← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾: في الفقر والشِّدة. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: المرضِ والزَّمانة. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: وقتَ مُجاهَدة العدوِّ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ كانوا صادقين في الدِّين جادِّين. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ أي: هم المُوفُون حقَّ الصِّدق قولًا وفعلًا وعَقْدًا، وحقَّ التقوى حَظْرًا وكراهةً وندبًا، والصدقُ فيما يُفعل، والتقوى فيما يُترك، فالآيةُ (١) جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأسرها، وإليه أشار النبيُّ ﵇ في قوله: "مَن عَمِلَ بهذه الآيةِ فقد استكْمَلَ الإيمان" (٢). * * * (١٧٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ تخصيصُ الخطابِ بالمؤمنين لا لاختصاصِ الحكمِ المذكورِ بهم، بل للتَّنبيه بخطابهم بوصفِ الإيمان عندَ إيجابِ القِصاص عليهم بقتل العمد الذي هو من الكبائر التي ورد فيها أشدُّ وعيدٍ وتهديدٍ على أنَّ الكبيرة لا تُزيل الإيمان. وأصلُ الكتابة: الخطُّ، وكُني به عن الإلزام، وهذا الوجوبُ على الناس كافَّةً، فمنهم مَن يَلزمُه استيفاؤه وهو السلطان إذا طلبه الوليُّ، ومنهم مَن يَلزمُه تسليمُ النفس

стр. 562

وهو القاتلُ، ومنهم مَن تَلزمُه المعاوَنةُ أو الرِّضا به، ومنهم مَن يَلزمُه أن لا يتعدَّى بل يقتصُّ، أو يأخذُ الدِّيةَ، أو يَعفو. والقصُّ: قطعُ الشيء على سبيلِ الاحتذاء، ومنه قَصَّ شعرَه، وقَصَّ أثرَه، وقَصَّ الحديث: اقتطع كلامًا حاذيًا حذوَ غيره، والقِصَّة اسمٌ منه. وحقيقةُ القصاص: أن يُفعل بالقاتل أو الجارح مِثْلَ ما فَعَلَ، ففيه إشارةٌ إلى أن القصد بالآية منعُ التعدِّي، فإنَّ أهل الجاهلية كانوا يتعدَّون في القتل. وكلمة ﴿فِي﴾ [في] (١) ﴿فِي الْقَتْلَى﴾ للسببية؛ كهي في قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]. والقتلى: جمع قتيل، والإتيانُ بصيغة الجمع للاهتمام في المنع عن التعدِّي، فإنه إذا كان ممنوعًا في قتلِ جماعة فالمنع عنه في قتلِ واحدٍ بطريقِ الأَولى. ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾؛ أي: يُقتصُّ الحرُّ القاتلُ بالحرِّ المقتول (٢)، ولا يُتعدَّى من الحرِّ إلى العبد لخساسةِ وليِّ المقتول، ولا من واحدٍ إلى اثنين لشرفه. ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولا يُتعدَّى من العبد إلى الحرِّ لشرف مولَى المقتول وقبيلتِه. ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ولا يُتعدى من الأنثى إلى الذَّكر لشرف المقتولة. كان بنو النَّضير يقولون لبني قُريظةَ: إذا قتلتُم منَّا عبدًا قتلْنا منكم حرًّا، وإذا قتلتُم منَّا امرأةً قتلنا منكم رجلًا، وإذا قتلتُم منَّا حرًّا قتلْنا منكم حرَّينِ، وكانوا على ذلك قبلَ ظهور النبيِّ ﵇، فلما جاء الإسلام تحاكَموا إلى رسول الله ﵇ فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا.

стр. 563

فلا دلالة فيها على أنْ لا يُقتل الحرُّ بالعبد والذَّكرُ بالأنثى، كما لا دلالة على عكسه؛ فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لا يظهر للتخصيص وجهٌ سوى اختصاصِ الحكم، وقد ظهر هنا وجهُه فلا متمسَّك للقائلين بحجيَّة المفهوم في هذه الآية لإثبات ما قالوا مِن عدمِ قتلِ الحرِّ بالعبد. ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ تفريع على ما في عبارة القِصاص من الإشارة إلى أنَّ المكتوب حقُّ العبد سقط بإسقاطه. ﴿لَهُ﴾ مفعول به، لكنْ لكونه بواسطة حرف الجرِّ كان مُساويًا للمصدر وغيرِه في جواز الإسناد إليه. ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾؛ أي: من جهةِ أخيه، يجوز أن يَتعلَّق بالفعل وأن يكون حالًا من ﴿شَيْءٌ﴾، يعني: وليَّ الدم، وإنَّما ذكره بهذه العبارة تذكيرًا لِمَا بينهما من الأخوَّة الدينيَّة والجِنسيَّة؛ ليَرِقَّ له وَيعطفَ عليه فيتساهلَ. ﴿شَيْءٌ﴾؛ أي: شيءٌ كلا من العفو، بأنْ كان للقتيل أولياءُ فعفَى بعضُهم فصار نصيبُ الباقين (١) مالًا، وهو حصتُهم من الدِّيَة، فهو في مَوقع المفعول المطلَق المقيَّدِ الموصوف؛ مثل: ضُرِبَ ضرب شديد؛ لمَا في تنكير ﴿شَيْءٌ﴾ من الدلالة على ذلك، وفائدتُه: الإشعار بأنَّ بعض العفوِ كالعفوِ التامِّ في إسقاط القصاص. ولا يصحُّ أن يكون ﴿شَيْءٌ﴾ مفعولًا به؛ لأنَّ ﴿عُفِيَ﴾ لا يتعدَّى بنفسه إلى المفعول به، لكن بـ (عن) إلى الجاني وإلى الذنب، وإذا تعدَّى إلى الذنب بـ (عن) (٢) عُدِّي إلى

стр. 564

الجاني باللام، وكان أصله في الآية: فمَن عُفي له عن جناية (١) من أخيه، فاستُغني بذكر القصاص في القتلى عن ذكر الجناية. وأمَّا عُفي بمعنى تُرك المتعدِّي بنفسه إلى المفعول به فلم يَثبت، وإنما ثبت: أَعْفى. ولمَّا انقَلب حقُّ باقي الورثةِ في الصورة المذكورة من القصاص إلى الدِّيَة قال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾؛ أي: فعلى الوليِّ اتِّباعٌ بالمعروف (٢) بأنْ لا يتجاوزَ عن الحدِّ المعهود في الدِّيَة بأخذِ الزيادة عن حصَّته منها (٣)، ومن هنا ظهر وجه التعريف في (المعروف) (٤)، وعلى الجاني أداءٌ إليه بإحسانٍ بأنْ لا يَمْطُلَه ولا يبخسه، على أن كلًّا منهما مبتدأٌ أو فاعلٌ للظرف؛ أي (٥): فليكن اتِّباعٌ من الولي وأداءٌ من الجاني على الفاعلية فيهما، أو: فأَمْرُ الوليِّ اتِّباعٌ وأمر الجاني أداءٌ على الخبرية فيهما. وفي هذه التوصية لهما تربية لفائدة الأخوة. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكور صريحًا وهو العفوُ المستلزِم للدية، وضمنًا وهو

