← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

(٢٧) - ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ (ما) مصدرَّية؛ أي: بغفران ربِّي لي، أو موصولة؛ أي: بالذي غفرهُ لي مِن ذنبي، ويحتمل أن تكون استفهاميَّةً؛ أي: بأيِّ شيءٍ غفرَ لي ربِّي؟ على الأصل مع أنَّ الأكثرَ حذفُ الألف، تقول: قد علمتُ بما صنعتَ هذا؟ أي: بأيِّ شيءٍ صنعت، والأكثر: بِمَ صنعت؟ تمنَّى أنْ يَعلمَ قومُه بأنَّه غُفرَ له بإيمانه؛ فيَرغبوا في الإيمان، وهذا مرتبةُ أولياءِ اللهِ تعالى، يريدون الخير بمَن أراد بهم الشَّرَّ، ويتمنَّون أنْ لا يكون لله تعالى عاصياً. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بإعطاءِ المنزلةِ الرفيعةِ في الجنَّة، دلَّ ذلك (١) على أنَّ الجنَّةَ مخلوقةٌ، وعلى أنَّ القبرَ روضةٌ مِن رياضِها، أو حفرةٌ مِن حُفَرِ النيران. * * * (٢٨) - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾. ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعد واقعته ﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ استحقارٌ لإهلاكهم، وإيماءٌ إلى تعظيمِ رسولِ الله ﷺ ؛ أي: كُفينا أمرَ إهلاكهم بصيحةٍ واحدةٍ مِن مَلَكٍ، وما أَنزلنا عليهم جنداً مِن الجنود السماويَّة كما فَعَلنا يومَ بدرٍ والخندقِ. ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ وما صحَّ في حكمتنا أنْ نُنزِل؛ لأنَّ إنزالَ جنودِ السماء مِن معظَّماتِ الأمور التي لا يُؤهَّل لها إلَّا مثلُك، وقد أهلكَ اللهُ تعالى كلَّ أمَّةٍ بسببٍ تقتضيه حكمته، ولم يُنزل جنودَ السماءِ لانتصارِ أحدٍ مِن الأنبياء ﵈ إلَّا لانتصارِ محمَّدٍ ﵊؛ لكرامته عند اللهِ وتفضُّله على سائرِ الأنبياء، وإلَّا لكان يكفي في نصرته مَلَكٌ واحدٌ.

стр. 3817

(٢٩) - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ كان القياسُ التذكيرَ؛ لأنَّ الأصلَ ما وقع شيءٌ إلَّا صيحةً واحدةً، ولكن طُوبِقت بها الصيحةُ لأنَّها في حكمِ فاعلِ الفعلِ، وعليها قراءةُ الحسنِ: ﴿فأَصبحوا لا تُرَى إلَّا مساكِنُهم﴾ [الأحقاف: ٢٩]؛ بتأنيث الفعلِ المبنيِّ للمفعول، ورفع (مساكنُهم). وقرئ: ﴿إِلَّا صَيْحَةٌ﴾ بالرفع (١)، على (كان) التامَّة؛ أي: وما وقعت إلَّا صيحةٌ. ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ بناءً على تشبيهِ الحرارةِ الغريزيةِ بحرارةِ النارِ، وانطفائِها بخمود النار، على الاستعارة بالكناية، أي: خمدوا كما تَخمد النارُ، وذلك أنَّ الروحَ عند الفَزَع الشديدِ تتحرَّك مع الدمِ إلى الباطنِ دفعةً دفعةً، فتختنق مِن شدَّة الانحصار والاجتماع، فتنطفئ. * * * (٣٠) - ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ الحسرة هي بلوغُ النهايةِ في التلهُّف حتى يبقى القلبُ حَسيراً لا موضعَ فيه لزيادةِ التلهُّف، كالبصيرِ الحسير الذي لا قوَّةَ فيه للنظر، والبعيرِ الحسير الذي لا قوَّة له على المسير، وهذا نداءٌ على الحسرة عليهم، كأنَّها قيل لها: تعالي يا حسرةُ فهذه من الأحوال (٢) التي حقُّك أنْ تَحضُري فيها، وهي ما دلَّ عليه: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

стр. 3818

ويجوز أن يكون المعنى: أنَّهم متحسَّرٌ عليهم مِن الله تعالى، على سبيل الاستعارة، والمرادُ: تعظيمُ ما جَنَوهُ على أنفسِهم، وفرطُ إنكارِه له وتعجيبه منه، ويعضده قراءةُ مَن قرأ: (يا حسرتا) (١)؛ لأنَّ المعنى: يا حسرتي. وقرئ: (يا حسرةَ العبادِ) (٢)؛ بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول؛ لاختصاصها بهم مِن حيث إنَّها موجَّهةٌ إليهم. و: (يا حسرةَ على العبادِ) (٣)؛ على إجراء الوصل مجرى الوقف، والمعنى: أنَّهم أحقَّاءُ بأنْ يُتحسَّر عليهم، أو هم متحسَّرٌ عليهم مِن جهةِ الملائكةِ والمؤمنين مِن الثَّقَليْن. * * * (٣١) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ معلَّق عن العمل في ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ لأنَّ (كم) لا يعمل فيها ما قبلها وإن كانت خبريةً؛ لأنَّها وُضعت لإنشاء التكثير، أو لأنَّ أصلَها الاستفهام، وإنَّما جاز تعليقُ فعلِ الرؤيةِ لأنَّه بمعنى: أَلم يعلموا، إلا أنَّ معناه نافذٌ في الجملة كما نفذ في قولك: أَلم يَروا إنَّ زيداً لمُنطلِقٌ، وإنْ لم يعمل في لفظه، ولهذا أبدل:

стр. 3819

﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ مِن ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على المعنى لا على اللفظ، تقديره: أَلم يَرَوا كثرةَ إهلاكِنا القرونَ مِن قبلِهم كونَهم غيرَ راجعين إليهم. وقيل: إنَّه بدلٌ مِن موضع ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، وليس بدلاً مِن (كم) وحدَه؛ لأنَّ العاملَ فيه هو: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، ولا يصلح (١) عاملاً في البدل. وقرئ بالكسر (٢) على الاستئناف. وقرئ: (أَلم يَرَوا مَن أهلكنا) (٣)، والبدل على هذه القراءة بدلُ اشتمال (٤). * * * (٣٢) - ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ﴾ (إنْ) مخفَّفة مِن الثقيلة، واللام هي الفارقة، و (ما) مزيدةٌ للتأكيد، وقرئ: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد (٥)؛ على أنَّ (إنْ) نافية، و (لمَّا) بمعنى: (إلَّا). و ﴿كُلٌّ﴾ بمعنى الإحاطة، وأنْ لا ينفلتَ منهم أحدٌ، والجمع بمعنى الاجتماع، وأنَّ مجمعهم (٦) المحشرُ، فالتنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ مِن المضافِ إليه؛ أي: كلُّهم محشورونَ مجموعونَ ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ للحساب يوم القيامة، وقيل: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ في النار معذَّبون.

