في المأمور (١)، ولا افتقارٍ إلى الآلاتِ وحركاتٍ مِن الآمر؛ حسماً لمادَّة الشُّبهة في قياسِ قدرةِ اللهِ تعالى على قدرةِ الخَلْق، وهو مِن الاستعارةِ التمثيليَّة يقوم مقامَ تعليلٍ لقدرةِ اللهِ تعالى على إعادة الموتى؛ أي: مَن كان إيجادُه للأشياء بهذه المثابةِ، كيف يَعجز عن الإعادة؟!
وقرئ: ﴿فَيَكُونَ﴾ بالنصب (٢)؛ عطفاً على ﴿يَقُولَ﴾، والرفع على تقديرِ جملةٍ اسميَّةٍ؛ أي: فهو يكونُ، معطوفةٍ على أُخرى مثلِها، وهي: إنَّما أمره … أنْ يقول.
* * *
(٨٣) - ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تنزيهٌ له تعالى عمَّا وَصَفه (٣) به المشركون، وتعجيبٌ مِن أنْ يقولوا فيه ما قالوا، والفاء للسببية؛ أوردها تعليلاً بكونه المتصرِّف في مَلكوتِ كلِّ شيءٍ بمقتضى مشيئته وموجبِ حكمته، فكيف يَمتنع عليه شيءٌ؟
والملكوتُ مقابلُ الملك على ما ورد في الدُّعاء المأثور: سبحان ذي الملكِ والملكوت.
فإنَّ كلَّ شيءٍ له جسمانيَّة كثيفة وروحانيَّة لطيفة، فجسمانيتُه الظُّلمانيةُ مِن عالَم
стр. 3852
الملك، وهو عالَم الخَلق وعالَم الشهادة، وروحانيتُه النورانيةُ مِن عالم الملكوت، وهو عالَم الأمر وعالَم الغيب.
ومعنى كون ملكوتِ كلِّ شيء بيده: أنَّ تصرُّفه فيه بالذات، لا بواسطة الأسبابِ العاديةِ، بخلاف ما في عالم الملك؛ فإنَّ تصرُّفه فيه بواسطة الأسبابِ والآلاتِ على مقتضى حكمته.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للمقرِّين والمُنكرين (١).
* * *
стр. 3853
سُورَةُ الصَّافَّاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) - ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾.
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ الواو للقسم، والصفُّ: ترتيب الجمع على خطٍّ واحد.
* * *
(٢) - ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾.
﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ ﴿صَفًّا﴾ مصدر مؤكِّد، وكذلك ﴿زَجْرًا﴾، والفاء المتوسِّطة (١) بين الصِّفات إما لترتُّبهما (٢) مع اتحاد الموصوف، وإما لترتُّب الموصوفات، والأولُ إمَّا لترتبهما في الوجود وإما لترتُّبهما في بعض الوجوه بحسب التفاضل أو التناقض، وكذا الثاني: إما في الوجود وإما في الاعتبار.
ويُحتمل هنا اتحادُ الموصوفين وترتُّب الصفات: في التفاضل على أن الصفَّ طاعةٌ وكمال، والزجرَ تكميلٌ بالمنع عن الشر والسوقِ إلى الخير، والتلاوةَ إفاضةُ المعارف والحِكَم على الأنبياء ﵈، أو في التناقض على أن الصفَّ هو الحضور بين يدي الله في مواطن القُرَب، والزجرَ زجرُ الشياطين، والتلاوةَ الذكرُ بالتسبيح والتحميد.
стр. 3854
وكذا إذا أريد تعدُّدُ الطوائف وتثليثُها.
وقد (١) يترتَّب في (٢) الفضل على أن الطوائفَ الصافاتِ (٣) فضلاءُ، والطوائفَ الزاجراتِ أفضلُ، والتاليات أبهرُ، أو بالعكس (٤).
* * *
(٣) - ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾.
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ أقسم الله تعالى بطوائف الملائكة الصافِّين في مراتب العبودية بحسب تفاوُت فيضان الأنوار الإلهية عليهم منتظرين لأوامره من قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥]، الزاجراتِ (٥) للعباد عن المعاصي بإلهام الخير، أو الشياطينِ عن التعرُّض لهم بالإضلال، أو الأجرام العلوية والسفلية كالسحاب والرياح وغير ذلك بما أمروا من تدابيرها، التالياتِ (٦) لآيات الله تعالى من الكتب المنزلة على أنبيائه ﵈ وغيرِها من التقديسات والتسبيحات وسائر الأذكار.
أو بنفوسِ العلماء العبَّاد (٧) الصافَّاتِ أقدامَها في الصلوات وخصوصاً في
стр. 3855
الجماعات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات كلامَ الله تعالى وشرائعَه وحِكمَه.
أو بنفوس الغزاة المجاهدين في سبيل الله تعالى، الصافِّين في صفوف الجهاد، والزاجرين (١) للخيل، الذاكرين مع ذلك للهِ تعالى، والتالِينَ (٢) لآياته لا تشغلهم تلك الشواغل عنها، كما حُكي عن علي ﵁ (٣).
وقيل: الصافات: الطير من قوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: ٤١]، والزاجرات: كلُّ ما زَجَر عن (٤) معاصي اللهِ تعالى، والتاليات: كلُّ مَن تلا كتابَ الله تعالى.
وقرئت بإدغام التاءات الثلاثِ فيما يَليها لقُرب مخرجها من مخرج التاء (٥).
* * *
(٤) - ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾.
﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جواب للقسم (٦).
وفائدةُ الإقسام: تعظيم المقسَم وتأكيدُ المقسَم عليه، على ما هو الأصل في كلامهم.
стр. 3856
(٥) - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾.
وأما تحقيقُه بالبرهان فبقوله (١): ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإن انتظامهما على الوجه الأكمل دليل على وحدة الصانع، على ما مر في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء: ٢٢].
﴿رَبُّ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ على المدح؛ أي: هو ربُّ السماوات، ويجوز أن يكون بدلاً من (واحدٌ).
﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ يتناول أفعالَ العباد فيَدل على أنها من خَلقه تعالى.
﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾: مشارقِ الشمس في السَّنة، قيل: وهي ثلاثُ مئةٍ وستون مَشْرقاً، في كلِّ يومٍ واحدٌ، وفيه نظر. وَيتبعها اختلافُ المغارب، ولذلك (٢) اكتفى بذكرها، ولدلالتها عليها، كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، وأما كونُها أدلَّ على القدرة وأبلغَ في النعمة فلا يصلح وجهاً للاكتفاء المذكور، إنما يصلح وجهاً لتخصيص المشارق بالذكر على تقدير الاكتفاء بأحدهما.
* * *
(٦) - ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾.
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾: القُربى منكم.
﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ الزِّينةُ مصدر كالنِّسبة، أو اسم لِمَا يُزانُ به، كاللِّيْقَةِ اسمٌ لِمَا تُلاقُ به الدَّواةُ.
стр. 3857
وإضافتها إلى المفعول إن جعلتها مصدراً؛ أي: بأنْ زانَ اللهُ تعالى الكواكبَ وحسَّنها؛ لأنَّها إنَّما زُيِّنَتِ السَّماءُ لحسنِها في أنفسِها، وأصلُه: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ بالتَّنوين ونصب ﴿الْكَوَاكِبِ﴾، وقد قرئ كذلك (١).
أو إلى الفاعل؛ أي: بأنْ زانَتها الكواكبُ، وأصله: بزينةٍ الكواكبُ.
وإنْ جعلتَها اسماً فالإضافة للتَّبيينِ، فإنَّ الزِّينةَ مبهَمة قد تكون بالكواكب وقد تكون بغيرها؛ أي: بزينةٍ مِنَ الكواكبِ، كقولِكَ: بابُ ساجٍ، أو بزينةٍ هي الكواكبُ، ويعضده القراءة بالتَّنوين وجرِّ ﴿الْكَوَاكِبِ﴾ على الإبدال (٢).
ويجوز في النَّصب أيضاً الإبدال من محلِّ الجار والمجرور بهذا المعنى.
ويجوز على قراءة الجرِّ أنْ يرادَ بالزِّينةِ: ما زُّينَتْ به الكواكب مِن أضوائها وأوضاعها المختلفة؛ كشكل الثُّريَّا وبنات النَّعش والجوزاء وغير ذلك، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦]؛ أي: بالأشكال.
وعن ابن عباس ﵁: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾: بضوءِ الكواكبِ (٣).
واعلم أنَّ تقييدَ السَّماء بالدُّنيا يأبى عن حمل الزِّينة - على ما بحسب المفهوم - على (٤) الظُّهور في الحسِّ؛ لعدم التَّمايز (٥) بين العليا والدنيا في
стр. 3858
ذلك، ففي التَّقييد المذكور قدحٌ لِمَا اشتَهَر مِن أنَّ ما عدا القمر مِن الكواكب ليس في السَّماءِ (١) الدُّنيا.
* * *
(٧) - ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾.
﴿وَحِفْظًا﴾ عطفٌ على محلِّ قولِه: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ على المعنى؛ لأن المعنى: إنَّا خلقنا الكواكبَ (٢) زينةً للسَّماء وحفظاً مِن الشَّياطين (٣)، كما قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، أو منصوبٌ بفعلٍ مُقدَّر على المصدر؛ أي: وحفظناها حفظاً، أو على التَّعليلِ؛ أي: وحفظاً (٤) زيَّنَّاها بالكواكب.
﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾: خارجٍ عن الطَّاعةِ.
* * *
(٨) - ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾.
﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ ابتداء الاقتصاص (٥) لبيانِ حالِ مسترِقَةِ السَّمع، لا تعلُّقَ له بما قبلَه إلَّا مِن حيثُ المعنى.
стр. 3859
ورجوعُ الضَّمير فيه (١) إلى ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾: أمَّا مِن حيثُ اللَّفظُ فلا يجوزُ أن يكون صفةً لـ ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾؛ إذ لا معنى للحفظ من شياطين لا يسْمَعون، ولا استئنافاً؛ إذ لو سُئِلَ: لِمَ يحفظُ مِن الشَّياطين؛ لَمَا صحَّ الجوابُ: لأنهم لا يسمَعون (٢)، فبقي أن يكون منقطعاً.
ومَن زعم أنه تعليلٌ أصلُه: لئلا يسمَعون، فحُذِفَتْ اللَّام فبقيَ: أنْ لا يسْمَعوا، فحُذِفَتْ (أن) وأُهدِرَ عملُها = فقد ركِبَ شططاً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الحذفَيْن على الانفرادِ غيرُ منكَرٍ، وأمَّا جمعُهما فمِن المنكرات التي يجب صونُ القرآنِ عنها.
﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ وهم الملائكةُ لأنَّهم سكانُ السَّماء، والثَّقلان الملأُ الأسفلُ لأنَّهم سكان الأرض.
وقرئ: ﴿لا يَسمعون﴾ هو بالتَّخفيف وتشديد السِّين والميم (٣)، وأصله: يتسمَّعون، والتسمُّع: تطلُّبُ (٤) السَّماع.
وعن ابن عباس ﵄: يتسمَّعون فلا يسمعون (٥).
وهذا ينصر التَّخفيفَ على التَّشديد.
стр. 3860
وعدِّي ﴿يسمعون﴾ بـ ﴿إِلَى﴾ لتضمُّنه الانتهاء؛ أي: لا ينتهون بالسَّمع أو التَّسمُّع إلى الملأ الأعلى، لا (١) لتضمُّنه معنى الإصغاء، إذ حينئذٍ لا يلزم انتفاءُ السَّمع أو التَّسمُّع، إذ لا يلزم من انتفاء المجموع انتفاءُ كلِّ جزءٍ منه، فمَن وَهَمَ أنَّ فيه المبالغة في النَّفي فقد وَهِم.
﴿وَيُقْذَفُونَ﴾: يُرمَوْنَ بالشُّهبِ.
﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ مِن كلِّ جهةٍ يَصْعَدون إلى السَّماء منها للاستراق.
* * *
(٩) - ﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾.
﴿دُحُورًا﴾ مفعولٌ له؛ أي: للدُّحور، وهو الطَّرد، أو حالٌ؛ أي: مدحوراً، أو مصدرٌ لأنَّ القذفَ والدُّحور متقاربان في المعنى، فكأنَّه قيل: يُدحرون دحوراً.
[وقرأ أبو عبد الرحمن السلميُّ بفتح الدال على: قذفاً دَحوراً طَروداً]، أو على أنَّه جاء مجيء القَبول والولوع (٢).
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾: دائمٌ؛ أي: إنَّهم مَرجومون في الدُّنيا بالشُّهبِ، وقد أُعِدَّ لهم في الآخرة عذابٌ غيرُ منقطعٍ.
* * *
стр. 3861
(١٠) - ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ ﴿مَنْ﴾ مرفوع المحلِّ بدلٌ من الواو في ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾؛ أي: لا يَسمعُ الشَّياطين إلَّا الشَّيطانُ الذي خطفَ الخطفةَ.
وقرئ: (خِطِّفَ) بكسر الخاء والطَّاء وتشديدها (١).
و: (خَطِّفَ) بفتح الخاء وكسر الطَّاء وتشديدها (٢)، وأصلُها: اخْتَطفَ.
والخَطْفُ: الاستلابُ بسرعةٍ، والمراد: استلابُ كلامِ الملائكةِ مسارَقةً، ولذلك عرَّفَ ﴿الْخَطْفَةَ﴾.
﴿فَأَتْبَعَهُ﴾: لحقَه، وقرئ: (فَاتَّبَعَهُ) بالتَّشديد (٣)، وقد مرَّ التَّفصيل في تفسير (سورة طه).
﴿شِهَابٌ﴾ نجمُ رجمٍ؛ أي: هم مُقذفون بالشُّهب مدحورون عن ذلك إلَّا مَن أُمهِلَ (٤) ريثما خطفَ خطفةً فأتبعه شهاب (٥).
قيل: نجومُ الرُّجومِ غيرُ نجومِ الزِّينة، تلك ثابتةٌ وهذه سائرةٌ متَشتِّةٌ (٦).
стр. 3862
قال الشَّعبيُّ: لم يُقذَفْ بالرُّجوم (١) حتى بُعِثَ محمَّدٌ ﷺ ، فلمَّا قُذِفَ بها جعلَ النَّاس يسيِّبون أنعامَهم ويعتقون رقيقهم (٢)؛ يظنُّون أنَّها قيامة، فأتوا عبدياليل الثَّقفي وكان قد عمي، فأخبروه بما فعلوه، قال: لَمَّا قالوا (٣): إنَّ النُّجومَ تهافتَتْ من السَّماء، فقال لهم: لا تعجلوا؛ فإنْ كان النُّجوم التي تُعرَف فهي عند قيام الساعة، وإن كانت نجوماً لا تُعرَف فهو أمر حدثَ، فنظروا فإذا هي نجوم لا تُعرَف، قال: فما مكثوا إلَّا يسيراً (٤) حتى أتاهم خبر النبي ﵇ (٥).
وفيما رُوي عن ابن عباس ﵁: أنَّ ذلك حدث بميلاد النَّبيِّ ﵇ (٦).
وعلى كلا التَّقديرَيْنِ: الحادثُ قذفُ الشَّياطين بالشُّهبِ، لا الشُّهبُ نفسه، فلا قدحَ فيه؛ بدلالة أشعار الجاهليَّة على وجود الشُّهب قبلَه. ولا حاجة إلى أن يقال: إنَّ الحادث كثرتُها لا وجودها.
وأمَّا ما قيل: إنَّ أصلَ الشُّهبِ بخارٌ يصعدُ إلى الأثير فيشتعل = فيردُّه (٧) نصُّ الكتاب؛ لأنَّه صريح في أنَّ الشُّهبَ الكواكبُ المشبَّهة بالمصابيح، وأنَّ انقضاضها واشتعالها لحكمة القَذْفِ، لا باقتضاء طبعها عند وصولها إلى الأثير.
стр. 3863
﴿ثَاقِبٌ﴾: الشَّديدُ الإضاءة، كأنَّه يَثقبُ بضوئِهِ.
* * *
(١١) - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ لَمَّا كانت الهمزة في الأصل للاستفهام قيل: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾؛ أي: فاستخبرهم، ولم يقل: فقرِّرهم، وإنْ خرجت إلى معنى التَّقرير، والضَّمير لمشركي العرب (١)، أو لبني آدم ﵇.
﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ يحتمل: أقوى خلقاً وأصعبُ خلقاً (٢) وأشقُّه، على معنى الرَّد لإنكارهم البعثَ (٣) والنشأةَ الأخرى.
﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ المراد منه: ما ذُكِرَ مِن خلائقه؛ من الملائكة، والسَّماوات والأرض وما بينهما، والمشارقِ (٤) والكواكب، والشُّهب الثَّواقب، والشَّياطين المردة، وغلَّب أولي العقل على غيرهم فقال: ﴿مَنْ خَلَقْنَا﴾، ويدلُّ عليه إطلاقه ومجيئُه بعدَ ذلك، وقراءةُ مَن قرأ: (أمْ مَن عَددنا) بالتَّشديد والتَّخفيف (٥)، وقولُه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ﴾ فإنَّه الفارق بينهم وبينها، لا بينهم وبين مَن قبلهم كعاد وثمود، ولأن (٦) المرادَ إثباتُ المعادِ وردُّ استحالتهم إيَّاه، والأمرُ فيه بالإضافة إليهم وإلى مَن قبلَهم سواءٌ.
стр. 3864
﴿لَازِبٍ﴾: لازمٍ ما جاوره ملاصِقٍ به؛ أي: أصلُ خلقتهم هو (١) الطِّين اللَّازب، وليس إلَّا التُّرابَ والماء، وهو على حاله، فمن أين استنكروا ذلك؟!
