﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ بسكون الواو وبكسرها (١)، فالعَوْرَةُ بالسُّكون: الخللُ، مبالغةً في وصفِها بالعَوَرِ، كأنَّ أنفسَها عورة، وبالكسرِ: ذاتُ العَوَرِ؛ يقال: عَوِرَ المكانُ عَوَرًا: إذا بدا فيه خَللٌ يُخافُ منه العدوُّ والسَّارق، ويجوز أن يكون (عَوْرَة) مخفَّف (عَوِرة).
﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ بل هي حصينةٌ.
﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾: وما يريدون بذلك إلا الفِرار مِن القِتالِ.
* * *
(١٤) - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾: دُخِلَتِ المدينةُ أو بيوتُهم.
﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾: من جوانبِها، وحذف الفاعل للإيماءِ بأنَّ دخولَ هؤلاء المتحزِّبين عليهم، ودخولَ غيرهم من العساكر، سيَّانِ في اقتضاء الحكم المترتِّبِ عليه.
﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾: الرِّدَّةَ ومقاتلةَ المسلمين.
﴿لَآتَوْهَا﴾: لأَعْطَوها؛ وقرئ بالقصر (٢)؛ أي: لجاؤوها وفعلوها.
﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا﴾؛ أي: بالفتنة، أو: بإعطائها ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ ريثما يكون السُّؤال والجواب مِن غير توقُّف.
стр. 3642
أو: بالمدينة؛ أي: ما لبثوا بها بعدَ الارتداد إلَّا زمانًا يسيرًا، أو لبثًا يسيرًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى يهلكُهم ويستأصلُهم.
* * *
(١٥) - ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارِ﴾ عن ابن عباس ﵄: عاهدوا رسولَ اللهِ ﵇ ليلةَ العقبةِ أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم (١).
وقيل: قوم غابوا عن بدرٍ، فقالوا: لَئِنْ أشهدَنا اللهُ قتالًا لنقاتِلن (٢).
وعن محمَّدِ بنِ إسحاقَ هم بنو حارثةَ، عاهدوا يومَ أُحُدٍ رسولَ اللهِ ﵇ حينَ فَشِلُوا، ثمَّ تابوا أنْ لا يفروُّا (٣) بعدَ أنْ نزلَ فيهم ما نزلَ.
﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ عن الوفاءِ به، مجازًى عليه؛ أي: شأنه (٤) ذلك.
* * *
(١٦) - ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ نفعًا تامًّا في دفعِ الأمرَيْن
стр. 3643
المذكورَيْن بالكليَّة؛ إذْ لا بُدَّ لكلِّ شخصٍ مِن حَتْفِ أنفٍ أو قتلٍ في وقتٍ، لا لأنَّه سبق به القضاء لأنَّه تابع للمقضيِّ (١) فلا يكون باعثًا له، بل لأنَّه مقتضَى ترتُّب الأسباب والمسبَّبات بحسب العادة على مقتضى الحكمة، فلا دلالة فيه على أنَّ الفِرارَ لا يغني شيئًا حتى يُشْكِلَ هذا بالنَّهي الواقع في الكتاب عن إلقاءِ النَّفسِ بالتَّهلُكة وبالأمرِ الواقِع في السُّنَّةِ بالفرار عن المضارِّ، كيف وقد دلَّ (٢) قولُه:
﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ على أنَّ في الفرارِ نفعًا (٣) في الجملةِ؛ إذِ المعنى: لا تمتَّعون على تقديرِ الفرار إلَّا مَتاعًا قليلًا أو زمانًا قليلًا (٤).
وعن بعض المروانيَّة: أنَّه مرَّ بحائط مائل فأسرع، فتليت له هذه الآية، فقال: ذلك القليلَ نطلب (٥).
* * *
(١٧) - ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: ممَّا أرادَ اللهُ إنزالَه بكم ﴿اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ
стр. 3644
سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ العصمةُ: هي المحافظةُ من السُّوء فلا يكون مِن الرَّحمةِ، فاقترانُها بالسُّوء في حكمِ العصمة على طريقة عطف عاملٍ حُذِفَ وبقي معمولُه على عاملٍ آخر يجمعُهما معنًى واحدٌ اختصارًا، أي: أو يصيبكم بسوءٍ إنْ أرادَ بكم رحمةً.
ويجوز أن تكون الرَّحمةُ قرينةَ السُّوء في العِصمةِ؛ لأنَّها في معنى المنعِ، كما كان الرُّمحُ قرينَ السيَّفِ في قولِه:
متقلِّدًا سيفًا ورمحًا (١)
في التَّقلُّدِ؛ لأنَّه في معنى الحملِ فلا يحتاجُ إلى تقديرِ: ومعتقِلًا (٢).
﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا﴾ ينفعُهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفعُ الضَّررَ عنهم.
* * *
(١٨) - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ ﴿قَدْ﴾ هنا للتَّحقيق، وإنْ دخلَ على المضارع.
﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾: المثبِّطينَ النَّاسَ عن الرِّسول ﵇، وهم المنافقون.
﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ مِن ساكني المدينةِ:
﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورة الأنعام.
стр. 3645
﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: إتيانًا قليلًا، أو: زمانًا قليلًا، أو: ناسًا قليلًا" أي: يخرجون معكم يوهمون المؤمنين أنَّهم معهم ولا يقاتلون إلَّا قتالًا قليلًا إذا اضطروا إليه، لقوله: ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] (١).
* * *
(١٩) - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: بخلاءَ عليكُم (٢) وقتَ الأمنِ، أو بالمعاونة، أو النَّفقةِ في سبيلِ اللهِ، أو (٣) الغنيمةِ عندَ الظَّفرِ.
جمعُ شحيحٍ، نصب على الحال مِن فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾، أو ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾، أو ﴿وَالْقَائِلِينَ﴾، أو على الذَّمِّ.
﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾؛ أي: وقت الحرب ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ لواذًا بك ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في موضعِ الحالِ، أي: دائرة أعينهم. والكاف في:
стр. 3646
﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ﴾ في موضع النَّصب على المصدر: إما مِن ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: نظرًا مثلَ نظر الذي يُغشَى عليه، أو مِن ﴿تَدُورُ﴾؛ أي: دورانًا مثلَ دوران عَيْنِ الذي يُغشَى عليه.
﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: مِن شِدَّةِ سكراتِ الموتِ خوفًا أو جُبْنًا (١).
﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحيزت الغنائم ﴿سَلَقُوكُمْ﴾: ضربوكم ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: ذَربةٍ يطلبون الغنيمة، بعدَ أنْ كانَتْ حصرةً بالخوف.
قال قُطْرُب: سلقْتُ المرءَ وصلقْتُ؛ أي: صحْتُ به، وأصلُه: رفعُ الصَّوتِ.
قال ﵇: "ليس منَّا مَنْ حَلَقَ أو سَلَقَ" (٢)؛ أي: حلَقَ شعرَه عند المصيبة، أو رفع صوته بالنِّياحة.
﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ حالٌ من ضمير ﴿سَلَقُوكُمْ﴾، أو نصب على الذَّمِّ، ويؤيِّده مَن قرأه بالرَّفع (٣)، وليس بتكريرٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما يفيد فائدةً أخرى.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إخلاصًا والفاء في: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ للسَّببيَّة؛ أي: أبطلَ اللهُ تعالى ما عملوه مِن أعمالِ البِرِّ بسبب نفاقِهم وعدم إيمانهم حقيقة، فإنَّه شرطُ صحَّة العبادة وقَبولها.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإحباط ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: هيِّنًا؛ لتعلُّق إرادته مِن غيرِ مانعٍ يمنعُه.
* * *
стр. 3647
(٢٠) - ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ مِن شدَّة الجبنِ والخوفِ، ففرُّوا إلى المدينة وقد انهزمَ الأحزابُ، وهم مِن استيلاءِ الفَزَعِ عليهم لا يصدِّقونَ بذلك.
﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ كرَّةً أخرى ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ تمنَّوا أنَّهم خارجون إلى البدوِ بينَ (١) الأعرابِ ﴿يَسْأَلُونَ﴾ كلَّ قادمٍ مِن جانبِ المدينةِ ﴿عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ وما جرى عليكم.
﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ هذه الكرَّة، ولم يفرُّوا إلى المدينةِ، ووقع قتالٌ ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾: إلَّا قتالًا قليلًا؛ رياءً وخوفًا مِن التعيير.
* * *
(٢١) - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: خصلةٌ ﴿حَسَنَةٌ﴾ يجبُ أنْ يُؤتَسى به، وهي المصابرة على الجهاد، والثَّبات في المحاربة، ومقاساة الشَّدائدِ.
والأولى بفصاحة القرآن أن تكون ﴿فِي﴾ [في] (٢) قوله: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ للتَّجريد؛ أي: لقد كان لكم رسولُ الله بنفسِه أُسوةٌ حسنةٌ؛ أي: هو قدوةٌ يجبُ أنْ يُقتدَى به، كما تقولُ: لي من فلان صديقٌ صادق، ومعناه: المبالغةُ في الصَّداقة؛ كأنَّ فيه مِن كمال صداقتِه صديقٌ آخرُ.
стр. 3648
﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يرجو ثوابَ اللهِ، أو لقاءَه والعاقبةَ المحمودةَ، وهي نعيمُ الآخرة، أو أكَد أم اللهِ واليومَ الآخر خصوصًا.
ويجوزُ أن يكون ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾ مِن باب التَّوطئةِ، كما تقولُ: رجوْتُ زيدًا وفضلَه (١)؛ أي: فضلَ زيدٍ.
والرَّجاءُ هاهنا يجوز أن يكون بمعنى الأمل، وبمعنى الخوف.
و ﴿لِمَنْ كَانَ﴾ صفةٌ لـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿أُسْوَةٌ﴾، وقيل: بدلٌ من ﴿لَكُمْ﴾، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥]، والأكثر على (٢) أنَّ ضميرَ المخاطَب لا يُبدَلُ منه.
﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قرَنَ الرَّجاءَ بالذِّكرِ الكثيرِ المؤدِّي إلى ملازمةِ الطَّاعةِ؛ لئلَّا يكون رجاؤه طَمعًا فارغًا؛ فإنَّ المقتديَ برسول الله ﷺ مَن كانَ كذلك.
* * *
(٢٢) - ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لأنَّهم وُعِدوا أنْ يُزَلْزَلوا (٣) حتى يستغيثوا ويستنصِروه في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، وفي قوله ﵇: "سيشتدُّ (٤) الأمرُ باجتماعِ الأحزابِ عليكم، والعاقبةُ لكُم
стр. 3649
عليهم" (١)، وقوله ﵇: "إن الأحزاب سائرون إليكم بعد تسع أو عشر" - أي: في آخرِ تسعِ ليالٍ أو عشرٍ - فلمَّا رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك (٢).
و ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى الخَطْبِ أو البلاءِ، إيمانًا بالله وبوعدِه، وتسليمًا لقضائِه وقدرِه.
وإظهارُ الاسمَيْن في قولِه: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ للتَّعظيمِ؛ أي: ظهرَ صِدْق خبرهما، أو صَدَقا في النَّصر والثَّواب كما صَدَقا في البلاء.
﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ضمير الفاعل فيه لِمَا رأوا، أو لِلمُشَارِ إليه بـ ﴿هَذَا﴾ مِنَ الخَطْبِ أو البلاء.
﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ باللهِ ومواعيدِه ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأوامرِه وتقاديرِه.
* * *
(٢٣) - ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ التَّنكير للتَّفخيم.
﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: صَدَقوا فيما عاهدوا عليه من الثَّبات مع الرَّسول، والمصابرة على قِتالِ أعداءِ الدِّين، فحذف الجارّ كما في المثل: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ (٣)؛ أي: صَدَقَني في سِنِّ بَكرِهِ.
стр. 3650
نذرَ رجالٌ مِن الصَّحابة ﵃ أنَّهم إذا لَقُوا حربًا مع رسولِ الله ﷺ ثَبتوا وقاتلوا حتى يُستَشهَدوا، وهم عثمانُ بنُ عفَّانَ، وطلحة، وسعدُ بنُ زيدٍ، وحمزةُ، ومصعبٌ، وغيرُهم ﵃ (١).
ويجوز أنْ يُجعَلَ المعاهَدَ عليه مَصدوقًا على المجازِ، كأنَّهم قالوا له: سنفي بك، فإذا وفَوا به فقد صَدَقوه، مِن قولِكَ: صَدَقني أخوك: إذا قالَ لكَ الصِّدقَ.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: نَذْرَهُ (٢) بأنْ قاتلَ حتَّى استُشْهِد كحمزةَ ومصعبٍ وأنسٍ ﵃.
