← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ كرَّر هذا الحكم لتعدُّد حكمته، فإنه تعالى ذَكر لتحويل القبلة ثلاثَ فوائد: تعظيمَ الرسول ﵇ بابتغاءِ مرضاته، وجَرْيَ العادة الإلهية على أن يولِّي أهلَ كلِّ ملةٍ وصاحب دعوةٍ جهةً يستقبلها ويتميز بها، ودفعَ حُجج المخالفين على ما سيأتي بيانه. وقرن بكل حُكمٍ حِكمته تقريبًا وتقريرًا على أن القبلة لها شأنٌ. والنَّسخُ من مظانِّ الشُّبهِ والفتن، ومحالِّ تسويل الشيطان، فيحتاج إلى التأكيد والتشديد؛ ليتحقَّقوا أنه ليس بالبَداء. ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ تعليلٌ لقوله: ﴿فَوَلُّوا﴾، يعني: إنَّ في التولية عن الصخرة إلى الكعبة دفعَ احتجاجِ اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلتُه (١) الكعبةُ، وأن محمدًا ﵇ يجحد ديننا ويتَّبعنا في قبلتنا، واحتجاجِ المشركين بأنه يدَّعي ملة إبراهيم ﵇ ويخالفُ قبلته. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ الظالمون المستثنَون من الناس هم المعاندون من اليهود، القائلون: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه وحبًّا لبلده، ولو كان على الحق للَزِمَ قبلة الأنبياء ﵈، وأهلُ مكة من العرب الذين قالوا: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم. ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ ولا تبالِ بهم، فإن قولهم عنادٌ وطعنٌ ليس بحجةٍ، فلا يضرُّكم وإن ساقوه مساق الحجة، ولذلك استثناه من الحجة بناءً على زعمهم.

стр. 527

وقراءةُ زيد بن علي ﵁: (ألَا الذين ظلموا) (١) واقفًا على ﴿حُجَّةٌ﴾ مستأنِفًا للجملة مصدَّرةً بـ (ألَا) للتنبيه = دلت على كونه ليس بحجة. ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ ولا تخالفوا أمري، ولكون الموصول متضمِّنًا لمعنى الشرط وكونِ الخبر جملةً إنشائيةً دخل الفاء في الخبر؛ أي: فلا يَسوغُ أن تخشوهم ويجب أن تخشَوني؛ لأن الجملة الإنشائية لا تقع خبرًا إلا على تأويل الخبرية. ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ معطوف على علةٍ محذوفة؛ أي: واخشوني لأعصمكم منهم في الدنيا، ولأُتم نعمتي عليكم في الآخرة بأنْ أُدخلَكم الجنة. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الله. وفي الحديث: "إتمام النعمة دخول الجنة" (٢). وعن علي ﵁: إتمام النعمة: الموتُ على الإسلام (٣). أو على (٤) ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، أو معلَّلُه محذوف؛ أي: ولأتم نعمتي عليكم وإرادتي اهتداءَكم أمرتُكم بذلك. * * * (١٥١) - ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ متعلِّق بما قبله مصدرًا، أي: ولأتمَّ نعمتي

стр. 528

عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتُها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو بما بعده، أي: كما ذكرتُكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة، وإنما جمع بين ﴿فِيكُمْ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ لأن كلًّا منهما واقعٌ نافعٌ، ولا يغني أحدهما عن الآخر. ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يحملكم على ما تصيرون به أزكياءَ، قدَّمه هنا باعتبار القصد، وأخَّره في قصة إبراهيم ﵇ باعتبار الفعل. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قد مر تفسيرهما. ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ بالفكر والنظر؛ إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي، وتكريرُ الفعل للدلالة على أنه جنسٌ آخر. * * * (١٥٢) - ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ الذكر: حضور الشيء للقلب، كُني به عما يتلوه من الطاعة، وفيه تنبيهٌ على أن العصيان للنسيان حقيقةً أو حكمًا. ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ كُني به عن الإحسان (١)، وذلك مشهورٌ في كلِّ لسان. ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ يقال: شكرتُه، وشكرتُ له، والثاني أفصح. ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ حُذف الياء من آخره لتستويَ الفواصلُ. والشكر: إظهار النعمة بالاعتراف بها، أو بما هو كالاعتراف من القيام بحقها، والكُفران: ستر نعمة المنعِم بالجحود أو بما هو في حُكمِه من العمل. * * *

стр. 529

(١٥٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قد مر الكلام فيهما، حثَّ الله تعالى على الصبر لأنَّه ذريعةٌ إلى كلِّ خير، وأوَّلُ كلِّ فضل، وعلى الصلاة التي هي أمُّ العبادات القلبية والقالبية. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني: إن النصر مع الصبر، فمَن لازَمَه فقد فاز بالنصر (١). (١٥٤) - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد؛ لأنَّه طريق إلى ثواب الله تعالى ورحمته. ﴿أَمْوَاتٌ﴾: هم أمواتٌ. ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ أي: بل هم أحياءٌ. ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ كيف حياتُهم، وكيف حالُهم في حياتهم؛ أي: ليس ذلك مما يدرك بالمشاعر؛ أي: الحواسِّ. وعن الحسن: أن الشهداء أحياءٌ عند الله تعالى تُعْرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الرَّوح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوًّا وعشيًّا فيصل إليهم الوجع (٢). والآية نزلت في شهداء بدر، وفيها وفيما (٣) رُوي عنه ﵇: أنه لمَّا قُتل

стр. 530

مِن صناديد قريش يوم بدرٍ مَن قُتل، جمَعَهم في قَليب، ثم أقبل يخاطبُهم بقوله: "هل وجدتُم ما وعد ربُّكم حقًا، فإني وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا؟ " فقيل له ﵇: أتخاطبُ جيَفًا؟! فقال: "ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يقدرون على الجواب" (١) = دلالة على أن الأرواح مطلقًا جواهرُ قائمة بأنفسها درَّاكةٌ مغايرةٌ لمَا يحسُّ من البدن، تبقى بعد الموت درَّاكةً، وعليه جمهورُ الصحابة ﵃ والتابعين، وبه نطقتِ الآيات والآثار، وعلى هذا فتخصيصُ الشهداء بالذكر لاختصاصهم بمزيد الزُّلفى (٢). (١٥٥) - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ مجازٌ إذ البلاءُ معيارٌ كالمحكِّ يظهر به جوهرُ النفس: هل تصبر وتثبت؟ أي: نصيبنكم (٣) بمكروهٍ إصابةً تشبه فعلَ المختبِر. ﴿بِشَيْءٍ﴾ إيراد (شيء) وتنكيرُه (٤) تعليل لمَا ابتلانا به؛ ليُؤذِنَ أنَّ كلَّ بلاءٍ أصاب الإنسان وإنْ جلَّ ففوقَه ما يَقِلُّ هو بالنسبة إليه، وليخفِّف (٥) عليهم ويريَهم أن رحمته معهم في كلِّ حالٍ لا تزايلهم حتى في حال البلاء، فلو عرفوا ذلك