стр. 565

العفو العاري (١) عنها، وذلك أنَّ عفو بعض القصاص لمَّا كان مشروعًا لكونه حقَّ العبد، عُلم منه بطريقِ الدلالة أن عفوَ كله أيضًا مشروع. ﴿تَخْفِيفٌ﴾: تسهيلٌ بدفع القصاص عن الجاني. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ بنفع الوليِّ حيث لم يضع حقَّه، والفصلُ بينهما بقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ للإيذان بتعلُّقه بهما كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. قال ابن عباس والحسن البصريُّ ﵃: كان في شريعة موسى ﵇ القتل لا غير، وفي شريعة عيسى ﵇ العفو لا غير، وفي شريعتنا القصاصُ ثابتٌ والعفوُ حسنٌ والصلحُ جائزٌ، على حسب ما يراه العبد أنفعَ له وأشفَى لقلبه وأوفَقَ لمراده. ومَن قال: خيرت (٢) هذه الآيةُ (٣) بين الثلاث: القصاصِ والديةِ والعفوِ، لم يُصبْ؛ إذ ليس الثاني منها (٤) باختيار الولي؛ لأنَّه بدل صلح (٥) لا يكون إلا برضا الجاني. بقي هاهنا شيءٌ: وهو أن قولهما: كان في شريعة موسى ﵇ القتلُ لا غير، محلُّ بحث؛ فإن ما يأتي في تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] أنَّ الحسن هو الاقتصاص والأحسنَ العفوُ (٦)، صريحٌ في أن ذلك في التوراة إذ ضميرُ (أحسنها) للألواح.

стр. 566

﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الحُكمِ، أو التخفيفِ (١)، فتجاوَزَه (٢) بقتلِ غيرِ القاتل، أو القتلِ بعد العفو أو أخذ الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ﴾ نوعٌ من العذاب ﴿أَلِيمٌ﴾ شديدُ الألم. * * * (١٧٩) - ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ كلامٌ كاملٌ في الفصاحة، وعالي الطبقة في البلاغة، لم يوجد أقلُّ مسموعًا وأجلُّ مفهومًا منه، مع اشتماله على الغرابة التي هي من نكت البلاغة (٣)، وذلك أن القصاص قتلٌ وتفويتٌ للحياة، فجُعل محلَّ الحياة. وعرَّف القصاص ونكَّر الحياة وقدَّم الخبر وخصَّص الخطاب بـ (أولي الألباب) بقوله: ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إشعارًا بأنه لا يَفهم معناه إلا ذو اللُّب؛ أي: لكم خاصةً أيها العقلاءُ في هذا الجنس من الحُكم نوع من الحياة أو حياةٌ عظيمةٌ لا يُقْدَرُ قَدْرُها (٤)؛ إذ لو لم يُشْرَع، وكان (٥) ما كان في الجاهلية من قتلِ غيرِ القاتل، وقتلِ الجماعة بواحدٍ،

стр. 567

لوقع الهَرْجُ والمَرْجُ بين الناس، وهاجت الفتن والحروب، وارتفع الأمن من (١) الناس، فانطفت تلك النائرةُ بشرعِ القصاص، وارتَدع كلُّ مَن همَّ بالقتل لعلمه بذلك، فسَلِم المقتول من القتل والقاتلُ من القَوَد، ولم يَجْسر (٢) أحدٌ من أولي الألباب على القتل، فأَمِنَ الناس، وتلك حياةٌ تخَلْق كثير في أمنٍ وسلامةٍ وسعةٍ فضلًا عن النَّفْسين، فلهذا (٣) قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ القتلَ بغير الحق، أي: أَرَيتُكم ما فيه من (٤) الحياة لكي تتَّقوا. ويجوز أن يختص الخطاب بالأئمَّة وهم أولوا الألباب؛ أي: لعلكم تتَّقون في المحافظة على القصاص والحكم به. * * * (١٨٠) - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أمرُ الوصية لا بد في إقامته من جماعة، فلهذا آثَرَ صيغة الجمع هنا. ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: قرُب منه بظهور أماراته. ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ أي: مالًا طيِّبًا، وكان هذا القيدُ لا بدَّ منه لأنَّ المال الخبيث

стр. 568

لا يجوز الوصيةُ به (١)؛ لِمَا فيها من الإثم، والتنوين للتكثير (٢)؛ لمَا روي عن عائشة ﵂: أن رجلًا أراد أن يوصي، فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف درهم، فقالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنَّ هذا الشيءَ يسير (٣) فاتركه لعيالك (٤). ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ فاعلُ ﴿كُتِبَ﴾، وتأنيثُها ليست بحقيقة (٥) فيجوز تذكيرها، ولا حاجة إلى ما قيل: وتذكير الفعل للفاصل، أو لأنها بمعنى: أن يوصيَ، ولهذا ذكِّر ضميرها في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾، والعامل في ﴿إِذَا﴾ مدلولُ ﴿كُتِبَ﴾ لا ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ لتقدُّمه عليها. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي (٦): بالعدل المعهود، وهو أن لا يوصيَ للغنيِّ ويدعَ الفقيرَ، ولا يتجاوزَ الثلث. ﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ مؤكِّد، أي: حقَّ ذلك حقًّا. ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ كان هذا الحكمُ في بدء الإسلام، فنُسخ بعد نزول آية المواريث بقوله ﵇: "إنَّ الله أَعْطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ألَا لا وصيَّةَ لوارثٍ" (٧)، فإنه وإن

стр. 569

كان من الآحاد إلا أن الأمَّه تلقَّته بالقبول حتى لحق بالمتواترِ؛ لعِلْمنا بأنهم لا يتلقَّون بالقبول إلا الثَّبتَ الذي صحَّت روايته. * * * (١٨١) - ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾؛ أي: قولَ الموصِي، بقرينةِ قوله: ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾؛ أي: غيَّره عن وجهه من الأوصياء والشهود والحكَّام، ولا حاجة إلى أن يقالَ: إن كان موافقًا للشرع. لأنَّ الذي لا يوافقه مردود لا مبدَّلٌ. ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾؛ أي: إثمُ التبديل، أو الإيصاءِ المبدَّل. ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ لا على الموصى والموصَى له، وإنما أتى هنا بصيغة الجمع لأنَّ التبديل إنما يتقرَّر بالاتِّفاق، فإن الوصيَّ مثلًا إنما يَقدِر على التبديل بمساعدة (١) الشهود ولو بالسكوت، وكذا الحالُ في غيره. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ بقول الموصِي. ﴿عَلِيمٌ﴾ بفعل الوصيِّ وغيره من الذين يبدِّلون الوصيةَ، ظاهرُه الإخبارُ وباطنُه الوعيد للمبدِّل ومَن يساعده فيه. * * * (١٨٢) - ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ يراد بالخوف في مثل هذا: ما يلزمُه من التوقُّع والظن الغالب؛ إذ لا خفاء في أنه لا معنَى للخوف من الميلِ والإثمِ بعد الوقوع.

