← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

قالَ: خلِّهم وشأنهم، فأنا أكفيك (١)، وذلك تهييجٌ له ﵇ على ما هو عليه من مخالفتهم. وقابل ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾، بقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢) فإنَّه ميسِّرُ كلِّ (٣) عسيرٍ. و ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: موكولًا إليه الأمرُ في الأحوال كلِّها؛ لأنَّ مَن أنارَه برهانًا على جميع خلقِه حقيق بأنْ يُكتَفى به عن غيرِه، ولا يُستعانَ إلَّا بِهِ. * * * (٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ النكّاحُ: العقدُ. وتخصيصُ ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ مع أنَّ الحكم المذكور يستوي فيه المؤمنات والكتابيَّات، تعليمٌ لِمَا هو الأَولى وتحريضٌ عليه، فإنَّ الأَولى بالمؤمن أن يتخيَّرَ لنطفتِه ولا يختارَ للنَّسلِ إلَّا الطَّيبةَ الطَّاهرة، وجاء في المائدة بيانُ الجوازِ. ومعنى التَّراخي في: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ دفع لِمَا عسى أنْ يُتوهَّم أنَّ تراخيَ الطَّلاق مدَّةً يمكن فيها الإصابةُ مؤثِّر (٤) في العدَّة كما في النَّسب.

стр. 3677

﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ المساسُ (١) كنايةٌ عن الجِماعِ. ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾: أيَّامٍ يَتربَّصْنَ فيها بأنفسهنَّ. ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾: تستوفونَ عددَها، مِن عَدَدْتُ الدَّراهم فاعتَدَّها، كقولك: كِلْتُه فاكتالَه، أو تعدُّونَها، والإسناد إلى الرِّجال للدِّلالة على أنَّ العدَّةَ حقُّ الأزواج كما أشعر به ﴿فَمَا لَكُمْ﴾. ومَن قرأ: (تَعْتَدُونَها) بالتَّخفيف (٢) حذفَ الجارَّ وأوصل الفعل إلى الضِّمير بنفسه، كقوله: ويومٍ شَهِدْناه؛ أي: شهِدْنا فيه. ومنطوقُه ساكتٌ عن العدَّة بمجرَّد الخلوة الصَّحيحة، ولا عبرةَ للمفهوم، فلا مانعَ لإلحاقِ (٣) الخلوةِ بالمساس في إيجابِ العدَّةِ. ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ للوجوبِ إنْ لم يكن مفروضًا لهنَّ، فإنَّ المفروضِ لها نصفُ المهر، ويجوز أنْ يُحمَلَ على الرَّاجحِ والأولى؛ أي: القَدْرِ المشترك بينَ الوجوب والنَّدب، فيتناولُهما؛ إذ (٤) متعةُ المفروض لها مستحبَّةٌ، ولم تجب (٥) إلَّا لغير المفروض لها قبل (٦) المساسِ مِن المطلَّقات.

стр. 3678

﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ أخرجوهنَّ مِن منازلكم؛ إذ ليس لكم عليهن عدَّةٌ (١). ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ مِن غير إضرار ولا منعِ حقٍّ. * * * (٥٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾: مهورهنَّ؛ إذ المهرُ أجرٌ على البُضع. وإيتاؤُها: إعطاؤها، والمعتبر فيه الالتزام كما في إعطاء الجزية، وقد نبَّه على هذا مَن قالَ: إعطاؤها عاجلًا، أو فرضُها (٢) وتسميتُها في العقد، فإنَّه في حكم الإعطاء. ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ وهي صفيَّة وجويريَة، فأعتقهما وتزوَّجهما. ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ الجمع في العمَّات والخالات دون العمِّ والخال لنسق الكلام (٣) على وفقِ الواقع، كما في قرينه السَّابق.

стр. 3679

﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ (مع) ليس للقِرَآن بل لوجودها فحسب، كقوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] والتقييد المذكور للتَّخصيص؛ لِمَا روي عن أم هانئ أنَّها قالَتْ: خطبني رسولُ اللهِ ﷺ فاعتذرْتُ إليه فعذرني، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ، فلم أَحِلَّ له لأنَّي لم أهاجرْ معه (١). ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾؛ إنِ اتَّفقَ (٢)، ولذلك نكَّرها؛ أي: رضيَتْ بالنِّكاح له ﵇ بلا مهرٍ، فالهبةُ المذكورة مجازٌ عن تمليكِ المتعة بلا عوضٍ، وليس معناه: إنْ قالَتْ: وهبتُّ نَفسي للنَّبيِّ ﵇، حتى ينتهِضَ حجَّةً في الخلافيَّة المشهورة بينَنا وبينَ الشَّافعي علينا أو لنا. و ﴿وَامْرَأَةً﴾ عطفٌ على ﴿أَزْوَاجَكَ﴾ وما بعدَها، ولا يمنعه التقييد بـ ﴿إِنْ﴾ الاستقباليَّة؛ لأنَّ المراد بالإحلال: الإعلام بالحلِّ؛ أي: أعلمناك حلَّ امرأة مؤمنة، أو نصب بفعلٍ مضمَرٍ يدلُّ عليه ﴿أَحْلَلْنَا﴾؛ أي: وأحللنا لك امرأةَ. وقرئ: (أنْ) بالفتح (٣) على التَّعليل بتقدير حذف أداته، أو على الظَّرف؛ أي: وقتَ أنْ وهبَتْ، أو مدَّةَ هبتها. ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ شرط للشَّرط الأوَّل في استيجاب الحِلِّ؛ فإنَّ هبتَها نفسَها منه لا يوجب له حِلَّها إلَّا بقَبولِه، والإرادةُ المذكورة عبارةٌ عنه، ولا

стр. 3680

وجهَ لحملها على الحقيقة؛ لأنَّ قوله: ﴿يَسْتَنْكِحَهَا﴾ يغني عن الإرادة بمعناها الوضعي (١). والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ ﴿النَّبِيُّ﴾، ثمَّ الرُّجوع إليه في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ للإيذان بأنَّه ممَّا خُصَّ به لنبوَّته، وتكرُّرُه (٢) تقريرٌ لاستحقاق الكرامة لأجله. و ﴿خَالِصَةً﴾ مصدر مؤكِّد، كقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾، أي: خَلصَ لك إحلالها خالصةً بمعنى: خلوصاً، أو حالٌ من الضَّمير في ﴿وَهَبَتْ﴾، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: هبةً خالصةً. وقرئ: (خالصةٌ) بالرَّفع (٣)، أي: ذلك خلوص لك. ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي (٤): تلك المرأة خالصة لك من دونهم. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ مِن شرائطِ العقدِ، ووجوب القَسْم والمهر بالوطء حيثُ لم يُسمَّ. ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مِن توسيعِ الأمر فيها (٥) عليهم كيف ينبغي أن يفرض عليهم (٦).