قيل: والنَّحْبُ استعارةٌ للموتِ؛ فإنَّ الموتَ لازمٌ لكلِّ حيوان، فكأنَّه نَذْرٌ لازمٌ في رقبتِهِ، فإذا ماتَ قضى نحبَه.
كأنَّ هذا القائلَ غافلٌ عن النَّذرِ المذكور في سببِ النُّزولِ؛ لأنَّ مُوجَبه أنْ يكونَ النَّحْبُ على حقيقتِه، وقضاء نذرِهم (٣) يجوز أنْ يكونَ كنايةً عن شهادتِهم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ كعثمانَ وطلحةَ ﵄.
﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ العهدَ، ولا غَيَّروه، لا المستشهَدُ ولا مَنِ انتظرَ الشَّهادة.
стр. 3651
ولقدْ ثبَتَ طلحةُ مع رسولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحِدٍ حتَى أصيبَتْ يدُه، فقال رسول الله ﷺ : "أوجَبَ طلحةُ" (١)؛ أي: الجنَّة.
﴿تَبْدِيلًا﴾: شيئًا مِن التَّبديل، تعريضًا لِمَن بَدَّلَ مِن أهلِ النِّفاقِ وتبديلِهم، ولذلك قال:
* * *
(٢٤) - ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ تعليلًا للمَنطوقِ، والمعرَّضُ به جَعْلُ المنافقين كأنهم قَصدوا بالتَّبديل عاقبةَ السُّوءِ كما قصدَ الصَّادقون بوفائِهم عاقبةَ الصِّدقِ، فاللَّامُ مجازٌ للعاقبةِ، فإنَّها وإنْ أمكنَ حملُها على الحقيقة بالنِّسبة إلى الصَّادقين، لكنْ لا يمكِنُ حملُها عليها بالنِّسبة إلى المنافقين؛ لأنَّ التَّعذيب لم يكن غرضًا لهم، ولا يُستعمل اللَّفظُ الواحدُ حقيقةً ومجازًا في استعمالٍ واحدٍ، فيجبُ حملُها على المجازِ؛ لأنَّ كِلَا الفريقَيْنِ مَسوقٌ إلى عاقبتِه (٢) مِن الثَّواب والعقاب.
﴿إِنْ شَاءَ﴾ إذا لم يتوبوا ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إذا تابوا، ويجوزُ أنْ يُرادَ: يعذِّبُهم إنْ شاءَ أو يوفِّقُهم للتَّوبةِ.
﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، أي: مِن حصونِهم، جمع صِيصِيَة، وهي ما يُتحصَّنُ به مِن حصنٍ وغيره.
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: الفزعَ والخوفَ.
﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ إنَّما أخَّره عن قوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ﴾ وغيَّر النَّظمَ للدِّلالة على أنَّ الكلَّ منحصِرٌ في الفريقَيْن.
قيل: كان بنو قريظة ذمَّة (١) رسول الله ﷺ ، فنقضوا العهدَ باستدعاءِ أبي سفيانَ، وجاؤوا لمحاربة المسلمين، فلمَّا فرغَ رسولُ الله ﷺ من قريشٍ، ودخل الحُجْرةَ، ووضع (٢) السِّلاح، سمعَ وجبة على باب الحجرة، فنظرَ فإذا هي جبريلُ ﵇ على فرسٍ أبلقَ وعلى ثيابه (٣) النَّقع، فقال: يا رسول الله، وضعت السِّلاح ونحنُ ما وضعنا أسلحتنا بعدُ! إنَّ الله تعالى يأمرُكَ أنْ لا تصلِّيَ العصر إلَّا ببني قريظة، فنادى رسول الله ﷺ بذلك (٤) في المسلمين، فخرجوا إليه، ولحقَ بهم رسولُ الله ﷺ ، وحاصرَهم أحدًا وعشرين يومًا، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، فحكم بأنْ يُقتَلَ مقاتليهم ويُسبَى ذراريهم ونساؤهم، وتُغنم أموالُهم، فقال ﵇: "لقد حكمْتَ بحكمِ اللهِ تعالى فيهم "، ففعل ذلك، ومَنَّ اللهُ تعالى على المسلمين بذلك (٥).
стр. 3654
(٢٧) - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾: مزارعَهم ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾: حصونَهم ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾: نقودَهم ومواشيهم وأثاثهم؛ أي: جعلَها لكم بعدَهم.
﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾؛ أي: لم تصيروا إليها بعدُ قاصدين قتالَ أهلِها، وهذا وعدٌ لهم بإحراز أرضٍ أخرى، قيل: هي أرض فارس والرُّوم، وقيل: هي مكَّة، وقيل: هي خيبر وفَدَك.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فيقدِرُ على ذلك.
* * *
(٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ ذِكْرُ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ توطئةٌ وتمهيدٌ (١) للاختصاص؛ أي: إنْ كُنتُنَّ تردْنَ زينةَ الحياةِ الدُّنيا، وكذا ذِكْرُ ﴿اللَّهَ﴾ في ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فإنَّه لاختصاص الرَّسولِ به.
стр. 3655
﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ أصل تعالَ: أنْ يقولَه مَن في المكان المرتفع العالي لمن في المكان المستوطي، ثمَّ كثرَ حتى استوَتْ في استعماله الأمكنة.
ومعنى (تعالَيْنَ) هنا: أقبلْنَ بإرادتِكُنَّ واختيارِكُنَّ لأحَدِ أمرَيْنِ، ولم يُرِدْ نهوضهُنَّ إليه بأنفسهِنَّ، كقولِكَ: قامَ يهدِّدني.
﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾: أُعْطِكُنَّ (١) متعةَ الطِّلاقَ.
﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ التَّسريحُ كنايةٌ عن رفعِ النكّاحِ، وذلك بوقوعِ البينونةِ.
﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: لا ضرارَ فيه، أردْنَ شيئًا مِن الدُّنيا مِن ثيابٍ وزيادةِ نفقةٍ، وتغايرْنَ، فغمَّ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ فنزلَتْ، فبدأ بعائشةَ ﵂، وكانت أحبَّهُنَّ إليه فخيَّرها، وقرأ عليها القرآنَ، فاختارَتِ اللهَ ورسولَه والدَّار الآخرة، فرُئِيَ الفرحُ في وجهِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ثمَّ اختارَتْ جميعُهنَّ اختيارَها (٢)، فشكرَ لهنَّ اللهُ فأنزلَ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٢] (٣).