стр. 3820

(٣٣) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾: ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿آيَةٌ لَهُمُ﴾. و ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ استئنافٌ لبيان كون الأرض الميتة آيةً لهم، ويجوز أن يكون صفةً لـ ﴿الْأَرْضُ﴾؛ لأنَّ المرادَ الجنسُ المطلقُ لا أرضٌ بعينِها، فجاز وصفُها بالنكرة. وأن تكون ﴿آيَةٌ﴾ مبتدأً، و ﴿لَهُمُ﴾ صفتَها، و ﴿الْأَرْضُ﴾ خبرَها. وأن يكون ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ خبراً للأرض، والجملة خبر ﴿آيَةٌ﴾ أو صفةٌ لها. ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ المرادُ بالحَبِّ: الجنسُ، وتقديمُ الظرفِ في قوله: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ للدلالة على أنَّ الحبَّ معظمُ ما يُؤكَل ويُعاشُ به، ويقومُ البدنُ بالارتزاقِ منه، أَلَا ترى أنَّه إذا فُقِدَ حضر الهلاكُ بالقَحْط وعَمَّ البلاءُ؟ * * * (٣٤) - ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ﴾: بساتينَ ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: مِن أنواعِ النَّخْل والعنبِ، ولذلك جمعهما دونَ الحبِّ؛ فإنَّ كونَه قوامُ البدنِ باعتبار جنسِه لا باعتبار تنوُّعِه. وأمَّا ما قيل: إنَّ ذلك لأنَّ الدَّالَّ على الجنسِ مشعِرٌ بالاختلاف، ولا كذلك الدَّالُّ على الأنواعِ = خلافُ ما هو المشهور وعليه الجمهور، فإنَّهم قالوا: في العالَمين إشعارٌ بالاختلاف دون العالَم. وذكرُ النخيل النخيل دونَ التمور - مع مطابقتها الحبَّ والأعنابَ - لاختصاص شجرِها بمزيد النفع وآثار الصُّنع.

стр. 3821

﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا﴾ وقرئ: بالتخفيف (١)، والفَجْر والتفجير كالفَتْح والتفتيح لفظاً ومعنًى، في أنَّ التشديدَ للمبالغة والتكثير. ﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾ ﴿مِنَ﴾ زائدة عند الأخفش، وعند غيرِه المفعولُ محذوفٌ؛ أي: شيئاً مِن العيون. * * * (٣٥) - ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ الضميرُ للتفجير (٢)؛ أي: لينتفِعوا بفوائده (٣)، يقال: ثمرةُ التجارةِ الربحُ، وتخصيصُ الأَكْلِ بالذِّكر لأنَّه معظمُ الفوائد. وقرئ: بضمَّتين (٤)، وهو لغةٌ فيه، أو جمع: ثمار. ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ عطفٌ على الثمر، أو على موضع ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾، والمراد: ما يُتَّخذ منه كالعصير والدِّبْس والخَلِّ وكلِّ ما يُتَّخذ مِن التمر والعنب. وقيل: (ما) نافيةٌ، والمراد أنَّ الثمرَ بخلقِ اللهِ تعالى لا بفعلهم، ويؤيِّد الأولَ قراءةُ: (وما عملت) (٥)؛ مِن غيرِ راجعٍ؛ لأنَّ حذفَ الراجعِ مِن الصلةِ أحسنُ مِن غيرها. ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ استبطاءٌ وحثٌّ على شُكر نعمه.

стр. 3822

(٣٦) - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾: الأجناسَ والأصنافَ ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ مِن النَّخل والشجرِ والزرعِ والثمر. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الأولاد ذكوراً وإناثاً ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ ومن أزواجٍ لم يُطلعهم اللهُ تعالى عليها، ولم يَجعل لهم طريقاً إلى معرفتِه. * * * (٣٧) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ فيه الوجهان المذكوران فيما تقدَّم من نظيره، وفي: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ الوجوهُ المذكورة في ﴿أحيينا﴾؛ مِن الاستئنافِ والصفةِ والخبريَّةِ. والسَّلْخُ: الكَشْطُ، يقال: سَلَخَ جلدَ الشاةِ، إذا كَشَطَهُ، فاستُعيرَ لإزالة الضوءِ وكشفِه عن مكان الليل ومَلْقى ظلِّه (١). ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾: داخلون في الظلام. * * * (٣٨) - ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾: لحدٍّ معيَّنٍ مِن فَلَكها ينتهي إليه دورُها في آخِرِ كلِّ سنةٍ.

стр. 3823

وقيل: الوقت الذي تستقرُّ فيه وينقطع جريُها (١)، وهو يوم القيامة. وقرئ: (إلى مستقرٍّ لها)، وقرئ: (لا مستقرَّ لها) (٢)، أي: لا استقرارَ إلَّا أنْ يُكوِّرها اللهُ تعالى يومَ القيامة، على أنَّ (لا) بمعنى (ليس). ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ذلك الجريُ على هذا التقدير العجيبِ ما هو إلَّا تقدير الغالبِ بقدرته على كلِّ مقدورٍ، المحيطُ علماً بكلِّ معلومٍ. * * * (٣٩) - ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾؛ أي: قدرَّنا مسيرَه ﴿مَنَازِلَ﴾ على حذف المضاف؛ وهي ثمانيةٌ وعشرونَ مَنزلاً؛ يَنزل كلَّ ليلةٍ في واحدةٍ منها لا يتخطَّاها ولا يَتقاصر عنه، على السَّواء إلى الثامنة والعشرين، فيَدِقُّ مستَقْوِساً (٣) كالعُرْجونِ القديمِ، ثم يَغيبُ ليلةً إذا نقص الشهرُ أو في ليلتين إذا تمَّ، وهذا ما ذكره (٤) بقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العُرجون: العُودُ والعِذْقُ ما بين شماريخه إلى منبتِه مِن النخلة، قال (٥) الزجَّاج: هو فُعْلون مِن الانعراج، وهو الانعطاف (٦). وقرئ: (العِرْجَون) بوزن الفِرْجَون (٧)، وهما لغتان، كالبِزْيَون والبُزْيُون.

стр. 3824

والقديم: المُحْوِل، وإذا قَدُمَ العرجونُ دقَّ وانحنى واصفرَّ فشُبِّه به مِن ثلاثةِ أوجهٍ. * * * (٤٠) - ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا﴾؛ أي: لا يصحُّ ولا يَستقيم لها ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ وتجتمعَ معه وتُداخِله في سلطانه، فتطمسَ نورَهُ؛ لأنَّ التدبيرَ الإلهيَّ اقتضى المعاقبةَ. وإيلاءُ الشمس حرفَ النفي للدِّلالة على أنَّها مسخَّرةٌ لم يتيسَّر لها إلَّا ما قدِّر لها مِن السير والطريق (١). وإنَّما وَصَفها بالإدراك، ووَصَف القمرَ بالسَّبقِ ضمناً (٢)؛ لسرعة سيره بالنسبة إليها، فإنَّه يَقطع بحركته في شهرٍ ما تقطعُ الشمس في سَنَةٍ مِن المسافة، فيناسبه السبقُ، ومِن هاهنا ظهر نسبةُ السبقِ إلى الليل دون النهار في قوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾؛ أي: لا الليلُ يَسبقه فيزيلُ ضوءَه لذلك. وقيل: المراد بهما آيتاهما (٣)؛ وهي الشمس والقمر، فيكون عكسَ الأول،

