← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

آياتٍ، وجعله ممَّا تكاد السَّماوات يتفطرْنَ منه، وتنشقُّ الأرضُ، وتخرُّ الجبال هدًّا. وخصَّ الإنكار هنا بأمرَيْنِ، هما (١) أقربُ إلى فهم العامَّة وأفظع عندهم بمقتضى العادة: التَّقسيم المذكور، وتأنيث الملائكة، حيث جعل المعادل للاستفهام: (١٥٠) - ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾. ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ وإنَّما خصَّ عِلْم المشاهدة؛ لأنَّ الأنوثة ليست من لوازم ذواتهم حتى يمكنَ للعقل طريق إلى معرفة ذلك، ولم يَنزل به كتاب، فلا طريق إلى علم أمثال ذلك إلَّا بالمشاهدة، مع ما فيه من الاستهزاء بهم والتَّسفيه لرأيهم، حيث يبتُّون به القول كأنَّهم شاهدوا خلقَهم. والتَّخصيص بتقديم الظَّرف في ﴿أَلِرَبِّكَ﴾ و ﴿وَلَهُمُ﴾، وإيلاؤه حرف الإنكار؛ لزيادة التَّشنيع وتفظيع قولهم. (١٥١) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ الإفكُ: الكلامُ المصروف مِن الحقِّ إلى الباطل، والولدُ فَعَلٌ بمعنى المفعول، يقع على الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث.

стр. 3922

بالَغَ في الإنكار بـ (ألَا) و (إنَّ) واللَّام وتقديمِ ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ﴾؛ لظهور استحالته، ووضوح حجَّة التَّوحيد. * * * (١٥٣) - ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾. ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ استفهامُ إنكارٍ واستبعادٍ. والاصطفاءُ: أخذُ صفوةِ الشَّيء. وقرئ بكسر الهمزة (١)، وجوِّز أن يكون على الإخبار بإضمار القول، متعلِّقًا بقوله: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾؛ أي: لكاذبون في قولهم: اِصطفى البنات، أو إبدالِهِ من قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ على أنَّه مِن كلام الكفرة، وبدون ذلك تلك القراءة ضعيفة جدًّا؛ لكون هذه الجملة مكتنَفةٌ بالإنكار من جانبيها (٢)، واقتضاءِ المقام اختصاصَها بزيادة الإنكار؛ لأنَّه بالغَ في إنكار الولادة، فاقتضى الحال أن يقول: خصوصًا الإناث، فمَن جعلها للإثبات أوقعها دخيلةً بين نسيبين (٣)، ونَثَرَ (٤) نظمَ الكلام.

стр. 3923

والجملةُ الاعتراضية التَّأكيديَّة - أعني: وإنهم لكاذبون - تزيدها ضعفًا؛ لأنَّها مقرِّرة لنفي الولد عن أصله، مؤكِّدةٌ لذلك، فإذا وجَّهتها إلى هذه خرجت عن كونها مبيِّنة للإفك، وصارت كأنَّها مجوِّزةٌ للولادة المذكورة، مُطرقةٌ لصدقهم (١) لو قالوا بها، وكذا الالتفاتُ في قوله: (١٥٤) - ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؛ أي: بما لا يرتضيه عقل يأباه (٢). * * * (١٥٥) - ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أنَّه منزَّهٌ عن ذلك. وقرئ: (تَذْكُرون) (٣) مِن ذَكَرَ. والأَولى أن يقال: إنَّ تلك القراءة على حذفِ حرف الاستفهام، لوضوح دلالة قرائنه، وشهادة مُعادله في قوله: (١٥٦) - ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾: حجَّةٌ نزلَتْ عليكم (٤) من السَّماء، أو مِن خبرٍ مِن

стр. 3924

نبيٍّ بأنَّ الملائكة بنات الله؛ أي: لا يجوِّزه عقلٌ، ولا نزل به نقلٌ، فإنَّ كلَّ شيءٍ مِن ذلك. * * * (١٥٧) - ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ الذي ينطق بذلك، كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥]. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم. وهذه الآيات واردة على سخطٍ عظيمٍ، واستبعادٍ لأقاويلهم شديدٍ، وما الأساليب التي وردَتْ عليها والتَّراكيبُ التي انتظمَتْ بها إلَّا ناطقة بتسفيه أحلامِهم، وتجهيل نفوسِهم، واستركاكِ عقولهم، مع استهزاءٍ وتهكُّم وتعجيبٍ (١) مِن أن يُخْطِرَ مُخْطِرٌ مثلَ ذلك على باله (٢)، ويحدِّثَ به نفسًا، فضلًا أن يجعله معتقَدًا، ويتظاهر به مذهبًا. * * * (١٥٨) - ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ﴾؛ أي: بينَ اللهِ تعالى ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ يعني: الملائكة ﵈، ذكرَهم باسم الجنس وضعًا لهم، وتقصيرًا بهم أن يبلغوا حد المناسبة التي أثبتوها لهم - وإن كانوا في أنفسهم مكرَّمين معظَّمين - لاقتضاء المقام التَّحقير.

стр. 3925

﴿نَسَبًا﴾ وهو زعمُهم أنَّهم بناتُه تعالى، والمعنى: وجعلوا بما قالوا نسبةً بين الله تعالى وبينهم، وأثبتوا له بذلك جنسيَّةً جامعةً له وللملائكة. والجِنَّةُ جنسٌ يشمل (١) كلَّ مَن يُجنُّ (٢) ولا يُؤْنَس، لكن مَن صفا ذاتُه وتنوَّر ونسكَ وطهرَ وكان خيرًا كان ملَكًا، ومَن (٣) تكدَّر جوهرُه وأظلمَ وخبث ومردَ وكان شرًّا كان شيطانًا. وقيل: قالوا: إن الله تعالى صاهر الجنَّ. وقيل: قالوا: إن الله تعالى والشَّيطان أخوان، فعلى هذا لا يتناول اللَّفظُ الملائكة. ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾؛ أي (٤): الكفرةَ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ النَّار، ومُعذَّبون بما يقولون. وإنَّما نسبَ العلم إلى الذين ادَّعوا لهم تلك النِّسبة وعظَّموهم (٥)، ووضع (محضرون) موضع (كاذبون)، للمبالغة في التَّكذيب؛ أي: إنَّ الذين فخَّموهم بهذا النَّسب وشرَّفوهم يعلمون أنَّهم في ذلك كاذبون، مفترون (٦) بما يقولون، فيعذَّبون به. وقيل: إنْ فُسِّرَتِ ﴿الْجِنَّةُ﴾ بالشَّياطين جازَ أن يكون الضمير في ﴿إِنَّهُمْ﴾ لهم؛