* * *
(١٢) - ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾.
﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ مِن إنكارِهم البعثَ ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾؛ أي: وهم يسخرون منك ومن تعجُّبِك وتقريرِك للبعث.
وقرئ: ﴿عَجِبْتَ﴾ بضم التَّاء (٢)، وحُمل الكلام على المجاز؛ فإنَّ العَجَب روعةٌ تعتري الإنسان عند استعظامه لشيء (٣)، وهو على الله تعالى محالٌ، فهو في حقِّه إمَّا لمجرد الاستعظام، وإمَّا على سبيل الفَرْض على معنى (٤): أنَّه عند الله بمنزلةٍ لو جازَ عليه العَجَبُ لعجب، أو التخييل من باب الاستعارة على ما مرَّ في قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]، وأن الأمر في نفسه (٥) متعجَّبٌ منه، وقد جاء في الحديث: "عجبَ ربكم من إلِّكُم وقنوطكم، وسرعة إجابته (٦) إيَّاكم" (٧).
стр. 3865
(١٣) - ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾: ودأبهم إذا وُعِظوا بشيءٍ لا يتَّعظون به (١).
* * *
(١٤) - ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ عظيمةً مِن آياتِ اللهِ تعالى كانشقاق القمر ونحوه.
﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾: يبالغون في السُّخرية كأنَّهم يطلبون من أنفسهم السُّخرية منها، ويَجهدون في ذلك، أو يستدعي (٢) بعضُهم مِن بعضٍ أنْ يسخرَ منها.
* * *
(١٥) - ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: ظاهر سحريَّتُه.
* * *
(١٦) - ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أصله: أنُبعث إذا متنا، فبدَّل الفعليَّة بالاسميَّة، وقدَّم الظَّرف، وكرَّر الهمزة؛ مبالغةً في الإنكار، وإشعاراً بأنَّه مُستَنكَرٌ
стр. 3866
في نفسِه، وفي هذه (١) الحال أشدُّ استنكاراً، فهو أبلغ من القراءة بطرح إحدى الهمزتَيْنِ (٢).
* * *
(١٧) - ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾.
﴿أَوَآبَاؤُنَا﴾ مبتدأ خبرُه محذوفٌ، تقديره: مبعوثون، ويدلُّ عليه ما قبلَه، فإذا قلْتَ: أقام زيدٌ أم عمرٌو؟ فعمرو مبتدأ محذوفُ الخبر، ويجوز عطفه (٣) على محلِّ (إنَّ) واسمها على خلاف مذهب سيبويه؛ لأنَّه يقول: إنَّ (عَمراً) في قولِكَ: (إنَّ زيداً قائمٌ وعمرٌو) مرفوعٌ على الابتداء (٤).
وأما عطفه على الضمير في ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ فلا صحَّة له؛ لأنَّ همزة الاستفهام لا تدخل إلَّا (٥) على الجملِ، فعلى تقدير العطف على المفرد كان الفعل عاملاً فيه بواسطة (٦) حرف العطف، وهمزة الاستفهام لا يعملُ ما قبلها فيما بعدَها.
وإدخال الهمزة الإنكارية على الواو لزيادة الاستبعاد على معنى: أنُبْعَثُ ويُبْعَثُ (٧) أيضاً آباؤنا؛ يعنون أنَّهم أقدم فبعثُهم أبعدُ.
стр. 3867
وقرئ: ﴿أوْ آباؤنا﴾ بـ (أو) الفاصلة (١)، قال صاحب "المطالع": (أو) إذا كانت للتَّقرير أو التَّوبيخ أو الردِّ أو الإنكار أو الاستفهام كانت مفتوحة الواو، وإذا جاءت للشَّكِّ أو التَّقسيم أو الإبهام أو التَّورية أو التَّخيير أو بمعنى (بل) أو بمعنى (حتى) أو بمعنى (إلى) وكيف كانت عاطفةً، فهي ساكنة الواو (٢).
﴿الْأَوَّلُونَ﴾: الأقدمون.
* * *
(١٨) - ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾ وقرئ: (قال) (٣): ﴿نَعَمْ﴾؛ أي: نعم تُبعثون، وإنما اكتفى به في الجواب لأَنَّه سبق (٤) ما يدلُّ على جوازه، وأمَّا قيام المعجز على صدق المخبِر عن وقوعه فلا يجدي في حقِّ القائلين: إنَّه سحر مبين، والكلام معهم بعد ما أنكروا الإعجاز والرِّسالة.
﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾: صاغرون.
وقرئ: ﴿نَعِمْ﴾ بكسر العين (٥)، وهما لغتان.
* * *
стр. 3868
(١٩) - ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾.
﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ مبهمة لا ترجع إلى شيءٍ، موضحها خبرُها، ويجوز أن ترجع إلى البعثة الدَّال عليها ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ (١)، والفاءُ جوابُ شرطٍ مقدَّر، تقديره: إذا كان ذلك (٢) فما هي إلَّا:
﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾؛ أي: صيحةٌ واحدةٌ، هي النَّفخة الثَّانية، مِن زجَرَ الرَّاعي غنمَه (٣): إذا صاح عليها، وأمرُها بالإعادة (٤) كأمر (كن) في الإبداء، ولذلك رتَّب عليها قولَه:
﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾: أحياءٌ يبصرون، أو: ينتظرون ما يُفعل بهم.
* * *
(٢٠) - ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾.
﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾ مرَّ تفسيره في (سورة يس).
﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ كلام الكفرة.
* * *
(٢١) - ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ كلام الملائكة جواباً لهم.
стр. 3869
ويجوز أن يكون الأوَّلُ أيضاً من كلام الملائكة، وأن يكون الكلام الثَّاني من بعض كلام الكفرة لبعضهم؛ أي: هذا يوم الجزاء الذي ندان (١) فيه ونجازَى بأعمالنا، هذا يوم القضاء والفَرْق بين فِرَق الهدى والضَّلال.
﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فيه دلالة على أنَّ الرُّسل ﵈ جدَّدوا الإنذار بعذاب النَّار سائرَ الأحوال (٢) في دار القرار، وهم أصرُّوا على الإنكار، واستمرُّوا على الإصرار.
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾.
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خطاب الله للملائكة، أو خطاب بعضهم لبعض بأمر الله (٣)، والحاجة إلى الحشر لأنهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر وفَراش مبثوث، والحشر: السَّوق إلى مجمَعٍ واحد من الجهات المختلفة.
﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: قرناءهم من الشياطين، قال أبو سعيد الخدريُّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]: إذا بعث الكافر زوِّج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه (٤).
стр. 3870
وقال عطاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]: أي: قُرنت نفوس المؤمنين بحورِ العين ونفوس الكفار بالشياطين (١).
﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ دلَّ هذا على أن المراد من الذين ظلموا المشركون، وقوله ﵇ على وفق قوله تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾: "بل هم عبدوا الشياطين الذين أمرتهم بذلك" في جواب ابن الزِّبَعْرَى (٢) = دل على أن (ما) على عمومه، وأن الأصنام ونحوها غير داخلة فيه، فالضمير (٣) في قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ لمجموع (٤) المذكورين.
﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾: فعرِّفوهم طريق النار حتى يسلكوها، وفيه تهكُّمٌ بهم لِمَا مر في تفسير سورة الفاتحة أن الهداية دلالةٌ بلطف، وفي الصراط أيضاً نوعُ تهكُّمٍ لأنَّه طريقٌ مستوٍ لا التواء فيه ولا اعوجاج.
* * *
(٢٤) - ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.
﴿وَقِفُوهُمْ﴾: احبسوهم هذا الحبسَ عند مجيئهم النَّارَ، على ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾ [فصلت: ١٩، ٢٠]، فالسؤال في قوله تعالى:
стр. 3871
﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ليس عن عقائدهم وأعمالهم، بل عمَّا كانوا يرجون منه الشَّفاعة والنُّصرة، بدلالة قوله تعالى:
(٢٥) - ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾.
﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ وقولُه تعالى في موضع آخر: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] توبيخٌ لهم، وتهكُّم بهم بالعجز عن التَّناصر وتخليص بعضِهم لبعض بعدما كانوا متناصرين في الدُّنيا متعاضدين.
* * *
(٢٦) - ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾.
﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾؛ أي: ليس أحدٌ يقدر على نصر أحدٍ، بل الكلُّ منقادون لِمَا يُرادُ بهم، وكلمة ﴿بَلْ﴾ حرف الابتداء، لا عاطفة (١).
* * *
(٢٧) - ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: الكفرةُ والشَّياطينُ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: يتخاصمون.
* * *
(٢٨) - ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾.
﴿قَالُوا﴾ يعني: الكفرةُ للشَّياطين: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾: عن القوَّة والغلبة (٢) حتى تحملونا على الضَّلال وتَقْسرونا (٣) عليه.
стр. 3872
(٢٩) - ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا﴾ يعني: الشَّياطينُ للكفرةِ: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إضراب عن مُقدَّرٍ دلَّ عليه المساق؛ أي: ما أجبرناكم على الضَّلال، بل أنتم أعرضتم عن الإيمان، واخترتُم الكفر عليه بالاختيار.
(٣٠) - ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ مِن تسلُّطٍ يسلبكم التَّمكُّن ويقسركم (١).
﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾: مختارين الطُّغيانَ، وهذا على وَفق (٢) ما في موضع آخر من قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾ [ق: ٢٧].
(٣١) - ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾.
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا﴾؛ أي: إذا لم نقسركم (٣) فلزمنا ﴿قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾؛ أي: حُكْمُ ربِّنا بـ: إنَّا لذائقون لعذابه.
ولَمَّا أخبروا بذلك عن أنفسهم عدلوا عن الخطاب إلى لفظ المتكلِّم، فحكى الله تعالى قولَهم، ولو حكى وعيد الله كما هو لقال: (إنَّكم لذائقون).
стр. 3873
(٣٢) - ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾.
﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾: فدعوناكم إلى الغيِّ؛ لأنَّا كنَّا غاوين أحببنا أن تكونوا مثلنا، وما أحببنا لكم إلَّا ما أحببنا لأنفسنا، فَلِمَ استحسنْتُم (١) الغيَّ على الرُّشدِ؛ أي: غاية ما في الباب أنَّا دعوناكم فلمَ أجبتم (٢) وقبلتم؟
فكأنَّه تقريرٌ لقولهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾؛ أي: ليست غوايتكم (٣) في الحقيقة منَّا (٤)، ولو كان كلُّ غواية بإغواء غاوٍ فمَنْ أغوانا؟!
(٣٣) - ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾.
﴿فَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: الأتباعَ والمتبوعين مِن الكفرة والشَّياطين ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ويوم القيامة ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ كما كانوا في الغواية مشتركين.
(٣٤) - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الفعل الفظيع ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾: بالمشركين، بدلالة السِّباق واللِّحاق، وفي الإطلاق ما لا يخفى من المبالغة في كون الإشراك جرمًا حيثُ لم يُعدَّ سائرُ المعاصي جرمًا نظرًا إليه.
стр. 3874
(٣٥) - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإذعان والقَبول.
(٣٦) - ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ يعنون (١): رسولَ اللهِ ﵇.
(٣٧) - ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ إضرابٌ عن مُقدَّرٍ دلَّ عليه السِّياقُ.
﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إذ هو وَهُمْ ﵈ على طريقةٍ واحدةٍ في دعوى الأمم إلى التَّوحيد وتركِ عبادة غيره تعالى.
وفيه ردٌّ على المشركين بأنَّ ما جاءَ به من التُّوحيد حقٌّ لا يطابق عليه البرهانُ العقليُّ والبيان النَّقليُّ مِن المرسلين.
(٣٨) - ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾.
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ بالإشراكِ وتكذيب الرُّسلِ (٢)، وقرئ بنصب (العذابَ) (٣)، على تقدير (٤) النُّون، كقوله:
стр. 3875
ولا ذاكرَ اللهَ (١)
بتقدير التَّنوين.
