴿بِكُمْ﴾.
قيلَ: تشابُه أجزائِها يقتضي تبدُّلَ أحيازِها (٢) وأوضاعِها، وفيه نظرٌ؛ إذ لم يقمْ دليل على تشابُهِ أجزائِها، بل الظَّاهِرُ خلافُه.
﴿وَبَثَّ﴾: ونشر ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾.
﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ فيه التفاتٌ في محزِّ (٣) البلاغة؛ لأنَّ إنشاء هذه الأمور العظام - خاصَّةً
стр. 3585
ما به حياتُهم مِن إنزال الماء وإنبات أصناف النبات - موضعٌ (١) للتَّنبيه، والإيقاظ للعبادة، والشُّكر على النِّعمة، والإعراض عن الشِّرك.
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: صنفٍ كثيرِ المنفعةِ، استَدلَّ بما ذكر مِن الأشياء الدَّالة على كمال قدرته وحكمته على ألوهيَّته وتوحيده واستحقاقه للعبوديَّة، ثمَّ بكَّتهم (٢) بقوله:
(١١) - ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: ماذا خلقَتْهُ آلهتُكم حتى استوجبوا عندكم العبادة؟! فـ ﴿مَاذَا﴾ نصب بـ ﴿خَلْقُ﴾، أو ﴿مَا﴾ مرتفعٌ بالابتداء، وخبره ﴿ذَا﴾ بصلته، و ﴿أَرُونِي﴾ معلَّق عنه.
ثمَّ أضرب (٣) عن تبكيتهم والتَّهكُّمِ بهم إلى التَّسجيل عليهم بالظُّلم والتَّورُّط في ضلالٍ ليس بعدَه ضلالٌ فقال:
(١١) - ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ووضعَ الظَّاهرَ موضع الضَّمير للدِّلالة على أنَّهم ظالمون بإشراكهم.
стр. 3586
(١٢) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ الجمهور على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا.
والحِكمَةُ: هي الكمالُ العلميُّ مع العمليِّ؛ أي: العلمُ بحقائِقِ الأشياء على ما هي عليه، والملَكَةُ التَّامَّةُ على الأفعال الفاضلة.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ﴿أَنِ﴾ هي المفسِّرة؛ لأنَّ إيتاء الحكمة في معنى القول، وإنَّما فسَّرَ اللهُ الحكمةَ بالشُّكر تنبيهًا على أنَّ الحكمةَ المعتدَّ بها هي المقتضيةُ للعمل الصَّالحِ والشُّكرِ لله تعالى والعبادة.
﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنَّ نفعَه عائدٌ إليها، وهو دوامُ النِّعمةِ واستحقاقُ مزيدِها.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ حُذِفَ جزاؤُه، وهو: فإنَّما يكفُر على نفسه؛ أي (١): ضررُ كفرِه لا يتعدَّى عنها، لانفهامه بقرينةِ قرينه (٢)، وأقيم مقامَه تعليلُه، وهو قوله:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن الشُّكر؛ لا ينتفعُ بوجودِه، ولا يتضرَّرُ بعدمِه.
﴿حَمِيدٌ﴾ بذاتِه، حقيقٌ (٣) بأنْ يُحْمَدَ وإنْ لم يحمدْهُ أحدٌ، أو محمودٌ نطقَ بحمدِه جميعُ مخلوقاتِه بلسانِ الحالِ، وهو أنطقُ (٤) مِن لسانِ المقال.
стр. 3587
(١٣) - ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ﴾ تصغيرُ إشفاقٍ.
﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قيل: كان كافرًا، فلم يزلْ به حتى أسلمَ. ومَن وقفَ على ﴿لَا تُشْرِكْ﴾ جعل ﴿بِاللَّهِ﴾ قسمًا.
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ لأنَّه تسويةٌ بينَ مَن لا نعمةَ إلَّا منه، ومَن لا نعمةَ منه أصلًا.