стр. 3926

أي: ولقد علمَتِ الشَّياطين أنَّ الله تعالى يعذِّبهم ويحضرهم النَّار، ولو كانوا مناسبين له تعالى لَمَا عذَّبهم. وفيه: أنَّ علم الشَّياطين بذلك غير معلومٍ لا بشهادة العقل ولا بشهادة النَّقل، على أنَّ نسبة العلم إليهم قليلة (١) الجدوى. * * * (١٥٩) - ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ مِن الولد والنَّسب. * * * (١٦٠) - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناءٌ منقطِع مِن ﴿الْمُحْضَرِينَ﴾؛ أي: ولكنَّ المخلَصين ناجون، أو من واو ﴿يَصِفُونَ﴾؛ أي: ولكنَّ المخلصين برآء من أن يصفوه به. ولاستعظام ذنبهم أوقعَ التَّنزيه معترضًا بين الاستثناء والمستثنى منه. * * * (١٦١ - ١٦٢) - ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾. ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ عَودٌ إلى خطابهم ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ على الله تعالى ﴿بِفَاتِنِينَ﴾: مفسدين النَّاسَ بالإغواء، يُقالُ: فتنَ فلان على فلانٍ امرأتَه: إذ أفسدها عليه.

стр. 3927

و ﴿أَنْتُمْ﴾ ضمير لهم ولآلهتهم، غلِّبَ فيه المخاطَبُ على الغائب، والفاء في ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ للسَّببية من الاستثناء؛ أي: إذا كان المخلَصون برآءَ (١) من ذلك فلا تفتِنون أنتم وما تعبدون إلَّا مَن هو مِن أهل النَّار. ويجوز أن تكون الواو بمعنى (مع)، و ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مسدَّ الخبر، كقولك: كلُّ رجل وضيعتُه، أي: فإنكم مع ما تعبدون، بمعنى: فإنكم قرناؤهم وأصحابهم (٢) لا تزالون تعبدونها، ثمَّ قال: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ما تعبدون ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ بباعثين، أو حاملين (٣) على طريق الفتنة والضَّلال إلَّا مَن هو ضالٌّ مثلُكم صالِ النَّار، فهو كلامٌ مبتدأٌ. * * * (١٦٣) - ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾. ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ بكسر اللَّام؛ أي: لستُم تضلُّون (٤) أحدًا إلَّا أصحابَ النَّار، الذين سبق في علمه تعالى أنَّهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يَصْلوها. وقرئ: (صالُ) (٥) بضمِّ اللَّام (٦)، على الجمع والتقاء السَّاكنين، بمعنى: صالوا، محمولًا على معنى ﴿مَنْ﴾، والتَّوحيدُ في ﴿هُوَ﴾ على لفظه، أو على حذف لامه

стр. 3928

وإجراء الإعراب على عينه، كما حذفت من قولهم: ما باليْتُ به بالةً، وأصله: بالية مِن بالى، كعافية مِن عافى، أو على القلب حتى يصير: صائل، ثم يقال: صال، في صائل، كما يقال: شاكٍ، في شائك. * * * (١٦٤) - ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. ﴿وَمَا مِنَّا﴾ أحدٌ ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أي: رتبةٌ معلومةٌ عندَ اللهِ تعالى معيَّنة لا يتجاوزها، وهو حكاية اعتراف الملائكة بالعبوديَّة، ردًّا على عَبَدتِهم، والوجه أن يكون هو وما قبله من قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ من كلامِهم متَّصلًا بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾، كأنَّه قال: ولقد علم الملائكة أنَّ المشركين معذَّبون بذلك، وقالوا: سبحان الله تنزيهًا، ثم استثنوا المخلصين تبرئةً لهم، ثم خاطبوا الكفرة بـ[أنَّ] الافتتان بذلك للشقاوة المقدَّرة، ثم اعترفوا بالعبوديَّة وتفاوُت مراتبهم فيه، لا يتجاوزونها (١). وليس هذا من حذف الموصوف وإقامة الصِّفة مقامَه كما قيل؛ لأنَّ (أحد) المحذوف مبتدأ، و ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ خبرُه.

стр. 3929

(١٦٥) -) ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ أقدامَنا، أو (١) أجنحَتنا، في (٢) أداء الطَّاعة ومنازل الخدمة. * * * (١٦٦) -) ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: المنزِّهون ربَّنا عمَّا لا يليقُ بشأنه، والأوَّل إشارة إلى درجاتهم في الطَّاعة، وهذا في المعارف، وما في (إنَّ) (٣)، واللَّام، وتوسيطِ الفصل، وتعريفِ الخبر في جملتي آخرِ كلام الملائكة من التَّأكيد والاختصاص؛ لأنَّهم المواظبون على ذلك دائمًا مِن غيرِ فترةٍ دون غيرهم. * * * (١٦٧) - ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾. ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (إنْ) هي المخفَّفة من الثَّقيلة، واللَّام هي الفارقة؛ أي: وإنهم كانوا يقولون؛ أي: مشركو (٤) قريش: (١٦٨) - ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: كتابًا مِن كتبِ الأوَّلين.

стр. 3930

(١٦٩) - ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: لأخلصنا العبادةَ للهِ تعالى، ولَمَا كذَّبنا وخالفنا كما كذَّبوا وخالفوا. * * * (١٧٠) - ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾؛ أي: لَمَّا جاءهم الذِّكْرُ الذي هو أشرفُ الأذكار والكتابُ الذي هو معجِزٌ مِن بين الكتب كفروا به. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ كفرِهم إذا حلَّ بهم الانتقام. * * * (١٧١) - ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: حكمُنا، أو: وعدنا لهم بالنُّصرة (١) والغَلَبة، وهو قوله: (١٧٢) - ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وهي باعتبار الغالب والمقتضي بالذَّات، لا باعتبار كلِّ مرَّة، وإنَّما سُمِّيَتْ (كلمةً) وهي كلماتٌ؛ لانتظامِها في معنًى واحد، فهي في حكم كلمةٍ واحدةٍ. وقرئ: (كلماتنا) (٢)، وقرئ: (على عبادنا) (٣) على تضمين ﴿سَبَقَتْ﴾ معنى: حقَّتْ.

стр. 3931

(١٧٤) - ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: فأَعرِضْ عنهم، وأغضِ (١) على أذاهم. ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إلى مُدَّةٍ يسيرةٍ هي الموعد لنصرهم (٢)، قيل: هو يوم بدرٍ، وقيل: هو يوم الفتح. * * * (١٧٥) - ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ على ما يصيبهم حينئذٍ مِن القتلِ والأسرِ، وفي مجيئه على صيغة الأمر تنبيهٌ على أنَّه كائنٌ لا محالةَ، قريبٌ كانه قدَّامك. وفيه تسلية له ﵇ وتنفيسٌ عنه. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: يبصرونك على ما ينالُك ممَّا قضينا لك من النُّصرة والغَلَبة. و (سوف) للتَّأكيد في الوعيد لا للتَّبعيد. روي أنَّه لَمَّا نزلَ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالوا: متى هذا؟ فنزلَ: (١٧٦ - ١٧٧) - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾. ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ﴾؛ أي: العذاب، وقرئ على البناء للمفعول مسندًا إلى الجارِّ والمجرور (٣)، كقولك: ذُهِبَ بزيدٍ، وقرئ: (نُزِّل) مشدَّدًا (٤).