стр. 570

﴿مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ ميلًا عن الحقِّ. ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ تعمُّدًا للجَنَف، قال الربيع: الجنفُ في الخطأ، والإثمُ في العمد (١). ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين الموصَى لهم وهم الوالدان والأقربون، أو بين الموصَى لهم والورثةِ، بردِّهم إلى الحق، وجاز إضمارُهم لانفهامِهم من سياق الكلام بمعونةِ المَقام. قال الرَّاغب: ولا فرقَ بين أن يَخاف منه ذلك قبل موت الموصِي فيرشدَه، أو بعد موته فيصلحَه، وليس الإصلاحُ بمقصورٍ على إيقاع الصُّلح دون استعمالِ الصلاح، بل يتناولُهما (٢). ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على المبدِّل حينئذٍ؛ لأنَّه تبديلُ باطلٍ بحقٍّ، وإنما قال هذا لأنَّه لمَّا خوَّف في الآية الأولى من تغيير الوصية بيَّن أن النَّهي عن تغييره (٣) فيما لا جَنَف (٤) ولا إثم فيه، فأمَّا إذا كان فيه شيءٌ من ذلك فلا شيءَ في تغييره. ولمَّا كان ما تَضمَّنه الكلام السابق من الوعيد باعتبارِ إحاطته تعالى بالظواهر والسرائر عِلْمًا ناسَبَ أن يرتَّب عليه ما في هذا الكلام من الوعد (٥) لمَن قَصَد بتغيير الوصية الصلاحَ (٦)، فصدَّره بأداة الترتيب، وبيَّن بقوله:

стр. 571

﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أنه يَتجاوز عمَّا عسى أنْ يَسقط من المصلِح ما لا يجوز ﴿رَحِيمٌ﴾ بـ الرخصة فيما ذُكر. * * * (١٨٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ تخصيصُ الخطاب بالمؤمنين لا لاختصاصِ الكتاب المذكورِ بهم، بل لاشتراطِ صحَّة المكتوب بالإيمان، فلا متمسَّك فيه لمن قال: إنَّ الكفار غيرُ مخاطَبين بالعبادات. ﴿الصِّيَامُ﴾: الصَّوم، قال الخليل: الصَّومُ قيامٌ بلا عملٍ (١). والصَّومُ: الإمساكُ عن الطُّعْم، وفي الشرع: الإمساكُ بالنيَّة في النَّهار الشَّرعيِّ عن المفطِّرات. ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ نَصبٌ على المصدر؛ أي: كتابًا (٢) كما كُتب. ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من الأنبياء ﵈، والأممِ من لدُنْ آدمَ ﵇، يعني: أنه عبادةٌ قديمة (٣) ما أَخْلَى اللّه تعالى أمَّةً من افتراضها عليهم، ففيه توكيدٌ للحكم، وترغيبٌ على الفعل، وتطييبٌ على النَّفْس. والتشبيهُ في أصل الوجوب فقط، وقيل: في الأصل والقَدْر والوقت جميعًا.

стр. 572

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ اللّهَ بالمحافظةِ عليها لقِدَمِها وأصالتِها، فإنها ما فُرضت عليكم وحدَكم. أو: تتَّقون المعاصيَ لأن الصائم أردعُ لنفسه، فإنَّ الصوم يكسرُ الشهوة التي هي مبدؤُها (١)، على ما أشار إليه النبيُّ ﵇ بقوله: "فإنَّ الصومَ له وِجاءٌ" (٢). أو: لعلكم تَنتظِمون في زُمرة المتَّقين، فإنَّ الصوم شعارُهم. * * * (١٨٤) - ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: موقَّتاتٍ بعددٍ معلوم، أو: قلائل، كقوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وأصله: أن المال القليلَ يقدَّر بالعدد (٣) والكثيرَ يُحثَى حَثْيًا. نصبُها على الظرفيَّة لـ ﴿الصِّيَامُ﴾، وقد جوِّز عملُ المصدر في الظرف مع تخلُّل الفاصل وإنْ لم يَجُزْ في غيره. والمراد بها: ما أُوجِبَ صومُه قبل فَرْضيَّة (٤) رمضانَ ونُسخ به، وهو عاشوراءُ، أو ثلاثةُ أيام من كلِّ شهر، ويجوز أن يراد بها رمضانُ، والأوَّل أَوْلى؛ إذ الأنسبُ على الثاني أن يقال: شهرًا معلومًا؛ كما قيل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].

стр. 573

وقيل: معناه: صومُكم كصومِهم في عددِ الأيام، كما (١) رُوي أنَّ رمضان كُتب على النصارى فوقع في حرٍّ أو بردٍ شديدٍ، فحوَّلوه إلى الربيع وزادوا عليه عشرين [يومًا] كفارةً لتحويله (٢). وقيل: زادوا ذلك لمُوتان أصابهم (٣). ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ ذهب بعضُهم إلى أنَّ كلَّ مرضٍ مبيحٌ للإفطار؛ أخذًا بإطلاق النصِّ (٤)، وبعضُهم إلى أن المراد المرضُ الذي يضرُّه الصوم أو يَعْسُرُ معه؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ (٥). ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لم يقل: مسافرًا، ليتناولَ مَن دخل بلدةً ومكث (٦) فيها أيامًا لا بنيَّة الإقامة، فإنَّ ما ذُكر يُطلق عليه دون ما تُرك (٧).

стр. 574

﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ أي: فعليه صومُ عِدَّةِ أيامِ المرض أو السفر (١) من أيامٍ أُخَرَ إنْ أفطر، فحُذف الشرطُ والمضافُ والمضافُ إليه للعِلم بها. كذا قالوا، وفيه: أنَّ وجه التعليل المذكورِ ظاهرٌ في حذف المضافَين لأنَّه بحُكم قانون العربية، وأمَّا في حذف الشرط فلا؛ لأنَّه بحُكم الشرع، ولم يُعلم بعدُ أنه حَتْمٌ (٢) أم معلَّق على شرطٍ، ولذلك قال بعضهم: مكتوبٌ عليهما أن يُفطِرا ويصومَا عدَّةَ أيامٍ أُخر، ولعله حُذف مساغًا للاجتهاد فيه. وقرئ: (فعدَّةً) بالنصب؛ أي: فلْيَصُمْ عِدَّةً (٣). ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: المطيقِينَ للصيام ولا عذرَ لهم إنْ أفطروا (٤). وقرئ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ على البناء للمفعول (٥)، تفعيلٌ من الطَّوق بمعنى الطَّاقة؛ أي: يكلَّفونه، أو القِلادةِ (٦)؛ أي: يُقَلَّدونه ويقال لهم: صُوموا. وقُرئ: (يَتَطوَّقونه) (٧)؛ أي: يَتكلَّفونه، أو: يَتقلَّدونه. و: (يَطَّوَّقونه) بإدغام التَّاء في الطَّاء (٨).

стр. 575

و: (يُطَيَّقونه) و (يَطَّيَّقونه) (١) بمعنى: يَتطيَّقونه، وأصلهما: يُطَيْوَقونه ويَتَطَيْوَقونه، من فَيْعَلَ وتَفَيْعَلَ من الطَّوق، فقُلِبت الواو ياءً وأُدغمتْ فيها الياءُ؛ كقولهم: تَدَيَّرَ المكانُ، و: ما بها دَيَّار. وهو إمَّا بمعنى: يُطِيْقونه، أو يُقلَّدونه ويَتَقَلَّدونه، وإمَّا بمعنى يُكلَّفونه أو يَتكلَّفونه على جَهدٍ منهم وعُسرٍ وهم الشيوخ والعجائز، وحكمُهم الإفطارُ والفديةُ، و [هو] على هذا الوجهِ ثابتٌ غيرُ منسوخ، ويجوزُ أن يكون معنى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أيضًا هذا؛ أي: يصومونه جَهْدَهم وطاقتَهم ومَبْلَغَ وُسْعِهم (٢). ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: نصفُ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعٌ غيره عند فقهاء العراق، ومُدٌّ عند فقهاء الحجاز. قيل: رُخِّصَ لهم ذلك في أوَّل الأمر لمَّا أُمروا بالصوم فاشتدَّ عليهم لأنهم لم يتعوَّدوا، ثم نُسخ. وقد نبَّهتُ فيما تقدَّم على أنه لا حاجةَ إلى المصيرِ إلى النسخ. وقُرئ: ﴿فِدْيَةٌ﴾ منوَّنًا و ﴿طَعَامُ﴾ مرفوعًا بدلًا من ﴿فِدْيَةٌ﴾، و ﴿مِسْكِينٍ﴾ مفردًا وجمعًا، وقرئ بالإضافة والجمع (٣). وتبيَّن بقراءة الإفرادِ أن الحكم لكلِّ يومٍ يُفطر فيه طعامُ مسكينٍ.

