سُورَةُ السَّجْدَةِ
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
(١ - ٢) - ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إنْ جُعل ﴿الم﴾ اسمًا للسورة فهو مبتدأٌ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ خبرُه على أن التَّنزيل بمعنى المنزَل، و ﴿مِنْ رَبِّ﴾ صلةُ ﴿تَنْزِيلُ﴾ أو خبر ثانٍ.
وإنْ جُعل تعديدًا للحروف فـ ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأٌ خبرُه ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، و ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراض لا محل له من الإعراب، والضمير في ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى مضمون الجملة؛ أي: لا ريب في ذلك، يعني: في كونه منزلًا من ربِّ العالمين، أو الخبرُ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ و ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضمير في ﴿فِيهِ﴾ على أنه للتنزيل أو للكتاب.
* * *
(٣) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
стр. 3610
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ مؤيِّدٌ لرجوع الضمير في ﴿فِيهِ﴾ لمضمون (١) الجملة، وكذا قوله:
﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ لأن قولهم: هذا مفترى، إنكار لأنْ يكون من رب العالمين.
والهمزة في ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ إنكارٌ لقولهم وتعجيبٌ منه، فيكون الكلام مصدَّرًا بإعجازه وإثباتِ أنه من ربِّ العالمين، مقرِّرًا بأنه لا ريب في ذلك، ثم مقفًّى بالإضراب عن ذلك إلى إنكار قولهم: ﴿افْتَرَاهُ﴾ والتعجيبِ منه؛ لظهورِ أمره في الإعجاز، ثم بالإضراب عن الإنكار إلى تقرير المقصود، بعد ردِّ قولهم وإثباتِ أنه الحقُّ من ربِّك، ثم ببيان الغرض منه بقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ ولا يُشْكِلُ هذا بقوله:
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]؛ لأنهم لم يخل عن الوقوف بشريعة (٢) تنذرهم وإن لم يأتهم نذير.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأنهم كانوا أهلَ الفترة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارك إياهم.
* * *
стр. 3611
(٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ سبق تفسيره في سورة الأعراف.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾: ما لكم إذا جاوزتُم رضا اللهِ تعالى أحدٌ ينصركم أو يشفع لكم.
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ بمواعظ الله.
* * *
(٥) - ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾: يدبر أمرَ الدنيا كلِّها بأسبابٍ سماويةٍ نازلةٍ آثارُها إلى الأرض لكلِّ يومٍ من أيام الله، وهو ألفُ سنة كما قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: يصيرُ إليه ويُكتب عنده في صحف ملائكته ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ كلَّ وقتٍ من أوقات هذه المدةِ ما (١) يرتفع من ذلك
стр. 3612
الأمر ويدخل تحت الوجود، إلى أن تبلغَ المدة آخِرَها، ثم يدبِّر أيضًا ليومٍ آخرَ، وهلمَّ جرًّا إلى أن تقوم الساعة.
وقيل: يُنْزِل الوحيَ مع جبريل ﵇ من السماء إلى الأرض، ثم يَعرج إليه في زمان هو في الحقيقة ألفُ سنة؛ لأن المسافة مسيرةُ ألف سنة، فإن ما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام.
وفيه نظر؛ إذ لا يَلزم من قطع المسافة الطويلةِ في مدةٍ قصيرةٍ أن تكون تلك المدةُ طويلةً في الحقيقة، وذلك ظاهر.
نعم لو قيل: في قوله: ﴿مِقْدَارُهُ﴾ تجوُّزٌ، فإن المقدار المذكور للمسافة باعتبار قطعها المعتاد، لكان له وجه.
* * *
(٦) - ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ فيدبِّر على (١) وَفْق علمه.
﴿الْعَزِيزُ﴾: القويُّ بإنفاذ أمره.
﴿الرَّحِيمُ﴾ على العباد في تدبيره على وفق مصالحهم تفضُّلًا وامتنانًا.
* * *
(٧) - ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾: حسَّنه على وَفق الحكمة والمصلحة موفورًا عليه ما يَستعدُّه ويليق به، وإنْ تفاوَتَ إلى حَسَنٍ وأَحْسن، و ﴿خَلَقَهُ﴾ بدلٌ من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بدلَ الاشتمال.
стр. 3613
وقيل: عَلِمَ كيف يخلقه، من قوله: قيمةُ المرء ما يُحْسِنه، أي: يُحسن معرفته، و ﴿خَلَقَهُ﴾ مفعول ثان.
وقرئ بفتح اللام (١)، فالشيءُ على الأول مخصوصٌ بمنفصِل، وعلى الثاني بمتَّصِل.
﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ يعني: آدم ﵇ ﴿مِنْ طِينٍ﴾.
* * *
(٨) - ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ النسل: الذرِّية، سميت به لأنها تَنسلُّ منه، أي: تنفصل وتخرج من صُلبه، والسلالة: ما يُسلُّ من الشيء ويُخرَج.
﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾: ضعيفٍ حقير.
* * *
(٩) - ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾: قوَّمه بتصويرِ (٢) أعضائه على ما ينبغي.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ أضافه إلى نفسه تشريفًا وإظهارًا بأن له خَلْقًا عجيبًا، وأن له شأنًا له مناسبةٌ ما إلى حضرة الربوبية، قال ﵇: مَن عَرَفَ نَفْسَه فقد عَرَفَ ربَّه (٣).
стр. 3614
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ خصوصًا لتَسمعوا وتُبصروا وتَعقلوا، وإنما قدَّم السمع على البصر لخساسته نظرًا إلى البصر، فإن الكلام على أسلوب الترقِّي من الشريف إلى الأشرف فالأشرف.