وتعليقُ التَّسريحِ بإرادتهنَّ زينةَ الدُّنيا وجعلُها قسيمةَ إرادتهنَّ (٤) الرَّسولَ دليل على أنَّها إذا اختارَتْ زوجَها لا تقعُ البينونة، وأمَّا أنَّه لا يقع الطَّلاق أصلًا فلا دلالة فيما ذُكِرَ عليه؛ لِمَا نبَّهْتُ عليه آنفًا أنَّ التَّسريحَ ينبئ عن البينونةِ.
العاصي، وزيادةُ العقابِ تتبعُ زيادةَ قبحِ المعصية، ولذا فضل (١) حدُّ الأحرارِ على العبيدِ، ولا يرجم (٢) الكافرُ، وعُوتِبَ الأنبياءُ ﵈ بما (٣) لا يُعاتَبُ به غيرُهم مِن الصَّغائرِ.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾، أي: التضعيف ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يمنعُه عنه كونهنَّ نساءَ النَّبيِّ ﵇، بل هو السَّببُ له، فكيفَ يصيرُ صارفًا عنه.
* * *
(٣١) - ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾.
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ تدم (٤) على الطَّاعةِ ﴿لِلَّهِ﴾ تعالى ﴿وَرَسُولِهِ﴾ ﵇، وذكر (الله) هنا كَذِكْرِه في قوله: ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ لأنَّ طاعتَه طاعةُ اللهِ، كما قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾: مرَّةً على الطَّاعةِ، ومرَّةً على طلبهنَّ رضاءَ النَّبيِّ ﵇ بالقَناعةِ وحُسْنِ المعاشرة.
وقرئ: ﴿ويعمَلْ﴾ (٥) أيضًا بالياء حملًا على لفظ (من)، و ﴿يُؤْتِهَا﴾ على أن فيه ضميرَ اسم الله (٦).
стр. 3658
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ في الجنَّةِ زيادةً على أجرِها.
* * *
(٣٢) - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ في الفضلِ.
و (أحد) في الأصل: وَحَدٌ بمعنَى واحدٍ، واستُعمل في النَّفي العام مستويًا فيه المذكَّر والمؤنَّث والواحد وما فوقه، ولذلك جاء هاهنا بمعنى جماعة واحدة مِن جماعات النِّساء.
﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الظَّاهر أنَّه بمعنى: استقبلتُنَّ (١) أحدًا.
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾: فلا تقلْنَ قولًا خاضعًا ليِّنًا حسنًا، كقول المُرِيْبات (٢).
واتَّقى بمعنى استقبل معروفٌ في اللُّغة؛ قال النَّابغةُ:
سقطَ النَّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَهُ … فَتَناوَلَتْهُ واتِّقَتْنا باليَدِ (٣)
أي: استقبلَتْنا باليد، وهذا المعنى أبلغُ في مدحهِنَّ؛ إذْ لم يُعَلِّقْ فضيلتَهُنَّ على التَّقوى، ولا عَلَّقَ نهيَهُنَّ عن الخضوع بها؛ إذ هُنَّ مُتَّقياتٌ في أنفسهنَّ، والتعليقُ ظاهرُه يقتضي أنهنَّ لسْنَ مُتحلِّيات بالتَّقوى (٤).
стр. 3659
﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾: ريبةٌ وفجورٌ. وقرئ بالجزم (١) عطفًا على محلِّ النَّهي على أنَّه نهيٌ لمريض (٢) القلب عن الطَّمع عقيب نهيهنَّ عن الخضوع بالقولِ، أي: لا يخضعْنَ فلا يطمعِ الفاجرُ.
﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: حسنًا مع كونه خَشنًا بعيدًا عن الرِّيبةِ.
* * *
(٣٣) - ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ مِن وَقَرَ يَقِرُ وقارًا، أو مِن قَرَّ يَقِرُّ قَرارًا بحذف الأوَّل من راءَي اِقْرِرْنَ ونقلِ كسرتها إلى القاف، والاستغناءِ بها عن همزة الوصل، كقولك: ظِلْنَ، بكسر الظَّاء.
وقرئ: ﴿وَقَرْنَ﴾ بفتح القاف (٣)، وأصلُه اِقرَرْنَ، فحُذِفَتِ الرَّاءُ، ونُقِلَتْ فتحتُها إلى القافِ، كقولكَ: ظَلْنَ (٤) بالفتح.
стр. 3660
وقيل: مِنْ قارَ يقارُ: إذا اجتمعَ، ومنه: القارَةُ للخيل لاجتماعِه.
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ التَّبرُّجُ: الخروج بالزِّينة.
﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: تبرُّجًا مثل تبرُّجِ النِّساءِ في أيَّامِ الجاهليَّة القديمة (١)، التي يُقالُ لها: الجاهلية الجهلاء، وهي الزَّمنُ الذي وُلدَ فيه إبراهيم ﵇، كانَتِ المرأةُ تلبسُ الدِّرعَ من اللُّؤلؤِ، فتمشي وسط الطَّريق تعرضُ نفسَها على الرِّجال.
وقيل: ما بين آدم ونوحٍ ﵉.
وقيل: بين إدريس ونوحٍ ﵉.
وقيل: زمن (٢) داود وسليمان.
والجاهليَّةُ الأخرى: ما بينَ عيسى ومحمَّدٍ ﵉.
ويجوز أن تكون الجاهليَّة الأولى: جاهليَّةُ الكُفْرِ قبلَ الإسلام، والجاهليَّة الأخرى: الفسوق في الإسلام؛ أي: لا تُحدِثْنَ بالتَّبرُّج جاهليَّة (٣) في الإسلام تتشبَّهْنَ بها بأهل جاهليَّة الكفر.
ويعضده ما رُوِيَ أنَّ رسول الله ﷺ قال لأبي الدَّرداء ﵁: "إنَّ فيك جاهليَّة"، قالَ: جاهليَّةُ كفرٍ أم إسلامٍ؟ قال: "بل جاهليَّةُ كفرٍ" (٤).
стр. 3661
﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سائرِ ما أمرَ به ونهى عنه، أمرَهُنَّ بالصَّلاة والزَّكاة على الخصوصِ، ثمَّ بالطَّاعةِ على العموم، اعتناءً بشأنِهما، وإيماءً إلى ألَهما أصلُ جميعِ الطَّاعات البدنيَّة والماليَّة، مَن اعتنى بهما حقَّ الاعتناءِ جرَّتاه إلى جميعها.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ استئنافٌ لتعليلِ أمرهِنَّ ونهيهِنَّ بما أمرهنَّ به ونهاهنَّ عنه.
﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾: الذَّنب المدنِّس لعرضكم.
﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصب على النِّداء أو على المدح.
﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ عن المعاصي ﴿تَطْهِيرًا﴾ استعار الرِّجسَ للمأثم، والطُّهرَ للتَّقوى؛ للتَّنفيرِ عن القبائحِ، والتَّرغيبِ في المحاسنِ.
وفي (١) التَّصريح والتَّخصيص بأهل البيت تعظيمٌ للنَّبي ﵇ وبيانٌ لشرفِ أهلِ بيتِه.
* * *
(٣٤) - ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾.
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ لَمَّا وعظهُنَّ بما يزكِّي نفوسهُنَّ جمعَ إلى أعمال التَّزكية ما يحلِّي قلوبهنَّ مِن العلم والحكمة، فذكَّرهنَّ ما يُتلَى في بيوتهنَّ مِن الكتاب الجامع بينَ الآيات الدَّالة على التَّوحيد والنُّبوَّة، وبينَ الحِكَم والشَّرائع المقنَّنة (٢) ..........................................................
стр. 3662
بقوانين العدالة في مهابط الوحي ومنازل العلم والهداية، فيجب عليهنَّ أن يحفظْنَه ولا يغفلْنَ عنه.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ حيثُ حثَّ على (١) ما يصلحُكم وينفعُكم، فأنزلَ عليكم وأخبركم به، وفيه تحريضٌ على الائتمار والانتهاء.
* * *
(٣٥) - ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾: الداخلين في السِّلم (٢)، المنقادين لحكم الله.
﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: المصدِّقين بما يجبُ أنْ يصدَّقَ به.
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ المداوِمين على الطَّاعة.
﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ في نيَّاتهم وأحوالِهم وأعمالِهم.
﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ على الطَّاعات وعن المعاصي.
﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ المتواضعين لله، المخبِتين إليه بقلوبهم وجوارحهم.
﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ بما وجبَ في مالهم.
﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ الصَّومَ المفروض.
стр. 3663
﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ عن الحرام.
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ بقلوبهم وألسنتهم.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لِمَا اقترفوا مِن الصَّغائرِ التي لا يخلو الإنسان منها بحكم البشريَّة، لأَنَّها مكفِّراتٌ ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ على الطَّاعات.
رُويَ أنَّ أزواجَ النَّبيِّ ﵇ قلْنَ: يا رسولَ اللهِ، ذَكَرَ اللهُ الرِّجال في القرآن بخيرٍ، فما فينا خيرٌ نُذْكَرُ به؟ إنَّا نخافُ أنْ لا يُقبَلَ منَا طاعةٌ، فنزلَتْ (١).
وقيل: لَمَّا نزلَ فيهنَّ قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء؟ فنزلَتْ (٢).
وعطفُ الإناثِ على الذُّكورِ ضروريٌّ؛ لكونهما صنفَيْن مختلفَيْن تحتَ جنسٍ واحدٍ، فلا بُدَّ مِن توسيط (٣) العاطف، وأمَّا عطف الزَّوجَيْنِ على الزَّوجَيْنِ لتغايُرِ الوصْفَيْنِ فليس بضروريٍّ، وإلَّا لَمَا تُرِكَ في قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [التحريم: ٥]، وفائدتُه الدِّلالة على أنَّ إعداد (٤) المُعَدِّ لهم للجمع بينَ هذه الصِّفات (٥).
стр. 3664
(٣٦) - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
﴿وَمَا كَانَ﴾: وما صَحَّ ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أتى بأداة الجمعِ دونَ التَّفريقِ للدِّلالة على أنَّ أحدَ القضاءَينِ لا ينفكُّ عن الآخرِ، فإنَّ قضاءَ اللهِ لا يظهَرُ إلَّا مِن جهةِ الرَّسولِ، وقضاؤُه لا يكون إلَّا بأمرِ اللهِ.
﴿أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ وهيَ (١) ما يُتخيَّر، وجمعُ الضَّميرِ على المعنى، فإنَّ النَّكرةَ في سياقِ النَّفيِ تفيدُ العمومَ.
﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وهذا الجمعُ للتَّعظيمِ؛ أي: لا يجوزُ لهم أن يختاروا مِن أمرِهم شيئًا، بل يجبُ عليهم أنْ يجعلوا اختيارَهم تبعًا لاختيارِ اللهِ ورسولِه.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾: بيِّنَ الانحرافِ عن الصَّواب.
وسببُ نزوله: أنَّه خطبَ رسولُ اللهِ ﷺ زينبَ بنتَ جحشٍ بنتَ عمَّتِه على مو لاه زيدِ بنِ حارثة، فاسبتْ وأبى أخوها عبدُ اللهِ، فنزلَتْ، فقا لا: رضينا يا رسولَ اللهِ، فأنكحَها إيَّاه (٢).
* * *
стр. 3665
(٣٧) - ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بتوفيقِه للإسلامِ، وتوفيقِكَ لعِتقِه (١) واختصاصِهِ.
﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بعِتقِه وتربيتِه، وما وفَّقكَ اللهُ في حقِّه؛ يعني: زيدًا.
﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: زينب، وذلكَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أبصرَها بعد ما أنكحها إيَّاه، فوقعت في نفسه، فقال: سبحانَ اللهِ مقلِّبِ القلوبِ، وسمعَتْ زينبُ التَّسبيحةَ فذكرَتْها لزيدٍ، ففطِنَ لذلك، وألقى اللهُ في نفسِه كراهةَ صحبتِها، فأتى النَّبيَّ ﷺ فقالَ: أريدُ أنْ أفارقَ صاحبتي، فقال: "ما لَكَ؟ أرابَكَ منها شيء؟ "، فقال: لا واللهِ ما رأيْتُ منها إلَّا خيرًا، ولكن لشرفِها تتعظَّم (٢) عليَّ، فقال له: "أمسِكْ عليكَ زوجَك" (٣)، أمرَهُ بإمساكِها.
стр. 3666
وزيادة ﴿عَلَيْكَ﴾ لتضمين (١) معنى الحبس؛ أي: احبسها ولا تطلِّقْها (٢).
﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمرِها، ولا تطلِّقها تعلُّلًا بتعظُّمِها (٣) وتكبُّرها.
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مِن نكاحِها إنْ طلَّقها زيدٌ، وهو الذي أبداه الله تعالى ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾؛ أي: قالَةَ (٤) النَّاسِ بأنَّه نكحَ امرأةَ ابنِه.