стр. 531

لشكروا في موضع الصبر، ولهذا شكر العرفاء وحمدوا الله تعالى على البلاء كما شكر غيرهم على النعماء. وقد مرَّ في تفسير الفاتحة أن نعمة الدفع تنتظِمُ الفريقين في الدار الآخرة كما انتظمتهُما نعمةُ النفع في هذه الدار، وإنما وعدهم ذلك ليعلموا ثواب الصبر ويوطِّنوا عليه نفوسهم. ﴿مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾، أي: خوفِ الأعداء والقحطِ. ﴿وَنَقْصٍ﴾ تحقيرٌ وتقليلٌ. ﴿مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ بالهلاك والخسران. ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ بالقتل والموت. ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ بالجوائح، وقلة النبات، وانقطاع البركات. ﴿وَبَشِّرِ﴾ من الخطاب المتوجِّه إلى كلِّ واحد ممن يتأتَّى منه البشارةُ عند البلغاء، لتعظيم الصبر وتفخيمه؛ لأنَّه فضيلةٌ عظيمةُ الثواب، يستحقُّ صاحبه أن يبشِّره كلُّ أحد. ﴿الصَّابِرِينَ﴾ الحابسين لأنفسهم (١) على مكروهٍ. * * * (١٥٦) - ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ المصيبة: ما يصيب الإنسان من مكروهٍ، روي أنه طَفِئَ سراج رسول الله ﷺ ، فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، فقيل: أمصيبةٌ هي؟ قال: "نعم، كلُّ شيء يؤذي المؤمنَ فهو له مصيبةٌ" (٢).

стр. 532

﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرار على أنفسنا بالملك. ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرار على أنفسنا بالهلك (١)، وليس الصبر بالاسترجاع باللسان فقط، بل لا بد معه من الإذعان بالجَنان. * * * (١٥٧) -) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. والمبشَّر به محذوفٌ دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصلاة في الأصل: الدعاء، ومن الله: إفاضةُ الكمالات والسعادات، فهي من باب التَّحلية، كما أن السلام وهو التطهيرُ والتجريد من باب التزكية والتَّخلية، وجمعُها للتنبيهِ على كثرتها وتنوُّعها، والمرادُ بالرحمة: اللُّطفُ والإحسان. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ للحقِّ والصواب، حيث استرجَعوا واستسلَموا لقضاء الله تعالى. عظَّم الله تعالى الصبرَ بوجوه: بالبشارة العامة، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ بعد وَصْفهم بما وَصفهم؛ إشعارًا بأن ذلك الوصفَ يوجب هذه الكرامةَ المذكورة بعده، وبتكريرِ (أولئك)، وبتقديم ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: عليهم خاصةً، وبتنكير ﴿صَلَوَاتٌ﴾ وجمعِه؛ أي: إمداد رأفاتٍ متصلةٍ متتالية، وتنويراتٍ لا يُعْرَف كُنْهُها ولا يُقْدَر قَدْرُها، وبتقييدها بقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أيةُ رحمةٍ، وبتوسيط (هم)، وتعريفِ المهتدين بلامِ الماهية. * * *

стр. 533

(١٥٨) - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الصفا: الحجرُ الصلب الأملس الذي لا يخالطه طين ولا تراب ولا رَمْل، مأخوذٌ من الصَّفوة وهي الخُلوصُ، والمروة: هي الحجر الليِّن، وقيل: الحجر الأبيض الذي يَبرُق، ثم جُعلا علَمين للجبلين بمكة. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الشعائر: جمع شَعيرة، وهي العلامة؛ أي: من أعلام مناسكه ومتعبَّداته؛ من موقفٍ ومسعًى ومنحرٍ، لمَّا أراد إزالةَ الكراهة عن أنفس الساعين بين الصفا والمروة - على ما سيأتي بيانه - مهد لذلك كونهما من شعائر الله تعالى مؤكِّدًا بـ (إنَّ) لنفي التردُّد الذي فيهم؛ أي: من أعلام دينه تعالى ومعالم تعبُّده، فنسبَّب عنه رفع الجناح عن الساعين بينهما، فلذلك أورد فاء السبب (١) في قوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ الحجُّ: القصد، والاعتمار: الزيارة، فغلِّبا على قصدِ البيت وزيارتهِ للنُّسكين (٢) المعروفَين، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ الجُناح: الميل إلى الإثم، أصله من الجَناح، ونفيُه أبلغُ من نفي الإثم. ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ الطوف: الدور، والتطوُّف: تكلُّفه، وأصل (يطَّوف): يَتطوَّف، فأدغم. وقرئ: (أن يَطُوفَ) مِن طاف، رُوي أنَّ إسافًا كان على الصفا ونائلةَ على المروة، وهما صنمان، وكان أهل الجاهلية إذا سَعَوا مسحوهما، فلما جاء

стр. 534

الإسلام وكُسرت الأصنام تحرَّج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك، فنزلت (١). واحتمالُ الجناح لا يندفع بالوجوب، فإن اليمين على المعصية يجب نقضه، وفيه جُناحٌ، ولهذا تَلزمه الكفَّارة، ومن هنا اتَّضح وجهُ الحاجة إلى الإخبار عن عدم الجناح في الطواف المذكور بعدما بيِّن أنه من معالم الدين (٢). واعلم أنه لا خلاف في أنه مشروعٌ في الحج والعمرة، وإنما الخلافُ في وجه مشروعيته، فعن أحمد: أنه سنّة، وبه قال أنسٌ وابنُ عباس ﵃، لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾، فإنَّ الظاهر المتبادِر منه التخييرُ المنافي للوجوب، وقد مرَّ وجه دفعه (٣)، ولا نصرةَ في قراءة ابن مسعود: (فلا جُناحَ عليه أنْ لا يطَّوَّفَ بهما) (٤) لِمَا ذُكر؛ لأن موجِبَ تفريعه على ما تقدم أن تكون (لا) زائدةً؛ لعدم تسبُّب انتفاءِ الجُناح عن عدم الطواف بهما عمَّا تقدم من كونهما من شعائر الله. وعند أبي حنيفةَ وأصحابه أنه واجبٌ يُجبر بالدم، وبه قال سفيانُ الثوريُّ وعامَّةُ أهل العلم، وعند مالكٍ والشافعيِّ: هو ركنٌ؛ لقوله ﵇: "اسْعَوا، فإنَّ الله تعالى قد كتب عليكم السَّعي" (٥)، وَيرِدُ عليه أن دلالته على الوجوب دون الرُّكنية.

стр. 535

﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾؛ أي: فَعَل طاعةً، فرضًا كان أو واجبًا أو نفلًا، أو زاد على ما فُرض عليه من حجٍّ أو عمرةٍ أو طوافٍ. ﴿خَيْرًا﴾ نصبٌ على أنه صفةُ مصدرٍ محذوف، أو بتعدية الفعل لتضمُّنه معنى: أتى أو فَعَل، لا بحذف الجارِّ وإيصالِ الفعل إليه؛ لأنَّه ليس بقياس (١) فلا يصار إليه بلا ضرورةٍ. وقرئ: ﴿يَطَّوَّعْ﴾ (٢)، وأصلُه: يتطوَّع، فأُدغم مثلَ (يَطَّوَّف). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ مثيبٌ على الطاعة ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيء. * * * (١٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ من أحبار اليهود ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ في التوراة ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ البينات (٣) على أمر محمد ﷺ . ﴿وَالْهُدَى﴾ إلى اتِّباعه والإيمان به. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ وشَرحْناه ﴿لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾: في التوراة، من نعته ﵇ ووصفِه بما لا إيهام (٤) .....................................................

