﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ وقُرئ بالجر (١) عطفًا على ﴿ظُلَلٍ﴾ أو ﴿الْغَمَامِ﴾.
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: قُضي أمر إهلاكهم وتدميرهم وفُرغ منه، عبِّر بالماضي عن المستقبل لدُنوِّه أو تيقُّنِ وقوعه. وقرئ: (وقضاءُ الأمر) (٢) عطفًا على ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قُرئ على البناء للمفعول على أنه من الرَّجْع، وعلى البناء للفاعل على أنه من الرُّجوع (٣).
* * *
(٢١١) - ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بحذف (٤) الهمزة في الكلام المبتدأ، وتَثبت (٥) في العطف؛ مثلَ قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والسؤالُ للتقريع، والخطابُ لكلِّ أحدٍ، أو للرسول ﵇.
﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتُهم، أو: من آيةٍ في الكتب شاهدةٍ على صحة دين الإسلام وحقِّيَّتِه.
و ﴿كَمْ﴾ خبريةٌ أو استفهاميةٌ للتقرير، ومحلُّها النصبُ على المفعوليَّة، أو الرفعُ بالابتداء على حذفِ العائد من الخبر، و ﴿آيَةٍ﴾ مميِّزُها، و ﴿مِنْ﴾ للفصل.
стр. 632
﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: آياتهِ؛ إذ هي أجلُّ نعمةٍ من اللّه تعالى، بأنْ يجعلَها أسبابَ الضلالة وهي أسبابُ الهدى والنجاةِ عنها؛ لقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، أو يحرِّفها كما حرَّفوا الآيات الدالَّةَ على دين محمدٍ ﵇.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾: من بعد ما وصلت إليه وتمكَّنَ من معرفتها، وفيه تعريضٌ بأنهم بدَّلوها بعدما عقَلوها، ولذلك قيل: تقديره: فبدَّلوها ومَن يبدِّلْ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعاقبُه أشدَّ عقوبةٍ لأنَّه ارتَكب أعظمَ جريمةٍ، والعقاب مأخوذ من العَقِب، كأن المعاقِبَ يمشي بالمجازاة له في آثار عَقِبه.
* * *
(٢١٢) - ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ التزيين هو التحسينُ المدرَك بالحسِّ دون المدرَك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة، والمزيِّن في الحقيقة هو الشيطانُ، فإنه حسَّن الدنيا في أعينهم وحبَّبها إليهم.
وقراءةُ (زَّين) على البناء للفاعل و (الحياةُ) بالنصب (١) على الإسناد المجازيِّ، فإنه تعالى أمهَل المزيَّن [له] (٢) فجَعل إمهاله تزيينًا، أو زَّينها حتى استحسَنوها وأحبُّوها.
стр. 633
ومَن قال: المزيِّن في (١) الحقيقةِ هو الله تعالى إذ ما من شيءٍ إلا وهو فاعلُه، أخطأ في المدَّعى وما أصاب في الدليل:
أمَّا الأول: فلأن التزيين صفةٌ تقوم بالشيطان والفاعلُ الحقيقي لصفةٍ ما تقومُ به تلك الصفة، وليت شعري ما يقول هذا القائل في الكفر والضلالة؛ فإن فاعل القيام حقيقةً هو القائم الذي يتَّصف به لا خالقه.
وأمَّا الثاني: فلأن مَبْناه عدمُ الفرق بين الفاعل النَّحوي الذي كلامنا فيه والفاعلِ الكلامي الذي بمعزلٍ عن هذا المقام (٢).
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يَهْزؤون من فقراء المؤمنين الذين لا حظَّ لهم في الدنيا - كابن مسعود وعمارٍ وصُهيب وغيرهم ﵃ على رفضهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة.