стр. 3932

﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾: بفِنائِهم. ﴿فَسَاءَ﴾ وقرئ: (فبئس) (١). ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾: المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ؛ أي: فساءَ صباحُ المنذرين صباحُهم. واللَّام للجنس لاقتضاء فعل الذَّمِّ ذلك. والصَّباحُ: الغارةُ، ولَمَّا كان عادةُ مغاويرهم أن يُغِيروا صباحًا سُمِّيَتِ الغارة به أيَّ وقتٍ وقعَتْ ولو عِشاءً. شبَّهه (٢) بجيش هجم (٣) فأناخ بفنائهم بغتةً، فهو مِن باب التَّمثيل. وقيل: هو نزولُ رسول الله ﷺ خيبرَ وكانوا خارجين إلى مزارِعِهم ومعهم المساحي، قالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم، فقال ﵇: "الله أكبر، خربت خيبر (٤)، إنا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ (٥) فساءَ صباحَ المنذرين" (٦). * * * (١٧٨) - ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.

стр. 3933

﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ في تكريرِه تأكيدٌ لوقوع الميعاد على تأكيدٍ، وتسلية بعدَ تسليةٍ. وأُطلق الفعلان في الثَّاني بعد تقييد الفعل الأوَّل (١) بالمفعول؛ لزيادة المبالغة في عذابِهم كما بولغ في نصرته؛ أي: إنَّه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيطُ به الوصف من أنواع المسرَّة وأصناف المساءة، أو أريد بالأوَّل: عذابَ الدُّنيا، وبالثَّاني: عذابَ الآخرة. * * * (١٨٠) - ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عمَّا قال المشركون فيه، وإضافة الرَّبِّ إلى العزَّةِ لاختصاصِها به؛ إذ لا عزَّةَ إلَّا له، ولمَن يُعزُّه (٢). وقد أدرجَ فيه جملةَ صفاته الثُّبوتيَّة والسَّلبيَّة مع الإشعار بالتَّوحيد. * * * (١٨١) - ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ تعميمٌ للرُّسل بالتَّسليم بعد (٣) تخصيص بعضهم به.

стр. 3934

(١٨٢) - ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على ما أفاضَ عليهم وعلى مَن تبِعَهم من النِّعَم وحُسن العاقبة (١)، ولذلك أخَّره عن التَّسليم. ولَمَّا كانَ مدارُ الكلام في هذه السُّورة على مقالة المشركين في الله بنسبة الولد والشَّريك إليه تعالى، ومقالة الرُّسل معهم، ومقاساتهم إيَّاهم، وما مُنِحوا مِن التَّأييد والنُّصرة عليهم - ختمَها على وَفقِ ما ضُمِّنَتْ بالتَّنزيه عمَّا يصفونه، والتَّسليم على المرسلين (٢) بما تحمَّلوا مِن أعباء الرِّسالة وأذى المرسَل إليهم، والتَّحميد على ما أنعمَ به عليهم من النُّصرة في العواقب وإعزاز الدِّين وإعلاء كلمته (٣).

стр. 3935

سُورَةُ المُلْكِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿تَبَارَكَ﴾: تعالى عمَّا تُدرِكهُ الحَواسُّ (١) والأوهامُ، وتَعاظمَ عمَّا يُحيطُ به القياسُ والأفهام. ﴿الَّذِي بِيَدِهِ﴾؛ أي: بقَبضةِ قُدرتهِ (٢) ﴿الْمُلْكُ﴾ يتصرَّفُ فيه كيف يشاءُ، والمُلكُ عَالمُ الأجسامِ، كما أنَّ المَلكوتَ عَالمُ الأروَاحِ (٣)، فلذَلكَ وَصفَ ذاتهُ تعالى باعتبارِ تَصريفهِ عالمَ المُلكِ وتَدبيرِهِ إيَّاهُ بحَسبِ مَشيئتِهِ بالتَّبارُكِ الَّذِي هُو غَايةُ العَظمةِ

стр. 3936

في إفاضةِ (١) الخَيرِ والبركةِ والزِّيادةِ فيها، وباعتبارِ تَخيره عالمَ المَلكوتِ بمُقتضى إرادتهِ بالتَّسبيحِ الذي هو كونه تعالى مُنزَّهًا عن مُشابهةِ الأجسامِ، حَيثُ قالَ تَعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣]، وأورَدَ كلًّا بما يُناسِبهُ؛ لأنَّ الزيادةَ والبَكةَ تُناسبُ الأجسامَ في نُموِّها وازديادِها، والتَّنزُّهَ يُناسِبُ المجرَّداتِ عن المادَّةِ. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سواءٌ كان ذلكَ الشيءُ مِن عالم المُلكِ أو مِن عالمِ المَلكوتِ، ففيه دَفعُ ما عسى أنْ يَسبقَ إلى الوَهمِ - مِن تخصيصِ المُلكِ بالذِّكرِ - اختصاصُ الحُكمِ السَّابقِ به. * * * (٢) - ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. ﴿الَّذِي﴾ بدلٌ مِن الذي قبله، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ. ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ الخَلقُ بمعنَى الإيجادِ إنْ كان المَوتُ ضدَّ الحياةِ، وبمعنَى التَّقديرِ إن كان عَدمَها، وإنَّما قُدِّمَ المَوتُ عليها لأنَّه أدعَى إلى حُسنِ العملِ، فذِكرُه في المقامِ أهمُّ (٢)، وأمَّا قولهُ تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فالموتُ فيه على المعنى المَجازيِّ. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليُعاملكم مُعاملةَ المُختَبِر، مِن البَلوَى وهي الخِبرةُ (٣). ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ في الدُّنيا بالزُّهد في أُمورها والرغبةِ عنها، وكما أنَّ الاختبارَ في

стр. 3937

قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] غيرُ مخصوصٍ بالمكلَّفينَ بالشَّرائعِ (١) كذلك هاهنا غيرُ مخصوصٍ بهم. جملة (٢) واقعةٌ مَوقعَ المفعولِ الثَّاني لفِعلِ البَلوى مِن حيث إنَّه تَضمَّنَ معنى العِلمِ، فليس هذا مِن باب التَّعليقِ (٣) لأنَّ الجُملةَ المعلَّقَ عنها يَجبُ أنْ تقعَ مَوقعَ المفعولَينِ معًا (٤).

