(٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال بعضُ كفَّار قريشٍ لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنُون محمَّدًا ﵊، وإنَّما عبَّروا عنه بـ ﴿رَجُلٍ﴾ على التنكير ولم يَذكروه باسمه - مع شهرتِه فيما بينهم - للتعجُّب (١)، وإخراجِ كلامه (٢) مخرجَ الأعاجيبِ التي لا يُعرَف ناقلُها وواضعُها، بل تُحكى للتلهِّي والسخرية، فلذلك أُخرجَ هو مخرج مَن لم يعرف، وفي قوله:
﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ دون: يُخبركم، تأييدٌ لِمَا ذكر، فإنَّ النبأ خبرٌ فيه غرابةٌ وشأنٌ.
﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾: إذا مُتُّم وفرِّقتم ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ونصبٌ على المصدر، أو على الظرف على أنَّه اسمُ مكانٍ؛ أي: فرِّقتم كلَّ تفريقٍ وصرتُم ترابًا، أو كلَّ موضعِ تفريقٍ، كبطون السباع، وحواصل الطيور، ومذاهب السيول.
والعاملُ في الظرف (٣) ما دلَّ عليه: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: بُعثتم وجُدِّد خَلْقكم، و ﴿جَدِيدٍ﴾ و فَعِيل بمعنى فاعل مِن جَدَّ، أو بمعنى مفعول (٤) مِن جَدَّهُ الناسِجُ إذا قَطَعهُ، وأصله في الثوب ثم شَاعَ.
وإنَّما قدِّم الظرفُ اعتناءً باستبعاده، وإيذانًا بأنَّه سببُ التعجُّب، لبُعدِه عن (٥)
стр. 3712
العقول، وأصله: يُنبِّئكم أنَّكم تُبعَثون ويُجدَّد خَلْقكم إذا متُّم، فقدِّم وأخِّر وبدِّل وغيِّر لما قلنا، ولذلك بالغُوا في التأكيد بـ (إنَّ) واللامِ مُتعجِّبين ومُعجِّبين مِن جزمه بالبعث؛ أي: لا يُقنَع بإمكانه، بل يُجزَم بوقوعِ (١) محالٍ مثلِه، وهذا هو السبب في حصرِهم قولَه ﵊ في الافتراء والجنون؛ بناءً على أنَّ كونه صدقًا وحقًّا أمرٌ بيِّنُ الاستحالة عندهم، فالترديد بين قِسْمي الكذب.
* * *
(٨) - ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾.
﴿أَفْتَرَى﴾ ألفُ استفهامٍ دخلت على الألف المجتلَبة فأَسْقَطتْها؛ للاستغناء عنها، ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أقصدَ وتعمَّدَ كذبًا بالغًا في كَذِبه.
﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾: أم حلَّ به جنونٌ فيقولَ بغيرِ قصدٍ، عادَلوا بين الافتراء والجنون؛ لأنَّ هذا القولَ عندهم إنَّما يَصدُر عن أَحَدِ هذين؛ لأنَّه إنْ كان يَعتقد خلاف (٢) ما أَخبر به فهو مفترٍ، وإنْ كان لا يعتقد فهو مجنون.
﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ أَضربَ عن تقسِيمهم لبطلانه، إلى أنَّ الكافرين وقعوا بسببِ إنكارِهم للبعث وعدمِ إيمانِهم بالدار الآخرةِ (٣)، في العذاب والضلال معًا، ولم يَفطنوا (٤) - لغاية ضلالهم - للقِسْم الثالث الذي هو الحقُّ، وأنَّه ﵊ بعيدٌ مِن القسمين المذكورين، لم يقلْ إلَّا صدقًا وحقًّا.
стр. 3713
ووُضع الموصول موضعَ الضمير للإيذان بأنَّ سببَ استبعادهم للبعث ونسبةِ الافتراء والجنون إليه - الذي هو الضلالُ المحض - إنَّما هو عدمُ إيمانهم بالآخرة.
وقُرن العذاب بالضلال إشعارًا بأنَّ العذابَ يلزم الضلالَ غير منفكٍّ عنه كأنَّهما في وقتٍ واحدٍ؛ لسرعة أداءِ الضلالِ إليه، ووصفُ الضلال بالبُعد مِن الإسناد (١) المجازي؛ لأنَّ البعدَ صفةُ الضلال إذا بَعُدَ عن الجادَّة.
* * *
(٩) - ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ تذكيرٌ لهم بما هم معاينوه مِن كمال قدرةِ اللَّه تعالى، وتهديدٌ على تكذيبهم؛ أي: أَعَمُوا فلم ينظروا إلى ما أَحاط بجوانبهم مِن السماء والأرض، فيستدلُّوا بذلك على أَنَّهم في سلطان اللَّه تعالى تجري عليهم أحكامه!
﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما فعلنا بقارونَ ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ قطعةً ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما فَعَلنا بأصحاب الأَيْكة؛ لتكذيبهم بالآيات البيِّنات بعد ظهورها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: في النظر إلى ما بينَ أيديهم وما خَلْفهم مِن السماء والأرض ﴿لَآيَةً﴾ بيِّنةً، ودلالةً واضحةً على قدرة اللَّه تعالى.
стр. 3714
﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: راجعٍ إلى اللَّه تعالى؛ لأنَّ الراجعَ إليه تعالى متفكِّر (١) في آياته الدالَّة على أنَّه قادرٌ على البعث وعلى عقاب المكذِّبين.
* * *
(١٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ على سائرِ الناس؛ ويندرج فيه النبوَّةُ والكتاب والملك (٢) والصوت الحسن، أو على سائر الأنبياء في زمانه؛ وهو ما ذكر بعده مِن المعجزات الخاصَّة به.
﴿يَاجِبَالُ﴾ بدلٌ مِن ﴿فَضْلًا﴾ بإضمار: قولنا، أو مِن ﴿آتَيْنَا﴾ بإضمار: قلنا.
﴿أَوِّبِي﴾ رجِّعي ﴿مَعَهُ﴾ التسبيحَ، وقرئ: (أُوْبِي) (٣) مِن الأَوْبِ؛ أي: ارْجِعي معه في التسبيح؛ لأنَّه إذا رجَّعه فقد رجَع فيه، وذلك بخَلْق صوتٍ فيها مثلَ صوتِه؛ معجزةً له، كخَلْق الكلام في الشجرة.
وقيل: سيري معه أينما سارَ.
﴿وَالطَّيْرَ﴾ وقرئ بالرفع (٤) عطفًا على لفظ الجبال؛ تشبيهًا للحركة البنائية - لكون بنائه بسبب العارض، وهو وقوعُ منادًى مقامَ (٥) مبنيِّ الأصل وهو كافُ أدعوكَ -
стр. 3715
بالحركة الإعرابيَّة، أو عطفًا على فاعل: ﴿أَوِّبِي﴾؛ أي: أوبي أنتِ والطيرُ، كقوله: اشكر أنت والطيرُ، كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
وبالنصب على محلِّه (١)، ولا تأييدَ في القراءة بالرفع لهذا (٢)؛ لأنَّ مبناهُ على أنْ يتعيَّن فيها العطف على لفظ الجبال، وقد عرفتَ أنَّه غير متعيِّن، أو على أنَّه مفعول معه.
وقيل: عطفًا على ﴿فَضْلًا﴾ بمعنى: وسخرنا له الطير، وأصل النظم: ولقد آتينا داود منا فضلًا تأويبَ الجبالِ والطيرَ، وعدل إلى هذه الصيغة للفخامة والجزالة، والدلالة على كمال قدرته تعالى وعزَّة سلطانه وكبريائه.