وقرئ: (لذائقون العذابَ) على الأصل (٢).
وفي عبارة الذَّوق دلالةٌ على أنَّ لهم عذابًا جسمانيًّا.
(٣٩) - ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: إلَّا مثلَ ما عملتم، وإنَّما حذف المضاف للمبالغة في المماثلة، كما في التَّشبيه البليغ.
(٤٠) - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن عباد الله المخلَصين ثوابُهم مضاعفٌ، وقيل: متَّصلٌ عن الضَّمير في ﴿تُجْزَوْنَ﴾ أو ﴿لَذَائِقُو﴾ على أنَّها للعموم.
(٤١) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ تقديمه للتَّخصيص (٣).
стр. 3876
﴿رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ خصائصُه من الدَّوام وتمحُّض اللَّذَّة (١)، ولذلك فسره بقوله:
(٤٢) - ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾.
﴿فَوَاكِهُ﴾ فإنَّ الفاكهة ما يُتلذَّذ به ولا يُتقوَّتُ، وذلك لأنَّهم مستغنون عن التَّغذي؛ إذ لا تحلُّلَ (٢) هناك، فيكون رزقُهم كلُّه للتفكُّه والتلذُّذ لا للتقوُّت.
﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ عند الله تعالى، لا يلحقهم هوانٌ، وذلك (٣) مِن أعظم الثَّواب وأَلْيَقه بذوي الهِمَم.
(٤٣) - ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾؛ أي: في جنَّاتٍ ليس فيها إلَّا النَّعيم، ظرفٌ أو حالٌ مِن المستكنِّ في ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾، أو خبرٌ ثانٍ لـ ﴿أُولَئِكَ﴾، وكذا:
(٤٤) - ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ يحتمِل الحال والخبر، فإن جُعلَ خبرًا كان:
﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حالًا مِن الضَّمير فيه، أو في ﴿مُكْرَمُونَ﴾، ويجوز أنْ يتعلَّق بـ ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾، على أنَّ ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حالٌ مِن ﴿مُكْرَمُونَ﴾.
стр. 3877
(٤٥) - ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾ الكأسُ: الزُّجاجة ما دامَتْ فيها الخمر، وقد يطلق على الخمر مجازًا كما في قوله:
وكأسٍ شَرِبْتُ على لَذَّةٍ (١)
﴿مِنْ مَعِينٍ﴾: مِن شرابٍ معينٍ، أو نهرٍ معينٍ.
والمعينُ: الماءُ الجاري على وجهِ الأرضِ، الظَّاهر للعيون، وإنَّما وُصِفَ بما يوصَفُ به الماء لأنَّها تجري في الجنَّة في أنهارٍ كما يجري الماء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥].
(٤٦) - ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾.
﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ صفتان للكأس. و ﴿لَذَّةٍ﴾ وصفٌ بالمصدر للمبالغة، كأنَّها نفسُ اللَّذَّة. أو تأنيث اللَّذِّ، يُقالُ: لَذَّ الشَّيءُ فهو لذيذٌ ولَذٌّ، ولَذَّةٌ لا تأنيث لَذِّ، بوزن فَعْلٍ كجَلْدٍ وطَبٍّ (٢)، قال:
ولَذِّ كطعْمِ الصَّرخديِّ ترَكْتُهُ (٣)
стр. 3878
(٤٧) - ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾.
﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾، أي: فسادٌ مِن أنواع المفاسد التي تكون في خمور الدُّنيا، مِن خُمار (١) وصُداعٍ واختلاطِ عقلٍ ولَغْوٍ وعَرْبَدةٍ وغير ذلك.
والغَوْلُ: الإهلاك والإفساد، ومنه الغُولُ.
وتقديم الظَّرف وإيلاؤه حرف النَّفي لا (٢) لإفادة نفي الغَولِ عنها وإثباتِه في غيرها، [لأنَّ إثباته في غيرها (٣) غيرُ مقصودٍ، بل لإفادة أنَّ الغَولَ (٤) المنفيَّ عنها ما هو الثَّابت في غيرها؛ أي: ليس فيها ما في خمور الدُّنيا مِن اغتيال العقل (٥).
﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ على البناء للمفعول، مِن نزفَ الشَّارِبُ: إذا ذهبَ عقلُه.
وقرئ (٦): (يَنْزُفون) بضم الزَّاي (٧)، من نَزُفَ يَنْزُف: إذا سَكِر.
وإنَّما أُفرز النَّزفُ من أنواع الغَولِ وأُفْرِدَ بالذِّكْرِ للدِّلالة على أنَّ السُّكْرَ مِن أعظم المفاسد، كأنَّه مفسدةٌ برأسِها، وجنسٌ آخر غيرُ داخلٍ تحتَ الغَوْلِ.
стр. 3879
(٤٨) - ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾.
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: قَصَرْنَ (١) أبصارَهُنَّ على أزواجهنَّ، لا يمددْنَ طرفًا إلى غيرهم.
﴿عِينٌ﴾ والعِيْنُ: النُّجلُ العيون، جمع عيناءَ (٢).
(٤٩) - ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شُبِّهْنَ ببيضِ النَّعام المكنون في الأَداحِيِّ (٣)، فإنَّه مصونٌ عن الغبار في غاية الصَّفاء، ولونُها بياض به صفرةٌ حسنة، وهي أحسن ألوان الأبدان، وبها تشبِّه العرب مخدَّراتهم، وتسمِّيهِنَّ: بيضات الخدور.
وقيل: أراد به المصون عن الكسر، يعني: أنهنَّ عَذَارى صحيحاتٌ، قال الفرزدقُ:
خَرَجْنَ إليَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِ … وَهُنَّ أَصَحُّ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ (٤)
ويؤيدُه ما في (سورة الرحمن): ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦].