стр. 3681

والعدول مِن عبارة (الإماء) إلى ما ذُكِر للدِّلالة على أنَّ مدارَ الحلِّ على ملك اليد، ولذلكَ لا يتحقَّقُ الحلُّ إذا تخلَّف ملك اليد عن ملك الرَّقبة، كما في المكاتبة. ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ علَّة لقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾، وما بينهما اعتراضٌ لبيان أنَّ الفرقَ بينَه وبينَ المؤمنين ليس لمجرَّد التَّوسيع عليه، كما هاهنا، بل لمعانٍ مِن خواصِّ النبوَّة تقتضي التَّوسيع عليه والتَّضييق عليهم تارة، وبالعكس أخرى. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: لِمَا يعسُرُ التَّحرُّز عنه ﴿رَحِيمًا﴾ بالتَّوسعةِ في مظان (١) الحرج. * * * (٥١) - ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾. ﴿تُرْجِي﴾ بهمزٍ وبلا همزٍ (٢)، والمعنى واحد. ﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: تؤخِّرها، وتترك مصاحبتها (٣)، فلا تَقسم لها.

стр. 3682

﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ﴾: وتضمُّ إليك ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ وتضاجعها (١)، أو: تطلِّقُ مَن تشاءُ وتمسكُ مَن تشاءُ. ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾: طلبْتَ ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾: طلَّقْتَ بالرَّجعةِ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في شيءٍ مِن ذلك. ﴿ذَلِكَ﴾ التَّفويضُ إلى مشيئتِكَ ﴿أَدْنَى﴾: أقرب ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ إلى (٢) قرَّةِ أعينهنَّ، وذهابِ حزنهنَّ، وحصول رضاهنَّ جميعًا؛ لأنَّه حكمٌ كلُّهنَّ فيه سواء، لا تفاضُلَ بينهنَّ فيتغايرن (٣). ثمَّ إنْ سوَّيْتَ بينهنَّ وجدْنَ ذلك تفضُّلًا منك، وإنْ رجَّحْتَ بعضهنَّ على بعضٍ علمْنَ أنَّ ذلكَ مِن عندِ اللهِ وبوحيِه وتفويضِه، فتطمئِنُّ نفوسهنَّ ويرضيْنَ ولا يتغايرين. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وعيدٌ لِمَنْ لم ترضَ منهنَّ بما دبَّر (٤) اللهُ تعالى وفَوَّضَ إلى مشيئته. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بذات الصُّدور. ﴿حَلِيمًا﴾ لا يعاجل بالعقوبة، فهو حقيقٌ بأنْ يُتَّقى ويُحذَر. * * *

стр. 3683

(٥٢) - ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾. ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾؛ أي: ذلكَ الجنسُ، وإتيان صيغة الجمع ثمَّ إبطالُه بالتَّعريف لعدم المفرد مِن لفظها، ولم يقل: (امرأةٌ)، لعمومِها المملوكةَ يملك اليمين، والمراد: المملوكة يملك النِّكاح، بقرينة قوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾. وقرئ بالتَّذكير (١) لأنَّ تأنيث الجمع غير حقيقيٍّ، وإذا جازَ بغير فصلٍ في قوله (٢): ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠] فمعَ الفصلِ أجوزُ. ﴿مِنْ بَعْدُ﴾: مِن بعدِ التِّسع؛ لأنَّه نصاب رسول الله ﷺ مِن الأزواج كما أن الأربع نصاب أمَّته، أو: مِن بعد اليوم، حتَّى إنَّه لو ماتَتْ واحدة منهنَّ لم يحلَّ له نكاحُ أخرى. ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾: ولا أنْ تستبدلَ بهنَّ ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ لا بكلهنَّ ولا ببعضهنَّ، بأنْ تطلِّق إحداهنَّ وتنكح أخرى مكانَها؛ كرامةً لهنَّ، وجزاءً على ما اخترْنَ ورضيْنَ به، فقُصِر رسول اللَّه ﷺ عليهنَّ، وهن التِّسعُ اللَّاتي ماتَ عنهنَّ. و ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ هي الاستغراقيَّة، مزيدةٌ لتأكيد نفي التَّبدل مِن جنس الأزواج. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾: حسنُ الأزواجِ المستبدلَة (٣)، وهو حالٌ مِن الضَّمير الذي هو فاعل ﴿تَبَدَّلَ﴾؛ أي: مفروضًا إعجابُكَ بهنَّ، أو من المفعول الذي

стр. 3684

هو ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾؛ لأنَّه في سياق النَّفي، فشابه المعرفة المستغرقة، ألا ترى إلى تجويزهم (١) أن يقع مبتدأً. وعن عائشة ﵂: ما ماتَ رسولُ اللّهِ ﷺ حتَّى أُحِلَّ له النِّساء (٢)؛ يعني: أنَّ الآية قد نُسِخَتْ، ولا يخلو نسخُها أن يكون إمَّا بالسُّنَّة (٣)، وإمَّا بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، أو بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ﴾ (٤) [الأحزاب: ٥١] على المعنى الثاني، وترتيبُ النُّزولِ ليس على ترتيب المصحف. وقيل: المعنى: لا تحلُّ لك النِّساء مِن بعدِ الأجناس الأربعة اللَّاتي نُصَّ على إحلالهنَّ لك من الأعرابيَّات والكتابيَّات والقرائب والإماء بالنِّكاح؛ فإنَّهنَّ لا يناسبْنَ (٥) منصب النُّبوَّة وجلالته. ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنَّ ﴿النِّسَاءُ﴾ وإنْ كان في الأصل يتناول الحرائر والإماء، لكنْ غلَبَ استعمالُه في الأزواج، وهو المراد هاهنا على ما مرَّ بيانه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾: حافظًا مهيمنًا. وهو تحذيرٌ عن مجاوزةِ حدودِه وتخطِّي حلالِه إلى حرامِه. * * *

стр. 3685

(٥٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ لم يقلْ: بيتَ النَّبيِّ؛ كيلا يَسبقَ الوهم إلى أنَّ المرادَ البيتَ الذي هو فيه. ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾؛ أي: إلَّا بأنْ يُؤْذَنَ لكم، أو: إلَّا مأذونًا لكم، ولا يجوزُ نصبُه على الظَّرف؛ لأنَّهم قد نصُّوا على أنَّ المصدرَّية لا تكون في معناه، تقول: أجيئك (١) صياحَ الدِّيك وقدومَ الحاجِّ، ولا يجوز: أجيئك أن يصيح (٢) الدِّيك، ولا: أنْ يَقدم الحاجُّ. ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ متعلِّق بـ ﴿يُؤْذَنَ﴾؛ لأنَّه متضمِّنٌ معنى: يُدْعى (٣)؛ للدِّلالة على أنَّ حكمَ النَّهيِ لا يرتفع بمجرَّد الإذنِ دلالةً بفتح الباب ورفع الحجاب مثلًا، بل لا بدَّ معه (٤) مِن صريح الدَّعوة. ويعضده قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾: غيرَ منتظرينَ وقتَه وإدراكَه، حال مِن فاعل ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، أو من المجرور في ﴿لَكُمْ﴾.