(١٤) - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ آيتان معترضتان في أثناء وصيَّة لقمان لابنه؛ تأكيدًا لِمَا فيها مِن النَّهي عن الشِّرك، وذِكرُ الوالدَيْن استطرادٌ، كأنَّه قال: ووصَّيْنا (١) بمثل ما وصَّى به، حتَّى إنَّ الوالدَيْن اللَّذَيْنِ وصَّيْنا بتعظيمِهما وبرِّهما وطاعتِهما وجعلناهما تِلْوَ الباري في وجوبِ الشُّكرِ والطَّاعة لهما إنْ أَمَرا بالشِّركِ لم تجزْ طاعتُهما وتقليدُهما فيه، مع وجوبِ مصاحبَتِهما في الدُّنيا بالمعروف، فما ظنُّكَ بغيرِهما؟!
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ لَمَّا وصَّى بالوالدَيْن أكَّدَ الوصية في حقِّ الأمِّ خصوصًا بذكر مصاحبتها الحملَ والفِصالَ، وما تكابدُه مِن المشاقِّ والمتاعب فيهما (٢)،
стр. 3588
فاعترض بينَ المفسِّر والمفسَّر تذكيرًا بحقِّها (١) العظيم مفرَدًا، ولذلك قال النَّبيُّ ﵇ لمن قال: مَن أَبَرُّ؟ -: "أمَّكَ، ثمَّ أمَّكَ، ثمَّ أمَّكَ"، ثمَّ قال بعد الثَّالثة: "ثمَّ أباكَ" (٢).
﴿وَهْنًا﴾ حالٌ، وهو في الأصلِ نصبٌ على المصدر مِن فعلٍ وقع حالًا؛ أي: تَهِنُ وهنًا، أو: ذاتَ وهنٍ (٣).
﴿عَلَى وَهْنٍ﴾؛ أي: تضعف ضعفًا فوقَ ضعفٍ؛ أي: ضعفًا متزايدًا؛ لأنَّ الحمل كُلَّما ازدادَتْ مُدَّتُه ازدادَ ثقلًا فازداد ضعفًا فوقَ ضعفٍ.
﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾: وفطامُه في انقضاء (٤) عامَيْن، وكانت ترضعُه في تلك المدَّة، وتوقيتُ الفصال بالعامَين بيانُ أنَّ هذه المدَّة أقصى غاية الرَّضاع.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ تفسيرٌ لـ ﴿وَوَصَّيْنَا﴾، والجملتان معترضتان بين المفسِّر والمفسَّر، أو بدل من ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ بدل الاشتمال.
﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ هو ترغيبٌ وترهيبٌ.
стр. 3589
(١٥) - ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: باستحقاقه للإشراك.
وقيل: أرادَ بنفيِ العلمِ نفيَ المعلوم؛ أي: أنْ تشركَ بي ما ليس بشيءٍ، كقوله: ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢].
﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في ذلك.
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ صفةُ مصدرٍ محذوف؛ أي: صحابًا معروفًا، أو: مصاحَبًا معروفًا، بخلقٍ حسنٍ وبِرٍّ واحتمالٍ وصلةٍ وحِلْمٍ وغير ذلك ممَّا يرتضيه الشَّرْعُ ويقتضيه الكرم والمروءة.
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾؛ أي: سبيلَ المؤمنين في دينِك، ولا تتَّبع سبيلهما فيه.
﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: مرجعُكَ ومرجعُهما.
﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: فأجازيْكَ على إيمانِك، وأجازيهما على كفرِهما.
رُوي أنَّها نزلَتْ في سعد بن أبي وقَّاص ﵁ وأمِّه، وفي القصَّة أنَّها مكثت لإسلامه (١) ثلاثًا لا تَطعَم ولا تشرب حتى شجروا فاها بالعود (٢).
стр. 3590
ولذلك قيل: مَن أناب إليه تعالى أبو بكر ﵁؛ فإنَّه أسلمَ بدعوته.
* * *
(١٦) - ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾؛ أي: إنَّ الخصلةَ مِن الإساءةِ والإحسانِ إن تكُ (١) مثَلًا (٢) في الصِّغر كحبَّة الخَرْدلِ، والمثقالُ (٣) مقدار يساوي غيره في الوزن.