стр. 576

﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ بأن زاد في الطعام للمسكين، أو في عددِ مَن يلزمُه إطعامُه وانتصاب خيرًا على أنه صفة لمصدر محذوف أي: تطوعًا خيرًا لا على إسقاط الحرف أي: بخير لأنَّه غير قياس. و (مَن) (١) في قراءةِ مَن جعَل ﴿تَطَوَّعَ﴾ ماضيًا تَحتمِل الموصولةَ (٢) والشرطيَّة، وفي قراءةِ مَن قرأها مجزومًا (٣) شرطيَّةٌ. ﴿فَهُوَ﴾؛ أي: فالتطوُّع ﴿خَيْرٌ﴾؛ أي: أكثرُ خيرًا ﴿لَهُ﴾ من الاقتصار على القَدْر المفروض. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ أيها المطِيقون أو المطوَّقون. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الفديةِ على أيِّ وجهٍ كان. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جوابُه محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه؛ أي: إنْ كنتُم من أهل العلم والتمييز عَلِمْتم أن الصوم خيرٌ لكم من ذلك. * * * (١٨٥) - ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

стр. 577

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مبتدأٌ خبرُه ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، أو: ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾، والفاءُ لوصف المبتدأ بما تضمَّن معنى الشرطِ، وفيه إشعارٌ بأنَّ الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب (١) الصوم فيه. أو بدلٌ من ﴿الصِّيَامُ﴾ في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، و ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ صفتُه أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هو - أو: هي - الأيام المعدودات، وقُرئ بالنصب (٢) بدلًا منها، أو على: صوموا شهرَ رمضان، ولا يجوز أن يكون مفعولَ (أن تصوموا)؛ إذ حينئذ يَلزم الفصلُ بين المعمول وعامله بالخبر. ورمضانُ (٣) مصدرُ رَمضَ: إذا احترق من الرَّمْضاء، فأُضيف إليه الشهرُ وجُعل علمًا ومُنع الصرفَ للتعريف والألفِ والنون، وسمَّوه بذلك لارْتماضِهم فيه من حرِّ الجوع والظَّمأ (٤)، أو لوقوعه أيامَ رَمَضِ الحرِّ حينما (٥) نقلوا أسماء الشهور عن اللُّغة القديمة. وقد يُحذف المضاف لأَمْن الإلباس، على ما جاء في الحديث: "مَن صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنْبه" (٦).

стр. 578

﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾؛ أي: ابتدأ فيه إنزالُه، وكان ذلك في ليلة القَدْرِ. وقيل: أُنزل جملةً إلى سماءِ الدنيا، ثم أُنزل إلى الأرض نجومًا. وقيل: أُنزل في شأنه القرآن، وهو قولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ إلى الحقِّ، حالٌ. ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾: وآياتٍ واضحاتٍ، عطفٌ عليه. ﴿مِنَ الْهُدَى﴾: من جملةِ ما يهدي اللّهُ به الناسَ. ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾: وما يُفْرقُ به بين الحقِّ والباطل؛ من وحيه وكتبه السماوَّية الهاديَة الفارقة (١) بينهما. ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾؛ أي: فمَن شَهِدَ منكم هلالَ الشهر ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ على أنه مفعولٌ به؛ كقولك: شهدتُ الجمعةَ؛ أي: صلاتَها، وعلى هذا يَنتظِم أمرُ المريض والمسافر، ولا بدَّ منه لأن أصل الوجوبِ ثابتٌ في حقِّهما، والساقطُ بالرخصة المستفادة من قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إنما هو وجوبُ الأداء، فلا وجه لأن يكون ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى: حَضَر؛ لاستلزامهِ اختصاصَ الأمر بالمقيم، ولا صحةَ له (٢)؛ إذ حينئذٍ يلزم أن يكون الحكمُ المذكورُ في حقِّ المسافر عزيمةً. وعلى تقديرِ حملِ الوجوبِ المستفادِ من الأمر على وجوبِ الأداءِ لا وجهَ لتخصيص المقيم بالذِّكر دون الصَّحيح. ثم إنَّ اختصاص وجوبِ الأداء بما عدا المريضَ والمسافرَ قد عُلم من قوله:

стр. 579

﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ فالوجه أن يحمل ما قبله على أصل الوجوب؛ لأنَّ الإفادة خيرٌ من الإعادة. ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ إطلاقُه اقتضى التخييرَ بين الجمع والتفريق (١)، ولا يجوز تقييدُه بالتَّتابُع بخبر الواحد؛ لأن التقييد نسخ ولا يجوز نسخُ الكتاب بأخبارِ الآحاد. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ برخصته الإفطارَ بعذرِ المرض والسفر. ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ بإيجابِ القضاءِ متواليًا وبلا (٢) تأخيرٍ عند زوالِ العذر (٣). وفي عبارة ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى أن الأَحَبَّ عنده تعالى الإفطارُ عند أحد هذين العُذرين؛ لمَا في مقابَلة (٤) عدم قبولِ الإحسان والامتنان به، وقد نبَّه النبيُّ ﵊ على هذا بقوله: "ليس مِن البِرِّ الصِّيامُ في السَّفر" (٥) وما في الأداءِ في رمضانَ من الفضيلة لا يعارِضُ هذا الاستحباب (٦)، واللّهُ أعلمُ بالصواب.

стр. 580

﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ يجوز أن يُعطف على علَّةٍ محذوفة؛ أي: لتَعْلَموا ما شُرِعَ لكم ولتكْملوا العدَّةَ، أو على ﴿الْيُسْرَ﴾؛ أي: يريدُ اللّه بكم اليسرَ ويريدُ لتكمِلوا العدَّة؛ كقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ قيل: هو تكبيرُ يوم الفِطْر، وقيل: التكبيرُ عند الإهلال، ضُمِّن فعلُ التكبير معنى الحمدِ فعُدِّي بـ (على)، فكان المعنى: حامدِينَ ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾: على هدايتكم. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: إرادةَ أن تشكروا، مَجازٌ لاشتراك المرجوِّ والمرادِ في الترجُّح. والأفصحُ أن يُجعل ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ (١) إلخ عِللًا لفعلٍ معلَّلٍ محذوفٍ مدلولٍ عليه بما ذُكر من قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ إلخ؛ أي: ولهذه الأمور شُرع ذلك، فقولُه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ علَّةٌ للأمر في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ علَّةٌ للأمر بصوم الشاهد في الشهر، وإفطارِ المسافر والمريض، وما عُلم من كيفية القضاء والخروجِ عن عُهدة الفطر؛ أي: ولتعظِّموا اللّه وتُثْنوا عليه، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علَّةٌ الترخيص (٢)، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلك، لا يَطَّلِعُ عليه إلا الحُذَّاقُ من علماء البيان. * * * (١٨٦) - ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.

