﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾؛ أي: ثوابُ إيمانهم وعملِهم الصالح، سمَّاه أجرًا لأنَّه جزاءُ عمله بوعده الصادق فضلًا منه.
وترتيبُ الحكم على الموصول دلَّ على أن الاستحقاق له مسبَّب عمَّا ذكر في الصلة من الإيمان العمل الصالح مقدَّر بحَسَبه، والجملة اعتراض بين خطابي بني إسرائيل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ كناية عن كون ذلك الأجرِ مأمونًا عن (١) الضياع لكونه عند أمينٍ حافظ.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: لا ينالُهم خوفٌ ولا يصيبهم حزنٌ في الآخرة؛ لأنهم يصيرون إلى النعيم المقيم والأمن الدائم.
والتنكير في الخوف للتقليل، وفي قوله: ﴿وَلَا هُمْ﴾ دلالةٌ على ثبوت الحزن لغيرهم.
(٦٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ بالعمل على ما في التوراة، والدليل على اختصاصه قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾؛ أي: حتى قبلتُم وأعطيتُم الميثاق.
والميثاق مِفْعالٌ من وَثِقَ يَثِقُ، مثل ميزانٍ من وَزَنَ يَزِنُ، وحِّد وإنْ أُضيف إلى الجمع تنبيهًا على أن المأخوذ على الكلِّ ميثاقٌ واحد.
стр. 387
قال الواحديُّ: (الطور): الجبل بالسُّريانيَّة، وقد تكلَّمت به العرب (١).
وقيل: عَلَمٌ للجبل الذي ناجى عليه الله تعالى موسى ﵇، وهو المراد هنا.
﴿خُذُوا﴾ على إرادة القول.
﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾؛ أي: التوراةَ.
﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجِدٍّ واجتهاد، امتَنعوا من أخذ التوراة والتزامِ أحكامها الشاقة، فأُكرهوا على ذلك برفع الطور فوقهم.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ أمرٌ بحفظه وعدمِ تَناسِيه قولًا وعملًا.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قد مر في تفسير ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] ما يُغني عن بسط الكلام في هذا المقام، بتوضيح المرام وردِّ الأوهام.
* * *
(٦٤) - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: أعرضْتُم عن الوفاء بالميثاق بعد أَخْذِه على الكيفية المذكورة، وفي كلمة ﴿ثُمَّ﴾ إشارةٌ إلى أن الإعراض بعد تأكيد الميثاق بما ذُكر أمر بعيد، ورشَّحه عبارة ﴿ذَلِكَ﴾.
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بقبول التوراة ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بالعفو عن الزلَّة.
стр. 388
وارتفاع ﴿فَضْلُ﴾ على الابتداء، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقٌ بـ ﴿فَضْلُ﴾ والخبر محذوف واجبُ الحذف على المختارِ لدلالةِ الجواب عليه.
﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: من المغبونِينَ بالوقوع في العذاب وحرمانِ الثواب، جوابُ (لولا)، وكثُر دخول اللام عليه إذا كان موجَبًا.
و (لو) في الأصل لامتناع الشيء لامتناعِ غيره، فإذا دخل على (لا) أفاد إثباتًا، وهو امتناع الشيء لثبوت غيره، والتفريغ المستفاد من الفاء باعتبارِ أنَّ في مدخولها دلالةً على أنهم كانوا على شرف الخُسران لولا تدارُكُ فضل الله تعالى، وذلك مسبَّبٌ عما تقدَّم ذكره من أحوالهم القبيحة.
* * *
(٦٥) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ اللامُ موطِّئةٌ للقسَم، مسهِّلةٌ لتفهيم (١) جوابه على السامع.
و (عَلِمَ) هنا تعدَّى إلى واحدٍ، يعني: قد عرفتُم أصحاب السبت وما أحلَلْنا بهم من النَّكال في الدنيا بالمسخ حين اعتدَوا بالاصطياد يوم السبت، فلم يكن تأخيرنا العقوبةَ عن أسلافكم الذين كانوا قبلكم على عصيانهم ونقضِهم ميثاقَهم للعجز عن تعجيل ذلك، بل فضلًا ورحمةً، ولو شئنا لعاجَلْنا لهم بما عاجلْنا به أصحاب السبت، فيكون هذا التذكيرُ لتقرير ما ذُكر من أنَّ نجاتهم عن الخسران بمَحْضِ فضلِ الله تعالى ورحمته.
﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾؛ أي: الذين جاوَزوا الحدَّ الذي حُدَّ لهم مِن ترك الصيد يوم السبت من أسلافكم، وهو يومٌ معروفٌ سمِّي به لأنَّه سُبِتَ فيه خَلْقُ
стр. 389
كلِّ شيء؛ أي: قُطع وتُمم وأصل السبت: القطع، ومنه السُّبات لأنَّه يقطعُ الأفعال الاختيارية، واليهود يَسبِتون فيه؛ أي: يقطعون الأعمال.
وقيل: هو مأخوذ من السُّبوت الذي هو الراحةُ والدَّعَةُ، والسبتُ هنا مصدر سَبَتَت اليهود: إذا عظَّمت السبتَ، فمعنى ﴿فِي السَّبْتِ﴾: في تعظيم يوم السبت (١)، وتعظيمُه عبارةٌ عن ترك العادات، والاشتغالِ بالعبادات (٢)، والإعراضُ عما يؤدِّي إلى ما يؤذي الحيوانات داخلٌ في حدِّه.
وذكرُ الموصول مع الصلة يفيدُ تعلُّق العلم بالوصف المذكور الموجبِ للمسخ المذكور لا بذواتهم، وتفصيلُ القصة يأتي في سورة الأعراف بإذن الله تعالى.
﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ مجازٌ لتعلُّق إرادة لله تعالى بمسخهم في آنٍ واحد.
والقِرَدةُ: جمع قردٍ، كالدِّيَكةِ جمع ديكٍ، والقياسُ في فِعْلٍ الاسمِ: فُعولٌ؛ نحو: قرود، وجمعُه على فِعَلةٍ لا يَنْقاس.
﴿خَاسِئِينَ﴾ خبرٌ آخر لـ ﴿كُونُوا﴾، أو صفةٌ لـ ﴿قِرَدَةً﴾ باعتبارِ أنهم كانوا من العُقلاء؛ أي: جامعِينَ بين القِرْديَّة والخُسوءِ، وهو الصَّغارُ والطَّردُ، وفعله خسأ يجيء متعديًا ولازمًا.
* * *
(٦٦) - ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
والضمير في ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ للمَسخة.
стр. 390
﴿نَكَالًا﴾ النَّكال: العقوبة الغليظةُ المنكِّلة للغير؛ أي: المانعة من الذنب، فإنَّ أصله المنع، ومنه النكلُ للقيد واللِّجام؟
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ مَن يأتي بعدها ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ مَن تقدَّمَها وُجودًا، والتقدُّمُ بحَسَب الوجود لا ينافي حضورَ المتقدِّم عند المتأخِّر.
أو: ما بحضرتها وما بعدها فظرفا المكان مستعاران للزمان وأنَّ (ما) أُقيمت موقعَ (مَن) لا تحقيرًا لشأنهم لأنَّه لا يناسب المقام، بل لاعتبارِ وصفِ المعتبَرِين.
﴿وَمَوْعِظَةً﴾ مَفْعِلةً من الاتِّعاظ والانْزِجار، والوعظُ: التَّخويفُ، والعِظَةُ: الاسم.
﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ لكلِّ مَن اعتَبر بها (١) واتَّقى؛ أي: لم يفعل ذلك قصدًا للتشفِّي كفعل الآدميينَ، بل لمصلحة العباد.