قال في صفةِ الحور: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ وفي صفة الولدان: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ
стр. 3880
الْمَكْنُونِ﴾، وأشار بذلك إلى أن الحور للصحبة دون الولدان؛ لأنَّ اللؤلؤ للنَّظر لا للذَّوق، والبيض لهما.
(٥٠) - ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ عطفٌ على ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾.
﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي: يتحادثون على الشَّراب، يسأل بعضُهم بعضًا عمَّا جرى له وعليه في الدُّنيا وعن رفقائه.
وتغيير النَّظم إلى الماضي للإخبار بتحقُّق وقوع تلك اللَّذَّة خاصَّة مِن بين سائرها، وهي التَّحادُثُ على الشَّرابِ كعادة الشَّرْبِ (١)، قال:
وما بقيَتْ مِن اللَّذَّاتِ إلَّا … أحاديْثُ الكِرامِ على المُدامِ (٢)(٥١) - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ في (٣) مكالمتهم: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾: جليسٌ في الدُّنيا.
стр. 3881
(٥٢) - ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾.
﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَّشديد (١)، أي: يوبِّخني على التَّصديق بالبعث، أو التَّصدُّق (٢).
(٥٣) - ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ لا يقال: ذِكْرُ كونهم عظامًا بعد ذِكْرِ كونهم ترابًا تنزُّلٌ مِن القويِّ إلى الضَّعيف في مقام الاستبعاد، بل في (٣) ذِكْرِ ذلك غنًى عن ذِكْرِ هذا، لأنَّا نقولُ: كونهم عظامًا محقَّقٌ حسًّا ومحقِّقٌ (٤) لكونهم ترابًا عقلًا، فلا غُنيةَ ولا تنزُّلَ، فافهم هذه الدَّقيقةَ الأنيقةَ.
﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾: لمجزيُّون، من الدَّين وهو الجزاء، أو لمَسُوسُون (٥)، مِن دانَه؛ أي: ساسَه، ومنه الحديث: "العاقل من دان نفسه" (٦).
стр. 3882
(٥٤) - ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾.
﴿قَالَ﴾؛ أي: ذلك القائلُ.
﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النَّار لأريَكم ذلك القرين.
وقيل: القائل هو الله تعالى، وقيل: بعض الملائكة يقولُ لهم: هل تحبُّون أن تطَّلعوا.
وقرئ: (مُطْلِعون) بالتَّخفيف (١)، يقال: طلع علينا فلان واطَّلع، بمعنًى.
(٥٥) - ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾.
﴿فَاطَّلَعَ﴾؛ أي: عرضَ لهم الاطِّلاع فقبلوا عرضَه فاطَّلع هو (٢) بعد ذلك، هذا أيضًا قرئ بالتَّشديد على قراءة ﴿مُطَّلِعُونَ﴾ مشدَّدًا، وبالتَّخفيف على قراءة (مُطْلِعونَ) مخفَّفًا، كلاهما على لفظ (٣) المضارع المنصوب جوابًا للاستفهام (٤).
стр. 3883
وقرئ: (مُطْلِعونِ) بكسر النون والتَّخفيف (١)، على إرادة: مُطْلعونَ إيَّايَ، فوضع المتَّصل موضع المنفصل، كقوله:
هم الفاعلونَ الخيرَ والآمرونَهُ (٢)
وقيل: شبَّه اسمَ الفاعل في ذلك بالمضارع لِمَا بينهما مِن التآخي، كأنَّه قال: تُطلعونِ.
وهو ضعيفٌ لا يقع إلا في الشِّعر.
وعلى قراءة المضارع معناه: هل أنتم مطَّلِعون إلى القرين فأَطَّلِعَ أيضًا (٣).
فإنْ (٤) جعلتَ الإطلاع مِن أَطْلعه غيرُه، فالمعنى أنَّه شرَط في إطلاعه إطلاعهم لرعاية أدب المجالسة، وهو أنْ لا يستبدَّ بشيء دون جلسائه، فإذا قبلوه فكأنَّهم مُطْلعوه.
وقيل: الخطاب على هذا للملائكة؛ أي: أطلعوني على قريني أيُّها الملائكة، فأُطلعَ أصحابي من أهل الجنَّة عليه.
﴿فَرَآهُ﴾؛ أي: قرينَه ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: في وسطها.
стр. 3884
(٥٦) - ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾.
﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾: لتهلكني (١) بالإغواء. وقرئ: (لَتُغْويْنِ) (٢).
(إنْ) مخفَّفة من الثَّقيلة، واللَّام هي الفارقة، كقوله: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ [الفرقان: ٤٢].
(٥٧) - ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بالعصمة والهداية ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ في العذاب معك.
(٥٨) - ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾.
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ الهمزة للتَّقرير والتَّوبيخ، دخلت على الفاء العاطفة ما بعدها على معطوفٍ محذوفٍ، تقديرُه: أنحن مخلَّدون منعَّمون فما نحن بميِّتين؛ أي: بمن شأنه الموت (٣).
وقرئ: (بِمائِتِينَ) (٤).
стр. 3885
(٥٩) - ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ التي في الدُّنيا، وهي متناولةٌ لِمَا في القبر بعد الإحياء للسُّؤال، ونصبها على المصدر من اسم الفاعل، وقيل: على الاستثناء المنقطع.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كما وُعِدْنا.
والمعنى: أنَّ هذه حال المؤمنين وصفتهم فيما وعدَ الله تعالى لهم، بخلافِ حال الكفَّار فإنَّهم فيما يتمنَّون فيه الموت كلَّ ساعةٍ، وهذا تمام (١) كلامه لقرينه تقريعًا له.
ثم يقول معاودًا إلى مكالمة جلسائه بمَسْمَعٍ (٢) من قرينه، تحدُّثًا بنعمة الله، واغتباطًا لحاله وحال رفقائه، وتبجُّحًا بها، وزيادةً في تقريع قرينه:
(٦٠) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿إِنَّ هَذَا﴾؛ أي: الذي نحنُ فيه ﴿لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وقيل: هو مِن قول الله تعالى، تقريرًا لقوله، وتصديقًا له، وإشارةً إلى ما هم فيه من النِّعمة والخلود والأمن من العذاب.
