آياتٍ، وجعله ممَّا تكاد السَّماوات يتفطرْنَ منه، وتنشقُّ الأرضُ، وتخرُّ الجبال هدًّا.
وخصَّ الإنكار هنا بأمرَيْنِ، هما (١) أقربُ إلى فهم العامَّة وأفظع عندهم بمقتضى العادة: التَّقسيم المذكور، وتأنيث الملائكة، حيث جعل المعادل للاستفهام:
(١٥٠) - ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾.
﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ وإنَّما خصَّ عِلْم المشاهدة؛ لأنَّ الأنوثة ليست من لوازم ذواتهم حتى يمكنَ للعقل طريق إلى معرفة ذلك، ولم يَنزل به كتاب، فلا طريق إلى علم أمثال ذلك إلَّا بالمشاهدة، مع ما فيه من الاستهزاء بهم والتَّسفيه لرأيهم، حيث يبتُّون به القول كأنَّهم شاهدوا خلقَهم.
والتَّخصيص بتقديم الظَّرف في ﴿أَلِرَبِّكَ﴾ و ﴿وَلَهُمُ﴾، وإيلاؤه حرف الإنكار؛ لزيادة التَّشنيع وتفظيع قولهم.
(١٥١) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ الإفكُ: الكلامُ المصروف مِن الحقِّ إلى الباطل، والولدُ فَعَلٌ بمعنى المفعول، يقع على الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث.
стр. 3922
بالَغَ في الإنكار بـ (ألَا) و (إنَّ) واللَّام وتقديمِ ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ﴾؛ لظهور استحالته، ووضوح حجَّة التَّوحيد.
* * *
(١٥٣) - ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾.
﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ استفهامُ إنكارٍ واستبعادٍ. والاصطفاءُ: أخذُ صفوةِ الشَّيء.
وقرئ بكسر الهمزة (١)، وجوِّز أن يكون على الإخبار بإضمار القول، متعلِّقًا بقوله: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾؛ أي: لكاذبون في قولهم: اِصطفى البنات، أو إبدالِهِ من قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ على أنَّه مِن كلام الكفرة، وبدون ذلك تلك القراءة ضعيفة جدًّا؛ لكون هذه الجملة مكتنَفةٌ بالإنكار من جانبيها (٢)، واقتضاءِ المقام اختصاصَها بزيادة الإنكار؛ لأنَّه بالغَ في إنكار الولادة، فاقتضى الحال أن يقول: خصوصًا الإناث، فمَن جعلها للإثبات أوقعها دخيلةً بين نسيبين (٣)، ونَثَرَ (٤) نظمَ الكلام.
стр. 3923
والجملةُ الاعتراضية التَّأكيديَّة - أعني: وإنهم لكاذبون - تزيدها ضعفًا؛ لأنَّها مقرِّرة لنفي الولد عن أصله، مؤكِّدةٌ لذلك، فإذا وجَّهتها إلى هذه خرجت عن كونها مبيِّنة للإفك، وصارت كأنَّها مجوِّزةٌ للولادة المذكورة، مُطرقةٌ لصدقهم (١) لو قالوا بها، وكذا الالتفاتُ في قوله:
(١٥٤) - ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؛ أي: بما لا يرتضيه عقل يأباه (٢).
* * *
(١٥٥) - ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أنَّه منزَّهٌ عن ذلك.
وقرئ: (تَذْكُرون) (٣) مِن ذَكَرَ.
والأَولى أن يقال: إنَّ تلك القراءة على حذفِ حرف الاستفهام، لوضوح دلالة قرائنه، وشهادة مُعادله في قوله:
(١٥٦) - ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾.
﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾: حجَّةٌ نزلَتْ عليكم (٤) من السَّماء، أو مِن خبرٍ مِن
стр. 3924
نبيٍّ بأنَّ الملائكة بنات الله؛ أي: لا يجوِّزه عقلٌ، ولا نزل به نقلٌ، فإنَّ كلَّ شيءٍ مِن ذلك.
* * *
(١٥٧) - ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ الذي ينطق بذلك، كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥].
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم.
وهذه الآيات واردة على سخطٍ عظيمٍ، واستبعادٍ لأقاويلهم شديدٍ، وما الأساليب التي وردَتْ عليها والتَّراكيبُ التي انتظمَتْ بها إلَّا ناطقة بتسفيه أحلامِهم، وتجهيل نفوسِهم، واستركاكِ عقولهم، مع استهزاءٍ وتهكُّم وتعجيبٍ (١) مِن أن يُخْطِرَ مُخْطِرٌ مثلَ ذلك على باله (٢)، ويحدِّثَ به نفسًا، فضلًا أن يجعله معتقَدًا، ويتظاهر به مذهبًا.
* * *
(١٥٨) - ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾.
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ﴾؛ أي: بينَ اللهِ تعالى ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ يعني: الملائكة ﵈، ذكرَهم باسم الجنس وضعًا لهم، وتقصيرًا بهم أن يبلغوا حد المناسبة التي أثبتوها لهم - وإن كانوا في أنفسهم مكرَّمين معظَّمين - لاقتضاء المقام التَّحقير.
стр. 3925
﴿نَسَبًا﴾ وهو زعمُهم أنَّهم بناتُه تعالى، والمعنى: وجعلوا بما قالوا نسبةً بين الله تعالى وبينهم، وأثبتوا له بذلك جنسيَّةً جامعةً له وللملائكة.
والجِنَّةُ جنسٌ يشمل (١) كلَّ مَن يُجنُّ (٢) ولا يُؤْنَس، لكن مَن صفا ذاتُه وتنوَّر ونسكَ وطهرَ وكان خيرًا كان ملَكًا، ومَن (٣) تكدَّر جوهرُه وأظلمَ وخبث ومردَ وكان شرًّا كان شيطانًا.
وقيل: قالوا: إن الله تعالى صاهر الجنَّ.
وقيل: قالوا: إن الله تعالى والشَّيطان أخوان، فعلى هذا لا يتناول اللَّفظُ الملائكة.
﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾؛ أي (٤): الكفرةَ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ النَّار، ومُعذَّبون بما يقولون.
وإنَّما نسبَ العلم إلى الذين ادَّعوا لهم تلك النِّسبة وعظَّموهم (٥)، ووضع (محضرون) موضع (كاذبون)، للمبالغة في التَّكذيب؛ أي: إنَّ الذين فخَّموهم بهذا النَّسب وشرَّفوهم يعلمون أنَّهم في ذلك كاذبون، مفترون (٦) بما يقولون، فيعذَّبون به.
وقيل: إنْ فُسِّرَتِ ﴿الْجِنَّةُ﴾ بالشَّياطين جازَ أن يكون الضمير في ﴿إِنَّهُمْ﴾ لهم؛
стр. 3926
أي: ولقد علمَتِ الشَّياطين أنَّ الله تعالى يعذِّبهم ويحضرهم النَّار، ولو كانوا مناسبين له تعالى لَمَا عذَّبهم.
وفيه: أنَّ علم الشَّياطين بذلك غير معلومٍ لا بشهادة العقل ولا بشهادة النَّقل، على أنَّ نسبة العلم إليهم قليلة (١) الجدوى.
* * *
(١٥٩) - ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ مِن الولد والنَّسب.
* * *
(١٦٠) - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناءٌ منقطِع مِن ﴿الْمُحْضَرِينَ﴾؛ أي: ولكنَّ المخلَصين ناجون، أو من واو ﴿يَصِفُونَ﴾؛ أي: ولكنَّ المخلصين برآء من أن يصفوه به.
ولاستعظام ذنبهم أوقعَ التَّنزيه معترضًا بين الاستثناء والمستثنى منه.
* * *
(١٦١ - ١٦٢) - ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾.
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ عَودٌ إلى خطابهم ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ على الله تعالى ﴿بِفَاتِنِينَ﴾: مفسدين النَّاسَ بالإغواء، يُقالُ: فتنَ فلان على فلانٍ امرأتَه: إذ أفسدها عليه.
