﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ إذ الأمرُ يومئذٍ للّه تعالى، فلا يملك أحدٌ شيئًا مِن الضُّرِّ والنفع لا لغيرِه ولا لنفسِه، وإنَّما نفى الملك دون القدرةِ؛ لِمَا في البعض مِن القدرة على الشفاعة بإذن اللَّه تعالى.
﴿وَنَقُولُ﴾ عطفٌ على ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ مبيِّن للمقصودِ من تمهيده ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾ تخصيصُ العقاب بالذين ظلموا لتصدير المقاولة بهم في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ فختم باختصاصهم بالعقاب؛ لأنَّ الكلام فيهم، وفي قوله: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ دلالة قاطعة على أنَّ عودَ الضمير على المضاف إليه لا يُخلُّ حُسْنَ الكلامِ إذا لم يكن في محلِّ الاشتباه.
* * *
(٤٣) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾: آياتُ القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ واضحاتِ الدلالاتِ على إعجازه ﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾ يعنون رسولَ اللَّه ﷺ ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾ الصَّدُّ: الصَّرْفُ عن الخير ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾: عن دينِ آباءكم.
﴿وَقَالُوا مَا هَذَا﴾ يريدون القرآنَ ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿مُفْتَرًى﴾ على اللَّه.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾: لأمرِ النبوَّة، أو للإسلام، أو للقرآن، والأول - أي: إطلاق الكذبِ عليه - باعتبار معناه، وهذا - أي: إطلاقُ السحر عليه - باعتبار لفظِه وبلاغتِه.
﴿لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا﴾؛ أي: الحقُّ ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهرٌ سحريتُه.
стр. 3747
وفي الإشارة بـ (هذا) في المواضع الثلاثة تحقيرٌ دالٌّ على جراءتهم على اللّهِ تعالى ورسولِه ﵇ وكتابِه ورسالاته (١)، فلهذا قُوبِلت بما يدلُّ على غضبٍ شديدٍ، وإنكارٍ عظيمٍ، وتعجيبٍ مِن كفرهم بليغٍ، بإيقاع الموصول والصلة موقع الضمير في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وتعريف (الحقِّ)، وإيرادِ ﴿لَمَّا﴾ الدالَّة على مبادهتهم (٢) بالكفر، وتسميةِ الحقِّ النَّيِّر بالسحر البَيِّن.
* * *
(٤٤) - ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾.
﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾: يَقرؤونها وفيها (٣) دليل على صحَّة الشركة أو أمرٌ به، وقرئ: (يُدَرِّسُونها) (٤)، مِن التدريسِ؛ وهو تكريرُ الدرس، أو للتكثير؛ مِن دَرَسَ الكتابَ ودَرَّسَ الكتبَ، و: (يَدَّرِسونها) بتشديدِ الدَّالِ (٥)؛ يَفتعلون مِن الدَّرْس.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يَدعوهم إليه، ويُنذرهم العقابَ على تركه، وقد بَانَ مِن قبلُ بالبرهانِ وجهُ بطلانِه، فمِن أين وقعت لهم الشبهة؟! وهذا غايةٌ في تجهيلهم وتسفيهِ رأيهم.
ويجوز أن يكون معناه: أنَّهم، قوم جُهَّالٌ أُمِّيُّون لا كتابَ لهم ولا نبيَّ، نشؤوا على طباعهم الجاسية في الجاهلية، لا تَثَبُّتَ لهم بوجهٍ ولا تمسُّكَ بشبهة، كقوله: ﴿أَمْ
стр. 3748
آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ثم هدَّدهم بقوله:
* * *
(٤٥) - ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كما كذَّبوا ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ وما بلغَ هؤلاء عُشْرَ ما آتينا (١) أولئك مِن القوَّة والقدر، وطولِ الأعمار، وعِظَمِ الأجرامِ، وكثرةِ الأموال.
وقيل: معنى المعشار: عُشْرُ العُشْرِ.
﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ فحين كذَّبوا رُسُلي (٢) جاءهم إنكاري، فكيف كان حالهم في التدمير والاستئصال، حيث لم يُغنِ عنهم استظهارُهم بما هم به مستظهِرونَ، فما بالُ هؤلاء.
ويجوز أن يكون المعنى: وما بَلَغَ أولئك عُشْرَ ما آتينا هؤلاء مِن البيِّنات والهدى، فكذَّبوا رسلي فاستؤصلوا مع أنَّ الحججَ والبيِّنات لم تتكرَّر عليهم كما تكرَّرت على هؤلاء، فكيف كان حالهم في إنكاري، فكيف يكون حالُ هؤلاء مع تكرُّر البيِّنات وتكثُّرها، فليعتبروا بحالهم وليَحْذَروا مِن مثلها.
﴿فَكَذَّبُوا﴾ عطفٌ على ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ﴾ عطفَ المقيَّدِ على المُطلَق بالفاء السببية؛ أي: فعلوا التكذيبَ وأَقدموا عليه حتَّى تعوَّدوا به، فصار سببًا لتكذيب رُسُلي، ويجوز أن يعطف على ﴿مَا بَلَغُوا﴾ كقولك: ما بَلَغَ زيدٌ معشارَ فَضْلِ عمرٍو فيُفضَّلَ عمرٌو عليه.
стр. 3749
(٤٦) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ﴾ أنصحُ لكم ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ بخصلةٍ واحدةٍ، إنْ فَعَلتم أَصبتم الحقَّ وتخلَّصتم، وفسَّرها بقوله:
﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هي أن تقوموا، والمرادُ: القيامُ مِن مجلسِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولا يجوز أن يكون عطفَ بيانٍ؛ لأنَّ ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ نكرةٌ، و ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ معرفةٌ تقديرُه: قيامُكم للّه، والتخالُف في عطفِ البيانِ لم يذهب إليه ذاهب (١).
﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾: متفرِّقين اثنينِ اثنينِ، متناظِرِين على النَّصَف (٢) دونَ
стр. 3750
العَصَبةِ (١) والجدالِ، أو: واحدًا واحدًا متفكِّرين؛ فإنَّ الاجتماعَ والازدحامَ ممَّا يُشوِّش الخواطرَ (٢)، ويُعمِي البصائرَ، ويُهيِّج الفتنَ والتخاصُمَ.
أو: تعزموا (٣) بهذا الأمر؛ من قولهم: قامَ بالأمرِ: إذا جَدَّ فيه، ومعنى ﴿لِلَّهِ﴾: خالصًا لوجهِ اللَّه، مُعرِضًا عن المراءِ والتقليد.
﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ في أمرِه ﵇، ومحلُّه الجرُّ على البدل أو البيان (٤)، أو الرفعُ أو النصب، بإضمار: هو، أو: أعني.
﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (ما) نافية متعلِّقة بـ ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾؛ أي: تتفكروا فتَعلموا ما به مِن جنَّة.
ويجوزا أن يكون استئنافًا؛ تنبيهًا مِنْ اللَّه تعالى لهم على أنَّ ما عرفوا مِن رجاحةِ عقلِه كافٍ في ترجُّح (٥) صدقه، فإنَّه لا يَدَعُهُ أنْ يتصدَّى لادِّعاء مثلِ هذا الأمر العظيم الذي تحته ملكُ الدنيا والآخرة مِن غير تحقُّقٍ بيقين، وتعرُّفٍ ببرهانٍ مبين، فيُفْتضَحَ على رؤوس الأشهاد، ويُلقيَ نفسَه في معرض الهلاك، كيف وقد انضمَّ إليه آياتٌ باهرةٌ ومعجزاتٌ قاهرةٌ.
ويجوز أن تكون استفهاميَّةً؛ أي: ثم تتفكَّروا في أحوالِه وأقوالِه وأفعالِه، هل فيه ما يتهمه ويدلُّ على أنَّ به جِنَّةً؟!
стр. 3751
وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ يرجِّح كون (ما) نافيةً.
﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: قُدَّامَه، كقوله ﵊: "بُعِثتُ دي نسم الساعة" (١).
* * *
(٤٧) - ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ خبر جزاء الشَّرط؛ أي: أيَّ شيءٍ سألتكم مِن أجرِ الرسالةِ فهو لكم، ويجوز أن تكون (ما) موصولةً، والفاء لتضمُّنها معنى الشَّرط، والغرضُ نفيُ الأجرِ رأسًا، كما يقول الرجلُ لصاحبه: إنْ أعطيتني شيئًا فاستَرِدَّه (٢)، وهو يَعلم أنَّه لم يُعطِه (٣) شيئًا، أو إثباتُ الأجرِ لهم، وهو ما أراد بقوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧] وبقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]؛ لأنَّ اتخاذَ السبيلِ إلى اللَّه تعالى يَنفعهم، وكذا مودَّةُ قربانِه فإنَّ فيه قربانَهم إلى اللَّه تعالى.
стр. 3752
وعلى الأول؛ قيل: كأنَّه جعل النَّبِيَّ مستلزمًا لأحَدِ الأمرين: الجنون، وتوقُّع نفعٍ دنيويٍّ عليه، لا لأنَّه لا يخلو مِن أنْ يكون لغرضٍ، أو لا، وأيًّا مّا كان يَلزم أحدُهما، ثم نفى كلًّا منهما. ولا يَخفى ضعفُه؛ لأنَّ توقُّع النفع الدنيويِّ غيرُ منحصرٍ في سؤالِ الأجرِ، وذلك ظاهر.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: ما أَبتغي عليه إلَّا الثوابَ مِن اللَّه تعالى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: مُطَّلعٌ يَعلمُ صدقي، وأنِّي لا أَطمع في شيءٍ ولا أَتوقَّع أجرًا إلَّا منه.
* * *
(٤٨) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ القذفُ (١) مستعارٌ مِن معناه بمعنى الإلقاء؛ أي: يُلقيه إلى أنبيائه، أو يرمي به الباطلَ فيدمغُه ويُزهِقه.
﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو صفةٌ لـ ﴿رَبِّي﴾ محمولةٌ على محلِّ (إنَّ) واسمِها، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أو بدلٌ مِن المستكنِّ في ﴿يَقْذِفُ﴾.
وقرئ: بالنصب (٢) صفةً لـ ﴿رَبِّ﴾، أو على المدح؛ أي: أعني، أو: أخصُّ.
وقرئ: بكسر الغين (٣)، كالبِيوتِ، وبفتحها كالصَّبُور (٤)، على أنَّه مبالغةُ غائبٍ، وهو البليغُ في الغَيبة والخَفاء.
* * *
стр. 3753
(٤٩) - ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾.
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: الإسلامُ ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾؛ أي: زهق الباطل - وهو الشرك - بحيث لم يبقَ له أَثَرٌ ولا يُبدِئ ولا يُعيد، مَثَلٌ في الهلاك؛ لأنَّ الحيَّ إمَّا أنْ يبدئ فعلًا أو يُعيدَه، فإذا هلكَ لم يبقَ له بَداءٌ (١) ولا إعادة، فصار مَثَلًا فيه، ومنه قول عَبيدٍ:
أَقْفَرَ مِن أهلِه عَبيدُ … فاليومَ لا يُبدي ولا يُعيدُ (٢)
وقيل: ﴿الْبَاطِلُ﴾ إبليسُ؛ أي: ما يُنشئ خَلْقًا ولا يُعيده، إنَّما المنشئُ والباعثُ هو اللّهُ تعالى.
وقال الزجَّاج: أيَّ شيءٍ يُنشِئ إبليسُ ويُعيده (٣)؟! فجعَله للاستفهام.
* * *
(٥٠) - ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾.
﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ عن الحقِّ ﴿فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ فإنَّ وبالَ ضلالي على نفسي.
﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ أصلُ الكلام: إنْ ضللتُ فبما يوسوس إليَّ الشيطانُ، وضررُه (٤) على نفسي، وإنِ اهتديتُ فبما يُوحِي إليَّ ربِّي ونفعُه لها، فعدلَ
стр. 3754
إلى ما ذكر؛ فبيَّن في أحدِ القِسمين الحكمَ وفي الآخَر السببَ؛ اكتفاءً بما فُهِمَ ممَّا (١) ذكر في أحدهما حال الآخَر، وهذا غايةُ الإيجازِ، وقلَّما يتنبَّه لمثلِه إلَّا الحُذَّاقُ.
﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ يَسمع وَيرى قولَ كلِّ ضالٍّ ومهتدٍ وفِعْلَه، لا يخفى عليه منهما شيءٌ وإنْ أخفاه.
* * *
(٥١) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ حذف جواب (لو) للتهويل؛ أي: لرأيتَ أمرًا هائلًا لا يُمكِن وصفُه، ووقتُ الفزعِ وقتُ البعث وقيام الساعة، أو وقتُ الموت، وقيل: يومُ بدرٍ.
و (لو) و (إذ) والأفعالُ الماضية بعدهما وهي: ﴿فَزِعُوا﴾ و ﴿أُخِذُوا﴾، و ﴿حيل بينهم﴾ (٢) كلُّها للمضيِّ والمراد بها الاستقبالُ؛ للدلالة على تحقُّق وقوعِ معانيها عند اللهِ تعالى، وكلُّ ما يَفعلُ اللّهُ تعالى في المستقبل فهو بمنزلة الماضي لتحقُّق وقوعِه لا محالةَ، فكأنَّه قد وَقَعَ.
﴿فَلَا فَوْتَ﴾ فلا يفوتونَ اللّهَ ولا يَسبقونه؛ أي: لا فوتَ لهم.
﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ من الموقف إلى النار، أو: مِن ظهرِ الأرض إلى بطنها، أو: مِن صحراءِ بدرٍ إلى القَليبِ.
والعطف على ﴿فَزِعُوا﴾؛ أي: فَزعوا وأُخذوا فلا فوتَ لهم، أو على (لا فوت)،
стр. 3755
على معنى: إذ فزعوا فلم يَفوتوا وأُخذوا، ويؤيِّده ما قُرئَ: (وأَخْذٌ) (١) معطوفًا على محلِّ (لا فوت)؛ أي: لا فوتَ هناكَ وهناكَ أَخْذٌ.
* * *
(٥٢) - ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: بمحمَّدٍ ﷺ ؛ لمرور ذِكْره في قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾، أو: للعذاب (٢) المذكور في قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾: ومِن أينَ لهم التناولُ السهلُ مِن مكانٍ قريبٍ، يعني: تناولَ الإيمان ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فإنَّه يكون في حيِّز التكليفِ، وقد بَعُدَ عنهم، تمثيلٌ لطلبهم المستحيل، وهو أنْ يَنفعهم الإيمانُ وقتَ العذابِ في الآخرة كما يَنفع المؤمنين في الدنيا؛ مثَّل حالَهم بحالِ مَن يريدُ أنْ يتناولَ الشيءَ مِن غَلْوةٍ (٣)، كما يَتناوله الآخَرُ مِن قِيسِ ذراعٍ تناولًا سهلًا.
وقرئ: ﴿التَّنَاوُشُ﴾ بهمز الواو المضمومة (٤)، كما هُمِزَت في: أَجْؤُر وأَدْؤُر، وعن أبي عمرو: التناؤشُ - بالهمز -: التناول (٥) مِن بُعْدٍ، مِن قولك: نأشتُ، إذا أبطأتَ وتأخَّرتَ.
стр. 3756
(٥٣) - ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾؛ أي: بمحمَّدٍ ﷺ ، أو بالعذاب ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مِن قبلِ ذلك أوانَ التكليف.
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾: يرجمون به ويتكلَّمون بما لم يَظهر في رسولِ الله ﷺ مِن قولهم: ساحرٌ وشاعرٌ وكذَّاب، ولم يُشاهدوا منه شيئًا مِن ذلك.
﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: قد أَتَوا هذا الغيبَ مِن جهةٍ بعيدةٍ عن حالِه ﵇؛ لأنَّه أبعدُ شيءٍ ممَّا جاء به الشِّعر والسِّحر، وأَبعدُ مِن عادته التي هو معروفٌ بها الزور والكذب.
وعلى تقدير عودِ الضميرِ على العذاب، معنى قَذْفِهم بالغيب: قياسُهم أمرَ الآخرةِ على أمرِ الدنيا، وهو غيبٌ ومقذوفٌ به مِن جهةٍ بعيدةٍ.
والعطف على ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ، أو على (قالوا) فيكون تمثيلًا آخَرَ لهم، بأنْ مُثِّلت حالُهم في طلب المستحيِل - وهو نفعُ الإيمان في الآخرة - بمَن يَقذف شيئًا إلى مَن لا يراهُ مِن مكانٍ بعيدٍ، لا مجالَ للظَّنِّ في لحوقه؛ لغايةِ بُعْدِه.
وقرئ: (يُقذَفون) على البناء للمفعول (١)، على أنَّ الشيطانَ يُلقي إليهم ويُلقِّنهم ذلك.
* * *
стр. 3757
(٥٤) - ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ مِن نفعِ الإيمانِ يومئذٍ، والنجاةِ مِن النار والفوزِ بالجنة، أو مِن الرَّدِّ إلى الدنيا، كما حَكَى عنهم بقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة: ١٢].
﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾: بأشباهِهم مِن كَفَرةِ الأُمم الدَّارجة.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ مِن أرابهُ: إذا أوقعه في الرِّيبة والتُّهمة، أو مِن أَرابَ الرجلُ: إذا صار ذا ريبةٍ ودَخَلَ فيها، مجازٌ في كِلَا المعنيين، والفرق: أنَّ المريبَ (١) بالمعنى الأول منقولٌ ممَّن يصحُّ أنْ يكون مريبًا مِن الأعيان، والمعنى الثاني منقولٌ مِن صاحبِ الشَّكِّ إلى الشَكِّ، كما تقول: شِعْرٌ شَاعِر، يُنعَت به الشَّكُّ للمبالغة (٢).
* * *
стр. 3758
سُورَةُ فَاطِرٍ (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعِهما، مِن الفَطْرِ (٢)، وهو الشَّقُّ، فاستُعْمِلَ في الخلق ابتداءً على طريقِ (٣) المجاز المرتَّب على الكنايةِ، والإضافةُ حقيقيَّةٌ لأنَّه بمعنى الماضي، على ما قرئ بلفظه (٤)، ولذلك وُصِفَ به المعرَّفُ.
﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ﴾ وقرئ بالرَّفعِ على المدح (٥).
﴿رُسُلًا﴾: وسائطَ بينَه وبينَ عبادِه، يبلِّغون إليهم رسالاته بالوحي والإلهام والرُّؤيا الصَّالحة.
стр. 3759
﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ و ﴿أُولِي﴾ اسمُ جمعٍ لـ ﴿ذُو﴾، وهو بدلٌ من ﴿رُسُلًا﴾، أو نعتٌ له.
﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ صفاتٌ لـ ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ وغيرُ منصرفة؛ أيْ صنفٌ منهم أجنحتُهم اثنان اثنان، وصنفٌ أجنحتُهم ثلاثة ثلاثة، وصنفٌ (١) أربعة أربعة، وتفاوتها بحسبِ تفاوتِ مراتبِهم وأمورِهم التي سُخِّرَتْ لها.
وما رُوِيَ أنَّه ﵇ رأى جبريل ﵇ ليلةَ المعراج وله (٢) ستُّ مئةِ جناحٍ (٣)، فلعلَّه مخصوصٌ به، فلم (٤) يذكَر لأنَّه ليس من جنس المكرَّر.
﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ استئنافٌ للدِّلالة على أن الاختلاف المذكور أمر تقتضيه مشيئتُه وحكمتُه.
وإنَّما عمَّ الخنق ليتناولَ كلَّ زيادة في جميع الخلائق؛ كحُسن الصُّورة (٥)، وحصافة العقل، وذكاء القلبِ وشهامته، وشجاعة النَّفس وسماحتها (٦)، إلى ما لا يتناهى.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ استئنافٌ للتَّعليل؛ فإنَّ القدرة الكاملة الشَّاملةَ لا بدَّ لها (٧) مِن مرجِّح لا مِن خارجٍ؛ لأنَّه ينافي كمالَ القدرةِ، فهو المشيئةُ.
* * *
стр. 3760
(٢) - ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ﴾ استعيرَ الفَتْحُ للإطلاق والإرسال، وأومأَ إلى استعارته له بقوله: ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ مكانَ: لا فاتح له.
﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ تنكيرُها للإشاعة والتَّعميم؛ أي: مِن أيَّةِ رحمةٍ كانت معنويَّةً أو صوريَّةً، سماوَّيةً أو أرضيَّةً.
﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾: فلا أحدَ يقدرُ على إمساكِها (١).
﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ قيِّد المرسَل بالرَّحمة وقُدِّمَ لأنَّها الأصل، وأُطلق الممسَك ليتناولها وغيرَها من النِّعمة والغضب؛ إشعارًا بقوله: "سبقت رحمتي على غضبي" (٢).
﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ فلا أحدَ يقدرُ على إرساله.
أنَّتَ ضميرَ الاسم الأوَّل (٣) المتضمِّن للشَّرط على المعنى لتفسيره بالرَّحمة، وذكَّرَ الثَّاني على اللَّفظ لإطلاِقه.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ إمساكِه.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الغالبُ القادرُ على ما يشاءُ، ليس لأحدٍ أنْ ينازِعَه في الإرسال والإمساك.
стр. 3761
﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يفعلُ ما يفعلُ إلَّا بحكمةٍ وإتقان علم (١).
ثمَّ لَمَّا بيَّنَ أنَّه الموجِدُ للملكِ والملكوتِ، المتصرِّفُ في الكلِّ على الإطلاق، أمرَ النَّاس بشكرِ نعمتِه وتخصيصِه به تعالى، فقال:
(٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الخطابُ عامٌّ، وكذا النِّعمةُ، ولا عبرةَ في الخصوصِ في سببِ النُّزولِ، والمرادُ بذكرِ النِّعمةِ: شكرُها بالقلبِ واللِّسان والجوارح، برؤيتها منه لا مِن غيرِه، وأداءِ حقوقِها بالثَّناءِ على المنعِم، والطَّاعةِ له، واستعمالِها في مراضيه (٢).
ثمَّ أنكرَ أن يكونَ لغيره في ذلك مَدخلٌ فيستحِقَّ أنْ يُشرَكَ به بقولِه:
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ قرئ بالحركات الثَّلاث (٣)؛ أمَّا الرَّفع فللحمل على محلِّ ﴿مِن خَلِقٍ﴾ بأَنَّهُ وصفٌ أو بدلٌ (٤)، فإنَّ الاستفهام بمعنى النَّفي، أو لأنَّه فاعل ﴿خَالِقٍ﴾، وأمَّا الجرُّ فللحمل على لفظِه، وأمَّا النَّصبُ فعلى الاستثناء.
﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ صفة لـ ﴿خَالِقٍ﴾، أو تفسير لعامله إنْ جعلتَه
стр. 3762
مرفوع المحلِّ بإضمار فعلٍ لا بالابتداءِ؛ أي: هل يرزقُكُم مِن خالقٍ، أو استئنافٌ دلَّ على أنْ لا خالقَ غير اللَّه، وعلى وجوب شكر نعمتِه، فهو أحسنُ الوجوه، وعلى الوجهَيْن الأخيرَيْن لا محلَّ له من الإعراب.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ جملة مفصولة [لا محل لها] (١) مثل ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ في الوجه الثَّالثِ؛ إذ لو وصلْتَه مثل ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ في الوجهَيْن الأوَّلَيْن لفسد (٢) المعنى؛ لأنَّ قولَك: هل من خالق آخر سوى اللَّه لا إله إلَّا ذلك الخالق (٣)؛ متناقضٌ.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: فمِنْ أيِّ وجهٍ تُصرَفون عنِ التَّوحيدِ إلى إشراكِ غيرِه.
* * *
(٤) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾: تسليةٌ لرسول اللَّه ﷺ ، وبعثٌ له على التَّأسِّي بالرُّسل السَّابقين في الصَّبر على تكذيبهم؛ أي: وإن يكذِّبوك فتأسَّ بالرُّسلِ العظامِ، واصبرْ (٤) على تكذيبهم، فوضع ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ موضعه لبيان السَّبب، واستغنى بذكر السَّبب عن المسبَّب إيجازًا.
وتنكير ﴿رُسُلٌ﴾ للتَّعظيم المقتضي لزيادةِ التَّسليةِ، والحثِّ على الصَّبرِ؛ أي: رسلٌ عظامٌ ذوو (٥) عددٍ كثيرٍ، وأولو آياتٍ بيِّناتٍ.
стр. 3763
وقد نعى بها على قريش حينئذٍ سوءَ تلقِّيهم لآياتِ اللّهِ وتكذيبَهم بها بعد التَّقريع البالغ في قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ وعدٌ ووعيدٌ؛ أي: فيجازيك (١) وإيَّاهم على الصَّبر والتَّكذيب.
* * *
(٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾: الجزاءَ بالثَّواب والعقاب ﴿حَقٌّ﴾: لا خُلْفَ فيه.
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: فلا تخدعنَّكم الدُّنيا ولذَّاتُها وشهواتها، فيذهلَكم التَّمتُّع بها عن السَّعي للآخرة، وطلبِ ما عندَ اللّهِ.
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: الشَّيطانُ، فإنَّه هو البالغ في التَّغرير بأنْ يمنِّيَكم المغفرةَ مع الإصرار على المعصية، فإنَّها وإنْ أمكنَتْ لكنَّ الذَّنْبَ بهذا التَّوقُّع كتَناولِ السُّمِّ اعتمادًا على الدَّفع بقوَّة الطَّبيعة (٢).
وقرئ بالضَّم (٣)، وهو مصدرُ غرَّه كاللُّزومِ والنُّهوك (٤)، أو جمع غَارٍّ، كقَاعِدٍ وقُعودٍ.
* * *
وهواه على عقله، فانتكس رأيُه فرأى الباطلَ حقًّا والقُبْحَ حَسَنًا، كمَن لم يُزيَّن له، بل وُفِّقَ للنَّظر الصَّحيح فعرفهما، ورأى (١) الحقَّ حقًّا فاستحسنه (٢) واختاره، ورأى الباطلَ باطلًا فاستقبحه وتركه.
والهمزة للإنكار دخلَتْ على الفاء العاطفة لإنكار الجهلِ وفقدِ النَّظرِ والتَّمييزِ، أي: أبعدَ ما تبيَّنَ (٣) عاقبةُ الفريقَيْن مَن فقَدَ التَّمييز واتَّبعَ الشَّيطان، فرأى القبيحَ الذي زُيِّنَ له حَسنًا كَمَنْ ليسَ كذلك.
وإنَّما حذفَ الجوابَ لدلالة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ عليه.
وقالَ الزَّجَّاج: الجواب: ذهبَتْ نفسُكَ (٤) عليهم حسرةً، فحذفَ لدلالة: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ عليه (٥)؛ أي: فلا تُهلك نفسَك للحسرات.
و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ صلةُ ﴿تَذْهَبْ﴾، كقولِكَ: هلكَ عليه حبًّا، أو بيانٌ للمتحسَّرِ عليه، ولا يجوز أنْ يتعلَّق بـ ﴿حَسَرَاتٍ﴾؛ لأنَّ صلة المصدر لا تتقدَّم عليه، ويجوز أن يكون حالًا (٦) على أنَّها كلَّها صارَتْ حسراتٍ لفرط التَّحسُّرِ.
стр. 3766
وجمعُ الحسرات للدِّلالة على تضاعف اغتمامه (١) على أحوالهم، أو كثرةِ مساوئ أفعالهم المقتضيةِ للتَّأسُّف عليهم.
وقرئ: ﴿فلا تُذْهِبُ نفسَكَ﴾ (٢)؛ أي: فلا تُهلكها.
والفاءات الثَّلاث للسَّببيَّة، غير أنَّ الأُولَيين دخلتا على السَّبب، والثالثة على المسبَّب.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ وعيدٌ لهم بالعقابِ على سوءِ صنيعِهم.
* * *
(٩) - ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.
﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ، وقد خُولِفَ به عمَّا قبلَه وما بعدَه إلى المضارع؛ استحضارًا لتلك الصُّورة البديعة الدَّالة على القدرة الباهرة من إثارة الرِّيح السَّحابَ، وما يقارنُه من إنزال المطر وغيره.
وهكذا يُغيَّر النَّظم في كلِّ أمرٍ عجيبٍ وفعلٍ يختصُّ بحالٍ يُستَغرَبُ، أو يهمُّ المخاطِبَ أو المخاطَبَ (٣)، أو يتميَّز (٤) بنوعِ شرفٍ، وغير ذلك.
стр. 3767
والتفَتَ في (١): ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ مِن الغيبة إلى التَّكلُّم الذي هو أدلُّ (٢) على الاختصاص بالقدرة الباهرة، والضَّمير في:
﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ للمطرِ الدَّالِّ عليه السَّحابُ، أو للسَّحاب لأنَّهُ سبب السَّبب فهو سبب (٣).
﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعد يبسها.
﴿كَذَلِكَ النُّشُور﴾؛ أي: مثلَ إحياءِ المواتِ نشورُ الأموات في صحَّة المقدوريَّة؛ إذ لا فرق بينهما إلَّا احتمالُ اختلاف (٤) المادَّة في المقيس عليه، ولا مدخل له فيها.
وقيل في كيفيَّة الإحياء: إن اللَّه تعالى يرسل ماءً (٥) مِن تحتِ العرشِ تَنبتُ به أجسادُ الخلقِ.
* * *
(١٠) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾؛ أي: القوَّة والقدرة والمَنَعة فليطلبها مِن عند اللَّه تعالى، فحذف الجزاء استغناءً عن المدلول بالدَّليل، وهو قوله:
стр. 3768
﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾؛ أي: عِزَّةُ الدُّنيا والآخرة، ثمَّ بيَّنَ أنَّ الذي يُطلَبُ به العزَّةُ هو التَّوحيد والعمل الصالح فقال:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ هو قولُ لا إله إلا اللَّه، وصعودُه إليه مجازٌ عن قَبولِه إيَّاه، والمستكنُّ في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ للكَلِم؛ لأنَّ الصَّاعد بنفسِه هو، ولا خلافَ في أنَّ العملَ لا يُقبَلُ إلَّا بالتَّوحيد والإيمان. ويؤيده القراءة بنصب (العملَ) (١).
وقيل: للّه تعالى، والمرفوع العملُ، وتخصيصه بهذا الشَّرف لِمَا فيه مِن الكلفة.
وقيل: للعمل فإنه يحقِّق الإيمان ويقوِّيه.
والكَلِمُ: اسمُ جنسٍ مِن الأجناسِ التي يُفرق بين واحدها والجنس بالتَّاء، كتمرٍ وتمرة (٢).