стр. 536

فيه ولا إشكالَ ولا اشْتِباهَ (١) على أحد، فكتَموه ولبَّسوا على الناس، ففي قوله: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ توبيخٌ لهم وإلزام ببيان استحقاقهم للَّعن (٢) مفخِّمًا لمَا عندهم من السبب بالإبهام والتبيين؛ لأنهم اعتقدوا أنها آيات بينات وهدًى ثم كتموها، ولذلك يلعنهم الله تعالى ويلعنهم اللاعنون أحياءً، وإذا ماتوا على الكفر والكتمان ولم يتوبوا خصَّ بهم اللعنة بسبب ذلك أبدًا سرمدًا. ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ اللعن: الإبعاد على وجهِ الطَّرد، وصار في التَّعارُف دعاءً. ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ الذين يتأتَّى منهم اللعنُ، ويُعتدُّ بلعنهم؟ من الملائكة والمؤمنين من الثقلين. * * * (١٦٠) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عن الكتمان وسائرِ ما يجب أن يتاب عنه. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسَدوه من أحوالهم. ﴿وَبَيَّنُوا﴾ ما كتموا من نعته ﵇ كما بيَّن عبد الله بن سلَامٍ وأضرابه. ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ بالقبول والمغفرة. ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ المبالِغ في قبول التوبة وإفاضةِ الرحمة. * * *

стр. 537

(١٦١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ أي: الذين ماتوا على الكفر من هؤلاء الكاتمين. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالكفر الثابتون عليه حتى الموت. ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾ هم المخصوصون باللعنة الأبدية أحياءً وأمواتًا. أَورَدَ في الأولى الجملةَ الفعلية الدالةَ على الحدوث المسبَّب من (١) الكتمان لإمكان التوبة، والفعلَ المضارعَ الدالَّ على التجدُّد المترتِّبِ عليه وقتًا بعد وقتٍ متتابعًا في الأزمنة المتتالية، وفي الثانية الجملةَ الاسميةَ مع تقديم الخبر المفيدةَ للاختصاص على الدوام. واللامُ في: ﴿وَالنَّاسِ﴾ إمَّا للماهيةِ والتأكيدُ بقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ لله والملائكة والناس، وإما للاستغراقِ والتأكيدُ لهم أو للكل. ثم إنه يحتمِلُ العمومَ؛ لأن الكفار يوم القيامة يلعنُ بعضُهم بعضًا، والخصوصَ بمن يُعتدُّ بلعنه وهم المؤمنون كأنَّ مَن عَدَاهم ليسوا بالناس؛ إذ لا اعتداد بهم عند الله تعالى. وقرئ: (والملائكةُ والناسُ أجمعون) بالرفع (٢) عطفًا على محلِّ اسمِ اللّه تعالى؛ لأنَّه فاعل في المعنى المذكور؛ كقولك: عجبتُ من ضربِ زيدٍ وعمرٌو؛ أي: من أنْ ضربَ زيدٌ وعمرٌو (٣)، أو فاعلًا لفعلٍ مقدَّر؛ نحو: ويلعنهم الملائكةُ.

стр. 538

(١٦٢) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: في اللعنة، أو: في النار، وإنما أُضمرت بلا ذكرٍ تفخيمًا لشأنها وتهويلًا.

стр. 539

﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ من الإنظار؛ أي: لا يُمهلون ولا يؤجَّلون، أو: لا ينتظرون ليعتذروا، أو: لا يُنظر إليهم نظر (١) رحمة. * * * (١٦٣) - ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: المستحِقُّ للعبادة منكم واحدٌ لا شريك له، يصح أن يعبد أو يسمى إلهًا، والخطاب عامٌّ. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقريرٌ للوحدانية، ودفعٌ لتوهُّمِ أنْ يكون إلهٌ ولكنْ لا يستحقُّ العبادة منهم. ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: المنعِمُ على خلقه بإدرارِ رزقه وإسباغِ فضله، فهو مَفْزَعُ كلِّ مضطرّ، وغياثُ كلِّ قانعٍ ومعترّ، ولا دلالةَ فيه على أنَّ ما سواه إمَّا نعمةٌ أو منعَمٌ عليه، حتى يكون كالحجة على الوحدانية وهما خبران آخَران لقوله: (إلهكُم)، أو لمبتدأ محذوفٍ، أو صفةٌ لقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾، وفصِل بالخبر، و ﴿لَا إِلَهَ﴾ خبرٌ ثانٍ أو اعتراضٌ. * * * (١٦٤) - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إنما جمع السماوات وأفردَ الأرض لأنها طبقاتٌ متفاصلةٌ بالذات، بخلاف الأرض.

стр. 540

﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بإقبالِ أحدهما وإدبارِ الآخَر، وبالنور والظُّلمة، والطول والقِصَر والتساوي، وقدِّم الليل لسَبْقه في الخَلْق. ﴿وَالْفُلْكِ﴾: السفينةِ المدوَّرةِ، يقال للواحد والجمع، وقرئ بضمتين على الأصل (١). ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ وهو ثقيلٌ كثيف والماء خفيفٌ لطيف، يُقبل ويُدبر بريحٍ واحدة. ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ (ما) موصولة؛ أي: بالذي ينفعُ الناس مما يحمل فيها، أو مصدرية؛ أي: بنفع الناس. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ وبيان للموصول، و ﴿السَّمَاءِ﴾ يحتمل الفلكَ والسحاب وجهةَ العلوِّ. ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ الإحياء والموت استعارتان لطيفتان لتزيين الأرض بالنبات واخضرارها ونموها، وكونها صعيدًا جرزًا، وإنما قال: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ دون: إماتتها، تنبيهًا على أنه مقتضى طبعها. ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ البثُّ: إظهارُ ما كان خَفِيًّا عن الحاسةِ، حديثًا كان، أو همًّا، أو غيرَهما. ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ الدَّبيب أصله: حكايةُ صوتِ حركةِ المشي، ثم قيل: دبَّ، إذا مشى، ويقال لكلِّ ما يمشي: دابةٌ، وإنما عُطف بثُّها على إحياء الأرض لأنَّه لا يكون إلا بإحيائها بالنبات.

стр. 541

﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾؛ أي: صرَّفها الله تعالى، أو صرَّفها السحاب من جهة إلى أخرى. ﴿وَالسَّحَابِ﴾ السَّحْب: جرُّ الثوب، والسحاب: ما يجرُّه الريح. ﴿الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: الرياحُ تقلِّبه في الجو بمشيئةِ الله تعالى يُمطر حيث يشاء، يرشدك إلى هذا ذكرُه عَقيب تصريف الرياح، ولولا ذلك لكان حقَّه أنْ يُذكر قبل قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ﴾. وأما ما قيل: لا ينزل ولا ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما، منظورٌ فيه؛ لأن بعض المركَّبات لا يرسب في الماء، ولا يخرج منه، ولا يتغير حاله، فلمَ لا يجوز أن يكون بعضُ كائنات الجوِّ شأنُه كذلك. والتسخير: القهرُ على الفعل، وهو أبلغُ من الإكراه، فإنه حمل الغير على الفعل بلا إرادةٍ منه؛ كحمل الرَّحى على الطَّحن. ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَنظرون بعيون عقولهم ويعتبرون، وفيه تعريضٌ لجهل المشركين الذين اقترحوا (١) على الرسول ﵇ آيةً في صدق قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلخ؛ إذ لو عقلوا لكفاهم بهذه التصاريف آيةً. * * * (١٦٥) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ لا يخفى على الخبير ما في هذا التعبير من التحقير.

