(١٩٠) - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: جاهِدوا لإعلاء كلمةِ الله وإعزازِ دِينه، والقتال: محاولةُ القتل ممن يحاولُه، والقتل: نقضُ بِنْيَة الحياة.
﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ عن الربيع بن أنس ﵁: هي أوَّل آيةٍ نزلت في القتال بالمدينة، فـ[لما نزلت] كان رسول الله ﷺ يقاتلُ مَن قاتَلَ وَيكفُّ عمَّن كَفَّ [عنه حتى نزلت براءة] (١)؛ أي: قاتِلوا الذين يناجِزونكم القتالَ دون المحاجِزِين (٢)، فعلى هذا يكون منسوخًا بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، أو: الذين يناصبُونكم القتال دون غيرهم كالشيوخ والنساء والصِّبيان والرُّهبان، أو: الكفرةَ كلَّهم لأنهم أعداء المؤمنين قاصدين لقتالهم (٣)، فهم في حكم المقاتِلة قاتَلوا أو لم يقاتِلوا، فيكون غيرَ منسوخ.
وقيل: لمَّا صدَّ المشركون رسول اللّه ﷺ وأصحابَه عامَ الحُديبيَة وصالحوه على أن يرجع مِن قابلٍ فيُخْلوا له مكةَ ثلاثةَ أيام، فرجع لعمرة القضاء، خاف المسلمون أن لا تَفِيَ لهم قريشٌ ويقاتلوهم (٤) في الحرم وفي الشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت وأُطلق لهم قتالُ الذين يقاتلونهم فيها.
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ بابتداءِ القتال على الأول والرابعِ، أو بقتال غيرِ الناصِبِين
стр. 597
كالشيوخ والصبيان والنسوان والرهبان والذين بينكم وبينهم عهدٌ على الثاني، أو بالمُثْلة (١) أو المفاجأةِ من غير دعوة على الثالث.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ عدمُ الحبِّ كنايةٌ عن الكراهة (٢)، فهم في مَعْرِض المؤاخَذةِ بسبب الاعتداء.
* * *
(١٩١) - ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ في حِلٍّ أو حَرَمٍ، تقول: ثَقِفْتُه أَثْقَفُه ثَقْفًا: إذا ظَفِرْتَ به، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، وقولُ الشاعر:
فإمَّا تَثْقَفوني فاقْتُلوني … فإنْ أثْقَفْ فسوف ترون بالي (٣)
وأمَّا الحَذَاقةُ في الأخذ فغيرُ معتبرٍ في مفهومه.
﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾؛ أي: من مكةَ، وقد فعل رسول الله ﷺ [ذلك] (٤) بمَن لم يُسلم منهم يومَ الفتح.
стр. 598
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ من باب التعميم؛ لاندراج الخاصِّ فيه؛ أي: المحنة والبلاء الذي يتعذب (١) به الإنسان أشد عليه (٢) من القتل.
قيل لبعض الحكماء: ما أشدُّ من الموت؟ قال: الذي يُتمنَّى فيه الموت.
جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن الذي يُتمنَّى عندها الموت، ومنه قولُ القائل:
لقتلٌ بحدِّ السيف أهونُ مَوقِعًا … على النَّفْس مِن قتلٍ بحدِّ فراقِ (٣)
﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: لا تُفاتحوهم بالقتل وهَتْكِ حُرمة المسجد الحرام، والمسجدُ الحرام: الحرَمُ كلُّه، قال تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وإنما صدُّوهم عن الحرَم كله (٤).
﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ أُتي هنا بعبارة ﴿فِيهِ﴾ دون: عند؛ للدلالة على أنه لا رخصةَ للقتال بمقاتَلتهم عند المسجد الحرام، بل لا بدَّ في أول الأمر من الالتجاء إليه بالدخول فيه، فإنِ انتَهوا عن القتال وإلا فلهم أنْ يقاتلوهم (٥) بعد ذلك، وهذا لرعايةِ حُرمته مهما أَمْكَنَ، وفيما تقدَّم أُتي بـ ﴿عِنْدَ﴾ دون: فيه؛ لأن النهي عن القتال عند المسجد الحرام يَستلزمُ النهيَ عن القتال فيه بدون العكس، فكلٌّ من العبارتين أصاب محزَّها (٦).
стр. 599
﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ فلا تُبالوا بقتالهم ثَمةَ فإنهم الذين هتكوا حُرمته، وهذا تصريحٌ بمفهوم الغاية، وبشارةٌ بالغَلَبة حيث قال: ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾ دون: فقاتلوهم. وقُرئ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ .. حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ .. فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾ (١) جُعل وقوعُ القتل في بعضهم كوقوعه فيهم، يقال: قتلَتْنا بنو (٢) فلان.
﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٣) ذلك جزاؤهم يُفعَلُ بهم مِثْلَ ما فَعَلوا.
* * *
(١٩٢) - ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفر والقتال.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفرُ لهم ما قد (٤) سلف، ويرحمُهم في المؤتنَف (٥).
* * *
(١٩٣) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ عدوان، وتفسيرُها بالشرك يأباه العطفُ بالواو في قوله:
стр. 600
﴿فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ خالصًا ليس للشيطان فيه نصيبٌ.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: عن العدوان، والفاءُ للتعقيب.
﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فلا عدوانَ عليهم، فأراد أن ينبِّه على قبح العدوان وأنَّه ظلم، وأنَّ مقاتلةَ المنتَهِين عدوانٌ، فحصَر العدوانَ في أضدادهم، وسجَّل على (١) أنَّ العدوان ظلمٌ، فوَضع ﴿الظَّالِمِينَ﴾ موضع ضمير المعادِينَ، فدلَّ بالفحوى على أنَّ المنتهِين هم المعادلون الذين (٢) لا عدوانَ عليهم، وسمَّى (٣) القتلَ عدوانًا مجازًا من حيث كان عقوبةً على العدوان (٤) كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وحسُن ذلك لازدواجِ الكلام ومزاوجتِه هاهنا على اعتبارِ المقدَّر؛ لِمَا عرفتَ أنَّ تقديره: فإن انتهوا عن العدوان فلا عدوانَ إلا على الظالمين.
* * *
(١٩٤) - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ قاتلَهم المشركون عامَ الحديبيَة في الشهر الحرام وهو ذو القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء فيه وكراهتِهم القتالَ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: هذا الشهرُ بذاك الشهرِ، فهَتْكُه بهَتْكِه، فلا تُبالوا به.
стр. 601
﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ احتجاجٌ عليه؛ أي: كلُّ حُرمةٍ - وهو ما يجب أن يحافَظَ عليه - يجري فيها (١) القصاصُ، فلما هتكوا حرمةَ شهركم بالصد فيه (٢) فافعلوا بهم مثلَه، وادخلوا عليهم عَنْوةً، واقتُلوهم إن قاتلوكم. وأكَّد معنى القصاصِ بقوله:
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الاعتداء: مجاوزةُ حدِّ مّا، وذلك قد لا يكون مذمومًا، بخلافِ الظلم فإنه وضع الشيء في غير الموضع الذي يحق أن يوضع فيه (٣)، وهذا في كلِّ حالٍ مذمومٍ، فلا يقال: مَن ظلمَك فاظلِمْه إلا بطريق المشاكلة، بخلافِ ما في الآية المذكورة.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في حال كونكم منتصِرين (٤) منهم، فلا تَزيدوا على المِثْل فتعتدُوا إلى ما لا يحلُّ لكم.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ فيجزيهم ويُصلحُ شأنهم.