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا.
* * *
(١٠) - ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ قيل: القائل أبيُّ بن خلف، ولا حاجةَ إلى رضاهم بقوله في الإسناد إليهم، بل يكفي وجودُ القول بينهم كقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢].
﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ بالفتح والكسر (١).
﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: صرنا ترابًا مختلِطًا بتراب الأرض بحيث لا امتياز فيه، أو: غبنا فيها.
وقرئ: (صَللْنا) (٢) من صلَّ اللحم: إذا أَنْتَنَ، وقيل: صِرنا من جنس الصَّلَة وهي الأرض.
стр. 3615
وقرئ: ﴿أَإِذَا﴾ على الخبر (١)، والعامل فيه ما دل عليه:
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو: نُبعث، أو: يجدَّد خَلْقُنا.
وقرئ: ﴿أَإِنَّا﴾ على الخبر (٢).
﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ لمَّا ذكر (٣) كفرَهم بالبعث أعرضَ عنه إلى ما هو أبلغُ في الكفر بما بعد الموت من الرجوع إلى الله والجزاء (٤).
* * *
(١١) - ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ التَّوفِّي: استيفاء النَّفْس، من قولك: تَوَفَّيتُ حقِّي من فلان واستَوْفَيْتُه: إذا أخذْتَه وافيًا كاملًا؛ أي: يَقبض نفوسكم بتمامها.
﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾؛ أي: يَقبِض (٥) أرواحَكم عند انتهاء مُدد أعماركم، وفي عبارة ﴿وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى وجه التوفيق بين هذه الآية وقولهِ تعالى: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وهو أن فِعْلَ الوكيلِ فِعْلُ الموكِّل.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب والجزاء.
* * *
стр. 3616
(١٢) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ الأفصح أن يكون الخطاب لكلِّ أحدٍ ممن يَتأتَّى له الرؤيةُ (١) ولا يقدَّرَ لـ ﴿تَرَى﴾ مفعولٌ؛ لأن المعنى: لو يكونُ منك الرؤية في هذا الوقت.
﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ من الذل والحياء والندم.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: عند حساب ربهم (٢)، ويُوقَفُ عليه لحقِّ الحذف؛ إذ التقديرُ: قائلين.
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ صِدْقَ وعدِكَ ووعيدِك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك تصديقَ رسلك، أو: كنا عميًا وصمًّا أبصرنا وسمعنا.
﴿فَارْجِعْنَا﴾ إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾؛ أي: الإيمانَ والطاعة.
﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ بالبعث (٣) والحساب الآن.
وجواب (لو) محذوف تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا، والمضيُّ فيها وفي ﴿إِذِ﴾ لأن المترقَّب من الله تعالى بمنزلة الواقع.
* * *
(١٣) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
стр. 3617
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾: ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح بالتوفيق له.
﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾: سبَق حُكمي وقضائي، وهو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ إنما قدَّم الجنَّ لأن المقام مقامُ التحقير ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: ولكن اقتضى الحكمةُ خلافَ ذلك، وما ذُكر من سبق القضاء به كنايةٌ عن ذلك الاقتضاء، فليس فيه تسبُّبُ عدم إيمانهم عن سبق التقدير الأزلي به كما سبق إلى بعض الأوهام.
* * *
(١٤) - ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَذُوقُوا﴾ يعني: ما أنتم فيه من الخزي والغم.
﴿بِمَا نَسِيتُمْ﴾: بسبب نسيانكم ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أو: بتركِكُم العمل لهذا اليوم كأنكم نسيتُموه فلم تذكروه.
﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾، أي: تركناكم في العذاب، أو: جازيناكم على نسيانكم، وفي استئنافه وبناءِ الفعل على (إنَّ) واسمها تشديدٌ في الانتقام منهم.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾؛ أي: واعلموا أن هذا العقاب خالدٌ لكم - غيرُ زائل عنكم.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: بأعمالكم من الكفر والمعاصي، وإنما كرَّر الأمر (١)
стр. 3618
للتأكيد، ولمَا نِيطَ به من التصريح بمفعوله، وتعليلِه بأفعالهم السيئة كما علَّله بتركهم تدبُّر أمر العاقبة والتفكُّرَ فيها دلالةً على أن كلًّا منها يقتضي ذلك، وهذا منادٍ ينادي على أنه لا عذر لهم في ذلك (١) من جهة القضاء الأزلي.
* * *
(١٥) - ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾: وعظوا بها.
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ خوفًا من عذاب الله تعالى.
﴿وَسَبَّحُوا﴾: نزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث.
﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: حامدين له شكرًا على ما وفَّقهم للإسلام وآتاهم الهدى.
﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن (٢) الإيمان والطاعة.
* * *
(١٦) - ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
﴿تَتَجَافَى﴾ ترتفعُ وتتنحَّى ﴿جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾: الفرُش ومواضعِ النوم، مبالغة في الاعتياد (٣) بقيام الليل، كأنهم يقومون بالطبع لا بالاختيار كما يقومون لحاجاتهم الطبيعية.
стр. 3619
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾: داعين إياه ﴿خَوْفًا﴾ من سَخَطه ﴿وَطَمَعًا﴾ في رحمته، وعن النبيِّ ﵇ في تفسيرها: قيامُ العبد من الليل (١).
وقيل: كان ناسق من الصحابة يصفُون من المغرب إلى العشاء، فنزلت فيهم (٢).
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير.
* * *
(١٧) - ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ واحدةٌ من النفوس، لا مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل.
﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ على البناء للمفعول والفاعل، وقرئ: ﴿مَا أُخْفِيَ﴾ على أنه مضارع أَخْفَيتُ (٣).
و: (ما نخفي)، و: (ما أَخْفيتُ) (٤).
والفاعل في الكل هو الله تعالى، و ﴿مَا﴾ موصولة والعِلم بمعنى المعرفة، أو استفهامية (٥) بمعنى: أيُّ شيء؟ علِّق عنها الفعل.
стр. 3620
﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾: ممَّا تَقَرُّ به أعينُهم، وقرئ: (مِن قُرَّاتِ أعينٍ) (١) لاختلاف الأنواع.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مفعولٌ له، أي: أُخفيَ للجزاء، أو مصدر، أي: جُزُوا جزاءً، أو حال على التسمية بالمصدر. والفاء للسببية، أي: إذا لقينا مَن كانوا يُخفون عبادتنا بالليل فلا تعلم نفسٌ ما أَخفينا لهم.
وفي الإبهام ثم التوضيحِ والتفسيرِ لـ ﴿قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ تفخيم لشأن جزائهم وتعظيمٌ له، وإن جُعل (٢) ﴿مَا﴾ استفهاميةً زِيدَ تعظيمٌ على تعظيمٍ.
* * *
(١٨) - ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾.
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ الفاء للتعقيب والهمزةُ للإنكار، أي: أَبَعْدَ ما ذُكر مِن ثواب المؤمن وكرامته هل يكون مساويًا للفاسق الخارج عن الإيمان في الشرف والمثوبة.
﴿يَسْتَوُونَ﴾ تأكيد وتصريحٌ، والجمع للحمل على المعنى.
* * *
(١٩) - ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، أي: المأوى الحقيقيُّ الأبديُّ فإنَّ الدنيا منزلٌ مرتحَلٌ عنها، وقيل: نوع من الجِنان كما في قوله تعالى:
стр. 3621
﴿(١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤] عن ابن عباس ﵄: تأوي إليها أرواح الشهداء.
﴿نُزُلًا﴾ سبق تفسيره في آل عمران.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بأعمالهم.
* * *
(٢٠) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ فجنةُ مأواهم النارُ؛ أي: النار لهم مكان جنة المأوى للمؤمنين؛ كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قد سبق تفسيره.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إهانةً لهم وزيادةً في غيظهم.
* * *
(٢١) - ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾: عذابِ الدنيا مما محنوا به من الأسر والقتل والقحط سبغ سنين.
﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾: عذاب الآخرة.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعلَّ مَن بقي منهم ﴿يَرْجِعُونَ﴾: يتوبون عن الكفر.
стр. 3622
رُوي أن الوليد بن عقبةَ فاخَرَ عليًّا ﵁ يوم بدر، فنزلت هذه الآية (١).
* * *
(٢٢) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ ولم يتفكَّر فيها، و ﴿ثُمَّ﴾ مستعار للاستبعاد؛ لأن الإعراض عن مثل هذه الآيات مع وضوحها وإنارةِ برهانها وإرشادها إلى الفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعَدٌ عقلًا؛ كما تقول لصاحبك: وجدتَ مثلَ هذه الفرصةِ ثم لم تَنْتهِزها! ومنه ما في بيت الحماسة:
ولا يَكشفُ الغمَّاءَ إلَّا ابنُ حُرَّةٍ … يَرَى غَمَراتِ الموتِ ثم يَزورُها (٢)
﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ استئناف مؤذِنٌ بأن الانتقام منهم هو أشدُّ الانتقام؛ لأنَّه لمَّا بيَّن أنه أظلمُ من كلِّ ظالم، ثم دلَّ على أنه يَنتقم من كلِّ مجرم والظالمُ
стр. 3623
مجرم، كان ممَّن (١) هو أظلمُ أشدَّ انتقامًا، فلهذا المعنى وَضع ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ موضع الضمير (٢).
* * *
(٢٣) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ كما آتيناك.
﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾: في شكٍّ ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾: من لقائك الكتابَ؛ لقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦]، أي: إنك أوتيتَ ما أوتيتَ (٣) مثلَ ما أُوتيه، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤].
أو: من لقاء موسى الكتابَ، ويؤيِّده انتظامُ قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: المنزلَ على موسى ﵇ ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وأما عودُ الضمير إلى موسى ﵇؛ أي: من لقائكَ موسى، فيأباه تصديرُ النهي بأداة التفريع.
* * *
(٢٤) - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ الناسَ إلى ما فيه من الحِكَم والأحكام.
стр. 3624
﴿بِأَمْرِنَا﴾ (١) إياهم به، أو بتوفيقنا له.
﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾: لصبرهم، وقرئ: ﴿لَمَّا﴾ (٢)؛ أي: حين صبروا.
﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ لإمعانهم في النظر.
* * *
(٢٥) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقضي فيَمِيزُ الحقَّ من الباطل بتمييز المحقِّ من المبطِل.
﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين.
* * *
(٢٦) - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الواو للعطف على مقدَّرٍ من جنس المعطوف؛ أي: ألم يؤمنوا - أو: ألم تَدْعهم - ولم يَهْدِ لهم، والفاعل ما دل عليه:
﴿لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾؛ أي: كثرةُ إهلاكنا القرونَ، أو هذا الكلام كما هو بمضمونه كقولك: تعصمُ لا إلهَ إلا الله (٣) الدماءَ والأموالَ، أو ضميرُ ﴿رَبَّكَ﴾ بدلالة قراءته بالنون (٤).