стр. 581

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ مرتبِطٌ بما تقدَّم من جهةِ أنه لمَّا حَثَّ على تكبيره وشكره بيَّن أنَّ الذي يذكرونه ويشكرونه قريبٌ منهم، ولهذا فصله (١) به بين حُكمي رمضان. ﴿عِبَادِي﴾ شرَّفهم بالإضافة إلى نَفْسه. ﴿عَنِّي﴾؛ أي: عن صِفتي ومعامَلتي معهم إذا دعَوني. ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ لم يقل: (فقل: إني قريبٌ) كما في سائر سؤالاتهم؛ لأنَّه تعالى تولَّى جوابهم حين كان عنه سؤالُهم، فتقديرُ الكلام: (فأقولُ: إني قريب). رُوي أن أعرابيًّا قال لرسول اللّه ﷺ : أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه، أم بعيدٌ فنناديَه؟ فنزلت (٢). تمثيلٌ لحاله في إجابةِ الداعي بحالِ مَن قرُبَ مكانُه من مكانه، فيُلبِّيه (٣) إذا دعاه؛ لأنَّه تعالى عن المكان، فإنه كانَ ولا مكانَ وهو الآن على ما كان. ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ تقريرٌ للقرب، ووعدٌ للدَّاعي بالإخلاص مقرونًا بشرائطه بالإجابة (٤)، والإجابةُ من الجَوْب: وهو القطعُ، فإجابةُ السائل: القطع بما سأل؛ لأنَّ سؤاله على الوقف: أيكونُ أم لا يكون (٥).

стр. 582

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾؛ أي: أنا أُجيبُهم فيما دعَوني فعليهم أنْ يُجيبوني فيما دعوتُهم إليه بالائتمارِ فيما أُمروا به والانتهاءِ عما نُهوا عنه. قال أبو عبيدةَ: الاستجابةُ والإجابةُ واحدٌ؛ كالإنابة والاستنابة، وأنشد لكعبِ بنِ سعدٍ الغَنَويِّ: وداعٍ دَعَا يا مَن يُجيب إلى النَّدَى … فلم يَسْتَجِبهُ عند ذاكَ مجيبُ (١) أي: لم يُجبه. هذا ما بحسَبِ جَليلِ النظر، والذي بحسب دقيقِه وهي: أنه تعالى إنما قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ ولم يقل: فلْيُجيبوا؛ لِلَطيفةٍ وهي: أنَّ حقيقة الاستجابة طلبُ الإجابة وإنْ كان قد يُستعمل في معنى الإجابة، فبيَّن (٢) أن العباد متى تحرَّوا إجابتَه بقَدْرِ وُسعِهم فإنه (٣) يرضَى به عنهم، هذا فيما يتولَّاه الجوارح من الأعمال، وأمَّا الذي يتعلَّق بالإذعان القلبي من الإيمان فلا بدَّ فيه من حقيقة الإجابة، ولهذا أفرده بالذكر بقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ مع انتظامه فيما (٤) تقدَّم بحسب جَليل النظر. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ راجينَ الرُّشد وهو إجابةُ الخير، ونقيضُه: الغي. وقرئ بفتح الشين وضمِّها (٥)؛ أمَّا الأولُ: فمِن الرَّشَد بالفتح، يقال: رَشِدَ يَرْشَدُ

стр. 583

رَشَدًا فهو رَشيدٌ، مِن حدِّ عَلِمَ (١)، وأمَّا الثاني: فمِن الرُّشْد بالضم، يقال: رَشَدَ يَرشُدُ رُشْدًا فهو راشدٌ، من حدِّ دَخَل (٢)، وقُرئ بالكسر أيضًا (٣). * * * (١٨٧) - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ نصبٌ على الظرف، وإنما لم يَقُل: لياليَ الصيام؛ إعمالًا لدلالة الكلام، ولا يَخفَى لطفُه على ذوي الأفهام. ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ رُوي: أن المسلمين كانوا إذا صلَّوا العشاءَ أو ناموا حرُم عليهم المفطِّر إلى القابلة وإن لم يُفطِر، ثم إن عمر ﵁ باشَر بعد العِشاء، فندِم وأتى النبيَّ ﵇ واعتذَر إليه، فقام رجالٌ واعترفوا بما صنعوا بعد العِشاء، فنزلت (٤).

стр. 584

والرَّفثُ في الأصل هو قولُ الفُحش، ثم جُعل اسمًا للإفصاح بما يجب أن يُكنى عنه عند النساء من معاني الإفضاء إليهنَّ (١)، يرشدُك إلى هذا قولُ ابن عباس ﵄ حين أنشد وهو مُحْرِم: وهنَّ يمشينَ بنا هَميسا … إنْ يَصْدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لَمِيسَا فقيل له: أَرَفَثْتَ؟ قال: إنَّما الرَّفَثُ ما كان عندَ النساء (٢). وإنما عدِّي بـ (إلى) لِمَا في مفهومه من معنى الإفضاء (٣). ثم إنه كنى بمجموع قوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ عن الجماع، وقد (٤) كُني عن الجماع في جميع القرآن بلفظٍ مستحسَنٍ لا يدلُّ على معنى القبحِ مراعاةً للأدب - ولا أدبَ كأدبِ التنزيل - كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، إلا

стр. 585

هاهنا فإنه كُني عنه بما دلَّ على معنى القبيح (١) استهجانًا واستقباحًا لِمَا ارتكَبوه، ولذلك سمَّاه خيانةً. ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ استئنافٌ يبيِّن سبب الإحلال، وهو قلَّةُ الصبر عنهنَّ وصعوبةُ اجتنابهن لكثرة المخالَطة وشدةِ الملابَسة، وفي تقديم ﴿هُنَّ لِبَاسٌ﴾ (٢) نوعُ تأييدٍ له، حيث كان ذلك لزيادة الشَّغَف من جانبه، شبَّه الرجل والمرأة في تعانُقهما واشتمالِ كلٍّ منهما على صاحبه في عناقه باللِّباس المشتمِل عليه، قال الجعدي: إذا ما الضِّجيع ثَنَى عِطْفَه … تثنَّتْ فكانَتْ عليه لِباسًا (٣) وأفرد اللباس لأنَّه (٤) كالمصدر. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تظلِمونها بتعريضِها للعقاب، وتنقيصِ حظِّها من الثواب. والاختيانُ أبلغ من الخيانة؛ كالاكتساب من الكسب، لتضمُّنه معنى (٥) القصدِ والزيادة. والخيانة ضدُّ الأمانة، وقد ائتمَن اللّه عبادَه على ما أمَرهم به ونهاهم عنه، فإذا عصَوه في السرِّ فقد خانوه، وفي زيادة ﴿كُنْتُمْ﴾ دلالةٌ على أنهم مجبولون على ذلك، ففيه نوعُ إشارة إلى وجهِ قبول توبتهم، ولهذا أتى بأداة التفريع في قوله:

стр. 586

﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: لمَّا تُبتم ممَّا اقترفتُموه من المحظور، وقد مرَّ تفسير التوبة. ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾: ومحا أثر ذلك عنكم بالتجاوُز. ﴿فَالْآنَ﴾ (آن) أصله: فَعَلَ، بمعنى: حان، ثم جُعل اسمًا للزمان الحاضر، وعرِّف بالألف واللام، وبقي (١) على الفتحة، والمراد: ليلة الصيام. ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ لما نُسخ عنكم حكمُ التحريم، ولا دلالةَ فيه على انتساخ السنَّة بالقرآن؛ لاحتمالِ أن يكون المنسوخُ حكمَه من كلام الله تعالى المنسوخِ تلاوته (٢). وأصل المباشَرة: إلصاق البشَرة بالبشرة، وهي ظاهرُ الجلد كُني بها عن المجامعة، والأمرُ للإباحة. ﴿وَابْتَغُوا﴾ الابتغاء: الطلبُ للبغية. ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ما قدَّر الله تعالى لكم من الولد؛ أي: لا تباشروهن لقضاء الشهوة وحدها، ولكنْ لابتغاءِ ما وضَع اللهُ له النكاحَ من التناسل لبقاءِ النوع إلى غايةٍ، وهذا يتضمَّن النهي عن العزل وإتيانِ المحل المحرَّم وكفى في الابتغاء المذكور كونُ الولد مقدَّرًا للجملة، ولا يَلزم أن يكون مقدَّرًا لكلِّ واحدٍ منهم (٣). ﴿وَكُلُوا﴾ الظاهر أنه كلامٌ مبتدَأٌ لا معطوفٌ على ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾، وإنما زِيدَ قولُه: ﴿وَاشْرَبُوا﴾ إهمالًا للدلالة، فإنه على تقدير إعمالها لم يبقَ حاجةٌ إلى تلك

стр. 587

الزيادة، وإنما أُهملت لأنها تنتظِم (١) الوقاعَ، وهو لا يجوز أن يُفعل إلى طلوع الفجر؛ إذ لا ينقطع أثرُه المفسدُ للصوم في الحال، بخلاف الأكل والشرب. ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ التَبَيُّن: تمييز (٢) الشيء الذي يَظهر للنفس على التحقيق. ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ شبَّه أولَ ما يبدو من نور الفجر المعترِضِ في الأفق بالخيط الأبيض، وما يمتدُّ معه من غَلَس (٣) الليل بالخيط الأسود. اختلف مشايخ أصحابنا في أنَّ العبرة لأوَّل طلوعه أم لاستطارَته وانتشارِه؛ قال شمسُ الأئمة الحَلْواني (٤): الأولُ أحوطُ والثاني أوسعُ. ونحن نقول: إنَّ التشبيه بالخيط للتنبيه على أنَّ العبرة لأولِ طلوعه، فلا مَساغَ للاختلاف المذكور. ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيانٌ لهما؛ أمَّا كونُه بيانًا للأول فظاهرٌ، وأمَّا كونه بيانًا للثاني: فلأنه باعتبارِ انتهائه إليه واتصالهِ به يُعدُّ منه، ومثلُ هذا التوسَّعِ في البيان ليس بعزيزٍ، ولهذا قدِّم الخيط الأبيض على قَرينه، فإنه على تقديرِ اختصاص البيان له حقُّه التأخيرُ عنه، ومن هنا اتَّضح أنه لا وجهَ لأنْ تكون ﴿مِنَ﴾ المذكورةُ للتبعيض، وبالبيان المذكور خرَج الكلام من احتمالِ الاستعارة (٥)، وإنما زِيدَ

стр. 588

مع أنَّ الاستعارة أبلغُ من التشبيه (١)؛ لفَقْدِ شرطها وهو تَعذُّرُ الحقيقة (٢). قال سهل بن سعدٍ الساعديُّ: نزلت هذه الآيةُ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان رجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربط أحدُهم في رجليه الخيطَ الأبيض والخيطَ الأسود، فلا يزال يأكلُ ويشربُ حتى يَتبيَّن له منهما (٣)، فأَنزل الله بعد ذلك قولَه: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعَلِموا أنَّه إنَّما يعني بذلك الليلَ والنهارَ. وهذا حديثٌ صحيح عند أئمَّة الحديث كالبخاريِّ ومسلم (٤). لا يقال: إنه (٥) غيرُ مقبولٍ عند أئمة البلاغة لأن الكلام المذكور بدون البيان المزكور ساقطٌ عن درجة البلاغة؛ لفَقْدِ (٦) قرينة الاستعارة على ما نبَّهتُ عليه آنفًا، وعند عامةِ الأصوليين لِمَا فيه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا خلاف في امتناعه عند مَن لا يجوِّز تكليفَ المحال، وإنما الخلاف في التأخير عن وقت الخطاب. لأنَّا نقول (٧): كفى قولُه: ﴿لَكُمُ﴾ قرينةً للاستعارة، وذلك أنَّ في التخصيص المستفادِ من تقديمه دلالةً على أن التبيينَ المذكور مما يَختلفُ، فيتحقَّقُ لبعض

стр. 589

الرائين دون بعضٍ، وعلى تقدير الحقيقة لا مجال لهذا الاختلاف، وإنما يتحقَّق على تقدير (١) الاستعارة لاختلاف المطالع، ولمَا في هذا البيانِ من الدِّقَّة اشتَبه على بعض أهل اللسان، فاحتيج إلى زيادة البيان بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. قيل: في تجويز المباشرة إلى الصبح الدلالةُ على جواز تأخير الغُسل عنه. ويلزمُه صحةُ صوم المصبِح جنبًا، ومبناه الغُفول عمَّا قدَّمناه من إهمال الدلالة. ثم إنَّ تمام الاستدلال المذكور على تحقُّق (٢) المنافاة بين إباحة المباشرة إلى آخِر الليل ووجوبِ الاغتسال فيه، وذلك غيرُ مسلَّم، فإنَّ وجوب الصلاة مع كونها مشروطةً بالطهارة قد اجتمع مع إباحتها في آخِر جزءٍ من أجزاء وقت صلاة المغرب. ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ تمسَّكَ أصحابنا بهذا في جواز النيَّة بالنهار في صوم رمضان، ولا وجهَ له، بل هو ظاهرٌ فيما ذكره المخالفُ، حيث قال اللّه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ ولم يقل: ثم صُوموا، ولولا ما فيه من محذورِ الدلالة على تراخي الشروعِ في الصوم عن طلوع الفجر لَمَا عُدِل عن الأَخْصَر الأظهَر (٣). ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ بيانُ آخِرِ وقتِ الفَرْض، وإخراجُ الليل عن حدِّه لا يستلزمُ إخراجَه عن مَحِلِّيَّة الصوم مُطلقًا، فلا دلالةَ فيه على نفي صوم الوصال. ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ المراد بالمباشرة: الوطءُ، والنهيُ عنه لا لعَيْنهِ، بل لأنَّه سببٌ للجنابة (٤) المانعة لصحةِ الاعتكاف، فإنه في الشرع: لبثُ المسلم العاقل الطاهر في المسجد بنيَّة القُربة، فيَنتظِم النهيُ ما في معناه من الملامسةِ بالشهوة مع الإنزال.