* * *
(١٩٥) - ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولا تمسِكوا كلَّ الإمساك.
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بالإسراف وتضييعِ أسباب المعاش، فإنَّ المال وقايةُ النفس، فتضييعُه يُفضي إلى تضييعها.
أو: بالكفِّ عن الغزو والإنفاقِ فيه، فإنَّ ذلك يُقوِّي العدوَّ ويسلِّطُه
стр. 602
عليكم، ويؤيِّده ما رُوي عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ ﵁: نحن أعلمُ بهذه الآية فإنها نزلت فينا حين رجعنا إلى إصلاح الأموال وتركْنا القتالَ بعدما فشا الإسلامُ وكثرَ أهلُه (١).
والهلاك: انتهاءُ الشيء في الفساد، وله (٢) سُمي الموت هلاكًا.
عن أبي عبيدةَ: التهلُكة والهلاك والهُلْك واحدٌ (٣).
والإلقاء: إطلاق الشيء إلى جهةِ السُّفْل، ونقيضه الإمساكُ، وتعديتُه بـ (إلى) لِمَا فيه من معنى الانتهاءِ، والمراد بالأيدي: الأَنفُسُ، فإن اليد يعبَّر بها عن النَّفْس (٤)، كما في قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ والباءُ مزيدةٌ.
﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أعمالَكم وأخلاقَكم، أو (٥) تفضَّلوا على المحاويج.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يريد بهم الخير.
* * *
(١٩٦) - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
стр. 603
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ إنما قال فيهما: (أتمُّوا) كما في الصوم دون: (أَقيموا) كما في الصلاة؛ تنبيهًا على أنهما يَجبَان بالنية كالصوم، فيلزمُ إتمامُهما بعد النية كما يلزمُ إتمامُ الصوم بعدها (١)، بخلافِ الصلاة فإنها لا تجبُ بالنية، فلا يلزمُ إتمامُها بعدها، بل يجوز أن تُترك، ومن هنا اتَّضح وجهُ تخصيص هذه الثلاثة من بين العبادات بالأمر بالإتمام.
ومَن لم يَتنبَّهْ لهذه الدقيقةِ الأنيقة قال في تفسيره: ائتُوا بهما تامَّين مستجمعَي (٢) المناسك، فدلالتُه على أنَّ مَن شَرَع فيهما لزمَه (٣) إتمامُهما من جهة الأركان والشرائط، وبه نقول: إن العمرة تجب بالشروع، وكذا الحجُّ مطلقًا إنما يجبُ به، فلا متمسَّكَ فيها لمن قال بوجوب العمرة، وقراءةُ: (وأَقيموا الحجَّ والعمرة) (٤) شاذةٌ فلا تصلُح حجَّةً.
وما رَوَى جابر ﵁ أنه قيل: يا رسول اللّه! العمرةُ واجبةٌ مثلَ الحج؟ فقال: "لا، ولكن أن تعتمِروا خيرٌ لكم" (٥) نصٌّ في هذا الباب.
ولا يعارضُه ما رُوي: أن رجلًا قال لعمرَ ﵁: إنِّي وجدتُ الحجَّ والعمرة مكتوبَينِ عليَّ، أهلَلْتُ بهما جميعًا. فقال: هُديتَ لسنةِ نبيِّكَ (٦).
стр. 604
لأنَّ الأثر لا يعارضُ الخبر، على أنه ليس في كلامه ترتيبُ الإهلال على الوجدان، بل الظاهر منه بيانُ سبب الوجدان على سبيل الاستئناف.
﴿لِلَّهِ﴾: لوجه الله تعالى، عن عليٍّ وابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ ﵃: أن تُحرم بهما من دُوَيرةِ أهلِكَ (١).
وقيل: أن يُفرِد لكلٍّ منهما سفرًا.
وقيل: أن تُخلِصوهما للعبادة ولا تَشُوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيويَّة (٢).
وقرئ: (والعمرةُ لله) على الابتداء (٣).
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؛ أي: مُنعتم، يقال: أُحصِرَ فلان، إذا مَنعه أمرٌ من خوفٍ أو مرضٍ أو عجزٍ، قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقال ابن ميَّادةَ:
وما هَجْرُ ليلى أنْ تكونَ تَباعَدَتْ … عليكَ ولا إنْ أَحْصَرَتْكَ شُغُولُ (٤)
стр. 605
ويقال: حُصِرَ: إذا حبَسه عدوٌّ عن المضيِّ أو سجنٌ، هذا هو الأكثر في كلامهم، وقد نصَّ عليه الخليل حيث قال: الحصر: الحبس، والإحصار: أن يُحصَرَ الحاجُّ عن بلوغ المناسك بمرضٍ أو غيره (١). ويوافقُه قولُ الكسائيِّ وأبي (٢) عبيدة.
وقال الفرَّاء وأبو عمرٍ والشيبانيُّ: هما بمعنى المنع في كلِّ شيء، مثل صدَّه وأَصَدَّه (٣).
وعن جماعةٍ من الصحابة ﵃: مَن كُسر أو عرجَ فقد أُحصر (٤). وهو مذهب أصحابنا.
وقال الشافعيُّ: لا يكون الإحصار إلا عن عدوٍّ، فإنَّ إحصار النبيِّ ﵇ وأصحابِه ﵃ كان بالعدوِّ ولأنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ وذلك زوال خوف العدوِّ.
стр. 606
قلنا: العبرةُ لعموم (١) اللفظ لا لخصوص (٢) السببِ واللفظ لما قلنا لغةً، والأمنُ يكون عن العلل أيضًا، قال النبي ﵇ "الزكامُ أمانٌ من الجُذام" (٣).
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ في محلِّ الرفع بالابتداء؛ أي: فعليه ما استيسر، أو النصبِ على (٤): فاهدوا ما استيسر.
و ﴿اسْتَيْسَرَ﴾ بمعنى: تَيَسَّر؛ كاستَيْقَنَ وتَيَقَّنَ، واستَعْجَلَ وتَعَجَّلَ، كذا قالوا، والظاهر أن زيادة السين لزيادة اليُسر، فالمراد الشاةُ؛ لأن الهديَ من الثلاث: من الإبل والبقر والغنم، وأيسرُها الشَّاةُ.
والهديُ: جمع هَدْيَةٍ؛ كجَدْيٍ وجَدْيَةٍ، وقرئ: (من الهَدِيِّ) بالتشديد (٥)؛ جمعُ هديَّةٍ كمَطِيَّةٍ ومَطِيٍّ.
