← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عبادةَ الله تعالى بالإحسان لمَن ذُكر وهو فِعْلٌ، أَتبَعَ ذلك بالقول ليكون الإحسان بالفعل والقول، ولمَّا كان الإحسانُ القوليُّ أمرًا هينًا على ما أَفصح عنه مَن قال: البرَّ شيءٌ هينٌ، وجهٌ طليقٌ ولسانٌ لينٌ (١)، كان متعلَّقه الناس عمومًا. وقرئ: ﴿حَسَنًا﴾ بفتحتين (٢) على أنه صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، و: (حُسُنًا) بضمتين وهو لغة أهل الحجاز، و: (حُسْنَى) على المصدر كبُشرى (٣)، والمراد به: ما فيه تخلُّقٌ وإرشاد. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يريد بهما: ما فُرض عليهم في شريعتهم، ومن هنا ظهر أنهما منقولان إلى القَدْر المشترَك بين صلاتنا وصلاتهم، والقَدْر المشترك بين زكاتنا وزكاتهم. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على طريقة الالتفات للتعنيف في التوبيخ (٤)، فإنه عند الاستحضار (٥) أشدُّ، ويجوز أن يكون الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومَن قبلَهم على التغليب؛ إشعارًا بأن التولِّيَ الذي حصل منهم في عهده ﵇ ليس ببِدْعٍ منهم؛ لأنَّه دأبهم ودأبُ أسلافهم. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾؛ أي: أشخاصًا قليلين، وهم الذين أقاموا اليهودية على

стр. 422

وجهها قبل النَّسخ، وأمَّا الذين أسلموا من الذين ما أقاموها (١) فقد وُجد منهم التَّولِّي والإعراضُ، فلا وجه لاستثنائهم. ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ التَّولِّي قد يكون لحاجةٍ تدعو إلى الانصراف مع ثبوت القصد، والإعراض: هو الانصراف عن الشيء بالقلب، فالجملة حال وليست من قَبيل ﴿وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]. وفي اسميَّة هذه الجملة الدالَّةِ على أنهم قومٌ عادتُهم الإعراضُ عن الطاعة والوفاء ترشيحٌ لِمَا تقدَّم من نكتةِ التغليب. * * * (٨٤) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ على نحوِ ما سبق في ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾، والمعنى: لا تفعلون ما يؤدي إلى هذين المحذورَين، أو: لا يفعلُ ذلك بعضكم ببعض (٢) جُعل غيرُ الرجل نفسَه لاتِّصاله به نسبًا (٣) أو دينًا، ثم نُسب إلى نفسه ما كان منسوبًا إلى الغير على التجوز (٤) لأدنى ملابَسةٍ. والديار: مباني الإقامة، وقال الخليل: محلَّةُ القوم دارُهم (٥).

стр. 423

﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي: خَلَفًا بعد سَلَفٍ أنَّ هذا الميثاق أُخذ عليكم والتَزَمْتُموه، ويحتمِلُ هذا أنْ يكون من الإقرار الذي هو ضدُّ الجحدِ ويتعدَّى بالباء، وأن يكون من الإقرار الذي هو إبقاءُ الأمر على حاله؛ أي: أقررتُم هذا الميثاقَ ملتزَمًا، فقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ تأسيسٌ على هذا، وتأكيدٌ على الأول؛ لقطعِ احتمالِ أن يكون أَقرَّ بمعنى: تكلَّمَ بما يلزمُ منه الإقرار. * * * (٨٥) - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ استبعاد قويٌّ لِمَا نُسب إليهم بعد أداء الميثاق على الانتهاء منه، وإقرارِهم وشهادتهم، وفي ﴿هَؤُلَاءِ﴾ توبيخٌ وتعييرٌ بليغٌ وتحقير؛ أي: أنتم المشاهَدون المشارُ إليهم بنقض العهد، الذين لا يمكن ذمُّهم بما يزيد على ما يشاهَدُ منهم ويشارُ به إليهم؛ كقولهم في التحقير: يا هذا. أو: أنتم المشاهَدون؛ أي: [إنكم] (١) قومٌ آخرون غيرُ أولئك المقرِّين؛ تنزيلًا لتغيُّر (٢) الصفة منزلة تغيُّر الذات، كقولك: خرجتَ بغير الوجه الذي دخلتَ به، وعدَّهم باعتبارِ ما أُسند إليهم حضورًا وباعتبارِ ما سيُحكى عنهم غيَّبًا، ثم فصَّل ما أُبهم في اسم الإشارة؛ للتسجيل عليهم وتشهيرهم بنقضِ العهد ومخالفةِ الإقرار والشهادة، والإفراطِ في ذلك بالتظاهُر بالإثم والعدوان، فقال:

стр. 424

﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ ويجوزُ أن يكون خبرًا لـ ﴿أَنْتُمْ﴾ و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ منادى، أو منصوبٌ على الاختصاص للذَّمِّ؛ [أي] (١): أعني هؤلاء الحاضرين (٢)، أو تأكيدٌ والخبرُ هو الجملة، أو بمعنى (الذين) والجملةُ صلتُه والمجموعُ هو الخبر. ويجوز أن يكون (٣) حالًا والعامل فيها معنى الإشارة. ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حال من فاعل (تُخرجون)، أو مفعولهِ، أو كليهما. والتظاهر: التعاونُ، وأصله: الظَّهْر، وبه يقع الاستناد والاعتماد. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ رُوي أن قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضيرَ حلفاءَ الخزرج، فإذا اقتتلا عاوَن كلُّ فريق حلفاءه في القتل، وتخريب الديار، وإجلاءِ أهلها، وإذا أُسر أحد من الفريقين جمعوا له حتى يَفدوه. وقرئ: ﴿أُسْرَى﴾ (٤) وهو جمعُ أسيرٍ؛ كجرحى وجريح، و (أُسارى) جمعه؛ كسَكْرى وسُكَارى، وقيل: هو أيضًا جمع أسير؛ كما قالوا: شيخ قديم، وشيوخ قُدامى، وهو قليل.

стр. 425

وقال الواحدي نقلًا عن سيبويه: قالوا: كَسْلَى، شبَّهوه بأَسْرى، كما قالوا: أُسارى، شبَّهوه بكُسالى (١). والأسير: هو المأخوذ قهرًا، وأصل الأسر: الشدُّ، ومَن أُخذ قهرًا شُدَّ غالبًا، فسمِّي المأخوذُ قهرًا أسيرًا وإن لم يُشد. وقال أبو عمرو (٢): الأُسارى: الذين هم في الوَثاق، والأَسرى: الذين هم في اليد وإن لم يكن في الوثاق. وقرئ: ﴿تَفْدوهم﴾ (٣)؛ أي: تُطْلقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئًا. قاله أبو علي (٤). وفاديتُ نفسي؛ أي: أطلقتُها بعد أن دفعتُ شيئًا. وقد يَجيء فاديتُ بمعنى: فديتُ؛ أي: دفعتُ فيه مِن مالِ نفسي، ومنه قولُ العباس للنبي ﵇: فاديتُ نفسي وفاديتُ عَقيلًا (٥). وهما فعلان يتعدَّيان إلى مفعولين، الثاني منهما بحرف جر؛ تقول: فديتُ زيدًا بمال، وفاديتُه بمال.