стр. 3686

وقرئ بالجرِّ (١) صفةً لـ ﴿طَعَامِ﴾، فيكون جاريًا على غير مَن هو له بلا إبراز الضَّمير، وهو غيرُ جائزٍ عند البصريين (٢). وقرئ: (إناه) بالإمالة (٣)؛ لأنَّه مصدرٌ أَنَى الطَّعام: إذا أدرك. قيل: الخطابُ مخصوصٌ بقومٍ كانوا يتحيَّنون (٤) طعامَ رسولِ اللّهِ ﵇، فيدخلونَ ويقعدون (٥) منتظرين لإدراكه، وإلَّا لم يجزْ لأحدٍ أنْ يدخلَ بيوته إلَّا بإذنٍ خاصٍّ. والظَّاهر أنَّ الخطاب عامٌّ لغيرِ المحارمِ، وخصوصُ السَّبب لا يصلح مخصِّصًا على ما تقرَّر في الأصول، نعم يكون وجهًا لتقييد (٦) الإذن بقوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، فيندفع وهمُ اعتبار مفهومِه (٧). ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ هذه الفاءُ للجزاء، ولا دِلالة فيها للتَّعقيب بلا مُهلَةٍ، وأمَّا الفاء في قوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾ فللتَّعقيب بلا مهلةٍ، للدِّلالة على أنَّه ينبغي أن يكون

стр. 3687

دخولُهم بعد الإذن والدَّعوة على وجهٍ يشرعوا في الأكل كما دخلوا (١). ففيه تقريرٌ لِمَا أُشِيرَ إليه بقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ مِن النَّهي عن الدَّخول للطَّعام قبلَ إدراكِه. ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ فتفرَّقوا ولا تمكثوا. رُوِيَ عن أنس ﵁ قال: أنا أعلمُ بهذه الآية، لَمَّا زُفَّتْ زينبُ إلى رسولِ اللّهِ ﷺ كانَتْ معه في البيتِ وصُنِعَ (٢) طعام للناس، فأكلوا وتفرَّقوا، وبقيَ ثلاثةُ نفرٍ يتحدَّثون، فأطالوا، فقام رسول اللَّه ﷺ لِيَخرجوا (٣) ثمَّ رجعَ فإذا الثَّلاثةُ جلوسٌ يتحدَّثون، وكان رسول اللَّه ﷺ شديدَ الحياءِ، فتولَّى، فلَمَّا رأَوْهُ متولِّيًا خرجوا، فرجَعَ فنزلَتْ (٤) (٥). ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾؛ أي: ولا مستأنسٍ (٦) بعضُكم لبعضٍ لأجلِ الحديث، أو: مستمعين حديثَ أهلِ البيتِ. والأوَّلُ يرجِّحُه سببُ النُّزولِ. عطفٌ على ﴿نَاظِرِينَ﴾، أو منصوب على تقدير فعل؛ أي: ولا تدخلوها أو: ولا تمكثوا مستأنسين.

стр. 3688

﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ اللَّبثَ ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لتضييق (١) المنزل عليه وأهله، وإشغاله فيما لا يعنيه. ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ تعليل لمحذوفٍ دلَّ عليه المساق؛ أي: ولا يخرجكم فيستحيي منكم، ولذلك صدَّره بأداة التَّعليل، ولو كان المعنى: يستحيي من إخراجكم، لكان حقَّه أن يُصدَّر بالواو العاطفة (٢). ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ لَمَّا كان الحياءُ يمنعُ الحييَّ مِن بعضِ أفعالِه وأقوالِه - وإنْ كان حقًّا - قيلَ: إنَّ اللّهَ لا يستحيي من الحقِّ؛ أي: لا يمتنعُ منه (٣) امتناع الحييِّ، وهو مجازٌ، أو على طريقة قوله: قلت اطبخوا لي جُبَّةً وقميصًا (٤) يعني: إخراجُكم حقٌّ (٥)، فينبغي أنْ لا يترك حياءً، كما لم يتركْهُ اللّهُ تعالى فأمرَكُم بالخروجِ.

стр. 3689

﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الضَّمير لنساءِ النَّبيِّ ﵇ لدلالةِ ذِكْرِ البيوتِ أو دلالةِ الحال عليهنَّ. ﴿مَتَاعًا﴾: شينًا يُنتَفَعُ به ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾ المتاعَ ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: سترٍ. رُويَ أنَّ عُمرًا ﵁ قال: يا رسولَ اللّهِ، يدخلُ عليكَ البَرُّ والفاجرُ، فلو أمرْتَ أمَّهاتِ المؤمنين بالحجاب، فنزلَتْ (١). وقيل: إنَّه ﵇ كان يَطْعَمُ ومعه بعضُ أصحابِه، فأصابَتْ يدُ رجلٍ يدَ عائشة ﵂، فكرِهَ النَّبيُّ ﵇ ذلك، فنزلَتْ (٢). ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ مِن خواطر الشَّيطانيَّة (٣). ﴿وَمَا كَانَ﴾: وما صحَّ ﴿لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾: أن تفعلوا ما يكرهه. ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾: مِن بعدِ وفاتِه أو فراقِه. وخُصَّ التي لم يدخلْ بها، لِمَا رُويَ أنَّ أشعث بن قيس تزوَّج المستعيذة في أيَّامِ عمر ﵁ فهمَّ برجمها (٤)، فأُخبر بأنَّه ﵇ فارقها (٥) قبلَ أنْ يمسَّها، فترَكَ مِن غير نكير (٦).

стр. 3690

﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾؛ أي: إيذاءه (١) ونكاحَ نسائِه. ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: ذنبًا عظيمًا، استئنافٌ لتعظيمِ النَّبيِّ ﵇ وإيجابِ حرمتِه حيًّا وميتًا، فلذلك بالغ في الوعيد عليه فقال: (٥٤) - ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ مِن نكاحِهنَّ وغيرِه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في صدورِكم. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فيَعلمُ ذلكَ فيجازيكم (٢) عليه، وفي هذا التَّعميم مع أنَّه برهان على المقصود تهويلٌ عظيم، ومبالغةٌ شديدةٌ في الوعيدِ. * * * (٥٥) - ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. ﴿جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ استئنافٌ لِمَنْ لا يجبُ الاحتجابُ عنه. رُويَ أنَّه (٣) لَمَّا نزلَتْ آيةُ الحجابِ قال الآباءُ والأبناءُ والأقاربُ: يا رسولَ اللّهِ، أوَ نكلمهنَّ أيضًا من وراء حجابٍ؟ فنزلَتْ (٤).