стр. 3825

وذلك أنَّ صلاحَ النباتِ والحيوانِ وجميعَ الشؤونِ الإلهيَّةِ مبنيٌّ على تعاقبِهما، وأنْ يكون لكلٍّ منهما سلطانٌ على حياله (١) وقرئ: (سابقٌ النهارَ) بالتنوين ونصب (النهار) (٢)؛ على الأصل. ﴿وَكُلٌّ﴾ التنوينُ عوضٌ مِن المضاف إليه؛ أي: كلُّ واحدٍ منهما. ﴿فِي فَلَكٍ﴾؛ أي: في فلكٍ غيرِ فلكِ الآخَرِ، الجمهورُ على أنَّ الفلكَ موجٌ مكفوف تحت السماء تَجري فيه الشمسُ والقمرُ والنجومُ، وعلى هذا المراد مِن الفَلَكِ الجنسُ. ﴿يَسْبَحُونَ﴾: يسيرون فيه (٣) بانبساطٍ، فإنَّ كلَّ ما انبسطَ في شيءٍ فقد سَبَحَ فيه، ومنه السباحة في الماء، وإنَّما جُمع جمعَ العقلاءِ للوصف بفعلهم. * * * (٤١) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا﴾ لم يقل: وآية لهم الفلكُ، كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾؛ لأنَّ العَجَبَ حملُهم على الفُلكِ، لا نفس الفلكِ فإنَّه بيتٌ مبنيٌّ مِن الخشب. ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أولادَهم ومَن يَهمُّهم حملُه، وقيل: اسمُ الذرَّية يقع على النساءِ؛ لأنَّهنَّ مَزارعُها، وفي الحديث: أَّنه ﵇ نَهى عن قَتْل الذَّراري (٤)،

стр. 3826

يعني: النساءَ، وتخصيصُ الذريات لأنَّه لا قدرة لهم على السفر، فكان الامتنانُ في حقِّهم أظهرَ. ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ قيل: المراد فُلْكُ نوحٍ ﵇، قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩]، فعلى هذا يُراد بالذرية الأسلافُ؛ لأنَّه مِن الذَّرِّ، أو هو (١) الخَلْق فيَصلح الاسمُ للأصل والنَّسْل؛ لأنَّ بعضَهم خُلق مِن بعضٍ. ويجوز أن يكون المعنى: أنَّه تعالى حمل آباءَهم الأقدمينَ وفي أصلابهم ذرياتُهم، وتخصيص الذرية لأنَّ الخطابَ للكفار، ولا فائدةَ في وجودهم، فلم يكن الحملُ حملاً لهم، بل كان حملاً لِمَا في أصلابهم مِن المؤمنين. ولم يقل: على الفلك، مع أنَّه الأنسبُ للحمل؛ لأنَّ معنى الحفظِ المستفادِ مِن حرفِ الظرفِ أَدْخلُ في الامتنانِ وأنسبُ لِمَا قُصدَ مِن توصيفِ الفلكِ بقوله: ﴿الْمَشْحُونِ﴾ لمَّا كانت السفينةُ مملوءةً بأنواع المخاوف؛ مِن سباعِ البهائم وجوارحِ الطير وهوامِّ الدَّوابِّ، كان (٢) حفظُ بني آدمَ فيما بينهم مِن آثارِ اللُّطف العظيمِ والقدرةِ الباهرة، ولولا (٣) ذلك الاعتبارُ اللطيفُ لكان التوصيفُ بالمشحون بمعزلٍ عن مقامِ الغرابة المستفادةِ مِن عبارة الآية؛ لأنَّ القرارَ على الفُلكِ المشحونِ الثقيلِ أهونُ مِن القرار على الفُلكِ الخالي الخفيفِ، ولذلك لم يُوصَف الفُلكُ به في قوله: ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢]. * * *

стр. 3827

(٤٢) - ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾: جنسِ الفُلكِ ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ مِن الإبل؛ فإنَّها سفائنُ البَرِّ، أو: مِن مِثْلِ فلكِ نوحٍ ﵇ مِن السُّفن والزَّوارق. * * * (٤٣) - ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾. ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ والصريخُ والصارخُ بمعنى المستغيث، ويجيء بمعنى الإغاثة لأنَّ أصلَه مصدر بمعنى الصراخ، وقد سبق تفسيره في السورة السابقة. ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾؛ أي: لا يُخلَّصون بعد ذلك. * * * (٤٤) - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ إلَّا لرحمةٍ منَّا وتمتيعٍ بالحياةِ إلى زمانٍ قُدِّرَ لآجالهم. * * * (٤٥) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ مِن الوقائعِ النازلةِ بالأُمم المكذِّبة قبلهم ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ مِن الساعة وأهوالِها، أو نوازل السماء ونوائبِ الأرض، أو ما تقدَّم مِن ذنوبكم وما تأخَّر، أو فتنة الدنيا وعقوبة الآخرة. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: لتكونوا راجينَ رحمةَ الله تعالى. * * *

стр. 3828

(٤٦) - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للتأكيد، وجواب (إذا) محذوفٌ مدلولٌ عليه بقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ كأنَّه قال: وإذا قيلَ لهم: اتَّقوا، أَعرضوا، ثم قال: ودأْبهم الإعراضُ عند كلِّ آيةٍ وموعظةٍ، فهو تذييلٌ مؤكِّدٌ لِمَا سبق مِن حديث الإعراض. * * * (٤٧) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ لم يَذكُر المُنفَق عليه؛ لأنَّ إباءَهم (١) وإن كان عن الإنفاق وعلى المؤمنين خاصَّة، إلَّا أنَّ مُوجَبَ ما تعلَّلوا به سدُّ بابِ الإنفاقِ رأساً، وللإشعار إلى هذا تُركَ المُنفَقُ عليه. ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ (٢) إلى أنَّ البُخلَ به في غايةِ القُبح، فإنَّ أبخلَ البخلاءِ مَن يبخلُ بمالِ الغير. ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالصانع تعالى، يعني: مُعطِّلةً كانوا بمكة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تهكماً بهم، وذلك أنَّهم لمَّا سمعوا المؤمنين يعلِّقون الأمورَ بمشيئة اللهِ تعالى، يقولون: لو شاءَ اللهُ لكان كذا، وافترصوا (٣) هذا الكلام فرصةً، واتَّخذوه هزواً يستهزئون بالمؤمنين، يُجيبون به عند أمرهم بالإنفاق.

стр. 3829

والتصريحُ بالوصفين مِن الكفر والإيمان لبيان أنَّ المقولَ إليهم هم الكافرون، والقائلَ لهم (١) هم المؤمنون، وأنَّ كلَّ وصفٍ حاملٌ لصاحبه على ما صدرَ عنه، إذ: كلُّ إناءٍ بالذي فيه يَرشح (٢) وأيضاً لمَّا كان الغرضُ الرَّدَّ على المؤمنين لا الامتناعَ عن الإطعام (٣) - لأنَّه ممَّا يفتخرون به - كان حقُّ المقام التصريحَ بوصف الإيمان في المقولِ له، ومِن هنا تبيَّن وجهٌ آخَرُ للعدول عن عبارة الإنفاق إلى عبارة الإطعام. ﴿أَنُطْعِمُ﴾ لمَّا كان الإطعامُ أدنى وجوهِ الإنفاقِ وأَعلى ما يفتخرونَ به، كان الإباءُ عنه إباءً عن الإنفاقِ رأساً. ﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ على زعمكم. وقيل: نزلت في مشركي مكَّة حين استطعمهم فقراءُ المؤمنين مِن أموالهم التي جعلوها للهِ تعالى، فحرموهم وقالوا: لو شاءَ اللهُ لأطعمكم، مُوهمينَ أنَّ اللهَ قادرٌ على إطعامهم، ولا يشاءُ إطعامَهم، فنحن أحقُّ بذلك. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ حيث أَمرتمونا بما يخالف مشيئةَ الله (٤) تعالى.