و (تخفي) عطف على ﴿تَقُولُ﴾.
﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ حال، أي: حقيقًا في ذلك أنْ تخشى اللهَ، أو اعتراض، أي: واللّهُ أحقُّ أنْ تخشاه في كلِّ حالٍ.
ويجوزُ أن يكون الواو في ﴿وَتُخْفِي﴾ واو الحال على: وأنت تُخفي؛ أي: تقولُ: أمسك مُخْفِيًا في نفسِك ما الله مبديه.
وكذا في ﴿وَتَخْشَى﴾ يحتمل العطفَ، أي: تجمع بين أن تقولَ وتُخفي وتَخشى، والحال، أي: تخفي في نفسك خاشيًا قالة (٥) النَّاسِ فيك.
стр. 3667
وليس العتابُ في الإخفاءِ وحدَه؛ فإنَّه أحسن، بل في الإخفاء مخافةَ قالةِ النَّاس فيه، وإظهارِ ما ينافي إضمارَه، فإنَّ الأَولى أنْ يصمُتَ فيه أو يفوِّض الأمرَ إلى رأيه (١)، حتى لا يخالِفَ سرُّه علانيَته؛ لأنَّ الأنبياء ﵈ كذلك.
وعن عائشة ﵂: لو كتمَ رسولُ الله ﷺ ممَّا أوحيَ إليه لكتمَ هذه الآية (٢).
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ إذا تعلَّقَتْ (٣) همَّةُ الرَّجلِ بشيءٍ وبلغَ حاجته منه قيل: قضى منه وطرَه؛ أي: فلمَّا لم يبقَ لزيدٍ فيها حاجةٌ، وطابَتْ عنها نفسُه، وطلَّقَها، وانقضَتْ عدَّتُها.
وقيل: قضاء الوطر كنايةٌ عن الطلاق نحو: لا حاجة لي فيك (٤).
﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، وقرئ: (زَوَّجْتكها) (٥)، أي: أمرنا بتزويجها منك، أو: تولَّينا تزويجَها منك، ويؤيِّدُه أنَّها كانت تقول لنساءِ النَّبيِّ ﵊:
стр. 3668
إنَّ اللهَ تعالى تولَّى إنكاحي، وأنتُنَّ زوجكُنَّ أولياؤكُنَّ (١).
إلَّا أنَّ انطباق التَّعليل الآتي ذكرُه على الأوَّل.
وقيل: كان السَّفير في خطبتها زيدٌ (٢)، وذلك ابتلاءٌ عظيمٌ، وشاها بيِّنٌ على قوَّةِ إيمانِه.
﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ تعليلٌ للتَّزويج، وهو دليل على أنَّ حكمَه ﵊ وحكمَ المؤمنين واحد إلَّا ما خصَّه (٣) الدَّليل.
وقضاءُ الوطر هنا كناية عن الطَّلاقِ؛ لأنَّ الحكم المذكور غير مشروطٍ ببلوغِ الحاجةِ منهنَّ.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ جملة اعتراضيَّةٌ؛ أي: وكان أمرُه الذي يريدُ تكوينَه مكوَّنًا لا محالة، كما كان تزويجُ زينبَ.
* * *
(٣٨) - ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾.
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾؛ أي: قسمَ له وقدَّر، مِن قولهم: فرضَ له في الدِّيوان كذا، ومنه فروض العسكر لأرزاقِهم.
стр. 3669
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: اسمٌ موضوعٌ موضعَ المصدر، وهو مؤكِّد لِمَا تقدَّمَ؛ أي: سنَّ اللهُ سنّة.
﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ في الأنبياء الماضين ﵈، وهو نفيُ الحرجِ عنهم فيما أباحَ لهم، وتوسعةٌ عليهم في باب النِّكاح وغيره، وقد كان لداود ﵇ مئةُ امرأةٍ وثلاثُ مئة سريَّةٍ، ولسليمان ﵇ ثلاثُ مئة حرَّة وسبعُ مئة سريَّة (١).
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: قضاءً مقضيًّا وحكمًا مقطوعًا.
* * *
(٣٩) - ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ﴾ مجرور، وصفٌ لـ ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾، أو نصبٌ على المدح، أو رفعٌ عليه.
﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ تعريضٌ بعد التَّصريح في قوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: كافيًا للمخاوف، أو محاسبًا للصَّغيرة والكبيرة، فيجب أن لا يُخشَى حقَّ الخشية إلَّا منه.
стр. 3670
(٤٠) - ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ أي: لم يكن أبا رجلٍ منكم على الحقيقة حتى يَثبت بينه وبينه ما بين الأب وابنه من حرمة المصاهرة وغيرها.
ولا يَنتقِضُ عمومُه بكونه ﵇ أبًا للطَّاهر والطَّيِّب والقاسم وإبراهيم؛ لأنَّهم لم يبلغوا مبلَغَ الرجال.
قيل: ولو بلغوا كانوا رجالَه لا رجالَهم. ولا وجهَ له لِمَا ستقفُ أنَّ التَّأكيد بقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ينتظِمُ معَه.
ولا بكونه أبًا للحسَنَيْنِ؛ لأنَّه قُصد المولودُ منه، لا ولَدُ الولَدِ.
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ (١) بالنَّصب عطفًا على ﴿أَبَا أَحَدٍ﴾.
وكلُّ نبيٍّ أبو أمَّته من حيثما إنَّه يعلِّمهم ويربِّيهم، ويجب جمليهم تعظيمُه وتوقيره، وعليه شفقتُهم ونصيحتهم، لا في سائر الأحكام، وزَيْدٌ منهم، وحكمُه حكمُهم فيما ذُكِرَ، لا أنَّه وُلدَ منه، والادِّعاء والتَّبنِّي من باب الاختصاص والتَّقريب لا غير.
وقرئ: (رسولُ اللهِ) بالرَّفع (٢) على أنَّه خبرُ محذوفٍ؛ أي: ولكنْ هو رسولُ اللهِ.
وقرئ: (ولكنَّ) بالتَّشديد (٣) على حذف الخبر، تقديره: ولكنَّ رسولَ اللهِ مَن عرفتُموه؛ أي: لم يعشْ له ولَدٌ ذكرٌ.
стр. 3671
﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾؛ أي: وكانَ خاتَمَ النَّبيِّين وآخرَهم الذين (١) ختمَهم على قراءة الكسرِ، أو خُتِموا به على قراءة الفتح (٢)، بمعنى الطَّابع.
