← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

(٦١) - ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ أي: لنيلِ مثل هذا إنْ عملوا عملًا ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ لا للحظوظِ الدُّنيويَّة المشوبة بالآلام السَّريعة الانصرام، وهذا معنى تقديم الغاية، وإيراد فاء السَّببية. مِن عادة الله تعالى أن يَشفع الوعد بالوعيد، فلمَّا فرغ من بيان الرزق المعلوم ووصفِ أهل الجنَّة في تحادثهم وانسياقِ كلامهم إلى قصة المؤمن وقرينه، شرعَ في رزق الكافر ووصف أهل النَّار فقال (١): (٦٢) - ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾. ﴿أَذَلِكَ﴾؛ أي: أذلك الرّزق المعلوم الموصوف ﴿خَيْرٌ نُزُلًا﴾ نصب على الحال. والنُّزلُ: الرِّزقُ الذي يُعَدُّ للنَّازلِ تكرمةً له، ويجوز حمله على المعنى الحاصل على أَنَّه نصب على التَّمييز. ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾: شجرةٌ صغيرة الورق مُنْتِنَةٌ مُرَّة حرِّيفة تَنبت بتِهامة، سمِّيت به الشَّجرة الموصوفة. وفيه أنَّ الرِّزقَ المعلوم وما ذكر معه من النَّعيم لأهل الجنَّة بمنزلة ما يُقام للنَّازل، وما وراءه من اللَّذات بعد إقامتهم لا يدخل تحت الوصف، وكذلك شجرة الزَّقُّوم وما ذُكِرَ معه.

стр. 3887

(٦٣) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾. ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾: محنةً وعذابًا لهم في الآخرة، أو ابتلاءً وامتحانًا لهم في الدُّنيا، حيث قالوا لَمَّا سمعوا أنَّها في النَّار: كيفَ يكون ذلك في النَّار، والنَّار (١) تحرق الشَّجر؟! ولم يعلموا أنَّ مَن قَدر على خلقِ حيوانٍ يعيشُ فيها ويلتذُّ (٢) بها كالسَّمندر (٣)، فهو قادر على خلق شجرٍ فيها وحفظه من إحراقها. (٦٤) - ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ وقرئ: (نابتة) (٤) مكان ﴿تَخْرُجُ﴾. قيل: منبتها في قعر جهنَّم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. (٦٥) - ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. ﴿طَلْعُهَا﴾ الطَّلعُ: ما يطلع أوَّلًا من النَّخلة عند إثمارها، وهو كمام ثمرها. ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ استُعيرَ الطَّلع من حمل النَّخلة لحمل شجرة الزَّقُّوم، وشُبِّهَ برؤوسِ الشَّياطينِ دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر؛ لأنَّ استقباح الشَّيطان وكراهة منظره أمرٌ راسخٌ في طباع النَّاس، وهذا تشبيهٌ تخييليٌّ.

стр. 3888

وقيل: الشَّيطانُ: حيَّةٌ عَرْفاء قبيحة المنظر هائلة جدًّا. (٦٦) - ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾: من الشَّجرة، أو (١) من طلعها. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ إمَّا لغلبة الجوع الشَّديد واستيلائه عليهم، وإمَّا لأنَّهم مقسورون على أكلها تعذيبًا. (٦٧) - ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾: ثمَّ إذا شبعوا وغلبهم العطش وطال استسقاؤهم وأحرق الزَّقُّوم بطونهم سُقوا شرابًا من غسَّاقٍ أو صديد، شَوْبُه - أي: مزاجه - من حميم يشوي وجوههم ويقطِّع أمعاءهم. وقرئ: (لَشُوبًا) بالضَّم (٢)، وهو اسمٌ لِمَا يُشاب به، ويجوز أن يكون مستعارًا لبُعد ما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة من طعامهم. (٦٨) - ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾؛ أي: لهم مقارٌّ ومنازلُ معيَّنة في دَرَكات الجحيم،

стр. 3889

إذا جاعوا جاؤوا إلى الزَّقُّوم (١)، فإذا عطشوا جاؤوا إلى الحميم (٢)، ثمَّ يرجعون إلى مقارِّهم ومنازلهم مِن دركات الجحيم، على ما أخبر الله عنه في قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] (٣). وقرئ: (ثمَّ إنَّ منقلبَهم) (٤)، (ثم إنَّ مصيرهم)، (ثمَّ إنَّ منفذهم) (٥) لإلى الجحيم (٦). (٦٩) - ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾. ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا﴾، أي: صادفوا. ﴿آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ تعليلٌ لاستحقاقهم الوقوع في تلك الشَّدائد كلِّها، يعني أنَّ ذلك بسبب تقليدهم آباءهم الضَّالِّين. (٧٠) - ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾. ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ الإهراعُ: الإسراعُ الشَّديد كأنَّما يحثُّ صاحبه حثًّا.

стр. 3890

وقيل: إسراعٌ فيه تشبيه (١) بالرّعدة، وفيه إشعارٌ بأنَّهم بادروا إلى ذلك من غير توقُّف على تأمُّل ونظرٍ. (٧١) - ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾: قبلَ قومِك قريش ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالتَّقليد وترك النَّظر. (٧٢) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: أنبياءَ ﵈ حذَّروهم العواقب، وإنَّما قال: ﴿فِيهِمْ﴾ دون (إليهم)؛ دلالةً على (٢) إمعانهم في الإنذار بقرارِهم فيما بينهم. (٧٣) - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: الذين أُنذِروا فكُذِّبوا فأهلكُوا جميعًا. (٧٤) - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: الذين أَمنوا منهم، فأخلصوا دينهم لله تعالى؛ إذ أخلصهم الله تعالى لدينه على اختلاف القراءتَيْنِ (٣).