* * *
(٦٧) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ أولُ هذه القصة قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] وإنما فُكَّ عنه أول القصة وأُخرج مخرج (٢) الاستئناف كأنه قصةٌ مستقلةٌ، بالتقريع (٣) على القتل والتدافُع، والتنبيهِ على القدرة
стр. 391
في إحياء الميت والإعجاز، وقدِّم آخرُها لاستقلاله بنوعٍ آخر من مساويهم، وهو الاستهزاءُ بالأمر، والاستقصاءُ في السؤال، وتركُ المسارَعة إلى الامتثال، ولذلك لم يقل: قال موسى لقومه يا قوم، كما قال فيما تقدم، فإنه لمَّا كان جوابَ سؤالٍ لا ابتداءَ خطابٍ لم يناسب التصديرَ بالنداء، ثم أضمر في الثانية ضمير البقرة ليدلَّ بهذا الربط أنها قصةٌ واحدةٌ، وفيما يراد منها من التقريع والتعيير قصتان، ولو أُوردت مسرودةً على الترتيب لأَمْكن أن يُغفل عن ذلك.
وقصتُه: أنه كان فيهم شيخٌ موسِر، فقتله بنو عمِّه طمعًا في ميراثه، وطرَحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمِه، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرةً ويَضربوه ببعضها ليَحْيَى فيُخبِرَ بقاتله.
والبقرُ اسمٌ للأنثى، واسم الذكر: الثور؛ مثل: ناقة وجمل.
وقيل: البقرة واحد البقر، الأنثى والذَّكر سواءٌ، وأصله من بَقَر؛ أي: شَقَّ، فالبقر يشقُّ الأرض بالحرث.
﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾؛ أي: أتجعلُنا نَفْسَ الهُزو؟! للمبالغةِ وفَرْطِ الاستهزاء، أو: أهلَ هُزء؟ أو: مكانَ هزء؟ أو: مهزوءًا بنا؟ للاختصار والإيجاز.
وأمَّا كونُ المفعول الأول جماعةً فلا دخل له في اقتضاءِ التأويلِ بالحذف، أو التجوُّزِ في المفرد أو الحكم؛ لأن ما أصلُه المصدرُ يجوز أن يكون خبرًا عن الاثنين وعن الجماعة؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١)
стр. 392
[الشعراء: ١٦] وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] كيف بالمصدر (١)؟
ظنُّوا أن موسى ﵇ يستهزئُ بهم ويداعبُهم (٢)، قالوا: نخبرُك أن رجلًا منا قُتل فتقول لنا: اذبحوا بقرة؟! فيحتمل أن موسى ﵇ أمرهم بذبحها ولم يبيِّن المرادَ والثمرةَ بها في أول الأمر، فلذلك وقع هذا القولُ منهم موقعَ الهزءِ في بادئ نظرهم.
قيل: قُرئ: (أيتَّخذُنا) بالياء (٣)؛ أي: اللهُ تعالى، ولا يناسبه قولُه تعالى:
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ تبرَّأ عن الاستهزاء على وجهٍ أبلغَ، حيث عدَّه من الجهل واستعاذ منه استفظاعًا له، وذلك لكونه في مقام التبليغ والإرشاد، فلا يُنافي قصدَه في مقام الاحتقار والتهكُّم، بمثلِ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فمرجعُ الجهل هنا إلى عدم العلم بمقتضَى المقام، فلا حاجةَ إلى صَرْفه إلى معنى السَّفَه.
* * *
(٦٨) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا﴾ قد مرَّ نظيرُه عن قريب.
﴿مَا هِيَ﴾ لمَّا رأوا ما أُمروا به على حالٍ ليست من أحوالِ جنس البقر اشْتَبَه
стр. 393
عليهم وجهُ الامتثال، فلذلك قالوا (١): ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ فإن الحاجة إلى البيان إنَّما تكون في موضع الاشتباه، والسؤالُ بـ (ما هي) يكون غالبًا عن الجنس.
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ﴾ إنما زِيدَ هذا كيلا يُتوهَّمَ أن ما ذُكر قولُ موسى ﵇، وقد رُوعِيَ هذه النكتةُ في مواضعَ من هذه القصة.
﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ﴾ تكرير الاسم (٢) لتقرير المعنى المراد؛ دفعًا لاحتمالِ أن يراد جنسٌ آخرُ لغرابةِ ما ذُكر من الأثر كما سبق إلى وهم السائلين.
﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ صفةٌ للبقرة النكرة، وإذا وُصفت النكرة بما دخل عليه (لا) كُررت، وكذا الخبرُ والحالُ إلا ما نَدَر.
والفارض: المُسنَّة التي انقطَعَتْ ولادتُها من الكبر.
والبِكْر: الصغيرة التي لم تَلِدْ من الصغر.
﴿عَوَانٌ﴾: نَصَفٌ.
الفعل من الفارض: فَرَضَتْ تَفرِضُ فروضًا، ومن العوان عوَّنتْ تُعوِّن تعوينًا، ولم يُسمع من البِكر فعلٌ إلا أنَّ في تركيبها الأوَّليَّةُ، ومنه: البُكرةُ والباكورة، وإنما لم تدخل الهاءُ في هذه الصفاتِ للتأنيث؛ لأنها من خصائصِ أوصافِ الإناث، فصارت كالحائض والطالق.
﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بين البكر والفارض، ولم يقل: بين تينِكَ، ترجيحًا لمَا في عبارة (ذلك) من الفخامة على ما في (تينك) من الجناس مع بين، وقد مرَّ وجه التعبيرِ عن الاثنين بـ (ذلك) (٣).
стр. 394
﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ (ما) موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، وأصله: ما تؤمرون به؛ لأن الأمر يتعدى إلى المأمور بنفسه وإلى الفعل المطلوب بالباء، يقال: أمرته بكذا، ثم حُذف الجارُّ وأُوصل بنفسه، ثم حُذف المفعول به.
لا مصدريةٌ، أي: أمرَكم، بمعنى: مأمورَكم؛ لأن المصدر بمعنى المفعولِ شائعٌ، وأمَّا المصدر بمعنى المفعول به فقليلٌ جدًا (١).
تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت والمسارَعة إلى الامتثال، ولم يُجْدِ حيث أعادوا السؤال.
* * *
(٦٩) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ الفُقوع: أشدُّ ما يكون من الصُّفرة وأنصعُه، واستعماله للتأكيد، يقال: أصفرُ فاقعٌ، وأحمرُ قانئٌ، وأخضرُ ناضرٌ، وأسودُ حالكٌ، وأبيضُ يَقَقٌ. فهذه التوابعُ تدل على شدَّة الوصفِ وخُلوصه.
وفي ارتفاعِ اللونِ بـ ﴿فَاقِعٌ﴾ مزيدُ تأكيدٍ لذلك، كأنه صفراءُ شديدُ الصُّفرةِ صُفرتُها، وعلى هذا لا تقِفْ على ﴿صَفْرَاءُ﴾ لئلا تفصلَ بين الصفة والموصوف.
стр. 395
وإنْ جعلت ﴿صَفْرَاءُ﴾ بمعنى سوداءَ وقفْتَ عليها، ويكون الفُقوعُ بمعنى الخُلوصِ صفةُ اللون، كأنه قال: لونُها خالصٌ، على أنَّ ﴿فَاقِعٌ﴾ واقعٌ خبرًا عن اللون، فلم يقع تأكيدًا لـ ﴿صَفْرَاءُ﴾ حتى ينافيَ تفسيرَه بالسوداء.
﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: أي: تَروقُ هذه البقرةُ مَن نَظَر إليها وتُعْجبُه وتُفْرحُ قلبَه؛ لتمام خَلْقها ولطافةِ شكلِها وحُسنِ لونها.
والسرور: لذَّةٌ في القلب عند حصولِ نَفْعٍ، أو توقُّعه، أو اندفاعِ ضرٍّ.
* * *
(٧٠) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ طلبوا تمامَ (١) الكشف ببيانِ ما يرفعُ الاشتِباهَ ويدفعُ الصِّدقَ على متعدِّدٍ، ولمَّا أرادوا التَّعيين الزائد على التعيين بالعوارض المشتركة، سألوا بـ (ما هي)، فكأنهم طلبوا ما في منزلة الذاتي المميَّز من الأوصاف المخصوصة بشخصٍ معيَّن.
﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ وقُرئ: (إنَّ الباقِرَ) (٢) وهو اسم لجماعةِ البقر (٣)، قال القرطبيُّ: البقر والباقر والبَيقور والبَقير لغاتٌ بمعنًى، والعربُ تذكِّرُه وتؤنِّثُه وإلى ذلك ترجع [معاني] القراءاتِ في ﴿تَشَابَهَ﴾ (٤).
стр. 396
﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ اعتذارًا عنه، ولم يقل: إنَّ البقرة تشابه علينا، إذ لم يُردْ تشابه المعهود، بل أُريدَ أن الأوصاف المذكورةَ صدَقت على جماعةٍ من الجنس المذكور، فأشكَلَ علينا الأمر فيها؛ للتشابُه والتشارُك في تلك الأوصاف.
وقرئ: (تشابَهَتْ) مخفَّفًا ومشدَّدًا، قال القرطبيُّ وفي مصحفِ أبيٍّ: (تشَّابَهَتْ) بتشديد الشين، قال أبو حاتم: وهو غلط؛ لأن التاء في هذا الباب لا تُدغم إلا في المضارع (١).
وإنَّما ذكِّر الفعل لتذكير اللفظ؛ كقوله تعالى: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، وكلُّ جمعٍ حروفُه أقلُّ من حروفِ واحدِه جاز تذكيرُه، مثل: بقر ونخل وسحاب.
﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى البقرة المرادِ ذبحُها؛ لِمَا جاء في الحديث: "لو لم يَستثنوا لمَا بُيِّنتْ لهم آخِرَ الأبد" (٢)؛ أي: لو لم يقولوا: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وإنَّما سُمِّيت استثناءً لصَرْفها الكلامَ عن الجزمِ، وعن الثبوت في الحال من حيث التعليقُ
стр. 397
بما لا يعلمه المستثني، و (آخِرَ الأبد) كنايةٌ عن المبالغة في التأبيد، والمعنى: الأبد الذي هو آخِرُ الأوقات.
وتقدير الكلام: وإنا لمهتدون إن شاء الله، فقدِّم على ذكر الاهتداء اهتمامًا به، وحفظًا لرؤوس الآي.
ولا متمسَّك فيه لأصحابنا على أن الحوادث بإرادة الله تعالى؛ لأن دلالته على أن مراده تعالى واقعٌ، وأمَّا أن الواقع ليس إلا مرادَه فلا تعرُّضَ له (١)، ولا على أن الأمر قد ينفكُّ عن الإرادة؛ لأن محل الخلاف الأمرُ التكليفيُّ، وهذا الأمر للإرشاد على ما يرشد إليه قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ ولا خلاف فيه.
* * *
(٧١) - ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ صفة لـ ﴿بَقَرَةٌ﴾؛ أي: لم تُذلَّل للكِرَاب، من الذلِّ بكسر الذال، وهو خلافُ الصعوبة؛ يقال: ذلَّت الدابَّةُ ذِلًّا فهي ذلولٌ، وذلَّ الرجل ذُلًّا - بضم الذال - فهو ذليل.
﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ صفةٌ لـ ﴿ذَلُولٌ﴾ داخلةٌ تحت النَّفي، والمقصود نفيُ إثارتها
стр. 398
الأرضَ. ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ نفيٌ معادلٌ لقوله: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾، والمعنى: أنها لم تذلَّل بالعمل في حرثٍ ولا سقي.
وقيل: (لا) في قوله: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ زائدةٌ للتوكيد، وأن المعنى: لا ذلولٌ تُثير الأرضَ وتَسقي الحرثَ، والفعلان صفتان لـ ﴿ذَلُولٌ﴾ كأنه قيل: لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقيةٌ، فيَلزم حينئذ الوصفُ بـ (لا) غيرِ مكرَّرةٍ، ولا مقابل منفي، وذلك لا يكون إلا في الشعر.
وقرئ: (لا ذلولَ) بالفتح على أنَّ (لا) لنفي الجنس، والخبرُ محذوف، والجملة صفةُ (ذلولَ) كناية عن نفي الذل عنه كما يقال: الذليل حيث هو كنايةٌ عن إثبات الذلِّ له.
والحرث: الأرضُ المهيَّأة للزرع، ومعنى الإثارةِ هنا: قلبُ الأرض للزراعة، يقال: أثَرْتُ الشيءَ واستثَرْتُه: إذا هيَّجْتَه.
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ من العيوب؛ أي: سلَّمها الله تعالى، أو: من العمل؛ أي: سلَّمها أهلها، وقيل: مخْلَصة اللونِ، من سَلِمَ له كذا: إذا خَلُص له؛ أي: لم يَشُبْ صُفرتَها شيءٌ من الألوان، وَيرِدُ عليه أنَّ حق هذا البيان حينئذ أنْ يعقب السؤال السابق ويُذكر في آخر جوابه.
﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾؛ أي: لا علامة فيها تَشينُها.
وقيل: لا لون فيها يخالفُ لونَ جلدها، مأخوذٌ من وَشْي الثوب: إذا نُسج على لونَينِ مختلفين، يقال: فرسٌ أبلقُ، وكبشٌ أخرجُ، وتيسٌ أمرقُ، وغرابٌ أبقَعُ، وثورٌ أشيَهُ، كلُّ ذلك بمعنى البَلَقيَّة، وَيرِدُ على هذا ما وَرَدَ على المعنى الأخيرِ لـ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.
﴿قَالُوا الْآنَ﴾ هو حدُّ الزمانينِ: الماضي والمستقبل، مبنيٌّ لتضمُّنه معنى الإشارةِ، تقديرُه: هذا الوقتَ.
стр. 399
﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بما تحقَّقنا به، المراد: من البقرة، ففيه دلالةٌ على أنهم عرفوها بعينها، وروي أنَّه كان في بني إسرائيل شيخٌ صالح له عِجلةٌ، فأتى بها الغَيضة وقال: اللهم إني أَستودِعُكَها لابني حتى يكبرَ، وكان برًّا بوالديه، فشبَّت وكانت وحيدةً بالصفات المطلوبة، فساوَمُوها اليتيمَ وأمَّه، حتى اشتروها بملءِ مَسْكها ذهبًا، وكانت [البقرة] إذ ذاك بثلاثة دنانير (١).
﴿فَذَبَحُوهَا﴾؛ أي: فحصَّلوا البقرة الجامعةَ لهذه الصِّفات (٢) كلِّها فذبحوها، وإنما حُذف ما حُذف اختصارًا لدلالة المذكور عليه، والفاء ليست فصيحة لأن شرطها أن يكون المحذوف سببًا للمذكور، والتحصيل ليس سببًا للذبح وإنما سببُه الأمر به، بل للتعقيب وللدلالة على أنهم كما حصَّلوها ذبحوها (٣).
﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني: شيئًا من الذَّبح ومقدماتهِ؛ من تحصيل المأمور بذبحه، وتهيئةِ أسبابه وبهذا الاعتبارِ (٤) كان المذكورُ أبلغَ من: يذبحون.
و (كاد) من أفعال المقارَبة، وُضع لدنوِّ الخبر حصولًا، فالفعلُ المقرون به مقيَّد، والنفي الداخلُ عليه قد يُعتبر سابقًا على القيد، فيفيدُ معنى الإثبات بالتكلُّف كما في هذه الآية، وقد يعتبر مسبوقًا به (٥) فيفيد البعد عن الإثبات والوقوع؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: ٩٣].
стр. 400
ومَن غفل عن هذا توهَّم التدافُعَ بينه وبين قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ فتكلف (١) في التوفيق.
