وقيل: المراد به الأمرُ بركعتي الطَّواف، لِمَا رَوَى جابر ﵁: أنه ﵇ لمَّا فرغ من طوافه عَمَدَ إلى مقام إبراهيم فصلَّى خلفه ركعتين، وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١).
وقُرئ: ﴿واتَّخَذوا﴾ بلفظ الماضي (٢) عطفًا على ﴿جَعَلْنَا﴾ أي: اتَّخَذ الناس مقامه الموسومَ به - يعني: الكعبة - قبلةً يصلُّون إليها، ويحتمِل أن يكون أمرًا على صيغة الخبر للتأكيد فتتوافَقُ القراءتان، وعلى هذا يتعيَّن كونُ الأمر للإيجاب.
﴿وَعَهِدْنَا﴾ أَمَرْنا ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا﴾؛ أي: بأنْ طهِّرا ﴿بَيْتِيَ﴾ من الأوثان والأنجاس.
ويجوز أن تكون ﴿أَن﴾ مفسِّرةً؛ لتضمُّن العهدِ معنى القول، والمعنى: دُومَا على تطهيره، فهو أمرٌ أن يُبقياه على الطهارة، لا أن يكون فيه نجاسةٌ فيزيلاها، وهو كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: مُبقاةٌ على الطهارة الأصلية.
﴿لِلطَّائِفِينَ﴾؛ أي: للدائرين حولَه.
﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ العاكف: مَن لزم الشيءَ وأقام (٣) عليه.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: جمعُ الراكع والساجد؛ أي: المصلِّين، والصلاة تشتمل على أفعالٍ أقربُها إلى الخشوع هذان، وتُرك العاطف بينهما لكمال الاتصال.
* * *
стр. 492
(١٢٦) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾؛ أي: هذا البلد، أو هذا المكان.
﴿بَلَدًا آمِنًا﴾: ذا أمن؛ كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أو: آمنا مَن فيه غريبًا كان أو من أهله؛ كقولك: ليلٌ نائمٌ.
والبلد: الأثر في الجلد، وإنما سُمي (١) البلد بلدًا لِمَا فيه من الآثار.
﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الثمرة: هي جميع ما يخرج من الأرض والأشجار، فهو سواءٌ في الطعام والفواكه، وذلك لأنَّه أَسكن أهله بِوادٍ غيرِ ذي زرعٍ ولا ضَرْع، وإنما قال: ﴿أَهْلَهُ﴾ دون: أهلي؛ تعليمًا للدعاء؛ كما هو اللائق بشأن الأنبياء.
﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بدل من ﴿أَهْلَهُ﴾؛ أي: وارزقِ المؤمنين من أهله خاصةً، قالوا: قاس إبراهيم ﵇ الرزق على الإمامة، فخصَّ الرزق المطلوبَ بالمؤمنين.
وهذا القياسُ لا يليق بشأنه ﵇؛ لظهور الفرق بينهما عند مَن له أدنى تمييزٍ، فالوجهُ أنْ يقال: إنه ﵇ أبى عن تعميمِ الدعاء للكفار؛ لأنَّ الكافر لا يُدْعَى له بل يُدْعى عليه، قال ﵇: "اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ" (٢)، وقال موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، وخشي
стр. 493
أن يخرج ذلك مخرجَ المعونة لهم على العصيان، أو أراد أن يجعل ذلك آيةَ ترغِّبُ الكفار في الإسلام (١).
﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ مبتدأ تضمَّن (٢) معنى الشرط، وجوابه وخبره مقدَّر تقديرُه: فلا أهلكه، والفاء في قوله:
﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ فصيحةٌ، وجعلُه جوابًا وخبرًا يأباه الفاء، فإن الكفر لا يصلح سببًا للتمتُّع لا كثيرًا ولا قليلًا، نعم يصلُح لتقليله لكن صرف النظم إليه لا يخلو عن تعسُّف.
وأمَّا عطف (مَن كَفَر) على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ففيه أنَّ العطف يقتضي التشريكَ في العامل، فيصير التقدير: قال إبراهيم: وارزق مَن كفر، ولا يناسبه السبَاق واللحاق.
ومن هنا ظهر ما في قراءةِ الخبَرين على لفظ الأمر (٣) - على أنه من دعاء إبراهيم ﵇ من القصور، كيف والمناسبُ له ﵇ طلبُ الهداية إلى الإسلام لمن كَفَر، لا طلبُ خَتْمهم على الضلالة؟
﴿قَلِيلًا﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: تمتيعًا قليلًا، أو على الظرف؛ أي: زمانًا قليلًا.
﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾؛ أي: ألزُّه إليه لزَّ المضطرِّ؛ لكفره.
стр. 494
وقرئ: (فأطَّرُّه) بإدغام الضاد في الطاء (١)؛ كما قالوا: اطَّجَعَ، نقل سيببويه عن بعض العرب: مطَّجعًا، في مُضْطَجعٍ، وقال: ومضطجعٌ أكثر (٢).
فدلَّ على أن (مطَّجعًا) كثير، فلا يكون لغةً مرذولةً.
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مصيرُهم، فحُذف المخصوصُ بالذمِّ.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿يَرْفَعُ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، أوردها مع (إذ) استحضارًا لها ليَعْظُمَ وقعُها في النفوس، ولهذا أُبْهِم.
﴿الْقَوَاعِدَ﴾ بالإطلاق، ثم بيَّنها بالتقييد بقوله: ﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾ تفخيمًا لشأن المبيَّن.
والقاعدة: هي الأساس والأصلُ لِمَا فوقَه، وهي من الصفات الغالبة من القعود بمعنى الثابتة.
ورفعُ القواعد: هو البناء عليها؛ لأنها بالبناء عليها نُقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع.
﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ عطف على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ فهما مشترِكان في الرفع.
﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولان: ربَّنا، والجملة حالٌ منهما.
﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾؛ أي: هذا العملَ الذي قصَدْنا به رضاك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لدعائنا (٣) ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِنيَّاتنا.
стр. 495
(١٢٨) - ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا﴾ عطفٌ على الدعوة السابقة، وتكرارُ ﴿رَبَّنَا﴾ للاستلذاذ بذكره والخضوعِ بالمربوبية (١).
﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ مخلصَينِ لك، مِن أَسْلَم وجهَه، أو مُنقادِينَ مِن أَسْلَم بمعنى: استسلم، والمراد طلبُ الزيادة على ما كان أو الثباتُ عليه.
وقرئ: (مسلمِينَ) (٢) على أنَّ التثنية من مراتب الجمع، وقيل: أرادا أنفسَهما وهاجرَ.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ خَصَّا الذرِّيةَ بالدعاء؛ لأنهم أحقُّ بالشفقة، وأتَيَا بأداة التبعيض لأنَّه تعالى كان أعلمَهما أن في ذريتهما مَن لا ينال العهد لكونه ظالمًا.
وأما ما قيل: إن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتِّفاق على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله تعالى، فإنه مما يشوِّش المعاش، فلا يَصلح وجهًا لِمَا ذُكر كما لا يخفى (٣).
﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الإسلامُ هو الانقيادُ بالخضوع.
﴿وَأَرِنَا﴾ من الرؤية بمعنى الإبصار أو المعرفة؛ دلَّ على ذلك الاقتصارُ على مفعولين.