والمعنى: إنْ أُحصِر المحرِمُ وأراد أن يتحلَّلَ تحلَّلَ بذبح هَدْيٍ يُسِّر عليه (٦) حيث حُصر عند الشافعي ﵁، فإن النبيَّ ﷺ أُحصر بالحديبيَة وذَبح هناك وتحلَّل، وعند أبي حنيفة: لا يَذبح إلا بالحرم، يبعثُه ولا يتحلَّلُ حتى يبلغَ مَحِلَّه، ويُعيِّن للمبعوث (٧) على يده يومَ أمارة، ويدلُّ عليه قوله تعالى:
стр. 607
﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فإن بلوغ المحلِّ يدلُّ على مسافة بين موضع الحصر وبين المحلِّ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].
والخطاب في ﴿وَلَا تَحْلِقُوا﴾ للمحصَرين؛ أي: ولا تتحلَّلوا حتى تعلَموا بلوغَ الهدي مَحِلَّه، ومَحِلُّه: مكانُه الذي يجب فيه نحرُه أو ذبحُه؛ كمَحِلِّ الدَّين وهو الوقتُ الذي يجب فيه قضاؤه، وإنَّما نحر الرسولُ في موضع الإحصار لأنَّ مُحْصَرَه كان طرفَ الحديبيَة الذي إلى أسفل مكة وهو من الحرم.
وقال الواقدي: الحديبيَةُ هي طرفُ الحرم على تسعةِ أميالٍ من مكة (١).
وعن الزهريِّ: أن رسول اللّه ﷺ نحر هَدْيه في الحرم (٢).
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الفاء للتعقيب، وفائدتها: دفعُ ذهاب الوهم إلى العطف على (إنْ أُحصرتم) على تقدير التصدير بالواو، فإنه حينئذ يلزمُ إخراجُ المريض عن حدَ المحصَر، ولا وجه له.
والخطاب في ﴿مِنْكُمْ﴾ للَّذين بَعثوا الهدي من المحصَرين، فالمعنى: مَن كان بعد البعث مريضًا [مرضًا] (٣) يُحوِجُه إلى الحلق.
والتنكيرُ للتقليل، فينتظِم المرضُ المرخَّصُ ما في الرأس من الجراحة والقرحة.
﴿أَوْ بِهِ﴾ هو ما يؤذيه؛ أي: يُتعبه وَيشُقُّ عليه من بُخارٍ في الرأس وقملٍ،
стр. 608
وللتعميم للثاني (١) قال: ﴿مِنْ رَأْسِهِ﴾؛ أي: من جهتها، دون: في رأسه (٢).
﴿فَفِدْيَةٌ﴾: فعليه فديةٌ إنْ حلَق.
﴿مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ بيانٌ لجنس الفدية، وأما قَدْرُها، فقد رُوي أنه ﵇ قال لكعب بن عُجْرةَ إذ مرَّ عليه والقملُ تتهافَتُ في وجهه: "لعلَّك آذاك هوامُّك؟ " فقال: نعم يا رسول اللّه، فقال: "احْلِقْ وصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو تَصَدَّقْ بفَرَقٍ على ستَّةِ مساكينَ، أو انسُكْ بشاةٍ" (٣). والفَرَقُ: ثلاثةُ أَصْوُعٍ (٤).
و (أو) للعطف على وجهِ التفريقِ، وبيانِ عدم خُلوِّ الواجب عن أحد الأنواع الثلاثِ المذكورةِ للفديةِ، والتخييرُ يلزمُ هذا البيان (٥) ضرورةً لا لأنَّه معناها الوضعيُّ.
والنُّسُك: جمع نسيكةٍ، وهي الذبيحة، واختيرَ الجمعُ هنا لتعدُّد أنواعها، وقرئ: (أو نُسْكٍ) بالتخفيف (٦).
كان مقتضَى الظاهر البدايةُ بالأشقِّ وهو النسكُ، وإنما عدلَ عنه بالبداية بالصيام تطييبًا لقلوب الفقراء العاجزين عن النسك بإظهارِ العناية والاهتمام في شأن الصيام بتقديمه على الباقين، والتقديمُ لا يخلو عن التَّعظيم.
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الإحصارَ، أو كنتُم في حالِ أمنٍ وسعة.
стр. 609
﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾؛ أي: استمتَع بها إلى وقتِ الحج، واستمتاعُه بالعمرة إلى وقت الحج: انتفاعُه إذا حلَّ من عمرته باستباحةِ ما كان محرَّمًا عليه إلى أن يُحْرِم بالحج.
وقيل: بالتقرُّب بها إلى اللّه تعالى قبل الانتفاع بتقرُّبه إليه بالحج.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ فعليه دمٌ بسبب التمتُّع هو هديُ المتعة، وهو نسكٌ عند أبي حنيفةَ لا يذبحُه إلا يومَ النحر ويأكلُ منه، وجُبرانٌ عند الشافعيِّ يجوز ذبحُه إذا أَحرم بحجَّته؛ لأن السبب هو التمتُّع، ولا يتحقَّق إلا به، ولا يأكل منه لأنَّه دمُ جنايةٍ.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الهديَ.
﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: فعليه صيامُ ثلاثةِ أيام.
﴿فِي الْحَجِّ﴾: في أيام الاشتغالِ به بعد الإحرام عند الشافعيِّ، وعند أبي حنيفة: في وقت الحج؛ أي: في أشهُره ما بينَ الإحرامين، وأفضلُه اليومُ السابع ويومُ الترويةِ وعرفة، ولا يجوز في (١) أيام النحر وأيامِ التشريق عند الأكثر.
﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أهليكُم، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، أو نفرتُم وفرغتُم من أفعال (٢) الحج، وهو قوله الثاني ومذهبُ أبي حنيفة.
وقرئ: (سبعةً) بالنصب عطفًا على محلِّ ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾؛ إذ تقديرُه: فصيامٌ ثلاثةَ أيامٍ (٣).
стр. 610
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ فذلكةُ الحساب (١)، وفائدتُها أمران:
أحدهما: أن يُعلَم جملةً كما عُلم تفصيلًا؛ فإن أكثر العرب لم يُحسنوا الحساب، قال الفرزدق:
ثلاثٌ واثنتانِ فهنَّ خمسٌ (٢)
والثاني: أن يَنفي توهُّم الإباحة، فإن الواو قد تجيءُ لها؛ كما في قولك: جالس الحسنَ وابنَ سيرين.
وَيرِدُ على الأول: أنه لا يناسبُ بلاغةَ القرآن؛ لأن المُراعَى فيها مقتضَى المقام نظرًا إلى الخواصِّ دون العوامّ.
وعلى الثاني: أن الإباحة موجَبُ صيغةِ الأمر، والواو للتشريك في الحكم فقط، وأمَّا إرادةُ الكثرة من السبعة دون العدد فلا يذهبُ إليه وَهَمٌ عند ذكرها مع (٣) الثلاثة، فلا حاجة إلى دفعها.
وعندي: أن صيام ثلاثة أيام لمَّا كان قبل تعذُّر الأصل ودخولِ وقته احتَمَل أن يذهب الوهمُ إلى عدم اعتباره في أصل البدل، فأُتي بالفذلكة المذكورة دفعًا لذلك الوهم.