стр. 3691

وإنَّما لم يذكر العمَّ والخالَ - مع شدَّة الاهتمام على ما دلَّ عليه في البيان ما في عدم الاكتفاء بالانفهام في حقِّ الأخ، فإنَّ ذكر ابنه يُغني عنه دلالةً - لأنَّه كُرِه ترك الاحتجاب عنهما مخافةَ أن يصفانها لأبنائهما (١). ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ يعني: نساءَ المؤمنات. ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ مِن العبيد والإماء، وقيل: مِن الإماءِ خاصَّة، وقد سبق في تفسير سورة النُّور. ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ فيما أُمرتِنَّ به، التفاتٌ إلى الخطاب بعد الغيبةِ؛ لإظهارِ الاعتناء بأمرِ الحجابِ والتَّشديد عليهنَّ في ذلك، وأنَّه من باب التَّقوى الواجبِ رعايتُه والمحافظةُ عليه. ثمَّ أَوعَدَ على ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ سواءٌ عندَه السِّرُّ والعلَنُ، لا يتفاوت عندَه شيءٌ مِن الأحوال، فليكن عملكنَّ في الحجب أحسنَ مما كان قبل الاحتجاب (٢). * * * (٥٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: يعتنون بإظهار شرفِه وتعظيمِ شأنِه.

стр. 3692

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: اعتنوا أنتم أيضًا، فإنَّكم أولى بذلك، فقولوا: اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ. ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قولوا: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ. والآية تدلُّ على وجوبِ الصَّلاة والسلام عليه ﵇ في الجملةِ. * * * (٥٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ جاز أن يكون مجازًا؛ أي: يرتكبون ما يكرَهانِه مِن الكفرِ والمعاصي، وأن يكون حقيقةً، وذِكْرُ اللّهِ توطئةٌ للتَّعظيم والاختصاص؛ أي: يؤذون رسولَ اللّهِ. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: أبعدَهم مِن رحمتِه. ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾: يهينُهم مع الإيلَامِ. * * * (٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾: بغيرِ جنايةٍ استحقُّوا بها ذلكَ، أطلقَ إيذاءَ اللّهِ ورسولِه (١)، وقيَّد إيذاءَ المؤمنين والمؤمنات؛ لأنَّ إيذاءَ اللّهِ ورسولِه لا يكون إلَّا بغيرِ حقٍّ، وإيذاءَهم قد يكون بحقٍّ (٢).

стр. 3693

﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: ظاهرًا. رُويَ أنَّها نزلَتْ في ناسٍ مِن المنافقين يؤذون عليًّا ﵁. وقيل: في أهل الإفك، وقيل: في زُناةٍ كانوا يَتْبعونَ (١) النِّساء وهنَّ كارهات. * * * (٥٩) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: يغطيْنَ بها وجوهَهُنَّ وأعطافَهُنَّ (٢)، ويُرْخِينَها على أبدانهنَّ إذا برزت لحاجةٍ. يقال إذا زال الثَّوب عن وجه المرأة: أدني (٣) ثوبَك على وجهِكِ. والجلبابُ: الملحفةُ وكلُّ ما يُستَرُ به مِن كساء وغيره، و ﴿مِن﴾ للتَّبعيضِ؛ لأنَّ المرأة تتلفَّع ببعضِها وترخي بعضَها على بدنها، أو لأنَّ لها جلابيب. كانت النِّساء في أوَّل الإسلام يَبرزْنَ (٤) في درعٍ وخِمارٍ كما كانت عادتهنَّ في الجاهليَّة، لا فرْقَ بينَ الحرَّةِ والأَمَةِ في ذلك، وربَّما كانَ الشَّباب (٥) والشُّطَّارُ يتعرَّضونَ لهنَّ، فإذا عُوتِبوا فيه يقولون (٦): حسبناها أَمَةً، فأُمِرْنَ أن يحتجِبْنَ ويخالفْنَ بزيهِنَّ زِيَّ الإماء. فلذلك قال:

стр. 3694

﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾: يُمَيَّزْنَ مِن الإماءِ والقَيْناتِ. ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾: فلا يؤذيَهنَّ أهلُ الرِّيبةِ (١) بالتَّعرُّض لهنَّ بما يكرهْنَ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما سلَفَ منهنَّ (٢) مِن التَّفريطِ ﴿رَحِيمًا﴾ بتعليم آداب المكارم. * * * (٦٠) - ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ عن نفاقِهم. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعفُ إيمانٍ، أو قِلَّةُ ثَباتٍ عليه، وقيل: أهل الرِّيبةِ والفجور والزُّناة، مِن قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الذين يُرجِفون بأخبار السُّوء عن سرايا رسول اللَّه ﷺ ، فيقولون: هُزِموا وقُتِلوا. وبالجملةِ: ما يكسرُ قلوبَ المؤمنين. والإرجافُ: الإخبارُ الكاذبُ (٣)؛ لأنَّه متزلزلٌ غير ثابت، يُقالُ: أَرْجَفَ بكذا: إذا أَخبَرَ به على غير حقيقةٍ، مِن الرَّجفةِ وهي الزَّلزلةُ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ الإغراءُ: التَّحريشُ، جُعلَ مجازًا عن قصدهم بالسُّوء؛ أي: لئِنْ لم ينتهِ المنافقون عن نفاقِهم وكيدِهم، والفَسقَةُ عن فجورِهم، والمرجِفونَ

стр. 3695

عن أراجيفِهم (١) = لنأمرنَّكَ بأنْ (٢) تفعلَ بهم الأفاعيل التي تسوؤُهم من أنواع التعذيب. ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ عطفٌ على ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾؛ لأنَّ النَّفيَ ممَّا يُجابُ به القسمُ، ولو قيلَ: لئن لم ينتهوا لا يجاورونك، لكان صحيحًا، وإنَّما عطفٌ بـ ﴿ثُمَّ﴾ لأنَّ الجلاءَ عن الأوطان كان أعظمَ عليهم من كلِّ بلاءٍ، وأشدَّ مِن كلِّ ما أُصِيبوا به مِن العذابِ، مُبْعَدٌ حالُه عن حالِ المعطوفِ عليه؛ أي: ثمَّ يُفعَل بهم ما يَضطرُّهم إلى الجلاء من المدينة، وإلى أنْ لا يساكنوك (٣) فيها إلَّا زمنًا قليلًا ريثما يتهيَّؤون للرَّحيل، ويسرِّحونَ عيالَهم مِنها، ويرتحلون بهم. * * * (٦١) - ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾. ﴿مَلْعُونِينَ﴾ نصبٌ على الشَّتم (٤)، أو الحال؛ أي: لا يجاورونك إلَّا ملعونين، فالاستثناء شاملٌ له أيضًا؛ أي: لا يجاورونك إلا ملعونين. ولا يجوز انتصابه بـ ﴿أُخِذُوا﴾ في قوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾: وُجدوا ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ لأنَّ ما بعد كلمة الشَّرط لا يعمل فيما قبلها. والتَّشديدُ للدِّلالة على التَّكثير، وكذا التَّنكير. * * *