ولو كان له ابنٌ بالغٌ لكان نبيًّا؛ لِمَا رُويَ أنَّه ﵇ قال حين توفِّي إبراهيمُ: "لو عاشَ لكان نبيًّا" (٣)، فلم يكنْ هو خاتَمًا (٤)، فهو مؤكَد لكونِه ليس أبا أحدٍ من الرِّجال.
ولا يقدح في ذلك نزول عيسى ﵇، لا لأنَّه إذا نزل كان على دينه؛ لأنَّه لا ينافي استقلاله في النُّبوَّة، إنَّما ينافي استقلاله في الرِّسالة، بل لأنَّه ﵇ كان نبيًّا قبلَه ﵇ لا بعدَه، فلا ينافي كونَه خاتمًا للأنبياء على أنَّه آخرُهم بعثةً.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فيعلم مَن يليق بأنْ تُختَم به النُّبوَّة، وكيف ينبغي شأنه.
* * *
(٤١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾: اذكروا اللهَ بأصنافِ الذِّكرِ مِن التَّقديس والتَّمجيد والتَكبير والتَّهليل، وكلُّ ما هو أهلُه مِن أنواع الثَّناء.
* * *
﴿إِلَى النُّورِ﴾ إلى نورِ الإيمانِ والطَّاعاتِ.
ولَمَّا كانتِ الملائكةُ واسطةَ الفيضِ كان لهم مدخلٌ في الأمداد النُّوريَّة الكماليَّة.
وقيل: هي الرَّحمةُ والرَّأفةُ والتَّعطُّف المعنويَّة استُعيرَتْ من الصَّلاة المشتملة على الحنوِّ والانعطاف في الرُّكوع والسُّجود للحنوِّ والانعطاف الصُّوريِّ، كانعطاف العائد على المريض، والمرأة على ولدها، ثمَّ نُقِلَ بكثرة الاستعمال إلى التَّرحم (١) والتَّرؤُّف المعنويَّيَنِ، ومنه قولهم: صلَّى الله عليك (٢)، أي: ترحَّم وترأَّف، ولأنَّ الملائكةَ وسائط الرَّحمة ومستجابو الدَّعوة في الاستغفار لهم نُسِبَتِ الرَّحمة إليهم، كما نُسِبَتْ إلى الله على أنَّ الاستغفار ترحُّمٌ، ويؤيِّدُه قولُه:
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ حيث اعتنى بصلاحِ أمرِهم، وإنافة (٣) قدرهِم، واستعمَلَ في ذلك ملائكتَه المقرَّبين.
* * *
(٤٤) - ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ مِن إضافة المصدر إلى المفعول؛ أي: يُحيَّوْنَ.
﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾: يومَ القيامة، أو عندَ الموتِ، أو الخروج مِن القبرِ، أو دخول الجنَّةِ.
﴿سَلَامٌ﴾. بإخبار السَّلامةِ عن كلِّ مكروهٍ وآفةٍ، والتَّنكيرُ للتَّعظيمِ.
стр. 3674
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ في الجنَّة، وتغييرُ النَّظمِ في ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ و ﴿وَأَعَدَّ﴾ للمبالغة فيما هو أهمُّ وأدَلُّ على الكرامة، وللمحافظة على الفاصلة.
* * *
(٤٥ - ٤٦) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على مَن بُعِثْتَ عليهم بقَبول القولِ في تصديقهم وتكذيبهم، وطاعتهم ومعصيتهم، وهو حال مقدَّرة.
﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا﴾؛ أي: الإقرار به وبتوحيدِه (١) وبما يجبُ الإيمانُ به مِن صفاتِه.
﴿بِإِذْنِهِ﴾: بتيسيره، لَمَّا كانَ التَّصرُّف للغير في حقِّ المالك متعذِّرًا إنَّما يتيسَّر بالإذن، استُعِيرَ الإذن للتَّيسير والتَّسهيل؛ إيذانًا بأنَّ دعاءَ أهلِ الشِّرك والجاهلية إلى التَّوحيد والإسلام أمرٌ صعبٌ متعذِّرٌ لا يُستطاع (٢) إلَّا إذا سهَّلَهُ اللهُ تعالى ويسَّره، ولا يصحُّ حملُه على الحقيقةِ؛ لأنَّ قولَه: (أرسلناك داعيًا) يغني عن الإذن بمعناه الوضعي.
﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ شُبِّهَ النَّبيُّ ﵊ بالسِّراج لاستضاءة مَن تحيَّر (٣) في ظلماتِ الجهل بنورِه، واهتداءِ مَن ضلَّ بضوئه، ولأنَّه قد جَلَّى اللهُ تعالى ظلماتِ الشِّرك بنورِ توحيدِه، أو نوَّرَ البصائر بنورِ هدايتِه، كما ينوِّرُ الأبصارَ بنور السِّراج.
стр. 3675
وبولغ في وصفِه بالإنارة لأنَّ (١) مِن السُّرج (٢) ما لا ينير.
وقيل: ذا سراجٍ منيرٍ، على أنَّ السِّراج (٣) مستعارٌ للقرآن.
* * *
(٤٧) - ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾؛ أي: عطاءً واسعًا، أو ثوابًا جزيلًا، أو فضيلةً (٤) على سائرِ الأمم.
وصفَه بخمسِ صفاتٍ، ثمَّ قابل كلًّا منها بخطابٍ يناسبُه:
وصفَه بكونِه ﴿شَاهِدًا﴾ وأضمر ما يقابله بدلالة عطف ﴿بَشِّرِ﴾ عليه، فإنَّه مقابل لـ ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ فيجب أن يكون معطوفًا على ما يناسب الوصف الذي عُطِفَ عليه ﴿وَمُبَشِّرًا﴾، وهو: فراقبْ أمَّتك.
* * *
(٤٨) - ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
وقابلَ ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنَّهي عن موافقة (٥) الكفار والمبالاةِ بهم الوارد في قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ (٦) فإنَّ ذلك أشدُّ الإنذار، كأنَّه
стр. 3676
قالَ: خلِّهم وشأنهم، فأنا أكفيك (١)، وذلك تهييجٌ له ﵇ على ما هو عليه من مخالفتهم.
وقابل ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾، بقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢) فإنَّه ميسِّرُ كلِّ (٣) عسيرٍ.
و ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: موكولًا إليه الأمرُ في الأحوال كلِّها؛ لأنَّ مَن أنارَه برهانًا على جميع خلقِه حقيق بأنْ يُكتَفى به عن غيرِه، ولا يُستعانَ إلَّا بِهِ.