وجعل الجبال والطير كالعقلاءِ المطيعين الذين إذا دعاهم سمعوا وأجابوا، وإذا أَمرهم أذعنوا وأطاعوا؛ إشعارًا بأنَّ كلَّ حيوانٍ وجمادٍ مطيعٌ له ومنقادٌ لمشيئته غيرُ ممتنعٍ على إرادته.
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: وجعلناهُ له ليِّنًا كالشمع، يُصرِّفه بيده كيف شاءَ بغير إحماءٍ بنارٍ ولا ضربٍ بمطرقة، بإلانَتِه أو بشدَّة قوَّته (٣).
* * *
(١١) - ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
стр. 3716
﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ (أنْ) هي المفسِّرة؛ أي: أمرناهُ أنِ اعمل، أو المصدريَّة؛ أي: بأن اعمل.
﴿سَابِغَاتٍ﴾: دروعًا ضافياتٍ (١)، يقال: سَبَغَ الثوبُ، إذ غطَّى كلَّ ما هو عليه وفَضَلَ منه، والمراد: زيادته على البدن حتَّى يسترَ الساعدين والساقين، وهو أوَّل مَن اتَّخذها، وكانت قبل ذلك صفائحَ وكانت ثقالًا، ولذلك أَمَره بالتقدير؛ بأنْ يَجمع بين الخفَّة والحصانة؛ أي: لا تَقصِد الحصانةَ فتَثقُلَ، ولا الخفَّةَ فتزولَ المنفعةُ.
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: سَرْدِ الدِّرعِ، وهو أنْ تُحكِمَها وتجعلَ نظامَ حَلَقِها ولاءً غيرَ مختلفة (٢)، ومنه سَرْدُ الكلامِ: نَظْمُه في نسقٍ واحدٍ.
وقيل: التَّقديرُ: أمر به في قَدْرِ الحَلْقة (٣)؛ أي: لا تجعلها صغيرةً فتَضعُفَ ولا يَقوى الدرعُ على الدفاع، ولا كبيرةً فيُنالَ لابسُها مِن (٤) خِلالها.
وقيل: هو في المسمار؛ أي: اجعل المسامير (٥) على قَدْرِ الحلَق؛ لا تُغلِّظها فتُختَرقَ، ولا تُدقِّقها فتَعلقَ.
وهذان القولان (٦) على الوجهين المذكورين في تفسير: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾، فردُّ الأخيرِ بأنَّ دروعها لم تكن مسمَّرةً مردودٌ؛ لأنَّ عدمَ الحاجة إلى التسمير على
стр. 3717
تقدير أن يكون الحديدُ ليِّنًا بإلانته تعالى، وأمَّا إذا كان على طبيعتِه وليَّنه داودُ ﵇ بشدَّة قوَّته، فلا بُدَّ مِن التسمير، وبهذا التفصيل ظهر فسادُ ما قيل: ويؤيد الرَّدَّ المذكورَ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾.
﴿وَاعْمَلُوا﴾ الضمير لداودَ ﵇ وأهلِه ﴿صَالِحًا﴾ عملًا يُوافقُ أمرَ اللَّه تعالى ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ترغيبٌ وترهيبٌ.
* * *
(١٢) - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾: وسخَّرنا لسليمان الريحَ (١) فيمَن نَصَبَ، و: لِسُلَيْمَانَ الرِّيحُ مسخرةٌ فيمَن رَفَعَ (٢).
﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾؛ أي: جَريُها بالغداةِ مسيرةُ شهرٍ، وجَريُها بالعشيِّ كذلك.
﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: النحاسِ المذابِ، أساله مِن معدنِ النحاس، فكان ينبعُ له نبوعَ الماء مِن الينبوع، ولذلك سمَّاه ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾، وكان ذلك باليَمَن.
﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ﴾ ﴿وَمَن﴾ في محلِّ النصب عطفًا على ﴿الرِّيحَ﴾، و ﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾ حالٌ مُتقدِّمة، أو في محلِّ الرفع على الابتداء، و ﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾ خبرُه.
﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: قُدَّامَه ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: بتيسيره، وقد سبق وجهُ هذه الاستعارة في سورة الأحزاب.
стр. 3718
﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾: يَعدِلْ ﴿مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ الذي أمرناه به مِن طاعة سليمان ﵇ ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: عذابِ النار، قيل: كان معه مَلَكٌ بيده سَوطٌ مِن نارٍ، فمَن زَاغَ عن أمرِه، ضَرَبه ضربةً أَحْرقته.
* * *
(١٣) - ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾؛ أي: مساجدَ، إنَّما عبَّر عن المسجد بالمحراب؛ لاختصاصه به مِن بين سائر البيوت (١).
﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ صورَ الملائكةِ والنبيينَ والعُبَّادِ؛ كانت تُعمَل في المساجد على هياكلِ العبادات التي اعتادوها ليراها الناسُ، فيَعبدوا نحوَ عبادتهم، ولم يكن عملُ التصاوير إذ ذاك حرامًا.
﴿وَجِفَانٍ﴾ وصِحافٍ ﴿كَالْجَوَابِ﴾: جمع جابية، وهي الحوض الكبير (٢)؛ لأنَّ الماء يُجبى فيها؛ أي: يُجمَع، جُعل الفعلُ لها مجازًا، وهي مِن الصفات الغالبة كالدَّابَّة.
стр. 3719
وقرئ بحذف الياء اكتفاءً بالكسرة (١)، كقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦].
﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: ثابتاتٍ على الأَثافي لا تنزلُ عنها، كنايةً عن عِظَمِها، وهذه الكنايةُ كانت في منزلة التشبيه في قرينها.
﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ حكايةٌ لِمَا قيل لهم، و ﴿شُكرًا﴾ مفعوله، أو حالٌ بمعنى: شاكرين، أو نُصبٌ على المصدر؛ أي: اشكروا شكرًا، وحُذفَ فِعْله لدلالة ﴿اعْمَلُوا﴾ عليه مِن حيث إنَّ العملَ للمُنعِم شكرٌ له، ويجوز أن يكون مفعولًا به على طريقة المشاكلة، بمعنى: إنَّا سخَّرنا لكم الجِنَّ يعملونَ لكم ما شِئتم، فاعملوا أنتُم لنا شكرًا.
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ المتوفِّر على أداء الشكر بقلبه ولسانِه وجوارحه في أكثرِ أوقاته (٢).
* * *
(١٤) - ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾: على سليمانَ ﴿الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ﴾ الضمير للجِنِّ ﴿عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ هي الأَرَضةُ اسمها: السُّرْفَة، والأَرْضُ - وهو تأثُّر الخشبة منها - فِعلُها (٣)، فأُضيفت إليه.
стр. 3720
﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ المِنْسَأة: العصا؛ لأنَّه يُنسأُ بها؛ أي: يُطرد ويُؤخَّر، وقرئ: بفتح الميمِ وتخفيفِ الهمزة قلبًا وحذفًا (١)، وكلاهما ليس بقياسٍ، ولكن [إخراج الهمزة بينَ بينَ هو] التخفيف القياسي.
و: (مِنْسَاءته) على مِفْعالَة (٢)، كما يقال في المِيْضَأة: مِيْضاءَة.
و: ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ (٣)؛ أي: مِن طَرَفِ عصاهُ، استُعيرت مِن سَأَةِ القوسِ، وفيه لغتان؛ كقَحَةٍ وقِحَةٍ.
﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ مِن تَبيَّن الشيءُ: إذا ظَهَر وانجلى (٤)، أو مِن تَبَيَّنهُ: إذا تحقَّقه.
﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مع صلتها بدلٌ مِن ﴿الْجِنُّ﴾ بدلَ الاشتمال؛ كقولك: تبيَّن زيدٌ جهلُه؛ أي: تبيَّن جهلُ زيدٍ، أو مفعول به.