стр. 3891

والخطابُ لرسولِ اللهِ ﷺ ، والمرادُ قومُه؛ لأنَّهم رأوا آثارهم وسمعوا أخبارهم. ثمَّ شرع في تفصيل المنذِرِين والمنذَرِين فقال: (٧٥) - ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ حينَ أيس مِن قومِه. ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ اللَّام جواب قسمٍ محذوفٍ، والمخصوصُ بالمدحَ محذوفٌ؛ أي: فوالله لنعم المجيبون نحن. والجمعُ في ﴿نَادَانَا﴾ و ﴿الْمُجِيبُونَ﴾ دليلُ العظمة والكبرياء وإظهارهما؛ أي: ولقد دعانا فبحقِّنا وعظمتنا إنا أجبناه أحسنَ الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون. (٧٦) - ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: مِن الغمِّ الذي كان فيه مِن أذى قومِه؛ لأنَّه (١) بذلك دعا ربَّه فأجابه. والكرب: الحزنُ الثَّقيلُ على القلبِ. (٧٧) - ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ هم الذين بَقُوا وحدَهم دونَ غيرهم، ولا دلالة فيه على عدم بقاء ذريَّةِ غيره حتى يخالف ظاهرَ قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾

стр. 3892

[الإسراء: ٣]؛ لأنَّ الذُّريَّة تتناول أولاد البنات، دل عليه عَدُّ عيسى ﵇ مِن ذرَّية نوح ﵇، على ما مرَّ في سورة الأنعام. (٧٨) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ من الأمم كلِّهم هذه الكلمة وهي: (٧٩) - ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ على الحكايةِ، كقولك: (قرأْتُ: الحمدُ لله)؛ أي: يسلِّمون عليه تسليمًا، ويدعون له بثبوتِ هذه التَّحيَّة في العالَمِيْنِ مِن الملائكة والثَّقلَين جميعًا، كأنَه قيلَ: سَنَّ (١) اللهُ التَّسليمَ على نوحٍ وأدامَه في الكلِّ عن آخرِهم. (٨٠) - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ علّل مجازاتَه بتلكَ التَّكرمة (٢) السَّنيَّة وعظَّمَها بقولِه: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الجزاء العظيم، وهو تبقيةُ ذكرِه، وتسليمُ العالَمِين عليه أبدًا بإحسانِه. ثمَّ علَّلَ إحسانه بإيمانه، وأضافه إلى ذاته تعالى في زمرة (٣) خواصِّه بقوله: (٨١) - ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 3893

﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ لاختصاصه به، كلُّ ذلك لجلالةِ قدر الإيمان وعلوِّ شأنه، وأنَّه الغايةُ القُصوى مِن صفات المدح والتَّعظيم؛ إذ جعلَه موجبًا لكرامته واختصاصه مع كونه نبيًّا مختارًا؛ ترغيبًا للعباد في الإيمان والازدياد فيه إلى الإيقان. (٨٢) - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ ثم أخبرَ تعالى أنَّه أغرقَ مَن لم يؤمنْ مِن قومِه. (٨٣) - ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ ممَّنْ شايعَ نوحًا ﵇ في التَّوحيد وأصول الدِّين. ﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ولا يقدحُ في ذلك اختلاف الشرائع فإنَّها تختلفُ بحسب اختلاف الأمم، وكانَ بينَهما ألفان وستُّ مئة وأربعون سنة، وما كان بينهما من الأنبياء إلَّا هود وصالح ﵉. (٨٤) - ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ منصوب بتقدير (اذكر)، لا بما في الشِّيعة مِن معنى المشايعة؛ لأنَّ فيه الفصلَ بين العامل والمعمول بأجنبيٍّ، وهو قوله: ﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾، وأيضًا لام التَّأكيد تمنع أن يعملَ ما قبلَها فيما بعدَها، لو قلْتَ: إنَّ ضاربًا لقادمٌ علينا زيدًا، لم يجزْ.

стр. 3894

﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن جميعِ آفاتِ القلبِ كالشِّرك والشَّكِّ والغلِّ والغشِّ وغير ذلك، استعارَ المجيء به (١) للإخلاص والإعراضِ عمَّا سوى الحقِّ بالتَّوجُّه إليه. (٨٥) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ بدل من ﴿إِذْ جَاءَ﴾: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ سؤالُ توبيخٍ. (٨٦) - ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ (إفكًا): مفعولٌ له؛ أي: أتريدون آلهة إفكًا، قَدَّمَ المفعول - وهو ﴿آلِهَةً﴾ - للعناية؛ لأنَّ الإنكار متوجِّه إليه، ثمَّ قدَّم المفعول له عليه؛ لأنَّ الأهم عندَه أن يكافحهم (٢) بأنهم ليسوا على غرضٍ صحيحٍ، ويقرِّرَ عليهم أنَّهم على الباطل، ومبنَى أمرهم على الإفك. أو مفعول به، و ﴿آلِهَةً﴾ بدل منه أو تفسيرٌ وبيان للمبالغة، جعِلَتْ أنفسُهم إفكًا، أدر أريد (٣) عبادتُهم على حذف المضاف؛ لدلالة ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ عليه. أو حال بمعنى: أتريدون آلهةً مِن دون اللهِ آفكين. والإفكُ: أشنعُ الكذبِ وأفظعُه، وأصلُه: قلبُ الشَّيء عن جهتِه (٤) التي هي له.