стр. 590

﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: معتكفون فيها، والعُكوف في اللغة: الإقامةُ. بيَّن أنَّ المباشرة تحلُّ في ليالي رمضان لكنْ لغير المعتكِفِ، فإنها تُفسد الاعتكاف، عن قتادة: كان الرجل يعتكِفُ، فيَخرجُ إلى امرأته فيباشرُها ثم يرجع، فنُهوا عن ذلك (١). وإنما زاد قوله: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ للإشارةِ إلى أنَّ الاعتكاف إنَّما يكونُ في المسجد، وصيغةُ الجمع لدفع وَهمِ العهد، فيُفهمُ منه عدمُ اختصاصه بمسجدٍ دون مسجدٍ. ﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى (٢) التقديرات الواقعة في الأوامر والنواهي المذكورة، المانعةِ عن التجاوُز عنها. ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أصل الحدِّ: المنعُ، ومنه: الحدَّاد، للبواب. وحدودُ الشرع موانعُ عن الجنايات، وحدودُ الدار موانع عن الاختلاط. ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ نهيُ إشفاقٍ يتضمَّن نهيَ التحريم عن التَّجاوُز عنها على وجهٍ أبلغَ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] قال النبيُّ ﵇: "إنَّ لكلِّ ملكٍ حمًى، وإنَّ حِمَى اللهِ محارِمُه، فمَن رَتَعَ حولَ الحِمَى يُوشكُ أن يَقع فيه" (٣) ومن هنا ظهر وجهُ النهي المذكور. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذلك التبيينِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ الدالَّة على سائر مشروعاته. ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مخالَفةَ الأوامرِ والنَّوَاهي. * * *

стр. 591

(١٨٨) - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ نصبٌ على الظرف أو الحال من الأموال، تقبيحٌ بليغٌ لمَا كانوا يتعاطَونه من المنكَرِ في ذلك مع اطِّلاع بعضِهم على حالِ بعضٍ. ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: بالجهة التي ليست مشروعةً، كما في العقود الفاسدة، والأكسابِ الخبيثة، وأموالِ الغنيمة قبل القسمة، هذا هو الظاهر من قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾. قيل: أي: ولا تأكلوا بعضُكم مالَ بعضٍ (١). ولا يخفَى ما فيه من الصَّرف عن الظاهر بلا داعٍ إليه. ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ عطفٌ على النَّهي (٢)؛ أي: ولا تُدْلوا (٣)، لا منصوبٌ بإضمار (أنْ) إذ حينئذٍ يكون المعنى: لا تجمَعوا بين الأكلِ بالباطل والإدلاءِ إلى الحكام، والنهيُ عن الجمع بينَهما لا يَستلزِمُ النهيَ عن كلٍّ منهما، وكلٌّ منهما حرامٌ فحقُّه أنْ يُنهى عنه منفردًا عن الآخَر، فيُفهَمَ منه النهيُ عن الجمع بينهما بطريقِ الدلالة على آكَدِ وجهٍ وأَبلغِه. والإدلاءُ: إرسالُ الدَّلو في البئر، واستُعير للتوصُّل إلى الشيء. ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ بالتحاكُم. ﴿فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الفريق: القطعةُ المعزولةُ من الشيء.

стр. 592

﴿بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: بما يوجِبُ الإثمَ؛ كشهادةِ الزُّور، واليمينِ الكاذبة. أو: مُلْتبسِين (١) بالإثم. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم مُبْطِلون، وإنما قيّد به لأن حصول الإثم مشروطٌ بالعلم المذكور. وقيل: ارتكاب المعصية مع العِلم بقبحها أعظمُ، وصاحبُها بالتوبيخ أحقُّ. والأولُ أولى كما لا يَخفَى. رُوي أنَّ عَيْدان (٢) الحضرميَّ ادَّعى على امرئ القيس الكنديِّ أرضًا غصْبًا في يده، واختصَما إلى النبيِّ ﵇، فقال لعَيْدان: "أَلكَ بيِّنةٌ" قال: لا، قال: "لَكَ يَمينُه"، فقال: إذًا يذهب بأرضي! فقال النبيُّ ﵇: "ليس لكَ إلَّا ذلك" فحلَف كاذبًا باللّه ما له قِبَلَه حقًا، فنزلت الآية، فأقَرَّ عيدانَ وردَّ أرضَه إليه، وأعطاه أرضًا أخرى أيضًا مكانَ ما أخذ من غلَّتها (٣).

стр. 593

(١٨٩) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ (الأهلَّة): جمعُ هلال، وهو للَيلةٍ أو ليلتين، سُمي به لأنَّ الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته، رُوي أنَّ مُعاذ بن جَبَلٍ وثعلبة بن عَنَمة (١) الأنصاريَّ سألا فقالا: ما بالُ الهلال (٢) يبدو دقيقًا كالخيط، ثم يَزيد حتى يمتلئَ ويستويَ، ثم لا يزال يَنقص حتى يعودَ كما بدأ (٣)؟ ومن هنا ظهر وجهُ الإتيان بصيغة الجمع، فإنهما لمَّا سألا عمَّا في أول

стр. 594

الشهر وعمَّا في آخره كان المناسبُ أن يعبَّر عن المسؤول عنه بصيغة الجمع (١). ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾: جمع ميقاتٍ، وهو مفعالٌ من الوقت معناه: ما وقِّت به الشيءُ؛ أي: حُدَّ ومنه مواقيت الإحرام وهي الحدود التي لا يتجاوزها مَن يريد دخولَ مكة محرِمًا، والوقتُ والمدة والزمان يتقارب لكنَّ المدة المطلَقة أوسعُها، فإنها امتدادُ حركة الفلك؛ أي: اتِّصالُها من مبدئها إلى غايتها، والزمان (٢) مدةٌ مقسومة من مطلَق المدة، والوقتُ [نهاية] الزمان المفروضِ للعمل. ﴿لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾؛ أي: لِمَا يتعلَّق به من أمور المعاملات (٣) ومصالحهم، ونبَّه بذكر الحج على ما يتعلَّق به من العبادات، ولكن ذكر أعظمَها أثرًا، فإن الحج يراعَى في أدائه وقضائه الوقتُ المعلوم بخلافِ سائر العبادات التي لا يصير في قضائها وقتٌ معيَّنٌ. كان السؤال عن السبب العاديِّ لاختلاف القمر في زيادة النور ونقصانه، وأجيبَ على أسلوبِ الحكيم ببيان الحكمة في هذا الاختلاف؛ للتنبيه على أن المناسب لحالِ السائل أن يَسأل عن ذلك لا عن السبب؛ لأنَّه ليس مما يُطلع عليه بسهولة؛ لابتنائه على معرفة مسائلَ من دقائق علم الهيئة. ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾؛ أيْ برُّ مَن اتَّقى،

стр. 595

لمَّا بيَّن أنهم عكَسوا الحالَ في السؤال عن حال الهلال، مثَّل حالهم في السؤال عمَّا لا ينبغي بحالهم في الإحرام بالحج، وجريهم على خلاف ما يجب أن يكونوا عليه، وهو أن ناسًا من الأنصار كانوا إذا أَحرموا لم يدخلوا بيتًا من البيوت من بابه، فإنْ كانوا من أهل المَدَر (١) نقَبوا نقبًا في ظهر بيتهم منه (٢) يدخلون ويخرجون، أو اتَّخذوا سلَّمًا يصعدون فيه وينزلون، وإن كانوا من أهل الوَبَر دخلوا وخرجوا (٣) من خلف الخباء، فقيل لهم: ليس البرُّ بتحرُّجِكم من دخول الباب، ولكنَّ البرَّ الاتِّقاءُ من محارِم الله تعالى. وهذا مع كونه نهيًا لهم عن عادتهم الرديَّة في باب الحجِّ على سبيل الاستطراد لذكرِ الحج وبيانِ مواقيته (٤) بيان لتعكيسهم في السؤال، وهو أن يسكتوا عمَّا يهمُّهم ويَسألوا عمَّا لا يَعْنيهم؛ أي: ما أنتم في سؤالكم عن سبب نقصانِ الأهلَّة وكمالِها وتركِكُم ما يهمُّكم من فوائدها إلا ككَونِكم متحرِّجينَ عن دخول البيوت من أبوابها وإتيانِكم من ظهورها حاسِبِين ذلك برًّا وما هو من البرِّ في شيء، وترككم التحرُّجَ عمَّا يجب عليكم اتقاؤه واجتنابُه وهو البرُّ. ثم قال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾؛ أي: باشِروا الأمور من وجوهها، والمراد: توطينُ النَّفْس على ترك الفضول من السؤال والفعال، واجتنابُ ما يجب اجتنابُه، والتزامُ ما أَوجبَ الشرع من غير شكٍّ وشبهةٍ، فإن في السؤال أمَارةَ الشكِّ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في تغيير أحكامه والاعتراضِ على أفعاله. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لكي تَظفروا بالبِرِّ.