وعلى الأول الظهور في المعنى للمُبدَل مِن الجنِّ لا لهم؛ أي: ظهر أنَّ الجنَّ لو كانوا يعلمون الغيب ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
وعلى الثاني معناه: تحقَّق الجنُّ أنْ لو كانوا يعلمون الغيبَ كما يزعمونَ لعلموا
стр. 3721
بموته حالَ وقوعه فلم يَلبثوا بعده حولًا في تسخيره، أو: عَلِم الجنُّ كلُّهم عِلْمًا بيِّنًا بعد التباسِ الأمرِ على عامَّتهم وضَعَفَتهم، وتوهُّمهم أنَّ كبراءَهم يَصدُقون في ادِّعائهم علم الغيب.
* * *
(١٥) - ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ الانتظامُ بيِّنٌ في القصَّتين؛ أنَّ الأولى في مدح الشَّكور، والثانيةَ في ذمِّ الكفور وبيانِ جزاءِ كفرانه.
وقرئ: ﴿لِسَبَإٍ﴾ مُنصَرِفًا؛ أي: لأولادِ سبأٍ، وهو سَبَأُ بنُ يَعْرُبَ بنِ قَحطانَ، وبالفتح ممنوعًا عن الصَّرْف (١)؛ على معنى القَبيلة أو المدينة، و: (سبا) بقلب الهمزة ألفًا (٢).
﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾: مواضعِ سُكْناهم، وهي باليمن، يقال لها: مَأْرِب، وقرئ: ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ بفتح الكاف وكسرها (٣) حملًا على ما شذَّ مِن القياس، كالمَسْجد والمَطْلِع.
﴿آيَةٌ﴾؛ أي: عَلَامةٌ تدلُّ أنَّ لهم إلهًا خَلَقهم ورزقهم؛ لأنَّ ما أَعطاهم مِن أنواع الشجر وألوانِ الثمر كان خارجًا عن وُسْعِ البشر.
стр. 3722
﴿جَنَّتَانِ﴾ بدلٌ مِن ﴿ءَايَةٌ﴾، أو: خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هي جنتان، وقرئ بالنَّصب (١) على المدح، ودلَّ ذلك على أنَّ في رفعه معنى المدح، والمراد: جماعتان مِن البساتين، لا بستانان اثنان.
﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ جماعة عن يمينِ بلدهم، وجماعة عن شمالِه، كلُّ واحدٍ منهما لتقارب بساتينها وتضامِّها (٢) والتفافِ أغصانها كجنَّةٍ واحدةٍ، أو بستانُ كلِّ رجلٍ منهم عن يمين مسكنه وشماله.
﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ حكايةٌ لِمَا قيل لهم؛ أي: قلنا على لسانِ الأنبياء ﵈ المبعوثين إليهم، أو هم أحقَّاء بأنْ يقال لهم، أو قال لهم لسانُ الحال.
﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ لم تكن سَبْخةً، ولا عاهَةَ فيها ولا هامَّةَ، استئنافٌ للدلالة على مُوجِب الشكر، وتعليلٌ للأمر؛ أي: هذه البلدةُ التي فيها رزقُكم بلدةٌ طيبة.
﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: وربُّكم الذي رَزَقكم وطَلَبَ شُكرَكم ربٌّ غفورٌ فَرَطاتِ مَن يَشكُره.
وقرئ: (بلدةً .... وربًّا) بالنصب على المدح (٣)، أو: اسْكُنوا واعبدُوا.
* * *
(١٦) - ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾.
стр. 3723
﴿فَأَعْرَضُوا﴾ عن الشُّكر ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ جمع: عَرِمَة؛ وهي الحجارةُ المركومةُ، والمراد: المُسنَّاةُ التي عقدوها سِكْرًا.
وقيل: ﴿الْعَرِمِ﴾ اسمُ الوادي الذي فيه السِّكْرُ، أو الوادي الذي جاء منه السيلُ، وقيل: المطرُ الشديدُ، أو الجُرَذ الذي نَقبَ السِّكْرَ عليهم.
﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ تسميةُ اللّهِ لهم جنَّتين؛ للمشاكَلَة مع التهكُّم.
﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ الأُكُلُ بالضَّمِّ والسكون: الثَّمَر، والخَمْطُ: شجرُ الأراك، وقيل: كلُّ شجرٍ ذي شوكٍ، وقيل: كلُّ نبتٍ أَخذ طعمًا مِن مرارةٍ حتَّى لا يُمكِن أكلُه.
وقرئ: ﴿أُكُلٍ﴾ بالتنوين، والإضافة إلى ﴿خَمْطٍ﴾ (١)، وإذا نوِّن جعل ﴿خَمطٍ﴾ وبدلًا منه، كأنَّه قيل: ذواتي أُكُلٍ بشعٍ، أو جعل أصله: ذواتي أُكُلٍ أُكُلِ خمطٍ، بحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه، وأمَّا الإضافة؛ فلأنَّ الخمطَ في معنى البَرِير وهو ثمرُه.
﴿وَأَثْلٍ﴾: شجرٌ يُشبِه الطَّرْفاءَ أعظمُ منه وأجودُ عودًا.
﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ السِّدْر: شجرُ النَّبِق، وهو ممَّا يطيبُ أكلُه، ولذلك كان يُغرَس في الجنان الأُوَل (٢) ويُرغَب فيه، ولذلك قيَّده بالقلَّة، وبالغَ فيه بقوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾؛ أي: بقيَ أثرٌ مّا منه على (٣) الجنانِ المُبدَلة يتذاكرونَ به ما كان
стр. 3724
ويتحسَّرون عليه، والأَثْلُ والسِّدرُ معطوفان على ﴿أُكُلٍ﴾ لا على ﴿خَمْطٍ﴾، فإنَّ ﴿الأثل﴾ لا أُكُلَ له.
وقرئ: (وأثلًا .... وشيئًا) بالنصب (١)، عطفًا على ﴿جَنَّتَيْنِ﴾.
* * *
(١٧) - ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾.
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾: بسبب كفرانهم النعمةَ، أو: بسبب كفرِهم بالرُّسل، وتقديم المفعول على ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ (٢)؛ للاهتمام والتعظيم، ولذلك أُشير إليه بـ ﴿ذَلِكَ﴾.
﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ (٣) لمَّا استُعمل الجزاءُ في معنى العقاب قيل: هل نُجازي، بمعنى: نعاقب؛ أي: هل نُجازي بمثلِ هذا الجزاءِ، وهو العقابُ العاجلُ ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾: إلَّا البليغَ في الكفران أو الكفرِ.
* * *
(١٨) - ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالتوسعةِ على أهلها، وهي قرى
стр. 3725
الشام ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾: متواصلةً يُرى بعضُها مِن بعضٍ، أو: راكبةً متنَ الطريق ظاهرةً للسابلة (١).
﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ قيل: كان الغادي (٢) منهم يَقيلُ في قريةٍ، والرائحُ يبيتُ في قريةٍ، إلى أنْ يَبلُغ الشامَ، لا يخاف جوعًا ولا عطشًا ولا عدوًّا، ولا يحتاج إلى حملِ زادٍ ولا ماءٍ.
﴿سِيرُوا فِيهَا﴾ على إرادة القول بلسان الحال، إذ لا قولَ لهم ثمَّة، ولكنْ لمَّا هيِّئت أسبابُهم ومُكِّنوا مِن السير، كأنَّهم (٣) أُمِروا بذلك وأُذِنوا فيه.
﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾؛ أي: إنْ شئتم بالليل، وإنْ شئتم بالنهار؛ فإنَّه لا يختلف الأمرُ فيها باختلاف الأوقات.