стр. 3696

(٦٢) - ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: سنَّ اللّهُ في الأنبياء الذين مضَوا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ ذلك سنةً (١)، وهو الأخذُ والتَّقتيل في الذين نافقوا وأَفسدوا. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ لأنَّه تعالى لم يبدِّلها، ولا يقدر أحدٌ على تبديلها. * * * (٦٣) - ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾. ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾: عن وقتِ قيامِها، كان المشركون يسألون رسولَ اللّهِ ﷺ عنها (٢) استعجالًا على سبيل الهزء والإنكار، واليهود (٣) امتحانًا؛ لأنَّ اللَّه تعالى عمَّى وقتها (٤) في التَّوراة وفي جميع كتبِه. ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لم يُطْلِعْ عليها (٥) أحدَ الأنبياء ولا مَلَكًا. ثمَّ بيَّنَ لرسول الله ﷺ بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أنَّها قريبة الوقوع؛ تهديدًا (٦) للمستعجِلين، وإسكاتًا للممتحِنين. وتذكيرُ ﴿قَرِيبًا﴾ على تأويل الشَّيء، أو اليوم، أو الزَّمان، ويجوز انتصابه على الظَّرف، أو في زمانٍ قريب.

стр. 3697

(٦٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾: نارًا مسعَّرةً شديدةَ الإيقاد. * * * (٦٥) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ ينفعُهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفعُ العذابَ عنهم. * * * (٦٦) - ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾. ﴿يَوْمَ﴾: ظرفٌ لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، أو نصبٌ بـ (اذكر) و ﴿يَقُولُونَ﴾ حال. ﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ كما يقلَّبُ اللَّحم عند الشَّيِّ، أو من (١) حالٍ إلى حالٍ وهيئةٍ إلى هيئة (٢). وخُصَّتْ الوجوه بالذِّكر لأنَّها أشرف أعضاء الإنسان وأعزُّها، أو عبِّر بها عن الجملة. وقرئ: (تَقَلَّبُ) بمعنى: تتقلَّبُ (٣). ﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ فلنْ نُبْتلى بهذا العذاب. وزيادة الألف في ﴿الرَّسُولَا﴾، و ﴿السَّبِيلَا﴾ لإطلاق الصَّوت، جُعِلَتْ

стр. 3698

فواصلُ الآي كقرائن السَّجع وقوافي الشِّعر، وفائدتها الوقفُ، والدِّلالةُ على أنَّ الكلامَ قد انقطع (١)، وأنَّ ما بعدَه مستأنَفٌ. * * * (٦٧) - ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ يعنون رؤساءَ الكفر الذين لقَّنوهم الكفر وزيَّنوه لهم. وقرئ: ﴿سَادَتَنَا﴾ على جمع الجمع (٢)؛ للدِّلالة على الكفرة. ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ بما زيَّنوا لنا. * * * (٦٨) - ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾. ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ﴾؛ أي: مثلَي ما آتيتَنا (٣) ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ لضلالِهم وإضلالهم لنا. ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾: كثير العدد، وقرئ بالباء (٤)؛ أي: لعنًا هو أشدُّ اللَّعنِ وأعظمُه. * * * (٦٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.

стр. 3699

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ فاستحقُّوا العذابَ في العُقبى. ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ في حقِّه. لَمَّا أظهرَ اللّهُ تعالى براءَته ﵇ ممَّا قذفوه به انقطعَ كلماتهم فيه، فبرئ ﵇ مِن قولهم، فحصل لهم الخجالة في الدُّنيا بظهور كذبِهم وافترائِهم على رسولهم، وذلك ما مرَّ في (القصص) مِن تحريض قارون امرأةً على قذفه بنفسِها، أو اتِّهامِهم إيَّاه بقتل هارون ﵇، فأحياه اللَّه تعالى فأَخبر ببراءة موسى ﵇، أو قرفوه (١) بعيبٍ في بدنِه مِن برصٍ أو أدرَةٍ؛ لفرْط تستُّره حياءً، فأطلعهم اللَّه على أنَّه بريءٌ منه (٢). ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾: ذا جاهٍ (٣) ومنزلةٍ، فلذلك كان يدفعُ عنه التُّهمَّ (٤) ويحافظ على ماء وجهِه بصونِه عن كلٍّ وصمٍ (٥) ونقيصةٍ. وقرئ: (عبدًا للّهِ وجيهًا) (٦). * * *

стр. 3700

(٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ارتكابِ ما يكرهه فضلًا عن إيذاء (١) رسولِه. ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ السَّدادُ: القَصْدُ إلى الحقِّ، يقال: سدَّد السَّهم نحو الرَّميَّة، إذا لم يَعْدِل به عن سَمْتِها. قرَّر النَّهي بالأمر بالقولِ السَّديد الحقِّ، وحفظِ اللِّسان عن الكذب والغيبة والرِّيبة، ليتعاضد الأمرُ والنَّهي مترادفَين عليهم، مع إتباعِ النَّهي الوعدَ الشَّديد في ضمن قصَّة موسى ﵇، وإتباعِ الأمر الوعدَ البليغ، فيتقوَّى الصَّارفُ عن الشَّرِّ والأذى بالدَّاعي إلى الخير والتُّقى، وأفردَ القولَ السَّديد بالذِّكرِ وإن كان داخلًا في التَّقوى؛ لأنَّه اجتنابٌ عن (٢) رذيلة الكذب (٣) لفضله كأنَّه جنسٌ برأسه، كما خُصَّ جبريل ﵇ مِن بينِ الملائكةِ (٤). * * * (٧١) - ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ بالقَبولِ والإثابة عليها، وذلك بالتَّوفيق لصالح الأعمالِ (٥).

стр. 3701

﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ويجعلْها مكفَّرَة باستقامتكم في القول والعمل. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنواهي ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. عاشَ في الدُّنيا حميدًا، وفي الآخرة سعيدًا. * * * (٧٢) - ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ الإشفاقُ: خوفٌ مع اعتناء. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ تقريرٌ للوعد السَّابق بتعظيم الطَّاعة، فإنَّه لَمَّا علَّقَ الفوزَ العظيم بها أراد أنْ يقرِّر أَنَّه حقٌّ لها باستعارة الأمانة لها؛ لأنَّها واجبةُ الأداء كالأمانة، وهي أنها مِن عِظَمها بحيث لو عُرِضَتْ على هذه الأجرام العِظام مع إحكامها وقوَّتها وكانت شاعرة لأبَتْ أنْ يحملنها وأشفقْنَ منها، وحملها الإنسانُ مع ضعفِ بِنْيته (١) ورخاوة قوَّته، فجدير بالقائم بحقوقِها والمراعي لها أنْ يفوزَ بخير الدَّارَين، وسعادةِ المنزِلَيْنِ، وحقَّ (٢) لمن أضاع حقوقَها وخانها أنْ يُرهق بأشدِّ العذاب، ويؤوبَ شرَّ المآب. ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ حيثُ لم يراعِ حقوقَها، ولم يؤدِّها، ولم يفِ بها. ﴿جَهُولًا﴾ حيثُ لم يعرِفْ عظمَ قدرِها وفخامةَ شأنِها، فلم يؤدِّها، وهذا حكمٌ على الجنس بحسب الأغلب.