* * *
(٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ النكّاحُ: العقدُ.
وتخصيصُ ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ مع أنَّ الحكم المذكور يستوي فيه المؤمنات والكتابيَّات، تعليمٌ لِمَا هو الأَولى وتحريضٌ عليه، فإنَّ الأَولى بالمؤمن أن يتخيَّرَ لنطفتِه ولا يختارَ للنَّسلِ إلَّا الطَّيبةَ الطَّاهرة، وجاء في المائدة بيانُ الجوازِ.
ومعنى التَّراخي في: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ دفع لِمَا عسى أنْ يُتوهَّم أنَّ تراخيَ الطَّلاق مدَّةً يمكن فيها الإصابةُ مؤثِّر (٤) في العدَّة كما في النَّسب.
стр. 3677
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ المساسُ (١) كنايةٌ عن الجِماعِ.
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾: أيَّامٍ يَتربَّصْنَ فيها بأنفسهنَّ.
﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾: تستوفونَ عددَها، مِن عَدَدْتُ الدَّراهم فاعتَدَّها، كقولك: كِلْتُه فاكتالَه، أو تعدُّونَها، والإسناد إلى الرِّجال للدِّلالة على أنَّ العدَّةَ حقُّ الأزواج كما أشعر به ﴿فَمَا لَكُمْ﴾.
ومَن قرأ: (تَعْتَدُونَها) بالتَّخفيف (٢) حذفَ الجارَّ وأوصل الفعل إلى الضِّمير بنفسه، كقوله: ويومٍ شَهِدْناه؛ أي: شهِدْنا فيه.
ومنطوقُه ساكتٌ عن العدَّة بمجرَّد الخلوة الصَّحيحة، ولا عبرةَ للمفهوم، فلا مانعَ لإلحاقِ (٣) الخلوةِ بالمساس في إيجابِ العدَّةِ.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ للوجوبِ إنْ لم يكن مفروضًا لهنَّ، فإنَّ المفروضِ لها نصفُ المهر، ويجوز أنْ يُحمَلَ على الرَّاجحِ والأولى؛ أي: القَدْرِ المشترك بينَ الوجوب والنَّدب، فيتناولُهما؛ إذ (٤) متعةُ المفروض لها مستحبَّةٌ، ولم تجب (٥) إلَّا لغير المفروض لها قبل (٦) المساسِ مِن المطلَّقات.
стр. 3678
﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ أخرجوهنَّ مِن منازلكم؛ إذ ليس لكم عليهن عدَّةٌ (١).
﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ مِن غير إضرار ولا منعِ حقٍّ.
* * *
(٥٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾: مهورهنَّ؛ إذ المهرُ أجرٌ على البُضع.
وإيتاؤُها: إعطاؤها، والمعتبر فيه الالتزام كما في إعطاء الجزية، وقد نبَّه على هذا مَن قالَ: إعطاؤها عاجلًا، أو فرضُها (٢) وتسميتُها في العقد، فإنَّه في حكم الإعطاء.
﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ وهي صفيَّة وجويريَة، فأعتقهما وتزوَّجهما.
﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ الجمع في العمَّات والخالات دون العمِّ والخال لنسق الكلام (٣) على وفقِ الواقع، كما في قرينه السَّابق.
стр. 3679
﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ (مع) ليس للقِرَآن بل لوجودها فحسب، كقوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] والتقييد المذكور للتَّخصيص؛ لِمَا روي عن أم هانئ أنَّها قالَتْ: خطبني رسولُ اللهِ ﷺ فاعتذرْتُ إليه فعذرني، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ، فلم أَحِلَّ له لأنَّي لم أهاجرْ معه (١).
﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾؛ إنِ اتَّفقَ (٢)، ولذلك نكَّرها؛ أي: رضيَتْ بالنِّكاح له ﵇ بلا مهرٍ، فالهبةُ المذكورة مجازٌ عن تمليكِ المتعة بلا عوضٍ، وليس معناه: إنْ قالَتْ: وهبتُّ نَفسي للنَّبيِّ ﵇، حتى ينتهِضَ حجَّةً في الخلافيَّة المشهورة بينَنا وبينَ الشَّافعي علينا أو لنا.
و ﴿وَامْرَأَةً﴾ عطفٌ على ﴿أَزْوَاجَكَ﴾ وما بعدَها، ولا يمنعه التقييد بـ ﴿إِنْ﴾ الاستقباليَّة؛ لأنَّ المراد بالإحلال: الإعلام بالحلِّ؛ أي: أعلمناك حلَّ امرأة مؤمنة، أو نصب بفعلٍ مضمَرٍ يدلُّ عليه ﴿أَحْلَلْنَا﴾؛ أي: وأحللنا لك امرأةَ.
وقرئ: (أنْ) بالفتح (٣) على التَّعليل بتقدير حذف أداته، أو على الظَّرف؛ أي: وقتَ أنْ وهبَتْ، أو مدَّةَ هبتها.
﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ شرط للشَّرط الأوَّل في استيجاب الحِلِّ؛ فإنَّ هبتَها نفسَها منه لا يوجب له حِلَّها إلَّا بقَبولِه، والإرادةُ المذكورة عبارةٌ عنه، ولا
стр. 3680
وجهَ لحملها على الحقيقة؛ لأنَّ قوله: ﴿يَسْتَنْكِحَهَا﴾ يغني عن الإرادة بمعناها الوضعي (١).
والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ ﴿النَّبِيُّ﴾، ثمَّ الرُّجوع إليه في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ للإيذان بأنَّه ممَّا خُصَّ به لنبوَّته، وتكرُّرُه (٢) تقريرٌ لاستحقاق الكرامة لأجله.
و ﴿خَالِصَةً﴾ مصدر مؤكِّد، كقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾، أي: خَلصَ لك إحلالها خالصةً بمعنى: خلوصاً، أو حالٌ من الضَّمير في ﴿وَهَبَتْ﴾، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: هبةً خالصةً.
وقرئ: (خالصةٌ) بالرَّفع (٣)، أي: ذلك خلوص لك.
﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي (٤): تلك المرأة خالصة لك من دونهم.
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ مِن شرائطِ العقدِ، ووجوب القَسْم والمهر بالوطء حيثُ لم يُسمَّ.
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مِن توسيعِ الأمر فيها (٥) عليهم كيف ينبغي أن يفرض عليهم (٦).