← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: عاثرًا كلَّ ساعةٍ يخرُّ على وجهه؛ لوعورة الطريق، واختلاف أجزائه في الارتفاع والانخفاض؛ ولذلك قابله بقوله: ﴿سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، واكتفى بما في الكبِّ من الدلالة على حال المسلك، إشعارًا بأن ما عليه المشرك لا يستأهل أن يسمى طريقًا. وخبر (مَن): ﴿أَهْدَى﴾؛ أي: أرشدُ. ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾؛ أي: قائمًا سالمًا من العثور ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾؛ أي: على طريقٍ لا الْتِواءَ فيه ولا اعوجاج. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: لا ميلَ فيه أصلًا، فينتفِي به (١) الصُّعود والهبوط والعدول عن قصد السبيل، وقد مَرَّ التَفصِيلُ في تفسيرِ سورةِ الفاتحةِ. وخَبرُ (مَن) مَحذُوفٌ لدِلالةِ ﴿أَهْدَى﴾ عليه. وقيل: المُكبُّ: الذي يُحشرُ على وجههِ إلى النَّارِ؛ لأنَّهُ كان مُكبًّا عَلى المَعاصي، والسَّوِيُّ: الذي يَمشي على قَدمَيهِ إلى الجنَّة؛ لأنَّه كانَ على طريقِ التَّوحيدِ والإسلامِ. * * * (٢٣) - ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لتَسمَعوا المَواعظَ، ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ لتَنظُروا صَنائعهُ، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتُفكِّروا وتَعتَبرُوا. ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ هذهِ النِّعمَ، والمَعنى: تَشكُرونَ شُكرًا قَلِيلًا، و ﴿مَا﴾ زائِدةٌ، ويُحتَملُ أنْ تكُونَ القلةُ عِبارةً عَنِ العَدمِ.

стр. 3957

(٢٤) - ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ﴾: خَلقكُم ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ للجَزاءِ. والحَشرُ: السَّوقُ مِن جِهاتٍ مُختلِفةٍ إلى مَكانٍ واحِدٍ. * * * (٢٥) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يَعنُونَ: وَعدَ البَعثِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يَعنُونَ: النَّبيَّ ﷺ والمُؤمِنينَ. * * * (٢٦) - ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾: عِلمُ وَقتهِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يطَّلعُ عليه أحدٌ غيرهُ. ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُخوِّفٌ ظاهِرٌ، وذلك أنَّ بِعثتهُ ﵇ كانتْ مِن أشراطِ السَّاعة، فكانَ ﷺ مُنذِرًا قالًا وحالًا على ما أشَارَ إلَيهِ بقَولهِ: "أنا النَّذِيرُ العُريانُ" (١). * * * (٢٧) - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ الضَّميرُ لـ ﴿الْوَعْدُ﴾ بمعنَى (٢) المَوعُودِ.

стр. 3958

﴿زُلْفَةً﴾ نَصبٌ عَلى الحَالِ؛ أي: ذا زُلفةٍ؛ أي: قرُبَ مِنهم، أو على الظَّرفِ؛ أي: مَكانًا ذا زُلفةٍ، أي: فلمَّا رأوا ما وُعدَ قَريبًا. ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن بابِ وَضعِ الظَّاهرِ مَوضِعَ الضَّميرِ، وأصلُ النَّظمِ (١) أن يُقالَ: فلمَّا رَأى الَّذِينَ كَفرُوا المَوعُودَ سَاءتْ رُؤيتُه (٢) وُجوهَهم، فغُيِّرَ إلى ما تَرى للذَّمِّ والإيذانِ بأنَّ سَببَ المُساءةِ والكآبةِ برُؤيةِ الوَعيدِ إنَّما هو الكُفرُ، وكذلك قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ في مَوضعِ: فمَن يُجيرُكمْ. ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾: تَفتَعلُونَ، مِن الدُّعاءِ، وقيل: مِن الدَّعوَى. وقُرِئ: ﴿تَدَّعُونَ﴾ بالتَّخفِيفِ (٣). قِيل: القَائلونُ هُم الزَّبانيَةُ، أي: تَطلُبونَ وتَستَعجِلونَ به، أو كُنتمْ بسَببهِ تَدَّعون وتَزعُمونَ أنَّكم لا تُبعَثونَ. * * * (٢٨) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾: أمَاتَني ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ مِن المُؤمِنينَ ﴿أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لا يُنجِيهم أحَدٌ مِن العذابِ مُتنا أو بَقِينا، وهو جَوابٌ قولهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]. وفيهِ تَعرِيضٌ بأنَّ الرَّسولَ ﵇ ومَن معه مُتربِّصون إحدى

стр. 3959

الحُسنَيينِ، فالهلاكُ الذي تَطلُبون لهم إنَّما هو استعجالُ الفوزِ والسَّعادةِ، وأنتُم على صِفةٍ ليس وراءَها إلَّا الهلاكُ الذي لا هلاكَ بَعدهُ، وأنتم غافلُونَ لا تَطلُبونَ الخلاصَ منه. * * * (٢٩) - ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: الذي أدعُوكم إليه مُولي النِّعمِ كُلِّها. ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ للعِلمِ بذلك ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾؛ للوُثوقِ عَليهِ. وإنَّما أُخرَتْ صِلةُ ﴿آمَنَّا﴾ وقُدمَتْ صِلةُ ﴿تَوَكَّلْنَا﴾؛ لوُقوعِ ﴿آمَنَّا﴾ تَعرِيضًا بالكافرِينَ، حيثُ وَردَ عَقيبَ ذِكرهم؛ كأنَّهُ قيلَ: آمنَّا ولم نَكفُرْ كما كفَرتُم، ثمَّ قِيلَ: وعليهِ توكَّلنا خُصُوصًا، لمْ نتَّكلْ على ما أنتم مُتَّكِلون (١) عليه من رجالِكم وأموالكُم. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ منَّا ومنكُم، وقُرِئَ بياءِ الغائبةِ (٢) ردًّا على قَولهِ: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾. * * * (٣٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾؛ أي: صارَ غائرًا (٣) ذاهِبًا في الأرضِ لا تَنالهُ