стр. 3702

ووجهٌ آخرُ، وهو أنْ يراد بالطَّاعة: الانقياد لأمر اللَّه تعالى مطلقًا، بحيث يشتمل الاختياريَّ والطَّبيعيَّ. وبعرضها: استدعاؤُها الذي يعمُّ إرادةَ صدور ما خُلقت هذه الأجرام لها عليها (١)، وطلبَ ما خُلِقَ الإنسان له منه (٢). وبحملِها: الامتناعُ من أدائها والخيانة فيها. يُقال: حملَ الأمانة واحتملها: إذا لم يؤدِّها إلى صاحبها فيخرجَ مِن (٣) عهدتها وتزولَ عن ذمَّته؛ لأنَّ الأمانة إذا كانت عليه كانت كأنَّها (٤) راكبةٌ له وهو حاملها، كما يُقالُ: ركبَتْهُ الدُّيون، فإذا أدَّاها لم تبقَ راكبةً له، ولا يكون هو حاملها. وبإبائِها حملَها (٥): إتيانُها بما أراد اللَّه تعالى منها طوعًا وانقيادًا. وبإشفاقِها: موافقتُها لأمر اللَّه وامتناعُها من مخالفته. على أنَّها مجازاتٌ، فيكون المعنى: أنَّ هذه الأجرام مع عِظَمِها وقوَّتها لم تمتنع مِن طاعتنا، وانقادَتْ لِمَا أمرناها به، وأدَّتْ أمانتنا (ولم تخُنْ، وأذعنَتْ لِمَا أردنا منها، كقوله: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. وأمَّا الإنسان مع كونه عاقلًا لِمَا يوجِبُ (٦) طاعتنا، فحاله بخلاف ذلك،

стр. 3703

فإنَّه حمل الأمانةَ ولم يؤدِّها؛ أي: عصانا (١) ولم يطع. ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ لأنَّه لم يؤدِّ حقَّنا وأمانتنا، ولم يفِ بعهدنا وخانَنا ﴿جَهُولَا﴾ بوخامةِ عاقبته. ولام التَّعليل للعاقبة؛ لأنَّ التَّعذيبَ يَعقب حملَ الأمانةِ. ويجوزُ أنْ يُرادَ بالأمانةِ: العقلُ، وما يلزمُه من التَّكليف. وبعرضِها عليهنَّ: اعتبارُها بالإضافة إلى استعدادهنَّ. وبإبائهنَّ: الإباءُ الطَّبعي، الذي هو عدمُ اللياقة والاستعداد. وبحمل الإنسان: قابليَّتُه واستعدادُه لها، وكونه (٢) ظلومًا جهولًا لِمَا غلبَ عليه مِن القوَّة الغضبيَّة والشهويَّة، وعلى هذا يَحسُن أن يكون علَّةً للحمل عليه، فإنَّ مِن فوائدِ العقلِ أنْ يكون مهيمنًا على القوَّتَيْنِ، حافظًا لهما عن التَّعدِّي ومجاوزةِ الحدِّ، ومعظمُ المقصودِ مِن التَّكليف: تعديلُهما وكسرُ سَورتهِما. * * * (٧٣) - ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ تعليلٌ للحمْلِ مِن حيثُ إنَّه نتيجته (٣)؛ كالتَّأديبِ للضَّربِ، في: ضربتُهُ تأديبًا.

стр. 3704

وذِكْرُ التَّوبةِ في الوعد إشعارٌ بأنَّ كونه ظلومًا جهولًا في جِبلَّته لا يكاد يخلو (١) عن شيءٍ منه. وقرئ: (ويتوبُ) بالرَّفع (٢)، على أنَّ العلَّةَ قاصرةٌ على فعل الحامل، و (يتوبُ اللّهُ) ابتداءُ كلامٍ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ حيثُ تابَ على فرطاتِهِ. ﴿رَحِيمًا﴾ حيثُ أثابَ على طاعاتِهِ. * * *

стр. 3705

سُورَةُ سَبَإٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قد سبقَ أنَّ في وصف المحمودِ بعد إثباتِ الحمدِ له إشعارٌ بأنَّه موجِبٌ لاستحقاقِه للحمد، فالمعنى أنَّه تعالى حقيقٌ بالحمد لأجْل إنعامه بجميع النِّعم الدنيويَّة، ولهذا عطفَ عليه بقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ - الحمدُ على النِّعم الأُخرويَّة - عطفَ المقيَّد على المقيَّد؛ أي: إنَّه المحمودُ على نِعَمِ الدنيا في الدنيا، وعلى نِعَمِ الآخرةِ في الآخرة، وتقديمُ الصلة للاختصاص بكون النِّعَم الأُخروَّية منه تعالى بلا واسطةٍ، وأمَّا نِعَمُ الدنيا فقد تكون بواسطةِ مَن يستحِقُّ الحمد أيضًا؛ لتسبُّبه لها. والفَرْق بين الحمْدَيْن: بأنَّ الأولَ منهما واجبٌ دون الثاني؛ لأَنَّه على نعمةٍ واجبةِ الإيصال إلى مستحقِّها لا يتمشَّى على أصل أهل السنَّة، وذلك ظاهر، ولا على أهل (١) الاعتزالِ؛ لأنَّهم لا يُنكِرون التفضُّلَ (٢) في الآخرة، غايتُه (٣) أنَّهم لا

стр. 3706

يُوافقونا في كون الكلِّ تفضُّلًا (١)، ووجوبُه بحُكْم الوعد لا ينافيه؛ لأنَّ الوعدَ منه تعالى مع عدم شموله لأنواع النِّعَم الأخرويَّة فضلًا عن أفرادها، كان تفضُّلًا، وما يجب بحُكم التفضُّل لا يَخرج عن حدِّه، على أنَّه لا يَثبت به الاستحقاقُ، فلا يجدي نفعًا في دفعِ الخَلَل، فتأمَّل (٢). ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله، المصيبُ في أقواله ﴿الْخَبِيرُ﴾ بما في الضمائر مِن السرائر، فهما للإيذان بأنَّه تعالى كما يستحقُّ الحمدَ لأنَّه مُنعِم يَستحقُّه لأنَّه منعوتٌ بصفات الكمالِ، وأنَّ إنعامَه على وجه الحكمةِ والصواب، وعن علمٍ بوضع الاستحقاق والاستيجاب. ثم فصَّل علمَه وحكمتَه بعد الإجمال بقوله: (٢) - ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾: مِن ماء المطر وعروقِ النبات وأصولِ الأشجار، وأمَّا الكنوز والدفائنُ والأمواتُ فممَّا يُوضَع (٣) فيها، لا ممَّا يَلجُ فيها، والولوجُ: الدخولُ في المضيق (٤). ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: مِن مياهِ العيون والنباتِ والأشجار وحشرات الأرض، وأمَّا الفِلزَّات فممَّا يُخرَج لا ممَّا يَخرُج.