стр. 3830

ويجوز أن لا يكون مِن تتمَّة كلامهم، ويكون جواباً مِن الله تعالى لهم، أو حكايةً لجواب المؤمنين لهم، بأنَّ ذلك مِن فرط ضلالتهم وجهالتهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُطعِم مَن يشاءُ بأسبابٍ بها، حيث منها حثُّ الأغنياءِ على إطعامِ الفقراءِ وتوفيقُهم له. * * * (٤٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾؛ أي: وعد البعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تقولون، خطابٌ للنبيِّ ﷺ وأصحابِه. * * * (٤٩) - ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾. ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾: ما ينتظرون، أراد الانتظارَ المفهومَ مِن قولهم: ﴿مَتَى﴾. ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: عذاباً يَفْجَؤهم فيَستأْصلُهم، يقال: صاحَ بهم الزمانُ؛ أي: هلكوا، قال الشاعر: صاحَ الزمانُ بآلِ جفنةَ صيحةً … خَرُّوا لشدَّتها على الأذقانِ (١) وقيل: هي نفخةُ الإماتةِ. ذكرَ في الصيحة أمورٌ تدلُّ على هولها وعِظَمها؛ أحدها: التنكير، وثانيها: ﴿وَاحِدَةً﴾؛ أي: لا يحتاج معها إلى الثانية، وثالثها: ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾؛ أي: تعمُّهم بالأَخْذ، وتصلُ إلى مَن في أقطارِ الأرضِ، ومثلها لا يكون إلَّا عظيماً.

стр. 3831

وقوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾؛ أي: تأتيهم بغتةً وهم في أمنهم وغفلتهم، يَتخاصمون في متاجرِهم ومعاملاتِهم، لا يُخطرون أمرَها ببالهم، ممَّا يَعظم به الأمرُ؛ فإنَّ العاملَ المُقبلَ على مُهِمٍّ إذا صاح به صائحٌ يكون ارتجافُه أعظمَ، بخلاف المُنتظِر لها. * * * (٥٠) - ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أنْ يوصوا في شيءٍ مِن أمورهم ﴿تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾: ولا أنْ يرجعوا إلى أهلِهم ومنازلِهم، بل يموتون حيث تَبغتُهم الصيحةُ. * * * (٥١) - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هي نفخةُ البعثِ، وقد سبق في تفسيرِ سورةِ المؤمنين. ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: مِن القبورِ، جمع جَدَثٍ، وقرئ بالفاء (١)، و (إذا) للمفاجأة. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ النَّسَل (٢): الإسراعُ في الخروج، ولفظ الرَّبِّ أصابَ المحزَّ؛ لأنَّ مَن أساءَ واضْطرَّ إلى التوجُّه إلى مَن أَحسنَ إليه، يكون ذلك أشدَّ ألماً وأكثرَ ندماً مِن غيره. * * *

стр. 3832

(٥٢) - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ وقرئ: (مَن أهبَّنا) (١)؛ مِن هَبَّ مِن نومه، إذا انتبه، وأهبَّه غيرُه. وقرئ: (مَن هبَّنا) (٢)؛ بمعنى: أهبَّنا. وقرئ: (مِن بَعْثِنا) (٣)، و (مِن هَبِّنا) (٤)؛ على (من) الجارَّة والمصدرِ. وعن مجاهد: للكفَّار هجعةٌ يجدون فيها طعمَ النوم، ولو استمرَّ عذابُ الكفارِ في قبورهم بالنار، لَمَا صحَّ منهم القولُ المذكورُ. ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و ﴿مَا وَعَدَ﴾ خبرُه، و ﴿مَا﴾ مصدرية، أو موصولة محذوفةُ الراجع، دلَّ على هذا قولُه تعالى: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠]. ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: صَدَقَ فيه، ويجوز أن يكون اعتراضاً، أفاقوا عمَّا بهم وتنبَّهوا يتذكَّرون ما سمعوا مِن الرسل، فيجيبون به أنفسَهم أو بعضَهم بعضاً. وقيل: هذا ليس مِن كلامِهم، بل جوابُ الملائكةِ أو المؤمنينَ لهم، لكن عُدل عن سَننه ومطابقته للسؤال لأغراضٍ: منها: تنبيهُهم على أنَّ الذي يهمُّهم هو السؤالُ عن البعث لا عن الباعث.

стр. 3833

ومنها: تذكيرٌ (١) لكفرهم وتكذيبِهم الرسل، وتقريعهم على ذلك. ومنها: نعيُهم إليهم أحوالَهم التي هم فيها، وإخبارُهم بوقوع ما أُنذروا به، كأنَّه قيل لهم: ليس هذا بالبعث الذي توهَّمتوه - وهو بعثُ النائمِ مِن مرقدِه - حتى يُهمَّكم السؤالُ عن الباعثِ، إنَّ هذا هو البعث الأكبر ذو الأفزاع والأهوال، الذي وَعَده اللهُ تعالى في كتبه المنزلةِ وأَخبر به على ألسنةِ رسلِه الصادقين. * * * (٥٣) - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وقرئ بالرفع (٢) على (كان) التامَّة، والضمير في الناقصة للنفخة دلَّ عليها: ﴿وَنُفِخَ﴾. ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ بمجرَّد تلك الصيحة، وفي ذلك تهوينُ أمرِ البعث والحشر، واستغناؤهما عن الأسبابِ التي يتوهَّمونها بالقياس على ما يشاهدونه. * * * (٥٤) - ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حكايةٌ لِمَا يُقال لهم حينئذٍ، وكذا ما بعده مِن وصفِ أهلِ الجنة؛ تصويراً للموعود، وتمكيناً له في النفوس، وترغيباً أو ترهيباً. * * *

стр. 3834

(٥٥) - ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ عن ذِكْر أهلِ النار، ولو خَطَرَ ذلك ببالهم وفيها أحدٌ مِن أقارِبهم أو معارفهم، تنغَّص (١) عليهم ما هم فيه، والتنكير في ﴿شُغُلٍ﴾ للتعظيم والتنبيهِ على أنَّه أَعلى مِن أنْ تحيط به الأفهام، ويُعرِب عن كُنْهه الكلامُ. والشغلُ: العارض الذي يُذهِل الإنسانَ عن أمرٍ لولا ذلك العارض لكان متوجِّهاً إليه. ﴿فَاكِهُونَ﴾ وقرئ: ﴿فَاكِهُونَ﴾ (٢)؛ كـ: نَطِس، بناءً على أنَّه حالٌ، والخبر هو الظرف، والفاكِهُ والفَكِهُ: المُتنعِّمُ المتلذِّذُ، ومنه: الفاكهة؛ لأنَّها ممَّا يُتلذَّذ به. * * * (٥٦) - ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، أو تأكيدٌ للضمير [في] (٣) ﴿فِي شُغُلٍ﴾، أو في ﴿فَاكِهُونَ﴾ والمعنى على تقدير التأكيد: أنَّ أزواجَهم تُشاركهم في ذلك الشُّغل والتفكُّه (٤) والاتِّكاء، والأزواج: جمع زوجة، وهي حرَّةُ الرجلِ التي يحلُّ له وطؤها. ﴿فِي ظِلَالٍ﴾: جمع ظِلٍّ كشِعاب، أو ظُلَّةٍ كقِبابٍ، ويؤيِّده قراءةُ: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ (٥).