стр. 3960

الدِّلاءُ، يُقالُ: غار الماءُ غَورًا: إذا أسفَلَ في الأرْضِ، مصدرٌ وُصفَ به للمُبالغةِ. خَصَّ مِن بَينِ أنواعِ الإزالةِ أهوَنَها بالعِبارةِ إحالةً لغَيرِها عَلى الدِّلالةِ، فكأنَّهُ يَقولُ: عَجزُكم في هذهِ الصُّورةِ ثابِتٌ، فكَيفَ الحالُ فيما فَوقَها! ولا يَخفَى أنَّ إعمَالَ الدِّلالةِ خيرٌ مِن إهمَالها. ثُمَّ إنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ الماء مُقتَضَى طَبعهِ أنْ يَغورَ، فخُروجُهُ على وَجهِ الأرضِ وظُهورُه بالقَسرِ لُطفٌ مِن اللهِ تَعالى، فالامتِنانُ هنا بالإحسانِ أقوَى ممَّا في قولهِ تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]؛ لأنَّهُ امتِنانٌ بتَركِ الإسَاءةِ. ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾: ظَاهرٍ تَراهُ العُيونُ، أو جارٍ على وَجهِ الأرضِ، فهو على الأوَّلِ مفعولٌ مِن العَينِ كمَبيعٍ مِن البَيعِ، وعلى الثَّاني مِن الإمعانِ في الجَريِ، فوَزنهُ فعِيلٌ؛ كأنَّهُ قيل: مُمعِنٍ في الجَرىٍ. [وللهِ الحمدُ وحدهُ، والصَّلاةُ على مَن لا نبيَّ بَعدهُ] (١)

стр. 3961

سُورَةُ النَّبَإِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾. ﴿عَمَّ﴾ أصلُهُ: عمَّا (١)، عَلى أنَّهُ حَرفُ جرٍّ دَخلَ عَلى (ما) الاستِفهامِيَّةِ، وقُرئَ على الأصلِ (٢)، ثُمَّ حُذفَتِ الألِفُ فَرقًا بَينَ الاستفهامِ والخبرِ، وهي القِراءةُ. وقُرئَ: ﴿عمَّه﴾ بهاء السَّكتِ؛ إمَّا إجراءً للوصلِ مُجرَى الوقفِ، وإمَّا وقفًا على إضْمارِ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾، والابتِداء بما بَعدَهُ على الإبهامِ والتَّفسيرِ (٣). ومعنَى هذا الاستفهامِ تفخيمُ شأنِ المُستفهَمِ عنه، كأنَّه قال: عن أيِّ شيءٍ يَتساءلونَ؟ ونحوُه (٤) ما في قولك: زَيدٌ ما زَيدٌ؟ جَعلتَه لانقِطاعِ قَرينهِ وعَدمِ نَظيرِه

стр. 3962

كأنَّه شيءٌ خَفيَ عليكَ جِنسُه فأنت تَسألُ عن جِنسهِ (١)، هذا أصلُه تُمَّ جُرِّدَ للعبارةِ (٢) عن التَّعظيمِ حتَّى وَقعَ في كلامِ مَن لا يَخفَى عَليهِ خَافيةٌ، ويُناسِبُ المَعنَى المَذكورَ ما في النَّبأ ووَصفِهِ مِن الدِّلالةِ عَلى الخَطرِ (٣). و ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: يَسألُ بعضُهم بعضًا، والضَّميرُ لأهلِ مكَّةَ (٤)، أو يتَساءلُونَ غَيرهُم عن (٥) رسولِ اللهِ ﷺ والمُؤمنينَ كما ذُكرَ في يَتداعَونهم وَيتراءَونَهم (٦)، كأنَّ المشرِكينَ يَتساءلُونَ فيما بَينَهم عَنِ البَعثِ، وَيَسألُونَ (٧) المُؤمِنينَ عَنه على طَريقِ الاستِهزاءِ. وقُرئَ: (يسَّاءلون) بالإدْغامِ (٨).

стр. 3963

(٢) - ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ بَيانٌ لشأنِ المُفخم (١)، أو صِلةُ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾، و ﴿عَمَّ﴾ مُتعلِّقٌ بمُضمَرٍ مفسَّرٍ بهِ، ولا دِلالةَ على هذا في قِراءةِ السَّكتِ لانتِظامِها كِلَا الوَجهينِ على ما نبَّهتُ عَليهِ آنِفًا. والنَّبأُ: الخَبرُ الَّذِي لهُ شأنٌ. * * * (٣) - ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾: منهم مَن يَقطعُ بنَفيهِ، ومنهُم مَن يَشكُّ فيهِ، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ الاختلافُ بالإقرارِ والإنكارِ عَلى أنْ يكُونَ الضَّميرُ في ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ للمُسلِمينَ والمُشركينَ جَميعًا؛ لأنَّ الفريقَينِ كِلَيهما (٢) في حَيِّزِ الرَّدعِ، وعلى هذا يلزَمُ أنْ لا يَدخلَ أحدُهما فيهِ، وفيهِ ما فيهِ. * * * (٤) - ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾. ﴿كَلَّا﴾ رَدعٌ للمُتسائلِينَ (٣).

стр. 3964

﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ وَعيدٌ، وحُذفَ ما يَتعلَّقُ به العِلمُ تَهوِيلًا؛ أي: سيَعلمُونَ ما يَحلُّ بهم. وقِيلَ: المعنى: سيَعلمون حين يَرون العذابَ أنَّ ما يَتساءلُونَ عنه (١) ويضحكونَ منه حقٌّ. وقُرئَ بالتَّاءِ (٢) عَلى تَقديرِ: قُلْ لهم (٣). * * * (٥) ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ تكرِيرُ الرَّدعِ مع الوَعيدِ تَشدِيدٌ (٤) في ذَلكَ. ومَعنَى ﴿ثُمَّ﴾: الإشْعارُ بأنَّ الثَّانيَ أبلَغُ منَ الأوَّلِ وأشدُّ. وقِيلَ: الأوَّلُ عِندَ النَّزعِ، والثَّاني في القبر (٥). وقِيلَ: الأوَّلُ عِندَ البَعثِ، والثَّاني عِندَ الجَزاءِ. * * *

стр. 3965

(٦) - ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ﴾ استِفهامٌ بمعنَى التَّقريرِ، ﴿مِهَادًا﴾ (١): وِطاءً، وهو القَرارُ المُهيَّأ للتَّصرُّفِ فيه مِن غيرِ أذيَّةٍ، تذكيرٌ لهم ببعضِ ما عايَنوا مِن عجائبِ صُنعِه الدَّالِّ على كمالِ قُدرَتهِ؛ ليَستدِلُّوا بذلكَ على البَعثِ كما ذُكرَ (٢) مِرارًا. وقُرئَ: (مَهدًا) (٣)؛ أي: أنَّها لكم كالمَهدِ للصَّبيِّ وهو ما يُمهَدُ فيُنوَّمُ عليه، تَسمِيةً للمَمهودِ (٤) بالمَصدَرِ، أو وُصفتْ (٥) بالمَصدرِ، أو بمعنَى: ذاتَ مَهدٍ (٦). * * * (٧) - ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾. ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾؛ أي: للأرْضِ كَيلا تَميدَ بكم مَيدَ المَهدِ بما فيهِ، فهو تَكمِيلٌ لِمَا قَبلهُ، ولذلك لم يفصَل بينهما بإعادةِ الفِعلِ. * * * (٨) - ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾. ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ذَكرًا و (٧) أُنثَى حتَّى يصِحَّ منكم التَّناسلُ.