وقرئ: ﴿مِثْقَالَ﴾ بالرَّفع (٤) على أنَّ الضَّمير للقصَّة، و (كان) تامَّةٌ، وتأنيث المثقال لإضافته إلى الحبَّة، أو لأنَّ المراد به الحسنة أو السَّيئة.
﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾: في أخفى موضعٍ (٥) وأَحرزِه كجوف صخرةٍ، أو أعلى مكان كمحدَّبِ سماءٍ مِن السَّماوات، أو أسفلِه كمقَعَّرِ (٦) الأرضِ.
وقرئ: ﴿فَتَكُنْ﴾ بكسر الكاف (٧)، مِن وكَنَ الطَّائر يَكِنُ: إذا استقرَّ في وُكْنَتِهِ؛ أي: بيتِه.
стр. 3591
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾: يُحضرُها يومَ القيامةِ، فيحاِسبُ بها عاملَها.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾: يَنفذ علمُه في البواطن فيصِلُ إلى كلِّ خفيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بكُنْهِهِ.
وعن قتادة: ﴿لَطِيفٌ﴾ باستخراجها، ﴿خَبِيرٌ﴾ بمستقرِّها (١).
* * *
(١٧) - ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ تكميلًا لنفسِكَ.
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ تكميلًا لغيرِكَ.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ مِن الشَّدائد، لا سيَّما في ذلك.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الصَّبر، أو إلى ما كُلِّفَ به.
﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: ممَّا (٢) عزَمَهُ الله تعالى مِن الأمور؛ أي: قطعه قطعَ إيجابٍ وإلزامٍ، مصدرٌ أُطلِقَ للمفعول، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل مِن قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: جَدَّ، والمعنى: مِن عازماتِ الأمورِ.
* * *
(١٨) - ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ (٣): ولا تَلْوِ صَفحةَ وجهكَ (٤) كما يفعلهْ المتكبِّرون، مِن الصَّعَرِ، وهو داء يصيب البعير فيلوي عنقه منه.
стр. 3592
﴿لِلنَّاسِ﴾ لم يقل: عن الناس؛ لأنَّ المنهيَّ ما يكون تصغيرًا (١) للنَّاس وتحقيرًا لهم، لا الميل عنهم مطلقًا، فإنَّه إذا كان لأمرٍ آخرَ لا يكون منهيًّا.
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ﴾ مصدرٌ في موضع الحال، بمعنى: مَرِحًا، أو مصدرٌ محذوفُ الفعلِ؛ أي: تمرحُ مرَحًا، أو مفعولٌ له؛ أي: للمرح؛ يعني: لأجل البَطَرِ والبَطالة (٢)، لا لغرضٍ صحيحٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ علةٌ للنَّهيِّ.
وتأخيرُ الفَخور وهو في مقابلةِ المقدَّم مِن المنهيَّين، وكذا الإتيانُ بصيغة المبالَغة؛ لتَوافُقِ رؤوس الآي، وإنَّما لم يقل: وفخور، حتَّى تكون المحبَّة مسلوبةً عن كلٍّ منهما أصالةً، للتَّنبيه على أنَّ الدَّخْل (٣) في الجملة في عدم محبوبيته تعالى كافٍ في الانتهاء عنه، ومن هنا ظهرَ الوجه للعدول عن إثبات البغض إلى سلبِ المحبَّة، ثمَّ إنَّ سلْبَ (٤) النَّفي داخل على أداة السُّور (٥) لفظًا وهي داخلة عليه معنًى؛ أي: لا يحبُّ واحدًا منهم.
والاختيالُ: مشيةُ المتكبِّر (٦).
والفخرُ: ذِكْرُ المناقب للتَّطاولِ بها على السَّامع.
* * *
стр. 3593
(١٩) - ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾: واعدل فيه؛ أي: توسَّطه بينَ الإسراع والدَّبيب؛ يعني: لا تَثِبْ وثوبَ الشُّطَّارِ، ولا تَدبَّ دبيبَ المتماوتين، قال النَّبيُّ ﵇: "سرعةُ المشي تُذهِبُ بَهاءَ المؤمن" (١).
وأما قول عائشة ﵂ في عمر ﵁: كان إذا مشى أسرع (٢)، فإنَّما أرادَتِ السُّرعة المرتفعة عن دبيبِ المتماوت.