стр. 3835

﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة، وهي السريرُ في الحَجَلة، وقيل: الفراش فيها. ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرٌ، أو ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبرٌ، و ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ مستأنفٌ، وقرئ: (متكئين) (١)؛ على الحال. * * * (٥٧) - ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ عبَّر عن كلِّ ما يُرزقون فيها بالفاكهة؛ للتنبيه على أنَّهم مستغنون عن حفظِ الصحةِ بالأقوات، بأنَّهم أجسامٌ محكمةٌ مخلوقةٌ للأبد، فكلُّ ما يأكلونه على سبيل التلذُّذ. ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ يَفتعِلُون مِن الدُّعاء، أي: يَدْعون به لأنفسِهم، كقولك: اشتَوَى واجتَمَل، إذا شوَى وجمَل لنفسه. ويجوز أن يكون بمعنى: يتداعَوْنه، كقولك: ارتمَوْه وترامَوْه. وقيل: يتمنون؛ مِن قولهم: ادعُ عليَّ ما شئتَ، بمعنى: تمنَّه عليَّ، وفلانٌ في خيرِ ما ادَّعى؛ أي: في خيرِ ما تمنَّى، قال الزَّجاج: وهو (٢) مِن الدُّعاء؛ أي: ما يَدْعُونه أهلُ الجنة يأتيهم. و (ما) موصولة أو موصوفة مرتفِعةٌ بالابتداء، و ﴿لَهُمْ﴾ خبرها. * * *

стр. 3836

(٥٨) - ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. ﴿سَلَامٌ﴾ بدلٌ منها أو صفةٌ أخرى (١). ﴿قَوْلًا﴾ مصدر مؤكِّد لقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ﴾؛ أي: عِدةً ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ والأَوجهُ أنْ ينتصبَ على الاختصاص، وهو مِن محازِّه (٢)؛ أنَّ اللهَ تعالى يُسلِّم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة؛ مبالغةً في تعظيمهم، وذلك متمنَّاهم، ولهم ذلك لا يُمنَعونه، قال ابنُ عباس ﵄: والملائكة يَدخلون عليهم بالتحية مِن ربِّ العالمين (٣). * * * (٥٩) - ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ يقال: مَازَهُ فانمازَ وامتاز بمعنَى: تمايز ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: انفرِدوا (٤) عن المتَّقين، والمراد مِن ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم الحشر، قال الضحاك: تمتاز اليهودُ فرقةً، والنصارى فرقةً، والمجوسُ فرقةً، والصابئون وعبدةُ الأوثان فرقةً، ولكلِّ فرقةٍ في النار بيتٌ تَدخُل فيه ويُرَدُّ بابُه، فتكون فيه أبداً، لا يَرى ولا يُرى (٥). ويُشكِل هذا بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾

стр. 3837

[الحج: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف: ٥٠]. * * * (٦٠) - ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ في خطابِ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ نوعُ إيماءٍ إلى أنَّ ذلك العهدَ كما كان في عهدِ آدمَ ﵇: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ مِن جملة ما يقال لهم تقريعاً وإلزاماً للحجَّة، وعهدُ اللهِ تعالى إليهم ما رُكِزَ في عقولهم ونصبَ لهم مِن الحُجَج العقليَّة والأدلة السمعيَّة الآمرةِ بعبادتِه الناهيةِ عن عبادةِ غيرِه. وعبادةُ الشيطانِ: طاعتُه فيما يُوسوِس به إليهم ويزيِّنه لهم. والعهدُ: الوصيَّةُ، يقال: عَهِدَ إليه، إذا وصَّاه. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تعليل للمنع مِن عبادته. * * * (٦١) - ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ عطفٌ على ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إشارةٌ إلى ما عهدَ إليهم مِن معصيةِ الشيطانِ وطاعةِ الرحمنِ، إذ لا صراطَ أقومُ منه، جملةٌ استئنافيةٌ لبيانِ (١) المقتضي للعهد بشقَّيه أو بالشقِّ الأخير، والتنكير في الصراطِ للتعظيمِ والمبالغةِ.

стр. 3838

(٦٢) - ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ رجوعٌ إلى بيانِ معاداةِ الشيطانِ مع ظهور عداوتِه ووضوحِ إضلالِه لمَن له أدنى عقلٍ وتمييزٍ، فقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ استفهامُ تقريعٍ على تركِهم الانتفاعَ بالعقل. والجِبِلُّ: الخُلُق، وأصلُ الجِبِلِّ: الطبعُ، ومنه: الجَبَل؛ لأَّنه مطبوعٌ على الثبات. * * * (٦٣) - ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في دارِ التكليف. * * * (٦٤) - ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾: الزَمُوا العذابَ بها، وأصلُ الصَّلْي: اللزومُ، ومنه المُصَلِّي الذي في إِثْرِ السابقِ للُزومهِ أثره. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: بسبب كفرِكم. * * * (٦٥) - ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾؛ أي: نفعلُ بأفواههم ما لا يُمكنهم معه أن يتكلَّموا بألسنتهم. ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ بإنطاقِ اللهِ تعالى إيَّاها على ما نطقَ به قولُه تعالى: ﴿قَالُواْ

стр. 3839

أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] فلا مساغَ للتأويل بظهورِ آثارِ المعاصي عليهم ودلالتها على أفعالها. ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ أسندَ الختمَ إلى نفسِه دونَ الكلامِ والشهادةِ، دفعاً لوهم الإجبارِ، وإظهاراً لتوسُّط الاختيارِ بعد الإقدارِ على النطق والتكلُّم، ولمَّا كان كلامُ الأيدي إقراراً على الغيرِ المُنكِر، نُزِّل تصديقُ الأرجلِ إيَّاها منزلةَ الشهادةِ، فعبِّر عن تكلُّمها بالشهادة. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إذ الكسبُ باليدِ أخصُّ، فيكون الإخبارُ منها إقراراً، ومن الرجل (١) شهادةً؛ لأنَّها تحاضر وقلما تباشر، ولهذا خصَّ التكلُّم بمعنى الإقرار بالأيدي، والشهادة بالأرجل. * * * (٦٦) - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ الطَّمْسُ: محوُ الشيءِ حتى يذهبَ أثَره، والطَّمْسُ على العينِ تَعَفيةُ شقتها (٢) حتى تعودَ ممسوحةً. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾: فطلبوا الطريقَ الذي اعتادوا سلوكَه سابقينَ، وإنَّما اعتبرَ قيد السبقُ على طريقةِ التضمين؛ لأنَّ التعذُّرَ في سلوك الأعمى الطريقَ حينئذٍ أظهرُ. ويجوز أن يكون مِن باب حذف الجارِّ وإيصال الفعل؛ أي: فاستبقوا إلى الصراطٍ، أو نصباً على الظرف.