стр. 3938

ولمَّا قَدمَ الموتَ الذي هو أثرُ صفةِ القَهرِ على الحياةِ التي هي أثرُ صفةِ اللُّطفِ، قدَّمَ صفةَ القَهرِ على صِفةِ اللُّطفِ في قَولهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الغالبُ الذي لا يُعجِزهُ مَن أساءَ العملَ ﴿الْغَفُورُ﴾ الستَّارُ الذي لا يَيأسُ منه أهلُ الإساءَةِ والزَّلل. * * * (٣) - ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾: مُطابَقةً بَعضُها (١) فَوقَ بَعضٍ، مِن طابقَ النَّعلَ: إذا

стр. 3939

خَصفَها (١) طَبقًا على طَبقٍ، أو جَمعُ طَبقٍ كجَملٍ وجِمالٍ، أو طَبقةٍ كثَمرةٍ وثمارٍ (٢). صفة إنْ كان جمعًا، أو وصف بالمصدرِ، أو على: ذاتَ طِباقٍ، أو: طُوبِقتْ طباقًا (٣). والخطابُ في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ لكلِّ أحدٍ؛ للتعجُّبِ العامِّ من التَّناسُب التامِّ في خَلقِهنَّ. ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾: مِن اختلافٍ في الخِلقةِ، وقُرئَ: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (٤) ومعنَى البِنائين واحدٌ؛ كالتَّعاهُدِ والتَّعهُّدِ، وحقيقةُ التَّفاوُتِ: عَدمُ التَّناسُبِ، كأنَّ بعضَ الشَّيء يَفوتُ بعضًا ولا يُلائِمهُ (٥). وقوله تعالى: ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ مِن بابِ وَضعِ الكُبرى موضعَ النَّتيجةِ إثباتًا للحُكمِ بعلَّتهِ، وذلك أنَّ أصلَ الكلام: ما تَرى فيهنَّ من تفاوتٍ؛ لأنَّهُ مِن خَلقِ اللهِ تعالى، وما تَرى في خَلقهِ مِن تَفاوتٍ، وفي إضافتهِ إلى ﴿الرَّحْمَنِ﴾ إشعارٌ بأنَّ ذلك

стр. 3940

التَّناسُبَ أثرُ الرَّحمة لأنَّه مَدارُ نظامِ العالمِ، والجملةُ صِفةٌ ثَانيةٌ للسبعِ (١). ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ مُتعلِّق بما قبلهُ على معنى التَّسبُّبِ (٢)؛ أي: إن أردتَ أنْ تَتحقَّقَ ما أخبرتُكَ به (٣) فارجع البصرَ ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾: صُدوعٍ وشُقوقٍ، جمعُ فَطرٍ وهُو الشَّقُّ، والمُرادُ: الخَللُ. * * * (٤) - ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ معنى التَّراخي في ﴿ثُمَّ﴾: هو أنْ يَتوقَّفَ بَعدَ كلالِ البصرِ بكثرة المُراجعةِ، حتَّى يُجِمَّ (٤) بَصرهُ، ثُمَّ يُعادَ ويُعادَ فلا يَنقلِبَ إلَيهِ إلَّا بالبُعدِ عنِ المَطلُوبِ، والكَلال، ولا يَعثرُ (٥) عَلى شَيءٍ مِن التَّفاوُتِ والفُطورِ. والمُرادُ بالتَّثنيةِ في ﴿كَرَّتَيْنِ﴾: التَّكريرُ والتَّكثيرُ؛ كما في قولهم: لبَّيكَ وسَعدَيكَ (٦)؛ ولذَلكَ أجَابَ الأمرَ بقَولهِ:

стр. 3941

يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾: بَعيدًا عمَّا طَلبتَ (١)، كأنَّه طُردَ عنه بالصَّغارِ. ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾: كَليلٌ مِن كَثرةِ المُراجَعةِ وطُولِ المُعاودةِ (٢). * * * (٥) - ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾. ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾: القُربى مِنكُم (٣). وفي هَذا التَّوصيفِ دِلالةٌ عَلى أنَّ الزِّينةَ في الواقِعِ لا في الرُّؤيةِ، إذ لا تَمايزَ بَين دُنياها وعُلياها في النَّظرِ (٤). ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ استُعيرَتْ للكَواكبِ المُضيئةِ باللَّيلِ، والتَّنكِيرُ (٥) للتَّنوِيعِ؛ .....

стр. 3942

أي: بمَصابيحَ لَيستْ مِن جِنسِ مَصابِيحكُمْ (١). ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا﴾: جمعُ رَجمٍ بالفتحِ، وهو مصدرٌ سمِّيَ به ما يُرجَمُ. ﴿لِلشَّيَاطِينِ﴾؛ أي: ضَمَمْنا إلى التَّزيين فائِدةً أُخرى جليلةً هي رجمُ الشَّياطين التي تَسترِقُ السَّمعَ بالشُّهبِ المُنقضَّةِ، وقد عيَّنَ هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]، والقُرآنُ يفسِّرُ بَعضهُ بَعضًا سيَّما (٢) في حُكمٍ واحِدٍ، فلا وَجهَ (٣) لِمَا قِيلَ: مَعناهُ: وجَعلناها ظُنونًا لشَياطِينِ الإنسِ، وهُم المُنجِّمونَ (٤). وفيهِ دِلالةٌ عَلى أنَّ الكَواكبَ الَّتِي استُعيرَ (٥) لها المَصابِيحُ في السَّماءِ الدُّنيا؛ لأنَّ انقضاضَ الشُّهب لا يُتصوَّرُ مِن سائر السَّماوات، وقد مرَّ في تفسيرِ سورة الأنبياء أنَّ تحتَ السَّماء فَلكًا هو موجٌ مكفوفٌ فيه الكواكبُ كلُّها. وعن كعب: أنَّ السَّماءَ الدُّنيا مَوجٌ مَكفوفٌ (٦).

стр. 3943

﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة، بعدَ الإحراقِ بالشُّهب في الدُّنيا، والسَّعيرُ: أشدُّ الحريقُ. * * * (٦) - ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ (١) مَنَ الثَّقلَين ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾، وقُرئَ بالنَّصبِ (٢) عَلى أنَّ ﴿لِلَّذِينَ﴾ عَطفٌ عَلى ﴿لَهُمْ﴾، و (عذابَ جهنَّمَ) على ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: المَرجعُ. * * * (٧) - ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾: طُرِحُوا في جهنَّمَ كما يُطرحُ الحَطبُ في النَّارِ العَظيمةِ.