стр. 3895

(٨٧) - ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: بمَن هو الحقيقُ بالعبادة لكونه ربَّ العالمين، حتى تركتم عبادته إلى عبادةِ غيره، وهو كالحجَّة على ما قبلَه (١)، ومعنى إنكار الظَّنِّ: أنَّه لا يُقدَّرُ في وهمٍ ولا ظنٍّ ما يصدُّ عن عبادته إلى عبادةِ غيره، فضلًا عن القَطْعِ به. أو: فما ظنُّكم به أنَّه أيُّ شيء هو حتى جعلتم الأصنام له أندادًا؟! أو: فما ظنُّكم به أنَّه يَفعل بكم؛ أي: هل تظنُّون أنَّه كيف يعاقبكم على عبادة غيره؟! (٨٨) - ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾. ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ في أوصافها و (٢) أوضاعها واتصالها، أو في كتابها، أو في علمها، يوهمهم الاستدلال على حاله، وكانوا (٣) منجِّمين. (٨٩) - ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إنما قال ذلك لأَنَّهم أرادوا أن يصحبهم إلى عيدهم، وكان أغلب أسقامهم الطَّاعون، فأوهمهم السَّقم فهربوا منه، على ما دل عليه قوله:

стр. 3896

﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠]، فأعرضوا عنه مولِّين الأدبارَ مخافةَ العدوى؛ لأنَّه مرض مُعْدٍ ففعل (١) بأصنامهم ما فعل. وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ من معاريض (٢) الكلام وليس بكذب (٣)؛ [أي] (٤): إني سقيم القلب لكفركم، أو: مشارفٌ للسقم؛ لأن مَن كان بصدد الموت كان مستعدًّا (٥) للسقم، ولا يخلو صحيح من ذلك، فلم يكن كاذبًا فيما أظهر من الكلام، فلم يلحقه به شيء من الملام؛ إذ كان في نفسه قصد كسر الأصنام، فاحتال لإظهار الحق وإبطال الباطل، فكان عملًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا. (٩١) - ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾. ﴿فَرَاغَ﴾ فذهب في خُفيةٍ (٦)، من روغة الثعلب وأصله: الميل بحيلة. ﴿إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ بناء على زعمهم؛ أي: إلى أصنامهم التي يزعمونها آلهة؛ كقوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص: ٧٤]. ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؛ أي: الطعامَ الذي عندكم.

стр. 3897

(٩٢) - ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ بجوابي، استهزاءٌ وتهكُّم بها وبعبَدتها، وإيماءٌ إلى انحطاطها عنهم. (٩٣) - ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ فأقبل عليهم مستخفيًا ﴿ضَرْبًا﴾ نصب على الحال بمعنى: ضاربًا، أو على المصدر من فعلٍ مقدَّر هو حالٌ؛ أي: فراغ عليهم يضربهم ضربًا (١)، أو من (راغ) لأنَّه في معنى: ضرب، كأنه قيل: فضربهم مُقبلًا عليهم ضربا. وتقييده ﴿بِالْيَمِينِ﴾ للدلالة على قوته، فإن قوة الآلة تستدعي قوة الفعل. وقيل: معناه: بسبب الحَلِف، وهو قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. (٩٤) - ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾. ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ أي: إلى إبراهيم ﵇. ﴿يَزِفُّونَ﴾: يسرعون، من زفيف النعام. وقرئ: ﴿يُزِفُّونَ﴾ (٢) من أَزَفَّ: إذا دخل في الزَّفيف، أو من أَزَفَّه: إذا حمله على الزَّفيف؛ أي: يُزِفُّ بعضُهم بعضًا. و: (يُزَفُّون) على البناء للمفعول؛ أي: يُحمَلون على الزَّفيف.

стр. 3898

و: (يَزِفُون) من وَزَفَ يَزِفُ: إذا أَسْرعَ. و: (يَزْفون) من زَفَاه: إذا حَدَاه؛ كأن بعضَهم يَزْفُون بعضًا لتَسارُعهم إليه (١) (٩٥) - ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾. ﴿قَالَ﴾ قَالَ مهو إبراهيم ﵇ بعد محاورات كانت بينهم ذكرها في سورة الأنبياء. ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ نحتُ الخشبة: بَرْيُها، يقول: أتعبدون أصنامًا تعملونها أنتم. (٩٦) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: وخلق ما تعملونه من الأصنام، فإن جواهرها بخلقه، وأشكالُها وإن كانت بنحتهم - ولذلك نسب إليهم عملها - فإنها بإقداره تعالى إياهم عليها، وخَلقِه (٢) ما يتوقف عليه أعمالهم من الآلات والجوارح والدواعي. (٩٧) - ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾. ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾: في النار الشديدة الوُقود، من الجَحْمة وهي شدةُ التأجُّج.

стр. 3899

(٩٨) - ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾. ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ صنعوا لإهلاكه حظيرةً مملوءة بالنار ومَنْجَنيقًا لرميه إليها من بعيدٍ؛ لأن شدة حَرِّها كانت مانعةً عن الحضور عندها، فلذلك عبّر عنه بالكيد المشتمِل على نوع من الحيلة. ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ لمَّا غلبهم بالحجة أرادوا أن يهلكوه كيلَا يَظهر للعامة عجزُهم، فأبطل الله تعالى كيدهم وجعلهم الأذلِّينَ الأسفلين، وصار كيدهم حجةً أخرى له ﵇، ومعجزةً أخرى (١) بالتصديق (٢) بأنه من عند الله تعالى. والمراد من المعجزة في أمثال هذا المقام: الأمر الخارق للعادة مطلقًا، لا مصطلَحُ أهل الكلام. (٩٩) - ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾: مهاجرٌ (٣) إلى حيث يأمرني ربي وهو الشام، أو حيث أتجرد فيه للعبادة له تعالى. ﴿سَيَهْدِينِ﴾: سيرشدُني إلى ما فيه صلاحي واستقامةُ أمر ديني، وإنما بتَّ القولَ

стр. 3900

لأن الله تعالى وعده الهدايةَ، فبنَى الأمر على وعده لقوةِ يقينه، أو بناءً (١) على عادة الله تعالى معه (٢) في هدايته وإرشاده، لقوة توكُله وتفويضِه الأمر إليه تعالى، ولم يبنه على الرجاء كما بنى موسى حيث قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]، لأنَّه كان في أمر الدنيا لا في أمر الدِّين، فلا دلالة فيه على قصور موسى ﵇ في ذلك الباب، والله أعلم بالصواب. (١٠٠) - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: بعضَ الصالحين أَستأنِسُ به في الغُربة، وتَنفرجُ به عني الكربة، أراد به الولدَ؛ لأن الهبة غالبةٌ فيه وإن جاءت في الأخ أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، على أن الموهوب فيه نبوَّةُ هارون لا نفسُه ﵇، وأما البشارة بالغلام فلا تدل على إرادة الولد بخصوصه. (١٠١) - ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ الفاء لترتُبه على ﴿هَبْ لِي﴾ كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]، ولا كلمةَ أقلَّ لفظًا وأكثر معنًى من هذه؛ لاحتوائها على البشارة، وأنَّه ذَكَر، وأنَّه يبلغ (٣) أَوَانَ الحُلْم (٤) .........