стр. 426

قال أبو عليٍّ: كل واحدٍ من الفريقين فَعَلَ: الآسِرُ دَفَعَ الأسير، والمأسورُ منه دفعٌ أيضًا، إمَّا أسيرًا وإما غيره، والمفعول الثاني محذوف (١). ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ وما بينهما اعتراض. والضمير للشأن، و (محرَّمٌ) خبر، و (إخراجُهم) مرفوع بـ (محرَّمٌ). ويجوز أن يكون (إخراجُهم) مبتدأً و (محرَّمٌ) خبر مقدم، والجملةُ خبرُ (هو). أو مبهمٌ وتفسيرُه (إخراجهم) (٢). أو راجعٌ إلى مصدرٍ دلَّ عليه (تُخرجون)، ويكون (محرَّمٌ) الخبرَ، و (إخراجُهم) بدل من الضمير في (محرَّمٌ) أو من (هو). أو تأكيدٌ وبيانٌ؛ كيلا يذهب الوهم إلى أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى. وإنما أكد الإخراج بالنص على تحريمه - وإن كان ما سبق أيضًا محرَّمًا - لِمَا فيه من الجلاء والنفي الذي لا ينقطع شرُّه، بخلاف القتل، فإنَّ شرَّه ينقطع في الحال، والمحرَّم الممنوع منه. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ يعني: الفديةَ.

стр. 427

﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ يعني: حرمةَ المقاتلة والإجلاء، والاستفهامُ بمعنى الإنكارِ والتوبيخِ والتهديد، وذلك على التفريق بين أحكام الله تعالى، فكأنَّ مرجع الإنكار إلى القيد المستفادِ من لفظ البعض. ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فإذا فعلتم ذلك تسبَّب أن لا يكون جزاؤكم في الدنيا إلا خزيٌ، وفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ دلالةٌ على أن التفريق المذكورَ فعلُ بعضهم، والتوبيخ للكلِّ لعدم منع الباقين عنه. والخزيُ: الذلُّ (١) من الفضيحة، وقد خَزِيَ خِزْيًا فهو خَزٍ. والخَزَاية: الاستحياء، وقد خَزِيَ خَزَايةً فهو خَزْيان (٢). قال المرزوقي: و (أَخْزى) يجوز أن يكون من الخزي: الهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية: الاستحياء (٣). والمراد: قتلُ قُريظة، فإنَّ قتل مقاتِلَتِهم سببٌ لذلِّ ذراريهم، وإجلاءُ النضير، وضرب الجزية على غيرهم. و (الدنيا) مأخوذة من دنا يدنو، وأصل الياء فيه واوٌ، لكن أُبدلت فرقًا بين الأسماء والصفات، وإنما قُدم ذكر الجزاء هنا للإشارة إلى بقائهم أحياءً على تلك الحال مدةً مديدةً، وأُخر الجزاء في الآخرة لأنَّه عند انتهاء يوم القيامة (٤). ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾ معنى الردِّ: الإرجاع، ففيه إشارةٌ إلى أنهم كانوا قبل ذلك

стр. 428

مرةً (١) أخرى في أشد العذاب، وهو ما في القبر، ثم إن فيه بيانَ أنَّ ما كان في الحياة الدنيا من الخزي غيرُ مكفِّر لذنوبهم. ﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ أي: إلى عذابٍ لا رَوْحَ فيه لاتِّصال أجزائه، وذلك لأن عصيانهم أشد. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تأكيد للوعيد. وقرئ: ﴿يُرَدُّونَ﴾ بالياء اعتبارًا بقوله: ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾، وبالتاء اعتبارًا بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ (٢). وقرئ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيضًا بالياء والتاء على الاعتبارين (٣). * * * (٨٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بحظوظها، لا بحياتها، إذ هي لا تفوت عنهم، والاشتراء مستعارٌ لإيثار العاجل الفاني على الآجل الباقي. ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: يبقى على شدته، معطوفٌ على الصلة من قَبيل عطفِ الجمل، فلا يُشترط اتحاد الزمان. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ بدفعه عنهم.

стр. 429

(٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التوراة. ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾؛ أي: جئنا مِن بعدِه بالرسل مُقْتَفِين أثرَه، متَّبعين شريعتَه، يقال: قَفَاه: إذا اتَّبعه من القفا، نحو: ذَنَبه، من الذَّنَب، وقفَّاه به: أَتْبعه إياه، ولولا اعتبارُ معنى (جئنا) على التضمين لضاع قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾. ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ لمَّا لم يكن عيسى ﵇ من جملةِ المقتَفين أثرَ موسى ﵇، المتَّبعين شريعتَه، أفردَه بالذكر، وأضافه إلى أمِّه تحقيقًا لعدم نسبته إلى الأب، وفيه رد لقول اليهود حيث نسبوه إلى الأب. وعيسى بالعبرية: إيشوع. ومريم بالسُّريانية: الخادم، وقد جعلتْها أمُّها محرَّرةً لخدمة المسجد، وبالعبرية كالزير من الرجال (١). وقال أبو البقاء: (مريمُ) علَمٌ عجَمي، ولو كان مشتقًّا مِن رامَ يَريم كان مَرِيمًا بفتح الميم وسكون الياء، وقد جاء في الأعلام بفتحِ الياء نحو: مَزْيَد، وهو خلاف القياس (٢).

стр. 430

﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: الآياتِ الظاهرات (١)، من قولك: بان؛ أي: ظهر، وما ثبت به الدَّعوى من حيث إفادتُه البيان يسمَّى بيِّنة، ومن حيث الغلبة به على الخصم حجة. والمراد بالبينات (٢): المعجزات الواضحات؛ كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالمغيبات، أو الإنجيل. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾؛ أي: قوَّيناه (٣). ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل ﵇، وذلك أنه تَوَلَّد بنَفْخهِ، وأنَّه عصَمه مِن أول حالهِ إلى آخره، فلم يَدْنُ منه الشيطان عند الولادة، ورفَعه إلى السماء حين قصد اليهود قتلَه. والقُدُس: الطَّهارة، وكان الأصل: الرَّوح المقدَّسة، لكن أُضيف الروحُ إلى القُدُس تنبيهًا على زيادةِ اختصاص الروح به؛ لأن مِن شأن الصفة أن تكون منسوبةً (٤) إلى الموصوف فإذا عكس بإضافته إليها يزيد معنى الاختصاص. ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ بما لا تحبُّه، يقال: هَوِيَ - بالكسر - هوًى: إذا أَحبَّ، وهَوَى - بالفتح - هُوِيًّا بالضم: سقط، وإنما أُسند الهوى إلى الأنفس لا إلى ضمير الخطاب إشعارًا بأن حق السيئات أن تُسند إليها. وقوله: (كلما جاءكم) مسبَّب عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ولهذا دخلت الفاعلية على تقدير: نحن أنعمنا عليكم ببعثة موسى ﵇، وإيتائه