стр. 3966

(٩) - ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾. ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾: قَطعًا عنِ الحركةِ والإحساسِ، استراحةً للقِوى الحيوانِيةِ وإزاحةً لكَلالها (١) بتعطيلِ الحَواسِ. * * * (١٠) - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾: غِطاءً ساتِرًا بظُلمتِهِ (٢)، فيه تقويةٌ للفائدةِ المقصودةِ مِن جَعلِ النَّومِ سُباتًا. * * * (١١) - ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾. ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾: مُتصرَّفًا للعيشِ فهو ظرفٌ لا مَصدرٌ، فلا حاجةَ إلى إضمارِ الوقتِ. والعيشُ: الانتِعاشُ الذي تبقى معه (٣) الحَياة على حالِ الصِّحةِ. والنَّهارُ: اتِّساعُ الضِّياءِ المنبَثِّ في الآفاقِ. * * * (١٢) - ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾. ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا﴾: سَبعَ سَماواتٍ ﴿شِدَادًا﴾: قويَّةَ الخلْقِ مُحكَمةً لا يؤثِّرُ فيها مُرورُ الدُّهورِ، وكُرورُ الشُّهورِ.

стр. 3967

(١٣) - ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾: مُضيئًا وقَّادًا؛ أي: جامعًا للنُّورِ والحرارةِ؛ والمُرادُ الشَّمسُ. * * * (١٤) - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾؛ أي: السَّحائبِ (١) إذا أَعْصَرتْ، أي: شارَفتْ أنْ تَعْصِرَها الرِّياحُ فتُمطرَ، أو الرِّياحُ التي حانَ لها أنْ تَعصِرَ السَّحابَ (٢)، وإنَّما جُعلتْ مَبدأً للإنزَالِ لأنَّها تُنشِئُ السَّحابَ، وتُدرُّ أخلافَهُ (٣)، ويُؤيِّدهُ قراءةُ: (بالمُعصِراتِ) (٤)، وإنْ أُريدَ السَّحابُ فتوجيهُ (٥) تِلكَ القِراءةَ أنَّ الإنزَالَ إذا كانَ مِنها فهو بها (٦). ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾: مُنصبَّاً بكَثرةٍ، وقُرِئ بالحاءِ المُهمَلةِ (٧). ومَثاججُ الماء: مَصابُّهُ. * * * (١٥) - ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾. ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا﴾: ما يُتقوَّتُ بهِ كالحِنطةِ والشَّعيرِ.

стр. 3968

﴿وَنَبَاتًا﴾: ما يُعتَلفُ (١) مِن التِّبنِ والحَشيشِ. * * * (١٦) - ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾: مُلتفَّةً، لا واحِدَ له كالأوزَاعِ والأخيافِ (٢). وقِيلَ: الواحِدُ لِفٌّ كجِذعٍ وأجذَاعٍ، وأنشَدَ حَسنُ بنُ عليٍّ الطُّوسيُّ: جَنةٌ لِفٌّ وعيشٌ مُغدِقُ … ونَدامَى كُلُّهم بِيضٌ زُهُر أو لَفيفٌ كشَريفٍ وأشرَافٍ، وزعَمَ ابنُ قُتيبةَ أَنَّهُ لفَّاءُ ولُفٌّ ثُمَّ ألفافٌ (٣)، ولم يُوجَد له نَظيرٌ مِن نَحوِ حُمْرٍ وأحمارٍ، وخُضْرٍ وأخضارٍ (٤). وقِيلَ: جَمعُ مُلتفَّةٍ بحَذفِ الزَّوائدِ. * * * (١٧) ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ﴾ في عِلمِ اللهِ تعالى وحُكمهِ.

стр. 3969

﴿مِيقَاتًا﴾: حدًّا تُوقَّتُ به الدُّنيا وتَنتَهي عِنده، أو حدًّا للخلائقِ ينتهون (١) إليهِ. * * * (١٨) - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ بَدلٌ مِن ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، أو عَطفُ بيانٍ لهُ. ﴿فَتَأْتُونَ﴾ مِن القبورِ إلى المَحشَر. ﴿أَفْوَاجًا﴾: جَماعاتٍ. * * * (١٩) - ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾. ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾؛ أي: شُقِّقتْ لنُزولِ المَلائِكةِ؛ كما قال تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. وقُرئَ بالتَّخفِيفِ (٢). ﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾؛ أي: كَثرتْ طُرقُها فصارتْ كأنَّ كُلَّها أبواب مُفتَّحةٌ، كقوله تعالى ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] كأنَّ كلَّها عُيون تَتفجَّرُ. * * * (٢٠) - ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾. ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ أي: في الهواء (٣) لا كالهَباءِ، بل كالعِهنِ المَنفُوشِ على ما مرَّ في سُورةِ بني إسرائيلَ.

стр. 3970

﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ فصارتْ مِثلَ سَرابٍ، إذ تُرى على صورةِ الجِبالِ، ولم تَبقَ حَقيقَتُها؛ لتفرُّقِ أجزائِها، وانبِثاثِ جواهرها. * * * (٢١) - ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾. ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: مَوضعَ رَصدٍ يَرصُدُ فيهِ خزنةُ النَّار الكفَّارَ، أو خزنةُ الجنَّةِ المُؤمِنينَ، لا ليَحرسوهم مِن فَيحِها في مَجازِهم عليها؛ لأنهم مُستَغنونَ عن تلك الحراسةِ لغَلبةِ نُورِهم على نارِ جَهنَّمَ، حتَّى وَردَ في صحيحِ الخَبرِ عن سيدِ البَشرِ أنَّ جَهنَّم تتأذَّى مِن نُورِهمْ عِندَ عُبورِهم (١)، وقَد مرَّ في تَفسِيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] أنَّ المُؤمِنينَ يَمرُّونَ وهِي خامِدةٌ (٢) = بل لاستِقبالهم عِندَها؛ لأنَّ مَجازهُم عليها، والرَّاصد للشيءِ: المُراقبُ له. أو مُجِدَّةً (٣) في تَرصُّدِ (٤) الكفَّارِ لئلَّا يَشذَّ مِنها واحِدٌ، فإنَّ مِفعَالًا مِن أبنِيةِ المُبالغةِ كالمِطعانِ.

стр. 3971

وقُرئَ (١): (أنَّ) بالفتحِ على التَّعليلِ لقيامِ السَّاعة بأنَّ جهنَّمَ كانَتْ مِرصادًا؛ كأنَّهُ قِيلَ: كان ذلك لإقامةِ الجزاءِ (٢). * * * (٢٢) - ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾. ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾؛ أي: مَرجِعًا أو مَأوىً، بدلٌ مِن قَولهِ تَعالى: ﴿مِرْصَادًا﴾. * * * (٢٣) - ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. ﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾ حالٌ مُقدَّرةٌ مِن الضَّميرِ في ﴿لِلطَّاغِينَ﴾. وقُرئَ: ﴿لَابِثِينَ﴾ (٣)، وهو أقوَى؛ لأنَّ اللابِثَ مَن وُجِدَ منه اللَّبثُ وإنْ قلَّ، وهو المكثُ، ولا يُقالُ: لَبثَ، إلَّا لمنْ شَأنهُ اللَّبثُ، كالذي يَجثمُ بالمكانِ لا يكادُ ينفَكُّ عنه. ﴿أَحْقَابًا﴾ ظَرفٌ، وهُو جَمعُ حِقْبٍ، وهو الدَّهرُ، ولَم يُرَدْ به عددٌ محصورٌ بل الأبدُ؛ إذ لا يكادُ يُستَعملُ إلَّا حيثُ يُرادُ تَتابعُ الأزمِنة وتَواليها.