стр. 3901

- لا لأن غيرَ البالغ لا يوصف بالحلم، بل لأن الغلام مَن طرَّ شاربُه - وبأنه يكون حليمًا. وقيل: ما نَعَت الله تعالى الأنبياء ﵈ بأقلَّ مما نعتهم بالحلم لعزة وجوده، وما نعت به (١) إلا إبراهيم وابنه ﵉. (١٠٢) - ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ متعلق بـ ﴿بَلَغَ﴾؛ أي: بلغ السعي مقارِنًا له، وذلك لا يقتضي بلوغَهما معًا حدَّ السعي كما لم يقتضِ (٢) قولُ بلقيس: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] أن يكون إسلامُهما معًا، وفي الحديث: "كنَّا نَحيضُ مع رسول الله ﵇" تمامُه في "صحيح البخاريِّ" (٣). ويجوز أن يتعلق بـ ﴿السَّعْيَ﴾ فإن معمول المصدر إذا كان ظرفًا أو شبهَه يجوز تقديمُه عليه؛ لأن الظرف مما يكفيه رائحةُ من الفعل، فلا حاجة في العمل فيه إلى تأويل المصدر مع الفعل، على أنه ليس كلُّ مُؤوَّلٍ بشيء حكمُه حكمُ ما أُوِّل به.

стр. 3902

والمراد باختصاص الأب بالسعي معه: بيانُ صغر سنِّه؛ أي: لم يَبْلُغ أن يسعى في الحوائج إلا مع أبيه لا مع غيره؛ لأن أباه أرفقُ الناس به وأعطفُهم عليه، لا يكلِّفه إلا ما سهل عليه، وغيرُه ربما عنَّف به في الاستسعاء فلا يحتمِله؛ لأنَّه لم تَستحكِم قوتُه، ولم يَصلُب عُودُه. وفائدةُ ذلك البيانِ: إظهارُ أنه مع حداثة سنِّه وغضاضةِ غصنه (١)، بلغ مبلغًا من رصانة الحِلم (٢) وكبر النفس (٣) وفسحة الصدر ما سهَّل عليه احتمالَ تلك البليَّة العظيمة، ويسَّر له الإجابةَ بذلك الجواب الحكيم. ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾؛ أي: بأمرٍ من الله تعالى، ويدلُّ عليه قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ وذلك أن رؤيا الأنبياء وحيٌ كما في اليقظة، وإنما لم يقل: رأيت؛ لأنَّه رأى مرة بعد أخرى، والأمر به إنما كان في المنام دون اليقظة، لتكون مبادرتُه ﵇ إلى الامتثال أدل على كمال الانقياد والإخلاص. ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ من الرأي، وإنما قال على وجه المشاوَرة - مع أنه حتمٌ من الله تعالى عليه - ليَعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله تعالى، فيثبِّتَ قدمه ويصبِّره إن جَزع، ويأمَنَ عليه الزَّللَ إنْ صَبر، وليوطِّنَ نفسَه عليه، ويتلقى البلاء مستأنسًا به، ويكتسبَ المثوبةَ بالانقياد لأمر الله تعالى. وقرئ: ﴿مَاذَا تَرَى﴾ من الإراءة (٤)؛ أي: ماذا تُبصِر من رأيك وتبديه.

стр. 3903

و: (ماذا ترى) على البناء للمفعول (١)؛ أي: ماذا تُريكَ نفسُك من الرأي. ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾؛ أي: ما تُؤمَرُه، حذفه وهو منصوب، وأصله: ما تأمر به، فحذف الجار كما حذف من قوله: أمرتُكَ الخيرَ فافعَلْ ما أُمِرْتَ به (٢) واتَّصل الضمير منصوبًا فجاز حذفُه. أو: أَمْرَكَ، على إضافة المصدر إلى المفعول وتسميةِ المأمور به أمرًا. وقرئ: (ما تؤمر به) على الأصل (٣). ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على الذبح، أو على ما قضى الله به. (١٠٣) - ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ يقال: سلَّمَ لأمرِ الله وأَسلَمَ واستَسْلَمَ بمعنًى واحدٍ: إذا انقاد له وخضع، وقد قرئ بهنَّ جميعًا (٤)، وأصلها من قولك: سَلِمَ هذا لفلان: إذا خَلَص له، ومعناه: سَلِمَ من أن ينازَعَ فيه، وقولهم (٥): سَلَّم لأمر الله وأَسلَمَ له منقولان منه،

стр. 3904

وحقيقة معناهما: أَخْلَص نفسَه لله وجعلها سالمةً له خالصةً، وكذلك معنى استسلم: استَخْلَص نفسَه لله. وعن قتادة في ﴿أَسْلَمَا﴾ أسلم هذا ابنَه وهذا نفسَه (١). ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: صرعه على شقِّه فوقع (٢) أحدُ جبينيه (٣) على الأرض تواضعًا على مباشرة الأمر بصبرٍ وجَلَد، ليُرْضِيا الرحمن ويُخزيا الشيطان. وروي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنًى. وقيل: في الموضع المشرِف على مسجد منًى. وقيل: في المنحَر الذي يُنحر فيه اليوم. (١٠٤) - ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾. ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ في إيثار النداء على القول إشعار بتمثيل حاله بحالِ مَن يحتاج في خطابه إلى رفع الصوت وإن كان الخطاب عن قريبٍ؛ زجرًا له (٤) عما أقبل عليه وتوغَّل فيه.