стр. 542

﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية متعلِّق بـ ﴿يَتَّخِذُ﴾، أو حال من ﴿أَنْدَادًا﴾، أو ثاني مفعولي ﴿يَتَّخِذُ﴾. ﴿أَنْدَادًا﴾ أمثالًا من الرؤساء الذين يتَّبعونهم ويطيعونهم في أوامرهم ونواهيهم. وقيل: من الأصنام، ولا يلائمُه قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ … إلخ. ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ حال من فاعل ﴿يَتَّخِذُ﴾ أو من مفعوله. ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ في محل النصب على المصدر من الفعل المبنيِّ للمفعول؛ أي: محبةً كما يحبُّ الله، أو المبنيِّ للفاعل، أي: كمحبَّتهم الله، أي: يسوُّون بينهم وبين الله تعالى في الحبِّ؛ لأنهم كانوا يُقرُّون بالله ويتقرَّبون إليه. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ في موضع الحال، وإنما قيل: حبُّهم أشدُّ؛ لأنهم لا يَعدلون عنه تعالى إلى غيره، بخلاف المشركين فإنهم يَعدلون عن رؤسائهم إلى الله تعالى عند الشدائد، وكذا يَعدلون عنهم إلى غيرهم. والمحبة: ميلُ القلب من الحَبِّ (١)، استُعير لحبَّة القلب، ثم اشتُقَّ منه الحُبُّ؛ لأنَّه أصابها ورسخ فيها، ومحبةُ العبد لله تعالى: إرادةُ طاعته، والاعتناءُ بتحصيل مَراضيه، ومحبة اللّه تعالى للعبد: إرادة إكرامه، واستعمالُه في الطاعة، وصونُه عن المعاصي. ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا باتِّخاذ الأنداد. ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ إذ عايَنوه عند الموت أو بعد الحشر، و (لو) و (إذ) في المستقبل استعارتان لتحقُّق الوقوع؛ كأنه قد وقع وأُخبر عنه، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤].

стр. 543

وحُذف جواب (لو) إيماءً إلى أنه لا يمكنُ التعبير عنه، إمَّا لكونه أربَى على العبارة، أو كونه ممتنعَ الاكتناه (١) أو لا يحتملُ المعبَّر لغاية الضجر والجزع والتفجُّع عليه أو المستمع. وقُرئ: (ولو ترى) بالتاء (٢) على خطاب الرسول ﵇، أو كلِّ مخاطَبٍ على ما ذُكر من التفخيم، ومعناه: لرأيتَ أمرًا عظيمًا لا يمكن وصفُه. وقُرئ: ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾ على البناء للمفعول (٣). ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ سادٌّ مسدَّ مفعولي ﴿يَرَى﴾؛ أي: ولو يعلمون حين معايَنتهم العذابَ يوم القيامة أنَّ القدرة المطلَقة على كلِّ شيء من الثواب والعقاب كلَّها للّه تعالى دون مَن سواه من الأنداد وغيرِهم. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ للظالمين، لكان ما لا يدخل تحت الوصف من الحسرة والندامة على ظلمهم وضلالهم، فحُذف الجواب كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧]. وقُرئ: ﴿وَإِنْ﴾ في الموضعين بالكسر (٤) على الاستئناف، أو على إضمار القول. * * * (١٦٦) - ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.

стр. 544

﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ بدل من ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾؛ أي: إذ تبرأ المتبوعون من الأَتْباع، وقُرئ بالعكس (١)؛ أي: تبرأ الأَتْباع من الرؤساء. والواو في ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ للحال، و (قد) مضمَرة؛ أي: تبرَّأوا في حال رؤيتهم العذاب، وقيل: عطفٌ على ﴿تَبَرَّأَ﴾. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ﴾ عطف على ﴿تَبَرَّأَ﴾. ﴿الْأَسْبَابُ﴾ الوُصَلُ التي كانت بينهم من الاتِّفاق على دينٍ واحدٍ، والأنساب، والمحابُّ، وسائر أنواع الاتِّباع والاستتباع. وأصل السبب: الحبل الذي يُرتقَى به الشجر. * * * (١٦٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ على مَن قرأ فيما سبق بالعكس أن يقرأ هنا على البناء للمفعول. ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ الكرُّ: الرجوعُ عن الشيء. ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ نصبٌ بناء الجواب؛ لِمَا في (لو) من معنى التمنَي؛ أي: ليت لنا كرةً فنتبرأَ منهم، واستُعيرت لامتناعِ المتمنَّى. والتبرُّؤ: الانفصالُ، ومنه: برأ (٢) من مرضه: إذا انفصل منه بالعافية. ﴿كَذَلِكَ﴾ نصبٌ على المصدر من ﴿يُرِيهِمُ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإراءِ الفظيع ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يقال: حَسَرَ يَحْسِرُ حَسْرةً وحَسَرًا: إذا كَمِدَ على

стр. 545

الشيء الفائت وتلهَّفَ عليه، وهي غيرُ الندم وأشدُّ منه حالًا؛ لأن رؤية الأعمال تكونُ بالبصر، على ما نطق به الخبر عن خير البشر، وبه فسَّر ابن عباس ﵄ حيث قال: أراد به الأعمال التي عملوها من الحسنات بزعمهم، يرونها حسراتٍ عليهم حيث أحبطوها. و ﴿هُمْ﴾ في: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ لجعلِ الجملةِ اسميةً تفيد الدوامَ بحسب العُرف كما مرَّ في قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، أي: وما هم بخارجين من النار دائمًا ما دامواهم (١) هم، ولتخصيص السَّلْب (٢) بهم - أي: بالمشركين - من بين المكلَّفين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ أي: هم خاصةً ليسوا بخارجين من النار؛ كقوله: هم القومُ كل القوم يا أمَّ خالدِ (٣) لا لسَلْب التخصيص؛ فإن أداة السلب متأخرةٌ عن أداة التخصيص معنًى وإن تقدَّمت عليها لفظًا، والباء في الخبر لتأكيد النفي. * * * (١٦٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾ الأكل هو البلعُ عن مضغٍ.

стр. 546

و (مِن) في قوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ إن كانت لابتداء الغاية فقوله: ﴿حَلَالًا﴾ مفعول، وإن كانت للتبعيض فـ (ما) مفعول، وهو (١) حالٌ أو صفةُ مصدرٍ محذوف، وهذا أوجَهُ الأوجُهِ؛ لأن حِلَّ الأكل يستلزم حِلَّ المأكول بدون العكس، فإن الحلال قد يؤكل على وجهٍ يحرمُ أو يُكره، كأكله فوق الشبع، أو صائمًا، أو في مجلس الفسق. ﴿طَيِّبًا﴾ طاهرًا عن كلِّ شبهة، وإلى هذا أشار مَن قال: الحلال ما ليس بمحظورٍ، والطيِّب ما ليس بمحذور. والآية نزلت في قوم حرَّموا على أنفسهم رفيعَ الأطعمة والملابس، والأمرُ في المأكول أمرٌ في الملبوس دلالةً. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: لا تقتفوا آثارَه اعتقادًا وقولًا وعملًا، وقد اجتمع هذه الثلاثةُ في سبب النزول، ومَن فسَّره بالنهي عن مطلَق الاتِّباع فقد ضيَّع ما في عبارة الجمع من الإشارة اللطيفة. يقال: اتَّبع خطواته ووَطِئَ على عَقِبه: إذا اقتدى به واستنَّ بسُنَّته. وقرئ: ﴿خُطُوَاتِ﴾ بضمتين، وضمةٍ وسكونِ الطاء (٢)، وبفتحتين (٣)، وفتحةٍ وسكونها (٤).