стр. 3707

﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: مِن الملائكة والكتبِ وقَطَراتِ الأمطار والصواعقِ وأمثالِ ذلك. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾: مِن الملائكة والأعمالِ والأَبْخرة والأَدخنة وغيرها، وتعديةُ ﴿يَعْرُجُ﴾ (١) بـ (في)، يقال: عَرَجَ في الدَّرجة، إذا ارتقى. ﴿وَهُوَ﴾ مع وفورِ هذه النِّعَم وسبوغِها ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالنِّعَم الدينيَّة؛ مِن العلم والحكمة والهداية ﴿الْغَفُورُ﴾ للمفرِّطينِ في أداءِ موجبِ (٢) شكرِها، عقَّبه بهذين الوصفين تتميمًا للمقصود، يعني أنَّه تعالى مع أنَّه أولاهم بتلك النِّعم وشَهدَ منهم ذلك التقصيرَ، يَزيدُ في تلك النعمة، ويَغفر لهم ذلك التفريط. * * * (٣) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ النفيُ إمَّا إنكارٌ، وإمَّا استبطاءٌ للموعود واستهزاءٌ وسخريةٌ، كقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]. ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ردٌّ لقولهم، وإثباتٌ لِمَا نَفَوهُ بما هو الغاية في المبالغة بتكرير (٣) الإيجاب مع التأكيد القَسَمي، وإتباعِ المقسوم به بالوصف المقرِّر لوقوعه، والتعليلِ الموجب لثبوته (٤).

стр. 3708

وقرئ: (ليأتينكم) بالياء التحتانية (١)؛ على أنَّ الساعةَ بمعنى اليوم، أو على أنَّ الفاعل: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾؛ أي: ليَأتينَّكم أمرُه، وعلى الأول كان المذكور رفعًا على المدح؛ أي: هو عالمُ الغيبِ، أو: مبتدأ، خبره: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾. وقرئ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ بالجرِّ، صفةٌ لـ (ربِّي)، و (علَّامِ الغيوبِ) (٢)؛ للمبالغة. و ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ بضمِّ الزاي وكسرِها (٣)؛ مِن العُزُوب، وهو البُعْدُ. ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾: مقدارُ أصغرِ نملةٍ (٤). ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ جملةٌ مؤكِّدةٌ لنفي العزوب، ورفعُهما على الابتداء، ويؤيّده القراءةُ بالفتح فيهما (٥)، على نفي الجنس، كقوله: لا حول ولا قوَّة، بالرفع والنصب. والاستثناءُ في قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ - أي: اللوح المحفوظ (٦) - يأبى عطفَ المرفوعِ على ﴿مِثْقَالُ﴾ والمنصوبِ على ﴿ذَرَّةٍ﴾ على أنَّ فتحَه لامتناعِ

стр. 3709

الصَّرْف، إلَّا أنْ يُجعل الضميرُ في ﴿عَنْهُ﴾ للغيب، ويُجعلَ المثبَت في اللوح بارزًا عن الغيب مشهودًا للملأِ الأَعلى، كما قال بعضُهم، ولا يُساعده المعنى؛ لأنَّ المعنى الغيبي إذا أُبرز إلى الشهادة (١) لم يَعزُب عنه، بل بقيَ في الغيب على ما كان عليه مع بروزِه، فهي جملةٌ مستقلِّةٌ، والواوُ عاطفةٌ للجملة على الجملة، لتَناسُبهما في بيانِ علمه تعالى لا بالغيب. * * * (٤) - ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ تعليلٌ لقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ إذ لا تعبَ فيه ولا مَنَّ عليه. * * * (٥) - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ بالإبطال وتزهيدِ الناس فيها. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مسابقين؛ ليفوتونا، وقرئ: ﴿مُعَجِّزِينَ﴾ (٢)؛ أي: مثبِّطينَ الناسَ عن قَبولها. ﴿مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ الرِّجْزُ: سوءُ العذاب. ﴿أَلِيمٌ﴾: مُؤلِمٌ، قرئ: بالرفع والجرِّ (٣). * * *

стр. 3710

(٦) - ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: ويَعلمُ أولو (١) العلم مِن أصحابِ رسول اللَّه ﷺ ومَن تابعهم مِن أمَّته، أو علماءُ أهلِ الكتاب الذين أَسلموا، كعبد اللَّه بن سَلَام وكعبِ الأحبار وأضرابِهما. ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ القرآنَ ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ مفعولان لـ ﴿يَرى﴾، و ﴿هُوَ﴾ فَصْلٌ (٢)، ومَن رفع (الحقّ) (٣) جعله مبتدأً، و (الحقُّ) خبرًا، والجملة في موضع المفعول الثاني لـ ﴿وَيَرَى﴾ وهو في محلِّ الرفع على أنَّه كلامٌ مستأَنف للاستشهاد بأُولي العلم على الجهلةِ الساعينَ في الآيات. وقيل: في محلِّ النصب عطفًا على ﴿لِيَجْزِيَ﴾؛ أي: ليَعلم العلماءُ عند مجيءِ الساعةِ أنَّه الحقُّ عيانًا كما علموا (٤) الآن برهانًا، فيحتجُّوا به على المكذِّبين السَّاعين، أو: ليَعلم علماءُ أهلِ الكتاب الذين لم يُؤمِنوا حينئذٍ أنَّه الحقُّ، فيزدادوا حسرةً وغمًّا. ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ الذي هو التوحيد والتدرُّعُ بلباس التقوى. * * *

стр. 3711

(٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال بعضُ كفَّار قريشٍ لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنُون محمَّدًا ﵊، وإنَّما عبَّروا عنه بـ ﴿رَجُلٍ﴾ على التنكير ولم يَذكروه باسمه - مع شهرتِه فيما بينهم - للتعجُّب (١)، وإخراجِ كلامه (٢) مخرجَ الأعاجيبِ التي لا يُعرَف ناقلُها وواضعُها، بل تُحكى للتلهِّي والسخرية، فلذلك أُخرجَ هو مخرج مَن لم يعرف، وفي قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ دون: يُخبركم، تأييدٌ لِمَا ذكر، فإنَّ النبأ خبرٌ فيه غرابةٌ وشأنٌ. ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾: إذا مُتُّم وفرِّقتم ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ونصبٌ على المصدر، أو على الظرف على أنَّه اسمُ مكانٍ؛ أي: فرِّقتم كلَّ تفريقٍ وصرتُم ترابًا، أو كلَّ موضعِ تفريقٍ، كبطون السباع، وحواصل الطيور، ومذاهب السيول. والعاملُ في الظرف (٣) ما دلَّ عليه: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: بُعثتم وجُدِّد خَلْقكم، و ﴿جَدِيدٍ﴾ و فَعِيل بمعنى فاعل مِن جَدَّ، أو بمعنى مفعول (٤) مِن جَدَّهُ الناسِجُ إذا قَطَعهُ، وأصله في الثوب ثم شَاعَ. وإنَّما قدِّم الظرفُ اعتناءً باستبعاده، وإيذانًا بأنَّه سببُ التعجُّب، لبُعدِه عن (٥)