стр. 596

(١٩٠) - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: جاهِدوا لإعلاء كلمةِ الله وإعزازِ دِينه، والقتال: محاولةُ القتل ممن يحاولُه، والقتل: نقضُ بِنْيَة الحياة. ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ عن الربيع بن أنس ﵁: هي أوَّل آيةٍ نزلت في القتال بالمدينة، فـ[لما نزلت] كان رسول الله ﷺ يقاتلُ مَن قاتَلَ وَيكفُّ عمَّن كَفَّ [عنه حتى نزلت براءة] (١)؛ أي: قاتِلوا الذين يناجِزونكم القتالَ دون المحاجِزِين (٢)، فعلى هذا يكون منسوخًا بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، أو: الذين يناصبُونكم القتال دون غيرهم كالشيوخ والنساء والصِّبيان والرُّهبان، أو: الكفرةَ كلَّهم لأنهم أعداء المؤمنين قاصدين لقتالهم (٣)، فهم في حكم المقاتِلة قاتَلوا أو لم يقاتِلوا، فيكون غيرَ منسوخ. وقيل: لمَّا صدَّ المشركون رسول اللّه ﷺ وأصحابَه عامَ الحُديبيَة وصالحوه على أن يرجع مِن قابلٍ فيُخْلوا له مكةَ ثلاثةَ أيام، فرجع لعمرة القضاء، خاف المسلمون أن لا تَفِيَ لهم قريشٌ ويقاتلوهم (٤) في الحرم وفي الشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت وأُطلق لهم قتالُ الذين يقاتلونهم فيها. ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ بابتداءِ القتال على الأول والرابعِ، أو بقتال غيرِ الناصِبِين

стр. 597

كالشيوخ والصبيان والنسوان والرهبان والذين بينكم وبينهم عهدٌ على الثاني، أو بالمُثْلة (١) أو المفاجأةِ من غير دعوة على الثالث. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ عدمُ الحبِّ كنايةٌ عن الكراهة (٢)، فهم في مَعْرِض المؤاخَذةِ بسبب الاعتداء. * * * (١٩١) - ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ في حِلٍّ أو حَرَمٍ، تقول: ثَقِفْتُه أَثْقَفُه ثَقْفًا: إذا ظَفِرْتَ به، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، وقولُ الشاعر: فإمَّا تَثْقَفوني فاقْتُلوني … فإنْ أثْقَفْ فسوف ترون بالي (٣) وأمَّا الحَذَاقةُ في الأخذ فغيرُ معتبرٍ في مفهومه. ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾؛ أي: من مكةَ، وقد فعل رسول الله ﷺ [ذلك] (٤) بمَن لم يُسلم منهم يومَ الفتح.

стр. 598

﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ من باب التعميم؛ لاندراج الخاصِّ فيه؛ أي: المحنة والبلاء الذي يتعذب (١) به الإنسان أشد عليه (٢) من القتل. قيل لبعض الحكماء: ما أشدُّ من الموت؟ قال: الذي يُتمنَّى فيه الموت. جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن الذي يُتمنَّى عندها الموت، ومنه قولُ القائل: لقتلٌ بحدِّ السيف أهونُ مَوقِعًا … على النَّفْس مِن قتلٍ بحدِّ فراقِ (٣) ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: لا تُفاتحوهم بالقتل وهَتْكِ حُرمة المسجد الحرام، والمسجدُ الحرام: الحرَمُ كلُّه، قال تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وإنما صدُّوهم عن الحرَم كله (٤). ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ أُتي هنا بعبارة ﴿فِيهِ﴾ دون: عند؛ للدلالة على أنه لا رخصةَ للقتال بمقاتَلتهم عند المسجد الحرام، بل لا بدَّ في أول الأمر من الالتجاء إليه بالدخول فيه، فإنِ انتَهوا عن القتال وإلا فلهم أنْ يقاتلوهم (٥) بعد ذلك، وهذا لرعايةِ حُرمته مهما أَمْكَنَ، وفيما تقدَّم أُتي بـ ﴿عِنْدَ﴾ دون: فيه؛ لأن النهي عن القتال عند المسجد الحرام يَستلزمُ النهيَ عن القتال فيه بدون العكس، فكلٌّ من العبارتين أصاب محزَّها (٦).

стр. 599

﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ فلا تُبالوا بقتالهم ثَمةَ فإنهم الذين هتكوا حُرمته، وهذا تصريحٌ بمفهوم الغاية، وبشارةٌ بالغَلَبة حيث قال: ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾ دون: فقاتلوهم. وقُرئ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ .. حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ .. فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾ (١) جُعل وقوعُ القتل في بعضهم كوقوعه فيهم، يقال: قتلَتْنا بنو (٢) فلان. ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٣) ذلك جزاؤهم يُفعَلُ بهم مِثْلَ ما فَعَلوا. * * * (١٩٢) - ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفر والقتال. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفرُ لهم ما قد (٤) سلف، ويرحمُهم في المؤتنَف (٥). * * * (١٩٣) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ عدوان، وتفسيرُها بالشرك يأباه العطفُ بالواو في قوله:

стр. 600

﴿فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ خالصًا ليس للشيطان فيه نصيبٌ. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: عن العدوان، والفاءُ للتعقيب. ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فلا عدوانَ عليهم، فأراد أن ينبِّه على قبح العدوان وأنَّه ظلم، وأنَّ مقاتلةَ المنتَهِين عدوانٌ، فحصَر العدوانَ في أضدادهم، وسجَّل على (١) أنَّ العدوان ظلمٌ، فوَضع ﴿الظَّالِمِينَ﴾ موضع ضمير المعادِينَ، فدلَّ بالفحوى على أنَّ المنتهِين هم المعادلون الذين (٢) لا عدوانَ عليهم، وسمَّى (٣) القتلَ عدوانًا مجازًا من حيث كان عقوبةً على العدوان (٤) كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وحسُن ذلك لازدواجِ الكلام ومزاوجتِه هاهنا على اعتبارِ المقدَّر؛ لِمَا عرفتَ أنَّ تقديره: فإن انتهوا عن العدوان فلا عدوانَ إلا على الظالمين. * * * (١٩٤) - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ قاتلَهم المشركون عامَ الحديبيَة في الشهر الحرام وهو ذو القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء فيه وكراهتِهم القتالَ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: هذا الشهرُ بذاك الشهرِ، فهَتْكُه بهَتْكِه، فلا تُبالوا به.
следующие страницы →