أو: سيروا فيها آمنينَ وإنْ طالت مدَّةُ سفرِكم وامتدَّت أيامًا ولياليَ.
أو: سيروا لياليَ أعمارِكم وأيامَها لا تَلقَون فيها إلَّا الأمنَ.
* * *
(١٩) - ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ سئموا أطيبَ العيشِ، وملُّوا (٤) العافيةَ والترفُّهَ، وبَطِروا النعمةَ، فطلبوا الكَدَّ والتعبَ، كما طَلب بنو إسرائيل الثومَ والبصلَ مكانَ
стр. 3726
المَنِّ والسَّلْوى، وهو بأن (١) يَجعل اللّهُ تعالى بينهم وبين الشام مفاوزَ ليرَكبوا الرواحلَ ويتزوَّدوا الأزوادَ (٢)، ويتطاولوا بها على الفقراء، فجعل اللّهُ لهم الإجابةَ بتخريب القرى المتوسِّطة.
وقرئ: ﴿ربُّنَا باعَدَ﴾ (٣) على لفظِ الخبر، ومعناه على خلاف ذلك (٤)، وهو استبعادُ مسائرهم على قصدِها ودنوِّها لفَرْط تنعُّمهم وترفُّههم، وعدمُ الاعتداد بما أُنعم عليهم فيه، كأنَّهم (٥) تشاحُّوا على ربِّهم وشَكَوا إليه.
ومثله قراءةُ مَن قرأ: (ربُّنا بَعَّدَ) (٦)، أو: (ربَّنا بَعُدَ) على النداء، ورفعِ (بينُ) (٧) بإسناد الفعل إليه.
﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ حيث بَطِروا النعمةَ ولم يعتدُّوا بها.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾؛ أي: عظاتٍ وعِبَرًا، يُتحدَّث بهم ويُتمثَّل، فيقال: تفرَّقوا أَيدي سَبَا.
﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: وفرَّقناهم (٨) .........................
стр. 3727
غايةَ التفريق، لَحِقَ غسَّانُ بالشام، وأَنْمار بيثربَ، وجذام بتِهامة، والأَزْد بعُمَان.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على الطاعة والبلاءِ ﴿شَكُورٍ﴾ للنِّعم في الرخاء.
* * *
(٢٠) - ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ﴾ بالرفع ﴿ظَنَّهُ﴾ بالنَّصب؛ أي: حقَّق عليهم ظنَّه صادقًا.
وقرئ: بنصب (إبليسَ) ورفع (ظنُّه) (١)؛ أي: وَجَدَهُ ظنُّه صادقًا.
وقرئ بتخفيف ﴿صَدَّقَ﴾ (٢) على الوجهين:
ومعنى الأول (٣): صَدَقَ إبليسُ في ظنِّه، أو: صَدَقَ يَظنُّ ظنًّا، نحو: فعلتَه جهدَك؛ أي: أن تجهدَ جهدَك.
ومعنى الثاني (٤): قال له ظنُّه الصدقَ حين خيَّلَه إغواؤهم يقولون: صَدَقَكَ ظنُّك.
وبالتخفيف ورفعِهما (٥)، على أنَّ (ظنُّه) بدلٌ منه؛ أي: صَدَقَ عليهم ظنُّ إبليسَ.
стр. 3728
﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ إنْ جعلنا الضمير هنا وفي ﴿عَلَيهمْ﴾ لبني آدم، كان كالبرهان على أنَّ أهلَ سَبَأ اتَّبعوا الشيطان فأَغواهم.
ومعنى صِدْقِ ظنِّ إبليسَ في تخييله إغواءَهم: أنَّه حين وجد آدمَ ﵇ ضعيفَ العزم، وقد أَصغى إلى وسوسته، قال: إنَّ ذرِّيَّته أضعفُ عزمًا منه، فظنَّ بهم اتِّباعَه، وقال: لأُضلنَّهم ولأُغوينَّهم.
﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قلَّل المؤمنين بالنسبة إلى الكفَّار على أنَّ ﴿مِنَ﴾ للبيان؛ أي: إلَّا فريقًا منهم المؤمنون؛ لقوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وإنْ كان للتبعيض، فهم المخلَصون لقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠].
* * *
(٢١) - ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ أي: مِن تسلُّط واستيلاءٍ بالوسوسة والاستعلاء.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾: إلَّا ليَظهر علمُنا بإيمانِ مَن آمَنَ، وشَكِّ مَن شَكَّ؛ بتميُّزهم عن (١) مظاهر الرسول والمؤمنين.
وقرئ: (ليُعلَم) على البناء للمفعول (٢).
والمرادُ بالعلم متعلَّقُه؛ ليترتَّب عليه الجزاءُ، ولذلك علِّل التسلُّطُ به.
стр. 3729
وفي (١) قوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ وتغيير نظمِ الصِّلتين بإيرادِ الجملة الاسميَّة، وتنكيرِ الشَّكِّ، وجعلِه مَقَرًّا لهم، ما لا يخفى؛ أي: ممَّن هو راسخٌ في الشَّكِّ عظيمٌ لا يَرعوي منه؛ أي: لا يتوب وعلى الكفر يموت.
﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ محافظٌ، والزِّنَتان متآخِيَتان (٢).
* * *
(٢٢) - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾.
﴿قُلِ﴾ للمشركين: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ حُذف مفعولا ﴿زَعَمْتُمْ﴾، والتَّقديرُ: زعمتُموه آلهةً، أمَّا الأول: فلطول الموصول بصلته، وأمَّا الثاني: فلقيام صفته مقامه، وهو: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهو حذفٌ شائعٌ إذا كان معلومًا، ولا يستقيم أن يكون هو مفعولَه الثاني؛ لأنَّ قولك: هم مِن دون اللَّه، لا يلتئم (٣) كلامًا ولا (٤) ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، لأنَّهم لم يَزعموا ذلك بل نقيضَه، والمعنى: ادعُوهم فيما يهمكُّم مِن جَلْبِ نفعٍ ودفعِ ضُرٍّ، كما تَدْعون اللّهَ تعالى، هل يستجيبون لكم بشيء؟!.
﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ بأنفسهم واختيارِهم ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ مِن خيرٍ أو شَرٍّ، أو نفعٍ
стр. 3730
أو ضُرٍّ، استئنافُ الجوابِ عنهم بعدَ أمرِهم إشعار بأنَّه متعيِّن ضروريّ لا يَحتمل غيرَه، ولا يُمكنهم الإفصاح عنه لكونه حجَّةً عليهم.
قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ تعميم عرفيٌّ؛ أي: لا يملكون شيئًا مّا في موضعٍ مّا، أو لأنَّ آلهتهم بعضها سماويَّة كالملائكة والكواكب، وبعضها أرضيَّة كالأصنام، أو لأنَّ الأسبابَ القريبةَ للخير والشَّرِّ إمَّا سماويَّة وإمَّا أرضيَّة، والجمل المعطوفة على الاستئنافية كلُّها لبيان منافاةِ صفاتهم للألوهيَّة بالكلية إلزامًا لهم.
﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾: في هذين الجنسين؛ مِن شركةٍ في خَلْقهما ولا في ملكِهما.
﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾: مِن مُعِينٍ (١) يُعينه على خَلْقهما وتدبيرهما، يعني أَنَّهم في العَجْز والبُعْد عن صفات الربوبيَّة بهذه المثابة، فكيف يصحُّ أنْ يُعبَدوا ويُدعَوا ويُرجَوا كما يُعبَد اللّهُ تعالى ويُدعى ويُرجى؟!.
* * *
(٢٣) - ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾؛ أي: لا تَنفعهم مِن جهة الشفاعة أيضًا كما تزعمون (٢)، إذ لا تنفع الشفاعة عنده ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ قرئ على البناءَين (٣).