واعلم أنه لا خلاف في أن ظاهر اللفظ في أول الأمر بقرةٌ مطلقةٌ مبهمةٌ، ولا في أن الامتثال في آخِرِ الأمر إنما وقع بذبح بقرةٍ موصوفة معيَّنة، حتى لو ذبحوا غيرها لم يكن مطابقًا، لكن اختلفوا في أن المراد به في أول الأمر هو البقرةُ المعيَّنة وأُخر البيان عن وقت الخطاب، أو المبهمة ولحقها التغييرُ إلى المعيَّنة (٢) بسبب تثاقلهم في امتثالهم وكثرةِ سؤالهم واستكشافهم.
والحقُّ هو الثاني؛ لقوله ﵇: "لو اعترضوا أدنى بقرةٍ فذبحوها لكفَتْهم، ولكن شدَّدوا فشدَّد الله تعالى عليهم" والاستقصاءُ شؤمٌ (٣).
ورُوي مثلُه عن ابن عباس (٤)، وهو رئيس المفسِّرين.
ولأن اللازم على الأول تأخيرُ البيان عن وقتِ الحاجة؛ لدلالة قوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] على أنهم أُمروا بإيقاع ذبح البقرة قبل بيان اللون وكونِها مسلَّمة غيرَ مذلَّلةٍ، وهذا اللازم محذورٌ عند المخالِف أيضًا.
ومَن ذهب إلى الأول تمسَّك أولًا: بأن الضمائر في الأجوبة - أعني: (إنها بقرة
стр. 401
كذا وكذا) - للمعيَّنة قطعًا، فكذا في السؤال للتطابقُ، والسؤالُ إنما هو عن البقرة المأمورِ بذبحها فتكون هي المعيَّنةَ.
وجوابه: أنهم لمَّا تعجَّبوا من بقرةٍ ميتةٍ يُضربُ ببعضها ميتٌ فيَحْيَى، ظنُّوها معيَّنةً خارجةً عما هو عليه صفةُ الجنس، فسألوا عن حالها وصفتِها، فوقعت الضمائر لمعيَّنةٍ بزعمهم واعتقادهم، فعيَّنها الله تشديدًا عليهم، وإن لم يكن المراد من الأمر هي المعيَّنةَ.
وثانيًا: بأنه قد دلَّ السياقُ ووقع الاتِّفاقُ على أنه لم يَرِدْ أمرٌ متجدِّد غيرُ الأول، فالامتثالُ ليس إلا بالأمر الأول، فلزم أن لا يكون منسوخًا، وأن يكون أمرًا بذبح المعيَّنة؛ لظهور أن الامتثال لم يقع إلا بذبح المعيَّنة.
وجوابه: أن انتقال الحكم إلى المخصوصة لا يلزمُه ارتفاعُ حكم الأمرِ الأول حتى يحتاجَ إيجاب المخصوصة إلى أمرٍ متجدِّد، بل على أنه (١) كان متناولًا لها ولغيرها، بمعنى حصولِ الامتثال بأيِّ فردٍ كان، فارتفع حكمه في حقِّ ما عداها وبقي الامتثالُ بذبحها خاصةً، فكان ذبحها امتثالًا للأمر الأول، ولم يكن هذا منافيًا لنسخ الأمر الأول في الجملة، ولا موجبًا لكون المراد به أولًا ذبحَ المعيَّنة.
* * *
(٧٢) - ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ خطابُ الجمع لأن القتل صدر عن جماعةٍ، وهم بنو عمِّ المقتول.
стр. 402
﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾؛ أي: تخاصمتُم؛ لأن المتخاصمينَ يدرأُ بعضُهم بعضًا، أو: تدافعتُم؛ لأن كلًّا منهم يدفعُ التهمة عن نفسه إلى الآخَرِ، والبراءةَ عن الآخرِ إلى نفسه.
وأصله: فتدارأتُم، فأُدغمت التاء في الدال لأنها من مخرجها، فسكِّنت وأدخلت ألفُ الوصل لتعذُّر الابتداء بالساكن.
و (في) في ﴿فِيهَا﴾ للتعليل؛ كما في قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ مظهِرٌ لا محالةَ، حُكي ما كان مستقبلًا وقت التدارُؤ، فأُعمل، فنُصب به ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ على المفعولية، كما حُكي ما كان حاضرًا وقت التقليب في قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨].
* * *
(٧٣) - ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ عطفٌ على ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾، وما بينهما اعتراضٌ مشعِرٌ بأنَّ التَّدارؤ لا يُجدي إذ اللهُ مخرجٌ ومظهِرٌ ما كتموه، والضميرُ البارز للقتيل، وفي تذكيره تنبيهٌ على زوال حكم النفس عن الجسد بعد القتل.
﴿بِبَعْضِهَا﴾ أيِّ بعضٍ كان، دلَّ على ذلك الإبهام.
﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ خطاب لمنكري البعثِ من مشركي مكَّة، أو للَّذين حضروا القتيل على تقدير: فقلنا لهم، والكاف (١) في محل النصب على المصدر؛ أي: مثلَ ذلك الإحياءِ العجيب الشأنِ، و (ذلك) إشارةٌ إلى ما دلَّ عليه المحذوف المدلولُ عليه بهذا الكلام وما قبله وهو قوله: فأُحيي.
стр. 403
رُوي أنه لما ضُرب قام بإذن الله تعالى وأوداجُه تَشخَبُ دمًا فقال: قتلني ابنا عمي فلانٌ وفلانٌ، وسقط ميتًا، فأُخذا وقُتلا ولم يورَّث قاتل بعد ذلك.
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائلِه؛ لأن مَن قدر على إحياءِ نفسٍ واحدةٍ قدر على إحياء الكل؛ لعَدَم الفرق عند العقل.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تستدلُّون به، أو: تعملون على قضية عقولكم، وقد مرَّ معنى (لعل) غيرَ مرةٍ، وإنما جَعل إحياءَه مسبَّبًا عن ذبح البقرة وضربِه ببعضها وهو قادر على إحيائه ابتداءً ليُعلم أن في الأسباب والشرائط حِكَمًا وفوائدَ؛ كالتقرُّب بالقربان، والتنبُّه (١) على حُسن تقديم القُربة في الطلب، وتَحرِّي الأحسن والغالي في الثمن، وعلى وجوب المسارعة في امتثال الأمر ولو كان للإرشاد، وأن التشديد موجِبٌ لتشديد الله تعالى على مَن شدَّد، وأن الاستهزاء مِن فِعْلِ الجُهَّال، وأن بِرَّ الوالدين له بركةٌ، وكذا التوكُّل، والشفقةُ على الأبناء.
* * *
(٧٤) - ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد أحياءِ القتيل، وهو أمر عظيم خارقٌ للعادة، موجِبٌ للاعتبار.
قيل: ﴿ثُمَّ﴾ للاستبعاد. وفيه: أن معناها الحقيقيَّ غيرُ متعذِّرٍ.
стр. 404
قال الواحدي: يقال قسا قلبُه يَقسو قَسْوةً وقَساوةً، وهي الشدةُ والصلابةُ واليبس (١).
و ﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ استعارةٌ تبعيةٌ واقعةٌ على سبيلِ التمثيلِ، شُبهت حالةُ قلوبهم وهي نُبوُّها عن الاعتبار بحالة قسوة الحجارة في أنها لا يجدي فيها لطفُ العمل وحُسنُ الحيَل، ولاعتبارِ هذه الاستعارة حَسُنَ التفريعُ والتعقيب بقوله:
﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ تشبيهٌ في القساوة بالحجارة ثم رجوعٌ عنه بتفضيلها في القساوة على الحجارة (٢)، وبيانه وتقريرُه:
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ لدلالته على أنها في شدة القسوة مفضَّلةٌ على الحجارة؛ لمطاوَعةِ الحجارة لأمر الله تعالى دونها.
وعلى هذا قولُه: ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾ من قبيل عطف المفرد على المفرد؛ كما تقول: زيد على سفر أو مقيم.
وقرئ: (أشدَّ) بالفتح (٣) عطفًا على (الحجارة): أو مثلَ شيءٍ أشدَّ من الحجارة.