стр. 3972

وقيل: الحُقْبُ ثَمانونَ سَنةً أو سَبعونَ ألفَ سَنةٍ، فعلى تَقدِيرِ صحَّتهِ ليس فيه ما يَقتضِي تَناهِيَ تلك الأحقابِ (١) حتَّى يُعارِضَ مفهومُهُ منطُوقَ الدالِّ على خُلودِ الكفَّار (٢)؛ لجوازِ أنْ يكونَ أحقابًا مُترادِفةً كلَّما مضَى حُقبٌ تَبعَهُ حُقبٌ آخرُ إلى غيرِ النِّهايةِ، وإنَّما استُعيرَ جَمعُ القِلَّة للكَثرةِ (٣) مُحافظةً للفَاصِلةِ. * * * (٢٤ - ٢٥) - ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾؛ أي: غيرَ ذائِقينَ، حالٌ مِن ضَميرِ ﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾ (٤)؛ أي: في تلك الأحقَابِ، ويَجوزُ أن يَكونَ ﴿أَحْقَابًا﴾ مَنصُوبًا بـ ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾ على أنَّ المَعنَى أنَّهم يَلبثُونَ فيها أحقَابًا غيرَ ذائِقينَ. ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ ثُمَّ يُعذَّبون جنسًا آخرَ مِن العذابِ. ويجوزُ أن يَكونَ جَمعَ حَقِبٍ، مِن حَقِبَ الرَّجلُ: إذا أخطَأهُ الرِّزقُ، وحَقِبَ العامُ: إذا قلَّ مَطرهُ وخَيرُهُ، فيكونُ حالًا بمعنَى: لابِثينَ فيها حَقِبينَ، ويَكونُ قَولهُ تَعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾ تَفسِيرًا له (٥).

стр. 3973

﴿بَرْدًا﴾، أي: لا يَمسُّهمْ مِن الهواءِ القُرِّ (١) ما يُستلَذُّ ويكسِرُ شدَّةَ الحرِّ. وقيل: المرادُ به النومُ. ﴿وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا﴾: ماءً حارًّا يحرِقُ ما يأتي عليه ﴿وَغَسَّاقًا﴾: ما يَسيلُ مِن صَديدِهم. استِثناءٌ متَّصل مِن قَولهِ تَعالى: ﴿وَلَا شَرَابًا﴾ (٢). وقِيل: الزَّمهَريرُ، وهو مُستثنًى مِن البَردِ، إلَّا أنَّه أُخِّرَ ما حقُّه أن يُقدَّمَ مُحافظةً عَلى الفَاصلةِ. وقُرئَ بالتَّشدِيدِ (٣). * * * (٢٦) - ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾. ﴿جَزَاءً﴾: جُوْزوا جزاءً ﴿وِفَاقًا﴾ مُوافِقًا لأعْمالهم، مصدرٌ بمعنَى الصِّفةِ، أو: ذا وِفاقٍ. * * * (٢٧) - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾. ثُمَّ استَأنفَ مُعلِّلًا بقولهِ تَعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾: لا يَخافون مُحاسبةَ اللّهِ تَعالى إيَّاهُم، إذ لا يُؤمِنون (٤) بالبَعثِ فلا يَرجُونَ حِسابًا.

стр. 3974

(٢٨) - ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾. ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾: تَكذِيبًا، وفِعَّالًا في بابِ فعَّلَ قِياسيٌّ، وقُرئَ بالتَّخفِيفِ (١) * * * (٢٩) - ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ نصبٌ بمُضمَرٍ يُفسِّرهُ: ﴿أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾: مَكتُوبًا في اللَّوحِ، أو مَصدرٌ في موضعِ: إحصَاءً، أو أحصَينا في معنَى كتبنَا؛ لأنَّ الإحصَاءَ يكونُ بالكتابةِ غالِبًا، وقُرئَ بالرَّفعِ عَلى الابتداءِ (٢). وهذهِ الآيةُ اعتِراضٌ لبَيانِ وَعيدِهم بضَبطِ مَعاصِيهم؛ لأنَّ قَولهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ مُسبَّبٌ عَن كُفرِهم بالحِسابِ، وتكذِيبهم بالآياتِ، أي: فذوقوا جَزاءً. وفي هذا التَّسبيبِ، مع الإبهامِ والتَّبيينِ، والتَّأكِيدِ بالتَّكرِيرِ وبالمَصدرِ في الجُملةِ الاعتِراضيَّةِ، ودِلالةِ ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ﴾ (٣) عَلى أنَّ تَركَ الزِّيادةِ كالمُحالِ الَّذِي لا يَدخلُ تَحتَ الإمكانِ، ومَجيئها على طَريقةِ الالتِفاتِ= مُبالَغاتٌ (٤) بالِغةٌ (٥) حدَّ

стр. 3975

النِّهايةِ، ودَلائلُ شاهَدةٌ بأنَّ الغَضبَ قد تَبالغَ، وعن النَّبيِّ ﷺ : "هذهِ الآيةُ أشدُّ ما في القُرآنِ عَلى أهلِ النَّارِ" (١). * * * (٣١) - ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾؛ أي: فَوزًا بالبُغيةِ، أو: مَوضعَ فوزٍ حيثُ زُحزِحوا (٢) عنِ النَّارِ وأُدخِلوا الجنّةَ، ولم تُعطفْ قِصتُهم على قصةِ الطَّاغين، كما عُطفَ في قولهِ تَعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤] لأنَّ وِزانَ هاتَينِ القصَّتينِ لَيسَ وِزانَ تَينِكَ القصَّتينِ، فإنَّ الأولى فيما نحنُ فيه مَسوقةٌ لذِكرِ جَهنَّمَ، وأنَّها كانَتْ مِرصَادًا، وسِيقتِ الثَّانيةُ لأنَّ المتَّقينَ مِن حَالتهِم كَيتَ وكَيتَ، فبَينهُما تَباينٌ في الغَرضِ والأُسلُوبِ، وهما على حدٍّ لا مَجالَ فيه للعَاطفِ. * * * (٣٢) - ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾. و ﴿حَدَائِقَ﴾: جَمعُ حديقةٍ، وهي البُستانُ المَحوطُ عليهِ، يُقالُ: أَحدقَ به؛ أي: أحاطَ، بَدلٌ مِن ﴿مَفَازًا﴾ أو بَيانٌ. ﴿وَأَعْنَابًا﴾ المُرادُ بهِ الكُرومُ.