стр. 3840

﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ لم يَقدروا أنْ يَسلكوهُ، ولم يُبصروه، ولم يَعلموا جهةَ (١) سلوكه، فضلاً عن غيره. * * * (٦٧) - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ بتبديلِ صورِهم وإبطالِ قُواهم وقُدَرهم ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾: في مكانهم، المكانة والمكان كالمَقامة والمَقام، أو بإضمار (هم) (٢). ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾: ذهاباً ﴿وَلَا يَرْجِعُونَ﴾: ولا رجوعاً، فوضع الفعلُ موضعَه للفواصل؛ أي: إنَّهم أحقَّاءُ بأنْ يُفعَل بهم ذلك، ولا عجز فينا، لكنَّا لم نفعل لشمول الرحمةِ واقتضاء الحكمة إمهالَهم، وقيل: ولا يرجعون عن تكذيبهم. * * * (٦٨) - ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾: نُطِل عمرَهُ ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ بالتشديد وبالتخفيف (٣)؛ ..........

стр. 3841

مِن التنكيس والإنكاس، وقرئ بفتح الكاف (١)؛ مِن النَّكْس. ﴿فِي الْخَلْقِ﴾؛ أي: نقلِّبه فيه؛ فلا يزال يتزايد ضعفُه وانتقاصُ بنيتِه وقُواهُ، عكس ما أنشأناه عليه. ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي (٢): مَن قَدر على ذلك قَدر على الطَّمْس والمسخِ؛ فإنه مشتملٌ عليها وزيادةٌ، غيرَ أنَّه على تدرُّج. * * * (٦٩) - ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾؛ أي: بتعليمِ القرآنِ، وهو ردٌّ لقولهم: إنَّ محمَّداً شاعرٌ، والمراد: أنَّ القرآنَ ليس بشعرٍ، وأين هو مِن الشعرِ؟ فإنَّ الشعرَ كلامٌ موزونٌ مُقفًّى مُنتَظِمٌ مِن المخيِّلات المرغِّبة والمنفِّرة. ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾؛ أي: لا يليقُ به ولا يَصلُح له؛ لأنَّ الشعرَ يَدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظِ والوزن، فالشاعرُ يكون المعنى منه تبعاً للَّفظ، والشارع يكون اللفظُ منه تَبَعاً للمعنى، وقيل: لا يتأتَّى له إنْ أراد قرضَه. وقوله: "أنا النبيُّ لا كَذِب أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِب" (٣)، قال بعضهم: إنَّما الرواية بالإعراب (٤)، وإذا كانت بالإعراب لم تكن شعراً.

стр. 3842

وأمَّا ما قيل: ليس هذا الوزنُ مِن الشعر؛ فمكابرةٌ؛ لأنَّ أشعارَ العرب على هذا قد رواها الخليلُ وغيرُه. وأمَّا قوله: هل أنتِ إلَّا إصبعٌ دَميت … وفي سبيلِ اللهِ ما لَقيت (١) فلعلَّه قالها ساكنةَ التاءِ أو متحرِّكةً مِن غير إشباعٍ، ولا يكون شعراً إلَّا إذا كُسرت التاءُ بإشباعٍ. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾؛ أي: موعظةٌ وتذكيرٌ مِن اللهِ . ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾: كتابٌ سماويٌّ، بيَّن كونه ليس مِن كلام البشر؛ لظهور إعجازه. * * * (٧٠) - ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. ﴿لِيُنْذِرَ﴾؛ أي: القرآنُ، أو الرسولُ، ويؤيِّده القراءةُ بالتاءِ الفوقانيَّة (٢). ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾: عاقلاً فَهِماً؛ فإنَّ الغافلَ كالميِّت، أو مؤمناً في علمِ الله تعالى، واختصاصُ الإنذار به لأنَّه هو المنتفعُ منه (٣) دونَ غيرِه. ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ وتَجبَ كلمةُ العذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ المصرِّين على الكفر، وفي ذكرهم في مقابلة ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ تنزيلٌ لهم منزلةَ الأمواتِ؛ لحرمانهم عن ثمرةِ الحياة. * * *

стр. 3843

(٧١) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أَيُشرِكون ولم يَرَوا ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ممَّا تولَّينا نحن إحداثَه، لا يَقدر على تولِّيه غيرُنا، وذِكْرُ الأيدي وإسنادُ العملِ إليها استعارةٌ مِن عملِ مَن يعمل بالأيدي؛ للمبالغة في الاختصاص والتفرُّد بإحداثها. ﴿أَنْعَامًا﴾ خصَّها بالذِّكْر لِمَا فيها مِن بدائع الفطرةِ ولطائف الحكمةِ وكثرة المنافعِ؛ جمعاً بين إظهارِ القدرةِ والامتنان بتذكير النِّعمة المختصَّين به، ولهذا كمَّله بقوله: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾؛ أي: خلقناها لأجلهم، وملَّكناهم إيَّاها (١)، فهم فيها متصرِّفون تصرُّف المُلَّاك. * * * (٧٢) - ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾. ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ التذليلُ مِن جملة النِّعم الظاهرة، لولاها لَمَا قَدَرَ عليها أحدٌ، ولهذا أَلزمَ اللهُ تعالى الراكبَ أنْ يَشكُر (٢) هذه النِّعمة ويُسبِّح (٣) بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]. ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ هو ما يُركَب ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، أي: سخَّرناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها (٤).

стр. 3844

(٧٣) - ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ مجملٌ، مُفصَّله في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠]. ﴿وَمَشَارِبُ﴾ مِن اللَّبنِ وما يُتَّخذ منه، جمع: مَشْرَب، وهو الشُّرب أو موضعُ الشُّرب، إنَّما لم يقل: ومنها يشربون؛ لأنَّ ابتداءَ الشُّرب ليس منها، بخلاف الأكل. ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ لخالقِ هذه النَّعم، ورازق هذه النِّعم. * * * (٧٤) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ بعدما رَأَوا القدرةَ (١) الباهرةَ وآثارَها الظاهرةَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾: طمعاً في أنْ يَتقوَّوا بهم ويتعزَّزوا، كما قال: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١]، والأمرُ على عكسِ ما قدَّروا؛ لأنَّه: (٧٥) - ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: مُعدُّون لحفظهم يخدمونهم (٢) ويذبُّون عنهم، والآلهةُ لا استطاعةَ بهم، ولا قدرةَ على النصرِ. قيل: هم يوم القيامة محضرون (٣) لعذابهم.