стр. 3944

﴿سَمِعُوا لَهَا﴾: لجَهنَّمَ ﴿شَهِيقًا﴾: صَوتًا مُنكَرًا كصَوتِ الحِمارِ، شبَّهَ حسيسَها الفَظيعَ بالشَّهيقِ (١). قالَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنهُما: الشَّهيقُ لجَهنمَ عِندَ إلقَاءِ الكفَّارِ فيها تَشهقُ إلَيهم شَهقةَ البَغلةِ للشَّعيرِ، ثُمَّ تَزفِرُ زَفرةً لا يَبقى أحدٌ إلا خافُ (٢). وأمَّا الزَّفيرُ والشَّهيقُ للكفَّارِ المَذكُورانِ في قَولهِ تَعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] فذَلكَ بَعدَ القَرارِ في النَّارِ، وبَعدَ مَا قِيلَ لهُم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فصَاروا لا يَتكلَّمونَ، ولمْ يَبقَ لهُم إلَّا أصْواتٌ مُنكَرةٌ، ولا حُروفَ مَعها. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تَرتفِعُ بهم بالغَليانِ، فإنَّ الفَورَ ارتفاعُ الشَّيءِ بالغَليانِ، لا الغَليانُ نَفسهُ، ومنهُ: الفوَّارةُ؛ لارتفاعِها بالماءِ ارتَفاعَ الغَليانِ.

стр. 3945

(٨) - ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ ﴿تَمَيَّزُ﴾ (١)؛ أي: تَتقطَّعُ وتَتفرَّقُ. ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ (٢) عَلى الكفَّارِ، تَمثيلٌ لشدَّةِ اشتِعالها بهم، ويجوزُ أنْ يُرادَ (٣) غَيظُ الزَّبانِيةِ، وأُسندَ إليها للمُلابسةِ. والغَيظ: الغَضب الكامِن، ولا يَلزمُ أن يَكونَ مِن العَجزِ كما تَوهَّمهُ الجَوهرِيُّ؛ لقَولهِ تَعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (٤)، فإنَّهُ في مَقامِ المَدحِ، والعاجِزُ بمَعزِلٍ عَنهُ. ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ مِن الكفَّار المُكذِّبين للرُّسل بدِلالةِ قوله: ﴿فَكَذَّبْنَا﴾، ولا حجَّةَ فيها للمُرجِئةِ على أنَّهُ لا يَدخُلُ النَّارَ أحدٌ إلَّا الكفَّارُ؛ لأنَّه بيَّنَ حالَ الدَّاخلينَ فيها زُمرًا وسَكتَ عن حال الدَّاخِلينَ فيها فُرادَى، فيَجوزُ أنْ يَكونَ عُصاةُ المُؤمِنين دخولهُم فيها فُرادَى. ﴿سَأَلَهُمْ﴾ (٥)؛ ............

стр. 3946

أي: قالَ لهُم، عَلى ما صرِّحَ بهِ في سُورةِ الزُّمرِ (١)، وفي التَّعبِيرِ عنهُ بالسُّؤالِ غيرَ مُوفٍّ (٢) حقَّهُ بالتَّعدِيةِ إلى مَفعُولهِ الثَّاني بـ (عن) تَنبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيسَ بسُؤالٍ حَقيقةً بلْ تَقرِيعٌ وتَوبِيخٌ في صورةِ السُّؤالِ. ﴿خَزَنَتُهَا﴾: حَفظةُ جَهنَّمَ - وهُم المَلائكةُ المُوكَّلونَ بتعذِيبِ أهلِها - توبيخًا لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ رسولٌ مِن جِنسكُمْ يخوِّفكم مِن هذا العذابِ. وحَملُ النَّذيرِ على ما في العُقولِ مِن الأدلَّةِ المُحذِّرةِ المُخوِّفةِ يَردُّهُ قَولهُ تَعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر: ٧١]. * * * (٩) - ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾. ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ اعتِرافٌ مِنهم بأنَّ اللهَ تَعالى أزاحَ عِللَهمْ بإرسالِ الرَّسولِ. وحملُ النَّذير عَلى معنَى الجَمعِ لمُساعدةِ الصِّيغةِ لهُ لا يَتحمَّلهُ المَقامُ، لأنَّ مَعنَى ﴿فَكَذَّبْنَا﴾: فكذَّبَ كلُّ واحدٍ منَّا النَّذيرَ الذي جاءنا، وكلُّ واحدٍ منهم لم يُكذِّب رُسلًا مُتعدِّدةً جاؤوهم، كيفَ وقومُ نوحٍ ما جاءهم إلَّا نوح ﵊.

стр. 3947

﴿وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: فكذَّبنا وأفرَطنا في التَّكذِيبِ حتَّى نَفينا الإنزالَ والإرسالَ رأسًا، وعلى وفقِ هذا وَردَ ما (١) في حَذفِ المَفعولِ من الإيماء إلى أنَّ تَكذِيبهُم لم يَكُن لرسولهمْ (٢) خاصَّةً، فقَولُهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ خِطابٌ لرَسُولهم ولأمثالهِ عَلى التَّغليبِ، أو إقامةِ تكذِيبِ الواحدِ مَقامَ تكذيبِ الكلِّ. أشَارَ أوَّلًا إلى عُمومِ تكذِيبهم للرُّسلِ وبَعدَ ما صرَّحوا بما يَقتضِي ذلكَ أخرَجوا ما في حيِّزِ الإشارةِ إلى مَعرضِ العبارةِ. ويُجوزُ أنْ يَكونَ مِن كَلامِ الخَزَنةِ عَلى إرادةِ القولِ، والمُرادُ بالضَّلالِ: الهلاكُ، أو الضَّلالُ في الدُّنيا حِكايةً لما كانُوا عليه فيها. * * * (١٠) - ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ سَماعَ تَفهُّمٍ بتَفهيمِ الغَيرِ، كقولهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]. ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ مِن عِندِ أنفُسنا بالتَّأملِ في الآياتِ الظَّاهرةِ الدَّالةِ (٣) عَلى وُجودِهِ تَعالى ووَحدانيَّتهِ، والبيِّناتِ الباهِرةِ القَائمةِ عَلى صحَّةِ دَعوى الرُّسلِ. وقيلَ: أي: نَسمعُ سَماعَ قَبولٍ وطَاعةٍ، أو نَعقلُ عَقلَ مُتفكِّرٍ مُتأمِّلٍ.

стр. 3948

وكَلمةُ ﴿أَوْ﴾ هو بمعنى الواوِ كما في قَولهِ تَعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] إذ لا استِقلال (١) في كُلٍّ مِن السَّمعِ والعَقلِ في الحُكمِ المَذكورِ بَعدَهُ به (٢)، أو تَنزيلٌ (٣) لشَطرِ العِلةِ في مَنزلةِ تَمامِها؛ تفصيلًا لمواضعِ التَّفريطِ، واعتناءً بشَأنِ كلٍّ مِنها (٤) في مَقامِ التَّحسُّرِ (٥). ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: في جُملةِ مَن (٦) أُعدَّتِ النَّارُ لهم. * * * (١١) - ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ حينَ لا يَنفعُهم الاعترافُ، وفي إفرادِ الذَّنبِ اعتبارًا (٧) لأصلِه إشارةٌ إلى أنَّ ما اعتَرفُوا به أمرٌ مُشترَكٌ بينهُم، وهو الكفرُ بسببِ تَكذيبِ الرُّسلِ. ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ السَّحَقُ بتَحريكِ الحاءِ وتَسكِينها: البُعدُ، وانتصابهُ على أنَّه مصدرٌ وقع (٨) مَوقعَ الدُّعاءِ؛ أي: فأسحَقهم اللهُ سُحقًا.