стр. 3976

(٣٣) - ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾. ﴿وَكَوَاعِبَ﴾: جَمعُ كاعِبٍ، وهِي النَّاهدُ. ﴿أَتْرَابًا﴾ الأترَابُ: الأقرَانُ في السنِّ، جَمعُ تِربٍ. * * * (٣٤) - ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾: مُمتَلئةً أو مُتتابِعةً. * * * (٣٥) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾. ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾؛ أي: في الحَدائقِ المَذكُورةِ. ﴿لَغْوًا﴾: كَلامًا لا طَائلَ تَحتهُ. ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ قُرئَ بالتَّشدِيدِ والتَّخفِيفِ (١)؛ أي: لا يُكذِّبُ بَعضُهم بَعضًا. وقِيلَ: الضَّميرُ للكَأسِ؛ أي: لا يَجرِي في أثناءِ شُربِها ما يَجرِي (٢) في أثنَاءِ شُربِ خَمرِ الدُّنيا مِن الهَذيانِ والصَّخبِ والعُدوانِ. * * * (٣٦) - ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾. ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ مَصدرٌ مؤكِّدٌ مَنصوبٌ بمعنى قولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ كأنَّهُ قِيلَ: جَازى المُتقِينَ.

стр. 3977

﴿عَطَاءً﴾ بدلٌ مِنه على الاشتِمالِ، جَزاءً باعتِبارِ كَونهِ في مُقابلةِ العملِ، وعَطاءً لعَدمِ استِحقاقِ العَبدِ لهُ؛ كيفَ والعملُ واجبٌ عليه بحُكمِ العُبوديَّةِ؛ فلا يَستحِقُّ بسَببهِ الأجرَ! ولا يجوزُ نَصبهُ بـ ﴿جَزَاءً﴾ نَصبَ المَفعولِ بهِ؛ لأنَّ المَصدرَ المؤكِّدَ لا يَعملُ؛ إذ لا يَنحَلُّ بحَرفٍ مَصدرِيٍّ والفِعل، قال أبو حيانَ: ولا نَعلمُ في ذلك خلافًا (١). ﴿حِسَابًا﴾ صفةٌ لهُ بمَعنَى: كافِيًا، أَحْسَبَهُ الشَّيءُ: إذا كَفاهُ حتَّى قالَ: حَسبِي. وقُرئ: (حَسَّابًا) بالتَّشدِيدِ عَلى أنَّهُ بمَعنَى المُحسِبِ، كالدَّرَّاكِ بمعنى المُدرِكِ (٢). * * * (٣٧) - ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾. ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قُرئَ بالرَّفعِ عَلى إضمارِ: هُو، أو مُبتَدأ و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ صِفةٌ و ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ خَبرٌ، أو هُما خَبرانِ. وبالجرِّ عَلى البَدلِ مِن ﴿رَبِّكَ﴾. وبجَرِّ الأوَّلِ ورَفعِ الثَّاني (٣) عَلى أنَّهُ مُبتدأٌ خَبرهُ (٤) ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، أو: هو الرَّحمنُ، و ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ خَبرٌ ثانٍ. والضَّميرُ في ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ لأهلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي ﴿مِنْهُ خِطَابًا﴾ للّهِ

стр. 3978

تعالى؛ أي: لا يَملِكون أنْ يُخاطِبوهُ تعالى بشيءٍ مِن نَقصِ العذابِ (١) أو زِيادةٍ في الثَّوابِ إلَّا أنْ يُؤذنَ لهم في ذلكَ. أو: لا يَملكُونَ مما يُخاطِبُ اللهُ تَعالى بهِ ويأمُرُ في أمرِ الثَّوابِ والعِقابِ خِطابًا واحدًا يتَصرَّفونَ فيهِ تَصرُّفَ المُلَّاكِ بزِيادةٍ أو نُقصانٍ. أو: لا يَقدرُ أحدٌ أنْ يُخاطِبهُ تَعالى خَوفًا، وذَلكَ لا يُنافي الشَّفاعةَ بإذنِهِ. * * * (٣٨) - ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾. ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ نَصبٌ بـ ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ أو ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾. ﴿الرُّوحُ﴾ جِبرائيلُ ﵇. وقِيلَ: مَلكٌ عَظيمُ الخَلقِ (٢)، ما خَلقَ اللهُ تعالى بَعدَ العَرشِ أعظَمَ مِنهُ، مُوكَّلٌ عَلى الأروَاحِ كلِّها. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ حالٌ؛ أي: مُصطفِّينَ. ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ أي: الرُّوحُ والمَلائكةُ خَوفًا. ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ في الكلامِ أو الشَّفاعةِ. ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ هُما شرطانِ: إذنُ الرَّحمنِ، وقَولُ الصَّوابِ، وهو الشَّفاعةُ لمنِ ارتَضى؛ لقَولهِ تَعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. والجُملةُ تَقريرٌ وتَوكيدٌ لقَولهِ تَعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ على أنَّ الضميرَ فيه لمَجمُوعِ

стр. 3979

مَن تقدَّمَ ذِكرهُ، وأمَّا إذا كان للرُّوحِ والمَلائكَةِ خاصَّةً، فلا يتَمشَّى أمرُ التَّوكيدِ إلَّا على أصلِ الاعتِزالِ، بأنْ يُقالَ: إنَّ هؤلاءِ الذين هم أشرَفُ الخلائقِ وأقرَبهُم مِن (١) اللّهِ تَعالى مَنزلةً إذا لم يَقدِروا أنْ يَتكلَّموا (٢) بما يَكونُ صَوابًا كالشَّفاعةِ لمنِ ارتَضى إلَّا بإذنِهِ؛ فكَيفَ يملِكهُ غَيرهُمْ (٣)؛ لأنَّ مَذهبَ أهلِ السُّنةِ أنَّ خَواصَّ الإنسَانِ أشرَفُ الخَلائقِ؛ وأَنَّهم أفضَلُ مِن خواصِّ المَلائكةِ. * * * (٣٩) - ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾. ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾: الثَّابتُ وُقوعهُ لا مَحالةَ. ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ﴾: إلى ثَوابهِ ﴿مَآبًا﴾: مَرجِعًا بالعَملِ الصَّالحِ. * * * (٤٠) - ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ هو عذابُ الآخِرةِ، وقرَّبهُ لتَحقُّقهِ لأنَّ فيَ ما هو آتٍ قَريبٌ، ولأنَّ مَبدأهُ المَوتُ. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ مُؤمنًا كان أو كَافرًا، هذا هو المُطابقُ لِمَا سَبقَ مِن وَصفِ يومِ الفَصلِ بما اشتَملَ على حالِ الفَرِيقينِ.