قال الواحدي: قال المفسرون: إنما شبَّه قلوبهم بالحجارة في الغِلظة والشدة، ولم يُشبِّه بالحديد وإن كان الحديد أصلبَ من الحجارة؛ لأن الحديد يليَّن بالنار ولا تليَّن الحجارة بمعالجةٍ أبدًا (٤).
стр. 405
وانتصَب ﴿قَسْوَةً﴾ على التمييز، ويقتضيه ﴿أَشَدُّ﴾ وكافُ التشبيه (١)، وهذا التمييز الذي بعد أفعل التفضيل منقول من المبتدأ وهو نقلٌ غريب.
وإنما لم يقل: أقسى؛ لِمَا في (أشدّ) من المبالغة؛ لدلالته عليها بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئةٍ موضوعة للشدة فيها، وفي ذلك من الإيماء إلى الاعتناء ببيان الزيادة ما لا يخفى، والدلالةِ على اشتداد القسوتين، واشتمالِ المفضَّل على زيادةِ (أو) بمعنى: بل (٢)؛ كما في قول الشاعر:
بدَتْ مثلَ قَرْنِ الشمس في رَوْنَقِ الضُّحَى … وصورتِها أو أنتِ في العينِ أملحُ (٣)
أي: بل أنتِ.
أو للإبهام على المخاطب، قال أبو الأسود الدُّؤليُّ:
أحبُّ محمدًا حبًّا شديدًا … وعباسًا وحمزةَ أو عليّا
فإنْ يكُ حبُّهم رَشَدًا أُصِبْهُ … ولستُ بمخطئٍ إن كان غَيّا (٤)
стр. 406
ولم يَشكَّ أبو الأسود أنَّ حبَّهم رَشَدٌ ظاهرٌ وإنما قصَد الإبهام، وقد قيل له حين قال ذلك: شكَكْتَ؟! قال: لا، ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] قال: أوَكان شاكًا مَن أَخبر بهذا (١).
﴿[وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ] لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ التفجُّر: التفتُّح بسَعةِ وكثرةٍ، وقرئ: (وإنْ) مخفَّفةً من المثقَّلة (٢)، لوجود اللام في ﴿لَمَا﴾.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ أصله: يتشقَّق، وقُرئ به (٣).
والتشقُّق: التصدُّع بطولٍ أو عرضٍ، فينبع منه الماء بقلةٍ، هذا على التَّتميم دون الترقِّي، وإلا لقُدِّم المؤخَّر.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الهبوط: التردِّي من عُلوٍ إلى سُفلٍ (٤)، والخشية: الخوف عن علم، وهي هنا مجازٌ عن الانقياد؛ إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم.
وقوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ متعلقٌ بالأفعال السابقة كلِّها.
ولما كانت قساوة القلب تنشأ عنها الأعمال القبيحة قال تعالى على سبيل التهديد:
стр. 407
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وقرئ بالياء للغيبة (١)؛ ضمَّا إلى ما بعده من الضمائر العائدة إلى اليهود.
(٧٥) - ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الطمع: نزوعُ النفس إلى شيءٍ مّا بشهوةٍ، والخطابُ لرسول الله ﷺ وللمؤمنين.
﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ في محل الجر؛ أي: في إيمانهم، والضمير لليهود الذين في زمن محمد ﵇؛ لأنهم الذين يصحُّ منهم الطمع.
واللام في ﴿لَكُمْ﴾ للتعليل، أو لاعتبار معنى الاستجابة؛ أي: إن يُحْدِثوا الإيمان لأَجْل دعوتكم أو يستجيبوا لكم؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] لا للصلة كما في ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]؛ أي: مصدِّقِ (٢)؛ لأن مثله لا يوجد في الفعل.
وانتظامُه بما قبلَه: أن النبيَّ ﵇ والصحابةَ ﵃ لمَّا سمعوا هذه الآيات - وهي في مخاطبةِ اليهود - طمعوا أن يؤثِّر ذلك في قلوبهم فيؤمنوا، فقال الله : ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ مبالغةً في إنكار الطمع مع كونه كالمستحيل عادةً بإيراد الفاء بعد الهمزة؛ أي: بعد ما تشاهدون منهم ما يوجب اليأس من إيمانهم من قسوة القلب تطمعون في إيمانهم، وهم قوم بأعيانهم كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].
﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ﴾ الفريق: اسمُ جمعٍ لا واحدَ له من لفظهِ كالحزب، والواو للحال؛ أي: في حال عِلمكم بطريقتهم (٣) وعادتهم.
стр. 408
﴿مِنْهُمْ﴾ الظاهرُ رجوع الضمير إلى ما يرجع الضمير في ﴿يُؤْمِنُوا﴾، وعناد (١) البعض إنما كان منافيًا لإقرار الباقين لأنهم كانوا مقلِّدين لهم.
﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ ما يتلونه من التوراة.
السماع كنايةٌ عن القبول، ففي ذكره زيادةُ تقبيحٍ لحالهم؛ لأنَّ التحريف بعد القبول أشدُّ قباحةً، ولو كان على حقيقته لَمَا احتيج إلى ذكره؛ لأن التحريف لا يكون إلا بعد السماع.
﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ تحريف الشيء: إمالتُه عن حالٍ إلى حالٍ، ومنه: قلم محرَّف؛ أي: أحد شقَّيه مائلٌ، فينتظِم التغييرَ والتبديلَ والتأويلَ، وما حرَّفوه نعتُ رسول الله (٢) ﷺ ، وشريعتُهم كآية الرجم.
ويجوز أن يكون المراد من الفريق مَن كان في زمن موسى ﵇ وهم أهل الميقات، والكلامُ المسموع كلامَه تعالى بالطور، وقد نُقل تحريفُهم ما سمعوه، وعلى هذا أيضًا الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ على ظاهره ولا حاجة إلى أن يكون المعنى من أسلافهم فإن أسلاف طائفة يعدون منهم (٣)، وعلى هذا يكون المعنى: الإصرارُ على البطلان موروثٌ لهم شِنْشِنةً أعرفُها مِن أَخْزمِ (٤).
стр. 409
﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مفترون؛ أي: لم يفعلوا ذلك عن خطأ ونسيان بل فعلوا عن قصد وتعمد حسدًا وبغيًا.
* * *
(٧٦) - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ يعني: المنافقين.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المخلِصين من أصحاب الرسول ﵇.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾، أي: بأنكم على الحق ورسولكم هو المبشَّر في التوراة، وإنما لم ينطقوا بالمتعلَّق لعدم المساعدة من باطنهم، وهذه آيةُ غايةِ خبثهم.
﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: إذا انفردوا عن المخلصين منضمِّين، بعضُهم الساكتون وقت الملاقاة إلى الناطقين بكلمات النفاق.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: الذين سكتوا حينئذٍ عاتبين على الذين نطقوا:
﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: بما بيِّن لكم في التوراة من نعت محمد ﵇، فالاستفهام للتقريع والتشنيع.
واللام في ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾، وهي لام (كي) على تجوُّزٍ؛ لأن الناشئ عن شيء وإن لم يُقصد كالغاية، والمعنى: ليحتجُّوا عليكم بما أَنزل ربكم في كتابه من الحجة، وأصله مِن حجَّ: إذا قصَد مغالبةَ خصمه.
стр. 410
﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ جعَلوا محاجَّتهم بكتاب الله تعالى وحُكمه محاجةً عنده؛ كما يقال: عند الله كذا، ويراد أنه في كتابه وحكمه كذا، وعلى هذا يكون ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بدلًا عن قوله: ﴿بِهِ﴾ أو ظرفًا مستقرًّا بمعنى: ليحاجوكم بما قلتم حال كونه في كتابكم.