стр. 3731
أي: إلَّا لمن أَذِنَ - له أن يَشْفَعَ، أوْ: لمن أَذِنَ أن يُشفَعَ له (١)، فإنَّ اللامَ المتعلِّقة بالشفاعة قد تكون للشافع، وقد تكون للمشفوع له، والأليق بهذا الموضع أن تكون بمعنى المشفوع له واللام الثانية كالثابتة (٢) في قولك: أذن لبزيدٍ لعمرٍو؛ أي: لأجْله، والمعنى: لا تنفع الشفاعةُ إلَّا كائنةً لمَن وقع الإذنُ للشفيع لأجله، حتَّى يكون ردًّا (٣) لقولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه؛ أي: لا تنفعكم شفاعتهم؛ لأنَّهم لا يُؤذَنون أن يشفعوا.
﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ غايةٌ لمفهوم الكلام، فإنَّ توقُّفَ الشفاعةِ على الإذن مُؤذِنٌ بأنَّ ثمَّة انتظارًا للإِذنِ وفزعًا للراجينَ للشفاعة والشفعاء مِن أنْ لا يُؤذَن لهم، كأنَّه قيل (٤): يتربصونَ فزعينَ حتَّى كُشفَ الفزعُ عن قلوبهم بالإذن في الشفاعة.
والتفزيع: كشف؛ الفزع وإزالتُه.
وقرئ: مخفَّفًا بمعنى المشدَّد (٥).
وقرئ: بالراء المهملة والغين المعجمة (٦)؛ أي: نُفِيَ الوجلُ عنها وأُفنيَ، من قولهم: فرَغَ الزادُ، إذا لم يبقَ منه شيءٌ.
стр. 3732
و: (فَرغَ) مشدَّدًا ومخفَّفًا (١).
أصل ﴿فُزِّعَ﴾ بالزاي المعجمة: فُزِّعَ الوجلُ عنها، ثم تُركَ ذِكْرُ الوَجَلِ وأُسند إلى الجارِّ والمجرور، كما تقول: دُفِعَ إلى زيدٍ، إذا عُلمَ المدفوعُ.
وأصل المخفَّف: فَزِع (٢) الوَجَلُ؛ أي: انتفى عنها وفَنيَ، ثم حذف الفاعل وأُسند إلى الجارِّ والمجرور.
﴿قالُوْا﴾؛ أي: قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ في الشفاعة ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾، أي: قالوا: قال القولَ الحقَّ، وهو الإذنُ بالشفاعة لمَن ارتضى مِن المؤمنين.
وقرئ: (الحقُّ) بالرفع (٣)؛ أي: مقولُه الحقُّ.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾: ذو العلوِّ والكبرياء، وليس لمَلَكٍ مُقرَّب ولا نبيٍّ مُرسَل أنْ يتكلَّم ذلك اليومَ إلَّا بإذنه وأنْ يشفع إلَّا لمَن ارتضى.
* * *
(٢٤) - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقريرٌ لقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، ولذلك أَمَرَ بالجواب بعد سؤالهم بقوله:
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ لتعيُّنه عند العقل، وفيه إشعارٌ بأنَّهم إنْ سكتوا وتلعثموا في الجواب
стр. 3733
مخافةَ الإلزام، فهم مُقِرُّون بقلوبهم؛ لعِلْمهم أنْ لا جوابَ إلَّا هذا، وإن ألجم العناد وحبُّ الشرك أفواههم أنْ ينطقوا به.
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: وإنَّ أحدَ الفريقين: مِن الموحِّدين الذين يخصُّون الرازقَ وحده المتفرِّدَ بالقدرة الواجبَ لذاتِهِ بالعبادة، ومن المشركين الذين يشركون الجمادَ النازلَ في أدنى مراتب الإمكان، لعلى أَحَدِ الأمرين مِن الضلال والهدى، وهو غايةٌ في الإنصاف الذي كلُّ مَن سمعه مِن الموافق والمخالف رضيه.
وفي طيِّهِ - بعد ما تقدَّم مِن التَّقرير البليغ - تعريضٌ بمَن هو في ضلالٍ مِن الفريقين ومَن هو على الهدى أبلغُ مِن التصريح؛ لأنَّه في صورة الإنصاف المُبكِّت للخصم المشاغِب.
وإنَّما خُولف بين حرفَي التعدية؛ لأنَّ المُحِقَّ كالمستعلي على جوادٍ يَركضُه حيث يَشاءُ، أو على منارٍ مُشرفٍ على كلِّ أحدٍ مطَّلع على كلِّ شيء، والمبطلَ كالمحبوس في مطمورة لا يمكنه التفصِّي منها، لا يرى ما على وجه الخلاص، أو كالمنغمسِ في ظلامٍ مُرتبِك لا يَرى وجهةً يتوجَّه إليها، ثم أَتبعه بقوله:
(٢٥) - ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بما هو أبلغُ مِن الأول في إرخاءِ العَنانِ والإنصاف، وبالغ فيه حتَّى بلغَ ذروةَ الإخبات (١)، حيث نسب الإجرامَ إلى نفسِه وأصحابِه، والعملَ إليهم، وهو بناءٌ على الفَرْض والتَّقديرُ، فلا يلزم إجرامُهم ولا يخلو عن التعريضِ المذكورِ أيضًا مع التهكُّم.
стр. 3734
(٢٦) - ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يومَ القيامة ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾: يَحكم ويفصل بأنْ يُدخِل المحقِّين الجنةَ والمبطلينَ النارَ.
﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾: الحاكم الفصل في القضايا المنغلقة ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما ينبغي أنْ يقضى به.
* * *
(٢٧) - ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾: استفسار عن شُبهتهم بعد إلزامهم الحجَّةَ؛ تبصيرًا إيَّاهم بخطائهم العظيم، وزيادةً في التبكيت؛ أي: أَرونيهم بأيِّ صفةٍ أَلحقتموهم به في استحقاقِ العبادةِ، وأشركتُموهم به في التعظيم، وكيف قايَسْتُم الجمادَ الذي هو في غاية العَجْز والذِّلَّة، بالقادر الذي قَهر كلَّ شيء بقدرته (١).
﴿كَلَّا﴾: ردعٌ لهم عن دينهم (٢) بعدما بصَّرهم بإبطاله عند المقايسة.
﴿بَلْ﴾ إضرابٌ بعد الرَّدع عن الشرك إلى حَصْر الإلهيَّة في اللَّه تعالى ومحضِ التوحيد.
﴿هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: الموصوفُ بالغَلَبة وكمالِ القدرة والحكمةِ، تنبيهٌ لهم على تفاحش غلطهم وتعامِي بصائرهم، كأنَّه قال: أينَ شركاؤكم مِن هذا الوصف؟! وهو راجعٌ إلى اللَّه تعالى، أو ضميرُ الشأن كما في قوله: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ
стр. 3735
أَحَدُ﴾ وكيف ما كان فهو دالٌّ على انفراده بالوصفين، الملقِم إيَّاهم الحجرَ (١).
(٢٨) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾: ﴿كَافَّةً﴾ مِن كفَّ: إذا منعَ، صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إرسالةً عامَّةً محيطةً بهم، مانعةً لهم مِن أنْ يَخرج منهم أحدٌ.
وقال الزجَّاج: جامعًا للناس في الإنذار والإبلاغ (٢)، فجعله حالًا مِن الكاف، وحقُّ التاء على هذا أن يكون للمبالغة كتاءِ الرَّاوية والعَلَامة.