стр. 496
والاختيارُ أن يُقرأ بكسر الراء، وهي قراءةُ الجمهور؛ لأنها كسرةُ الهمزة نُقلت (١) إلى الراء وسقطت الهمزة، فلا ينبغي أن يُسكَّن قياسًا على فَخْذٍ في فَخِذٍ، كما فعله ابنُ كثير (٢)؛ لئلا يُجحَف بالكلمة وتَبطل الدلالةُ على الهمزة.
﴿مَنَاسِكَنَا﴾ متعبَّداتِنا في الحج؛ قال الزجَّاج: كلُّ متعبَّد مَنسَكٌ [ومَنسِكٌ] (٣)، والنُّسك في الأصل: غايةُ العبادة، وشاع في الحج لِمَا فيه من الكُلفة والبُعد عن العادة.
أو: مذابحَنا، فإن النُّسك خُصَّ بالذبيحة، وتُعورِفَ فيه حتى قيل: نَسَكَ فلانٌ: إذا ذَبَح.
﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ التوبة هنا: رجوع إلى الطاعة عن العصيان، ومن الله تعالى: رَجْعٌ بالإحسان، ولهذا يتعدَّى بـ (على)، وذلك أنَّ تاب بمعنى: رجع، فكما أنَّ رَجَعَ لازمٌ ومتعدٍّ كذلك تاب لازمٌ ومتعدٍّ (٤).
وإنما قالا ذلك هضمًا لأنفسهما، واستتابةً عما فَرَط منهما سهوًا، أو إرشادًا لذريتهما.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب.
* * *
стр. 497
(١٢٩) - ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿رَبَّنَا﴾ تكريرٌ لِمَا مرَّ ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾؛ أي: في ذريتهما، لا في الأمة المسلمة لعدم الدلالة حينئذ على أنهم أمةُ ذلك الرسول.
﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ البعث فيهم لا يستلزم أن يكون منهم كالعكس، ولهذا جمع بينهما.
﴿يَتْلُو﴾ يقرأ ﴿عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ المراد بالآية: المعجزةُ الواضحة الدلالةِ، وفي عبارة التلاوة إشارةٌ إلى أنه أراد أن يكون للرسول المسؤولِ معجزاتٌ من جنس الكلام.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ أي: يَلطُفهم في التفهيم (١) شيئًا فشيئًا.
﴿الْكِتَابَ﴾: كلامَ الله تعالى المنزلَ (٢) عليه ﵇، وهو أعمُّ من القرآن (٣)؛ لاشتماله على منسوخِ التلاوة الخارجِ عن القرآن.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ السنَّة، ذكره قتادةُ (٤)، ووجهُ المناسبة بينهما: أن الحكمة تنتظِم العلمَ والعمل كما أن السنة تنتظِم القولَ والفعل.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: ويطهِّرهم؛ أي: يحلِّيهم بالفضائل ويخلِّيهم عن الرذائل، وإنما قدِّم الأول لأن عِلْمَ القبائح يكون سببًا لتركها.
стр. 498
والجامع لِمَا ذكر إنما هو محمدٌ ﵇، وقد روي أنه ﵇ قال: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارةُ أخي عيسى، ورُؤيا أمِّي آمنةَ" (١).
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: الغالبُ الذي يَقهر ولا يُقهر.
﴿الْحَكِيمُ﴾ المحكِمُ لأوامره (٢).
* * *
(١٣٠) - ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الرغبةُ: سعةُ الإرادة، ومنه: بطن رغيب؛ أي: نهِمٌ، ومتى عُدِّي بـ (عن) اقتضى صَرْفَ الإرادة عن ذلك الشيء، وذلك بالتزهُّد فيه.
و (مَن) للاستفهام على وجهِ الاستبعاد، والمراد الجحدُ على وجهٍ أبلغَ؛ أي: لا يزهدُ في ملَّة إبراهيم ﴿إِلَّا مَنْ﴾ إلا الذي ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: أذلَّها واستَخفَّ بها.
قال المبرِّد وثعلبٌ: إن سَفِه - بكسر الفاء - يتعدَّى كسفَّه المشدَّدِ، ويشهد له ما جاء في الحديث: "الكبرُ أن تَسْفَهَ الحقَّ وتَغْمِصَ الناسَ" (٣).
стр. 499
والمستثنى في محلِّ الرفع بدلًا (١) من الضمير الذي في ﴿يَرْغَبُ﴾، وهو أجودُ من النصب على الاستثناء.
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: جعلناه صافيًا من جميع ما لا يليقُ خلَّةَ الحق، والاصطفاء في الأصل: تناوُلُ صفوةِ الشيء؛ كما أن الاختيار تناولُ خيره، والاجتباءَ تناولُ جابَته؛ أي: وسطِه، وهو المختار.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: من الباقين على الصَّلاح في الدنيا حتى يكون كذلك في العُقبى، فكم مِن صالحٍ في أولِ حاله ذهب صلاحُه في مآله! فهو في مقام التعليل لاصطفائه في الدنيا؛ كما أنه في مقام التعليل لِمَا سبق من أنه حقيق بالاتِّباع لا يَرغب عنه إلا سفيهٌ أو متسفِّه أذلَّ (٢) نفسه بالجهل والإعراض عن النظر.
* * *
(١٣١) - ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ العامل في ﴿إِذْ قَالَ﴾: ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ أي: حين أمره الله تعالى بالإسلام قال: أسلمتُ، استئنافٌ تعليليٌّ لِمَا تقدم من الفلاح في الدارين.
وإنما زاد قوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لبيانِ أن المراد من الإسلام هو الانقيادُ عن عرفانٍ بما يوجب الإذعان، لا مجردُ الإقرار باللسان.
* * *
стр. 500
(١٣٢) - ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾؛ أي: بملَّة الإسلام المذكورة.
﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ والتوصية: التقدُّم بفعلٍ فيه صلاحٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ، وقرئ: ﴿وأوصى﴾ (١)، والأول أبلغ. واشتقاقُها من وصَّاه؛ أي: وصَله، ويضادُّه فصَّاه؛ أي: فصَله.
﴿وَيَعْقُوبُ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: وصَّى هو أيضًا بها بنيهِ، وقرئ بالنصب (٢) على أنه ممن وصَّاه إبراهيم، وإنما مُنع عن الصرفَ للعلَمية والعُجمة.
﴿يَابَنِيَّ﴾ على إضمار القول، أو متعلِّق بـ (وصَّى)؛ لأنَّه نوع منه، وباعتباري القول والفعل يجوز إثباتُ (أنْ) وحذفُها؛ كما في الرسالة والإبلاغ والإنذار والوعد.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ دينَ الإسلام الذي هو صفوةُ الأديان؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ كناية عن الثبات على الإسلام، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ العبرة للخاتمة.
* * *
(١٣٣) - ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
стр. 501
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ، ومعنى الهمزةِ فيها الإنكارُ؛ أي: ما كنتُم حاضرين.
﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ﴾ وقال لبَنيه ما قال، فلِمَ تدَّعون اليهوديةَ عليه.
رُوي (١) أن اليهود قالوا لرسول ﷺ : ألستَ تعلمُ أن يعقوب أوصى بنيهِ باليهودية يومَ ممات؟ فنزلت.
والشُّهود: حضور بالذات، أو بالعناية، أو بالمقال، والحضورُ أكثرُ ما يقال بالذات، كذا قال الراغب (٢).
وتقديمُ المفعول - وهو ﴿يَعْقُوبَ﴾ - لشدةِ الاهتمام به؛ لأنهم يدَّعون عليه اليهودية.
﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ بدلٌ من ﴿إِذْ حَضَرَ﴾.
﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ لم يَعْنِ به العبادةَ المشروعةَ فقط، بل عنَى جميع الأعمال، فكأنه دعاهم أنْ لا يتخيَّروا في أعمالهم غيرَ وجه الله تعالى، ولم يَخَفْ عليهم الاشتغالَ بعبادة الأصنام، وإنما خاف أن تشغَلهم دنياهم، ولهذا زادوا في الجواب قولهم: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون له في جميع الأفعال والأحوال.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ أي: نقتدي بك كما اقتديتَ بآبائك، وللإشعارِ بهذا الاعتبارِ المناسب للمقام زادوا في الكلام على قَدْر الحاجة في الجواب،
стр. 502
وقُرئ: (وإنهَ أبيك) (١) على أنه جمعُ أبٍ على السلامة، أو مفردٌ و ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ عطفُ بيانٍ.
﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ بدلٌ عن قوله: ﴿آبَائِكَ﴾، وإبراهيمُ ﵇ كان جدًّا له والجدُّ أبٌ؛ قال الله تعالى ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وإسماعيلُ ﵇ كان عمًّا له، والعمُّ عند العرب يسمَّى أبًا، قال النبيُّ ﵇ في حقِّ العباس ﵁: "ردُّوا عليَّ أبي" (٢)، وإنما قدَّمه على أبيه إسحاق لأنَّه كان أكبرَ سنًا منه (٣).
﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بدلٌ من ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾، ويجوز أن يكون ﴿وَاحِدًا﴾ حالًا ﴿إِلَهًا﴾ توطئةً، والفائدة: التنصيصُ على أن معبودهم واحدٌ، ونفيُ التوهُّم الناشئ (٤) من تكرير المضاف، وأمَّا النصبُ على الاختصاص فيردُّه نصُّ النُّحاة على أن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرةً ولا مبهَمًا.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ حال من فاعل ﴿نَعْبُدُ﴾ أو مفعولِه، أو منهما، ويجوز أن يكون جملةً معطوفةً على ﴿نَعْبُدُ﴾ أو اعتراضيةً.
* * *
стр. 503
(١٣٤) - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ الإشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبَنِيهِما، والأمَّة: أهلُ الملَّة الواحدة، وهي في الأصل: المقصودُ، من أمَّه؟ كالعُمْدة مِن عَمَده، ويسمَّى بها الجماعةُ؛ لأن الفِرَق تؤمُّها.
﴿قَدْ خَلَتْ﴾؛ أي: مضتْ وصارت إلى الخلاء، وهي الأرض التي لا أنيسَ بها، وَيلزمُه الانفرادُ، ومنه: خلا الرجل بنفسه: انْفَرَد (١)، وخلا المكانُ من أهله؛ أي: انْفَردَ منهم.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الكسب: اجتلابُ النفع بعلاجٍ ومراس (٢)، ولذلك لا يجوز في صفة الله تعالى، وإذا قيل في المضرَّة فعلى طريقِ الاستعارة، وتقديمُ (لها) و (لكم) للتخصيص، والجملةُ استئنافٌ لبيان أن الانتفاع بالاكتساب لا بالانتساب.
﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تتميمٌ لِمَا تقدَّم؛ أي: لا يثاب ولا يعاقَبُ أحد بما كان من الآخر، على أن المراد سؤالُ المؤاخذة.
* * *
(١٣٥) - ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ أي: رؤساء اليهود ونصارى نجران.
﴿كُونُوا﴾ المأمورون مَن آمَن برسول الله ﵇.
﴿هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ كان الظاهر إيرادَ أداة الجمع؛ لأن كلام المجموع مجموعُ
стр. 504
الكلامين، إلا أنه أراد أن يضمِّن الكلام بيانَ انقسام المقال على الانفصال الحقيقيِّ فأتى بأداة المنع.
﴿تَهْتَدُوا﴾ جوابُ الأمر.
﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: قل يا محمدُ جوابًا عن قيلهم: بل نكونُ أهلَ ملة إبراهيم، على حذف المضاف.
وقرئ: (مِلَّةُ) بالرفع (١)، على معنى: بل المهتدون ملةُ إبراهيم.
﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ من المضاف أو من المضاف إليه، والحنيف: المائل، والمراد: الميلُ عن الأديان كلِّها إلى دِينِ الحقِّ؛ كان يقال في الجاهلية لمن كان على دين إبراهيم ﵇: حنيفٌ، لميلهم عن طريقتهم إلى طريقةٍ غيرها.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تعريضٌ إلى أن كلتا الطائفتين قد أَشركت.
* * *
(١٣٦) - ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿قُولُوا﴾ خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون خطابًا للكافرين على أن المراد بقوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: بل كونوا أهلَ ملَّتِه لتكونوا مهتدين، فيكون ﴿قُولُوا﴾ بيانًا له.
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: بأُلوهيَّته ووحدانيَّته وسائرِ صفاته، ومن جملتها كلامُه فكان
стр. 505
الإيمان به مشتملًا للإيمان (١) بجميع ما أُنزل من عنده، فلهذا لم يفْصل بينهما بأداة التعدية الدالةِ على الاستقلال.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: القرآن، قدَّمه لأن التصديق به أهمّ وأتمّ.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ من الصُّحف.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ عُطفوا على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ لأنهم لمَّا كلِّفوا العمل بشريعته صارت الصحف المنزلةُ عليه كأنها منزلةٌ إليهم.
﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾: أولاد يعقوب، جمع سِبطٍ: وهو في الأصل كالطائفة والفرقة، والأسباطُ في أولاد إسحاق ﵇ كالقبائل في أولاد إسماعيل ﵇، وهم جماعةٌ من أبٍ وأمٍّ مأخوذٌ من السَّبَط (٢)، وهو شجرةٌ واحدةٌ لها أغصانٌ كثيرةٌ.
﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾: التوراة والإنجيل والآيات البيّنات، ولهذا أتى هنا بعبارة ﴿أُوتِيَ﴾ ولم يكرِّر ﴿وَمَا أُوتِيَ﴾ لأن شريعة عيسى ﵇ هي شريعةُ موسى ﵇ إلا في النَّزْر، وأفردهما بالذكر لوقوعِ النزاع فيهما.
﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ تعميمٌ بعد التخصيص.
﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: منزلٌ من ربهم.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: لا نكون كالذين آمَنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ من اليهود والنصارى، و (أحد) عامٌّ فساغ أن يضاف إليه (بين)، وعمومُه ليس من جهةِ كونه نكرةً في سياق النفي كما هو السابقُ إلى الوهم، بل لأنَّه موضوعٌ له في النفي
стр. 506
المستوي (١) فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ، والواحدُ وما وراءه، ولو قال: بينهم، لكان أوجَزَ، إلا أنه لمَّا كان القصد إلى أن يبيِّن أن لا نفرِّق بين واحدٍ وواحدٍ ذكر لفظ أحد (٢).
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: مذعِنون مخلِصون.
* * *
(١٣٧) - ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ الفاءُ لترتيب الكلام على ما تقدَّم.
﴿آمَنُوا﴾؛ أي: اليهودُ والنصارى.
﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: بمثلِ إيمانكم، فـ ﴿مَا﴾ مصدريةٌ، و ﴿بِهِ﴾ بدلٌ من ﴿بِمِثْلِ﴾ يفيد التأكيد، وكذا الباءُ المزيدة. ويجوز أن يكون للآلة، والمعنى: إنْ تحرَّوا بطريقٍ يهدي إلى الحق مثلِ طريقكم، فإنَّ وحدة المقصِد لا تأبى تعدُّد الطرق، أو المِثْلُ مقحَمٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]؛ أي: عليه، ويشهد له قراءةُ: (بما آمنتم به)، و: (بالذي آمنتم به) (٣).
﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: أصابوا الصراطَ السَّوِيَّ.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يقال: تولَّاه؛ أي: اتَّخذه وليًّا، قال تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣]، وإذا وُصل بـ (إلى) يكون بمعنى الإقبال عليه، قال تعالى:
стр. 507
﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤] وإذا وُصل بـ (عن) يكون بمعنى الإعراض وهو المراد هاهنا؛ أي: إن أعرضوا عن الإيمان بما آمنتم به، أو عمَّا تقولون لهم.
﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾؛ أي: فما هم إلا في شقاقٍ عظيمٍ، وهو المناوأةُ والمخالَفة لأهل الحق، فإنَّ كلَّ أحدٍ من المتخالِفَينِ في شقٍّ غيرِ شقِّ الآخَر.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ تسليةٌ وتسكينٌ للمؤمنين، ووعدٌ لهم بالحفظ والنصر، والسِّينُ إشارةٌ إلى كون الوعد محقَّقَ الوقوع قريبَه (١).
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حُذف المفعول للتعميم، أو تُرك تنزيلًا للمتعدِّي منزلةَ اللازم لإيهام المبالغة، وعدٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكفار.
* * *
(١٣٨) - ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ انتصب انتصابَ المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة من قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، أي: صَبَغَنا الله تعالى بالإيمان الفطريِّ صبغتَه، وهي فطرةُ الله التي فَطر الناسَ عليها، فإنها حِلْيةُ الإنسان كما أن الصبغةَ حِليةُ المصبوغ، أو: هدانا الله تعالى هدايتَه وأرشدَنا حُجَّتَه، أو: طهَّر قلوبَنا بالإيمان تطهيرَه، وسماه صبغةً؛ لأنَّه ظهر أثرُه عليهم ظهورَ الصبغ على المصبوغ، وتداخَلَ في قلوبهم تداخُلَه الثوب.
وقيل: إنه كلامٌ واردٌ على طريقِ المشاكَلة (٢)، وذلك أنه كان للنصارى صبغٌ
стр. 508
يسمُّونه: المعمودية، وهو ماء أصفر كانوا يغمسون أولادهم فيه يزعمون أنه تطهير لهم، ويقولون للمغموس: الآن صار نصرانيًّا حقًّا.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾؛ أي: لا أحد أحسن من الله صبغة.
﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ عطف على ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، أو على قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، وهو حال من ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، وفيه تعريضٌ بهم؛ أي: لا نُشرك به كشركِكُم.
* * *
(١٣٩) - ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ المحاجَّة: المقاومة في إظهار الحجة المبيِّنة للمَحَجَّة؛ أي: للمَقْصِد.
﴿فِي اللَّهِ﴾ في شأنه واصطفائه نبيًّا من قريش، روي: أن أهل الكتاب قالوا: الأنبياء كلُّهم منا، فلو كنتَ نبيًّا لكنتَ منَّا، فنزلت.
﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ لا اختصاصَ لربوبيته بقومٍ دون قومٍ، يُصيب برحمته مَن يشاء من عباده.
﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ فكما أن لكم أعمالًا ربما يعتبرها الله تعالى، فكذلك لنا أعمال.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي: في الاعتقاد والعمل لا أنتم، فكيف تكونون أفضل منا وأولى؟ كأنهم ألزمهم على كلِّ مذهب ينتحلونه إفحامًا وتبكيتًا، فإن كرامة النبوة إما بفضلٍ من الله تعالى على مَن يشاء والكلُّ فيه سواءٌ، وإما إفاضةُ حق على المستعدِّين لها بالمواظَبة على الطاعة والتحلِّي بالإخلاص.
* * *
стр. 509
(١٤٠) - ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾:
على القراءة بالتاء الفَوقانيَّة (١): يحتمل أن تكون ﴿أَمْ﴾ متصلةً معادِلةً للهمزة في ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾، يعني: أيَّ الأمرين تأتون: المحاجَّةَ في الله، أم ادِّعاءَ اليهودية والنصرانية على الأنبياء ﵈؟ وأن تكون منقطعةً.
وعلى القراءة بالياء التحتانية لا تكون إلا منقطعة؛ لأن المتصلة تقتضي المساواة بين ما يلي الهمزة و (أم)، ولا مساواة حينئذ.
ومعنى الاستفهام: الإنكار، وعلى تقدير اتصال (أم) إنكارُ الأمرين جميعًا، وكذا على تقدير انقطاعها، وفي القراءة الثانية إعراضٌ عن الخطاب لهم استجهالًا لهم بما كان منهم.
وفي: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ إنكارٌ للقِسم الأول وتقريرٌ للثاني؛ أي: إن الله تعالى شهد لهم بملة الإسلام في قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعُه في الدِّين اتِّفاقًا.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً﴾ ثابتة ﴿عِنْدَهُ﴾ كائنة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: شهادةَ الله تعالى في حق إبراهيم التي ثبتت عنده في كتابه الذي يتلوه.
والمعنى: لا أحد أظلمُ من أهل الكتاب؛ لأنهم كتموا الشهادة، أو منَّا لو كتمنا
стр. 510
هذه الشهادة، وفيه تعريضٌ لهم بكتمانهم شهادة الله تعالى لمحمدٍ ﵇ بالنبوة في كتبهم وغيرِها، وقد مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] ما يتعلَّق بهذا المقام من بيانِ وجهِ هذه الطريقة من الكلام.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعيد لهم.
* * *
(١٤١) - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تكرير للمبالغة في التحذير والزَّجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتِّكال عليهم.
* * *
(١٤٢) - ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ قد مرَّ معنى السَّفَه، والمراد: المنكِرون لتغيير القِبلة من المنافقين والمشركين واليهود، وفائدةُ تقديم الإخبار به مع أنه نوع هن الإعجاز: توطينُ النفس وإعداد الجواب.
﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ ما صرَفَهم.
﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يعني: بيتَ المقدس (١)، والقبلةُ وإن كانت في الأصل
стр. 511
اسمًا للحال التي عليها الإنسانُ من الاستقبال كالجِلْسة والقِعْدة، فقد صارت في التعارُف للمكان المتوجَّهِ نحوه للصلاة إليها.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ كنى بهما عن الجهات كلِّها؛ أي: نسبةُ (١) جميع الجهات إليه تعالى على السَّواء، فلا يختصُّ بأمره مكانٌ دون مكانٍ لخاصِّيَّةٍ ذاتيةٍ يمتنع إقامةُ غيره مُقامه، وإنما العبرةُ بارتسامِ أمره لا بخصوصِ المكان.
﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو ما عَلم الله تعالى صلاحَهم واستقامةَ أمرهم فيه من توجيههم (٢) إلى بيت المقدس تارةً وإلى الكعبة أخرى.
* * *
(١٤٣) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الجعلِ العجيبِ، والإشارةُ إلى الجعل المدلول عليه بـ ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ لا إلى الجعل المفهوم من الآية المتقدِّمة، وإنما جيء بما يدلُّ على البعد تفخيمًا، والكافُ مقحَمٌ للمبالغة.
﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إخبارٌ بكونهم عدولًا مزكَّين بالعلم والعمل، وهو في الأصل اسمٌ للمكان الذي تستوي إليه المساحةُ من الجوانب في المدوَّر، ومن الطرفين في المطوَّل؛ كالنقطةِ من الدائرة، ولسانِ الميزان من العمود، فجُعل عبارة
стр. 512
عن العدل، وشُبِّه به كلُّ ما وقع بين طرفي (١) إفراطٍ وتفريطٍ، كالجود بين السَّرَف والبخل، والشجاعةِ بين التهوُّر والجبن، ثم جُعل عبارةً عن المختار من كلِّ شيء، حتى قيل: فلان من أوسطهم نسبًا، فاستوى فيه الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث، كسائر الأسماء التي يوصَف بها.
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ﴾ يعني: الأنبياءَ ﵈ يومَ القيامة.
﴿عَلَى النَّاسِ﴾ على الكفار.
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ هو محمد ﵇ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ خاصة ﴿شَهِيدًا﴾ معدِّلًا مزكِّيًا لهم، والشهيدُ كالرقيب والمهَيمِن، فجيء ب (على) لاستعلائه المشهودِ له.
روي أنَّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغَ الأنبياء ﵈، فيطالِبُ الله تعالى الأنبياء ﵈ بالبيِّنة على أنهم بلَّغوا وهو أعلَمُ، فيأتون محمدًا ﵇ يلتمِس كلُّ رسول منه طائفةً من أمته تَشهد له، فيَشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتُم؟! فيقولون: علِمنا ذلك بإخبارِ الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيِّه الصادق، فيؤتَى بمحمد ﵇ فيُسألُ عن أمته، فيزكِّيهم ويشهدُ بعدالتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] (٢).
واستدل بالآية المذكورة على أن الإجماع حجة، إذ لو كان فيما اتَّفقوا عليه باطل لانثَلمت (٣) به عدالتُهم، ولا يخفى ضعفُه؛ إذ غاية ما لزم حينئذ خطؤهم في الاجتهاد
стр. 513
ولا تنثلم به العدالة، كيف والخطأ في الاجتهاد مما يثاب عليه؟ وما يثاب عليه لا يكون قادحًا في العدالة.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: الجهةَ التي كنت عليها وهي الكعبة، كان ﵇ يصلي إليها بمكة، ثم أُمر بعد الهجرة بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس، لا تألُّفًا لليهود لأنَّه مردودٌ بالحصر المستفاد من تمام الكلام الآتي ذكرُه، فإنه صريحٌ في أنَّ جَعْل الكعبة قبلةً ليس تألُّفًا لقريشٍ على هذا الوجه، وأنَّ جَعْل الصخرة قبلةً ليس تألُّفًا لليهود على الوجه الآخَر، ثم حوِّل إلى الكعبة، فالمعنى: ما ردَدْناك إلى الكعبة، وذلك لا يقتضي أن تكون ﴿الْقِبْلَةَ﴾ المفعولَ الأول، و ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ المفعولَ الثانيَ كما تُوهِّم، بل يجوز أن يكون على العكس؛ أي: صيَّرنا الجهةَ التي كنتَ عليها أولًا ثم صُرِفْتَ عنها إلى بيت المقدس قبلتَك أو الصخرة، فالمخبَرُ به على الأول (٤) الجعلُ الناسخ، وعلى الثاني المنسوخُ، والمعنى: إنَّ أصل أمرِك أن تَستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتَك بيتَ المقدس إلا امتحانًا وابتلاءً للناس.
وعن ابن عباس ﵄: كانت قبلتُه ﵇ بمكةَ بيتَ المقدس، إلا أنه كان يجعل الكعبةَ بينه وبينه (٥).
ولا دلالةَ في هذا على أحد المعنيين المذكورين بخصوصه كما لا يخفى (٦).
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ ليَظْهَرَ علمُنا على مظاهر الرسول ﵇ والمؤمنين، ويتميَّزَ عندهم الثابتُ على الإسلام الصادقُ فيه، وإنما عبَّر عن الظهور
стр. 514
المذكور بالعلم المسنَد إلى ذاته لأنهم خواصُّه وأهل الزلفى عنده تعظيمًا لهم، وبهذا اندفع ما قيل: كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالمًا؟
وأما التأويلُ بأنه باعتبار التعلُّق الحالي الذي هو مناطُ الجزاء، والمعنى: ليَتعلَّق به علمنا موجودًا، فليس بشيء؛ لأن علمه تعالى به موجودًا في وقتِ وجوده لم يزل أيضًا، فإنه تعالى كان عالمًا في الأزل بهم وبكلِّ حالٍ من أحوالهم التي تقع في زمانٍ من أزمنةِ وجودهم مقارِنةٍ للزمان الذي تقع فيه تلك الحالة (١).
﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ مِن المتردِّد الذي يرتدُّ بأدنى سببٍ لقلقه (٢)، تصويرٌ لسوء حالهم في الارتدادِ بأقبحِ الوجوه، فإن الانقلاب على العَقِب أسوأُ أحوال الراجع في مشيه، وتثنيةُ العقب تقويةٌ لمساءته.
والعَقِبُ على ما قاله الأصمعيُّ: ما أصاب الأرض من مؤخَّر الرِّجل إلى موضع الشِّراك، الذي ذكر من جنس الحِكَم والغايات التي تترتَّب عليها المصالح لا من قبيل الأغراض.
وقرئ: (إلا ليُعلم) على البناء للمفعول (٣).
ومعنى العلم: المعرفةُ، ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ متضمِّنةً لمعنى الاستفهام معلَّقًا عنها العلمُ؛ كقولك: علمتُ أزيدٌ في الدار أم عمرو.
стр. 515
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ شاقَّةً؛ لأنَّ مَن أَلِفَ شيئًا ثم فارَقه شَقَّ عليه، (إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة (١)، واللامُ هي الفاصلة.
وقيل: (إنْ) هي النافيةُ، واللام بمعنى: إلا، والضميرُ لِمَا دلَّ عليه قولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ أي: الجَعلةُ أو التحويلةُ أو الرَّدَّة، ويجوز أن يكون لـ ﴿الْقِبْلَةَ﴾.
وقرئ: (لكبيرةٌ) بالرفع (٢)، فتكون (كان) زائدةً كما في قوله:
وجيرانٍ لنا كانوا كرامٍ (٣)
﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ﴾ استثناءٌ من محذوفٍ؛ أي: لكبيرةً على الناس إلا على الذين.
﴿هَدَى اللَّهُ﴾ إلى حكمةِ الأحكام، الثابتين على الإسلام والاتِّباع.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: ثباتَكم على الإيمان في الاتِّباع، بل شَكَر صنيعَكم وأَعدَّ لكم الأجرَ العظيم، وقيدُ الاستمرار المستفادِ من لفظِ ﴿كَانَ﴾ مقدَّمٌ في الاعتبار على النفي.
أو: صلاتَكم إلى بيت المقدس؛ أي: إيمانَكم بسبب الصلاة إليه، فإنها قبل التحويل ما صحَّت إلا باستقباله، قال ابن عباس ﵄: لمَّا وجِّه رسول الله ﷺ الكعبة قالوا: كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت (٤).