стр. 3905

(١٠٥) - ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ بصدقِ العزيمة والإتيانِ بما في وسعه من المقدِّمات، إذ (١) روي أنه أَمَرَّ السكين بقوَّته على حلقه فلم تقطَع. وجواب (لمَّا) محذوفٌ تقديره: كان ما كان مما تَنطِق به الحال ولا تسعُه العبارةُ (٢) والمقال، من استبشارهما، واغتباطهما، وحمدِهما لله (٣) تعالى، وشكرِهما على ما أَنعم به عليهما من دفع البلاء بعد حلوله، وما اكتسبا في تضاعيفه بتوطين النفس عليه من الثواب والرضوان والكرامة عند الله، والفوزِ بالدِّين (٤) الذي ليس وراءه مطلوب. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تعليلٌ لتحويل ما خوَّلهما من الفرَج بعد الشدةِ والظَّفَرِ بالبُغية بعد اليأس. (١٠٦) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾: الاختبار البيِّن الذي يتميز (٥) فيه المخلصون عن غيرهم، أو: المحنةُ البيِّنة الصعوبةِ التي لا محنةَ أصعب منها، وإنما قال: (١٠٧) - ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.

стр. 3906

﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾ والفادي بالحقيقة هو إبراهيمُ ﵇، واللهُ تعالى هو المفتدَى منه؛ لأنَّه تعالى هو الذي وَهب له الكبش، فكان هو الممكِّنَ من الفداء بهِبَتهِ، فأَسند إلى نفسه إسنادًا إلى المسبِّب مجازًا. ﴿بِذِبْحٍ﴾ الذِّبح: اسم ما يذبح. ﴿عَظِيمٍ﴾: عظيم الجثة سمينٍ، وهي السُّنَّة (١) في الأضاحي. وقيل: عظيمِ القَدْرِ؛ لأنَّه كان فداءً لنبيٍّ (٢) من أنبياء الله، وهو إسماعيلُ في قول أبي بكرٍ وابن عباسٍ وابن عمر ﵃ وجماعةٍ من التابعين، وإسحاقُ ﵇ فيما رُوي عن عليٍّ وابن مسعود والعباس ﵁ وجماعةٍ من التابعين. والأول أظهرُ: لأنَّه الذي وُهب له إثر الهجرة. ولأنَّ البشارة بإسحاق معطوفٌ على البشارة بهذا الغلام. ولقوله ﵇: "أنا ابنُ الذبيحين" (٣) فأحدُهما جدُّه إسماعيل عليه

стр. 3907

السلام، والآخَرُ أبوه عبدُ الله، فإن عبد المطلب نذر أن يَذبح ولدًا إن سهَّل الله تعالى حفرَ زمزمَ أو بلغ بنوه عشرًا، فلمَّا سُهِّل خرج السهم على عبد الله، ففداه من الإبل. ولأنَّ ذلك كان بمكة. ولأنَّ قرني الكبش كانا معلَّقين بالكعبة في يد أسباطِ إسماعيل ﵇ حتى احترق البيت. ولأنَّ البشارة بإسحاق ﵇ كانت مقرونةً بالإخبار عن ولادة يعقوب ﵇ منه، فلا يناسبها الأمرُ بذبحه مراهقًا. وأمَّا ما رُوي عنه ﵇ (١) أنه إسحاقُ ﵇ فأخبارٌ لم تَثبت صحتُها. (١٠٨ - ١٠٩) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ ثناءً حسنًا، ولا وقف عليه لأن: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ مفعولُ ﴿تَرَكْنَا﴾. (١١٠) - ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لم يذكر ﴿إنَّا﴾ مع ذكرها في (٢) أواخر القصص كلِّها؛ لأنَّه قد (٣) سبق فيها مرة فاكتفى به إيجازًا.

стр. 3908

(١١١) - ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد سبق بيانه في هذه السورة. (١١٢) - ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حالان مقدَّران (١) كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]؛ أي: بشَّرناه بإسحاق ﵇ مقدَّرًا كونُه نبيًّا مقضيًّا (٢) كونه من الصالحين، ولا حاجةَ إلى تقدير مضافٍ كما قيل، فإن تقدير الحال لا يُوجب وجودَ ذي الحال بل تقدير وجوده. وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه. (١١٣) - ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾. ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾: على إبراهيم ﵇ ﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ بأنْ أخرجنا من نسلهما أنبياء، وأَفَضْنا عليهما بركات الدِّين والدنيا. وتكرير الجارِّ (٣)، وإظهارُ ﴿إِسْحَاقَ﴾ ﵇؛ للإشعار بأنَّ التبريك عليه بالأصالة والاستقلال لا بالتبعية؛ لكونه نبيًّا وأبًا لأنبياء بني إسرائيل ﵈، وغيرِهم كأيوبَ وشعيبٍ.

стр. 3909

﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ في عمله بالإيمان والطاعة. ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالكفر والمعصية. ﴿مُبِينٌ﴾: ظاهرٌ ظلمُه، وفيه تنبيه على أن النَّسب لا يؤثِّر في الهدى والضلال، وأن الظلم في الأعقاب لا يعود (١) بعيب ولا نقيصةٍ على الأسلاف، وأن المدح والذم إنما يترتبان على كسب المرء، وحُسنِ عمله وقُبحه، وصلاحه وفساده في نفسه، لا على عمل الأصول والفروع. وأمَّا أنه لا تأثير للعِرْق الطيِّب والخبيث أصلًا حتى يلزمَ أن ينهدم أمر (٢) الطبائع والعناصر بالكلية (٣)، فينافي ما هو الظاهر من قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ومن قوله ﵇: "لا يدخلُ الجنةَ ولدُ الزِّنا ولا ولدُه ولا ولدُ ولدِه" (٤) بعد ذلك من أن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها فلا دلالة فيما ذكر عليه (٥).