ويجوزُ جعلُه حالًا مِن (الناس) متقدِّمةً، فإنَّ تقدُّم الخالِ على صاحبه المجرورِ مختلَفٌ فيه؛ فذهب أبي عليٍّ وابنِ كيسان وابنِ برهان وابنِ مالك إلى أنَّه يجوز، وهو الصحيح، ولا حاجة حينئذٍ إلى أنْ تُتأوَّل اللَّام بمعنى (إلى)؛ فإنَّ (أرسل) يتعدَّى باللام، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩].
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: للمطيعين والعاصين ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: فيَحملهم جهلُهم على مخالفتك.
* * *
(٢٩) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ مِن فَرْط تعنُّتهم لا مِن فَرْط جهلِهم، ولذلك عطفٌ بالواو دون الفاء:
стр. 3736
﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعنون المبشَّرَ به والمنذَرَ عنه، أو الموعودَ بقوله: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون به رسولَ اللّه ﷺ والمؤمنين.
ولمَّا كان سؤالهم عن تعيين الميعاد تعنُّتًا وإنكارًا لا استرشادًا، جاء الجوابُ تهديدًا ووعيدًا مطابقًا لِمَا قصدوه:
* * *
(٣٠) - ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ الميعادُ ظرفُ الوعد مِن مكانٍ أو زمانٍ، وهو هاهنا الزمانُ، والإضافةُ للتبيين، كما تقول: سَحْقُ ثوبٍ (١)، قيل: ويؤيِّده أَنَّه قُرئَ: (ميعادٌ يومٌ) (٢) فأُبدل منه اليوم، وقرئ: (يومًا) (٣) على التعظيم، وتقديره: لكم ميعادٌ، أعني: يومًا، ويجوز أن يكون الرفع أيضًا على التعظيم.
﴿لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أي: إذا فاجأكم لا تستطيعونَ عنه تأخُّرًا ولا عليه تقدُّمًا.
* * *
(٣١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 3737
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِن الكتب المتقدِّمة المنزلةِ على الأنبياء ﵈ الدالَّة على البعث.
روي أنَّ كفارَ مكَّة سألوا أهلَ الكتاب عنه، فأَخبروهم أنَّهم يَجدون نعتَه في كتبهم، فغضبوا وقالوا ذلك.
وقيل: (الذي بين يديه) القيامةُ، ثم أخبر عن صورةِ حالِهم في الآخرة فقال له ﵇ أو لكلِّ مَن يستحقُّ أنْ يُخاطَب:
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾؛ أي: لو ترى في الآخرة موقفهم عند المحاسبة وهم يتحاورون (١) ويتراجعون (٢) القولَ، وجواب (لو) محذوف للدلالة على ما لا يدخل تحت الوصف مِن العَجَب والهولِ والفزعِ.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾؛ أي: الأَتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ للرؤساء: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾: لو لا إضلالُكم وصدُّكم عن الإيمان ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ باتِّباع الرسول.
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أتى بصيغة المضارع تصويرًا للحال، ثم عدل عنها إلى الماضي، ولذلك ترك العاطف هنا.
стр. 3738
﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ قد يُتَّسع في ظروفِ الزمانِ ما لا يُتَّسع - في غيرها؛ فيُضاف بعضُها إلى بعضٍ وإلى الجملِ، فلذلك أضيف ﴿بَعْدَ﴾ إلى ﴿إِذْ﴾، و ﴿إِذْ﴾ إلى الجملة.
﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ أَولى الاسمَ الهمزةَ، لإنكارِ أنْ يكونوا هم الصادِّين إيَّاهم عن الهدى بعد إذ جاءهم وتمكَّنوا منه، وإثباتِ أنَّهم الذين صُدُّوا باختيارهم وآثروا الضلالَ على الهدى، ولذا أضرب عن دعواهم الإضلالَ عليهم إلى أنَّهم هم الذين أَجرموا بكسبهم (١).
* * *
(٣٣) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَقَالَ﴾ عطفٌ هذا الكلام على كلامِهم الأول بالواو (٢) دون كلام المستكبرين في جوابهم؛ لأنَّه ابتداءُ جوابٍ حقُّه الاستئنافُ.
﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ كرَّر المستضعفون عليهم، وقابلوا إضرابهم بقولهم:
﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ مبطلينَ إضرابَهم بالإضرابِ عنه إلى أنَّ الإضلالَ كان مِن جهةِ مكرِكم الدائم، وحملِكم إيَّانا على الشرك واتخاذ الأنداد، لا مِن جهتنا واختيارِنا، وأُضيف المكر إلى الظرف على الاتِّساع وإجراءِ الظرف مجرى
стр. 3739
المفعول به؛ أي: مكرُكم لنا في الليل والنهار، ويجوز أن يكون إضافةُ المكر إلى الليل والنهار مِن باب الإسناد المجازي، وإضافةِ المصدر إلى الفاعل؛ بجعل الليل والنهار ماكرين.
وقرئ: (مكرٌ الليلَ والنهارَ) بالتنوين ونصبِ الظرفين (١) على الأصل.
و: (مَكَرّ الليلِ والنهارِ) بالرفع والنصب (٢)، مِن الكُرُور.
أمَّا الرفع: فعلى الابتداء أو الخبر؛ أي: سببُ ذلك مكرُكم أو مكرُّكم، أو مكرُكم أو مكرُّكم سبب ذلك.
وأمَّا النصب: فعلى المصدر؛ أي: تكرُّون الإغواءَ مَكَرَّ الليلِ والنهارِ.
﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ ﴿إِذْ﴾ بدلٌ من ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: مكرُكم في زمانِ أمركم إيَّانا بالكفر، أو نُصِبٌ على الظرف لـ ﴿مَكْرُ﴾، أو تعليلٌ، أي: لأمركم إيَّانا بالكفر.
﴿وَأَسَرُّوا﴾؛ أي: أسرَّ الظالمون الموقوفونَ الشاْملونَ للفريقين ﴿النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾؛ أي -: أَخفَوا الكلامَ بالندامة فيما بينهم على سبيل المسارَّة والتناجي ندامةَ المستكبرين على الضلال والإضلال، وندامةَ المستضعفين على الضلال والاتِّباع، أو أظهروها على سبيل الجَزَع والتضرُّع، على أنَّ الهمزة للإزالة، كما في قولك: أَعتبتُه وأَشكيتُه.
﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن باب وضعِ الظاهر موضعَ الضمير؛
стр. 3740
أي: في أعناقهم؛ للتصريح والتنويه بذمِّهم، والدلالةِ على أنَّ الكفر هو الذي استحقُّوا به الإغلال.
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: ما يُفعَل بهم ما يُفعَل إلَّا جزاءً على أعمالهم، وتعدية (يجزي) لتضمينه معنى يقضي، أو بنزع الخافض.
* * *
(٣٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾: تسليةٌ لرسولِ اللَّه ﷺ بأنَّ الرسل كلَّهم مُنُوا بما مُنِيَ به مِن قومه مِن التكذيب والمفاخرة بالأموال والأولاد.
﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ تخصيصُ المتنعِّمين بذلك لأنَّ معظمَ الدواعي إلى الكفر والإنكار: التكبُّرُ والمفاخرةُ بالأموال والأسباب التي هي منشأ الطُّغيان، ولذلك ضمُّوا التهكُّمَ والمفاخرةَ على التكذيب فقالوا:
﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ على (١) مقابلة الجمعِ بالجمع (٢)؛ لأنَّ قولَه: ﴿مِن نَذِيرٍ﴾ في سياق النفي للعموم، ولأنَّ الأنبياءَ ﵈ كلَّهم متَّفقون في إثبات التوحيد والبعث.