وقيل: المعنى: عند ربكم يوم القيامة. لا يقال: إن اليهود يعلمون أنهم يوم القيامة محجوجون حدَّثوا أو لم يحدِّثوا؛ لأن ذلك العلم لعلمائهم لا لكلِّهم، فلا ينافي تحذيرَهم الجهَّالَ منهم بذلك القول إبقاءً لهم على اليهودية، ولأنَّ [محجوجيَّتهم يومَ القيامة من الله لا تنافي] (١) احترازَهم عن كونهم محجوجين من جهة الخصم، فإن ذلك لازم إن حدَّثوا ومندفعٌ إن لم يحدِّثوا في زعمهم.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أفليس لكم عقلٌ حتى تدركوا فسادَ ما فعلتُم، وهذا من تمام كلام اللائمين.
* * *
(٧٧) - ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ مقابَلةٌ لهم بذلك التجهيل والتوبيخ والتعجيب مع التقرير؛ أي: أتنكرون عليهم ولا تعلمون أن الفساد في قولكم مضاعَف.
﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: يعلمهما على السَّواء، وللقصد إلى معنى التسوية ذكر قوله: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ مع أن قوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يغني عنه، ونظيرُ هذا قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] في القصد إلى المعنى المذكور.
стр. 411
وتقديم ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ مع أن حقَّه في أسلوب الترقِّي التأخيرُ؛ للتسوية بينهما في الاهتمام، فإن في الجمع بين العبارة والدلالة اهتمامًا بالثاني، وفي التقديم مع أن حقه التأخير اهتمامًا بالأول.
* * *
(٧٨) - ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ عامِّيون. الأمِّيُّ مَن لا يكتب ولا يقرأ، سمي به لأنَّه على الخلقة التي ولدته الأمُّ عليها.
﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراة.
﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ الاستثناء منقطع. والأمانيُّ: جمع أمنيَّةٍ، أُفعولةٌ من التمنِّي وهو التقديرُ، ولها معانٍ ثلاثةٌ:
المتمنَّيات: لأن المتمنِّيَ يقدِّر في نفسه ما يشتهيه ويتخيَّله.
أو الأكاذيب: إذ الكاذب يقدِّر في نفسه ويتخيَّل شيئًا لا وجود له.
أو المقروءات: لأن القارئ يقدِّر عند قراءته في نفسه أن كلمة كذا بعد كذا، ومنه قوله:
تمنَّى كتابَ الله أولَ ليلةٍ (١)
فالمعنى: ولكن يعتقدون أكاذيب من المحرِّفين، أو مواعيد فارغة سمعوها منهم: أن أباءهم الأنبياءَ يشفعون لهم، وأن النار لم تمسهم إلا أيامًا معدودة، أو ما
стр. 412
يقرؤون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره، والأمي ربما يقدر على قراءةٍ مّا بالأخذ من أفواه الرجال.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ما هم إلا قوم يظنون، والظن هنا على بابه من ترجيح أحد الطرفين، ولا يلزم من الترجيح عندهم أن يكون راجحًا في نفس الأمر.
ويجوز أن يجعل الضمير للفريقين، فنفي العلم عن العلماء في قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ على سبيل الإنكار حيث لم يعملوا بموجبه، وعن المقلدين بقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ ثم حكم أنهم في الظن المؤدي إلى الضلال سواءٌ، فعلى هذا يكون في الآيات جمعٌ وتقسيمٌ؛ جمع الفريقين في قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾، ثم قسمهم إلى فريقين: علماء معاندين وجهلاء مقلدين، ثم جمعهم في ﴿يَظُنُّونَ﴾.
* * *
(٧٩) - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿فَوَيْلٌ﴾ أي: تحسُّرٌ أو هُلْكٌ، روى عثمان عن النبي ﷺ : "الويل جبل في النار" (١)، وفي رواية أبي سعيد الخدري ﵁: "واد في جهنم" (٢).
وهو في الأصل مصدر لا فعلَ له؛ لأن فاءه وعينه معتلان، وتنكيره للتعظيم، فلم تكن نكرةً محضة، على أن الغرض من الكلام الإفادةُ، فإذا حصلت جاز الحكم سواءٌ تَخصَّص المحكوم عليه بشيء أو لا، وأمَّا أن النكرة إذا كانت دعاء
стр. 413
تقع مبتدأ وإن لم يتخصص، فما قيل في بيانه لا يجري في (ويل) صرح به الرضي.
﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ يعني: ما كتبوه من التأويلات الزائغة، ولذلك احتاجوا في ترويجه إلى بيان نسبته إلى الله تعالى، ولو كان المراد الكتابَ المحرَّف لَمَا احتاجوا إليه؛ لأن كون التوراة من عند الله مسلَّمٌ وما أحدثوه من التحريف غير معلوم لغيرهم.
﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ نفيٌ للمجاز؛ أي: يتولَّونه بأنفسهم، فقد يقول الإنسان: كتب إليَّ فلان، إذا أمر غيره بأن يكتب عنه، وإذا قال: كتبتُ بيدي، فقد أخبر بأنه باشَر بنفسه، فهو من حيث إنه كنايةٌ عن أنه من تلقاء أنفسهم دون أن ينزَّل عليهم ناظرٌ إلى ما في قولهم: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من دعوى النزول هكذا مكتوبًا من السماء كما هو الشأن في التوراة. ويجوز أن يكون لدفع احتمال الإنشاء، فإن الكتابة شائعةٌ فيه.
وفائدة التنصيص بمعنى الإملاء التغليظُ في الجناية، حيث انضم إلى القول العملُ.
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ كلمة ﴿ثُمَّ﴾ للاستبعادِ، وعدمُ الفائدة في الإخبار عن تراخي القول المذكور عن العمل المزبور كفى قرينتُه صارفةً عن المعنى الحقيقيِّ لها في الكلام البليغ.
﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ متعلق بـ ﴿يَقُولُونَ﴾ وقد مر بيانُ استعارة الاشتراء للاستبدال، ونكتةُ التعبير عن البيع بالثمن، فتذكَّرْ.
وما حصَّلوا به وإنْ جَلَّ قليلٌ بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرة.
﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ جعلُ (ما) ها هنا وفي قوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا
стр. 414
يَكْسِبُونَ﴾ مصدريةً أولى مِن جعلها موصولةً؛ لعدم الحذف، ولكون الويل على الفعل أولى وأنسب من كونه على المفعول.
وأصل الكسب: الفعلُ لجرِّ نفع أو دفع ضرٍّ، ولهذا لا يوصف به الله تعالى.
وقيل: هو اجتلاب الحظ بما هُيِّئ له من الأسباب.
وكرِّر الويل حتى يَتحقَّق أن الخسار والهلكة يترتَّب على كل واحد من المكتوب والمكسوب على حدة.
* * *
(٨٠) - ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ المسُّ أقل تمكُّنًا من الإصابة، وهو أقلُّ درجاتها، ولذلك أوثر عليها في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وفي قولهِ تعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]، وقولُه تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠] كالنص فيه.
﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ أي: قلائل، وهذا لأنهم يَكنُون بالعدِّ عن القِلَّة بناءً على أنهم كانوا يَزِنون ما بلغ الأوقيَّةَ وَيعدُّون ما دونها.
روي أنهم قالوا: سبعة أيام. وعنهم: أربعون يومًا، عددَ عبادتهم العجل، ولا وجه له لأنهم قد تابوا عنها توبة مقبولة (١).
стр. 415
﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ الألف المجتلَبة ذهبت بالإدراج، وهذه الألف المقطوعة ألف الاستفهام للتوبيخ، يعني: إن مثل هذا الجزمِ لا يكون إلا ممن وعده الله تعالى به، وإنما عبر عن الوعد بالعهد إيماء إلى أن في الجزم المذكور لا بد من وعد قوي، وإنما قال: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ دون: من الله؛ تعليمًا للسلوك مسلك الكناية في أمثال هذا، فإن التصريح باتخاذ العهد من الله تعالى لا يخلو عن سوء أدب.
﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ جوابُ شرطٍ مقدَّر؛ أي: إن كنتم اتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده، فالفاء فصيحة والجملة معترضة.