стр. 3910

(١١٤) - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا﴾: أنعمنا ﴿عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ بالنُّبوَّة وغيرها مِن المنافع الدِّينيَّة والدُّنيويَّة. (١١٥) - ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ بني إسرائيل ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ مِن استعلاءِ (١) فرعونَ وقومِه وظلمِهم، أو من الغرقِ. (١١٦) - ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ الضَّمير لهما مع القوم ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ على فرعون وقومه. (١١٧) - ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾. ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾: البليغ في بيانه، وهو التَّوراة. (١١٨) - ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الطَّريق الموصل إلى الحقِّ.

стр. 3911

(١١٩) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ مرَّ تفسيره في هذه السُّورة. (١٢٣) - ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قيل: إنَّ إلياس كان إدريس، رُفِعَ قبلَ الطُّوفانِ إلى السَّماء ونزلَ بعدَه ببعلبكَّ، ويعضده قراءة ابنِ مسعود: (وإن إدريس) في موضع ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾ (١)، وقرأ: (إدراسين) (٢). وقيل: هو إلياس بن ياسين من سبط (٣) هارون أخي موسى ﵇. (١٢٤) - ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: ألا تخافون اللهَ تعالى.

стр. 3912

(١٢٥) - ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾: أتعبدونه. وهو عَلَمُ صنمٍ كان لهم (١) يعظِّمونه غايةَ التَّعظيم، وأخدموه أربعَ مئةِ سادنٍ، يتلقَّون شرائع الضَّلالات من الشَّيطانِ، ويقولون: إنَّ بعلًا أمر بكذا، ونهى عن كذا. وكان اسمُ مدينتهم: بَكَّ، وهو من بلاد الشَّام، فنُسِبَتْ إليه ورُكِّبَ اسمُها باسمه، وسُمِّيَتْ: بَعْلَبَكُّ. وقيل: البَعلُ: الرَّبُّ بلغة اليمن، يُقال: مَن بعلُ هذه الدَّار؟ أي: مَن ربُّها؟ والمعنى: أتعبدون بعض البعول. ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ تتركون عبادةَ اللهِ تعالى، لم (٢) يقلْ: وتَدَعون، مع ما فيه من صنعة التَّجنيس، لا لأنَّه مذمومٌ، فإنه إذا كان براءً عن التَّصنُّع (٣) يكون ممدوحًا، واقعًا في كلام الله وكلام الرَّسول ﵇، بل لأنَّ في (دع) أمرًا زائدًا على التَّركِ لا يناسبُ المقامَ، وهو معنى الحفظ، ومنه: الوديعة. (١٢٦) - ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.

стр. 3913

﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ قرئ بالرَّفع على الابتداء، وبالنَّصب على البدل (١)، وكان حمزةُ إذا وصلَ نصبَ وإذا وقفَ رفع (٢). (١٢٧) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾؛ أي: في العذاب، وإنَّما أطلقَه اكتفاءً بالقرينة، أو لاختصاص الإحضار المطلق بالشَّرِّ عرفًا. (١٢٨) - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء من واو ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾، أو من (المحضرين)، ولا فسادَ فيه؛ لأنَّ استثناءهم من القوم المحضرين لعدم تكذيبهم، على ما دلَّ عليه التَّوصيف بـ ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾، لا من المكذِّبين، فمآل المعنى واحدٌ (٣). (١٢٩ - ١٣٢) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ

стр. 3914

(١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١): لغة في إلياس، وقرئ: ﴿عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥] بالوصل (٢)، على أنَّه جمع يُرادُ به إلياس وقومه، كقولهم: الخُبَيْبيونَ والمُهَلَّبون. ولا يجوز حملُه على الجمع إذا قرئ بالقطع، إذ لا بُدَّ للجمع مِن التَّعريف بالألف واللَّام. وأمَّا قراءة: ﴿آل ياسين﴾ هو فعلى أنَّ ﴿يَاسِينَ﴾ اسم أبي إلياس، أضيف إليه الآل. (١٣٢ - ١٣٦) - ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾. ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾. سبقَ بيانُه. (١٣٧) - ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾. ﴿وَإِنَّكُمْ﴾ يا أهلَ مكَّةَ ﴿لَتَمُرُّونَ﴾ في متاجركم إلى الشَّام؛ فإنَّ سدوم في طريقه. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: على منازِلهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾: داخلين في الصَّباحِ.

стр. 3915

(١٣٨) - ﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾؛ أي: مساءً؛ أي: يتكرَّرُ مرورُهم عليها باللَّيل والنَّهار، وهو الدَّاعي إلى الاعتبار. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أبعدَ هذه المعاينة ما لكم عقولٌ تعتبرون بها. (١٣٩) - ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قرئ: (يونس) ﵇ بضمِّ النُّون وكسره (١). (١٤٠) - ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ﴾ الإباقُ: فرارُ العبد إلى حيث لا يهتدي إليه طالبُه (٢). وكانَ يونسُ ﵇ هربَ مِن قومِه بغير إذنِ ربِّه إلى حيث طلبوه ولم يجدوه، على ما مرَّ في تفسير سورة يونس، فاستعير الإباق (٣) لهربه باعتبار هذا القيد، لا باعتبار القيد الأوَّل فقط (٤). ﴿الْمَشْحُونِ﴾: المملوءِ.

стр. 3916

(١٤١) - ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. ﴿فَسَاهَمَ﴾؛ أي: قارعَ أهلَ الفُلْكِ بإلقاء السِّهام. ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾؛ أي: مِن المَغْلُوبين، وحقيقتُه: من المُزْلَقين؛ أي: عن مقام الظَّفر في الإسهام. رُويَ أنَّه ﵇ لَمَّا وُعِدَ بعذاب قومِه خرجَ مِن بينهم هاربًا قبل أن يأمرَه (١) اللهُ تعالى به، فركب في السَّفينة فوقفتْ، فقالوا: هاهنا آبقٌ، وفيما يزعم البحارون (٢) أنَّ السَّفينة إذا كان فيها آبق لم تَجْرِ (٣)، فاقترعوا فخرجَتِ القرعةُ على يونس ﵇، فقال: أنا الآبق وزجَّ نفسَه. (١٤٢) - ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾: ابتلعَه، ومنه اللُّقمة. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ داخلٌ في الملامة، وآتٍ بما يُلام عليه، أو: مُليمُ نفسِه، واللَّومُ: العَتَبُ. وقرئ بالفتح مِن لِيْمَ (٤)، كما جاء مَشِيْبٍ في مَشُوبٍ.