стр. 3949

وأصحَابُ السَّعيرِ: الشَّياطينُ؛ لأنَّ إعدادهُ كان لهم، لا كُلُّ مَن دَخلَ فيه، وقد أُشيرَ إلى ذلك في سياقِ كلامِهم حيثُ قيل: ﴿فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ولم يُقل: مِن أصحابِ السَّعيرِ، فلمَّا فَصَلَ فيه بينهم وبَيْنَ أصحابِ السَّعيرِ كان أصلُ الكلامِ: فسُحقًا لهم ولأصحَابِ السَّعيرِ، وإنَّما عَدلَ عنه إلى ما ذُكرَ؛ تغليبًا لأصحاب السَّعيرِ عليهم؛ للتَّحقِيرِ والتَّقلِيلِ، والمُبالغةِ في التَّهدِيدِ على وجهِ الإيجازِ، ومَن وَهَمَ أنَّ الإيجازَ نُكتةٌ أُخرَى للتَّغلِيبِ فقَدَ وَهِمَ، فإنَّ كُلًا مما ذُكرَ يَتيسَّرُ بدُونِ التَّغليبِ، إلَّا أنهُ لا يكونُ على وَجهِ الإيجَازِ. * * * (١٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ الخَشيةُ: خوفٌ يَشوبهُ تَعظِيمُ المَخشِيِّ مع المَعرفةِ بهِ (١)؛ ولهذا قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وإنَّما قال: ﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ إذ عندَ العيانِ لا يَبقَى للخَشيةِ شأنٌ. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ مُتعلَّقُ التَّخصِيصِ المُستفادِ مِن تَقدِيمِ الجارِّ والمَجرُورِ مجموعُ الأمرَينِ، فلا يَلزمُ اختصاصُ مغفرَةِ الذُّنوبِ بالذين يَخشَونهُ تعالى. * * * (١٣) - ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ظَاهرُه الأمرُ بأحدِ الأمرَينِ: الإسرَارِ والإجهارِ، ومَعناهُ: المُبالغةُ في استِوائهما في عِلمِ اللهِ تعالى، ثُمَّ علَّلهُ بقوله تعالى:

стр. 3950

﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بضَمائرِها مِن غيرِ أنْ تُترجِمَ الألسِنةُ عنها، فكيف لا يَعلمُ ما تَكلَّمُ به؟ * * * (١٤) - ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ثُمَّ أنكَرَ بقَولهِ تَعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾؛ أي: ألا يُحيطُ عِلمًا بالمُسرِّ والمُجهرِ مَن خَلقَ الأشياءَ كلَّها ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وحالُهُ أنَّهُ المُتوصِّلُ عِلمهُ لِمَا بَطنَ مِن خَلقهِ وما ظهرَ، فهو تَذييلٌ بعدَ التَّعلِيلِ. رُويَ أنَّ مُشرِكي مكَّةَ كانُوا يَنالُونَ مِن رسولِ الله ﷺ فيُخبرُه جِبرائيلُ ﵇ بما قالوا فيه ونَالُوا مِنهُ ﷺ ، فقالوا فيما بينهم: أسِرُّوا قولكم كَيلا يَسمعَهُ إلهُ مُحمدٍ؛ فنزلت (١). * * * (١٥) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾: ليِّنةً ليسهُلَ لكم التَّصرُّفُ فيها بالحَركةِ والسُّكونِ وغيرِ ذلك. ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ شُبِّهت الأرضُ في غايةِ تَذلِيلِها بالبَعيرِ المُذلَّلِ، والمَشيُ في المَناكبِ مَثلٌ لفَرطِ التَّذلِيلِ ومُجاوزَةِ الغايَةِ، فإنَّ مَنكِبَي البعيرِ ومُلتقاهما مِن الغَاربِ (٢) أدقُّ (٣) .........

стр. 3951

شيءٍ منهُ وأنباهُ عَن أنْ يَطأَه (١) الرَّاكِبَ بقَدمهِ، فإذا جَعلَها في الذُّلِّ بحَيثُ يَمشِي في مَناكِبها لم يَترُك شَيئًا مِنَ التَّذلِيلِ. وحقُّ المَثلِ أنْ تَكونَ المُفرَداتُ عَلى حَالها فلا استِعارةَ في لَفظِ الَمناكبِ. وقيل: استُعيرَ المَناكبُ للجِبالِ؛ قال الزجَّاجُ: معناه: سهَّلَ لكم السُّلوكَ في الجبالِ، فإذا أمكَنكُم السُّلوكُ فيها فهو أبلَغُ التَّذلِيلِ (٢). وقِيلَ: استُعيرَ لجَوانِبها. ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾: التَمِسوا مِن نِعمِ اللهِ تعالى، وتَخصِيصُ الأكلِ بالذِّكرِ؛ لكونه أهمَّ وأعمَّ. ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾؛ أي: إليهِ تعالى خاصَّةً نُشورُكم، فهُو مُسائلُكم عن شُكرِ ما أنعَمَ به عليكم. * * * (١٦) - ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: أمرُه وقَضاؤهُ وألُوهيَّتُه، كقَولهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] والهَمزةُ للإنكَارِ، وقُرئَ بقَلبِ الهَمزةِ الثَّانيةِ ألِفًا (٣). ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ كما خَسفَها بقارونَ، وهو بدل من (مَن) التي في ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ بدل الاشتِمالِ (٤).

стр. 3952

والخَسفُ: أن تنهار (١) الأرض بالشَّيءِ، وتَعدِيتُهُ بنَفسِه. و ﴿بِكُمُ﴾ حالٌ؛ أي: مَصحوبًا بكم. ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ المَورُ: الاضطِرابُ في المَجيءِ والذَّهاب. * * * (١٧) - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ كما فَعلَ بقومِ لوطٍ. والحاصِبُ: الحِجارةُ التي يُرمَى بها. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾؛ أي: إذا رأيتم المُنذَرَ به عَلِمتُم كيف إنذاري حينَ لا يَنفعُكم العِلمُ به. * * * (١٨) - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾؛ أي: إنكارِي عليهم بإنزالِ العذابِ، وهو تَسليةٌ للرَّسولِ ﷺ ، وتَهديدٌ لقومه (٢). * * * ١٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ الاعتِبارُ بالطَّيرِ ناسبَ المَقامَ، إذ قد تَقدَّمَ الحاصِبُ في