وإنما قلنا: إنَّ المقدَّر: إن كنتم اتخذتم؛ لأن المعنى ليس على الاستقبال.
ثم إنَّ هذا من جملة المواعيد، فلا وجه للاستدلال به على عدم الخُلف في وعده، وعلى تقدير صحته إنما يدلُّ على عدم وقوع الخُلف في وعده لا على استحالته.
﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (أم) إمَّا معادِلةٌ للهمزة، بمعنى: أيُّ الأمرين كائنٌ (١)، على سبيل التقرير لوقوع العلم بكون أحدهما، أو منقطعةٌ بمعنى (بل) والهمزةِ التقريرية.
* * *
(٨١) - ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
стр. 416
﴿بَلَى﴾ إثباتٌ لِمَا بعد النفي في ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ أي: بلى تمسُّكم أبدًا، وتختص بجواب النفي.
﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ السيئة: تأنيثُ السيِّئ، وهو فَعيلٌ من السوء، وهو العمل الفاسد ولذلك ذكر في مقابلته (١) العملُ الصالح، والمكسوبُ لا يلزم أن يكون نافعًا في نفس الأمر، بل يكفي أن يكون ملائمًا لطبع الكاسب، مُؤْثَرًا عنده، نافعًا في زعمه.
﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال القفَّال: كلُّ ذنب خطأٌ وخطيئةٌ؛ لأنَّه ليس بصوابٍ.
وفي "الأساس": أخطأ في المسألة وفي الرأي، وخَطِئَ خطأً [عظيمًا]: إذا تعمَّد الذنب (٢).
وُضع قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ إلخ مكان: تمسُّكم النار أبدًا؛ للإثبات على الطريق البرهاني؛ لأنَّه أثبتَ السيئةَ العامة؛ أي: سيئةً من السيئات، ثم خصَّصها بالكبيرة بقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أي: استولت عليه ولم يَتفَصَّ (٣) عنها بالتوبة.
وقرئ: (خطاياه) (٤)، و: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ (٥)، تعريضًا بكثرة خطاياهم؛ من الشرك والنفاق والتحريف، والافتراءِ على الله تعالى، وشبَّهها بالعدوِّ المحيط به من جميع الجهات لذلك، ولغلبتها على طاعته.
وأشار بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إلى أن سبب استحقاق الخلود في النار هو ذلك الكسبُ المعلوم.
стр. 417
﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ملازموها في الآخرة؛ لأنهم ملازمو أسبابها في الدنيا، وذلك لأن الصاحب مشتقٌّ من الصحبة، وهي وإن كانت تعمُّ القليلَ والكثير لكن العرف خصَّصها لمَّا طالت.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أوقع ﴿هُمْ﴾ للتأكيد، كأنه قال: أيُّ كبيرةٍ من الكبائر استولت ورسخت بالغلبة على الطاعة استحقَّ صاحبها الخلودَ في النار.
وقد تقرَّر أن الشرك كبيرةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وكذا التحريفُ والافتراء على الله؛ تعالى لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] فثبت بالبرهان أنه تمسُّكم النار أبدًا.
ومعنى الخلود في الأصل: الثباتُ المديد، دام أو لم يَدُمْ، لكن المراد به ها هنا الدوامُ؛ لِمَا يشهد له من الآيات والسنن.
ولك أن تقول: الإحاطة في الأصل: الإحداقُ بالشيء من كلِّ جانب، وجوانبُ المكلف المكلف من حيث إنه مكلَّف ثلاثةٌ: اللسان كلِّف من جهته بالإقرار، والأركان كلِّف من جهتها بالطاعات، والجَنان كلِّف من جهته بالتصديق، وهم لمَّا افتروا بألسنتهم، وحرَّفوا كتاب الله تعالى بأيديهم، وأصروا على النفاق معتقدين بالباطن خلافَ ما أظهروه، فقد تحقق إحاطةُ الخطيئات بهم، وثبت استيلاؤها عليهم، فالآية كما ترى لا حجةَ فيها على خلود صاحب الكبيرة في النار.
* * *
(٨٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ جرت عادته تعالى على أن يَستَتْبع وعدَه
стр. 418
بوعيده؛ تبشيرًا للمطيع وإنذارًا للعاصي، والإيمانُ على معناه اللغويِّ، فلا دلالة في عطف العمل عليه على الخلافيَّة المشهورة المذكورة في كتب الكلام.
نعم يفهم منه اشتراطُ العمل الصالح في دخول الجنة، فلِمَن شَرَط في الإيمان المقبول الإقرارَ باللسان أنْ يحمل العملَ الصالح عليه.
وللمخالف أن يقول: إن لفظة (هم) للتأكيد لا للحصر، بدلالة النصوص القاطعة على عدم اشتراط العمل في النجاة عن النار، وعلى أنه لا دارَ ثالثَ للقرار (١).
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ذُكر الفاءُ فيما تقدَّم وتُرك ها هنا للدلالة على أن الملازَمة والخلودَ ثَمة بالاستحقاق مِن قبلهم بسبب ما بهم من إحاطة الخطيئات، وها هنا بمحض فضل الله تعالى، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥].
* * *
(٨٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إخبار في معنى النهي؛ كما في ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وفي: "لا تُنكح المرأة على عمَّتها" (٢)، وهو بابٌ من أبواب البلاغة في الأمر والنهي، يُظهِر البليغُ به شدة اعتنائه بالامتثال والانتهاء،
стр. 419
وتحريض المخاطَب على المسارعة والمبادرة فيهما كأنه سارع إلى الامتثال والانتهاء، فيخبِرُ عنه الآمر والناهي، ويؤيده قراءة: (لا تعبدوا) (١) ويدلُّ عليه قوله: ﴿وَقُولُوا﴾ فيكون على إرادة القول، وأمَّا إيهامُ أن المنهيَّ مسارعٌ (٢) إلى الانتهاء فهو يخبر عنه، فلا يناسب هذا المقام؛ لأن حال المنهيِّ هنا على خلاف ذلك.
وقيل: تقديره: أن لا تعبدوا، فلما سقط (أنْ) رُفع الفعل لزوال الناصب؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] وقال طرفة:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى
يروى: (أحضرُ) بالرفع؛ أي: أنْ أحضرَ الوغى، ولذلك عُطف عليه:
وأنْ أشهَدَ اللَّذَّات هل أنت مُخْلِدي (٣)
ويدل عليه قراءة: (أن لا تعبدوا) (٤) فيحتمل أن تكون (أنْ) مفسِّرةً بمعنى (أي)، وأن يكون (أنْ) مع الفعل بدلًا عن الميثاق؛ أي: أخذنا توحيدهم، أو معمولًا له بحذف الجارّ.
وقيل: إنه جواب قسم دلَّ عليه المعنى، كأنه قال: وخلقناهم لا يعبدون.
وقيل: إنه وقع في موضع الحال في صيغة الفعل، وموضعُه نصبٌ في الاسم،
стр. 420
تقول: دخل عليه يتبسم؛ أي: متبسمًا، والتقدير هنا: أخذنا ميثاقهم غيرَ عابدين.
وقرئ بالتاء حكايةً لما خُوطبوا به، وبالياء لأنهم غُيَّب (١).
﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ استثناء مفرَّغ، وفيه التفات من التكلُّم إلى الغيبة؛ لِمَا في الاسم الظاهر من الفخامة.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ مصدر في معنى الأمر؛ أي: وأَحْسِنوا بالوالدين، وتقديم المعمول للاهتمام، وأَحْسَنَ كما يتعدَّى بـ (إلى) يتعدَّى بالباء؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠].
﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ عطف على (الوالدين) أراد به الجنس، ولذلك أُفرد (ذو)، وإضافته إلى المصدر تغني عن صيغة الجمع.
﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم؛ كنديم ونَدَامَى، واليتيم: الذي مات أبوه فانفرَد عنه واليُتْمُ: الانفراد، ومنه: الدُّرَّة اليتيمة، وحقُّ هذا الاسم أن لا يزول عن الكبار؛ لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنه قد غلَب أن يسمَّوا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، وعلى وَفْقِ هذا ورد قوله ﵇: "لا يُتْمَ بَعْدَ الحُلم" وإن كان المراد تعليم شريعةٍ (٢).
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: جمع مسكين، وهو مِفْعيلٌ من السُّكون، كأنَّ الفقر أسكنه عن التصرُّف.
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: قولًا حسنًا، وسماه: ﴿حُسْنًا﴾ للمبالغة، لمَّا أَتْبعَ
стр. 421
عبادةَ الله تعالى بالإحسان لمَن ذُكر وهو فِعْلٌ، أَتبَعَ ذلك بالقول ليكون الإحسان بالفعل والقول، ولمَّا كان الإحسانُ القوليُّ أمرًا هينًا على ما أَفصح عنه مَن قال: البرَّ شيءٌ هينٌ، وجهٌ طليقٌ ولسانٌ لينٌ (١)، كان متعلَّقه الناس عمومًا.
وقرئ: ﴿حَسَنًا﴾ بفتحتين (٢) على أنه صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، و: (حُسُنًا) بضمتين وهو لغة أهل الحجاز، و: (حُسْنَى) على المصدر كبُشرى (٣)، والمراد به: ما فيه تخلُّقٌ وإرشاد.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يريد بهما: ما فُرض عليهم في شريعتهم، ومن هنا ظهر أنهما منقولان إلى القَدْر المشترَك بين صلاتنا وصلاتهم، والقَدْر المشترك بين زكاتنا وزكاتهم.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على طريقة الالتفات للتعنيف في التوبيخ (٤)، فإنه عند الاستحضار (٥) أشدُّ، ويجوز أن يكون الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومَن قبلَهم على التغليب؛ إشعارًا بأن التولِّيَ الذي حصل منهم في عهده ﵇ ليس ببِدْعٍ منهم؛ لأنَّه دأبهم ودأبُ أسلافهم.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾؛ أي: أشخاصًا قليلين، وهم الذين أقاموا اليهودية على
стр. 422
وجهها قبل النَّسخ، وأمَّا الذين أسلموا من الذين ما أقاموها (١) فقد وُجد منهم التَّولِّي والإعراضُ، فلا وجه لاستثنائهم.
﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ التَّولِّي قد يكون لحاجةٍ تدعو إلى الانصراف مع ثبوت القصد، والإعراض: هو الانصراف عن الشيء بالقلب، فالجملة حال وليست من قَبيل ﴿وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
وفي اسميَّة هذه الجملة الدالَّةِ على أنهم قومٌ عادتُهم الإعراضُ عن الطاعة والوفاء ترشيحٌ لِمَا تقدَّم من نكتةِ التغليب.
* * *
(٨٤) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ على نحوِ ما سبق في ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾، والمعنى: لا تفعلون ما يؤدي إلى هذين المحذورَين، أو: لا يفعلُ ذلك بعضكم ببعض (٢) جُعل غيرُ الرجل نفسَه لاتِّصاله به نسبًا (٣) أو دينًا، ثم نُسب إلى نفسه ما كان منسوبًا إلى الغير على التجوز (٤) لأدنى ملابَسةٍ.
والديار: مباني الإقامة، وقال الخليل: محلَّةُ القوم دارُهم (٥).
стр. 423
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي: خَلَفًا بعد سَلَفٍ أنَّ هذا الميثاق أُخذ عليكم والتَزَمْتُموه، ويحتمِلُ هذا أنْ يكون من الإقرار الذي هو ضدُّ الجحدِ ويتعدَّى بالباء، وأن يكون من الإقرار الذي هو إبقاءُ الأمر على حاله؛ أي: أقررتُم هذا الميثاقَ ملتزَمًا، فقوله:
﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ تأسيسٌ على هذا، وتأكيدٌ على الأول؛ لقطعِ احتمالِ أن يكون أَقرَّ بمعنى: تكلَّمَ بما يلزمُ منه الإقرار.
* * *
(٨٥) - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ استبعاد قويٌّ لِمَا نُسب إليهم بعد أداء الميثاق على الانتهاء منه، وإقرارِهم وشهادتهم، وفي ﴿هَؤُلَاءِ﴾ توبيخٌ وتعييرٌ بليغٌ وتحقير؛ أي: أنتم المشاهَدون المشارُ إليهم بنقض العهد، الذين لا يمكن ذمُّهم بما يزيد على ما يشاهَدُ منهم ويشارُ به إليهم؛ كقولهم في التحقير: يا هذا. أو: أنتم المشاهَدون؛ أي: [إنكم] (١) قومٌ آخرون غيرُ أولئك المقرِّين؛ تنزيلًا لتغيُّر (٢) الصفة منزلة تغيُّر الذات، كقولك: خرجتَ بغير الوجه الذي دخلتَ به، وعدَّهم باعتبارِ ما أُسند إليهم حضورًا وباعتبارِ ما سيُحكى عنهم غيَّبًا، ثم فصَّل ما أُبهم في اسم الإشارة؛ للتسجيل عليهم وتشهيرهم بنقضِ العهد ومخالفةِ الإقرار والشهادة، والإفراطِ في ذلك بالتظاهُر بالإثم والعدوان، فقال:
стр. 424
﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ ويجوزُ أن يكون خبرًا لـ ﴿أَنْتُمْ﴾ و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ منادى، أو منصوبٌ على الاختصاص للذَّمِّ؛ [أي] (١): أعني هؤلاء الحاضرين (٢)، أو تأكيدٌ والخبرُ هو الجملة، أو بمعنى (الذين) والجملةُ صلتُه والمجموعُ هو الخبر.
ويجوز أن يكون (٣) حالًا والعامل فيها معنى الإشارة.
﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حال من فاعل (تُخرجون)، أو مفعولهِ، أو كليهما.
والتظاهر: التعاونُ، وأصله: الظَّهْر، وبه يقع الاستناد والاعتماد.
﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ رُوي أن قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضيرَ حلفاءَ الخزرج، فإذا اقتتلا عاوَن كلُّ فريق حلفاءه في القتل، وتخريب الديار، وإجلاءِ أهلها، وإذا أُسر أحد من الفريقين جمعوا له حتى يَفدوه.
وقرئ: ﴿أُسْرَى﴾ (٤) وهو جمعُ أسيرٍ؛ كجرحى وجريح، و (أُسارى) جمعه؛ كسَكْرى وسُكَارى، وقيل: هو أيضًا جمع أسير؛ كما قالوا: شيخ قديم، وشيوخ قُدامى، وهو قليل.
стр. 425
وقال الواحدي نقلًا عن سيبويه: قالوا: كَسْلَى، شبَّهوه بأَسْرى، كما قالوا: أُسارى، شبَّهوه بكُسالى (١).
والأسير: هو المأخوذ قهرًا، وأصل الأسر: الشدُّ، ومَن أُخذ قهرًا شُدَّ غالبًا، فسمِّي المأخوذُ قهرًا أسيرًا وإن لم يُشد.
وقال أبو عمرو (٢): الأُسارى: الذين هم في الوَثاق، والأَسرى: الذين هم في اليد وإن لم يكن في الوثاق.
وقرئ: ﴿تَفْدوهم﴾ (٣)؛ أي: تُطْلقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئًا. قاله أبو علي (٤).
وفاديتُ نفسي؛ أي: أطلقتُها بعد أن دفعتُ شيئًا.
وقد يَجيء فاديتُ بمعنى: فديتُ؛ أي: دفعتُ فيه مِن مالِ نفسي، ومنه قولُ العباس للنبي ﵇: فاديتُ نفسي وفاديتُ عَقيلًا (٥).
وهما فعلان يتعدَّيان إلى مفعولين، الثاني منهما بحرف جر؛ تقول: فديتُ زيدًا بمال، وفاديتُه بمال.