стр. 3917

(١٤٣) - ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: مِن الذَّاكرين الله كثيرًا بالتَّسبيح والتَّقديس مدَّةَ عمرِه. وقيل: في بطن الحوتِ، وهو قوُله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وقيل: من المصلِّين. (١٤٤) - ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ عبارةُ اللَّبْثِ دلَّتْ على الحياة، فالمعنى: لكان محبوسًا في بطن الحوت إلى يوم القيامة. ويُفهَم منه أن لا يعمَّ الهلاك عند النَّفخة الأولى الحيواناتِ البحريَّةَ. وفيه حَثٌّ على إكثار الذِّكر، وتنبيهٌ على أنَّ مَن أقبل إليه تعالى في السَّرَّاء أخذ بيده عند الضَّرَّاء. واختلفَ في مُدَّةِ لبثه في بطن الحوت، ولا طائلَ تحتَ ذِكْرِه. (١٤٥) - ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ بأنْ حملنا الحوتَ على لفظِه.

стр. 3918

﴿بِالْعَرَاءِ﴾: بالمكان الخالي عمَّا يغطِّيه مِن شجرٍ ونجمٍ (١). وما روي أنَّ الحوتَ سارَ مع السَّفينة رافعًا رأسَه يتنفَّس فيه يونسُ ﵇، ويسبح حتى انتهوا إلى البرِّ، فلفظُه مردودٌ بقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ على ما مرَّ بيانه (٢) في سورة الأنبياء ﵈. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: مُعتلّ بما حلَّ به، ورُويَ أنَّ بدَنه عادَ كبدن الصَّبيِّ حين يُولَدُ. (١٤٦) - ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ﴾؛ أي: فوقَه مُظلَّةً ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ اليقطينُ: ما ينبسطُ على وجه الأرض من الشَّجر ولا يقوم على ساقٍ، كشجرة (٣) الدُّبَّاء والبطيخ والقثَّاء والحنظل، وهو يَفعيلٌ مِن قَطَنَ بالمكان: إذا قام به. والأكثر على أَنَّها كانت الدُّبَّاء، وفائدة الدُّبَّاء: أنَّ الذُّبابَ ينفرُ منها، وهي أسرع الأشجار نباتًا وامتدادًا وارتفاعًا، ويدلُّ عليه أنَّه قيل لرسول الله ﷺ : إنَّك لتحبُّ القرع؟ قال: "أجل هي شجرة أخي يونس" (٤).

стр. 3919

(١٤٧) - ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ﴾ هو إمَّا الإرسال إلى قومٍ أُخَر، وإمَّا إرسالٌ ثانٍ إلى قومِه الذين خرج من بينهم، وجُوِّزَ أن يكون المراد الإرسالَ السابق؛ لأنَّ الواو لا تدلُّ على التَّرتيب، ويأباه الفاء في قوله: ﴿فَآمَنُوا﴾ لأنَّها تدل على التَّعقيب بلا مهلة. ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ باعتبارٍ آخر، وذلك أنَّ المكلَّفين منهم كانوا مئة ألفٍ، وإذا ضُمَّ إليهم مَن بصددِ التَّكليف كانوا أكثر، ومن هاهنا (١) ظهر وجه التَّعبير بصيغة التَّجدُّد دون الثَّبات. وأما على ما قيل: إن المعنى في مرأى النَّظر؛ أي: إذا نظر إليهم قال: هم مئة ألف أو أكثر؛ فلا يظهرُ وجهُ العدول عن الظَّاهر. وقرئ بالواو (٢). (١٤٨) - ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿فَآمَنُوا﴾: فصدَّقوه، أو: فجدِّدوا الإيمان بمحضره. ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: إلى أجلٍ مسمًّى، وقرئ: (حتى حينٍ) (٣).

стр. 3920

(١٤٩) - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ معطوف على ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ في أول السُّورة وإن تباعدت بينهما المسافة لأمرٍ ما، أَمَرَ رسولَ الله ﷺ أوَّلًا باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث، وساق (١) الكلام جارًّا لِمَا يلائمه (٢) مِن القَصص موصولًا بعضُه ببعضٍ، ثمَّ أمرَه باستفتائهم عن وجه القسمة الضِّيزى، حيث جعلوا لله تعالى الإناث ولأنفسهم الذُّكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتِهم الشَّديدة لهن، واستنكافهم من (٣) ذكرهنَّ، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]. ولقد زادوا بذلك على الشِّرك ضلالاتٍ أُخَر: التَّجسيم، وتجويزَ الفناء على الواجب الوجود تعالى شأنه؛ لأن الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة، وتفضيلَ أنفسهم عليه تعالى حيث جعلوا أوضع الجنسينِ له وأرفعَهما (٤) لأنفسهم، واستهانتَهم بالنُّورانيِّين المقرَّبين، حيث أنَّثوهم. ولذا (٥) كرَّر الله تعالى إنكار ذلك في كتابه العزيز مرَّاتٍ، وبيَّن فظاعتها في

стр. 3921

آياتٍ، وجعله ممَّا تكاد السَّماوات يتفطرْنَ منه، وتنشقُّ الأرضُ، وتخرُّ الجبال هدًّا. وخصَّ الإنكار هنا بأمرَيْنِ، هما (١) أقربُ إلى فهم العامَّة وأفظع عندهم بمقتضى العادة: التَّقسيم المذكور، وتأنيث الملائكة، حيث جعل المعادل للاستفهام: (١٥٠) - ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾. ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ وإنَّما خصَّ عِلْم المشاهدة؛ لأنَّ الأنوثة ليست من لوازم ذواتهم حتى يمكنَ للعقل طريق إلى معرفة ذلك، ولم يَنزل به كتاب، فلا طريق إلى علم أمثال ذلك إلَّا بالمشاهدة، مع ما فيه من الاستهزاء بهم والتَّسفيه لرأيهم، حيث يبتُّون به القول كأنَّهم شاهدوا خلقَهم. والتَّخصيص بتقديم الظَّرف في ﴿أَلِرَبِّكَ﴾ و ﴿وَلَهُمُ﴾، وإيلاؤه حرف الإنكار؛ لزيادة التَّشنيع وتفظيع قولهم. (١٥١) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ الإفكُ: الكلامُ المصروف مِن الحقِّ إلى الباطل، والولدُ فَعَلٌ بمعنى المفعول، يقع على الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث.