وقرئ بقطع الهمزة (٣)، مِن أَقْصَدَ الرَّامي (٤): إذا سدَّد (٥) سهمه نحو الرَّميَّة.
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾: وانقصْ منه وأَقصرْ، ويجوز أن يكون الغضُّ في الصَّوتِ مستعارًا من غضِّ البصر فإنَّه خفضٌ.
стр. 3594
﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾: أوحشَها ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ الحمار ونهاقُه مَثَلٌ في الذَّمِّ البليغ، ولذلك يُكنَى (١) عنه فيُقال: طويل الأذنين.
وفي الآية ذمٌّ بليغٌ للرَّافعين أصواتِهم، حيثُ شُبِّهوا بالحمير، وأصواتُهم بالنُّهاقِ، ثمَّ طرح التَّشبيه، وأخرج الكلام مخرج الاستعارة، كلُّ ذلك لتهجينِ رفع الصَّوت، والتَّنفيرِ عنه، والحثِّ على الغضِّ، والتَّرغيبِ فيه.
وتوحيدُ الصَّوت لأنَّ المراد جنسُه الذي هو مَثَلٌ في النُّكر، لا أفرادُه.
* * *
(٢٠) - ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾: لأجْلكم ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾: ما في جهة العلويَّات مِن الكواكب وأوضاعها، والسِّحاب وأمطارها، بأنْ جعلها أسبابًا لمنافعِكم.
﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في الجهة السُّفليَّة (٢)، بأنْ سلَّطكم عليها، ومكَّنكم من الانتفاع بها بواسطةٍ أو بغير واسطة (٣).
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً﴾: محسوسةً ﴿وَبَاطِنَةً﴾: معقولةً ومخفيَّةً عنكم، ما لم تدركوه بعقولِكم.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾: في توحيدِه وصفاتِه ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مستفادٍ مِن
стр. 3595
دليلٍ ﴿وَلَا هُدًى﴾ راجعٍ إلى نبيٍّ ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ بل بتقليدٍ صِرْفٍ، كما صرَّحَ به في قوله:
(٢١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ وفيه منعٌ صريحٌ عن التَّقليدِ في الأصولِ.
﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ جواب (لو) محذوف لدلالة ﴿نَتَّبِعُ﴾ عليه؛ أي: لاتَّبعوه (١)، والواو للحال، والهمزة للإنكار والتَّعجُّب، والضَّمير لآبائهم ولهم؛ أي: أيتبعونهم (٢) في حالِ دعاءِ الشَّيطانِ آباءَهم.
﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾؛ أي: إلى ما يؤدِّي إليه مِن الشِّركِ والتَّقليدِ.
* * *
(٢٢) - ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ مِن أسلَمَ (٣) إليه المتاع: إذا دفعَهُ إليه، ويؤيِّده القراءة بالتَّشديد (٤).
стр. 3596
وحيث عُدِّي باللَّام فلتضمين (١) معنى الاختصاص؛ أي: مَن يجعلْ ذاته ونفسَه سالمًا خالصًا لله تعالى.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله.
﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: فقد تعلَّق بأوثقِ ما يُتعلَّق به (٢)، مُثِّلَ حالُ المتوكَلِ المفوِّضِ نفسَه إلى الله تعالى بحالِ مَن أرادَ أنْ ينزلَ مِن شاهقٍ فاحتاطَ لنفسِه بأنْ استمسَكَ بأوثقِ عُرْوةٍ مِن حبلٍ متينٍ مأمونِ الانقطاعِ.
وتقديم: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ للاختصاص؛ أي: صائرةٌ إلى اللهِ لا إلى غيره.
﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ فيجازي عليها.
* * *
(٢٣) - ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾: فلا يُهِمَّنَّكَ كفرُه وكيدُه للإسلامِ، فإنَّه لا يضرُّك في الدُّنيا والآخرة.
وقرئ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ (٣)، والمستفيضُ في الاستعمال أَحزنَ في الماضي ويَحْزُنُ ثلاثيًّا مجرَّدًا في المستقبل.
﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ خاصَّة ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ فنعاقبُهم على أعمالِهم.