стр. 3980

﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ مِن خَيرٍ وشرٍّ. ﴿مَا﴾ مَوصُولةٌ مَنصوبةٌ بـ ﴿يَنْظُرُ﴾، يُقالُ: نظَرتهُ، بمَعنى: رأيتُهُ (١)، ونَظرتُ إلَيهِ أعمُّ، والرَّاجعُ مِن الصِّلةِ مفعولُ ﴿قَدَّمَتْ﴾، وحذفُه مَفعُولًا شائعٌ. أو استِفهاميَّةٌ مَنصُوبةٌ بـ ﴿قَدَّمَتْ﴾؛ أي: يَنظُرُ أيَّ شيءٍ قدَّمتْ يَداهُ؟ وقوُلهُ: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي﴾ بَعضُ المرتبِ على ما قَبلهُ، كما في قولهِ تَعالى: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ [يوسف: ٣١]، والتَّقدِيرُ: فيُسرُّ (٢) المُؤمنُ ويَقولُ الكَافرُ، وقَد نبَّهتُ فيما سَبق أنَّ هذهِ الواوَ تُسمَّى فَصِيحةً (٣). فإنْ قُلتَ: لمَ خصَّ قولَ الكَافرِ بالذِّكرِ دُونَ المُؤمنِ عَلى عَكسِ ما تَقدَّمَ مِن تَخصِيصِ حالِ المُؤمنِ بالذِّكرِ حَيثُ قالَ: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾؟ قُلتُ: دلَّ ذِكرُ الكَافرَ على غايةِ الخَيبةِ ونِهايةِ التحسُّرِ، ودلَّ حَذفُ قَولِ المُؤمنِ عَلى غايةِ النُّجحِ (٤) ونهايةِ الفَرحِ بما لا يُحيطُ بهِ الوَصفُ.

стр. 3981

﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ أي: حِينَ مِتُّ كما كان سَائرُ الحَيواناتِ؛ فإنَّ الإنسانَ مَخصُوصٌ مِن بينِها بالرُّوحِ الباقِي بعدَ المَوتِ، وهذا وَجهُ ما قِيلَ: يُحشَرُ سائِرُ الحَيواناتِ للاقتِصاصِ، ثُمَّ تُردُّ تُرابًا، فيودُّ الكافِرُ حَالها (١)، لا ما تُوهِّمَ (٢) مِن أنَّ كانَ بمَعنَى صارَ، واللهُ أعلمُ بالصَّوابِ. * * *

стр. 3982

سُورَةُ النَّازِعَاتِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) * * * (١) - ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾: مِن نَزعَ الشَّيءَ نَزعًا، إذا جَذبهُ عن مَقرِّهِ كنَزعِ القَوسِ عَن كَبدهِ. ﴿غَرْقًا﴾ اسمٌ بمعنَى الإغراقِ، كالسَّلامِ بمعنَى التَّسليمِ، أو مَصدرٌ مَحذُوفُ الزَّوائدِ؛ يُقالُ: أغرَقَ النَّازعُ في القَوسِ: إذا استَوفى مدَّها (٢). * * * (٢) - ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ مِن نَشطَ الدَّلوَ مِن البِئرِ: إذا أخرَجَها. (٣) - ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾.

стр. 3983

﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ أصلُ السَّبحِ في المائع، وقَد يُستَعملُ في غيرهِ بطَريقِ الاستِعارةِ. * * * (٤) - ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾. ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ عَدلَ هاهنا عن الواوِ إلى الفاءِ لتَرتُّبِ (١) السَّبقِ عَلى السَّبحِ، والعُدولُ في قَولهِ تَعالى: * * * (٥) - ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ أيضًا لذلك المَعنَى (٢). أقسَمَ بطَوائفِ المَلائكةِ التي تَجذبُ أروَاحَ الفُجَّارِ بشدَّةٍ وعُنفٍ لقوَّةِ تَعلُّقهم، وبالطَّوائفِ الَّتِي تَجذُبُ أرواحَ الأبرارِ بسُهولةٍ ولُطفٍ لقلَّةِ تعلُّقِهمْ، وبالطَّوائفِ التي تُسرعُ في مُضيِّها فتَسبقُ (٣) إلى ما أُمِروا بهِ فتُدبِّرُ أمرًا مِن أُمورِ العِبادِ على ما رُسمَ لهم. أو بالنُّجومُ فإنَّها تنزعُ (٤) مِن المَشرقِ إلى المَغربِ غَرقًا في النَّزع، بأنْ تَقطع ما

стр. 3984

بينَهما (١) مِن المَسافةِ كُلِّها، وتَنشطُ مِن بُرجٍ إلى بُرجٍ، مِن نَشطَ الثَّورُ: إذا خَرجَ مِن بَلدٍ إلى بَلدٍ، ويَسبحُونَ في الفُلكِ فيَسبقُ بعضُها في السَّيرِ لكَونهِ أسرَعَ حركةً، فتدبِّر أمرًا نِيطَ بها: مِن اختِلافِ الفُصولِ، وتَقديرِ الأوقَاتِ. ولمَّا كان في الحَركةِ الأُولى مَعنَى الاستِيفاءِ (٢) ذُكرَ فيها النَّزعُ والإغراقُ، ومَن وَهَمَ أنَّ ذَلكَ لأنَّها قَسريةٌ فقَد وَهِمَ، لا يُقالُ: تَسامحَ في عِبارةِ القَسريَّةِ، فإنَّ المُرادَ معنَى العرَضيَّةِ؛ لأنَّ حَركاتِ النُّجومِ كلِّها عَرضيَّةٌ. * * * (٦) - ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾. ﴿يَوْمَ﴾: مَنصُوبٌ بالجَوابِ المُضمَرِ (٣)، وهُو: لتُبعثُنَّ (٤)؛ لدِلالةِ ما بَعدهُ عَليهِ (٥). ﴿تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ الرَّجفُ: حَركةُ الشَّيءِ مِن تَحتِ غَيرهِ بترديدٍ واضْطرابٍ.

