(١٠٢) - ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ عطفٌ على ﴿نَبَذَ﴾؛ أي: نبذوا كتابَ الله تعالى، واتَّبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت الشياطينُ - وهم المتمرِّدون من الجن - يقرؤونها على عهد مُلكِ سليمانَ ﵇.
وليست ﴿عَلَى﴾ صلةَ التلاوة، بل من قولهم: كان هذا على عهد فلانٍ؛ أي: في وقته وزمانه، ﴿تَتْلُو﴾ حكايةُ حالٍ ماضية.
﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تكذيب لمن زعم أن سليمان ﵇ سخَّر الإنس والجن والريح بالسحر، وأن مُلكه تمَّ بهذا العلم، والكنايةُ عن السحر بالكفرِ للدلالة على أنه كفرٌ، والإشارةِ إلى ما يوجب تنزُّهه ﵇ عنه؛ كأنه قال: وما سَحَر سليمان؛ لأنَّ السحر كفرٌ، والنبيُّ معصومٌ عن الكفر.
﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ لمَّا نفى الكفر عن سليمان ﵇، وكان الشياطينُ قد سخِّرت لسليمان ﵇ يستعملُهم (١) فيما يشاء، فقد يُتوهم أنهم لا يكفرون أيضًا، إذ هم في خدمة نبيٍّ، فاستدرك أنهم كفروا باستعمالهم السحر.
стр. 457
وقرأ الحسن: (الشياطون) (١).
وقال السَّجاونديُّ: خطَّأه الخارْزَنجيُّ (٢)، ولو سلِّم صحتُه فلا خفاءَ في عدم فصاحته.
﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ إغواءً وإضلالًا، والجملةُ حال عن الضمير، والسحرُ: مزاولةُ النفوس الخبيثة لأفعالٍ وأقوالٍ يترتَّب عليها أمورٌ خارقةٌ للعادة، ولا يروى خلافٌ في كون العمل به كفرًا، وعدُّه نوعًا من الكبائر مغايرًا للإشراك لا ينافي ذلك؛ لأن الكفر أعمُّ، والإشراكُ نوعٌ منه.
وهو في أصل اللغة: الصَّرف، حكاه الأزهري عن الفرَّاء ويونسَ (٣)، فإطلاقُه على ما يفعله أصحابُ الحيَل بمعونة الآلات والأدوية، وما يُريك صاحبُ خفَّة اليد باعتبارِ ما فيه من صرف الشيء عن جهته حقيقةٌ لُغويَّة.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ عطفٌ على ﴿السِّحْرَ﴾، والمراد بهما واحدٌ، والعطف لأنَّه نوع أقوى منه كأنه من جنسٍ آخر.
وهما ملكان أُنزلا لتعليم السحر ابتلاءً من الله تعالى للناس.
وقيل: رجلان سمِّيا ملَكين باعتبارِ صلاحهما، ويؤيِّده قراءةُ: (المَلِكَين) بالكسر (٤).
стр. 458
وقيل: (ما أُنزل) نفيٌ معطوفٌ على (ما كفر) تكذيبٌ لليهود في هذه القصة، وهذا يكذِّبه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ فإنه إذا لم يكن هناك شيءٌ منزل فالتعليم والتعلُّم في أيِّ شيء يكون؟
﴿بِبَابِلَ﴾ ظرفٌ، أو حال من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ أو الضميرِ في ﴿أُنْزِلَ﴾، قال ابن مسعود ﵁: هي في سواد الكوفة. ومُنِعَ صرفُها للعَلَميَّة والتأنيث.
﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ عطفُ بيانٍ أو بدلٌ لـ ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾، ومُنع صرفُهما للعلَمية والعُجمة، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر - كما زعم بعضهم - لانصرفا.
وقرئ: (هاروتُ وماروتُ) بالرفع (١) على: هما هاروتُ وماروتُ.
وإبدالُهما من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ بدلَ البعض من الكلِّ - تصحيحًا لِمَا قيل: إنَّ (ما أُنزل) نفيٌ - يردُّه تعلُّق قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ الآيةَ بما (٢) قبله تعلُّقًا خاصًا بحيث لا ينتظم بدونه، فإن المبدَل منه في حكم الساقط بحيث لو أُقيم البدل مقامه لانْتَظَم الكلام معه.
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ تصريحٌ بما قدَّمناه من أنَّ إنزال السحر عليهما للابتلاء؛ أي: ما يعلمان أحدًا حتى ينصحاه وينبهاه على أنه سحرٌ، والعمل به كفرٌ.
والفتنة: ما يَتبيَّن بها حال الإنسان من الخير والشر، يقال: فتنتُ الذهب بالنار: إذا جرَّبته بها لتعلم أنه خالصٌ أو مشوبٌ، ومنه: الفتَّانة، وهي الحجرُ الذي يجرَّب به الذهب والفضة.
стр. 459
﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ بالعمل به، أو باعتقاد جوازه، إنما نحن ابتلاءٌ من الله تعالى واختبار.
قال عليٌّ ﵁: كانا يعلمان تعليم إنذارٍ لا تعليم دعاءٍ إليه (١)، كأنهما يقولان: لا تفعل كذا وكذا.
والصحيح من مذهب أصحابنا أن تعلُّمه حرام مطلقًا؛ لأنَّه توسُّلٌ إلى محظورٍ عنه غنًى وتَوَقِّيه بالتجنُّب أصلحُ وأحوطُ.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ عطفٌ على يعلِّمان المقدَّر؛ أي: يعلِّمان فيتعلَّمون الناس، على أن الضمير لِمَا دل عليه ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾.
﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾؛ أي: ما يُحْدِث الله عنده من التفرقة بينهما.
﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ﴾؛ أي: بما يفرِّقون.
﴿مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ استثناء مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال، فهو حالٌ من فاعلِ ﴿بِضَارِّينَ﴾، و ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ في محلِّ النصب بالمفعولية في الموضعين، وفي زيادةِ ﴿مِنْ﴾ تأكيدٌ بليغٌ فيهما.
وقرئ: (بضارِّي) على حذفِ النون من اسم الفاعل (٢)، وإن لم يكن فيه (أل).
قال أبو حيان: وله نظير في نثرِ العرب ونظمِها، وأما حذفُها على الإضافة إلى ﴿أَحَدٍ﴾ وجعلُ الجارِّ جزءًا منه فمردودٌ بأن الجارَّ مؤثِّر فيه، وجزءُ الشيء لا يؤثِّر في الشيء (٣).
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ لِمَا عرفتَ أنه أفعالٌ وأقوالٌ تُزاوِلها النفوسُ الخبيثة،
стр. 460
فحصوله (١) لا يخلو عن نوعِ تأثيرٍ في نفس المتعلِّم، وأمَّا ما قيل: لأنهم يقصدون به العمل، أو لأن العلم يجر إلى العمل غالباً، فإنما يصح وجهًا لضرر العلم لا لضرر المعلوم.
﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ نفيٌ لاحتمالِ أن يكون ضرره مَشوبًا بنفعٍ في الجملة، وهذا كالردِّ على مَن توهَّم أنَّ في تعلُّمه ليتوقاه، ولئلا يغترَّ به نفعٌ ما، واستَشهد بقول أبي نواسٍ:
عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ لكنْ لتَوَقِّيهِ … ومَن لم يَعرفِ الشَّرَّ مِن الخيرِ وقعَ فيه (٢)
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؛ أي: اليهود.
﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾؛ أي: استبدله بكتاب الله تعالى، والضميرُ لـ ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾، واللام الأولى للتأكيد القسَمي، والثانيةُ لام الابتداء لتعليق فعلِ العلم.
﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: نصيب.
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ عطفٌ على جملة القسم والجواب، أو على الجواب، وعطفُ الإنشاءِ على الإخبار كثير، وقد تقدَّم الكلام فيه.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ جوابُ (لو) محذوفٌ؛ أي: لارْتَدَعوا عن تعلُّم السحر وإيثارِ كتبه، أو: لكان خيرًا لهم، والمعنى: لو اعتادوا العمل بموجَبِ العلم، كنى عن عَدَم العمل بموجَبِ العلم بعدم العلم؛ تنبيهًا على قوة الملازمة بين العلم والعمل بموجَبه، وأن عدم العمل لعدم الصحة فيما يُوجبه من العلم.
стр. 461
(١٠٣) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ برسول الله ﵇ والقرآن، أو التوراةِ (١)؛ لأن إيمانهم بها كلَا إيمانٍ.
﴿وَاتَّقَوْا﴾ اجتنَبوا ما هم عليه من اتِّباع السحر واستبدالهِ بكتاب الله تعالى.
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ لشيءٌ ما من الثواب.
﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فيه تعظيمٌ للثواب، وتنبيهٌ على بقائه، بناءً على أن ما عند الله عبارةٌ عما في عالَم الغيب، أعني: عالمَ الآخرة، ودفعٌ لِمَا عسى أن يُتوهَّمَ أن التنكير التقليليَّ في (مثوبة) للتحقير.
﴿خَيْرٌ﴾ جواب (لو)، وأصله: لأُثيبوا مثوبةً من عند الله خيرًا (٢) مما شَرَوا به أنفسهم، فحُذف الفعل وركِّب الباقي جملةً اسمية ليدل على ثبات المثوبة والجزمِ بخيريَّتها، وحُذف المفضَّل عليه إجلالًا للمفضَّل من أن ينسب إليه.
ويجوز أن يكون: ولو أنهم آمنوا تمنِّيًا على سبيل المجاز؛ كأنه قيل: وليتهم آمنوا واتَّقوا، وتركُ الجواب في (لو) هذه كاللازم؛ لكونه في معنى (ليت)، وتقديره: لو آمنوا واتقوا لكان حسنًا، وإيراد الجملة الابتدائية بعده كالتعليل للتمني.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أنَّ (٣) ثوابَ الله تعالى خيرٌ لهم مما هم فيه، جهَّلهم لتركهم العملَ بعلمهم.
стр. 462
(١٠٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (راعِنا) أمرٌ من المراعاة يقتضي المشاركةَ غالبًا؛ أي: ليكن منك رَعيٌ لنا، ومنا رَعيٌ لك، والرعي: حفظُ الغير لمصلحته، نُهوا أن ينطقوا بلفظٍ يقتضي المشاركة مع مَن يعظَّم، وتضمَّن هذا النهيَ عن كلِّ ما يكون فيه استواءٌ مع النبيِّ ﵇.
ورُوي أنَّ المسلمين كانوا يقولون للرسول ﵇: راعنا؛ أي: راقبنا وتأنَّ بنا فيما بلَّغتنا حتى نفهمه، وسمع اليهود فافترَصوا (١) وخاطَبوه به مريدين نسبتَه إلى الرَّعن، أو سبَّه بالكلمة العبرانية التي كانوا يتسابُّون بها وهي: راعينا، فنُهي المؤمنون عنها وأُمروا بما يفيد تلك الفائدة ولا يحتمل التلبيس، وهو: ﴿انْظُرْنَا﴾ من نظَره: إذا انتظره (٢).
وقرئ: (أنظِرْنا) من النَّظِرة (٣)؛ أي: أَمْهِلْنا حتى نَحفظ (٤).
وقرئ: (راعُونا) على لفظِ الجمع للتوقير، و: (راعنًا) بالتنوين (٥)؛ أي: قولًا
стр. 463
ذا رعنٍ، نسبة إلى الرَّعنِ وهو الهوج، لمَّا شابه قولَهم: راعينا، فتسبَّب للسب (١).
﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما يكلِّمكم به رسول الله ﷺ سماعَ تيقُّظٍ حتى لا تحتاجوا إلى المراجَعة وطلب المراعاة (٢).
أو: واسمعوا ما أُمرتم به بجِدٍّ حتى لا ترجعوا إلى ما نُهيتم عنه، تأكيدًا عليهم في تركها (٣).
﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: الذين تهاوَنوا الرسولَ ﵇ وسبُّوه.
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بسبب كفرهم.
* * *
(١٠٥) - ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ المودة: محبة الشيء مع تمنِّيه، ولذلك يستعمل في كلٍّ منهما، و (مِن) للبيان؛ لأن (الذين كفروا) جنسٌ تحته نوعان: أهلُ الكتاب والمشركون. و (لا) مزيدةٌ للتأكيد.
نزلت تكذيبًا لجمعٍ من اليهود يُظهرون مودة المؤمنين ويدعون أنهم يودون لهم الخير.
﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مفعولُ ﴿يَوَدُّ﴾، و (مِن) الأولى
стр. 464
مزيدةٌ للاستغراق بعد النفي، والثانيةُ للابتداء، وفسِّر الخير بالوحي، والمعنى: أنهم يحسدونكم به، وما يحبون أن ينزَّل عليكم شيءٌ منه، وبالعلم وبالنصرة (١)، والوجهُ تعميمُه للكلِّ؛ لأنَّه نكرة في سياق النفي بالواسطة.
﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ على مقتضى حكمته، وتقديمُ اسم الله تعالى على الفعل للتأكيد والتخصيص، ثم وُضع المظهَر موضع المضمَر للتعظيم، وتربيةِ معنى الإضافة بالانفراد.
﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ إشعارٌ بأن النبوة هي الفضل العظيم، والله تعالى صاحبُه دون غيره.
* * *
(١٠٦) - ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ وقرئ: ﴿مَا نُنْسَخْ﴾ من أَنْسَخَ (٢)، و: (ننسِّيها) بالتشديد من التَّنسية (٣)، و: ﴿نُنْسِأهَا﴾ بالهمزة (٤)، و: (تَنسها) و: (تُنسها)، من نَسِي وأَنْسَى على خطاب الرسول ﵇ (٥).
стр. 465
وقرئ: (ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو نَنْسَخْها) و: (ما نَنْسَخْ من آية أو نُنْسِكَها) (١).
والنسخ في اللغة: هو النقل والتحويل، ومنه انتساخُ الكتاب: هو نقلٌ من نسخةٍ إلى أخرى.
ونسخ الآية: بيانُ انتهاء التعبُّد بقراءتها، أو حُكمِها، أو بهما جميعًا.
وإنساخُها: الأمر بنسخها.
ونَسْؤُها: تأخيرها وإذهابُها لا إلى بدلٍ.
وإنساؤها وتنسيتُها: أن يذهب بحفظها عن القلوب.
و ﴿مَا﴾ شرطيَّةٌ جازمةٌ لـ ﴿نَنْسَخْ﴾ منصوبةٌ به على المفعولية، ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ مجزومٌ أيضًا للعطف على المجزوم، وجزمُه بحذف الياء منه.
و (الآية) على المعنى اللغوي وهو جماعةٌ من الكلام، يقال: خرج القوم بآيتهم؛ أي: بجماعتهم؛ إذ لا اختصاص للنسخ بتمامِ الآية المصطلَحة.
﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ بما هو أنفعُ لكم في الدنيا أو في الآخرة ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ في النفع في واحدةٍ منهما.
نزلت لمَّا قال المشركون أو اليهود: ألَا ترون إلى محمدٍ ﵇ يأمر أصحابه بأمرٍ، ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. ففي (٢) الآية دلالة على جواز النسخ، بل على وقوعه.
стр. 466
قيل: وذلك لأن الأحكام شُرعت والآياتِ نزلت لمصالح العباد وتكميلِ نفوسهم فضلًا من الله تعالى ورحمةً، وذلك يَختلِف باختلافِ الأعصار والأشخاص؛ كأسباب المعاش، فإنَّ النافع في عصرٍ قد يَضُرُّ في غيره.
وكأنَّ هذا القائلَ غافل عن قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، أو عن دلالته على أنَّ النسخ قد يكون غضبًا على قوم.
ثم إنَّ قوله: وذلك يختلف باختلاف الأعصار … إلخ، مَبناه الغفولُ عن أن النسخ قد يكون قبل العمل بالمنسوخ.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ الخطاب لكلِّ أحدٍ؛ لأن الأمر عظيمٌ شامل، والتيقُّظ له ضروريٌّ للكلِّ، فيصلح أن يخاطَب به كلَّ أحد.
﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقدر على الخير وما هو خيرٌ منه، وعلى مثله في الخير.
ويجوز أن يكون الخطابُ لمحمد ﵇ تعريضًا للمشركين أو اليهود، كما أن قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] خطابٌ لعيسى ﵇ يومَ القيامة تعريضًا للنصارى.
* * *
(١٠٧) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ تأكيد لِمَا مرَّ، وجعلُه استفهامًا محضًا ومعادِلُه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ قولُ مَن لم يَذُقْ فصاحةَ كلام العرب (١).
стр. 467
﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يملك أمورَكم ويليها ويُدبِّرها، فيتعبَّدُكم بما يشاء مما يَرى فيه مصلحتكم.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ مَن يَلي أمورَكم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ مَن ينصركم عليه.
وفي إظهار اسم الله في ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ما مرَّ آنفًا.
ثم لمَّا قرَّر عليهم أنه مالكُ أمورهم ومدبِّرُها بحسب مصالحهم، وأنَّه لا يُنزِل عليهم إلا ما هو خيرٌ لهم، أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما يُنزلُ (١) عليهم ويدبِّر به أمرهم ويتعبَّدهم به، وأن لا يكونوا كقوم موسى ﵇ في السؤال عن أمورٍ عادت عليهم وبالًا، فيسألوا (٢) رسولهم ما يضرُّهم ولا ينفعهم، فقال:
* * *
(١٠٨) - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ ﴿أَمْ﴾ هي المنقطِعة بمعنى (بل) والهمزةِ، فمعنى (بل) إعراضٌ عن اعتراضهم على القرآن بالنسخ، وطعنِهم وغفلتِهم عن حكمةِ الله تعالى، ومعنى الهمزةِ إنكارٌ لِمَا يناسبه من اقتراحهم على النبيِّ ﷺ كاقتراحهم على موسى ﵇، وفيه مبالغةٌ في النهي حتى كأنهم كانوا بصددٍ الإرادة، فنهوا عن الإرادة فضلًا عن السؤال، يعني: من شأن العاقل أن لا يتصدَّى لإرادةِ ذلك.
стр. 468
ويجوز أن تكون متصلة بهمزةٍ محذوفة؛ أي: أتعترِضون عليه بالنسخ وتطعنون فيه أم تريدون أن تسألوا، وقوله:
﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ بلفظِ المبنيِّ للمفعول ترشيحٌ لهذا المعنى، بمعنى: أنَّ مَن يَسأل (١) مثلَ هذا السؤالِ حقيق بأنْ يُصان عن ذكره المقالُ، وإلا فالمناسبُ أن يشبَّه سؤالهم بسؤال قومه أو سؤالُ نبيِّنا بسؤالِ موسى ﵉ على المصدر المبنيِّ للفاعل.
ثم ذيَّل الكلام بقوله:
﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: مَن (٢) ترك الثقة بالآيات المنزلة وشكَّ فيها واقترح غيرَها.
﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: الطريقَ المستقيمَ، اضاف الوصفَ إلى الموصوف ليُفيد بُعدَ الانحراف، ويكونَ أول ما يَطرقُ سمعهم بعد الضلال هو الاستواءُ، فينتبهوا على أنهم أخطؤوا الاستقامةَ في طريقهم فيرجعوا، وهو أبلغ من قولك: فقد ضلَّ الطريق المستوي.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: أحبارَهم.
стр. 469
﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ تمنَّوا أن يردُّوكم، فإنَّ (لو) تنوب عن (أنْ) في المعنى دون العمل.
﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ حال، أو مفعولٌ ثانٍ على أن يضمَّن (يَرُدُّ) معنى: يَجعل.
﴿حَسَدًا﴾ مفعولٌ له، أو حالٌ أُريد به نعتُ الجمع؛ أي: حاسدِينَ لكم، والحسدُ: الأسف على مَن له خير بخيره، والتمنِّي أن يزول عنه إليه.
﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿حَسَدًا﴾؛ أي: حسدًا ناشئًا من عند أنفسهم، بمعنى: حسدًا مُتبالِغًا ذاتيًّا لا يمكنُ إزالتُه، لا عَرَضيًّا (١) جائزَ الزَّوال، وإلا فحسدُهم لا يكون إلا مِن عندِ أنفسهم.
ويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿وَدَّ﴾؛ أي: تمنَّوا ارتدادَكم من قِبَلِ أنفسهم وشهوتها، لا من جهة التدين والميل إلى الحق (٢)؛ لأنهم تمنَّوا ذلك من بعدِ ما تحقَّقوا أنكم على الحق.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة.
ومعنى الفاءِ في ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ السَّببيةُ، يعني: إذا علمتُم أنَّ وِدادتهم المؤكَّدةَ إنما هي لحسدهم (٣) لا للدِّين، فليس يمكنُكم إزالتُها، فلا سبيل لكم إلا العفوُ وهو التَّركُ، والصفحُ وهو الإعراض.
﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ من قتل بني قريظةَ، وإجلاءِ بني النَّضير، وإذلالهم
стр. 470
بالجزية، ولا يَخفى ما في نسبة الإتيان إليه تعالى من التعظيم والتهويل، ولذلك عدل عن الأصل وهو: حتى يأتي أمر الله.
ولمَّا كان مَظِنّةَ أن يَسبِقَ إلى الوهم أنَّ ذلك التوقُّفَ لعدم القدرة على الانتقام على الفور تُدُورِكَ (١) دفعُه بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدِر على الانتقام منهم أيَّ وقتٍ شاء.
وعن ابن عباس ﵄: أنه منسوخ بآية السيف (٢).
والغايةُ التي يتعلَّق بها الأمر إذا كانت لا تُعلم إلا شرعًا لم يخرج ذلك الواردُ من أن يكون ناسخًا، دل على ذلك انتساخُ (٣) حكم التوراة والإنجيل بظهور نبينا ﵇، مع ما فيها من بيانِ انتهاء حكمِها بظهور النبيِّ الأمي.