стр. 3597
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ إنَّ الله يعلمُ ما في صدورِ عبادِه فيجازيهم على حسبِهِ.
* * *
(٢٤) - ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾: تمتيعًا (١) أو زمانًا قليلًا، فإنَّ الزَّائلَ بالنِّسبة إلى الدَّائمِ قليلٌ.
﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ استعارَ الغلظَ من الإجرام الغليظة لثِقَلِ العذابِ عليهم، وشبَّه إلزامهم العذاب باضطرارِ المضطرِّ إلى الشَّيء الذي لا يقدر على الانفكاكِ منه (٢).
* * *
(٢٥) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لوضوح البرهان الملجئ إلى الإذعان به.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلزامٌ لهم على إقرارِهم بأنَّ الخالقَ هو الله وحدَه، وأنَّه يجبُ أنْ يكون له الحمدُ، وأنْ لا يُعبَدَ معَه غيرُه.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ إقرارهم يلزمهم، و ﴿بَلْ﴾ إضرابٌ عن دعوتهم لجهلِهم، وأنَّهم لا يتنبَّهون بالتَّنبيه (٣)، ولا يتفطَّنون أنَّ قولَهم عليهم.
стр. 3598
(٢٦) - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقريرٌ للتَوحيد باختصاص الملك به، ودخولِ آلهتهم في ملكِه.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عنهم وعن إسلامِهم وحمدِهم.
﴿الْحَمِيدُ﴾: المستَحِقُّ للحمد، المحمودُ منك (١) ومن كلِّ عارفٍ وإنْ لم يحمدوه.
* * *
(٢٧) - ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ توحيدُ ﴿شَجَرَةٍ﴾ لتفصيل الجنس (٢)، وتقصِّي كلِّ واحدةٍ من جنس الشَّجر، واستغراقِ عمومها؛ أي: جميع ما في الأرضِ مِن شجرهٍ شجرةِ (٣) حتَّى يبقى واحدةٌ منها إلَّا كانَتْ قلمًا.
﴿وَالْبَحْرُ﴾ بالرَّفع عطفًا على محلِّ (أنَّ) ومعمولِها، و ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ حالٌ، أو الابتداء (٤) على أنَّه مستأنف والواو للحال.
стр. 3599
وبالنَّصب عطفًا على اسم (أنَّ)، أو إضمارِ (١) فعلٍ يفسِّرُه ﴿يَمُدُّهُ﴾؛ أي: ولو ثبتَ كونُ أشجار الأرض كلِّها أقلامًا، وكونُ البحر ممدودًا (٢).
﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ (٣) أو على الابتداءِ، والواو للحال (٤)؛ أي: ولو أنَّ الأشجارَ أقلامٌ في حال كون البحر ممدودًا، واستغنى بالواو عن الضَّمير لكون أمثال هذه الأحوال جارية مجرى الظُّروف.
ويجوز أنْ تكونَ اللَّامُ بدلَ الإضافة؛ أي: وبحرها، والضَّمير للأرض.
وقرئ: (وبحرٌ يمدُّه) على التَّنكير (٥)، ولا وجهَ له إلَّا العطف على محلِّ (أن) واسمها.
стр. 3600
وقرئ: ﴿يَمُدُّهُ﴾ و (يُمده) (١) من مدَّ الدواة وأَمَدَّها.
وأغنى عن ذِكْرِ المِداد بقوله: ﴿يَمُدُّهُ﴾.
﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ اختارَ جمعَ القِلَّةِ على جمعِ الكثرةِ - وهي الكلِمُ - للإشعار بأنَّها لا تفي بالقليل منها فضلًا عن الكثير، والتَّقديرُ: ولو أنَّ أشجارَ الأرضِ كلَّها أقلامٌ، والبحر المحيط دواتُه، فجُعل البحرُ بمنزلة الدَّواة والأبحرُ السَّبعةُ مملوءة مدادًا تمدُّها أبدًا، وكُتِبَت بها كلماتُ اللهِ، ما نفدت كلمات الله ونفدت الأقلام والمداد؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩].