стр. 3953

الكَلامِ، وقد أهلَكَ اللهُ تعالى أصحابَ الفيلِ بالطَّيرِ والحاصب الَّذي رمتهم به، ففيه إذكارُ قُريشٍ بهذِهِ القِصةِ. ﴿فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾: باسِطاتٍ أجنِحتَهنَّ في الجوِّ عندَ الطَّيرانِ، فإنَّها إذا بَسطَتها صَففنَ قَوادِمها صفًّا (١)، والصفُّ: وَضعُ الأشياءِ المُتوالِيةِ على خطٍّ مُستقيمٍ. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: ويَضمُمنَها إذا ضَربنَ بها جُنوبَهنَّ، ولمَّا كان الحثُّ على الاستدلالِ على قُدرةِ اللهِ تعالى بالطَّيرانِ - والأصلُ فيهِ بَسطُ الأجنِحةِ، وأما القَبضُ فطارِئٌ للاستِظهارِ على التَّحريكِ للبَسطِ - لم يَقلْ: وقابِضاتٍ، ليدُلَّ عَلى أنَّ القُدرةَ على ما هو خِلافُ الطَّبعِ إنَّما هي في البَسطِ، وأمَّا القبضُ فيَطرأ وقتًا بَعدَ وقتٍ لاحتِياجِ البَسطِ إليهِ في التَّحرِيكِ، فإنَّ الطيرانَ في الهواءِ كالسِّباحةِ في الماءِ، فكما أنَّ الأصلَ في السِّباحة مدُّ الأطرَافِ والقَبضُ إنَّما يَكونُ تاراتٍ (٢) للاستِعانةِ عَلى البَسطِ، فكَذلكَ في الطَّيرانِ. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجوِّ على خلافِ الطَّبعِ، ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ الشَّاملُ الرَّحمةِ للكُلِّ بقُدرتهِ بما دبَّرَ لهنَّ مِن القَوادِمِ والخَوافي (٣)، وخصَّهنَّ بهيئاتٍ وأشكالٍ يَتهيَّأُ لها بها الجَريُ في الجوّ. و ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ مُستأنفٌ، وإنْ جُعلَ حالًا من الضَّمير في ﴿يَقْبِضْنَ﴾ يجوزُ.

стр. 3954

﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ يَعلمُ كيف يَخلُقُ ويُدبِّرُ ويُهيِّئُ لكلِّ شيءٍ ما (١) يُعدُّهُ لما خَلقَ له وأرَادَ منهُ. * * * (٢٠) - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ أم مَن يُشارُ إليهِ مِن المَجموعِ، ويُقالُ: هذا الذي هو جُندٌ لكُم ﴿يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ إنْ أرسَلَ عليكم عذابهُ؟ ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي﴾ مُعادِلة لهَمزةِ الاستِفهامِ في ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، و (مَن) مُبتدأٌ ﴿هَذَا﴾ خبرُه، والمَوصولُ مع صِلتهِ صِفةُ ﴿هَذَا﴾ و ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ وصفُ ﴿جُنْدٌ﴾ مَحمولٌ على لفظهِ، والمعنَى: أولَم يَنظُروا إلى هذه الصَّنائعِ العجيبةِ فيَعلموا قدرَتنا على تَعذيبهم بخَسفٍ أو حاصبٍ، أم لكم جُندٌ يَنصرُكم مِن دُونِ اللهِ تعالى إنْ أرسَلَ عَذابهُ؟! وهو نحوُ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣] إلَّا أنَّه أُخرِجَ مَخرجَ الاستفهامِ عن تَعيينِ مَن يَنصُرُهم؛ إشعارًا بأنَّهم اعتَقدُوا هذا القِسمَ. ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾؛ أي: ما هم إلَّا في غُرورٍ. * * * (٢١) - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ﴾ أم مَن يُشارُ إليهِ ويُقالُ: هذا الَّذِي يَرزُقُكم ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ تَقدِيرًا، وفيهِ إيذَانٌ بأنَّ ﴿هَذَا﴾ إشَارةٌ إلى جميعِ الأوثانِ لاعتَقادِهم أنَّهم يُحفَظُونَ مِن النَّوائبِ، ويُرزَقونَ ببرَكةِ آلهتهمْ، فكأنَّهم الجُندُ النَّاصرُ والرَّازقُ على اعتِقادِهم.

стр. 3955

والإمسَاكُ: اللُّزومُ المانِعُ عنِ السُّقوطِ. فلمَّا لم يتَّعظُوا أضرَبَ عنهم فقال: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ اللَّجاجُ: تَقَحُّم الأمرِ مع كثرةِ الصَّارفِ عنه. ﴿فِي عُتُوٍّ﴾ العُتوُّ: هو الخُروجُ إلى فاحِشِ الفسادِ. ﴿وَنُفُورٍ﴾ النُّفورُ: النُّبوُّ مِن الشَّيءِ هَربًا عن الشُّعورِ بضَررهِ؛ أي: أصرُّوا على العِنادِ، وتَمادَوا في الشِّرادِ (١) عن الحقِّ النَّافعِ زاعِمينَ أنَّه باطِلٌ ضارٌّ. * * * (٢٢) - ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ثُمَّ ضَربَ مَثلًا للكَافرِ والمُؤمنِ فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي﴾ المشي جنس الحركة المخصوصة، فإذا اشتد فهو سعي، فإذا ازداد فهو عَدْو، والنقلة أعم من المشي لتحقُّقها بدونه فيمَن زحف ودبَّ، والحركة أعم من النقلة لوجودها بدونها فيما يدور في مكانه. ﴿مُكِبًّا﴾ أكَبَّ: صار ذا كَبٍّ، ودخل في الكَبِّ، وهو السقوط في الهوَّة، ونحوه: أَقْشَعَ السحابُ: دخل في القَشْع، وهما من باب أَنْفَض وألام (٢)، لا من باب المطاوعة كما توهِّم، فإن مطاوع كبَّ وقَشَعَ: انكبَّ وانقشع. ولم يجئ من باب أفعل مطاوع.

стр. 3956

﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: عاثرًا كلَّ ساعةٍ يخرُّ على وجهه؛ لوعورة الطريق، واختلاف أجزائه في الارتفاع والانخفاض؛ ولذلك قابله بقوله: ﴿سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، واكتفى بما في الكبِّ من الدلالة على حال المسلك، إشعارًا بأن ما عليه المشرك لا يستأهل أن يسمى طريقًا. وخبر (مَن): ﴿أَهْدَى﴾؛ أي: أرشدُ. ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾؛ أي: قائمًا سالمًا من العثور ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾؛ أي: على طريقٍ لا الْتِواءَ فيه ولا اعوجاج. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: لا ميلَ فيه أصلًا، فينتفِي به (١) الصُّعود والهبوط والعدول عن قصد السبيل، وقد مَرَّ التَفصِيلُ في تفسيرِ سورةِ الفاتحةِ. وخَبرُ (مَن) مَحذُوفٌ لدِلالةِ ﴿أَهْدَى﴾ عليه. وقيل: المُكبُّ: الذي يُحشرُ على وجههِ إلى النَّارِ؛ لأنَّهُ كان مُكبًّا عَلى المَعاصي، والسَّوِيُّ: الذي يَمشي على قَدمَيهِ إلى الجنَّة؛ لأنَّه كانَ على طريقِ التَّوحيدِ والإسلامِ. * * * (٢٣) - ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لتَسمَعوا المَواعظَ، ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ لتَنظُروا صَنائعهُ، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتُفكِّروا وتَعتَبرُوا. ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ هذهِ النِّعمَ، والمَعنى: تَشكُرونَ شُكرًا قَلِيلًا، و ﴿مَا﴾ زائِدةٌ، ويُحتَملُ أنْ تكُونَ القلةُ عِبارةً عَنِ العَدمِ.