* * *
(٣٥) - ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ فنحن أَولى بما تدَّعون إنْ أَمكَن، وأُوليَ النفيُ الاسمَ في قوله:
стр. 3741
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لأنَّهم اعتقدوا أنَّ اختصاصهم بالغنى وأسباب التنعُّم (١) والترفُّه إنَّما هو لكرامتهم عند اللَّه تعالى، أو قاسوا أمرَ الآخرةِ على أمرِ الدنيا، فقالوا ذلك على أنَّ البعث إنْ وقع لم يكونوا بمعذَّبين؛ لأنَّهم أكرمُ على اللَّه تعالى مِن أنْ يعذِّبهم، إنَّما المعذَّبون مَن يهون عند اللّهِ مِن أهل الفقر والفاقة وسوء الحال في الدنيا، وفيه استهزاءٌ بالأنبياء ﵈ وأصحابهم مِن الفقراء، واستهانةٌ بهم؛ أي: إنْ صدقَ وعدُكم بالبعث فإنَّهم المعذَّبون لا نحن، كما في الدنيا.
* * *
(٣٦) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾ ردًّا لحسبانهم: ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يوسِّع على مَن يشاء، ويُضيِّق على مَن يشاء؛ مُكرَّمًا كان عنده أو مُهانًا، فلا التوسيعُ يدلُّ على الإكرام، ولا التضييقُ على الإهانة، ولا تتعلَّق السعادة والشقاوة الأخرويتان بتوسيع الرزق الدنيويِّ وتضييقه.
قيل: ولو كان ذلك في كرامةٍ (٢) وهوانٍ يُوجبانه، لم يكن بمشيئته.
وفيه نظرٌ؛ لِمَا تقرَّر (٣) في موضعه أنَّ المشيئةَ تُجامِع الإيجاب، إنَّما المنافي له القدرةُ على الفعلِ والتركِ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك؛ لعدم وقوفهم على مواقف (٤) الحكمة
стр. 3742
وأسرارها، فيظنُّون أنَّ الغنى والفقرَ وكثرةَ الأولاد وقلَّتَهم في الدنيا (١)؛ للكرامة والهوانِ عند اللَّه تعالى (٢)، وقرَّر ذلك بقوله:
* * *
(٣٧) - ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾.
﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ أَخبر عن الأموال والأولاد بـ (التي) على إرادة الجماعة؛ لأنَّ الجمع المكسَّر يستوي في تأنيثه العقلاءُ وغيرُهم.
وقرئ: ﴿باللاتي﴾ (٣)؛ لأنَّها جماعاتٌ، وقرئ: (بالذي) (٤)؛ أي: بالشيءِ الذي.
و ﴿زُلْفَى﴾ في محلِّ النصب على المصدر؛ أي: تقرِّبكم قربةً، كقوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].
﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الظاهر أنَّه استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: لكن مَن آمَنَ وعمل صالحًا فإيمانه وعمله يُقرِّبانه.
وقيل: استثناء متَّصلٌ مِن مفعول ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾؛ أي: لا تُقرِّب الأموالُ والأولادُ أحدًا إلَّا المؤمنَ الصالحَ الذي يُنفق أموالَه في سبيل اللَّه تعالى، ويعلِّم أولادَه الخيرَ والفقهَ في الدِّين، ويُربِّيه على الصلاح، أو مِن ﴿أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ على حذف المضاف؛ أي: إلَّا أموالُ مَن آمَنَ وأولادُه.
стр. 3743
﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾؛ أي: تُضاعف لهم حسناتهم؛ الواحدة عشرًا إلى سبع مئةٍ وأكثر، مِن إضافةِ المصدر إلى المفعول؛ أي: أولئك لهم أن يُجاوزوا الضعف.
وقرئ: ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾؛ على الأصل، و ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ بنصبِ ﴿جزاءً﴾ ورفع ميه ﴿الضعفُ﴾ (١)؛ أي: لهم الضعفُ جزاءً، على أنَّه تمييز، أو مصدر لدلالة ﴿لَهُمْ﴾ على فِعْله؛ أي: يُجزَون جزاءً، ويجوز كونه حالًا تسميةً بالمصدر.
و: (جزاءٌ الضعفُ) برفعهما (٢)؛ على أنَّ (الضعفُ) بدل مِن (جزاءٌ).
والفاء في ﴿فَأُولَئِكَ﴾ للسببية، وبالغ بها وباسم الإشارة، وبقوله: ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ في أنَّ الموجِبَ للكرامة والزُّلفى عند اللَّه تعالى هو الإيمانُ والعملُ الصالحُ لا غيرهما.
﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾؛ أي: في غُرَفِ (٣) منازل الجنَّة، وقرئ: ﴿في الغرفة﴾ (٤)، على إرادةِ الجنس.
﴿آمِنُونَ﴾؛ أي: مِن كلِّ مَخُوفٍ ومكروهٍ.
* * *
(٣٨) - ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾؛ أي: في إبطالها وصرفِ الناس عنها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مسابقين لأنبيائنا، أو ظانِّين أنَّهم يَفوتوننا.
стр. 3744
﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ عبَّر عن موضعِ العذابِ بالعذابِ مبالغةً.
* * *
(٣٩) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ إنَّما أعاده لأنَّ ما سبق باعتبار الأشخاص، وهذا باعتبار الأوقاتِ بالنسبة إلى شخصٍ؛ بدلالة ﴿لَهُ﴾ فيكون أدلَّ على المقصود.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ عِوَضًا؛ إمَّا عاجلًا أو آجلًا، لا مُعوِّضَ له سواه (١).
﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾؛ لأنَّه قادرٌ على مواصلةِ رزقِه وزيادةِ ما شاءَ لمَن يشاءُ بغير حسابٍ، وليس العبدُ كذلك، وأمَّا أنَّه رازقٌ حقيقةً دون العبد، فلا يناسب تفضيلَ أحدِهما على الآخَرِ؛ لأنَّه يقتضي الشركة في أصلِ الفعلِ حقيقةً.
* * *
(٤٠) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾ نصب بـ ﴿قَالُوْا﴾، أو بـ: اذكر ﴿يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾؛ أي: المستكبرين والمستضعفين.
﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾؛ تقريعًا للمشركين وتبكيتًا وإقناطًا لهم عمَّا يتوقَّعون مِن شفاعتهم، فهو واردٌ على المَثَل السائرِ: إيَّاكِ أَعني واسمعي يا
стр. 3745
جارَة، وتخصيص الملائكة لا لأنَّهم أشرفُ معبودهم؛ لأنَّ عيسى ﵇ أشرفُ منهم، ولا لانحصار صلاحيةِ الخطاب فيهم، بل لأنَّ مبدأَ الشرك عبادتُهم.
* * *
(٤١) - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾: تنزيهًا لكَ أنْ نَعبُدَ معكَ غيرَك ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ أنت (١) الذي نواليه ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾ لا موالاةَ بيننا وبينهم، أرادوا بإثباتِ موالاةِ اللَّه تعالى ونفيِ موالاتهم براءَتهم مِن الرضا بعبادتهم؛ لأنَّ تخصيصَ موالاتهم به تعالى وإثباتَ معاداتهم إيَّاهم ينافي ذلك، ثم أضربوا عن عبادتهم لهم إلى إثباتِ عبادتهم للجِنِّ بقولهم:
﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾؛ أي: الشياطينَ الذي يخيِّلونهم ذلك؛ لأنهم أطاعوهم في عبادة غيرِ اللَّه تعالى، أو يتوهَّمون الصورَ الخبيثةَ ويحسبونها ملائكةً (٢).
﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ إنَّما قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ لأنَّ عبادةَ بعضِهم كان عن وهمٍ واحتمالٍ، لا عن تصديقٍ واعتقادٍ.
* * *
(٤٢) - ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.