стр. 3985

و ﴿الرَّاجِفَةُ﴾: الأجرَامُ السَّاكنةُ الَّتِي تَرجُفُ حِينئذٍ مِن الأرْضِ والجِبالِ؛ لقَولهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤]. * * * (٧) - ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾: هِي الزَّلزَلةُ الثَّانيةُ تَردَفُ الأُولى، فتَنشقُّ السَّماءُ وتنتثرُ (١) الكَواكبُ، والرَّديفُ: الكائن بَعدَ الأوَّلِ قَريبًا منهُ. والفَرقُ بَينهُ وبَينَ التَّابعِ: أنَّ في التَّابعِ مَعنَى الطَّلبِ لمُوافقَتهِ الأوَّلَ دُونَ الرَّديفِ، وفي الرَّديفِ مَعنَى القُربِ دُونَ التَّابعِ. * * * (٨) - ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾. ﴿قُلُوبٌ﴾ مُبتدأٌ؛ لأنها مُتخصِّصةٌ فإنَّ تَنكِيرها عِوضٌ عنِ المُضافِ إليهِ، كتَنكِيرِ ﴿كُلٌّ﴾ في قَولهِ تَعالى. ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، والمَعنَى: قُلوبُ النَّاسِ، لا قُلوبُ الكفَّار (٢)؛ لعمُومِ البَلوى بدِلالةِ قَولهِ تَعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ

стр. 3986

لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨] و: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢]. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَنصوبٌ بقولهِ: ﴿وَاجِفَةٌ﴾ وهو خَبر. والوجيف: شدة الخفقان واضطراب القلب. * * * (٩) - ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾. ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ جُملةٌ ابتدائيَّةٌ أُخرَى، وإنَّما فُصِلتْ (١) عمَّا قَبلَها؛ لقوَّةِ الاتَصَالِ. اعلَمْ أنَّ الإدرَاكَ صِفةُ القَلبِ بدِلالةِ قولهِ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، والبَصرُ مِن جُملةِ الآيةِ (٢)، والخُشوعُ أيضًا صِفتُه والبصر مظهرُه (٣)، يُقالُ: أخشَعَ فُلانٌ، إذا طَأطَأ رأسَهُ رامِيًا ببَصرِهِ إلى الأرْضِ، وهو خاشِعُ الطَّرفِ خاضِعُ العُنقِ، فإسنادُ الخُشوعِ (٤) إلى البَصرِ مِن قَبيلِ إسنادِ الفِعلِ إلى آلتهِ، وإضافَةُ البَصرِ إلى القلبِ مِن قَبيلِ إضافةِ الآلةِ إلى صاحِبها، فلا حاجةَ إلى التَّقدِيرِ بل لا وَجهَ له. * * * (١٠) - ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾. ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: المُنكِرونُ للبَعثِ (٥) بدِلالةِ الاستِفهامِ الإنكَاريِّ في قَولهِ:

стр. 3987

﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾؛ أي: نُردُّ بعدَ المَوتِ إلى الحالةِ الأُولى؛ أي: الحياةِ؟ يُقالُ: رَجعَ في حَافرتهِ؛ أي: في طريقَتهِ الَّتِي جاء فيها فحَفرَها؛ أي: أثَّر فيها بمَشيهِ، جَعلَ أثرَ قَدميهِ حَفرًا، وتَوصيفُها بـ ﴿الْحَافِرَةِ﴾ بطَريقِ المَجازِ في النسبة (١)؛ كقَولهِ: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧]، أو عَلى تَشبيهِ القابلِ بالفاعِلِ (٢)، ثُمَّ اتُّسعَ فيه فقيلَ لمن كانَ في أمرٍ فخَرجَ منهُ ثمَّ عادَ إلَيهِ: رَجعَ إلى حافِرتهِ؛ أي: إلى حالَتهِ الأُولى (٣). وقُرئ: (في الحَفِرة) (٤)، وهي بمعنى المَحفُورةُ (٥)، وفيها نَوعُ تأيِيدٍ لما قُلنا: إنَّ أصلَ الحافِرةِ بمعنَى المَحفُورةِ. * * * (١١) - ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾. ﴿أَإِذَا﴾: مَنصوبٌ بمَحذُوفٍ تَقدِيرهُ: أئذا ﴿كُنَّا عِظَامًا﴾ نُردُّ ونُبعثُ، وقُرئ: ﴿إِذًا﴾ عَلى الخَبرِ (٦).

стр. 3988

﴿نَخِرَةً﴾ يُقالُ: نَخرَ العَظمُ فهُو نَخِرٌ وناخِرٌ، كقَولكَ: طَمعَ فهو طَمِعٌ وطامِعٌ، والأولُ أبلغُ، والثَّاني أشكلُ (١) لرُؤوسِ الآيِ، وقد قُرئَ بهما (٢) رِعايةً لهُما. وهُو البالي الأجوَفُ الذي يمُرُّ به الرِّيحُ فيُسمعُ له نَخِيرٌ (٣). * * * (١٢) - ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ وُصفتِ الكرَّةُ بخُسرانِ أصحَابها مُبالغةً؛ أي: إنَّها إنْ صحَّتْ فنَحنُ إذًا خاسِرونَ لتكذِيبِنا بها، وهذا استِهزاءٌ مِنهُمْ (٤). * * * (١٣) - ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ مُتعلِّقةٌ (٥) بمَحذُوفٍ (٦)؛ أي: لا تَحسبُوا تِلكَ الكرَّةَ صَعبةً عَلى اللهِ فإنما هي ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ سَهلة هيِّنةٌ في قُدرتِهِ تَعالى. والزَّجرةُ: الصَّرفةُ عن الشَّيءِ بالمَخافةِ، وهِي هاهنا بالصَّيحةِ لقولهِ تعالى:

стр. 3989

﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣]. * * * (١٤) - ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. ﴿فَإِذَا هُمْ﴾: فاجَؤوا الحُصولَ ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾؛ أي: وَجهِ الأرْضِ، فالعَربُ تسمي وَجهَ الأرضِ مِن الفَلاة: سَاهرةً؛ أي: ذاتَ سَهرٍ؛ لأَنَّه يُسهَر فيها خَوفًا (١)؛ وفيهِ إشارةٌ إلى حصولهم فيها أحياءً. * * * (١٥) - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾. ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ إنْ كان أتاهُ (٢) قبلَ ذَلك فمعناه: ألَيسَ قد أتاكَ؟ وإنْ كان لمْ يأتهِ فمَعناهُ: ما أتاك فأنا أُخبركَ بهِ. * * * (١٦) - ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: قد مرَّ تَفسيرهُ في سُورةِ طه (٣). * * * (١٧) - ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ على إرادةِ القَولِ، وقُرئ: (أنِ اذهَبْ) لِمَا في النِّداءِ مِن

стр. 3990

مَعنَى القَولِ (١)، كذا قِيلَ، وفيهِ: أنَّ بَينَ النِّداءِ المَذكُورِ وهذا المَقولِ (٢) مِن الفَواصلِ المُصدَّرةِ بالقول في سُورةِ طه. * * * (١٨) - ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾. ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾؛ أي: هل لكَ رَغبة إلى أنْ تُطهَّرَ مِن دَنسِ الكُفرِ بالإيمانِ؟ وقُرئ: ﴿تَزَكَّى﴾ بالتَّشدِيدِ (٣). تَفصيل للقولِ (٤) الليِّنِ الذي أمَرهُ بهِ في سُورةِ طه (٥)، وهو على صيغةِ العَرضِ دونَ الأمرِ، والتَّرغِيبِ دُونَ التَّرهيبِ. * * * (١٩) - ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾. ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾: وأُرشِدَكَ إلى معرفةِ ربِّكَ فتَعرفَه ﴿فَتَخْشَى﴾ لأنَّ (٦) الخَشيةَ بقدْرِ المَعرفةِ، قال اللهُ : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]؛ أي: العُلماءُ بهِ. ذَكرَ الخَشيةَ مكانَ التديُّنِ بدِينِ اللهِ تعالى لأنَّها مِلاكُ الأمرِ فيهِ.

стр. 3991

(٢٠) - ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. ﴿فَأَرَاهُ﴾ الفاءُ فَصيحةٌ؛ أي: فذَهبَ وبلَّغَ فأراه ﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ هِي قَلبُ العَصا حيَّةً؛ لأنها كانَت المُقدِّمةَ والأصلَ، أو (١) أرادَهما جَميعًا إلَّا أنَّهُ جَعلهُما واحدةً لأنَّ الثَّانِيةَ كأنَّها مِن جُملةِ الأُولى لكَونِها تابِعةً لها؛ لأنَّهُ كانَ يتَّقيها بيَدهِ، فقِيلَ لهُ: أدْخِل يَدكَ في جَيبكَ. أو المَجمُوعُ لأنَّهما باعتِبارِ الإعْجازِ والدِّلالةِ على صِدقهِ واحدٌ (٢). * * * (٢١) - ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾. ﴿فَكَذَّبَ﴾ بموسى ﵇ ﴿وَعَصَى﴾ اللهَ بعدَ ظُهورِ الحقِّ، ووُجوبِ الطَّاعةِ. * * * (٢٢) - ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾. ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾، أي: تَولَّى عن مُوسَى ﵇ يَجتهدُ في مُكايَدتهِ لقَولهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]، ويَجوزُ أنْ يَكونَ ﴿أَدْبَرَ﴾

стр. 3992

مُستَعارًا لمَعنى: أقبلَ؛ تَملِيحًا وتَنبِيهًا عَلى أنَّهُ كانَ إدبَارًا (١). * * * (٢٣ - ٢٤) - ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. ﴿فَحَشَرَ﴾؛ أي: السَّحرةَ؛ لِمَا مرَّ مِن قولهِ تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾، والحَشرُ: الجَمعُ مِن كلِّ جِهةٍ، وقَد يَكونُ الجَمعُ بضمِّ جُزءٍ إلى جُزءٍ فلا يَكونُ حَشرًا. ﴿فَنَادَى﴾ في مَحشرهِ ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أي: أعلَى على كلِّ مَن يَلي أمرَكُم (٢). * * * (٢٥) - ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ النَّكالُ بمعنَى التَّنكِيلِ (٣) مَصدر مؤكِّدٌ؛ أي: نكَّلَ اللهُ بهِ تَنكِيلًا في الآخِرةِ بالإحراقِ وفي الدُّنيا بالإغراق، أو مفعولٌ له؛ أي: للتَّنكِيل فيهِما. وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: نَكالَ كلِمتهِ الآخرةِ وهي هذهِ، وكَلمتِه الأُولى وهِي قَولهُ. ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] (٤).

стр. 3993

والنَّكالُ عِقابٌ يُنكَّلُ بهِ عنِ الإقدامِ على سَببهِ لشدَّتهِ. * * * (٢٦) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ العِبرةُ للكُلِّ، وإنَّما خُصَّ به مَن يَخشَى لأنَّه هو المُنتفِعُ به. * * * (٢٧) - ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾. الخِطابُ في ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ لمُنكِري البَعثِ؛ أي: أأنتُمْ أصعَبُ خَلقًا وإنشاءً ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾. ثُمَّ بيَّنَ كَيفَ خَلقَها فقال: ﴿بَنَاهَا﴾. * * * (٢٨) - ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾. ثُمَّ بيَّنَ كيفيَّةِ البِناءِ فقال: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾، أي: مِقدارَها في جِهةِ العُلوِّ بأنْ يَجعلهُ مديدًا رفِيعًا. ﴿فَسَوَّاهَا﴾: فعَدَّلها مُستوِيةً مَلساءَ لا فُطورَ فيها ولا تَفاوتَ، أو: فتمَّمها (١) بما يَتِمُّ بهِ كمالُها وصَلاحُها؛ من التَّدوير والتَّزيين بالكَواكبِ وغَيرِ ذلك، مِن قولهم: سوَّى فلانٌ أمرَهُ، إذا أصلَحهُ. * * *

стр. 3994

(٢٩) - ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ غَطِشَ اللَّيلُ وأغطَشهُ الله كظلِمَ وأظلَمَه، ويُقال أيضًا: أغطَشَ اللَّيلُ، كما يُقال: أظلَمَ. والأوَّلُ منقولٌ مِن غَطِشَ (١) والثَّاني بمعنى الصَّيرُورةِ. ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ الضُّحى: الضَّوءُ، لقَولهِ تَعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾؛ أي: ضَوئها. [وقولهم] (٢): وَقت الضُّحَى، هُو وَقتُ إشرَاقِ ضَوءِ الشَّمسِ. وإضَافةُ اللَّيلِ والضُّحى إلى السَّماءِ؛ لأنَّهما يَحدُثانِ بحَركةِ الشَّمسِ فيها، ومَن قال: بحرَكتِها، فكأنَّهُ غَفلَ عَن قَولهِ تَعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] فإنَّهُ صَريحٌ في أنَّ الشَّمسَ تتحرَّكُ في الفَلكِ لا بالفَلكِ كما زَعمتِ الفَلاسفةُ. * * * (٣٠) - ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾: بسَطَها. * * * (٣١) - ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾. ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ حالٌ لإضمارِ: قد، كقَولهِ تَعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] (٣).

стр. 3995

﴿مَاءَهَا﴾: عُيونَها المُتفجِّرةَ (١). ﴿وَمَرْعَاهَا﴾: رِعيَها (٢)، والمَرعَى مُشتركٌ بَينهُ وبَينَ المَصدرِ والمَوضِعِ، ذَكرهُ في "القَاموسِ" (٣). وأصلُ الرَّعيِ: حِفظُ الغَيرِ في أمرٍ يَعودُ بمَصلَحةٍ، ومنه: رَعيُ الغَنمِ، ورَعي الوالي الرَّعيَّةَ، ذَكرَه الرَّاغبُ (٤)، فلا اختِصاصَ في المَرعَى للأنعَامِ؛ ولذلكَ قال: (٣٢) - ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾. ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ الإرسَاءُ: الإثبَاتُ بالثقلِ، نَصبَ الأرضَ والجِبالَ بإضْمارِ دَحى وأرسَى على شَريطةِ التَّفسِيرِ، وقُرئا مَرفُوعَينِ على الابتداءِ (٥). * * * (٣٣) - ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. ﴿مَتَاعًا﴾: تَمتِيعًا، مَفعولٌ لهُ (٦). ﴿لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾: ولمَواشِيكم، فَصَلَ بينهُ وبينَ الفِعلِ المُعلَّلِ بقَولهِ: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾؛ لأنَّهُ مما يَتوقَّفُ عليهِ التَّمتُّعُ بالماءِ والمَرعَى.
следующие страницы →