стр. 547

والخَطْوةُ بالفتح: المرةُ من الخَطْو، وهو نقلُ قدم الماشي، والخُطْوة بالضم: اسم ما بين قدمي الخاطي، وهما كالقَبْضة والقُبْضة. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوة، عداوتُه لهم لا تُنافي ولايتَهم إياه المفهومةَ من قوله تعالى: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] حتى يُحتاج إلى التكلُّف في التوفيق بأنْ يقال: سُمِّي (١) وليًا لإظهاره الموالاةَ لمَن يُغوِيهِ. * * * (١٦٩) - ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ استئنافٌ لبيان وجوبِ الانتهاء عن اتِّباعه، وظهورِ عداوته؛ أي: ما يأمر إلا بالشرِّ، استُعير الأمر لوسوسة الشيطان وتزيينه، شُبِّه في تسلُّطه عليهم بآمرٍ مُطاع، وشبِّهوا في قبولهم لها وطاعتِهم له بالطبع بمأمور مُطيع؛ ليأنفوا فيَرْتدِعوا. ﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين (٢)؛ فإنه سوءٌ لاغتمام العاقل، وفحشاءٌ باستقباحِ الشرع إياه. وقيل: الفحشاء ما يَظهر قبحُه من المعاصي، أو ما بتجاوز الحدَّ في القبح من العظائم، وَيردُّه قوله تعالى: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]. وقيل: السوء ما لاحدَّ فيه، والفحشاء ما يجب فيه الحدُّ. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ القول إذا تعدَّى بـ (على) يكون بمعنى الافتراء؛ أي: وأن يفتروا عليه تعالى، فلا تَعرُّضَ في الآية لاتِّباع الظن.

стр. 548

﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ كاتِّخاذ الولد، وتحليلِ المحرَّمات، وتحريمِ الطيبات، والافتراءُ عن جهلٍ محضٍ أقبحُ من الافتراء عن ظنٍّ فاسد. * * * (١٧٠) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ الضمير للناس على طريقةِ الالتفات، والسرُّ فيه أنهم وقعوا في حدِّ البعد والغيبة في طاعة الشيطان، وأنهم في غايةِ الحُمق والضلال إلى حدٍّ لا يتسأهلون للخطاب؛ إذ لا ضلالَ أضلُّ من المقلِّد للباطل؛ كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون الداعيَ. ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في عبارة: ﴿مَا أَنْزَلَ﴾ إشارة إلى وجه وجوب الاتِّباع. ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ ما وجدنا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ لأنهم كانوا خيرًا منَّا. نزلت في المشركين؛ أُمروا باتِّباع القرآن وسائرِ ما أنزل الله تعالى من الحُجج والآيات، فجَنَحوا إلى التقليد. والهمزة في: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ للردِّ والتعجيب، والواوُ للحال؛ أي: أيتَّبعونهم ولو كان آباؤهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ جهلةً لا يتفكرون في أمر الدِّين ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحق. (لو) في مثل هذا التركيبِ يجيءُ تنبيهًا على أنَّ ما بعدها غيرُ مناسبٍ لِمَا قبلها؛ كما في قوله: "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" (١)، والمعنى: على كلِّ

стр. 549

حال، وذلك أنها تجيءُ لاستقصاءِ الأحوال التي يقع عليها الفعل، وتَدلُّ على أن المراد بذلك وجودُ الفعل في كلِّ حال حتى في هذه الحال التي لا تناسب الفعل، وإذا قُصد التوبيخ والتعجيب - كما في هذه الآية - لا يكون إيرادها لاستقصاء الأحوال. ولما كانت الواوُ للحال لم يحتج لو إلى جواب لأن الشرط إنما يقع حالًا إذا انسلخ عنه معنى الشرط ولا دلالة في الآية على المنع من التقليد لمن قدر على النظير (١) بل الظاهر منها أنه إنما ينكر إذا كان المقلد ضالًا. * * * (١٧١) - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قد مرَّ معنى المثَل، وفيه إضمار تقديرُه: ومَثَلُ داعي الذين كفروا ﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾، أو: مَثَلُهم كمَثَلِ البهائم الذي، والإضمارُ في الكلام من الإيجازات المعتبرة في البلاغة؛ لتنبيه (٢) الذَّكيِّ عند الخلل المعنوي في الحمل على الظاهر على المضمَر، ثم على خصوصيته بالقرائن اللفظية أو المعنوية، فيتثبَّت (٣) في التدبُّر ويتفهَّم في التفكُّر، فيتحقَّق المعنى.

стр. 550

هذا ما بحسَبِ جليل النظر، والذي بحسَبِ دقيق النظر ما مرَّ في تفسير ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] من أن التشبيه التمثيليَّ لا يَلزمُه أن يكون ما يلي أداةَ التشبيه هو المشبَّهَ به، فلا حاجة إلى تقديرِ شيء. ﴿يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ قال صاحب "العين": نعق الراعي بالغنم: إذا صاح بها زجرًا. ﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ الدعاء للقريب، والنداء للبعيد، ولذلك قال الأعرابي: أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه، أم بعيدٌ فنناديَه؟ ﴿صُمٌّ﴾: هم صمٌّ، رفعٌ على الذم. ﴿بُكْمٌ عُمْيٌ﴾؛ أي: ومَثَلُ (١) داعيهم إلى الإيمان كمَثَل الناعق بالبهائم في أنهم لا يسمعون إلا دعاءَ الداعي وتصويتَه من غيرِ فهمِ المعنى (٢) وتعقُّله، أو بالأصمِّ الذي لا يَسمع مِن دعاء الرَّافعِ صوتَه بكلامه إلا التصويتَ والنداء من غير تمييز الحروف وإدراكها. وقيل: مَثَلُهم في تقليدهم آباءَهم واتِّباعهم كمَثَل البهائم التي لا تسمع إلَّا ظاهر الصوت، ولا تفهم معناه، فكذلك يتبَّعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون ما هم عليه أحقٌّ هو أم باطل؟ ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: بالفعل؛ للإخلال بالنظر. * * * (١٧٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.