стр. 431

الكتاب، ثم أتبعناه الرسلَ، وبإيتاء عيسى ﵇ [البينات]؛ لتشكروا تلك النعم بالتلقِّي بالقبول، فعكستُم بأن كذَّبتم فريقًا وقصدتُم قتلَ آخرين، ثم أَدخل بين السبب والمسبَّب همزةَ التوبيخ والتعجيب لتعكيسهم فيما يجب عليهم. ويجوز أن يكون استئنافًا والفاءُ للعطف على مقدَّر، فعلى هذا ما عقبوا الإيتاء محذوف، وهو قوله: ففعلتم ما فعلتم، وهو كناية عن التكذيب والقتل، وغير ذلك من قبائحهم وعنادهم، ثم استأنف الكلام موبخًا لهم مصدِّرًا الجملة بهمزةِ الإنكار، على تقدير: أكفرتم وخالفتم فكلما جاءكم رسول، ويرجح هذا أنه حينئذ بين التقريع والتوبيخ إجمالًا وتفصيلًا (١). ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾؛ أي: عن قبول ما أتى به مما لا تحبُّه أنفسكم - على تضمين الاستكبار معنى الإباء - لا عن الإيمان به؛ لأنهم كانوا مصدِّقين بعضَ مَن (٢) جاء من بعد موسى ﵇ من الرسل؛ كيوشع وداود وسليمان ﵈ (٣). ﴿فَفَرِيقًا﴾؛ أي: فريقًا منهم ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ يريد به التكذيبَ من غير قتلٍ، بقرينةِ تفريق هذا عن قرينهِ، وإلا فمطلَقُ التكذيب ينتظمُها (٤)، والفاء للسببية أو التعقيب. ﴿تَقْتُلُونَ﴾؛ أي: فريقًا آخر. ﴿تَقْتُلُونَ﴾ حالٌ ماضيةٌ أُريد استحضارها وتصويرُها لشدة فظاعتها ونُكْرها، فأخرجها مُخرج الحال المشاهَدة، أو قُصد الدلالةُ على أنهم بعدُ فيه؛ لأنهم كانوا

стр. 432

حولَ قتل محمد ﵇ لولا العصمةُ من الله تعالى، ولهذا سحروه وسَمُّوا الشاة له، ثم إن فيه محافظةً على الفاصلة، وإنما لم يذكر تكذيبهم هذا الفريقَ استغناءً بذكر أقبح الفعلين عن الآخَر. * * * (٨٨) - ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: جمع أغلفَ، وهو الذي لم يُختن، مستعارٌ للقلوب المغشَّاة بالأغطية خلقةً وجِبِلَّةً؛ أي: مجبولةٌ على صفةٍ لا يَتوصَّل إليها ما جاء به محمد ﵇، وقد أفصحَ عن هذا في موضعٍ آخر بقوله: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] والقرآن يفسِّر بعضُه بعضًا (١). وفي القراءة الشاذة: (غُلُفٌ) بضم اللام (٢): جمعُ غلافٍ، وهو الغشاءُ والوعاءُ؛ كالشهاب والشُّهب، معناه: قلوبنا أوعيةُ العلم تفهم وتعي ما يقال وتخاطَبُ به، ولكن لا تفهم ما تقول ولا تفقه ما تحدِّث، فلو كان حقًّا وصدقًا لفهمت وفقهت (٣)، يدَّعون به إبطالَ ما يقول، أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره، ويأبى عن حمل القراءة المتواترة على هذا التصريح بالمعنى الأول في موضع آخر (٤).

стр. 433

﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ردٌّ لِمَا قالوا؛ أي: ليست قلوبهم كذلك خلقةً؛ لأنها خُلقت على الفطرة، بل طردهم الله وأبعدهم عن قبول ذلك بسبب كفرهم واحتجابهم بالعقائد الفاسدة، فهم الذين غلَّفوا قلوبهم بما أسقطها عن الفطرة، أَثبت اللعنَ من نفسه والكفر منهم، وهو مذهب أهل السنَّة والجماعة. والمعنى على القراءة الشاذة: بل أنتم مبعَدون عن حيِّز العلم بشؤم كفركم، لستُم بعلماء، ولو كنتم كذلك لقَبِلْتم هذا وعمِلْتم به. ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فإيمانًا قليلًا تؤمنون، وهو إيمانهم ببعض الكتاب، و (ما) مزيدةٌ للتأكيد لا نافيةٌ لأنَّ ما في حيِّزها لا يتقدَّمها، وجوِّز أن تكون مصدريةً على أن (قليلًا) منصوب بنزع الخافض، ويجوز أن تكون المبالغةُ في القلة كنايةً عن العدم، بناء على أن التقليل (١) إذا بولغَ فيه يستتبعُه العدم (٢)، وحينئذ يجوز أن يكون انتصاب (قليلًا) على الظرفية. * * * (٨٩) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ﴾ أي: القرآن. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ زيادة ﴿عِنْدِ﴾ لتعيين معنى النزول، فإن كلَّ شيء من الله تعالى. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ من كتابهم، وفي مصحف أبيٍّ ﵁: (مصدقًا)

стр. 434

بالنصب (١) على الحال من ﴿كِتَابٌ﴾ تخصَّص (٢) بالوصف، وحُذف جواب (لمَّا) لدلالة جواب (لمَّا) الثانيةِ عليه. وقيل: (لمَّا) الثانيةُ تكرار للأولى، والفاءُ للإشعار بأن مجيئه كان عقيبَ استفتاحهم به، ولا بُعْدَ فيه؛ لأن ما عرفوا (٣) حاصل الكتاب. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ مجيء الكتاب. ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي: يستنصرون. ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم المشركون الذين يقاتلونهم ويقولون: اللهمَّ انصرنا بنبيِّ آخِرِ الزمان المنعوت في التوراة. أو: يفتحون عليهم ويعرِّفونهم أن نبيًّا يبعث منهم وقد قرب زمانه، والسينُ للمبالغة كأنهم يطلبون الفتح من أنفسهم كما في ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] ونحوِه (٤)، وذلك لأن الفعل مع الداعي والطلب يكون أقوى فجرد لها، أو لأنَّه لما كان الفعل حاصلًا يكون الطلب للزيادة. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ من الكتاب والنبي ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ حسدًا وخوفًا على الرئاسة. ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: عليهم، على أن التعريف للعهد كما هو

стр. 435

الأصل، فلا يُعدل عنه إلى الجنس إلا عند التعذُّر، على أن الفاء تأبى عن الحمل على الجنس، والإظهارُ في موضع الإضمار للدلالة على أن استحقاقهم اللعنةَ لثباتهم على الكفر، وكلمةُ (على) أوقعُ من اللام؛ لمَا فيها من الدلالة على أنه تعالى جعل اللعنة متعلِّيةً (١) عليهم جلَّلهم بها. * * * (٩٠) - ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (ما) نكرة موصوفة مفسِّرة لفاعلِ (بئس) المستكن؛ أي: بئس شيئًا اشتروا به أنفسَهم؛ أي: باعوها، أو اشتروا بحسب زعمهم، فإنهم زعموا أنهم خلَّصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا، والمراد كفرُهم في الماضي، إلا أنه عبر عنه بصيغة المضارع استحضارًا لذلك الأمر القبيح. ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو المخصوص بالذم. ﴿بَغْيًا﴾؛ أي: حسدًا. قال اللِّحياني (٢): بغَيتَ على أخيك بغيًا؛ أي: حسدتَه، فالبغيُ أصله الحسد، والباغي هو الظالم الذي يفعل ذلك عن حسد، وأما بَغَى بمعنى طلب فمصدرُه بُغاءٌ بضم الباء، وبغَتْ بمعنى فَجَرتْ مصدره بِغاءٌ بالكسر.