وقرئ: (لهو الرِّزقُ العظيمُ) (٣)، أي: ما رزقوه (٤) من السَّعادة.
стр. 3886
(٦١) - ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.
﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ أي: لنيلِ مثل هذا إنْ عملوا عملًا ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ لا للحظوظِ الدُّنيويَّة المشوبة بالآلام السَّريعة الانصرام، وهذا معنى تقديم الغاية، وإيراد فاء السَّببية.
مِن عادة الله تعالى أن يَشفع الوعد بالوعيد، فلمَّا فرغ من بيان الرزق المعلوم ووصفِ أهل الجنَّة في تحادثهم وانسياقِ كلامهم إلى قصة المؤمن وقرينه، شرعَ في رزق الكافر ووصف أهل النَّار فقال (١):
(٦٢) - ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾.
﴿أَذَلِكَ﴾؛ أي: أذلك الرّزق المعلوم الموصوف ﴿خَيْرٌ نُزُلًا﴾ نصب على الحال.
والنُّزلُ: الرِّزقُ الذي يُعَدُّ للنَّازلِ تكرمةً له، ويجوز حمله على المعنى الحاصل على أَنَّه نصب على التَّمييز.
﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾: شجرةٌ صغيرة الورق مُنْتِنَةٌ مُرَّة حرِّيفة تَنبت بتِهامة، سمِّيت به الشَّجرة الموصوفة.
وفيه أنَّ الرِّزقَ المعلوم وما ذكر معه من النَّعيم لأهل الجنَّة بمنزلة ما يُقام للنَّازل، وما وراءه من اللَّذات بعد إقامتهم لا يدخل تحت الوصف، وكذلك شجرة الزَّقُّوم وما ذُكِرَ معه.
стр. 3887
(٦٣) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾: محنةً وعذابًا لهم في الآخرة، أو ابتلاءً وامتحانًا لهم في الدُّنيا، حيث قالوا لَمَّا سمعوا أنَّها في النَّار: كيفَ يكون ذلك في النَّار، والنَّار (١) تحرق الشَّجر؟! ولم يعلموا أنَّ مَن قَدر على خلقِ حيوانٍ يعيشُ فيها ويلتذُّ (٢) بها كالسَّمندر (٣)، فهو قادر على خلق شجرٍ فيها وحفظه من إحراقها.
(٦٤) - ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ وقرئ: (نابتة) (٤) مكان ﴿تَخْرُجُ﴾.
قيل: منبتها في قعر جهنَّم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.
(٦٥) - ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾.
﴿طَلْعُهَا﴾ الطَّلعُ: ما يطلع أوَّلًا من النَّخلة عند إثمارها، وهو كمام ثمرها.
﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ استُعيرَ الطَّلع من حمل النَّخلة لحمل شجرة الزَّقُّوم، وشُبِّهَ برؤوسِ الشَّياطينِ دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر؛ لأنَّ استقباح الشَّيطان وكراهة منظره أمرٌ راسخٌ في طباع النَّاس، وهذا تشبيهٌ تخييليٌّ.
стр. 3888
وقيل: الشَّيطانُ: حيَّةٌ عَرْفاء قبيحة المنظر هائلة جدًّا.
(٦٦) - ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾.
﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾: من الشَّجرة، أو (١) من طلعها.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ إمَّا لغلبة الجوع الشَّديد واستيلائه عليهم، وإمَّا لأنَّهم مقسورون على أكلها تعذيبًا.
(٦٧) - ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾.
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾: ثمَّ إذا شبعوا وغلبهم العطش وطال استسقاؤهم وأحرق الزَّقُّوم بطونهم سُقوا شرابًا من غسَّاقٍ أو صديد، شَوْبُه - أي: مزاجه - من حميم يشوي وجوههم ويقطِّع أمعاءهم.
وقرئ: (لَشُوبًا) بالضَّم (٢)، وهو اسمٌ لِمَا يُشاب به، ويجوز أن يكون مستعارًا لبُعد ما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة من طعامهم.
(٦٨) - ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾.
﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾؛ أي: لهم مقارٌّ ومنازلُ معيَّنة في دَرَكات الجحيم،
стр. 3889
إذا جاعوا جاؤوا إلى الزَّقُّوم (١)، فإذا عطشوا جاؤوا إلى الحميم (٢)، ثمَّ يرجعون إلى مقارِّهم ومنازلهم مِن دركات الجحيم، على ما أخبر الله عنه في قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] (٣).
وقرئ: (ثمَّ إنَّ منقلبَهم) (٤)، (ثم إنَّ مصيرهم)، (ثمَّ إنَّ منفذهم) (٥) لإلى الجحيم (٦).
(٦٩) - ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾.
﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا﴾، أي: صادفوا.
﴿آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ تعليلٌ لاستحقاقهم الوقوع في تلك الشَّدائد كلِّها، يعني أنَّ ذلك بسبب تقليدهم آباءهم الضَّالِّين.
(٧٠) - ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾.
﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ الإهراعُ: الإسراعُ الشَّديد كأنَّما يحثُّ صاحبه حثًّا.
стр. 3890
وقيل: إسراعٌ فيه تشبيه (١) بالرّعدة، وفيه إشعارٌ بأنَّهم بادروا إلى ذلك من غير توقُّف على تأمُّل ونظرٍ.
(٧١) - ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾: قبلَ قومِك قريش ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالتَّقليد وترك النَّظر.
(٧٢) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: أنبياءَ ﵈ حذَّروهم العواقب، وإنَّما قال: ﴿فِيهِمْ﴾ دون (إليهم)؛ دلالةً على (٢) إمعانهم في الإنذار بقرارِهم فيما بينهم.
(٧٣) - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: الذين أُنذِروا فكُذِّبوا فأهلكُوا جميعًا.
(٧٤) - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: الذين أَمنوا منهم، فأخلصوا دينهم لله تعالى؛ إذ أخلصهم الله تعالى لدينه على اختلاف القراءتَيْنِ (٣).