стр. 551

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لمَّا وسَّع الأمرَ على الناس كافةً، وأباح لهم ما في الأرض سوى ما حرَّم عليهم، أَمر المؤمنين منهم أن يتحرَّوا طيبات ما رُزقوا، وقد مرَّ أن الطيِّب أخصُّ من الحلال، وأنْ يقيموا بحقوقها، فقال: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ على ما رزقكم وأحلَّ لكم. ولمَّا تضمَّن الأمرُ الأول الامتنانَ ناسبه الخطاب، وما في الأمر الثاني من التنبيه على أنَّ استحقاقه تعالى للشُّكر ليس لكونه رازقًا لهم ومبيحًا لطيِّبات الرزق فقط، بل لكونه خالقًا للعالَم، وَيندرج (١) فيه جميع (٢) ما يَستوجب الشكر، اقتضى العُدولَ عن الخطاب إلى الغيبة (٣)، وعن التفريع بالفاء إلى العطف بالواو. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فإن عبادته لا تَتمُّ إلا بالشكر، وتقديمُ المفعول لمحافظة الفاصلة كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] إذ لا دخل لمعنى التخصيص في التعليل. ولك أن تقول: كان الظاهرُ أن يقول: إن كنتم تعرفون أنه مولى النِّعمِ كلِّها، إلا أنه كُني عنه بلازمه، وهو تخصيصُ العبادة إياه تعالى. * * * (١٧٣) - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 552

﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ قرئ: ﴿حَرَّمَ﴾ (حُرِّمَ) و (حَرُمَ) (١) بالتخفيف والتشديد و ﴿الْمَيْتَةَ﴾ بالتخفيف وبالتشديد (٢)، وكلمة (إنما) قد لا تكون للقَصْر كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ الآية [الأعراف: ٣٣]، فلا حاجةَ إلى أنْ يُقال: إنَّ ما أُبين من حيٍّ في حُكم الميتة بالحديث، وإنَّ المراد قَصْرُ الحرمة على ما ذُكر مما استحَلُّوه لا مطلَقًا (٣)، وإنما لم يُسْتَثنَ السمكُ والجرادُ من الميتة، والكبدُ والطِّحال من قوله: ﴿وَالدَّمَ﴾ وإنْ أُحلَّتْ على ما قال رسولُ اللّه ﷺ : "أُحلَّتْ لنا (٤) مَيْتَتانِ ودَمَانِ، أمَّا المَيْتَتانِ: فالسَّمَكُ والجرادُ، وأمَّا الدَّمَانِ: فالكَبِدُ والطِّحالُ" (٥) بناء على ما يتعارَفُه الناس ويتفاهمُه في العادة. ولمَّا كان المتبادِرُ من الحرمة المضافةِ إلى العين حرمةَ التصرُّف فيه مطلَقًا زاد عبارة اللحم في قوله:

стр. 553

﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ قرينةً صارفةً عنه دالةً على أنَّ المحرَّم أكلُ العين المذكور لا الانتفاعُ به مطلَقًا حتى يلزمَ انتساخُ النص بالحديث في جلدِ الميتة، وإنما خصَّ اللحم بالذكر لأنَّه معظَمُ ما يؤكل من الحيوان، وسائرُ أجزائه كالتابع له، وهذا الوجهُ أيضًا لا يساعد (١) تقديرَ الانتفاع العامِّ للأكل وغيره. ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: رفع به الصوت عند ذبحه لغير الله تعالى، صنمًا كان أو نارًا أو غيرَ ذلك، وما ذُكر معناه الأصليُّ (٢)، على ما نصَّ عليه الجوهري (٣). والهلال: غرَّةُ القمر، إنما سمِّي به لرفعِ الناس أصواتَهم عند رؤيته بالتكبير. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ على مضطرٍّ آخرَ بالاستئثار عليه. ﴿وَلَا عَادٍ﴾: سدَّ الجوعة. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تناوُله، دَلَّ بمفهومه على ثبوت الإثم في تناوله غيرَ مضطرٍّ، وبهذا الاعتبارِ صحَّ تفريعُه على ما تقدَّم، ففيه دلالةٌ على اعتبار المفهوم كما هو مذهب الإمام الشافعي، فإنه لولا اعتبارُه لَمَا صح تصدير الكلام المذكورِ بأداة التفريع. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر المعاصيَ، فأَوْلَى أنْ لا يؤاخِذ بما رخَّص فيه، أو: غفورٌ لمَا عسى أن يفرَّط عند العمل بالرُّخصة (٤). ﴿رَحِيمٌ﴾ بالرُّخصة فيه، فهو مقرِّرٌ للأول. * * *

стр. 554

(١٧٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا﴾ قد مرَّ تفسيرُه وبيانُ (١) ما في عبارة الثمن من المزيَّة على عبارة الشيء والعِوَض (٢) وغيرِ ذلك (٣). ﴿قَلِيلًا﴾ ليس المرادُ به أنَّهم إذا اشترَوا به ثمنًا كثيرًا كان جائزًا، بل المعنى: إنَّ كلَّ ما يأخذونه في مقابَلته من حُطام الدنيا (٤) فهو قليل. ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾؛ أي: مِلْءَ بطونهم، يقال: أكل في بطنه، وأكل في بعضِ بطنه، قال الشاعر: كُلُوا في بَعْضِ بطنِكُم تَعِفُّوا (٥) فمرادُهم من الأكل في البطن: الأكلُ في جميعِ البطن، والظاهرُ أنَّ التَّعدية بـ (في) لتضمين معنى الاستقرار المناسبِ للمَقام؛ فإنَّ الأكل قد يَعْقُبُه الدَّفعُ، خصوصًا إذا كان المأكولُ غيرَ ملائم للطبع، وذُكر الأكلُ لكونه المقصودَ الأوَّل من تحصيل المال، وذُكر ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ تنبيهًا على شَرَهِهم (٦) وتقبيحًا لتضييع

стр. 555

أعظم النِّعم لأَجْل المطعَم الذي هو أحسنُ مطلَبٍ من (١) الدنيا. ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ مَجازٌ من بابِ إطلاق اسم المسبَّبِ على السَّبب أو الغاية (٢) على الشيء لتلبُّسه بها؛ فإنهم إذا أكلوا السُّحت - وهو الرّشا - على الكتمان لزمهم (٣) عقوبتُه التي هي النارُ، فكأنَّهم أكلوا النار، ومنه قولُهم: أكل فلانٌ الدَّمَ، إذا أكل الدِّيَةَ التي هي بدلٌ منه. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ عبارةٌ عن غضبه تعالى عليهم؛ لأنَّ مَن غَضِبَ على صاحبه حرَمه وقطَعَ كلامه. وقيل: تعريضٌ بحرمانهم حالَ أهل الجنة في تَكْرمة الله تعالى إياهم بكلامه وتزكِيَتِهم بالثَّناء. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم، وتقديمُ الجارِّ والمجرور لمحافظةِ الفاصلة. * * * (١٧٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ في الدنيا. ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ في الآخرة، والحاجةُ إلى المغفرة أشدُّ من الثواب (٤)، فالخسرانُ في فقدانها أقوى، ولهذا آثرَها عليه مع أنَّه أنسبُ لأنْ يُذكرَ مع العذاب لفظًا ومعنًى.

стр. 556

﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ تعجُّب من حالهم (١) في ارتكابِ مُوجِبات النار والتباسِهم بها من غيرِ مبالاةٍ منهم به؛ كما تقول لمَن يتعرَّض لمَا يُوجب غضبَ السلطان: ما أصبرَكَ على القيد والسِّجن! تُريد أنه لا يتعرَّضُ بذلك (٢) إلا مَن هو شديدُ الصبر على العذاب. و (ما) تامَّةٌ مرفوعةٌ بالابتداء، وتخصيصُها كتخصيصِ قولهم: شرٌّ أَهَرَّ ذا نابٍ (٣). أو استفهامية وما بعدها الخبر أو موصولة وما بعدها صلة والخبر محذوف. * * * (١٧٦) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك (٤) العذاب. ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾: بسببِ أنَّ اللّه.