стр. 436

وهو علة ﴿اشْتَرَوْا﴾ لا ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾، إذ المعنى على ذمِّ الكفر الذي أُوثر على الإيمان بغيًا، لا على ذمِّ الكفر المعلَّل بالبغي، وأما الفصلُ فليس بما هو أجنبيٌّ؛ لأن الموصوف والصفة (١) في حكم الاتحاد، وكذا التمييز والمميَّز فما لا يكون أجنبيًا بالنسبة إلى فاعل فعل الذم لا يكون أجنبيًا بالنسبة إلى الفعل الذي وصف به تمييزُ ذلك الفاعل. ثم إنه لا ريبةَ في أن إيثار الكفر على أنفسهم بغيًا وعنادًا أدخل في الذم من إيثارهم الكفرَ الناشئ عن البغي على أنفسهم؛ إذ لا يتعيَّن حينئذ كونُ الإيثار عنادًا وبغيًا (٢)، فيحتمل أن يكون لوجه يخفُّ به استحقاق الذم، فالفرق (٣) واضح. ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ لِأَنْ ينزِّل، أو: حسدوه على أن ينزِّل الله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: بعضَ فضله الذي هو الوحيُ، أو الشيءَ الذي هو فضله. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: على من اختاره للرسالة. ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ أي: صاروا أَحقَّاء بغضبٍ مترادفٍ متراكمٍ بعضُه على بعضٍ لكفرهم بنبيِّ الحق وبغيهم عليه، أو كفرهم بمحمد ﵇ بعد كفرهم بعيسى ﵇، وغيرِ ذلك من أنواع كفرهم، والاستحقاق معتبرٌ في مفهوم باء على ما تقدَّم بيانه، ودلالة الفاء على سببية الاشتراء المذكور لذلك الاستحقاق لا على الاستحقاق (٤).

стр. 437

وقوله: ﴿بِغَضَبٍ﴾ حالٌ، و ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ صفة له. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يراد (١) به إذلالهم، وتقديم الجارِّ والمجرور للتخصيص، فإن عذاب العاصي من المؤمنين طُهرةٌ لذنوبه. * * * (٩١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ أي: بجميع الكتب الإلهية. ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ خصَّصوا إيمانهم بالتوراة. ﴿وَيَكْفُرُونَ﴾ حال عن (٢) الضمير في ﴿قَالُوا﴾ على حذف المبتدأ، وتقديره: وهم يكفرون، أو تجويزِ الواو في المضارع المثبت. ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ قال الأزهري: إن (وراء) يصلح لِمَا قبله ولمَا بعده (٣)، لا لأنَّه وضع لكلٍّ منهما على حِدَةٍ، بل لأن معناه: ما توارى عنك؛ أي: استتر (٤)، وهو موجود فيهما، وهو في الأصل مصدر جعل ظرفًا يضاف إلى الفاعل والمفعول. قيل: فيراد على الأول الخَلف، وعلى الثاني القدَّام، وفيه نظر (٥).

стр. 438

﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ الضمير لي (ما وراءه) الشاملِ للإنجيل والقرآن، وإنما وحِّد لتوحُّد (١) اللفظ. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ حال مؤكِّدة تتضمن (٢) الردَّ لإيمانهم بالتوراة؛ لأنهم لمَّا كفروا بما يصدِّقها حيث نزل (٣) على حسب ما نُعت فيها فقد كفروا فيها. والجملةُ حال من (ما وراءه)، وتعريفُ الخبر (٤) لزيادة التوبيخ والتجهيل، بمعنى: أنه خاصةً هو الحق الذي يقارن تصديق كتابهم، ولولا الحال - أعني: ﴿مُصَدِّقًا﴾ - لم يستقم الحصر؛ لأنَّه في مقابلةِ كتابهم وهو أيضًا حقٌّ. ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الفاء جواب شرطٍ مقدَّرٍ دل عليه المعنى؛ أي: قل لهم: إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلمَ تقتلون أنبياء الله، فإن ذلك المنزَل ينهى عنه، وإنما قال: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ حكايةً للحال الماضية (٥)؛ كأنه قيل: فلمَ كنتم تقتلون. وإنما أسنده إليهم لأنَّه فعل آبائهم، وهم راضون به، عازمون عليه. ويجوز أن يكون المعنى على التضمين: فلمَ ترضَون قتل الأنبياء وتعزمون عليه، وحينئذ يتضح وجه الاعتراض. و (لم) أصله: لِمَا، وسقطت الألف، وهذا السقوط خُص بالاستفهامية؛ لأنها

стр. 439

تامةٌ فألفها طرفٌ والأطراف محلٌّ للحذف وغيره من التغيير، بخلاف الموصولة فإنها ناقصةٌ تحتاج إلى ما تُوصَل به، وهي وما تُوصَل به كاسمٍ واحد، فألفها في حكم المتوسط. * * * (٩٢) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات الواضحة، ويدخل فيها فَلْقُ البحر، وهو خارج عن الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] لأن المراد منها (١) ما جاء به موسى ﵇ إلى فرعون، على ما تقف عليه في موضعه بإذن الله تعالى، فلا وجه (٢) لحمل البينات المذكورة على الآيات التسع. ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: إلهًا، ولفظة (ثم) أبلغ من الواو في التقريع؛ لأنها تدل على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلةٍ من النظر في الآيات، وذلك أعظم ذنباً. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعدِ مجيء موسى ﵇ لكم بالبينات، لا من (٣) بعد مجيئه أو ذهابه إلى الطور؛ لعدم انْفِهامه من سياق الكلام. ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ حال؛ أي: واضعون العبادةَ غيرَ موضعها، أو: ظالمون بالإخلال بآيات الله تعالى، ويجوز أن يكون من قبيل: اتَّخذ خاتمًا، بمعنى: صنَعه

стр. 440

وعَمِله، ففائدةُ الحال ظاهرةٌ؛ لأن الاتخاذ بهذا المعنى لا يكون ظلمًا إلا حالَ كونه مقرونًا بالعبادة، وعلى الأول فائدتُه زيادةُ التوبيخ والتقبيح. أو اعتراض بمعنى: أنتم قوم عادتكم الظلم، ومساقُ هذا أيضًا لإبطال قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ والتنبيهِ على أن طريقتهم مع الرسول ﵇ طريقةُ أسلافهم مع موسى ﵇، لا لتأكيد القصة بالتكرير، وكذا ما بعده: * * * (٩٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ ويجوز أن يكون تكرير هذا لما نيطَ به من زيادة ليست مع الأول. ﴿وَاسْمَعُوا﴾؛ أي: أطيعوا، فإن الأمر بالسماع في العُرف يفيد الإجابةَ والقبول، ومنه: سمع الله لمن حمده (١)؛ أي: قَبِلَ وأجاب (٢)، قال: دعوتُ الله حتى خفتُ أن لا … يكونَ اللهُ يَسمعُ ما أقول (٣) أي: يقبل. وهم حملوه على المفهوم اللُّغوي تجاهُلًا وتعامِيًا عنادًا منهم.