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: لا يعجزُهُ شيءٌ، ولا يخرج عن علمِه وحكمتِه أمرٌ، ومَن كانَ كذلك لا تَنْفَدُ كلماته وحِكَمُه.
عن ابن عباس ﵄: أنَّها نزلَتْ جوابًا لليهود لَمَّا قالوا: قد أوتينا التَّوراةَ وفيها كلُّ الحكمة (٢).
стр. 3601
وقيل: أُمِرَ وفدُ قريشٍ أنْ يقولوا لرسول الله ﷺ : ألسْتَ تتلو فيما أُنْزِلَ عليك أنَّا قد أوتينا التَّوراة وفيها عِلْمُ كلِّ شيء.
وأما ما قيل: إنها نزلَتْ حين سألوا عن قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ومخالفته لنزول التَّوراة وفيها علم كلِّ شيء (١).
فيَرِدُ (٢) عليه أنه لا يصلح سببًا للنزول؛ إذ ليس فيما نزلَ تعرُّضٌ لوجهِ التَّوفيق بينهما.
* * *
(٢٨) - ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: إلَّا كخلقِها وبعثِها؛ لأنَّه لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، فلا يتفاوت عندَه القليلُ والكثيرُ؛ لأنَّه يكفي في وجود الكلِّ تعلُّق إرادته القديمة منضمَّةً إلى قدرته الذَّاتية كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لكلِّ مسموعٍ.
﴿بَصِيرٌ﴾ لكلِّ مُبْصرٍ، فلا يشغلُه إدراكُ بعضِها عن بعضٍ، وكذلك الخَلقُ والبعثُ.
* * *
стр. 3602
(٢٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ مِن الشَّمس والقمر ﴿يَجْرِي﴾ في فلكِه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى منتهًى معيَّنٍ؛ الشَّمسُ إلى آخر السَّنة، والقمرُ إلى آخر الشَّهر.
وقيل: إلى يوم القيامة؛ لأنَّه مُنتَهى جَرْيهما ومنقطَعُه.
استُعمِلَ الجري هاهنا مع حرف الانتهاء، وفي (فاطر) مع حرف الاختصاص؛ أي: يجري لإدراك أجلٍ معيَّنٍ؛ لأنَّ بلوغ الجري إلى منتهاها يوافق اختصاص الجري بإدراك الأجل المعيَّن في المعنى، فكِلَا المعنيَيْن يتوافقان في إفادة المقصودِ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالم بِكُنْهِهِ.
* * *
(٣٠) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ الوصفُ الذي وُصِفَ به مِن كمالِ القدرةِ والحكمةِ ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾: بسببِ أنَّ اللهَ.
﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ الثَّابتُ في ذاته، أو الثَّابتُ الألوهيَّة.
﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ المنتفي الألوهيَّة، أو المعدوم في حدِّ ذاته.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ الشَّأنِ ﴿الْكَبِيرُ﴾ السُّلطانِ، أو المترفِّعُ على كلِّ شيءٍ، الكبير عن أنْ يُشرَكَ به شيءٌ.
* * *
стр. 3603
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾: بإحسانِه في تهيئة أسبابِه، أو: برحمته.
والباء للصِّلة أو الحال، وهو استشهاد آخر على باهرِ (١) قدرته، وكمالِ حكمتِه، وشمولِ نعمتِه.
﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: بعضَ دلائلِ قدرته وحكمتِه ورحمتِه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على المشاقِّ، فيُتعِب نفسَه بالتَّفكُّرِ في الأنفس والآفاق ﴿شَكُورٍ﴾ يعرف النِّعمَ، ويعرف مانِحَها.
وهما صفتان للمؤمنِ، فإنَّ الإيمان نصفان: نصفٌ صبرٌ، ونصفُ شكرٌ، فكأنَّه قال: إنَّ في ذلك لآياتٍ لكلِّ مؤمنٍ.
وقيل: ﴿صَبَّارٍ﴾ على بلائِه، و ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمائِه.
* * *
(٣٢) - ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾.
﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾: وإذا علاهم وغطَّاهم ﴿مَوْجٌ﴾ مرتفعٌ متراكمٌ ﴿كَالظُّلَلِ﴾: جمع الظُّلَّة (٢)، وهي كلُّ ما أظلَّكَ من الجبل أو السَّحاب أو غيرهما.