стр. 557

﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: نزَّل ما نزَّل من الكتب مُلْتبِسًا بالحقِّ. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ الظاهر أنَّ المراد هو القرآن، واللامُ إشارةٌ إلى أنه الجنس المسمَّى كتابًا؛ أي: الكامل في كونه كتابًا، كأنَّ ما عدَاه من الكتب لا يَستأهِل معه أن يسمَّى كتابًا. والإظهارُ في موضعِ الإضمار للتعظيم، وتربيةِ (١) فائدةِ اللام، وبيانِ أنَّ الاختلاف فيه عظيمةٌ من العظائم، ولهذا قيَّده في الأوَّل بالحقِّ. واختلافُهم فيه قولُ بعضهم: سحرٌ، وقولُ بعضهم: شعرٌ، وقولُ بعضهم: أساطيرُ الأولين. ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق، والشِّقاق: انحياز كلٍّ من المتخالِفَين عن شقِّ صاحبه للخلاف، وطلبُ كلٍّ منهما ما يَشُقُّ على الآخر. * * * (١٧٧) - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ البرُّ: اسم جامعٌ للطاعات وأعمالِ الخير. ﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الخطابُ لأهل الكتاب، فإنهم أكثَروا الخوضَ في أمر القبلة حين حوِّلت.

стр. 558

﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ﴾؛ أي: مُقابِلَه كفعلِ النصارى. ﴿وَالْمَغْرِبِ﴾؛ أي: قِبَلَ المغرب كفعل اليهود، وذلك منسوخٌ فهو إثمٌ لا برٌّ. وقرئ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ بالنصب (١) على أنه خبرٌ مقدَّم. وقرئ: (بأنْ تُوَلُّوا) بالباء (٢)؛ لتأكيد النفي. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: بالمَبدأ والمَعاد. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾؛ أي: بالشرائع المتَّحدةِ في أصول الدِّين المنزل على الأنبياء ﵈ بواسطة الملك. وللتنبيه على جهة الاتحاد قال: ﴿وَالْكِتَابِ﴾ دون: الكتب. إنما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ دون: والملكِ (٣)؛ لأنَّ سفير الوحي وإنْ كان واحدًا إلا أنه قد أُنزل بعضُ الكتب بل بعضُ سور القرآن بجمٍّ غفيرٍ من الملائكة تعظيمًا لشأنِ المنزَل (٤). والمعنى والله أعلم: ولكنَّ البرَّ هذه العقائدُ الصحيحةُ والأعمالُ الصالحةُ، والوصفُ كما يُذكر في مَقام الموصوف بلا حذفٍ ولا تجوُّزٍ (٥) بحسَب اللفظ كما في

стр. 559

قولك: رجلٌ عَدْلٌ، فإن التجوُّز فيه في الإسناد دون المسنَد، كذلك يُذكر الموصوفُ في مَقام الوصف بلا حذفٍ ولا تجوُّزٍ (١) بحسَب اللفظ كالذي نحن فيه تنزيلًا للموصوف مَنزلتَه، ولا يَخفى ما فيه من المبالغة في شأن ذلك الوصفِ وتعظيمِه، على عكس ما في المثال المذكور، فإنَّ المبالغةَ فيه في شأن الموصوف، ولدقَّةِ الفرق بين الاعتبارَين ذهب على كثيرٍ من الحذاق (٢). وفي المصير إلى التقدير في مثلِ هذا المقامِ تنزيلٌ للكلام عن مَنزلته الرَّفيعة، وتغييرٌ لصورته البديعةِ، على أنه إذا قيل: ولكنَّ البرَّ برُّ (٣) من آمن .. إلخ، يُفهم منه عدمُ الاعتبارِ لبِرِّ مَن قصَّر في بعض تلك الأعمال، وإذا قيل: ولكنَّ ذا البرِّ (٤) مَن آمَن .. إلخ، يخرج الكلام عن سَنن الانتظام، وأيضًا لو قُصد هذا لكان المناسبُ أن يقال: ولكنَّ البَرَّ، بفتح الباء. ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾، أي: حبَ المال والشُّحِّ به كما قال عليٌّ ﵁ لمَّا سُئل أيُّ الصدقة أفضلُ؟: أن تؤتيه وأنت صحيحٌ شحيحٌ تأمُلُ العيش وتخشَى الفقر (٥). وقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. والجارُّ والمجرور في موضع الحال.

стр. 560

﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ الإيتاء أعمُّ من الصدقة فلا يُشترط فيهما الفقرُ، وقد قفَّاه بالزكاة فانصَرف إلى المندوبات من الصِّلات، وقدَّم ذوي القُربى لأنهم أحقُّ بالإحسان، قال ﵇: "صدقتُك على المسكينِ صدقةٌ، وعلى ذوي رَحِمِكَ اثْنتان: صَدقةٌ وصِلَةٌ" (١). ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾: جمع مسكينٍ، وهو الدائمُ السكونِ إلى الناس لشدَّة فقره، أو الدائمُ السكونِ في البيت لعدمِ اللباس أو لعدم القوة؛ كالسِّكِّير (٢) الدائمِ السُّكر. ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: المسافر المنقطَعُ به، وجُعل ابنًا للسبيل لملازَمته له. ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾: المستطعِمِين. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ أي: في معاونةِ المكاتَبين حتى يفكُوا رقابهم، وقيل: في ابتياعِ الرقاب وإعتاقها، وقيل: في فك الأسارى. وفي العطف بعبارةِ الجمع إشارةٌ إلى فضل التفريق إلى هذه الأنواع. ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ مفروضةً كانت أو واجبةً. ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ المقدَّرةَ. ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ عطفٌ على ﴿مَنْ آمَنَ﴾. ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ نصبٌ على المدح لبيان فضيلة الصبر في الشدائد ومَواطنِ القتال، وإظهارًا لفضل الصبر على سائر الأخلاق والأعمال.

стр. 561

﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾: في الفقر والشِّدة. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: المرضِ والزَّمانة. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: وقتَ مُجاهَدة العدوِّ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ كانوا صادقين في الدِّين جادِّين. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ أي: هم المُوفُون حقَّ الصِّدق قولًا وفعلًا وعَقْدًا، وحقَّ التقوى حَظْرًا وكراهةً وندبًا، والصدقُ فيما يُفعل، والتقوى فيما يُترك، فالآيةُ (١) جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأسرها، وإليه أشار النبيُّ ﵇ في قوله: "مَن عَمِلَ بهذه الآيةِ فقد استكْمَلَ الإيمان" (٢). * * * (١٧٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ تخصيصُ الخطابِ بالمؤمنين لا لاختصاصِ الحكمِ المذكورِ بهم، بل للتَّنبيه بخطابهم بوصفِ الإيمان عندَ إيجابِ القِصاص عليهم بقتل العمد الذي هو من الكبائر التي ورد فيها أشدُّ وعيدٍ وتهديدٍ على أنَّ الكبيرة لا تُزيل الإيمان. وأصلُ الكتابة: الخطُّ، وكُني به عن الإلزام، وهذا الوجوبُ على الناس كافَّةً، فمنهم مَن يَلزمُه استيفاؤه وهو السلطان إذا طلبه الوليُّ، ومنهم مَن يَلزمُه تسليمُ النفس