стр. 3922

بالَغَ في الإنكار بـ (ألَا) و (إنَّ) واللَّام وتقديمِ ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ﴾؛ لظهور استحالته، ووضوح حجَّة التَّوحيد. * * * (١٥٣) - ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾. ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ استفهامُ إنكارٍ واستبعادٍ. والاصطفاءُ: أخذُ صفوةِ الشَّيء. وقرئ بكسر الهمزة (١)، وجوِّز أن يكون على الإخبار بإضمار القول، متعلِّقًا بقوله: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾؛ أي: لكاذبون في قولهم: اِصطفى البنات، أو إبدالِهِ من قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ على أنَّه مِن كلام الكفرة، وبدون ذلك تلك القراءة ضعيفة جدًّا؛ لكون هذه الجملة مكتنَفةٌ بالإنكار من جانبيها (٢)، واقتضاءِ المقام اختصاصَها بزيادة الإنكار؛ لأنَّه بالغَ في إنكار الولادة، فاقتضى الحال أن يقول: خصوصًا الإناث، فمَن جعلها للإثبات أوقعها دخيلةً بين نسيبين (٣)، ونَثَرَ (٤) نظمَ الكلام.

стр. 3923

والجملةُ الاعتراضية التَّأكيديَّة - أعني: وإنهم لكاذبون - تزيدها ضعفًا؛ لأنَّها مقرِّرة لنفي الولد عن أصله، مؤكِّدةٌ لذلك، فإذا وجَّهتها إلى هذه خرجت عن كونها مبيِّنة للإفك، وصارت كأنَّها مجوِّزةٌ للولادة المذكورة، مُطرقةٌ لصدقهم (١) لو قالوا بها، وكذا الالتفاتُ في قوله: (١٥٤) - ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؛ أي: بما لا يرتضيه عقل يأباه (٢). * * * (١٥٥) - ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أنَّه منزَّهٌ عن ذلك. وقرئ: (تَذْكُرون) (٣) مِن ذَكَرَ. والأَولى أن يقال: إنَّ تلك القراءة على حذفِ حرف الاستفهام، لوضوح دلالة قرائنه، وشهادة مُعادله في قوله: (١٥٦) - ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾: حجَّةٌ نزلَتْ عليكم (٤) من السَّماء، أو مِن خبرٍ مِن

стр. 3924

نبيٍّ بأنَّ الملائكة بنات الله؛ أي: لا يجوِّزه عقلٌ، ولا نزل به نقلٌ، فإنَّ كلَّ شيءٍ مِن ذلك. * * * (١٥٧) - ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ الذي ينطق بذلك، كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥]. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم. وهذه الآيات واردة على سخطٍ عظيمٍ، واستبعادٍ لأقاويلهم شديدٍ، وما الأساليب التي وردَتْ عليها والتَّراكيبُ التي انتظمَتْ بها إلَّا ناطقة بتسفيه أحلامِهم، وتجهيل نفوسِهم، واستركاكِ عقولهم، مع استهزاءٍ وتهكُّم وتعجيبٍ (١) مِن أن يُخْطِرَ مُخْطِرٌ مثلَ ذلك على باله (٢)، ويحدِّثَ به نفسًا، فضلًا أن يجعله معتقَدًا، ويتظاهر به مذهبًا. * * * (١٥٨) - ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ﴾؛ أي: بينَ اللهِ تعالى ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ يعني: الملائكة ﵈، ذكرَهم باسم الجنس وضعًا لهم، وتقصيرًا بهم أن يبلغوا حد المناسبة التي أثبتوها لهم - وإن كانوا في أنفسهم مكرَّمين معظَّمين - لاقتضاء المقام التَّحقير.

стр. 3925

﴿نَسَبًا﴾ وهو زعمُهم أنَّهم بناتُه تعالى، والمعنى: وجعلوا بما قالوا نسبةً بين الله تعالى وبينهم، وأثبتوا له بذلك جنسيَّةً جامعةً له وللملائكة. والجِنَّةُ جنسٌ يشمل (١) كلَّ مَن يُجنُّ (٢) ولا يُؤْنَس، لكن مَن صفا ذاتُه وتنوَّر ونسكَ وطهرَ وكان خيرًا كان ملَكًا، ومَن (٣) تكدَّر جوهرُه وأظلمَ وخبث ومردَ وكان شرًّا كان شيطانًا. وقيل: قالوا: إن الله تعالى صاهر الجنَّ. وقيل: قالوا: إن الله تعالى والشَّيطان أخوان، فعلى هذا لا يتناول اللَّفظُ الملائكة. ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾؛ أي (٤): الكفرةَ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ النَّار، ومُعذَّبون بما يقولون. وإنَّما نسبَ العلم إلى الذين ادَّعوا لهم تلك النِّسبة وعظَّموهم (٥)، ووضع (محضرون) موضع (كاذبون)، للمبالغة في التَّكذيب؛ أي: إنَّ الذين فخَّموهم بهذا النَّسب وشرَّفوهم يعلمون أنَّهم في ذلك كاذبون، مفترون (٦) بما يقولون، فيعذَّبون به. وقيل: إنْ فُسِّرَتِ ﴿الْجِنَّةُ﴾ بالشَّياطين جازَ أن يكون الضمير في ﴿إِنَّهُمْ﴾ لهم؛
следующие страницы →