стр. 441

﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾؛ أي: القولَ ﴿وَعَصَيْنَا﴾؛ أي: الأمرَ. قال الإمام القرطبي: اختلف: هل صدَر منهم هذا القولُ، أو فعلوا فعلًا قام مقامه فيكونَ مجازًا (١)؟ وقال الإمام أبو منصور: قولهم: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ لم يكن على أثر قولهم: ﴿سَمِعْنَا﴾، لكن بعده بأوقات، فإنهم لمَّا أبوا قبول التوراة لِمَا فيها من الشدائد رفع اللّه تعالى الجبل فوقهم، فقبِلوها خوفًا وقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما زايل الجبل وآمنوا قالوا: عصينا، وهو ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ وكان التولِّي بعد ذلك بأوقات (٢). ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: تَداخَلَهم حبُّه، ورسخ في قلوبهم صورتُه؛ لفَرْط شغفهم به، وهذا كما يقال: أُشرب الثوبُ الصبغَ: إذا تداخَل الصبغُ أجزاءه تداخُلَ الماء أعضاءَ الشارب، كأنه جُعل شاربًا إياه (٣). وفي العدول عن الظاهر - وهو: أشرب قلوبُهم حبَّ العجل - إلى ما عليه المنزل ما لا يخفى من الفخامة والإبهامِ، والتفسيرِ من وجه، والمبالغةِ في الإسناد إلى الكل، والدلالة على التمكن المستفاد من الظرفية، وأن العجل نفسَه هو المشرَب مبالغةً في إشراب الحب، إلى غير ذلك. ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب كفرهم؛ لِمَا مرَّ (٤) أنهم كانوا مجسِّمةً وحلوليَّةً (٥).

стр. 442

﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾؛ أي: بالتوراة، إذ ليس فيها عبادةُ العجاجيل، وإضافةُ الأمر إلى إيمانهم (١) تهكُّم، وكذلك إضافة الإيمان. أمَّا الثاني: فظاهر؛ كما في قوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، تحقيرًا واسترذالًا، ودلالةً على أن مثل هذا لا يليق أن يسمى إيمانًا إلا بالإضافة إليكم، وليس المراد أنه استعارةٌ تهكمية. وأمَّا الأول: فلأنَّ الإيمان إنما يأمر ويدعو إلى عبادةِ مَن هو غايةٌ في العلم والحكمة، فالإخبارُ بأن إيمانهم يأمر بعبادةِ مَن هو غايةٌ في البَلادة غايةُ التهكُّم والاستهزاء (٢)، سواءٌ جعل (يأمر به) بمعنى: يدعو إليه، أو لا، وسواءٌ قصد الإسناد إلى السبب الباعثِ مجازًا كما قد يتوهم، أو لا كما هو الحق. والمخصوصُ بالذم محذوف نحو: هذا الأمرُ، أو ما يعمُّه وغيرَه من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث إلزامًا عليهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ليس للشك من المتكلِّم، لا لاستحالته لأن المأمور (٣) بهذا القول مما يصح منه الشك، بل لعدم مطابقته للواقع (٤). ولا للتشكيك إذ لم يعهد استعمال (إن) لتشكيك السامعين (٥)، بل لتقرير القدح في دعواهم الإيمانَ بالتوراة،

стр. 443

وذلك أن (١) القائل قد يأتي بالشرط وهو جازمٌ بعدم وقوعه إقامةً للحجة بقياسٍ بيِّنٍ؛ كما في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]. وتقديره: إن كنتم مؤمنين بها فبئسما يأمركم به أيمانكم بها؛ لأن المؤمن ينبغي أن لا يتعاطى إلا ما يقتضيه إيمانه، لكن الإيمان بها لا يأمر به، فإذًا لستم بمؤمنين. * * * (٩٤) - ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ المراد من الدار الآخرة: الجنةُ، وإنما قال: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ تشريفًا لها، وتنبيهًا على أنها في عالَم الغيب. ﴿خَالِصَةً﴾ صافيةً عن شوب (٢) خطر التخلُّف؛ لعدم احتمال الزوال لِمَا هو سبب الاستحقاق، وهو كونهم أبناءَ الله وأحباءَه في زعمهم. أصل الخلوص: الصفوة، والإخلاص: تصفيةُ السرِّ والقولِ والعملِ، إلا أنه ضمِّن معنى الاختصاص على ما ستقف عليه. وهو نصب على الحال من ﴿الدَّارُ﴾ عند مَن جوَّز مجيء الحال من اسم (كان)، وأما عند مَن لم يجوِّزه فهو حال من الضمير المستتر في الخبر العائد إلى ﴿الدَّارُ﴾، ومرجع الخلاف إلى أن اسم (كان) هل هو فاعل أو لا؟ ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ متعلق بـ ﴿خَالِصَةً﴾ باعتبارِ تضمُّنه معنى الاختصاص، و (دونَ) لفظٌ يُستعمل للاختصاص وقطعِ الشركة، تقول: هذا لي دون لك، أو: مِن

стр. 444

دونك؛ أي: لا حق لك فيه ولا نصيب، وفي غير هذا الاستعمال يأتي بمعنى الانتقاص في المنزلة أو في (١) المكان أو المقدار (٢). فإن قلتَ: أليس قد استُفيد معنى الاختصاصِ من تقديم الظرف؟. قلتُ: نعم، إلا أنه يَحتمِلُ أن يراد به الاختصاصُ بجنسِ المخاطَبين، فلا قطعَ فيه بالمعنى المقصود. فإنْ قلتَ: لا وجه لدعوى الاختصاص مطلقًا؛ لأنهم لا ينكرون أن من مات قبل حدوث اليهودية على شريعة إبراهيم ﵇ يدخل الجنة. قلتُ: ذلك إذا كان معنى الخلوص الاختصاصَ، وأمَّا إذا كان معناه الصفاءَ عن شوب (٣) خطرِ التخلُّف، فلا بُعدَ في أن يدَّعوا اختصاصَ دخول الجنة مقيَّدًا بتلك الحال لأنفسهم مطلقًا (٤). وأيضًا تفرُّع الأمر بالتمني الآتي ذكرُه إنما يصح على اعتبارِ الخلوص بالمعنى المذكور. والظاهر أن المراد من ﴿النَّاسِ﴾ سائرُ الأمم، لا سائرُهم مطلقًا حتى يَنتظِم الأنبياءَ ﵈، إذ هم لا ينكرون الأنبياء المتقدمين كنوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈، ولا دلالة في قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] على ما ذكر؛ لأن المفهوم منه اختصاصُ الجنة بهم لا

стр. 445

اختصاصُهم بالجنة، وما يصلح منشأً للتمني المذكور إنما هو الثاني دون الأول على ما نبَّهت عليه آنفًا. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لأن مَن أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقَها وأحبَّ التخلُّص إليها من الدار ذات النوائب (١)، ولا يذهبْ عليك أن هذا الايقانَ على تقدير أنْ يكون معنى الخلوصِ ما ذكرناه، لا ما ذكره القوم. * * * (٩٥) - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بما أسلفوا من الكبائر الموجِبة لدخول النار، وإنما أُسند التقديم إلى اليد لأنها أعظمُ الأعضاء في التصرُّف. وعن النبيِّ ﵇: "لو تمنَّوا الموتَ لغَصَّ كلُّ إنسانٍ برِيقِه فمات مكانَه، وما بقيَ على وجهِ الأرضِ يهوديٌّ" (٢). والمراد بالتمنِّي قول القائل: ليتني متُّ، لا معناه في القلب، دل عليه قوله ﵇: "غص بريقه"، وأن التحدِّيَ لا يمكن بالأعمال القلبية لخفائها، ولو كان المراد المعنى القلبيَّ لكان يمكنهم (٣) أن يقولوا: (تمنَّينا) كاذبين، ولو ادَّعوا مع ذلك لنُقل إلينا؛ لتَوفُّر دواعيهم على النقل مع كثرتهم، ولو نُقل لاشتَهر.