стр. 562

وهو القاتلُ، ومنهم مَن تَلزمُه المعاوَنةُ أو الرِّضا به، ومنهم مَن يَلزمُه أن لا يتعدَّى بل يقتصُّ، أو يأخذُ الدِّيةَ، أو يَعفو. والقصُّ: قطعُ الشيء على سبيلِ الاحتذاء، ومنه قَصَّ شعرَه، وقَصَّ أثرَه، وقَصَّ الحديث: اقتطع كلامًا حاذيًا حذوَ غيره، والقِصَّة اسمٌ منه. وحقيقةُ القصاص: أن يُفعل بالقاتل أو الجارح مِثْلَ ما فَعَلَ، ففيه إشارةٌ إلى أن القصد بالآية منعُ التعدِّي، فإنَّ أهل الجاهلية كانوا يتعدَّون في القتل. وكلمة ﴿فِي﴾ [في] (١) ﴿فِي الْقَتْلَى﴾ للسببية؛ كهي في قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]. والقتلى: جمع قتيل، والإتيانُ بصيغة الجمع للاهتمام في المنع عن التعدِّي، فإنه إذا كان ممنوعًا في قتلِ جماعة فالمنع عنه في قتلِ واحدٍ بطريقِ الأَولى. ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾؛ أي: يُقتصُّ الحرُّ القاتلُ بالحرِّ المقتول (٢)، ولا يُتعدَّى من الحرِّ إلى العبد لخساسةِ وليِّ المقتول، ولا من واحدٍ إلى اثنين لشرفه. ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولا يُتعدَّى من العبد إلى الحرِّ لشرف مولَى المقتول وقبيلتِه. ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ولا يُتعدى من الأنثى إلى الذَّكر لشرف المقتولة. كان بنو النَّضير يقولون لبني قُريظةَ: إذا قتلتُم منَّا عبدًا قتلْنا منكم حرًّا، وإذا قتلتُم منَّا امرأةً قتلنا منكم رجلًا، وإذا قتلتُم منَّا حرًّا قتلْنا منكم حرَّينِ، وكانوا على ذلك قبلَ ظهور النبيِّ ﵇، فلما جاء الإسلام تحاكَموا إلى رسول الله ﵇ فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا.

стр. 563

فلا دلالة فيها على أنْ لا يُقتل الحرُّ بالعبد والذَّكرُ بالأنثى، كما لا دلالة على عكسه؛ فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لا يظهر للتخصيص وجهٌ سوى اختصاصِ الحكم، وقد ظهر هنا وجهُه فلا متمسَّك للقائلين بحجيَّة المفهوم في هذه الآية لإثبات ما قالوا مِن عدمِ قتلِ الحرِّ بالعبد. ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ تفريع على ما في عبارة القِصاص من الإشارة إلى أنَّ المكتوب حقُّ العبد سقط بإسقاطه. ﴿لَهُ﴾ مفعول به، لكنْ لكونه بواسطة حرف الجرِّ كان مُساويًا للمصدر وغيرِه في جواز الإسناد إليه. ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾؛ أي: من جهةِ أخيه، يجوز أن يَتعلَّق بالفعل وأن يكون حالًا من ﴿شَيْءٌ﴾، يعني: وليَّ الدم، وإنَّما ذكره بهذه العبارة تذكيرًا لِمَا بينهما من الأخوَّة الدينيَّة والجِنسيَّة؛ ليَرِقَّ له وَيعطفَ عليه فيتساهلَ. ﴿شَيْءٌ﴾؛ أي: شيءٌ كلا من العفو، بأنْ كان للقتيل أولياءُ فعفَى بعضُهم فصار نصيبُ الباقين (١) مالًا، وهو حصتُهم من الدِّيَة، فهو في مَوقع المفعول المطلَق المقيَّدِ الموصوف؛ مثل: ضُرِبَ ضرب شديد؛ لمَا في تنكير ﴿شَيْءٌ﴾ من الدلالة على ذلك، وفائدتُه: الإشعار بأنَّ بعض العفوِ كالعفوِ التامِّ في إسقاط القصاص. ولا يصحُّ أن يكون ﴿شَيْءٌ﴾ مفعولًا به؛ لأنَّ ﴿عُفِيَ﴾ لا يتعدَّى بنفسه إلى المفعول به، لكن بـ (عن) إلى الجاني وإلى الذنب، وإذا تعدَّى إلى الذنب بـ (عن) (٢) عُدِّي إلى

стр. 564

الجاني باللام، وكان أصله في الآية: فمَن عُفي له عن جناية (١) من أخيه، فاستُغني بذكر القصاص في القتلى عن ذكر الجناية. وأمَّا عُفي بمعنى تُرك المتعدِّي بنفسه إلى المفعول به فلم يَثبت، وإنما ثبت: أَعْفى. ولمَّا انقَلب حقُّ باقي الورثةِ في الصورة المذكورة من القصاص إلى الدِّيَة قال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾؛ أي: فعلى الوليِّ اتِّباعٌ بالمعروف (٢) بأنْ لا يتجاوزَ عن الحدِّ المعهود في الدِّيَة بأخذِ الزيادة عن حصَّته منها (٣)، ومن هنا ظهر وجه التعريف في (المعروف) (٤)، وعلى الجاني أداءٌ إليه بإحسانٍ بأنْ لا يَمْطُلَه ولا يبخسه، على أن كلًّا منهما مبتدأٌ أو فاعلٌ للظرف؛ أي (٥): فليكن اتِّباعٌ من الولي وأداءٌ من الجاني على الفاعلية فيهما، أو: فأَمْرُ الوليِّ اتِّباعٌ وأمر الجاني أداءٌ على الخبرية فيهما. وفي هذه التوصية لهما تربية لفائدة الأخوة. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكور صريحًا وهو العفوُ المستلزِم للدية، وضمنًا وهو

стр. 565

العفو العاري (١) عنها، وذلك أنَّ عفو بعض القصاص لمَّا كان مشروعًا لكونه حقَّ العبد، عُلم منه بطريقِ الدلالة أن عفوَ كله أيضًا مشروع. ﴿تَخْفِيفٌ﴾: تسهيلٌ بدفع القصاص عن الجاني. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ بنفع الوليِّ حيث لم يضع حقَّه، والفصلُ بينهما بقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ للإيذان بتعلُّقه بهما كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. قال ابن عباس والحسن البصريُّ ﵃: كان في شريعة موسى ﵇ القتل لا غير، وفي شريعة عيسى ﵇ العفو لا غير، وفي شريعتنا القصاصُ ثابتٌ والعفوُ حسنٌ والصلحُ جائزٌ، على حسب ما يراه العبد أنفعَ له وأشفَى لقلبه وأوفَقَ لمراده. ومَن قال: خيرت (٢) هذه الآيةُ (٣) بين الثلاث: القصاصِ والديةِ والعفوِ، لم يُصبْ؛ إذ ليس الثاني منها (٤) باختيار الولي؛ لأنَّه بدل صلح (٥) لا يكون إلا برضا الجاني. بقي هاهنا شيءٌ: وهو أن قولهما: كان في شريعة موسى ﵇ القتلُ لا غير، محلُّ بحث؛ فإن ما يأتي في تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] أنَّ الحسن هو الاقتصاص والأحسنَ العفوُ (٦)، صريحٌ في أن ذلك في التوراة إذ ضميرُ (أحسنها) للألواح.
следующие страницы →