стр. 3625
﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: أهل مكة يمرُّون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ قد سبق في تفسير سورة الروم وجهُ توصيف القوم بالسمع وكان الظاهر توصيفُهم بالإبصار.
* * *
(٢٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الواو لعطف الاستفهام على نظيره، وتأخيرُه عن أداتها لصدارتها.
﴿أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾؛ أي (١): التي جُرز نباتها؛ أي: قُطع؛ إما لعدم الماء، أو لأنَّه أُزيل أو رُعي، ولا يقال للَّتي لا تُنبت كالسباخ: جُرُزٌ، بدليل قوله:
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ وقيل: اسمُ موضع في اليمن.
﴿تَأْكُلُ مِنْهُ﴾ " أي: من الزرع ﴿أَنْعَامُهُمْ﴾ من عَصْفِه وتِبْنِه ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ من حبِّه وثمره، قدِّم أَكلُها على أَكلهم لأن ما تأكله من الورق والقَصيل (٢) يحصل مقدَّمًا.
﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ فيستدلون به على كمالِ فضله وقدرته.
* * *
стр. 3626
(٢٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾: النصر، أو الفصل بالحكومة، من قوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩] لا من قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، فإن إطلاق يوم الفتح على يوم القيامة لانفتاح أبواب السماء حينئذ، لا لانتصار المسلمين على الكفار.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في الوعد به.
* * *
(٢٩) - ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يومُ الفتح: يومُ القيامة لأنَّه يُفتح فيه بين المؤمنين وبين أعدائهم ويُنصرون عليهم.
وقيل: هو يومُ بدر، أو يومُ فتح مكة، والمراد بالذين كفروا: المقتولون في أحد اليومين، فإنه لا ينفعهم إيمانهم حالَ القتل ولا يُمهَلون.
وتطبيق الجواب على سؤالهم من حيث المعنى؛ لأن غرضهم من الاستفهام لم يكن طلبَ تعيين الوقت بل الاستعجال، كأنه قيل: لا تستعجلوا به فإنه إذا جاء لا ينفعكم الإيمان إن آمنتم ولا تُنظَرون إن استَنظَرتُم، و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من باب وضع الظاهرِ موضع المضمَر للتسجيل عليهم بالكفر، وأن الكفر المستمرَّ إلى وقت العذاب هو الذي يُوجِب عدم نفعِ الإيمان وينفي (١) الإنظار.
* * *
стр. 3627
(٣٠) - ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تبال بتكذيبهم، وقيل: هي منسوخة بآية السيف.
﴿وَانْتَظِرْ﴾ النصرةَ عليهم وهلاكَهم.
﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ الغلبةَ عليكم وهلاكَكم.
وقرئ: (منتظَرون) بفتح الظاء (١)؛ أي إنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم أي إن الملائكة ينتظرون هلاكهم فإنهم هالكون لا محالة.
* * *
стр. 3628
سُورَةُ الأَحْزَابِ
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ نودي ﵇ في جميع القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ و ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ تعظيمًا له وتعليمًا للعباد كيفَ ينادونه.
﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أمرَهُ بالتَّقوى تعظيمًا للتَّقوى، وإعلامًا للأمَّة بأنَّه بابٌ عظيمٌ يجبُ أنْ يُعتدَّ به ويُحافَظ عليه، والمرادُ الأمرُ بالثَّبات على ما هو عليه ليكون مانعًا له عمَّا نُهِيَ عنه بقوله:
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾؛ أي: لا تساعدهم على شيءٍ يعودُ لوهنٍ في الدِّين (١)، ولا تقبل لهم رأيًا في ذلك.
روي أنَّ أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السُّلَمي قدموا المدينة بعدَ قِتال أُحُدٍ فنزلوا على عبد الله بن أُبيٍّ، وأعطاهم رسولُ الله ﵇ الأمانَ على أنْ يكلِّموه، فقالوا له: ارفضْ ذِكْرَ آلهتنا، وقل: إنَّها تشفعُ وتنفعُ، وندعك وربَّك، وآزرهم المنافقون على ذلك، فهَمَّ المسلمون بقتْلِهم، فنزلَتْ (٢).
стр. 3629
أي: اتَّقِ الله في نقضِ العهدِ (١)، ولا تطع الكافرين من أهل مكَّة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بِخُبْثِ أعمالِهم ﴿حَكِيمًا﴾ في تأخيرِ الأمرِ بقتالهم.
* * *
(٢) - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ مِن الأمر والنَّهي.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فموحٍ إليك ما يصلحه ومغنٍ من الاستماع إلى الكفرة.
وقرئ بالياء (٢)؛ أي: إن الله خبيرٌ بمكايدهم يدفعُها عنك.
* * *
(٣) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: وفوِّض أمرَكَ إليه.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: موكولًا إليه كلُّ أمر، قال الزَّجَّاجُ: ولفظ (كفى) وإن كان ألفظه لفظ، الخبر فالمعنى: اكتفِ باللهِ (٣).
* * *
стр. 3630
(٤) - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ﴾ تنكيرُه وزيادة ﴿مِنْ﴾ في قول: ﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ بعدَ النَّفي؛ للتَّعميم والاستغراق؛ أي: ما جعلَ اللهُ لفردٍ واحدٍ مِن جملة الرِّجالِ فضلًا عن الصِّبيان والنُّسوان قَلْبَين ألبتَّة بوجهٍ من الوجوهِ.
و ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ تأكيدٌ (١)، وزيادةُ تصويرٍ للسَّامعِ ليكونَ إذا سمع تصوير جوف إنسانٍ مشتملًا على قلبَيْن، فيكون أسرعَ إلى الإنكار.