* * *
(١١٠) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ عطفٌ على ﴿فَاعْفُوا﴾، كأنه أمرهم بالصبر واللَّجَأ إلى الله تعالى بالعبادة والبِرّ.
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: شيئًا قليلًا من جنس الخير.
стр. 471
﴿تَجِدُوهُ﴾ جاء في الأحاديث الصِّحاح: أنَّ الأعمال نفسَها تتجسَّد يومَ الجزاء وتوجِد نفسَها.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ قد مرَّ تفسيرُه.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعدٌ يَتضمَّن الوعيدَ على عدمِ الإخلاصِ في العمل، وقرئ بالياء (١) فتمحَّض وعيدًا.
* * *
(١١١) - ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على ﴿وَدَّ﴾، والضميرُ لأهل الكتاب من الفريقين.
﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ جمع هائد؛ كعائذٍ وعُوذٍ، وهو جمعٌ لا يَنقاس في فاعِلٍ، وتوحيدُ الاسم المضمَر وجمعُ الخبر باعتبارِ اللفظ والمعنى.
﴿أَوْ نَصَارَى﴾ لفٌّ بين قولي الفريقين؛ كما في قوله: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٣٥] إيجازًا؛ اعتمادًا على فهم السامع، وأمنًا من الإلباس؛ لشهرتها (٢) بين الناس بالتَّعادي.
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ إشارةٌ إلى الأمانيِّ المذكورة، وهي أن لا ينزلَ على المؤمنين خيرٌ من ربهم، وأن يردُّوهم كفارًا، وأن لا يدخلَ الجنة غيرُهم، أو إلى ما في الآية على حذف المضاف؛ أي: أمثالُ تلك الأمنيَّةِ أمانيُّهم، والجملةُ اعتراض.
стр. 472
وقد مرَّ أن الأمنيَّة أفعولةٌ من التمنِّي مثلَ الأضحوكة والأعجوبة، والتمنِّي: تقدير الشيء في النفس وتصويرُه فيها، ولمَّا كان أكثرُه عن تخمينٍ صار البطلانُ له أملكَ.
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾؛ أي: أحضروا حُجَّتكم على اختصاصكم بدخول الجنة، والبرهانُ مشتقٌّ من البَرْه، وهو القطعُ، أو من البَرْهنة وهي البيان.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم.
فإنْ قلتَ: هلَّا يجوز أن يكون واحدًا منَّا صادقًا في دعواه، ومع ذلك يكون عاجزًا عن إثباته؟
قلت: يجوز ذلك في العقليات، وأمَّا الذي مدارُه على السمع فلا يجوز (١).
* * *
(١١٢) - ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿بَلَى﴾ إثباتٌ لِمَا نَفَوْه من دخول غيرهم الجنة.
﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أَخلصَ نفسَه ﴿لِلَّهِ﴾ لا يشركُ به غيرَه، عبَّر بالوجه عن الجملة، إذ هو أشرفُ الأعضاء وفيه الحواسُّ، ولأنَّ أثر الانقياد والخضوع يظهر فيه.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله، حالٌ.
﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ الذي وُعد على عمله ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ لا يَضيع ولا يَنقص.
ويجوزُ أن يكون ﴿بَلَى﴾ وحدَه ردًّا لقولهم، ثم يقع ﴿مَنْ أَسْلَمَ﴾ كلامًا مبتدأ،
стр. 473
والجملةُ (١) جوابُ ﴿مَنْ﴾ إن كانت شرطيةً، وخبرُها إن كانت موصولةً، والفاءُ فيها لتضمُّنها معنى الشرط.
وأن تكون ﴿مَنْ﴾ موصولةً فاعلَ فعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه ﴿بَلَى﴾؛ أي: يدخلها مَن أسلم وجهه لله، ويكون قوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ معطوفةً على: يدخلُها مَن أسلم.
ولا يخفى ما في الشرطيَّة العامة من التعريض بأنهم لا يدخلون الجنة لانتفاءِ الأوصاف الموجِبة للأجر بحكم الوعد الصادق، والترغيبِ في سلوك طريق الدخول، ولم يجزم بأن غيرهم موصوف بذلك لأنَّه على أسلوب الكلام المُنْصف (٢).
وأَوْجهُ الوجوه أن يقدَّر: بلى يدخلُها غيرهم، فقيل: مَن هو؟ قيل: مَن أسلم، ويكون قوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ من التَّتميم على أنه زيادةٌ على دخول الجنة.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قد مرَّ تفسيره.
* * *
(١١٣) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هو في غاية المبالغة؛ لأنَّ الشيء يتناول المعدومَ والممكِنَ والمحال، فإذا سُلب (٣)
стр. 474
الشيئيَّةَ لم يبق من المبالغةِ حدٌّ وراءه، ومَن قيَّده (١) بقوله: يعتدُّ به، فقد أخلَّ بها.
نزلت لمَّا قَدِمَ وفد نجرانَ على رسول الله ﵇، وأتاهم أحبار اليهود، فتناظَروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدِّين، وكفروا بعيسى ﵇ والإنجيلِ، وقالت النصارى لهم نحوَه، وكفروا بموسى ﵇ والتوراةِ.
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ الواو للحال واللامُ للجنس؛ أي: قالوا ذلك وحالُهم أنهم من أهل العلم والتلاوةِ للكتب (٢)، وحقُّ مَن يتلو بعضَ كتب الله الإيمانُ بالباقي؛ لأنَّ بعضها مصدِّقٌ للبعض.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك القولِ البعيدِ عن الصواب.
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: الجهَّال من المعطِّلة والدَّهريَّة، والمشركين الذين لا كتاب لهم.
﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ لم يقل: مثلَ قولهما؛ لأن المنظور هاهنا جهةُ اتِّحادهم، وهي كونُهم أهل الكتاب، وهو بيانٌ لقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ لِمَا فيه من الإبهام، أو بدلٌ منه.
ويجوز أن يكون ﴿كَذَلِكَ﴾ مفعولًا به؛ أي: كلامًا مثلَ ذلك الكلامِ الشنيعِ الذي سمعت به قال الجهلة قولًا مثلَ قولهم صادرًا عن عناب وجهلٍ بلا حجةٍ، فيكون ﴿مِثْلَ﴾ نصبًا على المصدر، وهذا توبيخٌ عظيمٌ لهم حيث نظَموا أنفسهم مع علمهم في سلكِ مَن لا يَعلم.
стр. 475
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين أهل الكتاب، لا بين الفريقين، وإلا لقيل: بينهما، أو بينهم وبين الجهلة أيضًا.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يُريهم مَن يدخل الجنةَ عِيانًا، ومَن يدخل النارَ عِيانًا، فيظهر المُحقُّ من المُبْطل، والفاء فصيحةٌ، كأنه قيل: إذا لم يرضَوا بحكم الكتاب في الدنيا ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾ الآيةَ.
﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من الدِّين والكتابِ والنبيِّ.
* * *
(١١٤) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا أظلمُ منه، دلَّت على ذلك صيغة التفضيل في سياق الاستفهام الإنكاري، وهذا لا ينافي لكون المشرك أظلم؛ لأن فضله في الظلم لنفسه، وفضلُ هذا في الظلم للغير.
وسببُ نزولها: أن النصارى كانوا يطرَحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
وقيل: منع المشركون رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية (١).
وكيف كان فالاعتبارُ بعموم اللفظ لا بخصوصِ السبب، ولذلك - أي: لقصدِ
стр. 476
تعميم الحكم - قيل: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ مع أن المنع والتخريب إنما وقع على مسجدٍ واحدٍ، وهو مسجدُ بيت المقدس أو المسجدُ الحرام.
﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿مَنَعَ﴾، ويجوز أن يكون على تقدير (مِن) أي: مِن أن يُذكر، وحذفُ حرفِ الجرِّ مع (أنْ) قياسٌ.
ويمكن أن يُنصب مفعولًا له؛ أي: كراهةَ أنْ يُذكر.
﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ بالهدم أو التعطيل، و (سعى) كلمةٌ تختلف معانيها باختلافِ مصادرها، يقال: سَعَى يَسْعَى سَعْيًا: إذا عمل، وإذا كَسَب، وإذا عَدَا، وسَعَى مَسْعاةً: إذا جاد وتكرَّم، وجمعُ المسعاة: المساعي وسَعَى سِعايةً: إذا أخذ الصدَقات وهو عاملُها، وكذا: سعَى به إلى السلطان سِعايةً: إذا وشَى به، وكذا سعَى المكاتَبُ ومعتَق البعضِ في أداءِ ما عليه سعايةً، وساعَى الرجل الأمَة؛ أي: فَجَر بها مساعاة، ولا يقال ذلك في الحُرة.
وفائدةُ زيادة (سعى) هاهنا: قطعُ احتمال التسبُّب.
﴿أُولَئِكَ﴾ المانعون ﴿مَا كَانَ لَهُمْ﴾ ما كان ينبغي لهم.
﴿أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾؛ أي: وجِلينَ من عقابه تعالى، فكيف لهم الجرأة على تخريبها؟
قيل: ما كان لهم في علم الله تعالى وقضائه، فيكون وعدًا للمؤمنين بالنصرة، واستخلاصِ المساجد منهم.
وفيه نظرٌ؛ لأن تخريبهم ومنعَهم دلَّ (١) على أنه قد كان في علم الله تعالى وقضائه أن يدخلوها غيرَ خائفين.
стр. 477
وقيل: معناه النهيُ عن تمكينهم من الدخول في المسجد.
وفيه أيضًا نظر (١)؛ لأن النهي عن تمكينهم من الدخول مطلَقًا لا عن تمكينهم منه غيرَ خائفين.
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: قتلٌ وسبي، أو ذلةٌ (٢) بضرب الجزية.
﴿فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ بسبب ظلمهم العظيم، وإنما أُعيد لهم تنصيصًا على أن المعذَّبين في الآخرة هم المعذَّبون في الدنيا، وليس عذابُهم في الدنيا (٣) مكفِّرًا لذنبهم (٤) حتى يكون أحدُ العذابينِ لبعضهم والآخرُ للباقي.
* * *
(١١٥) - ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ هما عبارتان عن ناحيتي المعمورة، والمرادُ كلُّها.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ ففي أيِّ مكانٍ فعلتُم التَّوليَةَ، يعني: توليةَ وجوهكم شطرَ القِبلة، بدليلِ قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].
﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: جهتُه التي أَمر بها، الوجهُ والجهةُ كالوزنِ والزِّنة مصدران نُقلا إلى الاسم، والمعنى: إنكم إذا مُنعتم أن تُصلُّوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلْتُ لكم الأرضَ مسجدًا، فصلُّوا في أيِّ بُقعةٍ شئتُم من بقاعها،
стр. 478
وافعلوا التوليةَ فيها، فإنَّ التولية ممكِنةٌ في كلِّ مكانٍ لا يختصُّ إمكانها بمسجدٍ دون مسجدٍ، ولا بمكانٍ دون مكانٍ.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ﴾ بالرحمةِ، يريد التَّوسعة على عباده.
﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحهم وأعمالهم في الأماكنِ كلِّها.
وعن ابن عمر ﵁: أنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة (١).
وعن عطاءٍ: عميت القبلةُ على قومٍ فصلَّوا إلى أنحاءٍ مختلفة، فلما أصبحوا تبيَّنوا خطأهم فعُذروا (٢)؛ أي: في الفعل.
وأمَّا وجوبُ القضاء وعدمُه فأمرٌ آخَرُ، والظاهر أنه مستطرَدٌ عند ذكر المساجد، وتمهيدٌ لذكر نفي الولد؛ لأن مَن له الجهاتُ كلُّها يتعالى عنها، فيستحيل أن يماثله ذو جهةٍ، والولدُ جنسُ الوالد لا محالة.
* * *
(١١٦) - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾؛ أي: الذين قالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، والذين قالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، والذين قالوا: الملائكةُ بناتُ الله، قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فالضميرُ لمن سبق ذكرُهم من اليهود والنصارى والمشركين الذين لا يعلَمون.
стр. 479
وقرئ بغيرِ واوٍ على الاستئناف (١)؛ كأنه سُئل: هل انقطع حبل أقوالهم على الله تعالى، أو امتدَّ ولم ينقطع؟ فقيل: بل قالوا أعظمَ من ذلك وأفظع.
﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيه له عن ذلك، اعتراضٌ.
﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ردٌّ لِمَا قالوه، وتنبيهٌ على فساده، والمعنى: إنه خالقُ ما في العالَم كلِّه، ومن جملتهِ عزيرٌ والمسيحُ والملائكة.
﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ منقادُون لا يمتنِعون على مشيئته وتكوينه، وكلُّ ما كان بهذه الصِّفة لم يجانس مكوِّنَه الواجبَ لذاته، فلا يكون له ولدٌ؛ لِمَا مرَّ أنَّ حقَّ الولد أن يُجانسَ والده.
وإنما جاء بـ ﴿مَا﴾ للعموم، و ﴿قَانِتُونَ﴾ لتغليب العقلاء، وهذا التغليبُ يأبى عن قصد التحقير بإيرادِ ﴿مَا﴾، وتنوينُ ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ من المضاف إليه؛ أي: كلُّ ما في السماوات والأرض.
والآيةُ تدلُّ على فسادِ ما قالوه بوجهين (٢)، ومَبْنَى تضمُّنهْ الاحتجاجَ بالوجه الأول على ثبوت التنافي بين وَلَديَّة أحد للآخَر ومملوكيته له؛ إذ لا تصريح بهذا فيما ذُكر فالاحتجاج به على أن مَن مَلَكَ ولدَه عَتَقَ عليه بناء على ذلك المبنَى لا يخلو عن نوعِ مصادرةٍ.
* * *
(١١٧) - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقال: بَدُعَ الشيءُ فهو بديعٌ، كقولهم: ظَرُفَ فهو
стр. 480
ظريفٌ، و ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ من إضافةِ الصفةِ المشبَّهةِ إلى فاعلها؛ أي: بديعٌ سماواتُه وأرضُه؛ أو: بديعٌ في السماوات والأرض؛ كقولك: فلان ثبتُ الغدر؛ أي: ثابتٌ فيه، والمعنى: أنه تعالى عَديم النَّظير والمثْلِ فيهما.
وقيل: البديع بمعنى المُبْدعِ، فيكون مضافًا إلى المفعول.
وقال ابن مِقْسمٍ (١): يجوز أن تكون العينُ بدلًا عن (٢) الهمزة، والبديعُ والمبدِع كالبديء والمبدئ، فإنه جاء على فَعلَ وأَفْعَلَ جميعًا.