стр. 446

وكذا قول أحدهم: ليتني متُّ، لم ينقل مع كثرة اليهود وغيرهم من الطاعنين في الإسلام كما نقل سائر المطاعن، فهذه الجملة إخبارٌ بالغيب صادقًا كقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ تهديد لهم. * * * (٩٦) - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ مِن وَجَدَ بمعنى عَلِمَ المتعدِّي إلى المفعولين، وهما: (هم) و (أحرصَ). وتنكيرُ (حياةٍ) (١) للدلالة على نوعٍ من الحياة متطاوِلةٍ، ولذلك كانت القراءة بها أوقعَ من قراءة: (على الحياة) (٢). ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إمَّا أن يكون معطوفًا على ﴿النَّاسِ﴾ محمولًا على المعنى؛ لأن المعنى: أحرصَ من باقي الناس، وإمَّا يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة ﴿أَحْرَصَ﴾ عليه. وعلى الوجه الأول الأولى: إنما خُصَّ المشركون بالذكر لاختصاصهم من بينِ الناس بزيادة الحرص على الحياة الدنيا؛ لعدم إقرارهم بالبعث، فكأنهم نوعٌ آخَرُ غيرُ الناس، ففي إفرادهم بالذكر زيادةُ توبيخ وتقريع لأهل الكتاب؛ لأنَّه لمَّا زاد حرصهم

стр. 447

- وهم مقرُّون بالجزاء - على حرص المنكرين دلَّ ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار. وقيل: (من الذين أشركوا) كلام مبتدَأٌ على حذف الموصوف؛ أي: ومن الذين أشركوا أناسٌ ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾، على أن المراد بـ (الذين أشركوا) المجوس؛ لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: هزار سال بزي؛ أي: عِشْ ألف سنة، فالجملةُ (١) على هذا صفةُ محذوفٍ، وعلى الأوَّلينِ استئنافٌ لبيانِ زيادة حرصهم. ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ حكايةٌ لوِدَادتهم على طريق الالتفات؛ لأن (لو) للتمنِّي، وكان القياس: لو أُعمَّرُ، لتطابق الحكايةُ المحكيَّ، إلا أنه جرى على لفظِ ﴿يَوَدُّ﴾ بالغيبة؛ كقولهم: حلف بالله ليفعلن. ومفعول ﴿يَوَدُّ﴾ محذوف كالمنسي (٢)، إجراءً للفعل المتعدِّي (٣) مُجرى اللازم؛ أي: يصدر من أحدهم الوِدادة المطلَقة، فيكون ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ توضيحًا بعد الإبهام؛ للإيقاع في النفس. ويجوز أن تكون ﴿لَوْ﴾ هذه مصدريةً بمنزلةِ (أنْ) لتأكيد معنى الوِدادة، فيكون مفعولًا لـ ﴿يَوَدُّ﴾، والضمير في: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ لـ ﴿أَحَدُهُمْ﴾، و ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعل بـ ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾؛ أي: وما أحدهم بمن يزحزحُه (٤) من النار تعميرُه. وقيل: الضمير لِمَا دلَّ عليه ﴿يُعَمَّرُ﴾ من مصدره، و ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بدلٌ منه. ويجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ مبهَمًا، و ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ موضِّحه.

стр. 448

والزحزحة: التبعيدُ والإنحاء. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ قرئ بالياء جريًا على الغَيبة، وبالتاء على سبيل الالتفات (١)، وكني بالبصير عن العليم (٢) مبالغةً في إدراكِ الخفيَّات، وفيه تهديدٌ ووعيد. * * * (٩٧) - ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ نزل في عبد الله بن صوريا من أحبار فدك، حاجَّ رسول الله ﵇ وسأله عمَّن ينزَّل عليه، فقال: "جبريل"، فقال: ذاك عدوُّنا، عادانا مرارًا وأشدُّها أنه أَنزل على نبيِّنا أن بيت المقدس سيخرِّبه بختنصَّر، فبعثْنا مَن يقتلُه، فرآه ببابل، فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربُّكم أمره بهلاككم (٣) فلا يسلِّطكم عليه، وإلا فبِمَ تقتلونه (٤).

стр. 449

وقيل: دخل عمرُ ﵁ مدارس اليهود يومًا فسألهم عن جبريل، فقالوا: ذاك عدونا يُطْلع محمدًا ﵇ على أسرارنا، وإنه صاحب كل خسفٍ وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام، فقال: وما منزلتهما من الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة، فقال: لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين، ولأنتم أكفرُ من الحمير، ومَن كان عدوَّ أحدهما فهو عدو الله تعالى، ثم رجع فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقال ﵇: "لقد وافقك ربُّك يا عمر" (١). وفي (جبريل) ثمانُ لغات قرئ بهن: أربع في المشهورات: (جَبْرَئيل) كسلسبيل، و (جَبْرَئِل) بحذف الياء و (جَبْريل) و (جِبْريل) بفتح الفاء وكسرها وحذف الهمزة (٢). وأربع في الشَّواذِّ: (جَبْرَائيل) و (جَبْرائِل) بالمد فيهما وحذفِ الياء في الثانية، و (جبرائلّ) بحذف الياء وتشديد اللام، و (جِبْرين) (٣).

стр. 450

قال ابن جِنِّي: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلَّطت فيه (١). ومُنع صرفُه للعُجمة والتعريف، ومعناه: عبد الله. و ﴿مَنْ﴾ للشرط، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ تعليل للجزاء قام مقامه، والبارز الأول لـ (جبريل) ﵇؛ أي: فلا وجه لعداوته. ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾؛ أي: القرآن، وإضمارُه غيرَ مذكور يدلُّ على فخامةِ شأنه؛ كأنه لتعيُّنه وفَرْطِ شُهرته يدلُّ على نفسه، ويُستغنى بذكر شيء من صفاته عن التصريح باسمه. ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ لأنَّه القابل الأول للوحي، ومحلُّ الفهم والحفظ، وحرفُ الاستعلاء للدلالة على أن المنزَل يأخذ بمجامع قلبه، وكان الظاهر أن يقول: على قلبي، لكنه جاء على حكاية كلام الله تعالى؛ كأنه قال: قلْ ما تكلَّمتُ به. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتيسيره، حالٌ من فاعل (نزَّل). ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حال من ضمير القرآن. وكذا: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: فحقُّه أن يحبوه ويشكروا له صنيعَه؛ لإنزاله ما يصدِّق كتابهم، أو جميعَ الكتب المنزلة قبله، ويهديهم ويبشِّرهم؛ أي: إن كانوا مؤمنين به (٢). ويجوز أن يكون المعنى: مَن عادى جبريل فالسببُ في عداوته أنه نزَّل القرآن على قلبك مصدِّقًا لِمَا بين يديه موافقًا إياه، وهم يكرهون القرآن خوفًا من فوات رئاستهم، ولهذا يحرِّفون كتابهم وينكرون موافقتَه إياه؛ كقولك: إن عاداك فلان فقد

стр. 451

آذيتَه، أو خوفَ افتضاحهم؛ لأنَّه يكشف عن أسرارهم من تحريف التوراة وكتمان نعتِ الرسول ﵇ وعداوة المؤمنين. * * * (٩٨) - ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ أراد بعداوةِ الله تعالى: مخالفةَ أمره (١) عنادًا، أو معاداةَ المقرَّبين من عباده، وصدَّر الكلام بذكره على طريقة التمهيد تفخيمًا لشأنهم؛ كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾. ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ من بني آدم والملائكة، ولو لم يكن المراد من الرسل ما يعم الرسول من جنس الملائكة لَمَا حَسُنَ الفصل بها بينهم وبين ما خُصَّ منهم بالذكر. ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ خصَّهما بالذكر مع اندراجهما تحت عموم الملائكة والرسل لفضلهما وكرامتهما؛ كأنَّ كلَّ واحد منهما جنسٌ برأسه؛ تنزيلًا لتَغايُر الوصف منزلةَ تَغايُر الذات (٢)، وتنبيهًا على أن معاداة الواحد والكلِّ سواءٌ في الكفر، واستجلابِ العداوة من الله تعالى. وفي (ميكائيل) خمس لغاتٍ: (ميكائيل)، و (ميكائل) بحذف الياء، و (ميكئيل) و (ميكئل) بحذف المد عنهما، والياءِ عن الثانية، و (ميكال) بحذف الهمزة والياء (٣).

стр. 452

وإنما ذكر ميكائل مع أنهم كانوا يقولون: لو كان ميكائل صاحبَ محمد لاتَّبعناه لأنَّه يأتي بالخصب والسلام؛ تنبيهًا على أن مَن أبغض جبريل فقد أبغض ميكائيل؛ لأنهما قريبان بغضُ أحدهما يستلزمُ بغضَ الآخر. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ مجردُ المعاداة ظاهرٌ معلوم، فلا بد من الحمل على الكناية تربيةً للفائدة؛ أي: مَن عاداهم عاقَبه الله تعالى أشدَّ العقاب، ولمَّا كان فيه تنزيلُ المقدَّر منزلةَ المحقَّق استَحقَّ التأكيدَ بالجملة الاسمية و (إنَّ)، والشدةُ المذكورةُ معتبَرةٌ في المكنيِّ عنه، ولا تأثير فيها لتأكيد الخبر (١). وكان الظاهرُ أن يقال: فإنه عدوٌّ لهم، والعدولُ عن الظاهر أولًا للتهويل، ولأنَّ فيه احتمالَ أن (٢) يذهب الوهمُ إلى رجوع الضمير إلى مجموع ما تقدم. وثانياً للدلالة على أن عداوة المذكورين كفرٌ، وأن الكفر سببٌ لعداوة الله تعالى إياهم. * * * (٩٩) - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحةَ الدلالة لا إلباسَ فيها، فعدمُ الإيمان بها ليس شبهةً. ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا﴾ عطف على مقدَّر؛ أي: فلا تَشتبِهُ على أحدٍ ولا (٣) يكفر بها (٤).

стр. 453

﴿إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ المتمردون من الكفرة. وعن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوعٍ من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع مِن كفرٍ وغيره (١). وعن ابن عباس ﵄: قال ابن صُوريا لرسول الله ﷺ : ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أُنزل عليك من آيةٍ فنتبعَك لها، فنزلت (٢). واللامُ للجنس، والمراد: أهلُ الكتاب الخارجين (٣) عن دينهم؛ لأن الآية نزلت فيهم، وطرفُها كلام في شأنهم، والوصفُ بالتمرد آلْيَقُ بحالهم، ففيه دلالةٌ على أنَّ ذلك الخروجَ سببٌ لكفرهم، فيكون فيه مبالغةٌ، وهي أن يكون (٤) كفرُ غيرهم كالعدم، ومن لم يتنبه لهذا زعم أن الأحسن أن تكون للعهد (٥). * * * (١٠٠) - ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ الواو للعطف على محذوف؛ إذ لا مجالَ للعطف على الكلام السابق، معناه: أَكَفَروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا، فالهمزة إنكارٌ للجمع بين الكفر ونقض العهد.

стр. 454

وقرئ بسكون الواو (١)، على أنَّ الفاسقين بمعنى: الذين فسَقوا، فكأنه قيل: إلا الذين فسقوا أو نقضوا (٢) عهدَ الله مرارًا كثيرة، لا على أن الواو العاطفة أُسكنت إسكانَ الهاء في (وَهْوَ) لأنَّه لم يثبت مثلُ ذلك في الواو العاطفة (٣). و (أو) في مثل هذه المواضع تفيد تساويَ الأمرين في الوقوع (٤)، مع أن الثانيَ أبعدُ وأليقُ بأن لا يقع، فيُحمل على أنها بمعنى (بل) وقد أثبتها الثقات وشهد بها الاستعمال، ودلت عليها هاهنا القرينةُ، وهي قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ترقِّيًا إلى الأغلظ فالأغلظ. ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ النبذ: الرميُ بالذِّمام ورفضُه، ولم يغلب فيما يُنسى فلذلك احتيج إلى زيادة قوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ عند إرادةِ معنى النسيان، وإنما قال: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾؛ لأنَّ بعضهم لم ينقُضْ. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ردٌّ لِمَا يُتوهم أنَّ الفريق هم (٥) الأقلُّون، وهذا على تقديرِ أن يكونَ مَن لم ينبذ جهارًا مُؤمنًا حقًّا. * * * (١٠١) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 455

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ تنكير الرسول للتعظيم، وفي قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إشارة إلى (١) استحقاقه التعظيم من جهة أخرى. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ من الكتاب، وتصديقُه: كونه على الوصف الذي ذكر فيه، فالمراد من الرسول محمد ﵇ (٢). ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني: التوراةَ، حيث لم يعملوا بموجَبِ ما فيها، وهو الإيمان بالرسول المصدِّقِ لها. ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ النبذ وراء الظهر مَثَلٌ لتركِ الشيء والإعراضِ عنه بالكليَّة، مثلَ ما (٣) يرمى به وراء الظهر استغناءً عنه، وقد يكون كنايةً عن نسيانه، فإنَّ نبذ الشيء وراء الظهر يستتبِع نسيانه (٤) غالبًا. ويجوز أن يستعار النسيان للإعراض رأسًا، ثم يكون النبذُ وراء الظهر كنايةً عنه على أنه نسيانٌ، فيكون كنايةً متفرِّعة على الاستعارة المَنْوية، ولْنُسَمِّه كنايةً بالاستعارة، وهذا أبلغ من الكناية ابتداء والاستعارةِ التمثيلية. ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنه كتابُ الله تعالى، جملةٌ حاليَّةٌ، وكأنَّ فيه إيماءً إلى ما ذكر من الاستعارة المنوية.

стр. 456

(١٠٢) - ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ عطفٌ على ﴿نَبَذَ﴾؛ أي: نبذوا كتابَ الله تعالى، واتَّبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت الشياطينُ - وهم المتمرِّدون من الجن - يقرؤونها على عهد مُلكِ سليمانَ ﵇. وليست ﴿عَلَى﴾ صلةَ التلاوة، بل من قولهم: كان هذا على عهد فلانٍ؛ أي: في وقته وزمانه، ﴿تَتْلُو﴾ حكايةُ حالٍ ماضية. ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تكذيب لمن زعم أن سليمان ﵇ سخَّر الإنس والجن والريح بالسحر، وأن مُلكه تمَّ بهذا العلم، والكنايةُ عن السحر بالكفرِ للدلالة على أنه كفرٌ، والإشارةِ إلى ما يوجب تنزُّهه ﵇ عنه؛ كأنه قال: وما سَحَر سليمان؛ لأنَّ السحر كفرٌ، والنبيُّ معصومٌ عن الكفر. ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ لمَّا نفى الكفر عن سليمان ﵇، وكان الشياطينُ قد سخِّرت لسليمان ﵇ يستعملُهم (١) فيما يشاء، فقد يُتوهم أنهم لا يكفرون أيضًا، إذ هم في خدمة نبيٍّ، فاستدرك أنهم كفروا باستعمالهم السحر.