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ما جعل الزَّوجيَّة والأموميَّة في أنثى ولا الدَّعوة والبنوَّة في ذَكَرٍ، جَعَلَ نَفْيَ اجتماعِ القلبَيْن في جوفٍ أصلًا لانتفاءِ (٢) الاجتماعَيْن الآخرَيْن.
وذلكَ أنَّ العربَ تزعمُ أنَّ اللَّبيبَ له قلبان، ولذلك قيل لأبي مَعمر جميل بن أسد الفهري: ذو القَلْبَين، وكانَ رجلًا من أحفظ العرب وأرواهم، وكان يقول: إن لي قلبَيْن؛ أفهم بأحدهما أكثر ممَّا يفهم محمَّد، فأكذب الله تعالى قوله وقولهم (٣).
وضربه مثلًا في الظِّهار والتَّبني، فإنَّهم كانوا يقولون: المرأة المظاهَر عنها أمّ، ودَعِيُّ الرَّجلِ ابنُه.
стр. 3631
والمعنى: كما لم يجعلِ الله قلبَيْن في جوفٍ لأدائه (١) إلى التَّناقض - وهو أنْ يكونَ كلّ منهما أصلًا لكلِّ القُوى وغيرَ أصلٍ - لم يجعل الزَّوجةَ والدَّعيَّ اللَّذَين لا ولادة بينهما وبين أمِّه وابنه اللَّذَين بينهما وبينه ولادة.
ومعنى الظِّهار: أنْ يقولَ للزَّوجةِ: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، مأخوذٌ مِن الظَّهر باعتبار اللَّفظ، كالتَّلبيةِ مِن لبَّيكَ، وتعديتُه بـ (من) لتضمُّنه معنى التَّجنُّب، لأنَّ الظِّهار كان في الجاهلية طلاقًا، فكانوا يجتنبون المرأة المظاهَر عنها كما يجتنبون المطلَّقةَ.
ونظيرُه: آلى مِن امرأته، فإنَّه عُدِّي بـ (من) لتضمُّنه معنى التَّباعد، وإلَّا فـ (آلى) بمعنى: حلفَ، فلا يُعدَّى بـ (من).
وذِكْرُ الظَّهر في تشبيههم كنايةٌ عن البطن في التَّحريم، كأنَّهم تحاشوا عن ذكرِه لأنَّه يُقارِب ذِكْرَ الفرج، فكَنوا بالظَّهر عنه لأنَّه محمود البطن (٢)، أو للتَّغليظ في التَّحريم، فإنَّهم كانوا يحرِّمون إتيان المرأة وظهرُها إلى السَّماء.
والأدعياءُ: جمع دَعِيٍّ، وهو المَدْعُوُّ ولدًا (٣)، فَعيل بمعنى مَفعول، وحقُّه أنْ يجمع على فَعْلَى كجَرْحَى وقَتْلَى، والجمع على أفعلاء إنَّما يكون للفَعيل بمعنى الفاعل، كتَقِيٍّ وأتقياء، وشَقِيٍّ وأشقياء، فهو شاذّ عن القياس كقُتَلاءَ وأُسَراءَ، ووجهُه التَّشبيهُ اللَّفظيُّ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ، أو إلى الأخير.
стр. 3632
﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: لا حقيقةَ له ولا يطابقُ الواقع.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ ما لَهُ حقيقةٌ عينيَّةٌ مطابقةٌ (١) له.
﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: سبيلَ الحقِّ.
وفي فصلِ بعضِ الجملِ الواقعة في هذه الآية ووصلِ بعضِها ما لا يخفى على العالِمِ بعلمِ المعاني المتدرِّب في طريق (٢) النَّظم.
* * *
(٥) - ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿دْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، أي: انسبوهم إليهم، وهو إفراد للمقصود مِن أقوالِه الحقَّة، وقوله:
﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تعليلٌ له، والضَّمير لمصدر (ادع).
و ﴿أَقْسَطُ﴾ هو أفعل المستعمل لمطلق الزِّيادة، مِن القِسْطِ بمعنى العَدْلِ، ومعناه: البالغ في الصِّدق.
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ﴾؛ أي: إنْ لم تعرفوا آباءهم حتى تنسبوهم إليهم.
﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾: فهم إخوانكم في الدِّين.
﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: وأولياؤكم فيه، فقولوا: هذا أخي، و: هذا مولاي.
стр. 3633
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: إثمٌ ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قبلَ النَّهي أو بعدَه على سبيل النِّسيان أو سَبْقِ اللِّسانِ.
﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ولكنَّ الجُناحَ فيما تعمَّدْتُموه بعدَ النَّهي.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: يغفر للمخطئ ويعفو عنه، وعن العامد إذا تابَ.
* * *
(٦) - ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ في كلِّ شيءٍ مِن أمور الدِّين والدُّنيا، فإنَّه لا يأمرُهم ولا يرضى منهم إلَّا بما فيه صلاحُهم وفلاحُهم، بخلاف أنفسِهم، فيجب أن يكونَ أحبَّ إليهم من أنفسِهم، وأمرُه أنفذَ عليهم مِن أمرِها، وشفقتُهم عليه أتمَّ وأقدَمَ من شفقتِهم عليها، وحقُّه آثرَ لديهم مِن حقوقِها، وأنْ يبذلُوها دونَه، وأنْ يثَّبعوا (١) كلَّ ما دعاهم إليه وصرفَهم عنه.
روي أنَّه ﵇ أرادَ غزوةَ تبوك، فأمرَ النَّاسَ بالخروج، فقالَ ناسٌ: نستأذِنُ آباءَنا وأمَّهاتِنا، فنزلَتْ (٢).
وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (النَّبيُّ أولى بالمؤمنين مِن أنفسِهم وهو أبٌ لهم) (٣)؛ أي: في الدِّين.
стр. 3634
وقال مجاهد: كلُّ نبيٍّ فهو أبو أمَّته (١). من حيث إنَّه أصلٌ فيما به الحياة الأبديَّة، ولذلك صار المؤمنون إخوة.
﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ كنايةٌ عق التَّحريم خاصَّة - ولذلك قالَتْ عائشةُ ﵂: لسنا أمَّهات النِّساء (٢) - لا عنه وعن استحقاق التَّعظيم، إذ حينئذٍ يَنتظِم النِّساء، ويردُّه الأثرُ المذكور.
﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾: وذوو (٣) القَرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارُثِ، وهو نسخُ ما كان في صدرِ الإسلام مِن التَّوارثِ بالموالاة في الدِّين وبالهجرة.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أي: في اللَّوح، أو: فيما أوحي إلى النَّبيِّ ﵇، وهو في هذه الآية، أو آية المواريث، أو فيما فرضَ الله تعالى.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ بيانٌ لـ (أولي الأرحامِ)، وتخصيصُ المهاجرين بالذِّكْرِ بعدَ التَّعميمِ لدفعِ ما عسى أنْ يسبقَ إلى الوهم من عدمِ تناول الحكم لهم لِمَا فيهم مِن فضيلة الهجرة.
أو صلة لـ (أولي)، أي: وأولو الأرحام لحقِّ القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحقِّ الولاية في الدِّين، ومن المهاجرين بحقِّ الهجرة.
﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ استثناءٌ مُفرَّغٌ مِن أعمِّ العام من معنى
стр. 3635
النَّفع والإحسان. وانتصاب ﴿أَنْ تَفْعَلُوا﴾ على الظَّرف؛ أي: إلَّا وقتَ أنْ تفعلوا، وعدِّي بـ (إلى) لأنَّه في معنى: أنْ تُسْدوا (١).
والمرادُ بفعلِ المعروفِ: التَّوصيةُ، وبالأولياءِ: المؤمنون والمهاجرون؛ لِمَا بينهم مِن الولاية في الدِّين؛ أي: الأقرباءُ بعضُهم أولى ببعضٍ مِن الأجانب في كلِّ نفعٍ مِن ميراثٍ وهديَّةٍ وهبةٍ وصدقةٍ ومعاوَنةٍ وغيرِ ذلك، إلَّا في التوصيَّة (٢).
﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ في الآيتَيْن جميعًا ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ في اللَّوحِ المحفوظِ، أو في القرآنِ، وقيل: في التَّوراةِ.
﴿مَسْطُورًا﴾ مثبَتًا، أو مذكورًا.
* * *
(٧) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ مقدَّر بـ (اذكرْ) ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾: عهودَهم بتبليغِ الرِّسالة والدَّعوة إلى الدِّين القيِّم.
﴿وَمِنْكَ﴾ خصوصًا ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ تخصيصٌ للمشاهير وأصحاب الشَّرائع مِن الأنبياء ﵇ بالذِّكرِ؛ لبيانِ شرفِهم وفضيلتِهم، ولذلك قدَّمَ محمَّدًا (٣) ﵇ على الجميع لكونه أفضلَهم، وإنَّما قدَّم عليه نوحًا في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا
стр. 3636
إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] لأنَّ الغرضَ مِن مساقِ الكلام ثمَّةَ بيانُ أصالةِ الدِّين وقِدَمِهِ واستقامَتِهِ، فكأنَّه قالَ: شرعَ لكم الدِّين الأصيل القديم الذي وصَّينا به نوحًا في العهد القديم، والذي أوحينا إليك في العهد الحديث، ووصَّينا به مَن توسَّط بينهما من الأنبياء المشاهير، فهو دينٌ أصيلٌ قديم، اتَّفق عليه وعلى إقامته (١) الأنبياءُ كلُّهم ولم يتفرَّقوا فيه.
﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ تكريرٌ للتَّوكيد، وزيادةُ وصفٍ للميثاقِ بالعِظَمِ وفخامةِ الشَّأنِ، ولذلك نكَّره وغلَّظه؛ أي: ميثاقًا موثَّقًا بالأيمان الغِلاظ.
وسمَّاه ﴿مِيثَاقًا﴾ لا عهدًا دلالةً على توثيقه باليمين.
والغِلظُ استعارةٌ مِن وصف الأجرام لتصوير معنى القوَّة والوثاقة في الحسِّ.
* * *
(٨) - ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ تعليلٌ لـ ﴿أَخَذْنَا﴾، أي: أخذنا ميثاقَهم ليسألَ اللهُ تعالى يوم القيامة عندَ مواقفِ الأشهادِ المؤمنين الذين صدقوا عهدَهم حينَ أشهدَهم على أنفسِهم عن صِدق عهدهم، أو (٢) الأنبياء الذين صدقوا عهدهم عمَّا قالوه لقومِهم، أو تصديقهم إيَّاهم تبكيتًا لهم، أو المصدِّقين لهم عن (٣) تصديقهم، فإنَّ مصدِّقَ الصَّادق صادقٌ.
стр. 3637
﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ عطفٌ على ﴿أَخَذْنَا﴾؛ لأنَّ المعنى: أكَّدَ على الأنبياء الدَّعوةَ إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعدَّ للكافرين، أو على ما دلَّ عليه لـ ﴿لِيَسْأَلَ﴾؛ أي: فأثابَ المؤمنين، وأعدَّ للكافرين.