стр. 3746
﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ إذ الأمرُ يومئذٍ للّه تعالى، فلا يملك أحدٌ شيئًا مِن الضُّرِّ والنفع لا لغيرِه ولا لنفسِه، وإنَّما نفى الملك دون القدرةِ؛ لِمَا في البعض مِن القدرة على الشفاعة بإذن اللَّه تعالى.
﴿وَنَقُولُ﴾ عطفٌ على ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ مبيِّن للمقصودِ من تمهيده ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾ تخصيصُ العقاب بالذين ظلموا لتصدير المقاولة بهم في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ فختم باختصاصهم بالعقاب؛ لأنَّ الكلام فيهم، وفي قوله: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ دلالة قاطعة على أنَّ عودَ الضمير على المضاف إليه لا يُخلُّ حُسْنَ الكلامِ إذا لم يكن في محلِّ الاشتباه.
* * *
(٤٣) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾: آياتُ القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ واضحاتِ الدلالاتِ على إعجازه ﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾ يعنون رسولَ اللَّه ﷺ ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾ الصَّدُّ: الصَّرْفُ عن الخير ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾: عن دينِ آباءكم.
﴿وَقَالُوا مَا هَذَا﴾ يريدون القرآنَ ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿مُفْتَرًى﴾ على اللَّه.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾: لأمرِ النبوَّة، أو للإسلام، أو للقرآن، والأول - أي: إطلاق الكذبِ عليه - باعتبار معناه، وهذا - أي: إطلاقُ السحر عليه - باعتبار لفظِه وبلاغتِه.
﴿لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا﴾؛ أي: الحقُّ ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهرٌ سحريتُه.
стр. 3747
وفي الإشارة بـ (هذا) في المواضع الثلاثة تحقيرٌ دالٌّ على جراءتهم على اللّهِ تعالى ورسولِه ﵇ وكتابِه ورسالاته (١)، فلهذا قُوبِلت بما يدلُّ على غضبٍ شديدٍ، وإنكارٍ عظيمٍ، وتعجيبٍ مِن كفرهم بليغٍ، بإيقاع الموصول والصلة موقع الضمير في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وتعريف (الحقِّ)، وإيرادِ ﴿لَمَّا﴾ الدالَّة على مبادهتهم (٢) بالكفر، وتسميةِ الحقِّ النَّيِّر بالسحر البَيِّن.
* * *
(٤٤) - ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾.
﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾: يَقرؤونها وفيها (٣) دليل على صحَّة الشركة أو أمرٌ به، وقرئ: (يُدَرِّسُونها) (٤)، مِن التدريسِ؛ وهو تكريرُ الدرس، أو للتكثير؛ مِن دَرَسَ الكتابَ ودَرَّسَ الكتبَ، و: (يَدَّرِسونها) بتشديدِ الدَّالِ (٥)؛ يَفتعلون مِن الدَّرْس.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يَدعوهم إليه، ويُنذرهم العقابَ على تركه، وقد بَانَ مِن قبلُ بالبرهانِ وجهُ بطلانِه، فمِن أين وقعت لهم الشبهة؟! وهذا غايةٌ في تجهيلهم وتسفيهِ رأيهم.
ويجوز أن يكون معناه: أنَّهم، قوم جُهَّالٌ أُمِّيُّون لا كتابَ لهم ولا نبيَّ، نشؤوا على طباعهم الجاسية في الجاهلية، لا تَثَبُّتَ لهم بوجهٍ ولا تمسُّكَ بشبهة، كقوله: ﴿أَمْ
стр. 3748
آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ثم هدَّدهم بقوله:
* * *
(٤٥) - ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كما كذَّبوا ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ وما بلغَ هؤلاء عُشْرَ ما آتينا (١) أولئك مِن القوَّة والقدر، وطولِ الأعمار، وعِظَمِ الأجرامِ، وكثرةِ الأموال.
وقيل: معنى المعشار: عُشْرُ العُشْرِ.
﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ فحين كذَّبوا رُسُلي (٢) جاءهم إنكاري، فكيف كان حالهم في التدمير والاستئصال، حيث لم يُغنِ عنهم استظهارُهم بما هم به مستظهِرونَ، فما بالُ هؤلاء.
ويجوز أن يكون المعنى: وما بَلَغَ أولئك عُشْرَ ما آتينا هؤلاء مِن البيِّنات والهدى، فكذَّبوا رسلي فاستؤصلوا مع أنَّ الحججَ والبيِّنات لم تتكرَّر عليهم كما تكرَّرت على هؤلاء، فكيف كان حالهم في إنكاري، فكيف يكون حالُ هؤلاء مع تكرُّر البيِّنات وتكثُّرها، فليعتبروا بحالهم وليَحْذَروا مِن مثلها.
﴿فَكَذَّبُوا﴾ عطفٌ على ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ﴾ عطفَ المقيَّدِ على المُطلَق بالفاء السببية؛ أي: فعلوا التكذيبَ وأَقدموا عليه حتَّى تعوَّدوا به، فصار سببًا لتكذيب رُسُلي، ويجوز أن يعطف على ﴿مَا بَلَغُوا﴾ كقولك: ما بَلَغَ زيدٌ معشارَ فَضْلِ عمرٍو فيُفضَّلَ عمرٌو عليه.
стр. 3749
(٤٦) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ﴾ أنصحُ لكم ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ بخصلةٍ واحدةٍ، إنْ فَعَلتم أَصبتم الحقَّ وتخلَّصتم، وفسَّرها بقوله:
﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هي أن تقوموا، والمرادُ: القيامُ مِن مجلسِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولا يجوز أن يكون عطفَ بيانٍ؛ لأنَّ ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ نكرةٌ، و ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ معرفةٌ تقديرُه: قيامُكم للّه، والتخالُف في عطفِ البيانِ لم يذهب إليه ذاهب (١).
﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾: متفرِّقين اثنينِ اثنينِ، متناظِرِين على النَّصَف (٢) دونَ
стр. 3750
العَصَبةِ (١) والجدالِ، أو: واحدًا واحدًا متفكِّرين؛ فإنَّ الاجتماعَ والازدحامَ ممَّا يُشوِّش الخواطرَ (٢)، ويُعمِي البصائرَ، ويُهيِّج الفتنَ والتخاصُمَ.
أو: تعزموا (٣) بهذا الأمر؛ من قولهم: قامَ بالأمرِ: إذا جَدَّ فيه، ومعنى ﴿لِلَّهِ﴾: خالصًا لوجهِ اللَّه، مُعرِضًا عن المراءِ والتقليد.
﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ في أمرِه ﵇، ومحلُّه الجرُّ على البدل أو البيان (٤)، أو الرفعُ أو النصب، بإضمار: هو، أو: أعني.
﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (ما) نافية متعلِّقة بـ ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾؛ أي: تتفكروا فتَعلموا ما به مِن جنَّة.
ويجوزا أن يكون استئنافًا؛ تنبيهًا مِنْ اللَّه تعالى لهم على أنَّ ما عرفوا مِن رجاحةِ عقلِه كافٍ في ترجُّح (٥) صدقه، فإنَّه لا يَدَعُهُ أنْ يتصدَّى لادِّعاء مثلِ هذا الأمر العظيم الذي تحته ملكُ الدنيا والآخرة مِن غير تحقُّقٍ بيقين، وتعرُّفٍ ببرهانٍ مبين، فيُفْتضَحَ على رؤوس الأشهاد، ويُلقيَ نفسَه في معرض الهلاك، كيف وقد انضمَّ إليه آياتٌ باهرةٌ ومعجزاتٌ قاهرةٌ.
ويجوز أن تكون استفهاميَّةً؛ أي: ثم تتفكَّروا في أحوالِه وأقوالِه وأفعالِه، هل فيه ما يتهمه ويدلُّ على أنَّ به جِنَّةً؟!