وقرئ: (كالظِّلال) (٣)؛ كقُلَّةٍ وقِلال.
стр. 3604
﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لزوالِ ما يخالفُ الفِطرةَ مِن الهوى والتَّقليدِ، بما دهاهم من الخوفِ الشَّديد.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: ثابِت على الطَّريق القَصْدِ الذي هو التَّوحيد، أي: باقٍ على الإخلاص الحادث في البحر، وقليل ما هم. أو متوسِّط في الكفر لانزجاره بعض الانزجار، وانخفاضه عن غلوائه (١).
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾: مبالغٍ في الغدرِ، ناقضٍ للعهدِ الفِطريِّ، أو لِمَا عاهد الله (٢) عليه في البحر، والخَتْرُ: أشدُّ الغَدْرِ.
﴿كَفُورٍ﴾ بنعمةِ اللهِ.
* * *
(٣٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ التَّنكيرُ للتَّفخيم والتَّهويل.
﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ﴾: لا يقضي عنه، وقرئ: (لا يُجْزِئ) (٣)، أي: لا يُغني، والجملة صفةُ ﴿يَوْمًا﴾، والعائدُ محذوفٌ، أي: لا يجزي فيه.
﴿مَوْلُودٌ﴾ عطف على ﴿وَالِدٌ﴾، أو مبتدأ خبرُه:
стр. 3605
﴿هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ وتغيير النَّظم بالعدول عن الجملة (١) الفعليَّة إلى الجملة الاسميَّة للتَّوكيد، والدِّلالة على أنَّ الولد أولى بأن لا يجزي شيئًا عن والده، وحسمِ أطماع المؤمنين أنْ ينفعوا آباءهم الكفَّار في الآخرة، فإنَّهم كانوا يتوقَّعون ذلك.
وللمبالغة في التَّأكيد جِيء بلفظ ﴿هُوَ﴾ و ﴿مَوْلُودٌ﴾ دون (ولد)؛ لأنَّ الولد يطلق على ولدِ الولد بخلاف المولود؛ فإنَّه لا يُطلَق على ولد الولد إلَّا بالنِّسبة إلى الذي وُلِدَ منه؛ أي: لو قَصدَ النَّفع لِمَن وُلدَ منه لم يقدِرْ عليه، فضلًا أنْ ينفعَ لأجداده.
كذا قيل، ومبناه على تخصيص الخطاب والحُكم، والظَّاهرُ العمومُ، فالوجهُ أنْ يُقالَ: إنَّ الابن مِن شأنه أن يكون جازيًا عن والده؛ لِمَا عليه من الحقوق، والوالد يجزي لِمَا فيه مِن الشَّفقةِ، فليس الثَّاني كالأوَّل.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالثَّوابِ والعقاب ﴿حَقٌّ﴾ لا يمكِنُ خُلْفُه.
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ بزينتِها؛ فإنَّ نعيمَها ذاهبٌ (٢)، ولذَّاتها فانيةٌ.
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: الشَّيطانُ. وقرئ بضمِّ الغين (٣)، فجُعِلَ الغُرور غارًّا للمبالغة، أو إرادةُ زينة الدُّنيا لأنَّها غُرور؛ إطلاقًا لاسم المسبَّب على السَّبب.
* * *
стр. 3606
(٣٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ علمُ وقتِ قيامِها؛ لِمَا رُويَ أنَّ الحارثَ بنَ عمرٍو أتى النَّبيَّ ﵇ وقال: متى قيام السَّاعة؟ وإنِّي قد ألقيْتُ حَبَّاتي في الأرضِ فمتى تمطرُ السَّماء؟ وحملُ امرأتي ذكرٌ أم أنثى؟ وما أعمل غدًا؟ وأينَ أموتُ؟ فنزلَتْ (١).
أي: محفوظةٌ علمُها مِن جهته تعالى، لا يصلُ إليه غيرُه، فإنَّ كونَ الشَّيء عندَه عبارةٌ عن كمالِ حفظِه، وبهذا الوجه يظهرُ اختصاصُ العلمِ المذكور به تعالى.
﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾؛ أي: يرسِلُ المطرَ النَّافع بحسب المصالح على التَّدريجِ في أوقاتٍ متعدِّدةٍ.
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أذكرٌ أم أنثى، أحيٌّ أم ميِّتٍ، أتامٌّ أم ناقصٍ.
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾ أيَّةُ نفسٍ كانَتْ، وإنَّما جعل العِلمَ لله تعالى، والدِّراية للعبد؛ لِمَا في الدِّراية مِن معنى الخَتْلِ (٢) والحيلة، والمعنى: أنَّها لا تَعرِفُ وإنْ أعملَتْ حيلَها.
стр. 3607
﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن خيرٍ أو شرٍّ، فربَّما كانَتْ عازمةً على خيرٍ فعملَتْ شرًّا، أو عازمةً على شرٍّ فعملَتْ خيرًا.
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾؛ أي: أينَ تموت، وربَّما أقامت بأرضٍ، وضربَتْ أوتادها، وقالَتْ: لا أبرحُها، فترمي بها مرامي القدر حتى تموتَ في مكانٍ لم يخطرْ ببالِها.
وقرئ: (بأيَّةِ أرضٍ) (١)، وشبَّه سيبويه تأنيثَ (أيّ) بتأنيث (كل) في: (كلتهنَّ) (٢).
واعلم: أنَّ الانطباقَ على سبب النُّزول المذكور، والاتِّفاقَ بما روي في "صحيح البخاري " عن ابن عمر ﵁: "مفاتيحُ الغيبِ خمسةٌ لا يعلمُها إلَّا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ … الآية" (٣) = إنَّما يكونان على تقدير أنْ يظهرَ [اختصاص] علمِ أوقات نزول الغيث وعلمِ أحوال الحمل به [تعالى] (٤)، وذلك بأن يكون تقدير قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: و أنْ ينزِّلَ الغيث، عطفًا على ﴿السَّاعَةِ﴾، يعني: عندَه علمُ السَّاعة وعلمُ إنزال الغيث، فحذف (أنْ) كقوله:
سُورَةُ السَّجْدَةِ
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
(١ - ٢) - ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إنْ جُعل ﴿الم﴾ اسمًا للسورة فهو مبتدأٌ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ خبرُه على أن التَّنزيل بمعنى المنزَل، و ﴿مِنْ رَبِّ﴾ صلةُ ﴿تَنْزِيلُ﴾ أو خبر ثانٍ.
وإنْ جُعل تعديدًا للحروف فـ ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأٌ خبرُه ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، و ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراض لا محل له من الإعراب، والضمير في ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى مضمون الجملة؛ أي: لا ريب في ذلك، يعني: في كونه منزلًا من ربِّ العالمين، أو الخبرُ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ و ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضمير في ﴿فِيهِ﴾ على أنه للتنزيل أو للكتاب.
* * *
(٣) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
стр. 3610
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ مؤيِّدٌ لرجوع الضمير في ﴿فِيهِ﴾ لمضمون (١) الجملة، وكذا قوله:
﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ لأن قولهم: هذا مفترى، إنكار لأنْ يكون من رب العالمين.
والهمزة في ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ إنكارٌ لقولهم وتعجيبٌ منه، فيكون الكلام مصدَّرًا بإعجازه وإثباتِ أنه من ربِّ العالمين، مقرِّرًا بأنه لا ريب في ذلك، ثم مقفًّى بالإضراب عن ذلك إلى إنكار قولهم: ﴿افْتَرَاهُ﴾ والتعجيبِ منه؛ لظهورِ أمره في الإعجاز، ثم بالإضراب عن الإنكار إلى تقرير المقصود، بعد ردِّ قولهم وإثباتِ أنه الحقُّ من ربِّك، ثم ببيان الغرض منه بقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ ولا يُشْكِلُ هذا بقوله:
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]؛ لأنهم لم يخل عن الوقوف بشريعة (٢) تنذرهم وإن لم يأتهم نذير.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأنهم كانوا أهلَ الفترة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارك إياهم.
* * *