стр. 3845

ويَرِدُ عليه: أنَّ فيه زيادةَ تفكيكٍ في (١) الضمائر، فيتنافر النَّظْمُ الذي هو أمُّ (٢) إعجازِ القرآنِ، ومراعاتُه أهمُّ ما يجب على المفسِّر، وأيضاً المتبادِر من ﴿لَهُمْ﴾ النفعُ دون الضرر. وقيل: محضرون إثرهم في النار. ويأباه عبارةُ الجند، فإنَّه جمعٌ مُعَدٌّ للحرب. * * * (٧٦) - ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ الفاء للسببية؛ أي: إذا علمتَ حالَهم ومآلَهم فتسلَّ (٣) ولا يَحزُنكَ ﴿قَوْلُهُمْ﴾ فيكَ: إنَّك شاعرٌ وساحرٌ وكاهنٌ وكاذبٌ - وسائر وجوهِ الأذى بالقولِ - فإنَّا مجازُوهم. ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ تعليلٌ للنهي، وفيه وعيدٌ شديدٌ لهم، وزيادةُ تسليةٍ لرسولِ اللهِ ﵊. فإنْ قلتَ: أَليسَ مقتضى البلاغة تقديم ﴿مَا يُعْلِنُونَ﴾ حتى يكون نظمُ الكلام على أسلوب الترقِّي؟ قلتُ: ذلك مقتضاها بحسب جليلِ النَّظر، وأمَّا مقتضاها بحسب دقيقِه، فإنَّما هو تأخيرُه حتى يكونَ لكلٍّ مِن جُزْأي الكلامِ حظٌّ مِن الاهتمام، وذلك أنَّه حينئذٍ يكون للجزء الأول اهتمامُ التقديم، وللجزء الثاني اهتمامُ التصريح، بعد الانفهامِ

стр. 3846

بطريق الالتزام (١)، وعلى تقديرِ التقديمِ يفوتُ أحدُ الاهتمامين، كما لا يخفى على ذوي الأفهام. * * * (٧٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إيلاءُ الهمزةِ واوَ العطف للتقرير والتعجيب مِن حالِ الإنسان، أي: أَيُنكِر الإنسانُ البعثَ ولم يَرَ مبدأَ خلقِه وإبداعَ نشأتِه. وفيه تسليةٌ أُخرى لرسولِ اللهِ ﵊ بتهوينِ ما يقولونَ بالنسبةِ إلى إنكارهم للبعث، وتقبيحٌ بليغٌ لإنكارهم، لا يُرى أَبلغُ ولا أَفحشُ منه ولا أَعجب، ولا أدلُّ على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في (٢) جحود النِّعم، حيث تقرَّر في عِلْمه أنَّا خلقناهُ مِن شيءٍ قليلٍ، وبلَّغناهُ إلى قَدْرٍ جليلٍ. وإنَّما لم يقل: مِن ماءٍ مهينٍ، مع ما فيه مِن المناسبة لقرينه، رعايةً لحَقِّ الكلامِ بتجرِيده لِمَا سِيقَ له مِن المرام، وذلك بحذف ما يخيِّل غَرضاً آخَرَ، وهو الامتنانُ بالإعزاز والإكرام. ومَن لم يتنبَّه لهذا قال: أنَّا خلقناهُ مِن أمهنِ شيءٍ وأقذره، وهو مع مهانةِ أصله وخساسةِ عنصره (٣)، يتصدَّى لمخاصمة الجبَّار، الذي شرَّفه بعد خسَّته، وكرَّمَه بعد ذلَّته، ويقول: مَن يحيي العظام؟!

стр. 3847

﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (إذا) للمفاجأة، والفاء فصيحةٌ للعطف على مقدَّر تفصيله: لمَّا بلغَ مَظِنَّة (١) إظهارِ الشكر والحمدِ على آثارِ قدرتنا، ففاجأَ بإعلانِ الكفران والجحد مُبالغاً (٢) في الخصومة، مُعرِباً عمَّا في نفسه مِن الجناية، وحالُه أنَّ خِصامَه في أَلْزَمِ (٣) وصف له، وأبلغِ حجَّةٍ عليه، وهو أنَّه مُنشَأٌ مِن مواتٍ، والإعادةُ أهونُ مِن الإبداءِ، فخِصامه محضُ مكابرةٍ وصِرفُ معاندة. * * * (٧٨) - ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ إنَّما سمَّى قولَه مَثَلاً؛ لكونه أمراً عجيباً (٤) وقصَّةً غريبةً كالمَثَل، حيث أَنكر قدرةَ اللهِ تعالى على إنشاءِ المواتِ وقد أَنشأهُ اللهُ تعالى مِن الموات. ﴿وَنَسِيَ﴾: ولا يتذكَّر ﴿خَلْقَهُ﴾ وهو أقربُ شيءٍ إليه. ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ رويَ أنَّ أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ أَتَى النبيَّ ﵊ بعظمٍ بالٍ تفتَّت بيده، فقال: أترى أن الله يحيي هذا بعدما رمَّ؟! فقال ﵊: "نَعَم ويَبعثُكَ ويُدخِلُك النارَ" فنزلت (٥).

стр. 3848

والرَّميم: اسمٌ لِمَا بَلِيَ؛ عظماً كان أو غيرَه، غيرُ صفةٍ كالرَّمَّة والرُّفات، لا فعيل بمعنى فاعلٍ ولا مفعولٍ، فلهذا لم يؤنَّث مع كونِه خبراً عن مؤنَّث. وقيل: لأنَّه معدولٌ عن فاعل، وكلُّ ما كان معدولاً عن وجهِه ووزنِه، كان مصروفاً عن أخواته، كـ ﴿بَغِيًّا﴾ في قوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، فإنَّها مصروفةٌ عن: باغية. وفي ظاهره دلالةٌ على أنَّ في العظام حياةً، وأنَّها تَنجُس بالموت. * * * (٧٩) - ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إنَّما قال: ﴿أَنْشَأَهَا﴾ دون: أحياها؛ إشارة إلى الفرقِ بين الإحياءَين مِن حيث إنَّ الأولَ منهما إنشاءٌ، والثاني إعادةٌ، فلا جَرَمَ يكون أهونَ، ولا تغيير في جانب الفاعل. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ يَعلمُ كيف يَخلُق، لا يَتعاظمُه شيءٌ مِن خلقِ المُنشَآتِ والمعاداتِ، وجمعِ أجزائها؛ جلائلها ودقائقها. * * * (٨٠) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ وصف (١) ..............................

стр. 3849

الشجرِ بالأخضر حملاً على اللفظ، وقرئ: (الخَضْراءِ) (١)؛ على المعنى. ﴿نَارًا﴾: نوعاً غريباً مِن النار؛ حيث يَحدُث ممَّا يقطر منه الماءُ، ومِن هنا ظهر وجهُ توصيفِ الشجرِ بالأخضرِ، نُقلَ عن أربابِ الحكمة: أنَّ النارَ على أربعةِ أنواعٍ: نارٌ: تَأكلُ ولا تَشرب وهي النار المعهود. ونارٌ: تَشرب ولا تَأكل وهي نار الشجر. ونارٌ: تَأكل وتَشرب وهي نارُ المعدة. ونارٌ: لا تَأكل ولا تَشرب وهي نارُ الحَجَر. ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ لا تَشكُّون في أنَّها نارٌ تَخرج منه، استدلَّ بالنشأة الأولى على الثانية، ثم بانقداح النار مِن الشجر الأخضر، وهي مِن زناد الأعراب، وأكثرها مِن المَرخِ والعَفَارِ؛ يُقطع منهما غصنان مثل السَّواكين (٢)، وهما خضروانِ يَقطُر منهما الماءُ، فيُسحق المرخُ - وهو ذَكَرٌ - على العفارِ - وهو أنثى - فتنقدحُ النارُ بإذن الله تعالى، مع مضادَّة الماءِ النارَ وانطفائِها به، فمَن قدرَ على ذلك، كان على إعادةِ الغضاضةِ - فيما كان غضًّا فيبسَ وبَلِيَ - أقدرَ. * * * (٨١) - ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.