стр. 611
﴿كَامِلَةٌ﴾ صفةٌ مؤكِّدة تُفيد المبالغةَ في محافظةِ العِدَّة، أو مبيِّنةٌ كمالَ العشَرة فإنه أولُ عدد كاملٍ؛ إذ به ينتهي الآحاد ويتمُّ مراتبُها، أو مقيِّدةٌ تُفيد كمالَ بدَليَّتها من الهدْي.
كذا قيل، وأَوْجَهُ الأَوْجُهِ: أنها مقيِّدةٌ تُفيد كمالَها في الثواب والأجر، ودفعَ ذهاب الوَهَم إلى أن صوم السبعةِ ليس كصوم الثلاثة في الأجر للتفاوُت في زمانها.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى التمتُّع عند أبي حنيفةَ وأكثرِ الأئمة؛ لأنَّه مختصٌّ بالآفاقيِّ عندهم، فلا متعةَ ولا قران لحاضِري المسجدِ الحرام، فمَن فعل ذلك منهم فعليه دمُ جنايةٍ، وإلى الحُكمِ المذكور عند الشافعي.
﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: لِلَّذي لا يسكن ثَمَّةَ، وإنما ذكر الأهل لأنَّ الظاهر أنَّ الإنسان يسكنُ حيث سكنَ أهلُه، فعبَّر بسكون الأهل عن سكون نفسه (١)، وقد مرَّ أن المسجد الحرام هو الحرمُ كلُّه، وحاضِرو المسجد (٢) عند أبي حنيفةَ هم أهلُ مكة ومَن كان منزلُه داخلَ الميقات، وعند الشافعي: أهلُ مكة ومَن كان من الحرم على مسافةِ القصر عنده، وعند مالكٍ: أهل مكة وأهلُ ذي طُوَى (٣).
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لمَّا تقدَّمَ أمرٌ ونهيٌ وواجبٌ ناسَبَ أن يُختم ذلك بالأمر بالتقوى في أنْ لا يتعدَّى ما حدَّه.
ثم أَعلمَ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ شدةَ عقابه على المخالَفة.
* * *
стр. 612
(١٩٧) - ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾؛ أي: وقتُه، كقولك: البرد شهران.
لمَّا أَمر بإتمام الحجِّ والعمرة، ثم اقتَصر على بيان وقتِ الحج، عُلم منه بطريقِ البيان السُّكوتي وقتَ الحاجة أن العمرة غير موقَّتة، وهذا من جملة وجوه الإيجاز الذي ارْتَقَى به القرآن إلى ذروة الإعجاز، ولم يَتنبَّه (١) له الناظرون فيه.
﴿مَعْلُومَاتٌ﴾ هي شوالٌ وذو القعدةِ وعشرٌ من (٢) ذي الحجَّة (٣)، خلافًا للشافعي في يوم النحر، وذو الحجة كلُّه عند مالكٍ، وبناء الخلاف: أن المراد من وقته وقتُ أفعاله، أو وقتُ إحرامه، أو ما لا يَحسن فيه غيره من المناسك مطلقًا، وإنما لم يسمِّها بأعيانها لأنها كانت معروفةً عندهم على ما توارثوه، إلا أنهم كانوا يُدخلون فيها النَّسيءَ، فنُبِّهوا على أنها هي أوقاتُه دون غيرها.
والأشهُرُ على الحقيقة، وإنما التجوُّز في جَعْلِ بعضِ الشهر شهرًا (٤)، وأمَّا إطلاقُ
стр. 613
الجمع على ما فوق الواحد فلا يناسبُ المقام؛ لِمَا فيه من إخراج بعض الشهر الثالث من حدِّ المرام (١).
ثم إن الاستدلال على الإطلاق المذكور بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ليس بشيء؛ لأنهم صرَّحوا بأن مثل هذا ليس من المتنازَع فيه.
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أَلزمه نفسَه بالإحرام، ولا خلاف فيه، إنما الخلافُ بيننا وبين الشافعيِّ في أن الإحرام يَتمُّ بالنية، أو لا يَتمُّ بل لا بدَّ من التلبية معها أو من سَوقِ الهدي.
ولا دلالةَ فيه على خروج يوم النحر مِن وقتِ الحج؛ لأن معنى (مَن فَرَضَ (٢) فيهنَّ): مَن فَرَضَه في كلٍّ من الأشهُر المذكورة، لا مَن فَرَضَه في كلِّ يوم من أيامها، نعم فيه دلالةٌ على كراهة تقديم الإحرام عليها، فإنه لو جاز ذلك لضاع قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾، وأمَّا أنَّ مَن أَحرم بالحج لزمه الإتمامُ فقد دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ بظاهره.
﴿فَلَا رَفَثَ﴾: فلا جماع؛ فإنه مُفسِدٌ للحج، وقيل: لا فحشَ في الكلام.
﴿وَلَا فُسُوقَ﴾: ولا خروجَ عن حدود الشريعة بالسِّباب (٣) والتنابُز بالألقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾ [الحجرات: ١١].
﴿وَلَا جِدَالَ﴾: ولا مِرَاءَ ولا شِقَاقَ مع الرُّفَقاء والخدم وغيرهم، وإنما نُهي (٤)
стр. 614
عنه في الحج مع كونه منهيًّا عنه؛ لكونه في الحج أقبحَ؛ كلُبس الحرير في الصلاة.
﴿فِي الْحَجِّ﴾: في أثناء إقامةِ مناسكه بعد الإحرام (١)، وإنما نفى الحقيقة في الثلاثة المذكورة للمبالغة في النهي؛ أي: فلا تكونَنَّ هذه الأجناس، وإذا وجب انتفاؤُها وكانت حقيقةً بأنْ لا تكونَ لزم الانتهاءُ عنها ضرورةً.
وقُرئ الأوَّلان بالرفع (٢) على معنى النهي؛ أي: فلا يكونَنَّ رفثٌ ولا فسوقٌ، والآخِرُ بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الجدال؛ أي: الخلاف، وذلك أن قريشًا كانت تخالف سائرَ العرب في الحج فتقف بالمَشعَر الحرام وسائرُ العرب بعرفةَ، وكانوا يؤخِّرون الحجَّ سنةً ويقدِّمونه سنةً وهو النَّسيء، فرُدَّ الوقوفُ إلى عرفةَ، والحجُّ إلى وقتٍ واحد، فأَخبر اللّه تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج.
واستُدلَّ على أنَّ المنهيَّ عنه هو الرفثُ والفسوق دون الجدال بقوله ﵇: "مَن حجَّ ولم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ خَرَجَ كهيئتهِ (٣) يومَ وَلَدتْهُ أمُّه" (٤)، فإنه لم يَذكر الجدال.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ التنكيرُ للتقليل ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ حثٌّ على الخير بعد النهي عن الشر، ومبناه على الكناية بعلمه تعالى بفعلٍ من أفعال العباد عن
стр. 615
ترتُّب الجزاء عليه (١)، ولا يخفَى ما في ضمن هذا الوعد من الوعيد، وبه يَتمُّ حقُّ المَقام.