والإبداع: اختراعُ الشيءِ لا عن شيءٍ دفعةً، وعلى هذا المعنى لا تكون الأشياء كلُّها مبدَعًا، وهذا ردٌّ على الذين قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بوجهٍ آخر تقديرُه: أن مَن قدر على خلق السماوات والأرض من غيرِ شيءٍ كيف لا يقدر على خلق مِثْلِ عيسى ﵇ من غيرِ أبٍ.
وقرئ: (بديعِ) مجرورًا على البدل من الضمير في ﴿لَهُ﴾، ومنصوبًا على المدح (٣).
﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾؛ أي: أراد شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وأصل القضاء: إتمام الشيء قولًا كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] أو فعلًا كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وأُطلق على تعلُّق الإرادة الإلهية لوجود الشيء من حيث إنه يوجبه.
стр. 481
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ من (كان) التامَّةِ، أي: احْدُثْ فيَحْدُث؛ أي: لا يَدخله تأخير (١) عن وقته، ولا يمتنعُ عليه شيءٌ، ولا يَلحقه به تعبٌ، ولا يحتاج إلى استعمال آلةٍ ومزاولةِ عملٍ، استعارةٌ تمثيليةٌ شبِّهت الحالةُ (٢) التي تتصوَّر من تعلُّق إرادته تعالى بشيء من المكوَّنات وسهولةِ إيجاده إياه من غيرِ امتناعٍ ولا توقُّفٍ بحالةِ أمْرِ الآمِرِ النافذ تصرُّفُه في المأمور المطيع الذي لا يتوقَّف في الامتثال، فأُطلق على هذه الحالة ما كان يستعمل في تلك من غيرِ أن يكون هنا (٣) قولٌ وأمر.
وهذا أقربُ ما يتراءى لنا به المعنى المقصودُ، فلا تتَّجه المناقشةُ بأنَّ وجه الشَّبهِ في المشبَّه أقوى، وحقُّ التشبيه عكسُ هذا.
وذهب بعضهم إلى أنه حقيقةٌ، وقد جرت السنَّة الإلهية بأنه يكوِّن الأشياءَ بكلمة (كن)، فيكونُ المأمور هو الحاضرَ في العلم، والمأمورُ به الدخول في الوجود.
وقرئ برفع ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: فهو يكون، وبالنصب على جواب الأمر (٤)، وفيه تقريرٌ لمعنى الإبداعِ، وتأكيدٌ لاستبعاد الولادة المدلول عليه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
وأما ما قيل: إنه حجة أخرى، وهو أن اتخاذ الولد مما يكون بأطوارٍ ومُهلةٍ، وفعلُه تعالى يستغني (٥) عن ذلك.
فيَرِدُ عليه أن ما يكون بأطوارٍ ومهلةٍ هو تكوُّن الولد على جَرْي العادة، فللمخالِف أن يقول: اتخاذه الولدَ على سبيل خرق العادة، ثم إنَّ فعله تعالى قد يقارن المهلة
стр. 482
لحكمة وإن كان مستغنيًا عنه، كيف وقد كان خلقُه السماوات والأرض في ستة أيام، ومن هنا ظهر أن مَن اعتَبر في التمثيل المذكور الحصولَ بلا مُهلةٍ لم يُصِب.
* * *
(١١٨) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: الجهلةُ من المشركين، وقيل: من أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم؛ لأنهم لم يعملوا به، سواءٌ تجاهَلوا أو لا بأن أظهروا علمهم (١).
﴿لَوْلَا﴾ هلا ﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ كما يكلِّم الملائكةَ وموسى ﵇، ويأمرنا وينهانا بالذات، وهذا استكبارٌ منهم عن اتِّباع بشر مثلِهم.
﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ من الله نعلم بها أنك رسول الله، وهذا استهانةٌ منهم بالمعجزات الباهرة، وإنكارٌ بالآيات (٢) الظاهرة.
﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: اليهودَ، حيث قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وأمَّا قول الحَواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢] فليس من هذا القبيل على ما تقف عليه في موضعه.
﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ قد مرَّ تفسيرُه، والمماثلةُ بين القولين في كونهما تحكُّمًا وعنادًا.
﴿تَشَابَهَتْ﴾؛ أي: قلوب هؤلاء ومَن قبلهم في العَمَى والعناد (٣)، اعتراضٌ.
стр. 483
وقُرئ بتشديد الشين (١)، وخطَّأه الفرَّاء قائلًا: ذلك إنما يجوزُ في المضارع بمعنى: تتشَابهُ، فتُدغَم إحدى التاءين في الشين (٢).
﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ﴾ ذوي بصائرَ.
﴿يُوقِنُونَ﴾ أنها آياتٌ يجب الاكتفاءُ بها عن غيرها، وأصلُ البيان الذي يقع به الإلزامُ يعمُّ الكلَّ، لكن يخصُّ الموقنين في حقِّ النفع، واليقينُ أبلغ علم وأوكدُه لا يكون معه مجالُ عنادٍ واحتمالُ زوالٍ (٣)، ولذلك قال في حق إبراهيم ﵇: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ولو صح أن يتخلَّف عنه الإذعان لكان درجتُه فوق الإيقان، فكان: من المذعنين، أبلغَ [من] (٤): ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.
واللامُ في ﴿الْآيَاتِ﴾ للاستغراق؛ أي: كلَّ الآيات، أو الماهيةِ؛ أي: ما يعرفه العقلاء أنها آياتٌ.
وتنكير (قومٍ) للتعظيم؛ أي: قومٍ صفتُهم الإيقانُ، وفيه تعريضٌ بأنهم أرذالُ أهلِ الظنِّ والتقليد، وإيذانٌ بأن الإيمان له شأنٌ.
* * *
(١١٩) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ مصحوبًا به لا يفارقُك.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ للمطيع والعاصي، فلا عليك إلا البلاغُ المبين.
стр. 484
﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ما بالُهم لم يؤمنوا؟ إذا بلَّغت وبلَغت في دعوتهم جهدك.
وقرئ: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ على النهي (١)؛ تعظيمًا لِمَا فيه الكفرةُ من العذاب؛ كما تَسألُ عمَّن وقع في بليَّةٍ فيقال لك: لا تسألْ عنه؛ أي: هو في حالةٍ لا يُحتمل سماعُها لفظاعتها وإيحاشها السامعَ، أو أرقُّ أو أجزعُ أن أتكلَّم بها، فلا تكلِّفني، أو أعظمُ أن يَكتَنِهَها (٢) أو يعبِّرَ عنها عبارة.
قيل: لمَّا أُمر بتبشير المؤمنين وإنذارِ الكفار كان يَذكر عقوبات الكفار، فقام رجل وقال: يا رسول الله، أين والدي؟ فقال: "في النار"، فحزن الرجل، فقال ﵇: "إنَّ والدَكَ ووالدي ووالدَ إبراهيم في النار"، فنزل القول المذكور فلم يسألوه (٣) شيئًا بعد ذلك (٤).
والجحيم: النار الشديدةُ الالتهاب، والجاحم: المكانُ الشديد الحرِّ.
* * *
(١٢٠) - ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
стр. 485
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ لفٌّ بعد النشر، على عكس ما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
حكى الله تعالى كلامَهم، ولا بدَّ من الحمل على هذا ليطابِقَ قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ فإنه يقتضي سابقةَ قولٍ ممَّن (١) نُدب ﵇ إلى حجاجهم مبنيًّ عن تمادي لجاجهم (٢).