стр. 457

وقرأ الحسن: (الشياطون) (١). وقال السَّجاونديُّ: خطَّأه الخارْزَنجيُّ (٢)، ولو سلِّم صحتُه فلا خفاءَ في عدم فصاحته. ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ إغواءً وإضلالًا، والجملةُ حال عن الضمير، والسحرُ: مزاولةُ النفوس الخبيثة لأفعالٍ وأقوالٍ يترتَّب عليها أمورٌ خارقةٌ للعادة، ولا يروى خلافٌ في كون العمل به كفرًا، وعدُّه نوعًا من الكبائر مغايرًا للإشراك لا ينافي ذلك؛ لأن الكفر أعمُّ، والإشراكُ نوعٌ منه. وهو في أصل اللغة: الصَّرف، حكاه الأزهري عن الفرَّاء ويونسَ (٣)، فإطلاقُه على ما يفعله أصحابُ الحيَل بمعونة الآلات والأدوية، وما يُريك صاحبُ خفَّة اليد باعتبارِ ما فيه من صرف الشيء عن جهته حقيقةٌ لُغويَّة. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ عطفٌ على ﴿السِّحْرَ﴾، والمراد بهما واحدٌ، والعطف لأنَّه نوع أقوى منه كأنه من جنسٍ آخر. وهما ملكان أُنزلا لتعليم السحر ابتلاءً من الله تعالى للناس. وقيل: رجلان سمِّيا ملَكين باعتبارِ صلاحهما، ويؤيِّده قراءةُ: (المَلِكَين) بالكسر (٤).

стр. 458

وقيل: (ما أُنزل) نفيٌ معطوفٌ على (ما كفر) تكذيبٌ لليهود في هذه القصة، وهذا يكذِّبه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ فإنه إذا لم يكن هناك شيءٌ منزل فالتعليم والتعلُّم في أيِّ شيء يكون؟ ﴿بِبَابِلَ﴾ ظرفٌ، أو حال من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ أو الضميرِ في ﴿أُنْزِلَ﴾، قال ابن مسعود ﵁: هي في سواد الكوفة. ومُنِعَ صرفُها للعَلَميَّة والتأنيث. ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ عطفُ بيانٍ أو بدلٌ لـ ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾، ومُنع صرفُهما للعلَمية والعُجمة، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر - كما زعم بعضهم - لانصرفا. وقرئ: (هاروتُ وماروتُ) بالرفع (١) على: هما هاروتُ وماروتُ. وإبدالُهما من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ بدلَ البعض من الكلِّ - تصحيحًا لِمَا قيل: إنَّ (ما أُنزل) نفيٌ - يردُّه تعلُّق قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ الآيةَ بما (٢) قبله تعلُّقًا خاصًا بحيث لا ينتظم بدونه، فإن المبدَل منه في حكم الساقط بحيث لو أُقيم البدل مقامه لانْتَظَم الكلام معه. ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ تصريحٌ بما قدَّمناه من أنَّ إنزال السحر عليهما للابتلاء؛ أي: ما يعلمان أحدًا حتى ينصحاه وينبهاه على أنه سحرٌ، والعمل به كفرٌ. والفتنة: ما يَتبيَّن بها حال الإنسان من الخير والشر، يقال: فتنتُ الذهب بالنار: إذا جرَّبته بها لتعلم أنه خالصٌ أو مشوبٌ، ومنه: الفتَّانة، وهي الحجرُ الذي يجرَّب به الذهب والفضة.

стр. 459

﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ بالعمل به، أو باعتقاد جوازه، إنما نحن ابتلاءٌ من الله تعالى واختبار. قال عليٌّ ﵁: كانا يعلمان تعليم إنذارٍ لا تعليم دعاءٍ إليه (١)، كأنهما يقولان: لا تفعل كذا وكذا. والصحيح من مذهب أصحابنا أن تعلُّمه حرام مطلقًا؛ لأنَّه توسُّلٌ إلى محظورٍ عنه غنًى وتَوَقِّيه بالتجنُّب أصلحُ وأحوطُ. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ عطفٌ على يعلِّمان المقدَّر؛ أي: يعلِّمان فيتعلَّمون الناس، على أن الضمير لِمَا دل عليه ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾. ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾؛ أي: ما يُحْدِث الله عنده من التفرقة بينهما. ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ﴾؛ أي: بما يفرِّقون. ﴿مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ استثناء مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال، فهو حالٌ من فاعلِ ﴿بِضَارِّينَ﴾، و ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ في محلِّ النصب بالمفعولية في الموضعين، وفي زيادةِ ﴿مِنْ﴾ تأكيدٌ بليغٌ فيهما. وقرئ: (بضارِّي) على حذفِ النون من اسم الفاعل (٢)، وإن لم يكن فيه (أل). قال أبو حيان: وله نظير في نثرِ العرب ونظمِها، وأما حذفُها على الإضافة إلى ﴿أَحَدٍ﴾ وجعلُ الجارِّ جزءًا منه فمردودٌ بأن الجارَّ مؤثِّر فيه، وجزءُ الشيء لا يؤثِّر في الشيء (٣). ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ لِمَا عرفتَ أنه أفعالٌ وأقوالٌ تُزاوِلها النفوسُ الخبيثة،

стр. 460

فحصوله (١) لا يخلو عن نوعِ تأثيرٍ في نفس المتعلِّم، وأمَّا ما قيل: لأنهم يقصدون به العمل، أو لأن العلم يجر إلى العمل غالباً، فإنما يصح وجهًا لضرر العلم لا لضرر المعلوم. ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ نفيٌ لاحتمالِ أن يكون ضرره مَشوبًا بنفعٍ في الجملة، وهذا كالردِّ على مَن توهَّم أنَّ في تعلُّمه ليتوقاه، ولئلا يغترَّ به نفعٌ ما، واستَشهد بقول أبي نواسٍ: عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ لكنْ لتَوَقِّيهِ … ومَن لم يَعرفِ الشَّرَّ مِن الخيرِ وقعَ فيه (٢) ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؛ أي: اليهود. ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾؛ أي: استبدله بكتاب الله تعالى، والضميرُ لـ ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾، واللام الأولى للتأكيد القسَمي، والثانيةُ لام الابتداء لتعليق فعلِ العلم. ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: نصيب. ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ عطفٌ على جملة القسم والجواب، أو على الجواب، وعطفُ الإنشاءِ على الإخبار كثير، وقد تقدَّم الكلام فيه. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ جوابُ (لو) محذوفٌ؛ أي: لارْتَدَعوا عن تعلُّم السحر وإيثارِ كتبه، أو: لكان خيرًا لهم، والمعنى: لو اعتادوا العمل بموجَبِ العلم، كنى عن عَدَم العمل بموجَبِ العلم بعدم العلم؛ تنبيهًا على قوة الملازمة بين العلم والعمل بموجَبه، وأن عدم العمل لعدم الصحة فيما يُوجبه من العلم.
следующие страницы →