والمراد من الخير بقرينةِ سياق الكلام: أن يأتوا بالكلام الحسَن مكانَ القبيح، وبالبِرِّ والتقوى مكان الفُسوق، وبالثناء والمدح مكان السِّباب والتَّنابُز، وبالوفاق مكانَ الخلاف (٢)، ومحاسنِ الأخلاق مكان الجدال.
ويجوز بقرينةِ لحاقه أن يراد بفعلِ الخير ضبطُ أنفسهم عما نُهوا عنه.
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾؛ أي: اجعلوا زادَكم في الآخرة اتِّقاءَ القبائح، فإن خير الزاد اتِّقاؤها، والزاد: الطعامُ الذي يُتَّخَذ للسفر.
وقيل: كان أهل اليمن لا يتزوَّدون، ويقولون: نحن المتوكِّلون، ونحن نحجُّ بيت اللّه تعالى أفلا (٣) يطعمنا؟ ويكونون كلًّا على الناس، فنزلت فيهم (٤). ومعناه: وتزوَّدوا واتَّقوا الاستطعامَ وإبرامَ الناس والتثقيلَ عليهم فإن خيرَ الزاد الاجتنابُ من ذلك.
﴿وَاتَّقُونِ﴾: وخافوا عقابي.
﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أيها الذين مَننتُ عليهم بالعقول التي هي أفضل ما جُعل
стр. 616
في الخلق، فإن لبَّ الشيء هو خالصُ ما فيه؛ أي: جعلتُ فيكم العقولَ التي هي آلاتُ التمييز والتدبير (١) فيَسهُلُ معها التَّقوى والتفكُّر.
* * *
(١٩٨) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: حرجٌ.
﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾: في أن تبتغوا؛ أي: تطلبوا.
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: زيادةَ عطاءٍ، وهو الربحُ بالتجارة، قيل: كان عُكاظٌ ومَجَنَّةُ وذو المَجَاز أسواقَهم في الجاهلية يُقيمونها مواسمَ الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثَّموا منها، فنزلت فرُفع عنهم الجناحُ في ذلك، وإنما يباحُ ما لم يَشغَلْ عن العبادة الواجبة (٢).
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ دفَعْتُم بكثرةٍ، وهو من إفاضةِ الماء، أي: صَبِّه بكثرةٍ، وأصله: أفضتم أنفسَكم، وتُرك ذكرُ المفعول كما تُرك (٣) في: دَفَعوا من موضع كذا وصبُّوا.
والفاءُ للتعقيب، لمَّا بيَّن وقتَ الحج، وذَكر ما نُهي عنه في الإحرام، وما
стр. 617
نُدب إليه، وما أُبيح فيه، عقَّبه ببيان ما يجب أن يُفعل بعد الفراغ عن إقامة ركنه وهو الوقوف (١).
﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾: عَلَمٌ للمَوقف منقولٌ عن الجمع كأذرعاتٍ، والظاهرُ أنه جمع عَرَفةَ جمع عارفٍ، وإلا فهو من الأسماء المرتجَلة إذ لا يُعرف النقلُ في أسماء الأجناس، منصرِفٌ لأن تاءه مع الألف علامةُ جمع المؤنَّث، لا التاءُ التي هي علامة التأنيث، وأما التأنيث المعنوي فمقدَّر باعتبار المعنى، والموقف ليس بمؤنثٍ، فليس فيه إلا العَلَمية، فلا تمنعُه الصرفَ وحدها.
وإنما سُمي (٢) الموقف بها لأنَّ آدم ﵇ وحواءَ الْتقَيَا فيه فتعارَفا، والناسُ يتعارفون فيه، وكان جبريل ﵇ يدورُ بإبراهيم ﵇ في المشاعر، [فلمَّا] أراه إياه قال (٣): عرفتُ.
وقيل: وُصف له ﵇ فلمَّا رآه عرفه (٤).
وليس هنا دليل على وجوب الوقوف فيه (٥).
стр. 618
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ بالتلبيةِ والتهليلِ والتكبيرِ والثناءِ والدعاء.
وقيل: بصلاة المغرب والعشاء، فإنهما يُجمعان بالمشعَر الحرام، وهو الجبلُ الذي يقف عليه الإمامُ وعليه المِيقدةُ (١).
وقيل: ما بين جبلَيِ المزدلفةِ من مَأْزِمَيْ عرفةَ إلى وادي مُحسِّرٍ، وليس المَأْزِمان ولا وادي محسِّرٍ من المَشعر.
والصحيحُ أنه الجبل؛ لِمَا روَى جابرٌ ﵁: أن النبي ﷺ لمَّا صلَّى الفجر - يعني: بالمزدلفة - بغَلَسٍ ركب ناقتَه حتى أتَى المشعَرَ الحرام، فدعا وكبَّر وهلَّل، ولم يزل واقفًا حتى أسفرَ (٢).
وإنما سُمي مَشعَرًا لأنَّه مَعْلَمٌ للعبادة، ووُصف بالحرام لحُرمته، ومعنى ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: ما يليه وَيقرُبُ منه، وذلك للفضل كالقرب من جبلِ الرحمة، وإلا فالمزدلفةُ كلُّها موقفٌ إلا وادي محسِّرٍ أو جُعلت أعقاب (٣) المزدلفة - لكونها في حكم المشعَر ومتَّصلةً به - عند المشعَر.
﴿وَاذْكُرُوهُ﴾ ذكرًا حسنًا.
стр. 619
﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ هدايةً حسنةً إلى المناسك وغيرِها، أو: اذكروه كما علَّمكم كيف تذكرونه، و (ما) مصدريةٌ أو كافَّة.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبلِ الهدى.
﴿لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾: الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكُرونه، و (إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة، واللام هي الفارِقة.
* * *
(١٩٩) - ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؛ أي: مِن عرفةَ لا من المزدلفةِ، والخطاب مع قريشٍ، كانوا يقفون بجمعٍ (١) وسائرُ الناس بعرفةَ، وَيرون ذلك ترفُّعًا عليهم، فأُمروا بأنْ يساووهم، فليس فيه إيجابُ الإفاضة حتى يدلَّ على وجوب الوقوف بعرفة بناءً على أن الإفاضة لا تكون إلا بعده، بل بيانُ اختصاص مشروعيَّتها بالوجه المذكور.
و ﴿ثُمَّ﴾ لتفاوتِ ما بين الإفاضتين؛ كما في قولك: أَحْسِنْ إلى الناس ثم لا تُحْسِنْ إلى غيرِ كريم.
وقيل من مزدلفةَ إلى منًى بعد الإفاضة من عرفةَ إليها، والخطاب عامٌّ.
وقرئ: (الناسِ) بالكسر (٢)؛ أي: الناسي، يريد آدم ﵇، من قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] والمعنى: أن الإفاضة من عرفة شرعٌ قديمٌ فلا تغيِّروه.
стр. 620
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ من مخالَفَتِكم في الموقف وغيرِها من أفعال الجاهلية وعاداتهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يغفر الذنوب.