стр. 3957

(٢٤) - ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ﴾: خَلقكُم ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ للجَزاءِ. والحَشرُ: السَّوقُ مِن جِهاتٍ مُختلِفةٍ إلى مَكانٍ واحِدٍ. * * * (٢٥) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يَعنُونَ: وَعدَ البَعثِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يَعنُونَ: النَّبيَّ ﷺ والمُؤمِنينَ. * * * (٢٦) - ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾: عِلمُ وَقتهِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يطَّلعُ عليه أحدٌ غيرهُ. ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُخوِّفٌ ظاهِرٌ، وذلك أنَّ بِعثتهُ ﵇ كانتْ مِن أشراطِ السَّاعة، فكانَ ﷺ مُنذِرًا قالًا وحالًا على ما أشَارَ إلَيهِ بقَولهِ: "أنا النَّذِيرُ العُريانُ" (١). * * * (٢٧) - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ الضَّميرُ لـ ﴿الْوَعْدُ﴾ بمعنَى (٢) المَوعُودِ.

стр. 3958

﴿زُلْفَةً﴾ نَصبٌ عَلى الحَالِ؛ أي: ذا زُلفةٍ؛ أي: قرُبَ مِنهم، أو على الظَّرفِ؛ أي: مَكانًا ذا زُلفةٍ، أي: فلمَّا رأوا ما وُعدَ قَريبًا. ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن بابِ وَضعِ الظَّاهرِ مَوضِعَ الضَّميرِ، وأصلُ النَّظمِ (١) أن يُقالَ: فلمَّا رَأى الَّذِينَ كَفرُوا المَوعُودَ سَاءتْ رُؤيتُه (٢) وُجوهَهم، فغُيِّرَ إلى ما تَرى للذَّمِّ والإيذانِ بأنَّ سَببَ المُساءةِ والكآبةِ برُؤيةِ الوَعيدِ إنَّما هو الكُفرُ، وكذلك قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ في مَوضعِ: فمَن يُجيرُكمْ. ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾: تَفتَعلُونَ، مِن الدُّعاءِ، وقيل: مِن الدَّعوَى. وقُرِئ: ﴿تَدَّعُونَ﴾ بالتَّخفِيفِ (٣). قِيل: القَائلونُ هُم الزَّبانيَةُ، أي: تَطلُبونَ وتَستَعجِلونَ به، أو كُنتمْ بسَببهِ تَدَّعون وتَزعُمونَ أنَّكم لا تُبعَثونَ. * * * (٢٨) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾: أمَاتَني ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ مِن المُؤمِنينَ ﴿أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لا يُنجِيهم أحَدٌ مِن العذابِ مُتنا أو بَقِينا، وهو جَوابٌ قولهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]. وفيهِ تَعرِيضٌ بأنَّ الرَّسولَ ﵇ ومَن معه مُتربِّصون إحدى

стр. 3959

الحُسنَيينِ، فالهلاكُ الذي تَطلُبون لهم إنَّما هو استعجالُ الفوزِ والسَّعادةِ، وأنتُم على صِفةٍ ليس وراءَها إلَّا الهلاكُ الذي لا هلاكَ بَعدهُ، وأنتم غافلُونَ لا تَطلُبونَ الخلاصَ منه. * * * (٢٩) - ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: الذي أدعُوكم إليه مُولي النِّعمِ كُلِّها. ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ للعِلمِ بذلك ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾؛ للوُثوقِ عَليهِ. وإنَّما أُخرَتْ صِلةُ ﴿آمَنَّا﴾ وقُدمَتْ صِلةُ ﴿تَوَكَّلْنَا﴾؛ لوُقوعِ ﴿آمَنَّا﴾ تَعرِيضًا بالكافرِينَ، حيثُ وَردَ عَقيبَ ذِكرهم؛ كأنَّهُ قيلَ: آمنَّا ولم نَكفُرْ كما كفَرتُم، ثمَّ قِيلَ: وعليهِ توكَّلنا خُصُوصًا، لمْ نتَّكلْ على ما أنتم مُتَّكِلون (١) عليه من رجالِكم وأموالكُم. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ منَّا ومنكُم، وقُرِئَ بياءِ الغائبةِ (٢) ردًّا على قَولهِ: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾. * * * (٣٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾؛ أي: صارَ غائرًا (٣) ذاهِبًا في الأرضِ لا تَنالهُ

стр. 3960

الدِّلاءُ، يُقالُ: غار الماءُ غَورًا: إذا أسفَلَ في الأرْضِ، مصدرٌ وُصفَ به للمُبالغةِ. خَصَّ مِن بَينِ أنواعِ الإزالةِ أهوَنَها بالعِبارةِ إحالةً لغَيرِها عَلى الدِّلالةِ، فكأنَّهُ يَقولُ: عَجزُكم في هذهِ الصُّورةِ ثابِتٌ، فكَيفَ الحالُ فيما فَوقَها! ولا يَخفَى أنَّ إعمَالَ الدِّلالةِ خيرٌ مِن إهمَالها. ثُمَّ إنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ الماء مُقتَضَى طَبعهِ أنْ يَغورَ، فخُروجُهُ على وَجهِ الأرضِ وظُهورُه بالقَسرِ لُطفٌ مِن اللهِ تَعالى، فالامتِنانُ هنا بالإحسانِ أقوَى ممَّا في قولهِ تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]؛ لأنَّهُ امتِنانٌ بتَركِ الإسَاءةِ. ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾: ظَاهرٍ تَراهُ العُيونُ، أو جارٍ على وَجهِ الأرضِ، فهو على الأوَّلِ مفعولٌ مِن العَينِ كمَبيعٍ مِن البَيعِ، وعلى الثَّاني مِن الإمعانِ في الجَريِ، فوَزنهُ فعِيلٌ؛ كأنَّهُ قيل: مُمعِنٍ في الجَرىٍ. [وللهِ الحمدُ وحدهُ، والصَّلاةُ على مَن لا نبيَّ بَعدهُ] (١)
следующие страницы →