* * *
(٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ يعني: الأحزاب، وهم قريشٌ وغطفانُ ويهودُ قريظةَ والنَّضيرِ، وكانوا زُهاءَ اثني عَشَرَ ألفًا.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ هي الصَّبا، قال ﵇: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ" (١).
﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ هي الملائكةُ، رُوِيَ أنَّه ﵇ لَمَّا سمع بإقبالهم ضربَ الخندقَ على المدينةِ، ثمَّ خرج إليهم في ثلاثةِ آلافٍ، فضرب مُعَسكره (٢) والخندقُ بينَه وبينَ القومِ، ومضى على الفريقَيْن قريبٌ مِن شهرٍ لا حربَ بينَهم إلَّا التَّراميَ بالنَّبْلِ والحجارةِ، حتى بعثَ اللهُ تعالى عليهم صبًا باردةً في ليلةٍ شاتيةٍ، فأَخصرتهم (٣) وسفَتِ التُّراب في وجوهِهِم، وأطفأَتْ نيرانَهم، وقلعَتْ خيامَهم، وماجَت الخيلُ بعضُها في بعضٍ، وقُذِفَ في قلوبِهم الرُّعْبُ، وكَبَّرَتِ
стр. 3638
الملائكةُ في جوانب العسكرِ، فقال طليحةُ بن خويلد الأسدي: أمَّا محمَّدٌ فقد بدأَكُمْ بالسِّحرِ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فانهزموا مِن غيرِ قتالٍ (١).
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: مِن ضَرْبِ الخندقِ وغيرِه ﴿بَصِيرًا﴾.
وقرئ بالياء (٢)، أي: بما يعملُ المشركون واليهودُ مِن التَّحزُّبِ والتَّضام (٣).
* * *
(١٠) - ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ بدل مِن ﴿إِذْ جَاءُتْكُمْ﴾.
﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: مِن أعلى الوادي مِن قِبَلِ المشرفِ بنو غَطفان.
﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، أي: مِن أسفل (٤) الوادي مِن قِبلِ المغربِ (٥) قريشٌ.
لم يقل: ومن تحتكم، مع ما فيه من رعاية المقابلة والاختصار، إظهارًا لِمَا في مقابلِه مِن التَّجوُّز، وإنَّما اختير ذلك لأنَّه أحسنُ لفظًا ومعنًى من: أعلى منكم (٦).
﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: مالَتْ عن مُستوى نظرها حيرةً وشخوصًا.
стр. 3639
﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ رُعبًا، فإنَّ الرِّئةَ تنتفخُ عندَ شدَّة الخوف، فتربو ويرتفع القلبُ بارتفاعها.
بلوغُ القلبِ الحنجرة مثل في شدَّة الخفقانِ واضطرابِ القلبِ؛ فإنَّ صاحبَ الخفقانِ الشَّديدِ يتوهَّمُ مِن شدَّةِ انتفاخ الرِّئةِ أنَّ قلبَه بلغَ الحنجرةَ، وهي رأسُ قصبة الرِّئة، وهي مخرج النَّفَسِ.
﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: الظُّنونَ المختلفةَ، والخطابُ (١) للمؤمنين، فمنهم الأقوياء الثُّبَّتُ الأقدام، يظنُّون الابتلاءَ مِن الله تعالى وإنجازَ وعدِه بالنَّصر، ومنهم مَن يخافُ الزَّللَ وضعفَ الاحتمال، ومنهم الضِّعافُ (٢) الذين يشكُّون في أمرِهم ويستأذنون، والمنافقون - على ما حكى الله تعالى عنهم - يظنُّون أنَّ المسلمِينَ يُستأصَلونَ.
* * *
(١١) - ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: اختُبِروا ليتميَّزَ المخلِصُ مِن المنافقِ والثَّابتُ مِن المتزلزِلِ.
﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾: وأُزْعِجوا أشدَّ إزعاجٍ (٣) مِن شِدَّة الفَزَعِ، فالزِّلزالُ: الاضطرابُ العظيمُ.
* * *
стр. 3640
(١٢) - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعفُ اعتقادٍ.
﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾: وعدًا باطلًا، أرادوا به ما وعدَهُ اللهُ تعالى مِن إعلاءِ الدِّين والظَّفَرِ على المشركين.
* * *
(١٣) - ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ هم (١) أوسُ بنُ قَيْظيٍّ ومَن وافَقَهُ.
﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾: اسم المدينة، وقيل: اسم أرضٍ وقعَتِ المدينةُ في ناحيةٍ منها.
﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾: لا مَوضِعَ قيامٍ لكم هاهنا.
وقرئ بالضَّم (٢) على أنَّه مكانٌ أو مصدرٌ مِن أقام.
﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى المدينة، وانخَزِلُوا (٣) عن معسكرِ الرَّسولِ إلى منازلِكم.
وقيل: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بالمدينةِ أنْ نقيمَ على دينِ محمَّدٍ، ﴿فَارْجِعُوا﴾ كفَّارًا مشركين، وأسلِموا محمَّدًا حتى يمكنكم المقام بها.
﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ﴾ للرُّجوعِ.
стр. 3641
﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ بسكون الواو وبكسرها (١)، فالعَوْرَةُ بالسُّكون: الخللُ، مبالغةً في وصفِها بالعَوَرِ، كأنَّ أنفسَها عورة، وبالكسرِ: ذاتُ العَوَرِ؛ يقال: عَوِرَ المكانُ عَوَرًا: إذا بدا فيه خَللٌ يُخافُ منه العدوُّ والسَّارق، ويجوز أن يكون (عَوْرَة) مخفَّف (عَوِرة).
﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ بل هي حصينةٌ.
﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾: وما يريدون بذلك إلا الفِرار مِن القِتالِ.
* * *
(١٤) - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾: دُخِلَتِ المدينةُ أو بيوتُهم.
﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾: من جوانبِها، وحذف الفاعل للإيماءِ بأنَّ دخولَ هؤلاء المتحزِّبين عليهم، ودخولَ غيرهم من العساكر، سيَّانِ في اقتضاء الحكم المترتِّبِ عليه.
﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾: الرِّدَّةَ ومقاتلةَ المسلمين.
﴿لَآتَوْهَا﴾: لأَعْطَوها؛ وقرئ بالقصر (٢)؛ أي: لجاؤوها وفعلوها.
﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا﴾؛ أي: بالفتنة، أو: بإعطائها ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ ريثما يكون السُّؤال والجواب مِن غير توقُّف.
стр. 3642
أو: بالمدينة؛ أي: ما لبثوا بها بعدَ الارتداد إلَّا زمانًا يسيرًا، أو لبثًا يسيرًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى يهلكُهم ويستأصلُهم.
* * *
(١٥) - ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارِ﴾ عن ابن عباس ﵄: عاهدوا رسولَ اللهِ ﵇ ليلةَ العقبةِ أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم (١).
وقيل: قوم غابوا عن بدرٍ، فقالوا: لَئِنْ أشهدَنا اللهُ قتالًا لنقاتِلن (٢).
وعن محمَّدِ بنِ إسحاقَ هم بنو حارثةَ، عاهدوا يومَ أُحُدٍ رسولَ اللهِ ﵇ حينَ فَشِلُوا، ثمَّ تابوا أنْ لا يفروُّا (٣) بعدَ أنْ نزلَ فيهم ما نزلَ.
﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ عن الوفاءِ به، مجازًى عليه؛ أي: شأنه (٤) ذلك.
* * *
(١٦) - ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ نفعًا تامًّا في دفعِ الأمرَيْن
стр. 3643
المذكورَيْن بالكليَّة؛ إذْ لا بُدَّ لكلِّ شخصٍ مِن حَتْفِ أنفٍ أو قتلٍ في وقتٍ، لا لأنَّه سبق به القضاء لأنَّه تابع للمقضيِّ (١) فلا يكون باعثًا له، بل لأنَّه مقتضَى ترتُّب الأسباب والمسبَّبات بحسب العادة على مقتضى الحكمة، فلا دلالة فيه على أنَّ الفِرارَ لا يغني شيئًا حتى يُشْكِلَ هذا بالنَّهي الواقع في الكتاب عن إلقاءِ النَّفسِ بالتَّهلُكة وبالأمرِ الواقِع في السُّنَّةِ بالفرار عن المضارِّ، كيف وقد دلَّ (٢) قولُه:
﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ على أنَّ في الفرارِ نفعًا (٣) في الجملةِ؛ إذِ المعنى: لا تمتَّعون على تقديرِ الفرار إلَّا مَتاعًا قليلًا أو زمانًا قليلًا (٤).
وعن بعض المروانيَّة: أنَّه مرَّ بحائط مائل فأسرع، فتليت له هذه الآية، فقال: ذلك القليلَ نطلب (٥).
* * *
(١٧) - ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: ممَّا أرادَ اللهُ إنزالَه بكم ﴿اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ
стр. 3644
سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ العصمةُ: هي المحافظةُ من السُّوء فلا يكون مِن الرَّحمةِ، فاقترانُها بالسُّوء في حكمِ العصمة على طريقة عطف عاملٍ حُذِفَ وبقي معمولُه على عاملٍ آخر يجمعُهما معنًى واحدٌ اختصارًا، أي: أو يصيبكم بسوءٍ إنْ أرادَ بكم رحمةً.
ويجوز أن تكون الرَّحمةُ قرينةَ السُّوء في العِصمةِ؛ لأنَّها في معنى المنعِ، كما كان الرُّمحُ قرينَ السيَّفِ في قولِه:
متقلِّدًا سيفًا ورمحًا (١)
في التَّقلُّدِ؛ لأنَّه في معنى الحملِ فلا يحتاجُ إلى تقديرِ: ومعتقِلًا (٢).
﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا﴾ ينفعُهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفعُ الضَّررَ عنهم.
* * *
(١٨) - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ ﴿قَدْ﴾ هنا للتَّحقيق، وإنْ دخلَ على المضارع.
﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾: المثبِّطينَ النَّاسَ عن الرِّسول ﵇، وهم المنافقون.
﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ مِن ساكني المدينةِ:
﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورة الأنعام.
стр. 3645
﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: إتيانًا قليلًا، أو: زمانًا قليلًا، أو: ناسًا قليلًا" أي: يخرجون معكم يوهمون المؤمنين أنَّهم معهم ولا يقاتلون إلَّا قتالًا قليلًا إذا اضطروا إليه، لقوله: ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] (١).
* * *
(١٩) - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: بخلاءَ عليكُم (٢) وقتَ الأمنِ، أو بالمعاونة، أو النَّفقةِ في سبيلِ اللهِ، أو (٣) الغنيمةِ عندَ الظَّفرِ.
جمعُ شحيحٍ، نصب على الحال مِن فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾، أو ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾، أو ﴿وَالْقَائِلِينَ﴾، أو على الذَّمِّ.
﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾؛ أي: وقت الحرب ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ لواذًا بك ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في موضعِ الحالِ، أي: دائرة أعينهم. والكاف في: