← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

(٢٥) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مَسْلاةٌ للرَّسول ﵊. ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات الشَّاهدة على نبوَّتهم. ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾: وبالصُّحف ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: وبجنس الكتاب كالتَّوراة والزَّبور والإنجيل (١). ولَمَّا كانتِ الأشياء المذكورةُ في جنس الأنبياء ﵈، بعضُها في جميعهم وهي البيِّنات، وبعضُها في بعضهم وهي الزُّبر (٢) والكتب؛ أسندَ المجيء بها إليهم مطلقاً على أنَّ الكلَّ منهم جاؤوا بالكلِّ، لا أنَّ كلَّ واحدٍ جاء (٣) بكلِّ واحدٍ. * * * (٢٦) - ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قد سبق تفسيره في سورة سبأ. * * * (٢٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾.

стр. 3782

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾؛ أي: أجناسُها كالرُّمَّان والتُّفاح والتِّين والعنب وغيرها ممَّا لا يُحصى، أو أصنافها على أنَّ كلًّا منها أصنافٌ مختلفةٌ، أو هيئاتها مِن الحمرة والصُّفرة والخضرة ونحوها. ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾: طرائقُ مختلفٌ ألوانُها؛ أي: جبالٌ كلُّ بعضٍ منها على لونٍ وطريقٍ مخالفٍ لآخر، كما في الثَّمرات، أو: مِن الجبالِ ذو جُدَد؛ أي: جنس ذو خطط. ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾؛ أي: بعضٌ مختلفُ الألوانِ، وبعضٌ على لونٍ واحدٍ. وقرئ: (جُدُدٌ) بضمِّ الدَّال (١)، جمع جَديدةٍ، وهي الجُدَّة، و: (جَدَد) بفتحتَيْنِ (٢)، وهو الطَّريق الواضح. ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ عطفٌ على ﴿بِيضٌ﴾ (٣)، أو على ﴿جُدَدٌ﴾؛ أي: ومن الجبال (٤) مخطط (٥) ذو طرائق مختلفة، ومنها ما هو على لونٍ واحدٍ غرابيبُ. والغرابيبُ: البالغُ في السَّواد، وهو مِن التَّوابع المؤكِّدة، ومنه الغراب، وعليه تفسير عكرمة (٦).

стр. 3783

ووجهُه: أنْ يُضمَر المؤكَّد قبلَه لأنَّه تابعٌ، ثمَّ أوقع بياناً له خيفةَ اللَّبس، كقول النَّابغة: والمؤمنُ العائذاتِ الطَّيرَ (١) وتغيير الأصل فيه لزيادة التَّأكيد، كأنَّه دلَّ على المعنى الواحد بطريق الإضمار والإظهار، فيكون كتكرير (٢) التَّأكيد بوجهٍ أبلغَ. * * * (٢٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾: كاختلاف الثِّمار والجبال. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾: ما يخشى اللهَ تعالى مِن بين (٣) عبادِه إلَّا العلماءُ باللهِ وبصفاتِه وأفعالِه؛ فإنَّ الخشيةَ على قَدْرِ العلمِ، فمَنْ كانَ أعلمَ باللهِ كانَ أخشى منه. وفي الحديث: "أعلمُكُم باللهِ أشدُّكُم خشيةً" (٤).

стр. 3784

ولهذا لَمَّا ذكر أفعالَه الدَّالة على كمال قدرته وعظمته وحكمته أتبعه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾، أي: إنَّما يخشاه مثلُك ومَن على صفتك ممَّن يعرفه حقَّ معرفته. وتأخيرُ الفاعلِ للحصر فيه، ولو قُدِّم لانعكس الحصر، فكان في المفعول. ومَن قرأ برفع (اللهُ) (١) ونصب (العلماءَ) (٢) استعارَ الخشيةَ للإجلال والتَّعظيم؛ أي: ما يجلُّ اللهُ مِن بين النَّاس كما يُجَلُّ المَهيبُ المَخْشِيُّ إلَّا العلماءَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ تعليلٌ لوجوب الخشيةِ؛ لأنَّ مَن قدرَ على العقوبة والانتقام والعفو والغفران حقُّه أنْ يُخْشَى. * * * (٢٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾: يداوِمون على قراءة (٣) القرآن. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ يعني: لا يقنعون (٤) بتلاوته عن حلاوة العمل به.

стр. 3785

﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ كيف اتَّفَق (١) من غيرِ قصدٍ إليها، أو سرًّا في المسنونة وعلانيةً (٢) في المفروضة. ﴿يَرْجُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، أو حالٌ من ضمير ﴿أَنْفَقُوا﴾، والخبر ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. ﴿تِجَارَةً﴾: تحصيلَ ثوابٍ بالطَّاعة، لا طلبَه؛ لأنَّه لا يصلح متعلَّقاً للرَّجاء. ﴿لَنْ تَبُورَ﴾: لن تكسد ولن تهلك (٣) بالخسران، صفةٌ للتِّجارة. * * * (٣٠) - ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلِّق بـ ﴿لَنْ تَبُورَ﴾، أو بـ ﴿يَرْجُونَ﴾، أو علَّة للأفعال المذكورة من التِّلاوة وإقامة الصَّلاة والإنفاق؛ أي: فعلوا مِن الطَّاعات راجين تجارةً لن تبور ليوفِّيهم ويزيدهم (٤). ﴿أُجُورَهُمْ﴾ ما وعدَ مِن ثوابِ أعمالهم، وإنَّما عبَّرَ عنه بالأجر لكونِه في مقابَلة العمل. ﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾ على الموعود. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلِّق بجميع ما ذُكِرَ مِن التَّوفية والزِّيادة، لا الزِّيادة (٥) خاصَّة؛

стр. 3786

إذ حينئذٍ يلزم أن لا يكون تعالى (١) في التَّوفية متفضِّلاً، بل مؤدِّياً ما وجب عليه، كما زعمته المعتزلة (٢). ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ لفرطاتهم ﴿شَكُورٌ﴾ لطاعاتهم. مجازٌ (٣) عن إعطاءِ الجزيل على العمل القليلِ. * * * (٣١) - ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: القرآن و ﴿مِنَ﴾ للتَّبيين، أو الجنس و ﴿مِنَ﴾ للتَّبعيض. ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الكاملُ في كونه حقًّا. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مؤكِّدة (٤)؛ لأنَّ الحقَّ لا ينفكُّ عن هذا التَّصديقِ. ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِن الكتبِ المتقدِّمة. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ﴾ بالبواطنِ ﴿بَصِيرٌ﴾ بالظَّواهر، فلو لم يرَ فيك أهليَّةً واستحقاقاً لهذه الكرامة لم يوحِ إليك مثلَ هذا الكتاب المعجز، الذي هو عيارٌ على سائر الكتب (٥).

стр. 3787

وتقديم الخبير لأنَّ الاعتناء (١) بالأمور (٢) الرُّوحانيَّة أكثر، وهي العمدة. * * * (٣٢) - ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾؛ أي: أعطيناه بلا كلفةِ كسبٍ، كمالِ الميراثِ. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ يعني: أمَّة محمَّد ﷺ ، فإنَّهم مختارون مِن بين سائر الأمم. وفي عبارة ﴿أَوْرَثْنَا﴾ إشارة إلى أنَّ الكتاب المذكور يكون باقياً في هذه الأمَّة يرثُه بعضُهم عن (٣) بعضٍ إلى قيام السَّاعة، ولا يضيع كما ضاع سائر الكتب، فالمعنى: نورِثه، على عادة (٤) الله تعالى في إخباره عما يتحقق وقوعه. وكما أنَّ ورثةَ الدُّنيا ثلاثةُ أصنافٍ: صاحب فرضٍ، وعصبة، وذوي الأرحام، كذلك ورثةُ الدِّين ثلاثةُ أصناف: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو مَن عاشَ عاصياً ومات عاصياً من أهل الإيمان الذين قال النبي ﵇ فيهم: "شفاعتي لأهل الكبائر مِن أمَّتي" (٥).

стр. 3788

قدَّمه اهتماماً لأنَّه أبعدُ الأصناف عن كرامة الاصطفاء، واللَّام للاختصاص لأنَّ فعل الظُّلم يتعدَّى بنفسه، وفائدته الاحترازُ عن الظُّلم لغيره؛ لأنَّ التَّجاوز عنه (١) في عهدة ذلك الغير. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وهو مَن عاش عاصياً ومات مطيعاً. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ وهو من عاش مطيعاً ومات مطيعاً. نُقِلَ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سابقُنا سابق، ومقتصدُنا ناجٍ، وظالمنا مغفورٌ له" (٢). فالأصناف المذكورة على مراتبَ في الوصول إلى المقصد: متأخِّر، ومتوسِّط، وسابق حاز قَصَب السَّبق، لكن لا بفضيلةٍ ذاتيَّةٍ كما في سباق الدُّنيا، بل بفضلٍ مِن الله تعالى، وإلى هذا أشير بقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بتيسيره، وقد سبقَ وجهُ هذا المجاز. والباء الأولى للتَّعدية، مِن قولِكَ: سبقتُه بالكرة: إذا ضربتَها قبله، ومنه قوله ﵇: "سَبَقكَ بها عُكاشةُ" (٣).

стр. 3789

﴿ذَلِكَ﴾ الاصطفاء ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ لَمَّا ذكر الأصنافَ المذكورة بحسب أحوالهم في دار العمل فرَّق بينهم، ولَمَّا ذكرهم باعتبار مآلهم إلى دار الجزاء جمعَهم فقال: * * * (٣٣) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلٌ؛ لأنَّ الفضل هو السَّبب في الوصول إليها، فكأنَّه مِن شدَّة اقتضائه للمسبَّب عينُه (١)، وتنزيل السَّبب منزلةَ المسبَّب غيرُ عزيز. ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾؛ أي: الفِرق الثَّلاث يدخلونها، ويجوز أن تكون الإشارة إلى السَّبق، واختصاصُ السَّابقين بعد التَّعميم (٢) بذكر ثوابهم، والسُّكوتُ عن القسمَيْنِ الأخيرَيْنِ؛ للإنذارِ والحثِّ على التَّوبة والتَّشويق إلى (٣) السَّابقين. وقرئ: (جنَّاتِ) (٤) منصوبةً بفعلٍ يفسِّره الظَّاهر. وقرئ: ﴿يُدْخَلونها﴾ على بناءِ المفعول (٥). ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ حالٌ مقدَّرة، أو خبرٌ ثانٍ، وقرئ: (يَحْلَون) مِن حَلِيَتِ المرأةُ فهي حَالِيَةٌ (٦).

стр. 3790

﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ ﴿مِنْ﴾ للبيان أو للتَّبعيض؛ أي: يحلَّون بعضَ أساور، كأنَّه بعضٌ سبقَ (١) سائر الأبعاض، كما سبق المسوَّرون به (٢) غيرهم، وهذا على تقدير أن تكون الإشارة إلى السَّبق. ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ للبيان، لا للتَّبعيض؛ إذ حينئذٍ يكون الخبر خلواً عن الفائدة. ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ عطف على ﴿ذَهَبٍ﴾؛ أي: مِن (٣) ذهبٍ مرصَّع باللُّؤلؤ (٤)، أو ذهبٍ في صفاءِ اللُّؤلؤِ، وقِرئ: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ (٥) عطفاً على محلِّ ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ (٦). ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ التَّنكير للدِّلالة على أنَّه نوعٌ غيرُ معهودٍ مِن جنسِ الحريرِ. * * * (٣٤) - ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾: همّهم مِن خوف العاقبة، أو مِن أجل المعاش وآفاته، أو مِن وسوسةِ إبليس وغيرها. ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ للمُذنبين ﴿شَكُورٌ﴾ للمطيعين. * * *

стр. 3791

(٣٥) - ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾. ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾: دارَ الإقامة ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: مِن إنعامه وتفضُّله، إذ (١) لا واجبَ عليه. ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ النَّصبُ: التَّعبُ والمشقَّةُ التي تصيب المنتصِبَ للأمرِ. ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ اللُّغوبُ: الفُتور والكَلال دونَ التَّعبِ، فهو مِن بابِ التَّرقِّي لا مِن باب (٢) التَّتميم، ولذلك أعادَ قولَه: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا﴾، ولم يقل: ولا لغوب. * * * (٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ جواب النَّفي، ونصبُه بإضمار (أنْ)؛ أي: لا يموتون بموتٍ ثانٍ فيستريحوا (٣)، يُقال: قضى عليه: إذا أماته، قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]. فلا بُدَّ مِن صرف قوله: ﴿فَيَمُوتُوا﴾ عن الحقيقة إلى المجاز؛ صوناً له (٤) عن وَصمةِ اللَّاغية (٥).

стр. 3792

وقرئ: (فيموتون) (١) عطفاً على ﴿يُقْضَى﴾، وإدخالاً له في حكم النَّفي؛ أي: لا يقضي عليهم الموت فلا يموتون، كقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٦]. ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾: مِن عذاب جهنَّم، كقوله (٢) تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، فإنَّ فيه دلالةً على أنَّ مظنَّة الخفَّة في غيرهم مئنَّةُ (٣) الشِّدة في حقِّهم. ﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الجزاء ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾: مبالغٍ في الكفر أو الكفران (٤). قرئ بالنُّون والياء، والفاعل هو الله تعالى، وقرئ: ﴿يُجْزَى﴾ على بناء المفعول، وإسنادِه إلى ﴿كُلَّ﴾ (٥). * * * (٣٧) - ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.

стр. 3793

﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ﴾ يفتعِلون، مِن الصُّراخ، وهو الصِّياح بجهدٍ وشدَّةٍ، واستُعمِلَ في الاستغاثة؛ لجهدِ المستغيثِ صوتَه (١). ﴿فِيهَا﴾: في جهنَّم. ﴿رَبَّنَا﴾ بإضمار القول (٢)؛ أي: يستغيثون ويقولون: ربَّنا. ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ اعترافٌ منهم بأنَّ ما عملوه كانَ غيرَ صالحٍ حَسِبوه صالحاً، وتحسُّرٌ عليه، والدِّلالة (٣) على أنَّ طلب الخروج لتلافيه. ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾؛ أي: مَن أرادَ أنْ يتذكَّرَ، توبيخٌ مِن الله تعالى على طَلِبتهم، وتقريرٌ على تقدير القول؛ أي: نقول لهم: أتتمنونَ الرُّجوع ولم نعمِّركم مدَّة يمكن فيها التَّذكُّر والتَّدبُّر؟ و ﴿مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ يتناولُ كلَّ عمرٍ يتمكَّنُ فيه الإنسان مِن العمل الموجب للنَّجاةِ وإنْ قَصُرَ، إلَّا أنَّ التَّوبيخَ في المتطاوِل (٤) أعظم. وقيل: ما بين العشرين إلى السِّتين، وعنه ﵇: "العمرُ الذي أَعْذرَ اللهُ فيه إلى ابن آدم ستُّون سنةً" (٥).

стр. 3794

﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ عطفٌ على معنى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾؛ لأنَّه تقريرٌ لفظُه لفظُ الاستفهام، ومعناه معنى الخبر، كأنَّه قيل: قد عمَّرناكم وجاءكم النَّذير؛ أي: النَّبيُّ (١) المنذِر أو الكتاب، وهذا إلزام الحجَّة (٢) عليهم بالعقل والسَّمع؛ فإنَّ التَّذكُّرَ مِن باب العقل، والإنذار مِن باب السَّمع. والفاء في قوله: ﴿فَذُوقُوا﴾ للسَّببيَّة؛ أي: ما تذكَّرتم فذوقوا بسببِه (٣)، وكذا الثَّانية إلَّا أنَّ فيها معنى التَّعليل. ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ يدفعُ العذابَ عنهم. * * * (٣٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما غابَ فيها (٤) عنكم. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تعليلٌ؛ لأنَّ ما في الصُّدور أخفى الغيوب، فإذا علمَه علمَ كلَّ غيبٍ في العالم، فيعلَمُ أنَّه لو ردَّهم إلى الدُّنيا لم يعملوا غير الذي كانوا يعملون؛ كقوله (٥): ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. * * *

стр. 3795

(٣٩) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يُقال للمستخلَفِ: خليفة وخليف، ويجمع الخليفة على خلائِف، والخليف على خُلفاء. والخطاب عامّ على أنَّ المعنى: أنَّه جعلكم خلفاء في أرضِه، وألقى إليكم مقاليدَ التَّصرُّف فيها، وأباح لكم منافعها، لتؤمنوا به وتشكروه (١). وقيل: لمن بُعِثَ إليه رسول الله ﷺ ، فإنَّهم خَلَفوا مَن قبلَهم، وشاهدوا مِن آثارِ (٢) هلاكهم ما فيه معتَبر، ورأوا ما فيه مزدَجَر. ﴿فَمَنْ كَفَرَ﴾ منكم وغمطَ تلك النِّعمةَ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾؛ أي: فعليه وَبال كفرِه لا على غيرِه. ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ بيانٌ له، والمقتُ: أشدُّ البغضِ، والتَّنكيرُ للتَّعظيم؛ لأنَّ مقتَ الله أعظمُ مِن كلِّ مَقْتٍ، وكذا التَّنكير في ﴿خَسَارًا﴾. ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ وهو خسار الآخرة. تكرير ﴿الْكَافِرِينَ﴾، والتَّصريح في (٣) موضع الإضمار ذمٌّ، وبيان لكون الكفر مقتضياً لكلِّ واحدٍ مِن الأمرَيْنِ القبيحَيْنِ (٤) المذمومَيْنِ بالأصالةِ. * * *

стр. 3796

(٤٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: آلهتَهم، وإضافة الشُّركاء إليهم للملابسة؛ لأنَّهم جعلوهم شركاء الله. ﴿اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بدلَ الاشتمال؛ لأنَّه بمعنى: أخبروني عن هؤلاء الشُّركاء وعمَّا (١) استحقُّوا به العبادة، أيَّ شيءٍ مِن الأرض استبدُّوا بخلقِه؟! ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾: أم لهم شركةٌ مع الله تعالى في خلق السَّماوات، فاستحقُّوا بذلك الشِّركةَ في الألوهيَّة ذاتيَّة (٢) ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾ ينطقُ بأنَّهم شركاؤه. ويجوز أن يكون الضَّمير في ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ للمشركين، كقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ [الروم: ٣٥]، على أنَّ السُّؤال عن دليل آلهتهم: أهو برهانٌ عقليٌّ أم نقليٌّ؟ ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾: على حجَّةٍ مِن ذلك الكتاب، بأنَّ لهم شركة جعليَّة. وقرئ: ﴿بَيِّناتٍ﴾ (٣)، فيكون إيماءً إلى (٤) أنَّ الشِّركَ أمرٌ خطيرٌ، لا بُدَّ فيه (٥) مِن تعاضد الدَّلائل.

стр. 3797

﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ على معنى الإضراب عن العقليِّ وإنكار النَّقليِّ، ثمَّ أضرب عنها (١) صريحاً بقوله: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ إذا ثبَتَ أن (٢) ذلكَ لأتباعهم ما هو إلَّا غرورٌ صِرْفٌ، وهو قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. قوله: ﴿بَعْضُهُمْ﴾ بدل من ﴿الظَّالِمُونَ﴾ (٣)، وهم الرُّؤساء، والمرادُ مِن البعض الآخر: الأتباعُ. ويجوز أن يكون (٤) وعد الشَّيطان للكافر (٥) كما قال: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، منَّاهم أن تشفعَ لهم أصنامهم وتقرِّبهم إلى الله زُلفَى. * * * (٤١) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾: يمنعُهما مِن أن تَزولا؛ لأنَّ الإمساكَ منعٌ، أو: لأنْ لا تَزولا؛ كقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]؛ أي: لأنْ لا تميدَ بكم.

стр. 3798

﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ على سبيل الفَرْضِ ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾: ما أمسكهما ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ اللهِ، أو: مِن (١) بعدِ الزَّوال. واللَّامُ موطِّئةٌ للقسم، و ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ جوابٌ للقسم (٢) سادٌّ مسدَّ جواب الشَّرط، و ﴿مِنْ﴾ الأولى مزيدةٌ لتأكيدِ النَّفي، والثَّانيةُ للابتداء. ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ لا يعاجِلُ بالعقوبةِ حيث يمسكهما، وكانتا جديرَتَيْنِ أنْ تُهدَّا هدًّا (٣) لِعظمِ كلمة الشِّرك، كما قال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾ [مريم: ٩٠]. ﴿غَفُورًا﴾ لِمَنْ تابَ عن الشِّركِ ووحَّده مؤمناً. * * * (٤٢) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي: واحدةٍ مِن الأمم مِن اليهود والنَّصارى والصَّابئين وغيرهم، أو مِن الأمَّة التي يُقال فيها: هي إحدى الأمم؛ أي: أوحديتُها (٤)؛ تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة، كما تقول: فلانٌ أحدُ الرِّجال. بلغ قريشاً قبلَ مبعث النَّبيِّ ﷺ أنَّ أهل الكتاب كذَّبوا رسلَهم، فقالوا: لعنَ اللهُ

стр. 3799

اليهودَ والنَّصارى أتتهم الرسل فكذَّبوهم، فوالله لئن أتانا رسولٌ لنكوننَّ أهدى من إحدى الأمم، فلمَّا بُعِثَ الرَّسول (١) ﵇ كذَّبوه (٢). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ التَّنكير للتَّعظيم. ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ النَّذير أو مجيئُه، والإسناد مجازيٌّ؛ لأنَّه هو السَّبب في أن زادوا نفوراً. ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ عن الحقِّ وتباعداً عنه. * * * (٤٣) - ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿نُفُورًا﴾، أو مفعول له، أو حال؛ أي: مستكبرين. ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ عطف على ﴿نُفُورًا﴾ على أنَّ الأصل: وأنْ مكَروا السَّيِّئ، أي: المكرَ السَّيء، فحذفَ الموصوف استغناءً بوصفه، ثمَّ بدل (أنْ) والفعل بالمصدَر، فصار: ومكر السَّيئ، ثمَّ أضيف. ﴿وَلَا يَحِيقُ﴾: ولا يحيط (٣) ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وهو الماكر (٤). وقرئ: (ولا يُحِيْقُ المكرَ) (٥)؛ أي: لا يحيقُ اللهُ تعالى.

стр. 3800

﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما (١) ينتظرون ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ انتظارُ سُنَّتِهم - وهي (٢) إنزال العذاب على مَن كذَّبَ مِن الأمم قبلَهم - مجازٌ عن استقبالهم (٣) لذلك ووقوعه في المستقبل لا محالةَ، كالشَّيء المنتَظَرِ المترقَّبِ. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ بأنْ لا يعذبهم. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ بأنْ ينقله إلى غيرهم، وقوله: (٤٤) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ استشهادٌ عليهم (٤) بما كانوا يشاهدونه في متاجرهم ومسائرهم إلى الشَّام والعراق واليمن مِن آثار الماضين، وعلامات (٥) هلاكِهم وديارهم. ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾: ليسبقه ويفوتَه؛ أي: ليس مِن شأنه تعالى ذلك. ﴿مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالأشياء كلِّها. ﴿قَدِيرًا﴾ عليها، ثمَّ بيَّنَ أنَّ تأخيرَ العذاب عنهم ليس للعجزِ بل لحكمةٍ تقتضيه، فقال:

стр. 3801

(٤٥) - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ مِن المعاصي ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾: على ظهرِ الأرضِ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: مِن نسمةٍ تدبُّ عليها، أي: الإنس وحده. وقيل: ما تركَ الإنسي (١) وغيرهم من سائر الدَّواب بشؤم ذنوبهم، على ما ورد في الآثار. ويرجِّح الأوَّلَ قولُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾، أي: يؤخِّرُ كلَّ واحدٍ منهم ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: معلوم عندَه، قيل: هو يوم القيامة، وفيه: أنَّ الكلَّ لم يؤخَّرْ إليه. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: وقتُهم عذَّبهم (٢)، حُذف الجزاء وأقيم (٣) ما هو كالدَّليل عليه مقامَه، وهو قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾، وذلكَ أنَّ العمل بموجب العلِمِ كاللَّازم لشأن الحكيم (٤). * * *

стр. 3802

سُورَةُ يس (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿يس﴾. ﴿يس﴾ كـ: ﴿الم﴾ في الإعراب (٢). وقرئ: بالكسر؛ كـ: جَيْرِ (٣). وبالفتح كـ: أَيْنَ (٤)؛ للجدِّ في الهرب مِن التقاءِ الساكنين لا للبناء، أو على إضمارِ حرف القَسَم ومنعِ الصرف، أو بالنصب؛ على: اُتْلُ ﴿يس﴾. وبالضَّمِّ كـ: (حيثُ) (٥)، أو بالرفع على: هذه ﴿يس﴾. * * * (٢) - ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾.

стр. 3803

وبتفخيم الألف وإمالتها (١)، وبإدغام النون في واو: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ (٢)، وهي واو القَسَم، أو العطف إن جعل ﴿يس﴾ مُقسَماً به. ﴿الْحَكِيمِ﴾: ذي الحكمة، ومعنى ﴿يس﴾: يا إنسانُ، بلغة طيِّئ عند الهيثم بنِ عديٍّ، وبالسُّريانيَّة عند ابنِ عباس ﵄ (٣). وعند سعيد بنِ جُبَير: هو اسمٌ مِن أسماءِ محمَّد ﷺ (٤)، دليله: (٣) - ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ جواب القَسَم، وهو ردٌّ على الكفَّار في قولهم: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣]. * * * (٤) - ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ، أو صلة لـ ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، أو حالٌ مِن المستكنِّ في الجارِّ والمجرور، وفائدتُه التصريحُ بالمدح، والجمعُ بين وصفِه ووصفِ شريعته، وتعظيمه وتعظيمها المستفادِ مِن التنكير. * * *

стр. 3804

(٥) - ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾. ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وقرئ بالرفع (١) على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وبالنصب على المدح، أو على أنَّه مصدرٌ؛ أي: نُزِّلَ تَنزيلَ، وبالجرِّ على البدل مِن (القرآن). * * * (٦) - ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ متعلِّق بـ ﴿تَنْزِيلَ﴾، أو معنى الإرسال في ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾. إنْ جعلْتَ (ما) في: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نافيةً، فالجملة في محلِّ النصب صفةٌ لـ ﴿قَوْمًا﴾؛ أي: قوماً غيرَ مُنذَرٍ آباؤهم، قيل (٢): لقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦]، وفيه نظرٌ؛ إذ لا يَلزم مِن عدمِ إتيانِهم النذيرَ أنْ لا يكونوا مُنذَرين، فإنَّ إتيانَه بأهلِ الكتابِ وهم يعلمون ذلك يكفي في الإنذار. وإنْ جعلتها موصولةً أو موصوفةً، فهي مع صلتِها أو صفتِها مفعولٌ ثانٍ لـ (تنذرَ)؛ أي: لتنذر قوماً الذي أُنذرَ به - أو: شيئاً أنذر به - آباؤهم مِن العذاب، كقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠]. وإن جعلتها مصدريَّةً، ففي محلِّ النصب على المصدر؛ أي: لتنذرَ قوماً ما أُنذرَ آباؤهم، والمعنى: إنذاراً مثلَ إنذارِ آبائهم (٣). وعلى الأول؛ يتعلَّق ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ بالفعل المنفيِّ؛ أي: لم يُنذَروا ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ على أنَّ عدمَ الإنذارِ هو سببُ غفلتهم.

стр. 3805

وعلى الثاني؛ تعليلٌ للإرسال والإنذار؛ أي: إنَّك لمن المرسلين لتُنذرَهم؛ فإنَّهم غافلون. والمراد بآبائهم: الأقربونَ الذين في زمنِ الفترة والجاهلية إنْ حُمل ﴿مَا أُنْذِرَ﴾ على النفي، والأقدمونَ مِن وَلَدِ إسماعيَل ﵇ الذين كانت فيهم النذارةُ إنْ حُمل على الإثبات. * * * (٧) - ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾؛ أي: ثَبَتَ وَوَجبَ عليهم فهم لا يؤمنون، لمَّا علم مِن أعيانهم أنَّهم يموتون على الكفر باختيارهم إيَّاه وإصرارِهم عليه، فشاءَ منهم ذلك وأخبر عنهم به، وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] فلا يعيِّن الأشخاصَ، ولا يقتضي أن يكون ذلك أكثرَ المذكورين. * * * (٨) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ مثَّل تصميمَهم على الكفر وعدمَ مبالاتهم بالإنذار وتدبُّرِهم بالآياتِ تمثيلين؛ تقريراً لتصميمِهم على الكفر وعدمِ إرعوائهم عنه؛ جعلهم كالمغلولين المُقمَحِين في أنَّهم لا يلتفتون إلى الحقِّ، ولا يَعطفون أعناقَهم نحوَه، ولا يُطأطئون رؤوسَهم، وجعلهم كالمحصورينَ المحبوسينَ بين سدَّين لا يُبصرون ما قدَّامهم ولا ما خَلْفهم، فلا يتبصَّرون العِبَر، ولا يتأمَّلون في آياتِ الله تعالى فيَعتبروا ويَنزجروا.

стр. 3806

﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ الضمير للأغلال؛ أي (١): هي عريضةٌ تبلغُ بحرفِها الأذقانَ، والذَّقن: مجتمعُ اللَّحْيَين، فيضطرُّ المغلول إلى رَفْعِ وجهِه إلى السماء، وذلك هو الإقماحُ. ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾: رافعونَ رؤوسَهم، غاضُّونَ أبصارَهم، يقال: أَقمحهُ الغُلُّ، إذا تركَ رأسَه مرفوعاً مِن ضِيقه، وقال الفرَّاء: المُقمَح: الذي يغضُّ بصرَهُ بعد رَفْعِ رأسِه (٢). * * * (٩) - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ قرئ: بالفتح والضَّمِّ (٣)، وقيل: بالفتح المصدر، وبالضَّمِّ الاسم، وقيل: ما كان مِن أعمالِ الناس فبالفتح، وما كان مِن خَلْق اللهِ تعالى فبالضَّمِّ. ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾: فأغشينا أبصارهم؛ أي: غطَّيناها وجعلنا عليها غشاوةً عن أن تطمح إلى شيءٍ، والمعنى: فأعميناهم، وقرئ: بالعين الغير المعجمة؛ مِن العَشا (٤). ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: فلا ينتفعون بالإنذار، وهو (٥) مضمون قوله:

стр. 3807

(١٠) - ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ قد سبق تفسيرُه في سورة البقرة. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ استئنافٌ لبيانِ عدمِ نفعِ الإنذار في حقِّهم، لمَّا بيَّن أنَّ الإنذارَ لا يَنجَع فيهم، وأنَّ المقصودَ مِن الإنذارِ - وهو إيمان المُنذَر - لا يترتَّب عليه، وأنَّ الإنذارَ وعدمَه بالنسبة إليهم سواءٌ، أَخبر أنَّ إنذارَهم كلا إنذارٍ، فقال: (١١) - ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ الإنذارَ المُنجعَ والمستتبعَ لفائدته ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: آمَنَ بما جاء مِن عندِ الله تعالى، فالذِّكْرُ: القرآنُ. ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ الخشيةُ كنايةٌ عن الائتمار بالأوامر والانزجارِ عن المناهي، ويَعضده قوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ وذلك أنَّ الغفرانَ جزاءُ الإيمان، والأجرَ الكريمَ جزاءُ العمل، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤]. وفي عبارة ﴿الرَّحْمَنَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ ما في الخشيةِ مِن الخوفِ ينبغي أنْ لا يخلوَ عن الرجاء، وذلك لأنَّ مقابلَ كلٍّ منهما مذمومٌ. وإنَّما قال: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ إذ عند العَيانِ لا يبقى للخشية شأنٌ. * * *

стр. 3808

(١٢) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ نَبعثهم بعد مماتهم، أو نُخرِجهم مِن الضلالةِ بالهداية. ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾؛ أي: ما أَسلفوا مِن الأعمالِ الصالحة والطالحة، عبَّر عن إحاطةِ علمِه بأعمالهم بالكتابة التي تُضبَط بها الأشياءُ، وكَنى بذلك عن المجازاةِ، فانتظم مع قوله: ﴿نُحْيِ الْمَوْتَى﴾. ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وما بقيَ بعدَهم مِن آثارٍ حسنةٍ أو سيِّئةٍ، ونحوُه قولُه تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]؛ أي: قدَّم من أعماله، وأخَّر مِن آثاره. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ منصوب بعاملٍ مُضمَرٍ يُفسِّره: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾، وقرئ: بالرفع على الابتداء (١). ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ يعني: اللوحَ المحفوظَ؛ لأنَّه أصلُ الكتبِ ومقتداها. * * * (١٣ - ١٤) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾؛ أي: مثِّل لهم؛ مِن قولهم: عندي مِن هذا الضرب كذا؛ أي: مِن هذا المثال، هو يتعدَّى إلى مفعولين لتضمُّنه معنى الجَعل، وهما: ﴿مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ على حذفِ مضافٍ، تقديره: اجعل لهم مَثَلَ أصحابِ القريةِ مَثَلاً.

стр. 3809

ويجوز أنْ يُقتصر على مفعولٍ واحدٍ كالجعل، ويُجعل المقدَّرُ بدلاً مِن الملفوظ أو بياناً له؛ أي: اضْرِب لهم مَثَلاً مَثَلَ أصحابِ القريةِ. والقريةُ: أَنطاكيةُ، عبَّر عنها هاهنا با لقرية، وفيما يأتي بالمدينة، رعايةً في كلٍّ مِن المقامَين ما يناسبه، وذلك أنَّ ما في أصلِ القرية مِن معنى الجمعِ يُناسبُ الأصحابَ، وما في أصِل المدينةِ مِن معنى الإطاعةِ يُناسِب غَرضَ ذلك الرجلِ مِن كلامه، وهو الحثُّ على اتِّباع المرسلين. وانتصابُ ﴿إِذْ﴾ بأنَّه بدلٌ مِن أصحابِ القريةِ ﴿جَاءَهَا﴾ عدلَ عن الظاهر - وهو إرجاعُ الضميرِ إلى الأصحابِ - لأنَّ المذكورَ أوفرُ فائدةً، حيث دلَّ على أنَّهم بلَّغوا الرسالةَ إليهم في مقرِّ عزِّهم ومركزِ شوكتهم. ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ رُسُلُ اللهِ ﵈، ذكره ابنُ عباسٍ وكعبٌ (١)، وهو الظاهر مِن قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ﴾ ومن قولهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾. وقيل: رُسلُ عيسى ﵇، وإسنادُ الإرسالِ إليه تعالى لأنَّه فعلُ رسولِه وخليفتِه، وفيه تعظيمُه ﵇ (٢)، بعثهم دعاةً إلى الحقِّ وكانوا عبدةَ أوثانٍ، و (إذ) بدلٌ مِن (إذ) الأولى. ﴿اثْنَيْنِ﴾ هما: يوحنَّا وبولس (٣)، وقيلْ غيرُهما.

стр. 3810

﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا﴾: فقوَّينا (١) ﴿بِثَالِثٍ﴾ هو شمعون، وقرئ: مخفَّفاً (٢)؛ مِن عَزَّه: إذا غَلَبه، وإنَّما حذفَ المفعولُ لأنَّ المرادَ ذكرُ المعزَّز به وما لطف فيه مِن التدبير حتى عزَّ الحقُّ وذلَّ الباطل، وحقُّ الكلامِ المنصبِّ إلى غرضٍ تجريدُ سياقِه له؛ كأن (٣) ما سواه مرفوض. ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ التأكيد بـ (إنَّ) سبَقَ الإنكارَ منهم بمضمون جملة الخبر بتكذيبهم الرسولَين، والمعتبر عِلْمُ المُخبِر بإنكارِ المخاطَب لا صدورُه منه، وهو حاصل أيضاً، فلا صحَّة لِمَا قيل: إنَّه ابتداءُ إخبار، والثاني جوابٌ عن إنكار. * * * (١٥) - ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾. ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾؛ أي: لا مزيَّة لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدَّعون، ورفع ﴿بَشَرٌ﴾؛ لانتقاض النفي المقتضي إعمال ﴿مَا﴾ بـ ﴿إِلَّا﴾. ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: وحياً مِن السماء. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ فيما تدَّعون، وإنَّما أُوثرَ صيغةُ الفعلِ مع أنَّ صيغةَ الفاعلِ أبلغُ؛ اعتباراً لمعنى التجدُّد، فكأنَّه قيل: يُجدِّدونَ الكذبَ وقتاً بعد وقتٍ، ويستمرُّون على ذلك. * * *

стр. 3811

(١٦) - ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾. ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ لمَّا نَفوا الرسالةَ وبالغوا في ذلك، قابلوا إنكارهم في الجواب بمزيد التأكيد بقولهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾؛ لأنَّه استشهادٌ بعلمِ اللهِ تعالى جارٍ مجرى القَسَم في التوكيد، كما تقول: شَهِدَ اللهُ، وعَلِمَ الله، وبزيادة الَّلام، وبتقوية التأكيد، وتحسين الاستشهاد بقولهم: (١٧) - ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: التبليغُ الظاهرُ المكشوفُ بالآيات الشاهدة لصحَّته، فإنَّ الاستشهادَ على الدعوى إنَّما يَحسُن ببيِّنة واضحة. * * * (١٨) - ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا﴾: تشاءَمنا ﴿بِكُمْ﴾ يعني: سمعنا منكم ما هو مِن جهة الفأل نذيرٌ بمكروهٍ يَلحقُنا (١) في أنفسنا أو في أهلينا أو في أموالنا، أو غير ذلك مِن أسبابنا وأمورنا، فكفُّوا عن هذا الكلام ولا تُعاودونا به (٢). ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ عمَّا نُهيتم عنه ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: لنرمينَّكم بالحجارة ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المَسُّ: إصابةٌ تتأثَّر منها البشرةُ. * * * (١٩) - ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.

стр. 3812

﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ﴾، أي: سببُ شؤمكم ﴿مَعَكُمْ﴾ وهو سوءُ اعتقادِكم وفسادُ أعمالكم. ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ بهمزةِ الاستفهام وحرفِ الشرط، وقرئ: ﴿أَائنْ﴾ بألف بينهما (١). وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: أئن وُعِظتم تطيَّرتم وتوعَّدتم بالرجم والتعذيب، وقرئ: (أأن ذكرتم) بهمزة الاستفهام و (أنْ) الناصبة (٢)؛ أي: أتَطيْرتُم لأنْ ذكرتم. وقرئ: (أنْ) و (إنْ) بغيرِ استفهامٍ بمعنى الإخبار (٣)؛ أي: إنْ ذكِّرتم تطيَّرتم، أو تطيرتم لأنْ ذكِّرتم. و: (أيْن ذُكِرْتم) (٤)، بمعنى: شُؤْمُكم معكم حيث جَرَى ذِكْركم، وهو أبلغ؛ لأَنَّه إذا شُئِمَ المكانُ بذِكْرهم، كان بحلولهم فيه أَشْأَمَ. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾: قومٌ عادتُكم الإسرافُ في العصيان، فمِن ثمَّة جاءَكم الشؤمُ، أو: أنتم مسرفونَ في غيِّكم وضلالِكم؛ حيث تشاءمتم بمَن يجب التبرُّكُ به مِن رسلِ اللهِ تعالى.

стр. 3813

(٢٠) - ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ هو: حبيبُ بنُ إسرائيل (١) النجَّارُ؛ وكان يَنحتُ الأصنامَ. ﴿يَسْعَى﴾: يقصدُ وجهَ الله تعالى بالذَّبِّ عن رسله وهو مِن قوله: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]، والسعيُ في الأصل: المشيُ بسرعةٍ وخفَّةِ حركةٍ، ثم استُعير للجِدِّ في إصلاح أمرٍ وفسادٍ. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ، على تقدير سؤالِ سائلٍ عمَّا قال عند ذلك: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ باحَ بإسلامِه ليشغل (٢) القومَ عن الرسل، وقولُه: ﴿يَاقَوْمِ﴾ دلالةٌ وإظهارٌ منه أنَّه لا مباينةَ بيننا، ولا تهمَةَ في إرادةِ السوءِ بكم. * * * (٢١) - ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كلمةٌ جامعةٌ في الترغيب؛ أي: لا تَخسرون معهم شيئاً مِن دنياكم، وتربحون صحَّة دينكم، فينتظِم لكم خيرُ الدنيا وخيرُ الآخرة، ورشَّحها وقوَّاها بإبراز مناصحتِهم في صورة المناصحة لنفسه؛ ليكون أَدخلَ في إمحاض النُّصْح؛ حيث أرادَ لهم ما أرادَ لنفسِه، وليتلطَّف بهم ويُداريهم حتى لا يتعصبوا (٣) فيَقبلوا، فوضعَ قوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ مكان قوله:

стр. 3814

وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، وأَومأ إلى المرادِ بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ مبالغةً في التهديد، وإلَّا لقال: وإليه أَرجعُ، ثم عاد إلى المساق الأول فقال: * * * (٢٣) - ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾؛ أي: أصناماً، دلَّ على أنَّهم كانوا عبدةَ أصنامٍ. ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ نفى الشفاعة رأساً، كقوله: ولا ترى الضَّبَّ بها يَنْجَحِرْ (١) ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾: ولا يَقدرون على إنقاذي مِن ذلك الضرر؛ أي: لا نفعَ مِن جهتهم بالشفاعة ولا دفعَ بالقدرة. * * * (٢٤) - ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ تقريعٌ على تركِ عبادةِ خالقِهم إلى عبادة مَن يَضرُّ ولا ينفع، وقد برهنَ في أثناء كلامه على ضلالتهم؛ حيث ذكر أنَّ الله تعالى هو المبدئُ الفاطرُ، وإليه الرجوعُ، ومنه الرحمة العامَّة الشاملةُ، وله القدرة التامَّةُ

стр. 3815

الكاملة، وهو الذي إذا أراد بأحدٍ شيئاً مِن الضَّرِّ والنفع فَعَلَ، فإنْ تركتُ عبادتَه إلى عبادةِ ما لا يضرُّ ولا ينفعُ ولا تُغني شفاعته شيئاً، ولا يَقدر على إنقاذِ مَن ابتلاهُ اللهُ تعالى بالنُّصرة والمظاهرة، أو أَشركْتُه به في عبادته؛ فإني إذاً لفي ضلالٍ مبينٍ (١)، ولا يخفى على عاقل. * * * (٢٥) - ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾. ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾؛ أي (٢): فاتَّبعوني، السماعُ هنا مجازٌ عن الاتِّباع، إذ لا وجهَ للترتيب بينَ سماعِ القولِ منه وإيمانِه، قيل: رَجَموهُ وهو يقول: اللَّهمَّ اهْدِ قومي. وقبرُه في سوقِ أنطاكية، وباشتغالهم بقتله تخلَّص الرسل. * * * (٢٦) - ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾. ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ استئنافٌ؛ لأنَّ قصَّتَه مظنَّةُ السؤالِ عن حالِه، كأنَّ سائلاً سأل فقال: كيف كان لقاءُ ربِّه بعد ذلك التصلُّب في نصرةِ دينه، والتَّسخِّي بروحه، فقيل: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، ولمَّا كان السؤالُ عن المقولِ سيقَ الجواب لبيانه، وجرِّد عمَّا لا حاجةَ إليه وهو بيانُ المقول له، مع كونه معلوماً. وكذلك قوله: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ استئنافٌ على تقدير سؤال سائلٍ عمَّا قال عند ذلك الفعل العظيم. * * *

стр. 3816

(٢٧) - ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ (ما) مصدرَّية؛ أي: بغفران ربِّي لي، أو موصولة؛ أي: بالذي غفرهُ لي مِن ذنبي، ويحتمل أن تكون استفهاميَّةً؛ أي: بأيِّ شيءٍ غفرَ لي ربِّي؟ على الأصل مع أنَّ الأكثرَ حذفُ الألف، تقول: قد علمتُ بما صنعتَ هذا؟ أي: بأيِّ شيءٍ صنعت، والأكثر: بِمَ صنعت؟ تمنَّى أنْ يَعلمَ قومُه بأنَّه غُفرَ له بإيمانه؛ فيَرغبوا في الإيمان، وهذا مرتبةُ أولياءِ اللهِ تعالى، يريدون الخير بمَن أراد بهم الشَّرَّ، ويتمنَّون أنْ لا يكون لله تعالى عاصياً. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بإعطاءِ المنزلةِ الرفيعةِ في الجنَّة، دلَّ ذلك (١) على أنَّ الجنَّةَ مخلوقةٌ، وعلى أنَّ القبرَ روضةٌ مِن رياضِها، أو حفرةٌ مِن حُفَرِ النيران. * * * (٢٨) - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾. ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعد واقعته ﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ استحقارٌ لإهلاكهم، وإيماءٌ إلى تعظيمِ رسولِ الله ﷺ ؛ أي: كُفينا أمرَ إهلاكهم بصيحةٍ واحدةٍ مِن مَلَكٍ، وما أَنزلنا عليهم جنداً مِن الجنود السماويَّة كما فَعَلنا يومَ بدرٍ والخندقِ. ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ وما صحَّ في حكمتنا أنْ نُنزِل؛ لأنَّ إنزالَ جنودِ السماء مِن معظَّماتِ الأمور التي لا يُؤهَّل لها إلَّا مثلُك، وقد أهلكَ اللهُ تعالى كلَّ أمَّةٍ بسببٍ تقتضيه حكمته، ولم يُنزل جنودَ السماءِ لانتصارِ أحدٍ مِن الأنبياء ﵈ إلَّا لانتصارِ محمَّدٍ ﵊؛ لكرامته عند اللهِ وتفضُّله على سائرِ الأنبياء، وإلَّا لكان يكفي في نصرته مَلَكٌ واحدٌ.

стр. 3817

(٢٩) - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ كان القياسُ التذكيرَ؛ لأنَّ الأصلَ ما وقع شيءٌ إلَّا صيحةً واحدةً، ولكن طُوبِقت بها الصيحةُ لأنَّها في حكمِ فاعلِ الفعلِ، وعليها قراءةُ الحسنِ: ﴿فأَصبحوا لا تُرَى إلَّا مساكِنُهم﴾ [الأحقاف: ٢٩]؛ بتأنيث الفعلِ المبنيِّ للمفعول، ورفع (مساكنُهم). وقرئ: ﴿إِلَّا صَيْحَةٌ﴾ بالرفع (١)، على (كان) التامَّة؛ أي: وما وقعت إلَّا صيحةٌ. ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ بناءً على تشبيهِ الحرارةِ الغريزيةِ بحرارةِ النارِ، وانطفائِها بخمود النار، على الاستعارة بالكناية، أي: خمدوا كما تَخمد النارُ، وذلك أنَّ الروحَ عند الفَزَع الشديدِ تتحرَّك مع الدمِ إلى الباطنِ دفعةً دفعةً، فتختنق مِن شدَّة الانحصار والاجتماع، فتنطفئ. * * * (٣٠) - ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ الحسرة هي بلوغُ النهايةِ في التلهُّف حتى يبقى القلبُ حَسيراً لا موضعَ فيه لزيادةِ التلهُّف، كالبصيرِ الحسير الذي لا قوَّةَ فيه للنظر، والبعيرِ الحسير الذي لا قوَّة له على المسير، وهذا نداءٌ على الحسرة عليهم، كأنَّها قيل لها: تعالي يا حسرةُ فهذه من الأحوال (٢) التي حقُّك أنْ تَحضُري فيها، وهي ما دلَّ عليه: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

стр. 3818

ويجوز أن يكون المعنى: أنَّهم متحسَّرٌ عليهم مِن الله تعالى، على سبيل الاستعارة، والمرادُ: تعظيمُ ما جَنَوهُ على أنفسِهم، وفرطُ إنكارِه له وتعجيبه منه، ويعضده قراءةُ مَن قرأ: (يا حسرتا) (١)؛ لأنَّ المعنى: يا حسرتي. وقرئ: (يا حسرةَ العبادِ) (٢)؛ بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول؛ لاختصاصها بهم مِن حيث إنَّها موجَّهةٌ إليهم. و: (يا حسرةَ على العبادِ) (٣)؛ على إجراء الوصل مجرى الوقف، والمعنى: أنَّهم أحقَّاءُ بأنْ يُتحسَّر عليهم، أو هم متحسَّرٌ عليهم مِن جهةِ الملائكةِ والمؤمنين مِن الثَّقَليْن. * * * (٣١) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ معلَّق عن العمل في ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ لأنَّ (كم) لا يعمل فيها ما قبلها وإن كانت خبريةً؛ لأنَّها وُضعت لإنشاء التكثير، أو لأنَّ أصلَها الاستفهام، وإنَّما جاز تعليقُ فعلِ الرؤيةِ لأنَّه بمعنى: أَلم يعلموا، إلا أنَّ معناه نافذٌ في الجملة كما نفذ في قولك: أَلم يَروا إنَّ زيداً لمُنطلِقٌ، وإنْ لم يعمل في لفظه، ولهذا أبدل:

стр. 3819

﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ مِن ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على المعنى لا على اللفظ، تقديره: أَلم يَرَوا كثرةَ إهلاكِنا القرونَ مِن قبلِهم كونَهم غيرَ راجعين إليهم. وقيل: إنَّه بدلٌ مِن موضع ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، وليس بدلاً مِن (كم) وحدَه؛ لأنَّ العاملَ فيه هو: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، ولا يصلح (١) عاملاً في البدل. وقرئ بالكسر (٢) على الاستئناف. وقرئ: (أَلم يَرَوا مَن أهلكنا) (٣)، والبدل على هذه القراءة بدلُ اشتمال (٤). * * * (٣٢) - ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ﴾ (إنْ) مخفَّفة مِن الثقيلة، واللام هي الفارقة، و (ما) مزيدةٌ للتأكيد، وقرئ: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد (٥)؛ على أنَّ (إنْ) نافية، و (لمَّا) بمعنى: (إلَّا). و ﴿كُلٌّ﴾ بمعنى الإحاطة، وأنْ لا ينفلتَ منهم أحدٌ، والجمع بمعنى الاجتماع، وأنَّ مجمعهم (٦) المحشرُ، فالتنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ مِن المضافِ إليه؛ أي: كلُّهم محشورونَ مجموعونَ ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ للحساب يوم القيامة، وقيل: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ في النار معذَّبون.

стр. 3820

(٣٣) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾: ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿آيَةٌ لَهُمُ﴾. و ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ استئنافٌ لبيان كون الأرض الميتة آيةً لهم، ويجوز أن يكون صفةً لـ ﴿الْأَرْضُ﴾؛ لأنَّ المرادَ الجنسُ المطلقُ لا أرضٌ بعينِها، فجاز وصفُها بالنكرة. وأن تكون ﴿آيَةٌ﴾ مبتدأً، و ﴿لَهُمُ﴾ صفتَها، و ﴿الْأَرْضُ﴾ خبرَها. وأن يكون ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ خبراً للأرض، والجملة خبر ﴿آيَةٌ﴾ أو صفةٌ لها. ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ المرادُ بالحَبِّ: الجنسُ، وتقديمُ الظرفِ في قوله: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ للدلالة على أنَّ الحبَّ معظمُ ما يُؤكَل ويُعاشُ به، ويقومُ البدنُ بالارتزاقِ منه، أَلَا ترى أنَّه إذا فُقِدَ حضر الهلاكُ بالقَحْط وعَمَّ البلاءُ؟ * * * (٣٤) - ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ﴾: بساتينَ ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: مِن أنواعِ النَّخْل والعنبِ، ولذلك جمعهما دونَ الحبِّ؛ فإنَّ كونَه قوامُ البدنِ باعتبار جنسِه لا باعتبار تنوُّعِه. وأمَّا ما قيل: إنَّ ذلك لأنَّ الدَّالَّ على الجنسِ مشعِرٌ بالاختلاف، ولا كذلك الدَّالُّ على الأنواعِ = خلافُ ما هو المشهور وعليه الجمهور، فإنَّهم قالوا: في العالَمين إشعارٌ بالاختلاف دون العالَم. وذكرُ النخيل النخيل دونَ التمور - مع مطابقتها الحبَّ والأعنابَ - لاختصاص شجرِها بمزيد النفع وآثار الصُّنع.
следующие страницы →