﴿رَحِيمٌ﴾ بالمذنِبين، يدعوهم بجميل إحسانه إلى بابه، ويرغِّبهم في جزيل ثوابه، ولهذا - أي: ولتضمُّنه الترغيبَ المذكور - أُتي بأداة السببية في قوله:
* * *
(٢٠٠) - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾؛ أي: فإذا أتممْتُم أمور حجِّكم.
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾؛ أي: فاذكروا اللّه تعالى ذكرًا كثيرًا، وبالِغوا فيه كما تفعلون في ذكركُم أباءَكم، وكانت العرب إذا قضَوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنًى والجبلِ وَيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسنَ أيامهم، فنزلت؛ أي: أَكْثِروا ذكرَ اللّه تعالى ودعائه (١)، ولا تطلبوا بالذكر أغراض الدنيا كالذاكرين آباءهم (٢).
﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ في موضع الجرِّ عطفٌ على الضمير المضاف إليه الذكرُ في قوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾؛ أي: أو قومٍ أشدَّ ذكرًا من ذكركم آباءَكم، أو في (٣) موضعِ النصب عطفٌ على ﴿آبَاءَكُمْ﴾؛ أي: أو أشدَّ ذكرًا من آبائكم، على أنه من الفعل المبنيِّ للمفعول؛ أي: مذكورَّية.
стр. 621
ويجوز أن يكون معطوفًا على الكاف في ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾؛ أي: ذكرًا مثلَ ذكرِكم أو ذكرًا أشدَّ ذكرًا من ذكركم آباءكم، على أنَّ الذكر ذاكرًا أشدُّ من ذكرهم؛ كقولهم: جَدَّ جَدُّه، و: شعرٌ شاعرٌ.
و (أو) هنا ليست للتخيير بل للنَّقل عن الأوَّل، قال القفَّال: ومَجاز اللغة في مثل هذا معروفٌ، يقول الرجل لآخَرَ: افعل كذا إلى شهرٍ، ثم يقول: أو أسرعَ منه، يريد به النقلَ عن الأول إلى ما هو أقربُ وقتًا منه (١).
﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ الفاء مسبَّبٌ عن تقسيمٍ يتضمَّنه الكلامُ السابق، فإنه يشتمِلُ على ذكر المُفيضين من عرفاتٍ الذاكرِينَ لله (٢)، والمفيضينَ من المزدلفة الذاكرين لآبائهم، فعُقِّب القسم الثاني بأنهم الطالبون لحظوظ الدنيا، وأما القسم الأول الجامعون بين الأثَرتينِ فأولئك هم أهل الفلاح والفوز.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: اجْعَلْ إيتاءَنا في الدنيا خاصَّةً.
﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ الخلاق: نصيبُ الإنسان من أفعاله المحمودة التي تكون خُلقًا له، وقد يراد به النصيبُ من الخير على وجهِ الاستحقاق، وهو المراد هاهنا.
* * *
(٢٠١) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ من الصحة والكَفَاف والتوفيق للخير.
стр. 622
﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ من الثواب والكرامة والقُربة.
﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ بالعفو والمغفرة.
* * *
(٢٠٢) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الفريق الثاني، أو إليهما.
﴿لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ النصيب في الأصل: المنصوبُ، وجُعل السهمُ المفرَزُ نصيبًا.
﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾؛ أي: من جنسه من الأعمال الحسَنة، وهو التوابُ الحسن في الآخرة، والمنافعُ الحسنة في الدنيا.
أو: من أجْلِ ما كسبوا.
أو: مما دعَوا به، نعطيهِم منه ما يستوجِبونه في الدنيا والآخرة؛ لأن الدعاء من الأعمال الحسنة، والأعمالُ توصَف بالكسب فسُمي كسبًا.
أو: من جنس ما كسبوا على ما تقضيه مشيئةُ اللّه تعالى وحكمتُه (١).
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وعيدٌ؛ أي: سريعٌ حسابه للخلائق مع كثرةِ أعدادهم وأعمالهم؛ لكمالِ علمه وقدرته، فيجب الحذر منه.
стр. 623
أو حثٌّ على العبادة؛ أي: سريعٌ وقوعُ حسابه، يوشكُ أنْ يُقيم القيامةَ ويحاسبَ العباد فبادروا إكثارَ (١) الذكر وطلبَ الآخرة.
* * *
(٢٠٣) - ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الأيام المعدودات: أيام التشريق، وذكرُ اللّه فيها التكبيرُ في أدبار الصلوات، وعند الجِمار، وعند ذبح القَرَابين وغيرها.
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾: فمَن استعجل النَّفْرَ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾: يومِ النَّفْر والذي بعدَه؛ أي: فمَن نَفَر في ثاني أيام التشريقِ قبل طلوع الفجر عندنا، وبعد رمي الجمار عند الشافعي.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ باستعجاله.
﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾؛ أي: في النَّفْر حتى رمَى اليومَ الثالث بعد الزَّوال.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ قال أبو حنيفة: يجوز تقديمُ رميه قبل الزوال.
وهو مخيَّرٌ بين النَّفْرين، فلذلك سوِّيَ بينهما بنفي الإثم عن صاحبهما، وفيه ردٌّ على أهل الجاهلية، فإن منهم مَن أثَّم المتعجِّل (٢)، ومنهم مَن أثَّم المتأخِّر.
﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ أي: الذي ذُكر من التخيير أو من الأحكام لمَن اتَّقى؛ لأنَّه حذِرٌ متحرِّزٌ عن كلِّ ما يَرِيبُه، أو لأنَّه هو الحاجُّ عند اللّه بالحقيقة.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في المحافظة على هذه الأحكام ليَعْبأَ (٣) بكم.
стр. 624
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وعيدٌ شديد؛ أي: إليه لا إلى غيره حشرُكم، ويجازيكم على حَسَب تقواكم، وأصل الحشر: ضمُّ المتفرِّق وسَوقه من جهاتٍ مختلفة.
* * *
(٢٠٤) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ يَروقُك (١)، وَيعظُم في نفسك.
﴿قَوْلُهُ﴾ والتعجُّب (٢): حيرةٌ تَعرِض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ومعنى أعجبني كذا: ظهر لي ظهورًا لم أعرف سببه.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يتعلَّق بـ ﴿قَوْلُهُ﴾؛ أي: ما يقولُه في باب الدنيا وبشأنه، إذ مرادُه (٣) به إحرازُ حظوظ الدنيا، لا ثوابِ الآخرة كما يراد بالإيمان الحقيقيِّ والمحبة الصادقة.
وقيل: بـ ﴿يُعْجِبُكَ﴾؛ أي: يعجبُك (٤) في الحياة الدنيا لفصاحته وحلاوته، لا
стр. 625
في الآخرة لمَا يَرْهَقُه هناك من الحُبْسة واللُّكْنة، أو لأنَّه لا يُؤذَن له في الكلام.
﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ يحلفُ (١) ويقول: اللّه شاهدٌ على ما في قلبي من المحبة والإسلام (٢).
﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: شديدُ الجدال والعداوة للمسلمين، وإضافة الألدِّ بمعنى (في) على أن الخصام بمعنى المخاصَمة؛ كقولهم: ثَبْتُ الغَدَرِ (٣)، وإنما وُصف بكونه ألدَّ للمبالغةِ وجَعْلِ خصامه لشدته كأنه في نفسه خصمٌ ألدُّ.
وقيل: جمعُ خصم؛ كصعبٍ وصِعاب؛ أي: هو أشدُّ الخصوم خصومةً.
روي أنها نزلت في الأخنس بن شريقٍ الثَّقَفي، وكان حَسَنَ المنظر حُلوَ المنطِق يوالي رسول اللّه ﷺ ويدَّعى الإسلام (٤).
وقيل: في المنافقين كلِّهم (٥).
* * *
(٢٠٥) - ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
стр. 626
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى﴾ التولِّي: الانحراف عن الشيء إلى خلافِ جهته، والسعيُ: الإسراع في المشي (١)؛ أي: إذا انصرف عنك وذهب مسرعًا.
﴿فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ كما فعله الأخنس بثَقيفٍ (٢).
وقيل: إذا صار واليًا فعَل ما يفعلُه ولاةُ السُّوء من الإفساد والظلم.
﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ حقيقةً، أو حكمًا بأنْ يمنع اللّه تعالى القَطْرَ بشؤم ظلمه وفساده فيَهلكُ الحرثُ والنسل، والحرثُ هو الزرع، وأصله: الشق، والنسل: ما خرج من كلِّ أنثى من أجناس الحيوان.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ عدمُ الحب كنايةٌ عن البغض (٣)، ففيه وعيدٌ بليغٌ، ويتضمَّن التعليلَ لمَا سَبَق على المعنى الثاني والإفساد في الحقيقة: إخراج الشيء عن حالةٍ محمودةٍ لا لغرضٍ صحيحٍ، وذلك غيرُ موجودٍ في فعل اللّه تعالى، ولا هو آمرٌ به ولا محبٌّ له، وما تراه في فعله فسادًا فهو بالإضافة إلينا والاعتبار (٤) بنا، فأمَّا بالنظر إليه فكلُّه صلاحٌ (٥).
* * *
(٢٠٦) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
стр. 627
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: إذا (١) خوِّف هذا المنافقُ باللّه تعالى.
﴿اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: حملتْه العزَّة على ذلك، من قولك: أخَذْتُه بكذا: إذا حملْتَه عليه وألزَمْتَه إياه، وفيه مبالغةٌ شديدةٌ؛ كأنَّ العزةَ التي فيه - أي (٢): حميَّةَ الجاهليَّة والترفُّعَ - حاكمٌ مسلَّطٌ عليه يُلزِمه ارتكابَ الإثم الذي يُنهى عنه لجاجًا وضرارًا، أو على رغم الواعظ وردِّ قولِه.
﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: كافيه جزاءُ جهنمَ وهو استعظامٌ لمَا حلَّ به، وجهنمُ: اسمٌ عَلَمٌ للنار (٣)، وهي مأخوذةٌ من قولهم: ركيَّةٌ جِهِنَّامٌ: إذا كانت بعيدةَ القعر. وامتَنعت من الصرف للتأنيث والعَلَمية.
بَيَّن أن جهنم نصيبُه الكافي وجزاؤه الوافي، ثم دل على حال جهنم بقوله:
﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف، وحُذف المخصوص بالذمِّ للعِلم به. والمهاد: ما يُوطَّأ للجَنْب ويُهيَّأُ للنوم.
* * *
(٢٠٧) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يبيعُها ببذلها بالجهاد (٤)، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يُقتل.
стр. 628
﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: طلبًا لرضاه.
﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: هو في غايةِ الرحمة لهم، ولهذا عوَّضهم النعيمَ المقيمَ على عملٍ منقطِع. عقَّب ذِكر المذموم من أعدائه بذكرِ المحمود (١) من أوليائه ترهيبًا وترغيبًا.
* * *
(٢٠٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (السّلم) بالكسر والفتح: الإسلامُ والطاعة، و ﴿كَافَّةً﴾ اسمٌ للجملةِ من الكفِّ؛ كأنهم كُفُّوا باجتماعهم عن أنْ يَخرج منهم أحدٌ، حالٌ من فاعل ﴿ادْخُلُوا﴾ أو من ﴿السِّلْمِ﴾، وتاؤها بعد النَّقل لم تَبْقَ للتأنيث (٢).
والمعنى: استسلِموا للّه تعالى وأطيعوه جميعًا ظاهرًا وباطنًا، على أن الخطاب للمنافقين.
أو: ادخلوا في الإسلام بكلِّيَّتكم ولا تخلطوا به غيرَه، على أن الخطاب لمؤمني أهل الكتاب، فإنهم بعد إسلامهم عظَّموا السبت وحرَّموا الإبل وألبانَها (٣).
أو: في شرائع اللّه تعالى كلِّها بالإيمان بالأنبياء ﵈ والكتبِ جميعًا، على أن الخطاب لأهل الكتاب.
стр. 629
أو: في شُعَبِ الإسلامِ وأحكامِه كلِّها فلا تُخلُّوا بشيء منها، على أن الخطاب للمسلمين.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ بالتفريق والتفرُّق، وقد مرَّ ما يتعلَّق به وبقوله (١):
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فتدبَّرْ.
* * *
(٢٠٩) - ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ عن الدخول في السَّلْم.
أصل الزَّلَل في القدم (٢)، يقال: زَلَّ يَزِلُّ زَلًّا وزُلولًا: إذا دَحضت قدمُه، تم استُعمل في الاعتقاد والرأي بطريق الاستعارة.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: الحُججُ والشواهدُ على أنَّ ما أُمرتم بالدخول فيه هو الحق.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ لا يُعجزه الانتقامُ منكم.
﴿حَكِيمٌ﴾ لا يُهمِلُ وإن كان يُمهِلُ على ما تقتضيه الحكمة.
* * *
(٢١٠) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْر وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُور﴾.
стр. 630
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ما ينتظرون.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يأتيَهم أمرُه؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣]، وإنما أُسند الإتيانُ إليه تعالى تعظيمًا وتهويلًا؛ تنبيهًا على أنه يأتي الأمرُ الذي لا يُدافَع، كأنَّ أمره هو لوجوبه، وأُكِّد التهويل وشدةُ العذاب ببيان إتيانه من الغمام الذي هو مَظِنَّةُ الرحمة لكونه أفظع؛ فإن الشرَّ إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أغمَّ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أَسَرَّ، فكيف إذا جاء الشر (١) من حيث يُحتسب الخير، ولهذا كانت الصاعقةُ من العذاب المستفظَع لمجيئها من حيث يُتوقَّع الغيث.
﴿فِي ظُلَلٍ﴾: جمعُ ظلَّةٍ؛ كقُلَّةٍ وقُلَلٍ، وهي ما يُستظلُّ به.
وقرئ: (ظِلَالٍ) (٢): جمعُها (٣)؛ كقُلَّةٍ وقِلَالٍ، أو جمعُ ظلٍّ.
﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال الثعالبيُّ (٤) في "سر الأدب": أولُ ما يَنشأ [السحابُ] هو النَّشْءُ، فإذا انسحب في الهواء فهو السحابُ، فإذا تغيَّرت له السماء فهو الغمام (٥). انتهى.
فالغمامُ أقوى من السحاب ظلمةَّ، فكان أنسبَ لعبارةِ (٦) الظُّلَلِ من السحاب (٧).
стр. 631
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ وقُرئ بالجر (١) عطفًا على ﴿ظُلَلٍ﴾ أو ﴿الْغَمَامِ﴾.
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: قُضي أمر إهلاكهم وتدميرهم وفُرغ منه، عبِّر بالماضي عن المستقبل لدُنوِّه أو تيقُّنِ وقوعه. وقرئ: (وقضاءُ الأمر) (٢) عطفًا على ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قُرئ على البناء للمفعول على أنه من الرَّجْع، وعلى البناء للفاعل على أنه من الرُّجوع (٣).
* * *
(٢١١) - ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بحذف (٤) الهمزة في الكلام المبتدأ، وتَثبت (٥) في العطف؛ مثلَ قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والسؤالُ للتقريع، والخطابُ لكلِّ أحدٍ، أو للرسول ﵇.
﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتُهم، أو: من آيةٍ في الكتب شاهدةٍ على صحة دين الإسلام وحقِّيَّتِه.
و ﴿كَمْ﴾ خبريةٌ أو استفهاميةٌ للتقرير، ومحلُّها النصبُ على المفعوليَّة، أو الرفعُ بالابتداء على حذفِ العائد من الخبر، و ﴿آيَةٍ﴾ مميِّزُها، و ﴿مِنْ﴾ للفصل.
стр. 632
﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: آياتهِ؛ إذ هي أجلُّ نعمةٍ من اللّه تعالى، بأنْ يجعلَها أسبابَ الضلالة وهي أسبابُ الهدى والنجاةِ عنها؛ لقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، أو يحرِّفها كما حرَّفوا الآيات الدالَّةَ على دين محمدٍ ﵇.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾: من بعد ما وصلت إليه وتمكَّنَ من معرفتها، وفيه تعريضٌ بأنهم بدَّلوها بعدما عقَلوها، ولذلك قيل: تقديره: فبدَّلوها ومَن يبدِّلْ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعاقبُه أشدَّ عقوبةٍ لأنَّه ارتَكب أعظمَ جريمةٍ، والعقاب مأخوذ من العَقِب، كأن المعاقِبَ يمشي بالمجازاة له في آثار عَقِبه.
* * *
(٢١٢) - ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ التزيين هو التحسينُ المدرَك بالحسِّ دون المدرَك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة، والمزيِّن في الحقيقة هو الشيطانُ، فإنه حسَّن الدنيا في أعينهم وحبَّبها إليهم.
وقراءةُ (زَّين) على البناء للفاعل و (الحياةُ) بالنصب (١) على الإسناد المجازيِّ، فإنه تعالى أمهَل المزيَّن [له] (٢) فجَعل إمهاله تزيينًا، أو زَّينها حتى استحسَنوها وأحبُّوها.
стр. 633
ومَن قال: المزيِّن في (١) الحقيقةِ هو الله تعالى إذ ما من شيءٍ إلا وهو فاعلُه، أخطأ في المدَّعى وما أصاب في الدليل:
أمَّا الأول: فلأن التزيين صفةٌ تقوم بالشيطان والفاعلُ الحقيقي لصفةٍ ما تقومُ به تلك الصفة، وليت شعري ما يقول هذا القائل في الكفر والضلالة؛ فإن فاعل القيام حقيقةً هو القائم الذي يتَّصف به لا خالقه.
وأمَّا الثاني: فلأن مَبْناه عدمُ الفرق بين الفاعل النَّحوي الذي كلامنا فيه والفاعلِ الكلامي الذي بمعزلٍ عن هذا المقام (٢).
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يَهْزؤون من فقراء المؤمنين الذين لا حظَّ لهم في الدنيا - كابن مسعود وعمارٍ وصُهيب وغيرهم ﵃ على رفضهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة.
قال القرطبيُّ: يقال: سَخِرتُ منه وسَخِرتُ به، وضحكْتُ منه وضحِكْتُ به، وهَزِئْتُ منه وهَزِئْتُ به، كلُّ ذلك يقالُ، حكاه الأخفشُ والاسمُ: السُّخرية (٣).
стр. 634
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أي: الذين اتَّقَوا الدنيا واختاروا الفقر من المؤمنين هم أهل الزُّلفى والكرامة عند الله تعالى، وُضعوا (١) موضع الذين آمنوا لأنهم يسخرون منهم دون الأغنياء؛ تنبيهًا على أنهم أهل السعادة الكبرى عند الله تعالى، وتحريضًا للمؤمنين على التقوى.
﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ لأنهم كانوا في درجات الجنة وهم في دركات النار، فينادونهم: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠].
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: في الدنيا؛ لأن مَساق الكلام فيه.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير تقديرٍ، أو (٢) يوسِّع بحسَب الحكمة والمشيئة التابعةِ له على عباده، فمنهم مَن تكون التوسِعةُ عليه استدراجاً كهؤلاء الكفرة وقارونَ وأحزابهم، ومنهم مَن تكون التوسعةُ عليه كرامةً له كأغنياء المؤمنين (٣) وسليمانَ وداودَ ﵉ وأمثالِهم.
* * *
(٢١٣) - ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الفطرة، متَّفقةً على دين الإسلام فيما بين آدم ونوحٍ ﵉.
стр. 635
وقيل: فيما بين آدمَ وإدريسَ ﵉.
قال القرطبي: وفيه نظر؛ لأن إدريس ﵇ بعد نوحٍ ﵇ على الصحيح (١).
وقيل: هم نوحٌ ومَن معه في السفينة.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾؛ أي: فاختلفوا فبعث الله، فحُذف لدلالة قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ عليه، وفي قراءة عبد الله: (فاختلفوا فبعث اللهُ) (٢)، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]، ولمَّا كان سببُ البعثة الاختلافَ لم يَبْقَ احتمالٌ لأنْ يكون المراد من الأمَّة المذكورة المتَّفقينَ على الجهالة والكفر.
﴿مُبَشِّرِينَ﴾ مَن أطاع.
﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ مَن عَصَى.
﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: الكتب، واسمُ الجنس يَصلح للجميع، و ﴿مَعَهُمُ﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من ﴿الْكِتَابَ﴾ فيتعلَّق بمحذوفٍ، وليس منصوبًا بـ (أنزَلَ)، ولا يريد به أنه أُنزل مع كلِّ واحد منهم كتابٌ يخصُّه، لا لأن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصُّهم، بل كانوا يأخذون بكتبِ مَن قبلهم؛ لأن المعنى حينئذ: مع كل واحدٍ من الذين لهم كتاب، وعموم ﴿النَّبِيِّينَ﴾ لا ينافي خصوصَ الضمير العائد إليه بمعونة القرينة= بل