والملَّة من أَمْلَلتُ الكتابَ، وهي اسمٌ لِمَا شرَعه الله تعالى لعباده على لسان نبيِّه، ليَتوصَّلوا به إلى أجلِّ ثوابه، والدِّينُ مثلُها، لكن الملة تقال باعتبارِ الدعاء إليه، والدِّينَ باعتبار الطاعة والانقياد له.
ثم يقال الملة والدِّين لما لم يكن من قِبَلِ الله تعالى على التقييد؛ كقولك: ملة مزدك ودينه.
قيل: كان ﵇ يجتهدُ في طلب ما يرضيهم ليُقبلوا إلى الإسلام، فقال له: دع طلب ما يرضيهم إلى ما أمرتُك به من مجاهَدتهم، فليس فيه إقناطٌ عن إسلامهم.
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ بالغ في تعظيم دين الإسلام بتسميته (٣) الهدى، وإضافتهِ إلى نفسه، وحَصْرِ الهدى فيه بـ (إنَّ) والضميرِ واللام؛ أي: إن دين الإسلام الذي هو نفسُ الهدى المخصوصِ بالله هو الذي يَستأهِل أن يسمَّى هدًى، وهو الهدى كلُّه لا غير، فيَلزم أن ما عدَاه ليس بهدًى بل هوًى؛ إذ (٤) كلُّ قول لا حُجةَ معه ولا عن علمٍ فهو هوًى، فلهذا قال على سبيل الفَرْض:
стр. 486
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ آراءَهم الزائغةَ، فإن الهوى رأيٌ عن الشهوة (١) داعٍ إلى الضلال، وإنما يسمَّى بذلك لأنَّه يَهْوِي بصاحبه في الدنيا إلى كلِّ داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية.
﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أبهمه ثم بيَّنه للتعظيم؛ أي: من الدِّين المعلوم صحتُه بالبرهان.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ جوابٌ للقسم قد سدَّ مسدَّ جوابِ الشرط.
﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفع عنك عقابَه.
* * *
(١٢١) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم مؤمنو أهل الكتاب.
﴿يَتْلُونَهُ﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من (هم)، أو من ﴿الْكِتَابَ﴾؛ لأنهم لم يكونوا وقت إتيانه تالِينَ له، أو خبرٌ.
﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: تلاوةً كما يجب أن يُتلى، لا يحرِّفونه ولا يكتمون شيئًا منه كنعت الرسول ﵇ وغيرِه.
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: التالُون على ما يجب.
﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بكتابهم دون غيرهم من المحرِّفين.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ بالتحريف والكفر بما يصدِّقه.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ المنحصِرون في الخسران (٢) باشترائهم الضلالةَ بالهدى.
стр. 487
(١٢٣ - ١٢٢) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾:
لمَّا ذكَّرهم النعمةَ أولًا، وخصَّهم بالخطاب من بينِ بني آدم، وحضَّهم على اتِّباعِ مَن هو رحمةٌ للعالمين، فانقسموا إلى مَن قَبِلَ ومَن أَبَى، فصَّلهم آخِرًا، ثم خاطبهم على سبيل الالتفات بمثلِ الأول خطابًا شاملًا للفريقين عَودًا على بدءٍ تحسُّرًا لمن سَبَا، وتحسيرًا لمن كَبَا.
وعُلم من ذلك أن التكرير ليس لمجرَّد (١) التقرير، وفيه حسنُ التخلُّص إلى حديث جدِّهم إبراهيمَ ﵇ على وجهٍ يؤكِّد ما يدنو إليه.
* * *
(١٢٤) - ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. بأوامرَ ونواهٍ.
واعلم أن الابتلاء والبلاء يتضمَّن أمرين: تعرُّفُ ما يُجهل من حاله، وظهورُ جودته ورداءته بعده، فربما قُصد الأمران معًا، وربما قُصد أحدها، فإذا نسب إلى الله تعالى فهو الأمر الثاني (٢)، وليس هذا من ابتلاه الله بكذا: إذا أصابه بما يكرهه وَيشُقُّ عليه؛ لأن حمل الأوامر والنواهي على المكاره وعدَّها من البلايا ليس بمناسب.
стр. 488
وإبراهيم تفسيرُه بالسُّريانية: أب راحمٌ، وذلك لرحمته بالأطفال.
قيل: جُعل هو وزوجتُه سارة كافلين لأولاد المؤمنين الذين يموتون صغارًا إلى يوم القيامة.
﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهنَّ حقَّ (١) القيام، وأطاعه فيهنَّ أحسنَ الطاعة؛ كقوله (٢): ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧].
(إذ … قال) استئنافٌ، فالعامل في ﴿إذ﴾ محذوف، أو هو العامل في ﴿إذ﴾، والواو داخلة عليه عطفًا على ما قبله عطفَ القصةِ على القصة المشارِ إليها إجمالًا بقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣).
﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾ من الجعل بمعنى التصيير، فيَتعدَّى إلى اثنين.
﴿لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ الإمام: اسمٌ لمن يُؤْتمُّ به؛ كالإزار لِمَا يُؤتَزر (٤) به، وإمامتُه ﵇ مؤبَّدةٌ؛ إذ لم يُبعث بعده نبيٌّ إلا كان مأمورًا باتِّباعه (٥)، وأمَّا عمومُها فينافي قوله ﵇: "أُعطيت خمسًا … " الحديث (٦).
﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؛ أي: واجعل بعضَ ذريتي، واستعمالُ صيغة الأمر في
стр. 489
موضع الالتباس سائغ شائع، وهذا أولى من المصير إلى عطف التلقين (١)؛ لأنَّه لايخلو عن سوءِ أدبٍ (٢).
وذريةُ الشخص: نَسْلُه.
﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: مَن كان ظالمًا من ذريتك لا ينال (٣) عهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال مَن كان عادلًا. والنَّيل: اللُّحوق.
واختُلف في المراد بالعهد، والأظهر أنه النبوَّةُ، فلا دلالةَ في الآية على أن الفاسق لا يَصلُح للإمامة.
* * *
(١٢٥) - ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ البيت: اسمٌ غالبٌ للكعبة كالنجم للثريَّا.
﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ المثابة كالمباءة صيغةً ومعنًى؛ أي: مَرجعًا يثوبون إليه بعد التفرُّق عنه (٤).
стр. 490
﴿وَأَمْنًا﴾؛ أي: موضعًا في غايةِ الأمن لا يُتعرَّض لأهله؛ لقوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
قيل: يأمَن حاجُّه من عذاب الآخرة. وفيه نظر؛ لأن الحج لا يجبُّ ما قبله من المظالم.
وقيل: لا يؤاخَذ (١) الجاني الملتجئُ إليه حتى يَخرج. وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّه يُلجأ إلى الخروج فلا يبقى آمنًا.
﴿وَاتَّخِذُوا﴾ على إرادة القول، أو عطفٌ على المقدَّر عاملًا لـ ﴿إذ﴾، أو اعتراض تقديره: ثوبوا إليه واتخذوا (٢)، وعلى هذا الواوُ فصيحةٌ.
﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: موضعَ صلاةٍ تصلُّون فيه، وهو على وجه الاستحباب دون الإيجاب، وهو الحجر الذي فيه أثر قدميه، أو الموضعُ الذي كان فيه حين قام عليه ودعا (٣) الناس إلى الحج، أو رَفَعَ بناءَ البيت وهو موضعُه اليوم.
روي: أنه ﵇ أخذ بيد عمر ﵁ فقال (٤): "هذا مقام إبراهيم"، فقال عمر: أَفَلا نتخذه مصلًّى؟ فقال ﵇: "لم أُؤمر بذلك"، فلم تَغِبِ الشمس حتى نزلت (٥).