وقرئ: (يُصْعَد) على البناء للمفعول (٣).
و: (يُصْعِد) على البناء للفاعل مِن أصعَدَ، ونصبِ (الكلِمَ)، والفاعل هو المتكلِّم به لأنَّه يُصْعِده إلى الله تعالى (٤).
﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: المكراتِ السَّيئات، أو لمضافٍ (٥) إلى المصدر؛ أي: أصنافَ المكرِ السَّيئات، أو ضُمِّن ﴿يَمْكُرُونَ﴾ معنى:
стр. 3769
يكسبون، فنُصب ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ مفعولًا به، والمراد: مكرات قريشٍ في دار النَّدوة، وقد مرَّ تفصيلُها في (الأنفال).
﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لا يؤبَهُ دونَه بما يمكرون به.
﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ جِيءَ به للدِّلالةِ على عِظمِ مكرهِم، وأنَّه لخبثه أوجب فساده وعدم نفاذه.
وتوسيط ﴿هُوَ﴾ للحصر؛ أي: هو خاصَّةً يبور (١) ويفسد دون مكرِ اللّهُ تعالى بهم.
وكون الأمور مقدَّرةً لا تتغير (٢)، لا يصلحُ علَّةً لفساد مكرهم؛ لِمَا قرَّرناه في مواضعَ مِن أَنَّه لا تأثيرَ في التَّقدير كما زعمتْه الجبريَّة، ولا دلالةَ على ذلك في قوله:
(١١) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ بخلقِ آدم ﵇ من ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ بخلقِ ذرِّيَّته منها ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أصنافًا ذكورًا (٣) وإناثًا.
﴿تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ في موضعِ الحال؛ أي: إلا معلومةً له.
لَمَّا أثبَتَ القدرةَ الكاملةَ والعِلمَ الشَّامل أرادَ إثباتَ القضاءِ والقدَرِ فقال:
стр. 3770
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ مِن بابِ تسميةِ الشَّيءِ بما يَؤولُ إليه (١)؛ أي: وما يعمَّرُ مِن أحدٍ، ألا ترُى أنَّه يرجع الضَّمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ إليه؟ والنُّقصانُ مِن عُمرِ المعمَّرِ مُحالٌ، وهو مِن التَّسامحِ في العبارة ثقةً بفهم السَّامع.
هذا بحسب الجليل (٢) مِن النَّظر، وأمَّا النَّظرُ الدَّقيقُ فيَحكم بصحَّة أنَّ المعمَّر - أي: الذي قُدِّرَ له عمرٌ طويلٌ - يجوز أنْ يبلغَ حَدَّ ذلك العمرِ وأنْ لا يبلغَ عمرَه، فيزيدُ عمرُه على الأوَّل وينقص على الثَّاني، ومع ذلك لا يلزمُ التَّغييرُ في التَّقدير، وذلك لأنَّ (٣) المقدَّرَ لكلِّ شخصٍ إنَّما هو الأنفاس المعدودة، لا الأيَّام المحدودة والأعوام الممدودة، ولا خفاء في أنَّ الأيَّام قَدْرٌ مِن الأنفاسِ يزيدُ وينقصُ بالصِّحة والحضور والمرض والتَّعب، فافهم هذا السِّرَّ العجيبَّ (٤).
стр. 3771
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ وهو (١) اللَّوح أو الصَّحيفة (٢).
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إشارةٌ إلى الزِّيادة والنّقصان (٣)
* * *
(١٢) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ضَرَب البحرَيْن - العذبِ والملحِ (٤) - مثلَيْن للمؤمنِ والكافرِ.
والعَذْبُ: ما يقمع العطش ويردعُه، مِن أعذبَ عن الشَّيء: إذا أمسَكَ عنه.
والفُراتُ: الذي يكسِرُ العطشَ.
والسَّائِغُ: الذي يسهل انحدارُه.
والمِلحُ: الماءُ الذي فيه ملوحةٌ، ولا يقال: مالح.
والأُجاجُ: أشدُّ المياه ملوحةً، وهو الذي لشدَّة ملوحتِه يلتهب، ويُقال: أجَّجْتُ النَّارَ؛ أي: ألهبتُها، والأَجَّةُ: شِدَّةُ الحرِّ.
ثمَّ وصفَ البحرَيْنِ بما فيهما مِن النِّعمِ والفوائد على سبيل الاستطراد امتنانًا وتفضُّلًا، فقال:
стр. 3772
﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ إنَّما غيَّرَ النَّظمَ - حيث لم يقل: وتلبسون حليةً - لتفاوت الحال؛ حيث كان الأوَّلُ سهلَ المأخذ دون الثَّاني، وفي زيادة السِّينِ نوعُ دلالةٍ إلى مزيد كلفةٍ في إخراجها.
وفي عبارةِ ﴿كُلٍّ﴾ (١) دلالة على أنَّ قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] على ظاهره.
ويجوز أن يكون وصفهما مِن تمامِ المثَلِ، وهو أنَّهما مشتركان في فوائدَ كثيرةٍ، كما أنَّ الكافرَ وإنْ كانَ المقصودُ من الإنسان فيه مفقودًا كالمقصود الأعظم من الماء في البحر الملح، ولكنْ قد يُشارِكُ المؤمنَ في فوائد دنيويَّة كالشَّجاعة والسَّخاوة وأمثالها (٢).
أو أنَّ (٣) الملحَ وإنْ لم يبقَ فيه خاصيَّةُ (٤) الماء، وفسدَ جوهرُه بما اختلطَ به وأبطلَ فطرتَه كالكافر، لكنَّه مُفضَّلٌ عليه بأنَّ فيه فوائدَ كثيرةً ومنافعَ جمَّةً، بخلاف الكافر فإنَّه لا خيرَ فيه ولا نفعَ، فيكون على طريقة قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤] الآية.
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ﴾: في كلٍّ ﴿مَوَاخِرَ﴾: شواقَّ الماء بجريها.
﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: مِن فضلِ اللّهِ بالنُّقلة فيها، وأُضْمِرَ للعلم به تعالى وتعيُّنِه، واللَّام متعلِّقةٌ بـ ﴿مَوَاخِرَ﴾، ويجوز أن تُعلَّق بما دلَّ عليه الأفعال المذكورة.
стр. 3773
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لعلَّ) مستعارٌ مِن معنى التَّرجِّي للإرادة، ولذلك سلكَ به مَسلَكَ التَّعليلِ، وعطفَ على قولِه: ﴿لِتَبْتَغُوا﴾، كأنَّه قالَ: لتبتغوا من فضله ولتشكروا (١) على ذلك.
* * *
(١٣) - ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورة لقمان.
﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارةٌ إلى الموصوف بالصِّفات المذكورة، وفيه إشعار بأنَّ فاعليَّته لها موجبةٌ لثبوتِ الأخبار المترادفة.
﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ ﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ، ﴿اللَّهُ﴾ عطفُ بيان (٢)، ولا يجوز أن يكونَ صفةً؛ لأنَّه عَلَمٌ، والعَلَم (٣) لا يوصف به.
و ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ جملةٌ استئنافيَّة مقرِّرة لمعنى التَّعظيم الذي في ﴿ذَلِكُمُ﴾، أو لمعاني الصِّفات المذكورة، أو ثلاثتُها أخبار مترادفة، ولا يأبى المعنى عن خبريَّة ﴿رَبُّكُمْ﴾ لأَنَّه يكون قد أخبر بأنَّه المشار إليه بتلك الصِّفات والأفعال.
стр. 3774
أو ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ خبران، و ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ جملة مبتدأة (١) لا محلَّ لها من الإعراب، واقعةٌ في قِرَان قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ مقدّمة منضمَّة (٢) إلى الأولى، لينعقد القياس منهما برهانًا دالًّا على أنَّها لم تَصلح للإلهيَّة، ولم تَستحقَّ العبادةَ.
والقطميرُ: القُمعُ الذي في رأس التَّمرة، وقيل: لفافة النَّواة.
* * *
(١٤) - ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.
ثمَّ قررَ نفيَ الألوهيَّة عنها بقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لأنَّهم (٣) جمادٌ.
﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على سبيلِ الفَرْضِ والتَّقديرِ.
﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ بتحصيل سؤلِكم؛ لعدمِ قدرتهم على شيءٍ.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾؛ أي: ينكرونه، هذا على أن يكون الكلامُ في الأصنام، فجحدُهم بأنْ ينطقهم اللّهُ تعالى يوم القيامةِ فينكرون أن يكونوا (٤) أهلًا للعبادة، أو ينكرون أن تكون تلك العبادة حقًّا، وإنَّما ذكر أفعالهم بالواو والنُّون لأنَّه وصفهم بصفات العقلاء.
стр. 3775
وإنْ كان في الملائكة والأنبياء ﵈ فمعنى قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾: لغيبتهم عنكم (١)، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لأنَّهم لا يملكون ذلك.
ومعنى إنكارهم شركَهم: أنَّهم يومَ القيامةِ يقولون: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] أو ينكرون أن يكون ذلك حقًّا.
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ التَّنكيرُ للتَّعظيم؛ أي: ولا يخبرُكَ بحقيقةِ الأمر على ما هو عليه خبرُه (٢) مثلُ خبيرٍ أيِّ خبير، عليمٍ (٣) بكلِّ خفيَّةٍ وجليَّةٍ؛ يعني: ما أخبرتكم به مِن حالِ الأوثان هو الحقُّ؛ لأنَّي خبير بكلِّ شيءٍ.
* * *
(١٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ في أنفسكم، وما يَعِنُّ لكم (٤).
وتعريف ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ للماهيَّة؛ بناءً على المبالغة.
وتوسيط ﴿أَنْتُمُ﴾ للحصر؛ أي: أنتم جنس الفقراء مطلقًا، دون سائر الخلائق، يعني أنَّكم لكثرة حوائجكم وشدَّة افتقاركم وغاية ضعفكم بالنِّسبة إلى سائر الخلائق كأنَّكم جنس الفقراء، ليس غيركم فقراء، ولذلك قابله بقوله:
هذا قولَه في حقِّ الضَّالين المضلِّين: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]؛ لأنَّ الحملَيْنِ كلاهما مِن أوزارِه.
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾: نفسٌ أثقلها (١) الأوزارُ ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾: لحملِ بعضِ (٢) أوزارِها.
﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ (٣): لا يحملُ شيئاً مِن وزرها؛ أي: لا غِياثَ لِمَنِ استغاثَ منهم.
حذفَ مفعول (إن تدع) للتَّعميم؛ أي: وإن تدعُ كلَّ مَن في العالم واحداً واحداً لم يُجبْ، ولهذا أضمر المدعوَّ في: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
قرئ: (ذو قربى) (٤) على حذف الخبر، ويجوز أن تكون ﴿كَانَ﴾ تامَّةً، إلَّا أنَّ النَّاقصة أوقعُ وأفصح.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ حال من الفاعل؛ أي: يخشونه غائبين عن عذابه، أو من المفعول؛ أي: يخشون عذابَه غائباً عنهم، أو نصب على الظَّرف؛ أي: في السِّرِّ والغيبة مِن النَّاس.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ فإنَّهم المنتفِعون بالإنذار، واختلاف الفعلَيْن (٥) للدِّلالة على استمرارِ خشيتِهم.
стр. 3778
﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾: ومَن تطهَّر عن دنسِ المعاصي ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ إذ نفعُه لها، وهو اعتراضٌ مؤكِّدٌ لخشيتِهم وإقامتِهم الصلاة؛ لأنَّهما من جملة التَّزكِّي.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ترغيبٌ وترهيبٌ.
* * *
(١٩) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ مثَلٌ آخرُ للكافر والمؤمن، أو للصَّنم والله تعالى، وتأخير ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ لمحافظةِ الفاصلة.
* * *
(٢٠) - ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾.
﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ مثلٌ للباطل والحقِّ. وإنَّما جمع ﴿الظُّلُمَاتُ﴾ دون ﴿النُّورُ﴾ لأنَّ الحقَّ واحدٌ بخلافِ الباطل فإنَّه على أنواع متعدِّدة.
* * *
(٢١) - ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾.
﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ مثلٌ للثَّواب والعِقاب. و ﴿الْحَرُورُ﴾: فَعولٌ مِن الحرِّ، غلبَ على السَّموم، وقيل: غلب على ما يكون باللَّيل، والسَّموم ما يكون بالنَّهار، والواوات بعضُها عاطفة الوتر على الوترِ كالَّتي بين ﴿الْأَعْمَى﴾ و ﴿الْبَصِيرُ﴾، وبعضُها عاطفة الشَّفع على الشَّفعِ كالَّتي بينهما وبين (١) ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾.
стр. 3779
وكرَّر ﴿وَلَا﴾ فيما كرَّر لتأكيد المنافاة، فـ ﴿الظُّلُمَاتُ﴾ تنافي ﴿النُّورُ﴾، و ﴿الظِّلُّ﴾ ينافي ﴿الْحَرُورُ﴾، و ﴿الْأَعْمَى﴾ لا ينافي ﴿وَالْبَصِيرُ﴾، إنَّما المنافاة بين الوصفَيْنِ، ولذلك يكون الشَّخصُ الواحد بصيراً في وقتٍ وأعمًى (١) في وقتٍ آخرَ، ولهذا (٢) لم يذكر (لا) بينهما.
* * *
(٢٢) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ مثلٌ للعقلاءِ الذين دخلوا في الإسلامِ، والجهَّال الذين لم يدخلوا فيه وأصرُّوا على الكفر.
آثر صيغةَ الجمع هنا لأنَّه أرادَ نفيَ المساواة بين الأفراد؛ أي: ليس في جنس الأموات فردٌ يساوي فرداً من جنس الأحياء، ولا صحَّة لهذا المعنى في الأعمى والبصير؛ فإنَّه قد يوجد في جنس الأعمى ما يساوي بعضَ أفراد البصير، بل يَفضُلُ عليه، فلذلك آثر فيه (٣) صيغة الإفراد تفضيلاً للجنسِ على الجنسِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايتَه، فيوفِّقه لفهم آياته والاتِّعاظِ بعظاتِه. وبناء الفعل على الاسم يفيد أنَّك لا تُسمِعُ مَن تشاءُ.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ وما مَثلُكَ في إرادة إسلام مَن تشاءُ مِن قومٍ مخذولين إلَّا مَثلُ مَن يريد أن يُسمِعَ مَن في القبور، وهو ترشيحٌ لتمثيلِ
стр. 3780
المصرِّيْنَ على الكفر بالأموات، ومبالغة في إقناطه عنهم (١).
* * *
(٢٣) - ﴿أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾.
ثمَّ قالَ: ﴿أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾؛ أي: لسْتَ بمسمعٍ؛ فإنَّ الإسماعَ ليسَ إليك، ولا حيلةَ لك في إسماع المطبوع على قلوبهم، ما عليك إلا الإنذار.
* * *
(٢٤) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ حالٌ مِن أحد الضَّميرَيْنِ؛ أي: محقِّين، أو محقًّا، أو صفةُ مصدر محذوف؛ أي: إرسالاً مصحوباً بالحقِّ، أو صلةٌ لقوله:
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾؛ أي: بشيراً بالوعد الحقِّ، ونذيراً بالوعيد الحقِّ.
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾ الأمَّةُ: الجماعةُ الكثيرةُ، والمراد هنا: أهل عصرٍ.
﴿إِلَّا خَلَا﴾ (٢): مَضى ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ مِن نبيٍّ، أو عالمٍ قائمٍ مقامَه في الإنذارِ.
وإنَّما خصَّه بالذِّكر لأنَّ البشارة إنَّما تكون بالسَّمع، فهي مِن خصائص الأنبياء، فالبشير لا يكون إلَّا نبيًّا، أو ناقلاً عنه، بخلاف الإنذار فإنَّه كما يكون بالسَّمع يكون بالعقل، فلذلك وُجِدَ الثَّاني في كلِّ أمَّةٍ دون الأوَّل، ولا يُشكل هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤]؛ لأنَّ المراد مِن النَّذير فيه: النذَّيرُ بالسَّمع.
стр. 3781
(٢٥) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مَسْلاةٌ للرَّسول ﵊.
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات الشَّاهدة على نبوَّتهم.
﴿وَبِالزُّبُرِ﴾: وبالصُّحف ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: وبجنس الكتاب كالتَّوراة والزَّبور والإنجيل (١).
ولَمَّا كانتِ الأشياء المذكورةُ في جنس الأنبياء ﵈، بعضُها في جميعهم وهي البيِّنات، وبعضُها في بعضهم وهي الزُّبر (٢) والكتب؛ أسندَ المجيء بها إليهم مطلقاً على أنَّ الكلَّ منهم جاؤوا بالكلِّ، لا أنَّ كلَّ واحدٍ جاء (٣) بكلِّ واحدٍ.
* * *
(٢٦) - ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قد سبق تفسيره في سورة سبأ.
* * *
(٢٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾.
стр. 3782
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾؛ أي: أجناسُها كالرُّمَّان والتُّفاح والتِّين والعنب وغيرها ممَّا لا يُحصى، أو أصنافها على أنَّ كلًّا منها أصنافٌ مختلفةٌ، أو هيئاتها مِن الحمرة والصُّفرة والخضرة ونحوها.
﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾: طرائقُ مختلفٌ ألوانُها؛ أي: جبالٌ كلُّ بعضٍ منها على لونٍ وطريقٍ مخالفٍ لآخر، كما في الثَّمرات، أو: مِن الجبالِ ذو جُدَد؛ أي: جنس ذو خطط.
﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾؛ أي: بعضٌ مختلفُ الألوانِ، وبعضٌ على لونٍ واحدٍ.
وقرئ: (جُدُدٌ) بضمِّ الدَّال (١)، جمع جَديدةٍ، وهي الجُدَّة، و: (جَدَد) بفتحتَيْنِ (٢)، وهو الطَّريق الواضح.
﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ عطفٌ على ﴿بِيضٌ﴾ (٣)، أو على ﴿جُدَدٌ﴾؛ أي: ومن الجبال (٤) مخطط (٥) ذو طرائق مختلفة، ومنها ما هو على لونٍ واحدٍ غرابيبُ.
والغرابيبُ: البالغُ في السَّواد، وهو مِن التَّوابع المؤكِّدة، ومنه الغراب، وعليه تفسير عكرمة (٦).