стр. 3850

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ دليل ثالثٌ، كأنَّه قال: أَبَعْدَ ما مرَّ مِن الدليلين لا يَقدر مَن خلَقهما مع كِبَرِ جِرْمهما وعِظَم شأنِهما على خَلْقِ مثلِهم مع صغرِهم وقماءتهم بالنسبة إليهما. وقيل: على إعادتهم (١)؛ لأنَّ المعادَ مَثَلٌ للمبدأ في أصول البنية والذات والصفات. ويردُّه: أنَّ المذهبَ خلافُ ذلك. ﴿بَلَى﴾ جوابٌ مِن الله تعالى مُشعِرٌ بأنَّ الجوابَ منحصرٌ في هذا، وهو الإثباتُ بعد النفي. ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ المبالغةُ في الخلقِ والعلمِ المستفادة مِن الصفتين المذكورتين، تناسب المقام. * * * (٨٢) - ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ﴾: قولُه، على ما مرَّ في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ومَن حملَ الأمرَ هنا على الشأنِ، فقد غفلَ عن ذلك البيانِ. شبَّه تأثيرَ قدرته تعالى في مرادِه بأمرِ آمرٍ مطاعٍ وَرَدَ على مأمورٍ مطيعٍ لم يَلبث أنْ يمتثل، فقال: إنَّما أَمْره في إيجاد الأشياء ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾؛ أي: تكوينَه ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾؛ أي: تَكوَّنْ ﴿فَيَكُونُ﴾ فيحدثُ مِن غيرِ امتناعٍ عليه ولا توقُّفٍ

стр. 3851

في المأمور (١)، ولا افتقارٍ إلى الآلاتِ وحركاتٍ مِن الآمر؛ حسماً لمادَّة الشُّبهة في قياسِ قدرةِ اللهِ تعالى على قدرةِ الخَلْق، وهو مِن الاستعارةِ التمثيليَّة يقوم مقامَ تعليلٍ لقدرةِ اللهِ تعالى على إعادة الموتى؛ أي: مَن كان إيجادُه للأشياء بهذه المثابةِ، كيف يَعجز عن الإعادة؟! وقرئ: ﴿فَيَكُونَ﴾ بالنصب (٢)؛ عطفاً على ﴿يَقُولَ﴾، والرفع على تقديرِ جملةٍ اسميَّةٍ؛ أي: فهو يكونُ، معطوفةٍ على أُخرى مثلِها، وهي: إنَّما أمره … أنْ يقول. * * * (٨٣) - ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تنزيهٌ له تعالى عمَّا وَصَفه (٣) به المشركون، وتعجيبٌ مِن أنْ يقولوا فيه ما قالوا، والفاء للسببية؛ أوردها تعليلاً بكونه المتصرِّف في مَلكوتِ كلِّ شيءٍ بمقتضى مشيئته وموجبِ حكمته، فكيف يَمتنع عليه شيءٌ؟ والملكوتُ مقابلُ الملك على ما ورد في الدُّعاء المأثور: سبحان ذي الملكِ والملكوت. فإنَّ كلَّ شيءٍ له جسمانيَّة كثيفة وروحانيَّة لطيفة، فجسمانيتُه الظُّلمانيةُ مِن عالَم

стр. 3852

الملك، وهو عالَم الخَلق وعالَم الشهادة، وروحانيتُه النورانيةُ مِن عالم الملكوت، وهو عالَم الأمر وعالَم الغيب. ومعنى كون ملكوتِ كلِّ شيء بيده: أنَّ تصرُّفه فيه بالذات، لا بواسطة الأسبابِ العاديةِ، بخلاف ما في عالم الملك؛ فإنَّ تصرُّفه فيه بواسطة الأسبابِ والآلاتِ على مقتضى حكمته. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للمقرِّين والمُنكرين (١). * * *

стр. 3853

سُورَةُ الصَّافَّاتِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾. ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ الواو للقسم، والصفُّ: ترتيب الجمع على خطٍّ واحد. * * * (٢) - ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾. ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ ﴿صَفًّا﴾ مصدر مؤكِّد، وكذلك ﴿زَجْرًا﴾، والفاء المتوسِّطة (١) بين الصِّفات إما لترتُّبهما (٢) مع اتحاد الموصوف، وإما لترتُّب الموصوفات، والأولُ إمَّا لترتبهما في الوجود وإما لترتُّبهما في بعض الوجوه بحسب التفاضل أو التناقض، وكذا الثاني: إما في الوجود وإما في الاعتبار. ويُحتمل هنا اتحادُ الموصوفين وترتُّب الصفات: في التفاضل على أن الصفَّ طاعةٌ وكمال، والزجرَ تكميلٌ بالمنع عن الشر والسوقِ إلى الخير، والتلاوةَ إفاضةُ المعارف والحِكَم على الأنبياء ﵈، أو في التناقض على أن الصفَّ هو الحضور بين يدي الله في مواطن القُرَب، والزجرَ زجرُ الشياطين، والتلاوةَ الذكرُ بالتسبيح والتحميد.

стр. 3854

وكذا إذا أريد تعدُّدُ الطوائف وتثليثُها. وقد (١) يترتَّب في (٢) الفضل على أن الطوائفَ الصافاتِ (٣) فضلاءُ، والطوائفَ الزاجراتِ أفضلُ، والتاليات أبهرُ، أو بالعكس (٤). * * * (٣) - ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ أقسم الله تعالى بطوائف الملائكة الصافِّين في مراتب العبودية بحسب تفاوُت فيضان الأنوار الإلهية عليهم منتظرين لأوامره من قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥]، الزاجراتِ (٥) للعباد عن المعاصي بإلهام الخير، أو الشياطينِ عن التعرُّض لهم بالإضلال، أو الأجرام العلوية والسفلية كالسحاب والرياح وغير ذلك بما أمروا من تدابيرها، التالياتِ (٦) لآيات الله تعالى من الكتب المنزلة على أنبيائه ﵈ وغيرِها من التقديسات والتسبيحات وسائر الأذكار. أو بنفوسِ العلماء العبَّاد (٧) الصافَّاتِ أقدامَها في الصلوات وخصوصاً في

стр. 3855

الجماعات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات كلامَ الله تعالى وشرائعَه وحِكمَه. أو بنفوس الغزاة المجاهدين في سبيل الله تعالى، الصافِّين في صفوف الجهاد، والزاجرين (١) للخيل، الذاكرين مع ذلك للهِ تعالى، والتالِينَ (٢) لآياته لا تشغلهم تلك الشواغل عنها، كما حُكي عن علي ﵁ (٣). وقيل: الصافات: الطير من قوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: ٤١]، والزاجرات: كلُّ ما زَجَر عن (٤) معاصي اللهِ تعالى، والتاليات: كلُّ مَن تلا كتابَ الله تعالى. وقرئت بإدغام التاءات الثلاثِ فيما يَليها لقُرب مخرجها من مخرج التاء (٥). * * * (٤) - ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾. ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جواب للقسم (٦). وفائدةُ الإقسام: تعظيم المقسَم وتأكيدُ المقسَم عليه، على ما هو الأصل في كلامهم.
следующие страницы →