стр. 491
وقيل: المراد به الأمرُ بركعتي الطَّواف، لِمَا رَوَى جابر ﵁: أنه ﵇ لمَّا فرغ من طوافه عَمَدَ إلى مقام إبراهيم فصلَّى خلفه ركعتين، وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١).
وقُرئ: ﴿واتَّخَذوا﴾ بلفظ الماضي (٢) عطفًا على ﴿جَعَلْنَا﴾ أي: اتَّخَذ الناس مقامه الموسومَ به - يعني: الكعبة - قبلةً يصلُّون إليها، ويحتمِل أن يكون أمرًا على صيغة الخبر للتأكيد فتتوافَقُ القراءتان، وعلى هذا يتعيَّن كونُ الأمر للإيجاب.
﴿وَعَهِدْنَا﴾ أَمَرْنا ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا﴾؛ أي: بأنْ طهِّرا ﴿بَيْتِيَ﴾ من الأوثان والأنجاس.
ويجوز أن تكون ﴿أَن﴾ مفسِّرةً؛ لتضمُّن العهدِ معنى القول، والمعنى: دُومَا على تطهيره، فهو أمرٌ أن يُبقياه على الطهارة، لا أن يكون فيه نجاسةٌ فيزيلاها، وهو كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: مُبقاةٌ على الطهارة الأصلية.
﴿لِلطَّائِفِينَ﴾؛ أي: للدائرين حولَه.
﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ العاكف: مَن لزم الشيءَ وأقام (٣) عليه.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: جمعُ الراكع والساجد؛ أي: المصلِّين، والصلاة تشتمل على أفعالٍ أقربُها إلى الخشوع هذان، وتُرك العاطف بينهما لكمال الاتصال.
* * *
стр. 492
(١٢٦) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾؛ أي: هذا البلد، أو هذا المكان.
﴿بَلَدًا آمِنًا﴾: ذا أمن؛ كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أو: آمنا مَن فيه غريبًا كان أو من أهله؛ كقولك: ليلٌ نائمٌ.
والبلد: الأثر في الجلد، وإنما سُمي (١) البلد بلدًا لِمَا فيه من الآثار.
﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الثمرة: هي جميع ما يخرج من الأرض والأشجار، فهو سواءٌ في الطعام والفواكه، وذلك لأنَّه أَسكن أهله بِوادٍ غيرِ ذي زرعٍ ولا ضَرْع، وإنما قال: ﴿أَهْلَهُ﴾ دون: أهلي؛ تعليمًا للدعاء؛ كما هو اللائق بشأن الأنبياء.
﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بدل من ﴿أَهْلَهُ﴾؛ أي: وارزقِ المؤمنين من أهله خاصةً، قالوا: قاس إبراهيم ﵇ الرزق على الإمامة، فخصَّ الرزق المطلوبَ بالمؤمنين.
وهذا القياسُ لا يليق بشأنه ﵇؛ لظهور الفرق بينهما عند مَن له أدنى تمييزٍ، فالوجهُ أنْ يقال: إنه ﵇ أبى عن تعميمِ الدعاء للكفار؛ لأنَّ الكافر لا يُدْعَى له بل يُدْعى عليه، قال ﵇: "اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ" (٢)، وقال موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، وخشي
стр. 493
أن يخرج ذلك مخرجَ المعونة لهم على العصيان، أو أراد أن يجعل ذلك آيةَ ترغِّبُ الكفار في الإسلام (١).
﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ مبتدأ تضمَّن (٢) معنى الشرط، وجوابه وخبره مقدَّر تقديرُه: فلا أهلكه، والفاء في قوله:
﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ فصيحةٌ، وجعلُه جوابًا وخبرًا يأباه الفاء، فإن الكفر لا يصلح سببًا للتمتُّع لا كثيرًا ولا قليلًا، نعم يصلُح لتقليله لكن صرف النظم إليه لا يخلو عن تعسُّف.
وأمَّا عطف (مَن كَفَر) على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ففيه أنَّ العطف يقتضي التشريكَ في العامل، فيصير التقدير: قال إبراهيم: وارزق مَن كفر، ولا يناسبه السبَاق واللحاق.
ومن هنا ظهر ما في قراءةِ الخبَرين على لفظ الأمر (٣) - على أنه من دعاء إبراهيم ﵇ من القصور، كيف والمناسبُ له ﵇ طلبُ الهداية إلى الإسلام لمن كَفَر، لا طلبُ خَتْمهم على الضلالة؟
﴿قَلِيلًا﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: تمتيعًا قليلًا، أو على الظرف؛ أي: زمانًا قليلًا.
﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾؛ أي: ألزُّه إليه لزَّ المضطرِّ؛ لكفره.
стр. 494
وقرئ: (فأطَّرُّه) بإدغام الضاد في الطاء (١)؛ كما قالوا: اطَّجَعَ، نقل سيببويه عن بعض العرب: مطَّجعًا، في مُضْطَجعٍ، وقال: ومضطجعٌ أكثر (٢).
فدلَّ على أن (مطَّجعًا) كثير، فلا يكون لغةً مرذولةً.
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مصيرُهم، فحُذف المخصوصُ بالذمِّ.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿يَرْفَعُ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، أوردها مع (إذ) استحضارًا لها ليَعْظُمَ وقعُها في النفوس، ولهذا أُبْهِم.
﴿الْقَوَاعِدَ﴾ بالإطلاق، ثم بيَّنها بالتقييد بقوله: ﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾ تفخيمًا لشأن المبيَّن.
والقاعدة: هي الأساس والأصلُ لِمَا فوقَه، وهي من الصفات الغالبة من القعود بمعنى الثابتة.
ورفعُ القواعد: هو البناء عليها؛ لأنها بالبناء عليها نُقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع.
﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ عطف على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ فهما مشترِكان في الرفع.
﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولان: ربَّنا، والجملة حالٌ منهما.
﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾؛ أي: هذا العملَ الذي قصَدْنا به رضاك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لدعائنا (٣) ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِنيَّاتنا.
стр. 495
(١٢٨) - ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا﴾ عطفٌ على الدعوة السابقة، وتكرارُ ﴿رَبَّنَا﴾ للاستلذاذ بذكره والخضوعِ بالمربوبية (١).
﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ مخلصَينِ لك، مِن أَسْلَم وجهَه، أو مُنقادِينَ مِن أَسْلَم بمعنى: استسلم، والمراد طلبُ الزيادة على ما كان أو الثباتُ عليه.
وقرئ: (مسلمِينَ) (٢) على أنَّ التثنية من مراتب الجمع، وقيل: أرادا أنفسَهما وهاجرَ.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ خَصَّا الذرِّيةَ بالدعاء؛ لأنهم أحقُّ بالشفقة، وأتَيَا بأداة التبعيض لأنَّه تعالى كان أعلمَهما أن في ذريتهما مَن لا ينال العهد لكونه ظالمًا.
وأما ما قيل: إن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتِّفاق على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله تعالى، فإنه مما يشوِّش المعاش، فلا يَصلح وجهًا لِمَا ذُكر كما لا يخفى (٣).
﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الإسلامُ هو الانقيادُ بالخضوع.
﴿وَأَرِنَا﴾ من الرؤية بمعنى الإبصار أو المعرفة؛ دلَّ على ذلك الاقتصارُ على مفعولين.