стр. 3712

العقول، وأصله: يُنبِّئكم أنَّكم تُبعَثون ويُجدَّد خَلْقكم إذا متُّم، فقدِّم وأخِّر وبدِّل وغيِّر لما قلنا، ولذلك بالغُوا في التأكيد بـ (إنَّ) واللامِ مُتعجِّبين ومُعجِّبين مِن جزمه بالبعث؛ أي: لا يُقنَع بإمكانه، بل يُجزَم بوقوعِ (١) محالٍ مثلِه، وهذا هو السبب في حصرِهم قولَه ﵊ في الافتراء والجنون؛ بناءً على أنَّ كونه صدقًا وحقًّا أمرٌ بيِّنُ الاستحالة عندهم، فالترديد بين قِسْمي الكذب. * * * (٨) - ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾. ﴿أَفْتَرَى﴾ ألفُ استفهامٍ دخلت على الألف المجتلَبة فأَسْقَطتْها؛ للاستغناء عنها، ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أقصدَ وتعمَّدَ كذبًا بالغًا في كَذِبه. ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾: أم حلَّ به جنونٌ فيقولَ بغيرِ قصدٍ، عادَلوا بين الافتراء والجنون؛ لأنَّ هذا القولَ عندهم إنَّما يَصدُر عن أَحَدِ هذين؛ لأنَّه إنْ كان يَعتقد خلاف (٢) ما أَخبر به فهو مفترٍ، وإنْ كان لا يعتقد فهو مجنون. ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ أَضربَ عن تقسِيمهم لبطلانه، إلى أنَّ الكافرين وقعوا بسببِ إنكارِهم للبعث وعدمِ إيمانِهم بالدار الآخرةِ (٣)، في العذاب والضلال معًا، ولم يَفطنوا (٤) - لغاية ضلالهم - للقِسْم الثالث الذي هو الحقُّ، وأنَّه ﵊ بعيدٌ مِن القسمين المذكورين، لم يقلْ إلَّا صدقًا وحقًّا.

стр. 3713

ووُضع الموصول موضعَ الضمير للإيذان بأنَّ سببَ استبعادهم للبعث ونسبةِ الافتراء والجنون إليه - الذي هو الضلالُ المحض - إنَّما هو عدمُ إيمانهم بالآخرة. وقُرن العذاب بالضلال إشعارًا بأنَّ العذابَ يلزم الضلالَ غير منفكٍّ عنه كأنَّهما في وقتٍ واحدٍ؛ لسرعة أداءِ الضلالِ إليه، ووصفُ الضلال بالبُعد مِن الإسناد (١) المجازي؛ لأنَّ البعدَ صفةُ الضلال إذا بَعُدَ عن الجادَّة. * * * (٩) - ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ تذكيرٌ لهم بما هم معاينوه مِن كمال قدرةِ اللَّه تعالى، وتهديدٌ على تكذيبهم؛ أي: أَعَمُوا فلم ينظروا إلى ما أَحاط بجوانبهم مِن السماء والأرض، فيستدلُّوا بذلك على أَنَّهم في سلطان اللَّه تعالى تجري عليهم أحكامه! ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما فعلنا بقارونَ ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ قطعةً ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما فَعَلنا بأصحاب الأَيْكة؛ لتكذيبهم بالآيات البيِّنات بعد ظهورها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: في النظر إلى ما بينَ أيديهم وما خَلْفهم مِن السماء والأرض ﴿لَآيَةً﴾ بيِّنةً، ودلالةً واضحةً على قدرة اللَّه تعالى.

стр. 3714

﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: راجعٍ إلى اللَّه تعالى؛ لأنَّ الراجعَ إليه تعالى متفكِّر (١) في آياته الدالَّة على أنَّه قادرٌ على البعث وعلى عقاب المكذِّبين. * * * (١٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ على سائرِ الناس؛ ويندرج فيه النبوَّةُ والكتاب والملك (٢) والصوت الحسن، أو على سائر الأنبياء في زمانه؛ وهو ما ذكر بعده مِن المعجزات الخاصَّة به. ﴿يَاجِبَالُ﴾ بدلٌ مِن ﴿فَضْلًا﴾ بإضمار: قولنا، أو مِن ﴿آتَيْنَا﴾ بإضمار: قلنا. ﴿أَوِّبِي﴾ رجِّعي ﴿مَعَهُ﴾ التسبيحَ، وقرئ: (أُوْبِي) (٣) مِن الأَوْبِ؛ أي: ارْجِعي معه في التسبيح؛ لأنَّه إذا رجَّعه فقد رجَع فيه، وذلك بخَلْق صوتٍ فيها مثلَ صوتِه؛ معجزةً له، كخَلْق الكلام في الشجرة. وقيل: سيري معه أينما سارَ. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ وقرئ بالرفع (٤) عطفًا على لفظ الجبال؛ تشبيهًا للحركة البنائية - لكون بنائه بسبب العارض، وهو وقوعُ منادًى مقامَ (٥) مبنيِّ الأصل وهو كافُ أدعوكَ -

стр. 3715

بالحركة الإعرابيَّة، أو عطفًا على فاعل: ﴿أَوِّبِي﴾؛ أي: أوبي أنتِ والطيرُ، كقوله: اشكر أنت والطيرُ، كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. وبالنصب على محلِّه (١)، ولا تأييدَ في القراءة بالرفع لهذا (٢)؛ لأنَّ مبناهُ على أنْ يتعيَّن فيها العطف على لفظ الجبال، وقد عرفتَ أنَّه غير متعيِّن، أو على أنَّه مفعول معه. وقيل: عطفًا على ﴿فَضْلًا﴾ بمعنى: وسخرنا له الطير، وأصل النظم: ولقد آتينا داود منا فضلًا تأويبَ الجبالِ والطيرَ، وعدل إلى هذه الصيغة للفخامة والجزالة، والدلالة على كمال قدرته تعالى وعزَّة سلطانه وكبريائه. وجعل الجبال والطير كالعقلاءِ المطيعين الذين إذا دعاهم سمعوا وأجابوا، وإذا أَمرهم أذعنوا وأطاعوا؛ إشعارًا بأنَّ كلَّ حيوانٍ وجمادٍ مطيعٌ له ومنقادٌ لمشيئته غيرُ ممتنعٍ على إرادته. ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: وجعلناهُ له ليِّنًا كالشمع، يُصرِّفه بيده كيف شاءَ بغير إحماءٍ بنارٍ ولا ضربٍ بمطرقة، بإلانَتِه أو بشدَّة قوَّته (٣). * * * (١١) - ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
следующие страницы →