стр. 3927
و ﴿أَنْتُمْ﴾ ضمير لهم ولآلهتهم، غلِّبَ فيه المخاطَبُ على الغائب، والفاء في ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ للسَّببية من الاستثناء؛ أي: إذا كان المخلَصون برآءَ (١) من ذلك فلا تفتِنون أنتم وما تعبدون إلَّا مَن هو مِن أهل النَّار.
ويجوز أن تكون الواو بمعنى (مع)، و ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مسدَّ الخبر، كقولك: كلُّ رجل وضيعتُه، أي: فإنكم مع ما تعبدون، بمعنى: فإنكم قرناؤهم وأصحابهم (٢) لا تزالون تعبدونها، ثمَّ قال: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ما تعبدون ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ بباعثين، أو حاملين (٣) على طريق الفتنة والضَّلال إلَّا مَن هو ضالٌّ مثلُكم صالِ النَّار، فهو كلامٌ مبتدأٌ.
* * *
(١٦٣) - ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ بكسر اللَّام؛ أي: لستُم تضلُّون (٤) أحدًا إلَّا أصحابَ النَّار، الذين سبق في علمه تعالى أنَّهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يَصْلوها.
وقرئ: (صالُ) (٥) بضمِّ اللَّام (٦)، على الجمع والتقاء السَّاكنين، بمعنى: صالوا، محمولًا على معنى ﴿مَنْ﴾، والتَّوحيدُ في ﴿هُوَ﴾ على لفظه، أو على حذف لامه
стр. 3928
وإجراء الإعراب على عينه، كما حذفت من قولهم: ما باليْتُ به بالةً، وأصله: بالية مِن بالى، كعافية مِن عافى، أو على القلب حتى يصير: صائل، ثم يقال: صال، في صائل، كما يقال: شاكٍ، في شائك.
* * *
(١٦٤) - ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾.
﴿وَمَا مِنَّا﴾ أحدٌ ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أي: رتبةٌ معلومةٌ عندَ اللهِ تعالى معيَّنة لا يتجاوزها، وهو حكاية اعتراف الملائكة بالعبوديَّة، ردًّا على عَبَدتِهم، والوجه أن يكون هو وما قبله من قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ من كلامِهم متَّصلًا بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾، كأنَّه قال: ولقد علم الملائكة أنَّ المشركين معذَّبون بذلك، وقالوا: سبحان الله تنزيهًا، ثم استثنوا المخلصين تبرئةً لهم، ثم خاطبوا الكفرة بـ[أنَّ] الافتتان بذلك للشقاوة المقدَّرة، ثم اعترفوا بالعبوديَّة وتفاوُت مراتبهم فيه، لا يتجاوزونها (١).
وليس هذا من حذف الموصوف وإقامة الصِّفة مقامَه كما قيل؛ لأنَّ (أحد) المحذوف مبتدأ، و ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ خبرُه.
стр. 3929
(١٦٥) -) ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ أقدامَنا، أو (١) أجنحَتنا، في (٢) أداء الطَّاعة ومنازل الخدمة.
* * *
(١٦٦) -) ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: المنزِّهون ربَّنا عمَّا لا يليقُ بشأنه، والأوَّل إشارة إلى درجاتهم في الطَّاعة، وهذا في المعارف، وما في (إنَّ) (٣)، واللَّام، وتوسيطِ الفصل، وتعريفِ الخبر في جملتي آخرِ كلام الملائكة من التَّأكيد والاختصاص؛ لأنَّهم المواظبون على ذلك دائمًا مِن غيرِ فترةٍ دون غيرهم.
* * *
(١٦٧) - ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾.
﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (إنْ) هي المخفَّفة من الثَّقيلة، واللَّام هي الفارقة؛ أي: وإنهم كانوا يقولون؛ أي: مشركو (٤) قريش:
(١٦٨) - ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: كتابًا مِن كتبِ الأوَّلين.
стр. 3930
(١٦٩) - ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: لأخلصنا العبادةَ للهِ تعالى، ولَمَا كذَّبنا وخالفنا كما كذَّبوا وخالفوا.
* * *
(١٧٠) - ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾؛ أي: لَمَّا جاءهم الذِّكْرُ الذي هو أشرفُ الأذكار والكتابُ الذي هو معجِزٌ مِن بين الكتب كفروا به.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ كفرِهم إذا حلَّ بهم الانتقام.
* * *
(١٧١) - ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: حكمُنا، أو: وعدنا لهم بالنُّصرة (١) والغَلَبة، وهو قوله:
(١٧٢) - ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وهي باعتبار الغالب والمقتضي بالذَّات، لا باعتبار كلِّ مرَّة، وإنَّما سُمِّيَتْ (كلمةً) وهي كلماتٌ؛ لانتظامِها في معنًى واحد، فهي في حكم كلمةٍ واحدةٍ.
وقرئ: (كلماتنا) (٢)، وقرئ: (على عبادنا) (٣) على تضمين ﴿سَبَقَتْ﴾ معنى: حقَّتْ.
стр. 3931
(١٧٤) - ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: فأَعرِضْ عنهم، وأغضِ (١) على أذاهم.
﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إلى مُدَّةٍ يسيرةٍ هي الموعد لنصرهم (٢)، قيل: هو يوم بدرٍ، وقيل: هو يوم الفتح.
* * *
(١٧٥) - ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.
﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ على ما يصيبهم حينئذٍ مِن القتلِ والأسرِ، وفي مجيئه على صيغة الأمر تنبيهٌ على أنَّه كائنٌ لا محالةَ، قريبٌ كانه قدَّامك. وفيه تسلية له ﵇ وتنفيسٌ عنه.
﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: يبصرونك على ما ينالُك ممَّا قضينا لك من النُّصرة والغَلَبة. و (سوف) للتَّأكيد في الوعيد لا للتَّبعيد.
روي أنَّه لَمَّا نزلَ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالوا: متى هذا؟ فنزلَ:
(١٧٦ - ١٧٧) - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ﴾؛ أي: العذاب، وقرئ على البناء للمفعول مسندًا إلى الجارِّ والمجرور (٣)، كقولك: ذُهِبَ بزيدٍ، وقرئ: (نُزِّل) مشدَّدًا (٤).
стр. 3932
﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾: بفِنائِهم.
﴿فَسَاءَ﴾ وقرئ: (فبئس) (١).
﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾: المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ؛ أي: فساءَ صباحُ المنذرين صباحُهم.
واللَّام للجنس لاقتضاء فعل الذَّمِّ ذلك.
والصَّباحُ: الغارةُ، ولَمَّا كان عادةُ مغاويرهم أن يُغِيروا صباحًا سُمِّيَتِ الغارة به أيَّ وقتٍ وقعَتْ ولو عِشاءً.
شبَّهه (٢) بجيش هجم (٣) فأناخ بفنائهم بغتةً، فهو مِن باب التَّمثيل.
وقيل: هو نزولُ رسول الله ﷺ خيبرَ وكانوا خارجين إلى مزارِعِهم ومعهم المساحي، قالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم، فقال ﵇: "الله أكبر، خربت خيبر (٤)، إنا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ (٥) فساءَ صباحَ المنذرين" (٦).
* * *
(١٧٨) - ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.
стр. 3933
﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ في تكريرِه تأكيدٌ لوقوع الميعاد على تأكيدٍ، وتسلية بعدَ تسليةٍ.
وأُطلق الفعلان في الثَّاني بعد تقييد الفعل الأوَّل (١) بالمفعول؛ لزيادة المبالغة في عذابِهم كما بولغ في نصرته؛ أي: إنَّه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيطُ به الوصف من أنواع المسرَّة وأصناف المساءة، أو أريد بالأوَّل: عذابَ الدُّنيا، وبالثَّاني: عذابَ الآخرة.
* * *
(١٨٠) - ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عمَّا قال المشركون فيه، وإضافة الرَّبِّ إلى العزَّةِ لاختصاصِها به؛ إذ لا عزَّةَ إلَّا له، ولمَن يُعزُّه (٢).
وقد أدرجَ فيه جملةَ صفاته الثُّبوتيَّة والسَّلبيَّة مع الإشعار بالتَّوحيد.
* * *
(١٨١) - ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ تعميمٌ للرُّسل بالتَّسليم بعد (٣) تخصيص بعضهم به.
стр. 3934
(١٨٢) - ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على ما أفاضَ عليهم وعلى مَن تبِعَهم من النِّعَم وحُسن العاقبة (١)، ولذلك أخَّره عن التَّسليم.
ولَمَّا كانَ مدارُ الكلام في هذه السُّورة على مقالة المشركين في الله بنسبة الولد والشَّريك إليه تعالى، ومقالة الرُّسل معهم، ومقاساتهم إيَّاهم، وما مُنِحوا مِن التَّأييد والنُّصرة عليهم - ختمَها على وَفقِ ما ضُمِّنَتْ بالتَّنزيه عمَّا يصفونه، والتَّسليم على المرسلين (٢) بما تحمَّلوا مِن أعباء الرِّسالة وأذى المرسَل إليهم، والتَّحميد على ما أنعمَ به عليهم من النُّصرة في العواقب وإعزاز الدِّين وإعلاء كلمته (٣).
شيءٍ منهُ وأنباهُ عَن أنْ يَطأَه (١) الرَّاكِبَ بقَدمهِ، فإذا جَعلَها في الذُّلِّ بحَيثُ يَمشِي في مَناكِبها لم يَترُك شَيئًا مِنَ التَّذلِيلِ.
وحقُّ المَثلِ أنْ تَكونَ المُفرَداتُ عَلى حَالها فلا استِعارةَ في لَفظِ الَمناكبِ.
وقيل: استُعيرَ المَناكبُ للجِبالِ؛ قال الزجَّاجُ: معناه: سهَّلَ لكم السُّلوكَ في الجبالِ، فإذا أمكَنكُم السُّلوكُ فيها فهو أبلَغُ التَّذلِيلِ (٢).
وقِيلَ: استُعيرَ لجَوانِبها.
﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾: التَمِسوا مِن نِعمِ اللهِ تعالى، وتَخصِيصُ الأكلِ بالذِّكرِ؛ لكونه أهمَّ وأعمَّ.
﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾؛ أي: إليهِ تعالى خاصَّةً نُشورُكم، فهُو مُسائلُكم عن شُكرِ ما أنعَمَ به عليكم.
* * *
(١٦) - ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾.
﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: أمرُه وقَضاؤهُ وألُوهيَّتُه، كقَولهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] والهَمزةُ للإنكَارِ، وقُرئَ بقَلبِ الهَمزةِ الثَّانيةِ ألِفًا (٣).
﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ كما خَسفَها بقارونَ، وهو بدل من (مَن) التي في ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ بدل الاشتِمالِ (٤).
стр. 3952
والخَسفُ: أن تنهار (١) الأرض بالشَّيءِ، وتَعدِيتُهُ بنَفسِه.
و ﴿بِكُمُ﴾ حالٌ؛ أي: مَصحوبًا بكم.
﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ المَورُ: الاضطِرابُ في المَجيءِ والذَّهاب.
* * *
(١٧) - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾.
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ كما فَعلَ بقومِ لوطٍ. والحاصِبُ: الحِجارةُ التي يُرمَى بها.
﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾؛ أي: إذا رأيتم المُنذَرَ به عَلِمتُم كيف إنذاري حينَ لا يَنفعُكم العِلمُ به.
* * *
(١٨) - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾؛ أي: إنكارِي عليهم بإنزالِ العذابِ، وهو تَسليةٌ للرَّسولِ ﷺ ، وتَهديدٌ لقومه (٢).
* * *
١٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ الاعتِبارُ بالطَّيرِ ناسبَ المَقامَ، إذ قد تَقدَّمَ الحاصِبُ في
стр. 3953
الكَلامِ، وقد أهلَكَ اللهُ تعالى أصحابَ الفيلِ بالطَّيرِ والحاصب الَّذي رمتهم به، ففيه إذكارُ قُريشٍ بهذِهِ القِصةِ.
﴿فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾: باسِطاتٍ أجنِحتَهنَّ في الجوِّ عندَ الطَّيرانِ، فإنَّها إذا بَسطَتها صَففنَ قَوادِمها صفًّا (١)، والصفُّ: وَضعُ الأشياءِ المُتوالِيةِ على خطٍّ مُستقيمٍ.
﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: ويَضمُمنَها إذا ضَربنَ بها جُنوبَهنَّ، ولمَّا كان الحثُّ على الاستدلالِ على قُدرةِ اللهِ تعالى بالطَّيرانِ - والأصلُ فيهِ بَسطُ الأجنِحةِ، وأما القَبضُ فطارِئٌ للاستِظهارِ على التَّحريكِ للبَسطِ - لم يَقلْ: وقابِضاتٍ، ليدُلَّ عَلى أنَّ القُدرةَ على ما هو خِلافُ الطَّبعِ إنَّما هي في البَسطِ، وأمَّا القبضُ فيَطرأ وقتًا بَعدَ وقتٍ لاحتِياجِ البَسطِ إليهِ في التَّحرِيكِ، فإنَّ الطيرانَ في الهواءِ كالسِّباحةِ في الماءِ، فكما أنَّ الأصلَ في السِّباحة مدُّ الأطرَافِ والقَبضُ إنَّما يَكونُ تاراتٍ (٢) للاستِعانةِ عَلى البَسطِ، فكَذلكَ في الطَّيرانِ.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجوِّ على خلافِ الطَّبعِ، ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ الشَّاملُ الرَّحمةِ للكُلِّ بقُدرتهِ بما دبَّرَ لهنَّ مِن القَوادِمِ والخَوافي (٣)، وخصَّهنَّ بهيئاتٍ وأشكالٍ يَتهيَّأُ لها بها الجَريُ في الجوّ.
و ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ مُستأنفٌ، وإنْ جُعلَ حالًا من الضَّمير في ﴿يَقْبِضْنَ﴾ يجوزُ.
стр. 3954
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ يَعلمُ كيف يَخلُقُ ويُدبِّرُ ويُهيِّئُ لكلِّ شيءٍ ما (١) يُعدُّهُ لما خَلقَ له وأرَادَ منهُ.
* * *
(٢٠) - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾.
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ أم مَن يُشارُ إليهِ مِن المَجموعِ، ويُقالُ: هذا الذي هو جُندٌ لكُم ﴿يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ إنْ أرسَلَ عليكم عذابهُ؟
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي﴾ مُعادِلة لهَمزةِ الاستِفهامِ في ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، و (مَن) مُبتدأٌ ﴿هَذَا﴾ خبرُه، والمَوصولُ مع صِلتهِ صِفةُ ﴿هَذَا﴾ و ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ وصفُ ﴿جُنْدٌ﴾ مَحمولٌ على لفظهِ، والمعنَى: أولَم يَنظُروا إلى هذه الصَّنائعِ العجيبةِ فيَعلموا قدرَتنا على تَعذيبهم بخَسفٍ أو حاصبٍ، أم لكم جُندٌ يَنصرُكم مِن دُونِ اللهِ تعالى إنْ أرسَلَ عَذابهُ؟! وهو نحوُ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣] إلَّا أنَّه أُخرِجَ مَخرجَ الاستفهامِ عن تَعيينِ مَن يَنصُرُهم؛ إشعارًا بأنَّهم اعتَقدُوا هذا القِسمَ.
﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾؛ أي: ما هم إلَّا في غُرورٍ.
* * *
(٢١) - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾.
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ﴾ أم مَن يُشارُ إليهِ ويُقالُ: هذا الَّذِي يَرزُقُكم ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ تَقدِيرًا، وفيهِ إيذَانٌ بأنَّ ﴿هَذَا﴾ إشَارةٌ إلى جميعِ الأوثانِ لاعتَقادِهم أنَّهم يُحفَظُونَ مِن النَّوائبِ، ويُرزَقونَ ببرَكةِ آلهتهمْ، فكأنَّهم الجُندُ النَّاصرُ والرَّازقُ على اعتِقادِهم.
стр. 3955
والإمسَاكُ: اللُّزومُ المانِعُ عنِ السُّقوطِ.
فلمَّا لم يتَّعظُوا أضرَبَ عنهم فقال: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ اللَّجاجُ: تَقَحُّم الأمرِ مع كثرةِ الصَّارفِ عنه.
﴿فِي عُتُوٍّ﴾ العُتوُّ: هو الخُروجُ إلى فاحِشِ الفسادِ.
﴿وَنُفُورٍ﴾ النُّفورُ: النُّبوُّ مِن الشَّيءِ هَربًا عن الشُّعورِ بضَررهِ؛ أي: أصرُّوا على العِنادِ، وتَمادَوا في الشِّرادِ (١) عن الحقِّ النَّافعِ زاعِمينَ أنَّه باطِلٌ ضارٌّ.
* * *
(٢٢) - ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
ثُمَّ ضَربَ مَثلًا للكَافرِ والمُؤمنِ فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي﴾ المشي جنس الحركة المخصوصة، فإذا اشتد فهو سعي، فإذا ازداد فهو عَدْو، والنقلة أعم من المشي لتحقُّقها بدونه فيمَن زحف ودبَّ، والحركة أعم من النقلة لوجودها بدونها فيما يدور في مكانه.
﴿مُكِبًّا﴾ أكَبَّ: صار ذا كَبٍّ، ودخل في الكَبِّ، وهو السقوط في الهوَّة، ونحوه: أَقْشَعَ السحابُ: دخل في القَشْع، وهما من باب أَنْفَض وألام (٢)، لا من باب المطاوعة كما توهِّم، فإن مطاوع كبَّ وقَشَعَ: انكبَّ وانقشع. ولم يجئ من باب أفعل مطاوع.
стр. 3956
﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: عاثرًا كلَّ ساعةٍ يخرُّ على وجهه؛ لوعورة الطريق، واختلاف أجزائه في الارتفاع والانخفاض؛ ولذلك قابله بقوله: ﴿سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، واكتفى بما في الكبِّ من الدلالة على حال المسلك، إشعارًا بأن ما عليه المشرك لا يستأهل أن يسمى طريقًا.
وخبر (مَن): ﴿أَهْدَى﴾؛ أي: أرشدُ.
﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾؛ أي: قائمًا سالمًا من العثور ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾؛ أي: على طريقٍ لا الْتِواءَ فيه ولا اعوجاج.
﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: لا ميلَ فيه أصلًا، فينتفِي به (١) الصُّعود والهبوط والعدول عن قصد السبيل، وقد مَرَّ التَفصِيلُ في تفسيرِ سورةِ الفاتحةِ.
وخَبرُ (مَن) مَحذُوفٌ لدِلالةِ ﴿أَهْدَى﴾ عليه.
وقيل: المُكبُّ: الذي يُحشرُ على وجههِ إلى النَّارِ؛ لأنَّهُ كان مُكبًّا عَلى المَعاصي، والسَّوِيُّ: الذي يَمشي على قَدمَيهِ إلى الجنَّة؛ لأنَّه كانَ على طريقِ التَّوحيدِ والإسلامِ.
* * *
(٢٣) - ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لتَسمَعوا المَواعظَ، ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ لتَنظُروا صَنائعهُ، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتُفكِّروا وتَعتَبرُوا.
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ هذهِ النِّعمَ، والمَعنى: تَشكُرونَ شُكرًا قَلِيلًا، و ﴿مَا﴾ زائِدةٌ، ويُحتَملُ أنْ تكُونَ القلةُ عِبارةً عَنِ العَدمِ.