стр. 516
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ فيه معنى التعليلِ، والإظهارُ في مقام الإضمار للتَّفخيم.
﴿بِالنَّاسِ﴾ على الإطلاق، فكيف بالمؤمنين منهم؟
﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فلا يُضيع أعمالَهم، ولا يُخلُّ بما يُصلح أحوالَهم، وإنما قدِّم الرؤوف على الرحيم؛ لأن الرأفة إنما تكون باعتبارِ الحفظ والصِّيانة عن الآفات والنقائص التي يُستحَق بها العقاب، والرحمةَ باعتبارِ إفاضة الكمالات والسعادات التي بها يُستحَق الثواب، فالأُولى من باب التزكية، والثانيةُ من باب التخليَة، ولا تكون التخلية إلا بعد التزكية.
* * *
(١٤٤) - ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿قَدْ نَرَى﴾ ﴿قَدْ﴾ للتقليل، وقد استُعمل هاهنا في مقام التكثير؛ كما في قوله:
قد أتركُ القِرْنَ مصفَرًّا أناملُه (١)
стр. 517
يعني: إنك تفعل كثيرًا - على ما دل عليه عبارةُ ﴿تَقَلُّبَ﴾ - وهو قليل بالنسبة إلى ما تهمّ به وتريد، وفي البيت يدَّعي قلَّةَ الترك بالنسبة إلى ما في نفسه وما يريد، وهو كثيرٌ في حدِّ ذاته.
﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ تقلُّب الوجه أبلغُ من تقلُّب العين، على أن الوجه يريد به التوجُّه؛ كقولك: وجهي إلى فلان.
﴿فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: في جهتها تطلّعًا للوحي.
كان رسول الله ﵇ يتوقَّع من ربه أن يحوِّله إلى الكعبة؛ لأنها قبلةُ أبيه إبراهيم ﵇، وأقدمُ القبلتين، وأَدْعَى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرتُهم ومَزارُهم ومطافُهم، ولمخالفة اليهود، وذلك يدلُّ على كمال أدبه ﵇، حيث انتظر ولم يسأل كما فَعل أبوه إبراهيمُ ﵇، حيث قال: (حسبي من سؤالي علمُه بحالي) (١).
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فلنجعلنَّك واليًا ﴿قِبْلَةً﴾ من ولَّيتُه كذا: إذا جعلته واليًا له، أو: لنجعلنَّك تلي سَمْتَها، من الوَلْي.
﴿تَرْضَاهَا﴾ تحبُّها وتميلُ إليها لمصلحةٍ دينية، هذا القيدُ للدلالة على أنَّ التوليةَ كانت رعايةً لرضاه ﵇، فلا دلالةَ فيه على كراهة القبلة الأخرى.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ فاجعل وجهك يلي.
стр. 518
﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ نحوَه وجانبَه، الشطرُ في الأصل لِمَا انفصل عن الشيء، من شَطر: إذا انفصل عن الشيء، ثم استُعمل لجانبه وإن لم ينفصِل، وزيادتُه ليست لأنَّه ﵇ كان بالمدينة والبعيدُ يكفيه رعايةُ الجهة؛ لأن التعميم المستفادَ من قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يأباه، بل للدلالة على أنَّ القبلة هي الهواء، ولا دخل فيها للبناء (١).
﴿الْحَرَامِ﴾؛ أي: المحرَّم فيه القتالُ، أو ممنوع عن الظَّلَمة أن يتعرَّضوه، وهذا الوصف هو الباعث لإيثار ﴿الْمَسْجِدِ﴾ على: الكعبة، فإن الحكم المذكور لا اختصاصَ له بها، لا لأن في استقبال عينها حرجًا؛ لأنَّه قد اندفع بزيادة عبارة الشطر.
رُوي أنه ﵇ قدِم المدينةَ فصلى نحو بيت المقدس ستةَ عَشَرَ شهرًا، ثم وجِّه إلى الكعبة (٢).
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ خُصَّ رسول الله ﷺ بالخطاب تعظيمًا له، وإيجابًا لرغبته، ثم عمِّم تصريحًا بعموم الحكم، وتأكيدًا لأمر القبلة، وتحضيضًا للأمة على المتابعة.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إجمالًا، لعلمهم بأن عادته تعالى تخصيصَ أهل كل شريعة بقبلةٍ، وتفصيلًا لتضمُّن كتبهم أنه ﵇ يصلي إلى القبلتين، والضميرُ للتحويل أو التوجُّه.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للفريقين، وفي قوله:
* * *
стр. 519
(١٤٥) - ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ اللام موطِّئةٌ للقسم.
﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾؛ أي: برهانٍ قاطعٍ على أن التوجُّه إلى الكعبة هو الحقُّ، بعد قوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ دلالةً على أن امتناعهم عن التوجُّه إليها ليس عن شبهةٍ، بل عن عنادٍ ومكابرةٍ، فلا ينجع البرهان قطعًا.
﴿مَا تَبِعُوا﴾ أي: كلُّهم، فلا ينافي اتِّباعَ بعضهم ﴿قِبْلَتَكَ﴾ جوابُ القسم المضمَر، وهو مع جوابه سادٌّ مسدَّ جواب الشرط.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ قطعٌ لأطماعهم، فإنهم قالوا تغريرًا له ﵇ وإطماعًا: لو ثبتَّ على قبلتنا (١) لكنا نرجوا أن تكون صاحبنا.
وقبلةُ المخالفين وإن تعدَّدت لكنها متَّحدةٌ من جهة البُطلان ومخالفةِ الحق.
﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأن اليهود تستقبلُ الصخرة، والنصارى مطلعَ الشمس، فلا يرجى توافُقُهم، فلا وجه للتوجُّه إلى إحدى تينك القبلتين إرضاءً لأحد الفريقين مع ما فيه من سَخَط الآخر.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: ولئن اتَّبعتهم في موافقته الهوى فرضًا، وفي العدول عن الظاهر التنبيهُ على أن قبلتهم لمَّا انتَسخَتْ لم يبق فيها إلا جهةُ الهوى والميلِ إلى مقتضى النفس؛ لبطلان وجه الحق.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: سببِه وهو الوحي.
стр. 520
﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ في اللاماتِ الثلاث المجيبة والموطِّئَينِ للقسم في الجمل الثلاث، والتكرارِ في قوله: ﴿فَوَلِّ﴾ و ﴿فَوَلُّوا﴾، مع التعميم في (حيثما)، والتأكيدِ بـ (إنَّ) واللامِ، والوعيدِ في قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وإيرادِ الجملتين المنفيَّتين وهما: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ﴾ و ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ﴾ اسميَّتين، وتأكيدِ النفي بالباء فيهما، وإيرادِ كلمة الشك في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ بعد القطع في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ﴾ ليدل على الفَرْض والتقدير كالمحالات، وتقويةِ ذلك المعنى بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، وذكرِ الأهواء، والتأكيداتِ الأربعة في جوابه = مبالغةٌ عظيمةٌ في أن كلَّ واحد من المحقِّ والمبطِلِ في غايةِ التصلُّب والتشدُّد في دينه، وامتناعِ رجوعه عنه - أمَّا المحقُّ: فلِقوةِ يقينه، ووضوحِ برهانه، وكونه على بيِّنةٍ من ربِّه، وأما المبطلُ: فلشدة شكيمته في عناده ومكابرته - وتعظيمٌ للحق المعلوم، وتحريضٌ على اقتفائه، وتحذيرٌ عن متابعة الهوى، واستفظاعٌ لصدور الذنب عن الأنبياء ﵈.
* * *
(١٤٦) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إيتاءَ فهمٍ ودراسةٍ، وهم الأحبار.
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ الضمير للرسول ﵇، وقد سبق ذكره في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهذا الكلام غيرُ منقطِعٍ عنه، إلا أنه (١) الْتَفَتَ من الخطاب إلى الغيبة، ثم منها إلى الخطاب في قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
стр. 521
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾: أي: يَعْرفونه ﵇ معرفةً لا شبهةَ فيه بالوصف الذي يعيِّنه كما يعرفون البنين على التعيين، لا اشتباه في معرفتهم إياهم بغيرهم، وإنما خُصَّ الأبناء بالذكر لأن اختلاطهم بالآباء أكثر، فعدمُ الاشتباه فيهم أظهر، رُوي عن عمر ﵁ أنه سأل عبد الله بن سلَام عن رسول الله عليه وسلم فقال: أنا أعلمُ به منِّي بابْني (١)، قال: ولمَ؟ قال: لأني لست أشكُّ في محمد أنه نبيٌّ، فأما ولدي فلعل والدته خانت، فقبَّل عمرُ ﵁ رأسه (٢).
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ التنوين للتحقير، والإشارةِ (٣) إلى قلَّة قَدْرهم بالنسبة إلى المظهِرين منهم.
﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؛ أي: كونَه النبيَّ الموعود، كان الظاهر أن يقال: لَيكتُمونه، والعدولُ عنه للتنبيه على أن المراد معرفتُه ﵇ بذلك الوجهِ لا معرفةُ ذاته.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تخصيصٌ لمن عانَدَ، واستثناءٌ لمن آمَن.
* * *
(١٤٧) - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ كلام مستأنف، و ﴿الْحَقُّ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هو الحق، و ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبرٌ بعد خبر، أو حالٌ. أو ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ خبرُه ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾.
واللامُ إمَّا للعهد والإشارةِ إلى ما يكتمونه؛ أي: الحقُّ الذي يكتمونه هو الحقُّ
стр. 522
من ربك، أو إلى (١) الحقِّ الذي عليه رسول الله ﷺ ، وإما للجنس، أي: الحقُّ من ربك لا من غيره، أي: ماهيةُ الحق ما ثبت أنه من ربك، يعني: الذي أنت عليه، وما لم يَثبت أنه من ربك كالذي عليه أهلُ الكتاب فهو الباطل، كما تقول: الرجل زيد؛ أي: ماعدَاه ليس بالرجل.
وقرئ بالنصب (٢) على أنه بدلٌ من الأول (٣)، أو مفعولُ ﴿يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ النهيُ عن الكون على صفةٍ أبلغُ من النهي عن تلك الصفة، ولذلك كثر في القرآن النهيُ عن الكون على الصفة التي يُطلب اجتنابها.
والامتراءُ من مَرَيْتُ الناقة: إذا مسحتَ ضرعَها، واستُعير للتردُّد في الأمر، وهو لا يكون بقصدٍ واختيارٍ، فالنهيُ المذكور للحثِّ على محافظةِ الأسباب المُزيلةِ له، والتحذيرِ عن الغفلة عنها، والرسولُ ﵇ أحقُّ بهما من أمته، ولقد أحسنَ مَن قال: إن الله يحذِّر نبيَّه من اتِّباع الهوى أكثرَ مما يحذِّر غيره؛ لأن ذا المنزلة الرفيعة إلى تحذير الإنذار أحوجُ، حفظًا لمنزلته وصيانةً لمكانته.
وقد قيل: حقُّ المرآة المجلوَّة أن يكون تعهُّدُها أكثرَ، إذ كان القليل من الصداء عليها أظهر.
ومَن ذهب عليه هذا قال: ليس المراد به نهيَ الرسول ﵇ عن الشك فيه؛ لأنَّه غير متوقَّع منه، وليس بقصدٍ واختيار، وكأنه (٤) غافلٌ عن أنه لا
стр. 523
صحة للكلام على ظاهره (١)، وبعد الصرف عنه لا مانع عن كون الخطاب له ﵇
ثم إنه لا اختصاص للنهي بالمتوقَّع، ألا يرى أن الجهل غيرُ متوقَّع من نوح ﵇، وقد وقع التحذير عنه في حقه في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].
وفائدة نهيه ﵇ مع أن النهي غيرُ متوقَّعٍ منه: المبالغةُ في حق مَن يُتوقَّع منه ذلك.
* * *
(١٤٨) - ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾؛ أي: ولكلِّ قوم من المسلمين جهةٌ وجانبٌ من الكعبة.
وقيل: المعنى: ولكلِّ أمةٍ من أهل الأديان المختلفة جهةٌ وقبلةٌ، ولا ينتظِمه وجه التفريع الآتي ذكرُه، وفي قراءة أبيٍّ: (قبلةٌ) (٢). والتنوينُ عوضٌ عن الإضافة.
﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ ﴿هُوَ﴾ إما راجعٌ إلى (كلٍّ) أي: هو موليها وَجههُ، فحُذف أحد المفعولين، أو إلى الله تعالى؛ أي: هو مولِّيها إياه (٣).
стр. 524
وقرئ: (ولكلِّ وجهةٍ) بالإضافة (١)؛ أي: وكلُّ وجهةٍ اللهُ تعالى [مولِّيها] (٢) أهلَها، واللامُ مزيدةٌ للتأكيد جبرًا لضعف العامل.
وقرئ: ﴿مولَّاها﴾ (٣)؛ أي: مولَّى تلك الجهةِ.
ولمَّا كان في التوسعة المستفادة من الكلام السابق إزاحةُ العذر في التوقُّف والتأخّر، رتَّب عليه الأمرَ بالمبادرة بقوله:
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: تَسارعوا إلى أداء الصلاة في أوائل أوقاتها، والسَّبقُ: التقدُّم، والاستباق من الاثنين، ومن الجمع: التسابُق، وكذا التبادُر والابتدار (٤)، والتقاتُل والاقتتال.
وفي التعبير بالخير عن الصلاة دلالةٌ على تفوُّقها في الخيرية على سائر الأعمال الصالحة، فإن النوع الخاص إذا عُبر عنه باسم الجنس يدلُّ على فضله على سائر الأنواع.
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: في أيِّ موضعٍ كنتُم أحضركم الله المحشرَ للثواب والعقاب، استئنافٌ تعليليٌّ للأمر المذكور.
وإنما قال: ﴿جَمِيعًا﴾ لأن نكال العاصي على رؤوس الأشهاد يكون أشدَّ فظاعةً، والإحسانَ للمطيع في تلك الحال يكون أقوى تأثيرًا في تحسير (٥) العاصي، ففيه تأكيد التحذير.
стр. 525
وقيل: المعنى: أينما تكونوا من الجهات المتقابلةِ يأت بكم الله جميعًا، ويجعلْ صلواتكم كأنها إلى جهةٍ واحدة، ويأباه قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إذ لا دخلَ لشمول القدرة وكمالها في المعنى المذكور، فإن مبناه على الرخصة والوسعة في أمر التكليف، لا على القدرة في أمر التكوين.
* * *
(١٤٩) - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ (١) أيِّ مكانٍ.
﴿خَرَجْتَ﴾ سواءٌ كان للسفر أو لأمرٍ آخَرَ.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إذا صليت.
﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن هذا المأمورَ به (٢).
﴿لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ تأكيدٌ على أبلغ الوجوه.
﴿اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وقرئ بالياء (٣).
* * *
(١٥٠) - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
стр. 526
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ كرَّر هذا الحكم لتعدُّد حكمته، فإنه تعالى ذَكر لتحويل القبلة ثلاثَ فوائد: تعظيمَ الرسول ﵇ بابتغاءِ مرضاته، وجَرْيَ العادة الإلهية على أن يولِّي أهلَ كلِّ ملةٍ وصاحب دعوةٍ جهةً يستقبلها ويتميز بها، ودفعَ حُجج المخالفين على ما سيأتي بيانه.
وقرن بكل حُكمٍ حِكمته تقريبًا وتقريرًا على أن القبلة لها شأنٌ.
والنَّسخُ من مظانِّ الشُّبهِ والفتن، ومحالِّ تسويل الشيطان، فيحتاج إلى التأكيد والتشديد؛ ليتحقَّقوا أنه ليس بالبَداء.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ تعليلٌ لقوله: ﴿فَوَلُّوا﴾، يعني: إنَّ في التولية عن الصخرة إلى الكعبة دفعَ احتجاجِ اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلتُه (١) الكعبةُ، وأن محمدًا ﵇ يجحد ديننا ويتَّبعنا في قبلتنا، واحتجاجِ المشركين بأنه يدَّعي ملة إبراهيم ﵇ ويخالفُ قبلته.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ الظالمون المستثنَون من الناس هم المعاندون من اليهود، القائلون: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه وحبًّا لبلده، ولو كان على الحق للَزِمَ قبلة الأنبياء ﵈، وأهلُ مكة من العرب الذين قالوا: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم.
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ ولا تبالِ بهم، فإن قولهم عنادٌ وطعنٌ ليس بحجةٍ، فلا يضرُّكم وإن ساقوه مساق الحجة، ولذلك استثناه من الحجة بناءً على زعمهم.
стр. 527
وقراءةُ زيد بن علي ﵁: (ألَا الذين ظلموا) (١) واقفًا على ﴿حُجَّةٌ﴾ مستأنِفًا للجملة مصدَّرةً بـ (ألَا) للتنبيه = دلت على كونه ليس بحجة.
﴿وَاخْشَوْنِي﴾ ولا تخالفوا أمري، ولكون الموصول متضمِّنًا لمعنى الشرط وكونِ الخبر جملةً إنشائيةً دخل الفاء في الخبر؛ أي: فلا يَسوغُ أن تخشوهم ويجب أن تخشَوني؛ لأن الجملة الإنشائية لا تقع خبرًا إلا على تأويل الخبرية.
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ معطوف على علةٍ محذوفة؛ أي: واخشوني لأعصمكم منهم في الدنيا، ولأُتم نعمتي عليكم في الآخرة بأنْ أُدخلَكم الجنة.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الله.
وفي الحديث: "إتمام النعمة دخول الجنة" (٢).
وعن علي ﵁: إتمام النعمة: الموتُ على الإسلام (٣).
أو على (٤) ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، أو معلَّلُه محذوف؛ أي: ولأتم نعمتي عليكم وإرادتي اهتداءَكم أمرتُكم بذلك.
* * *
(١٥١) - ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ متعلِّق بما قبله مصدرًا، أي: ولأتمَّ نعمتي
стр. 528
عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتُها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو بما بعده، أي: كما ذكرتُكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة، وإنما جمع بين ﴿فِيكُمْ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ لأن كلًّا منهما واقعٌ نافعٌ، ولا يغني أحدهما عن الآخر.
﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يحملكم على ما تصيرون به أزكياءَ، قدَّمه هنا باعتبار القصد، وأخَّره في قصة إبراهيم ﵇ باعتبار الفعل.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قد مر تفسيرهما.
﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ بالفكر والنظر؛ إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي، وتكريرُ الفعل للدلالة على أنه جنسٌ آخر.
* * *
(١٥٢) - ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
﴿فَاذْكُرُونِي﴾ الذكر: حضور الشيء للقلب، كُني به عما يتلوه من الطاعة، وفيه تنبيهٌ على أن العصيان للنسيان حقيقةً أو حكمًا.
﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ كُني به عن الإحسان (١)، وذلك مشهورٌ في كلِّ لسان.
﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ يقال: شكرتُه، وشكرتُ له، والثاني أفصح.
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ حُذف الياء من آخره لتستويَ الفواصلُ.
والشكر: إظهار النعمة بالاعتراف بها، أو بما هو كالاعتراف من القيام بحقها، والكُفران: ستر نعمة المنعِم بالجحود أو بما هو في حُكمِه من العمل.
* * *
стр. 529
(١٥٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قد مر الكلام فيهما، حثَّ الله تعالى على الصبر لأنَّه ذريعةٌ إلى كلِّ خير، وأوَّلُ كلِّ فضل، وعلى الصلاة التي هي أمُّ العبادات القلبية والقالبية.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني: إن النصر مع الصبر، فمَن لازَمَه فقد فاز بالنصر (١).
(١٥٤) - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد؛ لأنَّه طريق إلى ثواب الله تعالى ورحمته.
﴿أَمْوَاتٌ﴾: هم أمواتٌ.
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ أي: بل هم أحياءٌ.
﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ كيف حياتُهم، وكيف حالُهم في حياتهم؛ أي: ليس ذلك مما يدرك بالمشاعر؛ أي: الحواسِّ.
وعن الحسن: أن الشهداء أحياءٌ عند الله تعالى تُعْرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الرَّوح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوًّا وعشيًّا فيصل إليهم الوجع (٢).
والآية نزلت في شهداء بدر، وفيها وفيما (٣) رُوي عنه ﵇: أنه لمَّا قُتل
стр. 530
مِن صناديد قريش يوم بدرٍ مَن قُتل، جمَعَهم في قَليب، ثم أقبل يخاطبُهم بقوله: "هل وجدتُم ما وعد ربُّكم حقًا، فإني وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا؟ " فقيل له ﵇: أتخاطبُ جيَفًا؟! فقال: "ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يقدرون على الجواب" (١) = دلالة على أن الأرواح مطلقًا جواهرُ قائمة بأنفسها درَّاكةٌ مغايرةٌ لمَا يحسُّ من البدن، تبقى بعد الموت درَّاكةً، وعليه جمهورُ الصحابة ﵃ والتابعين، وبه نطقتِ الآيات والآثار، وعلى هذا فتخصيصُ الشهداء بالذكر لاختصاصهم بمزيد الزُّلفى (٢).
(١٥٥) - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ مجازٌ إذ البلاءُ معيارٌ كالمحكِّ يظهر به جوهرُ النفس: هل تصبر وتثبت؟ أي: نصيبنكم (٣) بمكروهٍ إصابةً تشبه فعلَ المختبِر.
﴿بِشَيْءٍ﴾ إيراد (شيء) وتنكيرُه (٤) تعليل لمَا ابتلانا به؛ ليُؤذِنَ أنَّ كلَّ بلاءٍ أصاب الإنسان وإنْ جلَّ ففوقَه ما يَقِلُّ هو بالنسبة إليه، وليخفِّف (٥) عليهم ويريَهم أن رحمته معهم في كلِّ حالٍ لا تزايلهم حتى في حال البلاء، فلو عرفوا ذلك