قال القرطبيُّ: يقال: سَخِرتُ منه وسَخِرتُ به، وضحكْتُ منه وضحِكْتُ به، وهَزِئْتُ منه وهَزِئْتُ به، كلُّ ذلك يقالُ، حكاه الأخفشُ والاسمُ: السُّخرية (٣).
стр. 634
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أي: الذين اتَّقَوا الدنيا واختاروا الفقر من المؤمنين هم أهل الزُّلفى والكرامة عند الله تعالى، وُضعوا (١) موضع الذين آمنوا لأنهم يسخرون منهم دون الأغنياء؛ تنبيهًا على أنهم أهل السعادة الكبرى عند الله تعالى، وتحريضًا للمؤمنين على التقوى.
﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ لأنهم كانوا في درجات الجنة وهم في دركات النار، فينادونهم: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠].
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: في الدنيا؛ لأن مَساق الكلام فيه.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير تقديرٍ، أو (٢) يوسِّع بحسَب الحكمة والمشيئة التابعةِ له على عباده، فمنهم مَن تكون التوسِعةُ عليه استدراجاً كهؤلاء الكفرة وقارونَ وأحزابهم، ومنهم مَن تكون التوسعةُ عليه كرامةً له كأغنياء المؤمنين (٣) وسليمانَ وداودَ ﵉ وأمثالِهم.
* * *
(٢١٣) - ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الفطرة، متَّفقةً على دين الإسلام فيما بين آدم ونوحٍ ﵉.
стр. 635
وقيل: فيما بين آدمَ وإدريسَ ﵉.
قال القرطبي: وفيه نظر؛ لأن إدريس ﵇ بعد نوحٍ ﵇ على الصحيح (١).
وقيل: هم نوحٌ ومَن معه في السفينة.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾؛ أي: فاختلفوا فبعث الله، فحُذف لدلالة قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ عليه، وفي قراءة عبد الله: (فاختلفوا فبعث اللهُ) (٢)، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]، ولمَّا كان سببُ البعثة الاختلافَ لم يَبْقَ احتمالٌ لأنْ يكون المراد من الأمَّة المذكورة المتَّفقينَ على الجهالة والكفر.
﴿مُبَشِّرِينَ﴾ مَن أطاع.
﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ مَن عَصَى.
﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: الكتب، واسمُ الجنس يَصلح للجميع، و ﴿مَعَهُمُ﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من ﴿الْكِتَابَ﴾ فيتعلَّق بمحذوفٍ، وليس منصوبًا بـ (أنزَلَ)، ولا يريد به أنه أُنزل مع كلِّ واحد منهم كتابٌ يخصُّه، لا لأن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصُّهم، بل كانوا يأخذون بكتبِ مَن قبلهم؛ لأن المعنى حينئذ: مع كل واحدٍ من الذين لهم كتاب، وعموم ﴿النَّبِيِّينَ﴾ لا ينافي خصوصَ الضمير العائد إليه بمعونة القرينة= بل
стр. 636
لأنَّ بعض الكتاب المخصوصِ لمن معه لا يشمل الأحكام كالزبور، فلا يصلح ما ذُكر بقوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ غايةً له.
﴿الْحَقِّ﴾ حالٌ من ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: مُلْتبِسًا بالحق.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾؛ أي: النبيُّ الذي معه الكتابُ.
﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من أمر الدين.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي: الكتابِ المنزَل لإزالة الاختلاف، ومعناه: زاد اختلافهم بسبب الكتاب حتى كان الاختلافُ الأولُ بالنسبة إليه كلَا اختلافٍ، أو ما (١) كان الاختلاف إلا الذي حدث بعده كأن الاختلاف الموجب لنزول الكتاب اتفاقٌ (٢) في جنبه لشدة عنادهم.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: الدلائلُ الشاهدةُ على حقيقة الدِّين المتَّفَق عليه.
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وحسدًا وقلةَ إنصافٍ منهم؛ لحرصهم (٣) على الدنيا وتهالكهم.
﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ بسبب تلك البينات ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منهم ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ بيانٌ لِما اختلفوا فيه (٤).
﴿بِإِذْنِهِ﴾ بتيسيره وتوفيقه إياهم.
﴿وَاللَّهُ يَهْدِي﴾ دون غيره ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل العناية بمقتضى الحكمة.
стр. 637
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ صراطٍ لا يُعرف كُنْهُه، وهو طريق التوحيد.
* * *
(٢١٤) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ، ومعنى الهمزةِ فيها الإنكارُ.
والحسبانُ كالظن يُستعمل في المترجِّح.
لمَّا ذَكر حال (١) الأمم الخالية، واختلافَهم على النبيين بعد مجيء البينات، وإنكارَهم - تشجيعًا لرسول الله ﷺ والمؤمنين، وإغراءً لهم على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهلِ الكتاب، وإنكارهم لآياته وعداوتهم له - خاطبهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ:
﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: حالُهم التي هي مَثَلٌ في الشدة، و (لمَّا) للتوقُّع (٢) في النفي كـ (قد) في الإثبات، ومعناها: أن إتيان ذلك متوقَّعٌ ومنتظَرٌ ولم يقع بعدُ.
﴿مَسَّتْهُمُ﴾ بيانٌ للمَثَل على الاستئناف.
﴿الْبَأْسَاءُ﴾: الشدة من الخوف والجوع والفاقة.
﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ الآلام (٣) والأمراض.
стр. 638
﴿وَزُلْزِلُوا﴾؛ أي: أُزعجوا إزعاجًا شديدًا شبيهًا بالزلزلة مما أصابهم من الأهوال والأفزاع.
﴿حَتَّى يَقُولَ﴾ لتَناهي الشدَّة وتَماديها في العِظَم بحيث تقطَّعت حبالُ الصبر.
﴿الرَّسُولُ﴾ مع كونه في كمال الثبات والصبر وضبط النفس والوقار إلى غايةٍ لا يُقْدَرُ قَدْرُها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الصابرين في البأساء والضرَّاء.
وقرئ: ﴿يَقُولَ﴾ بالرفع (١) على معنى الحال، وهي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، وبالنصب على إضمارِ (أنْ) ومعنى الاستقبال.
﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ معناه: استبطاءُ النصر وطلبُه وتَمنِّيهِ، واستطالةُ زمان الشدة.
﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ استئناف على إرادة القول، أي: فقيل لهم إجابةً لهم إلى طلبهم (٢) من عاجل النصر وإعطاءً لسؤلهم (٣).
* * *
(٢١٥) - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] جاء عمرو بن جموح الأنصاريُّ وسأل رسول الله ﷺ وقال:
стр. 639
كم ننفقُ؛ وعلى مَن (١) نُنفق؛ فنزل جواب السؤالين في آيتين من هذه السورة؛ جوابُ قوله: كم ننفق؟ في قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وجواب قوله: على مَن ننفق؟ في قوله:
﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ (٢) أيَّ شيءٍ أنفقتُم من مالٍ، والمالُ يسمى خيرًا؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، وإنما سمَّاه خيرًا هنا لأنَّه مذكور في موضع الصرف إلى الخير.
﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ بدأ في المصرِف بالأقرب (٣)، ثم بالأحوج (٤) فالأحوج.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ في معنى الشرط ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ جوابُه؛ أي: إنْ تفعلوا خيرًا فإن الله تعالى يعلم كُنْهَه ويُوفي ثوابَه، والفعلُ أعمُّ من الإنفاق وغيره، سألوا عن خاصٍّ وأُجيب بخاصٍّ ثم أُتي بالعموم في أفعال الخير.
قيل: كان هذا للإيجاب ونسخها الأمرُ بالزكاة.
وقيل: كان للاستحباب وهو باقٍ.
* * *
стр. 640
(٢١٦) - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾؛ أي؛ فُرض عليكم الجهاد.
﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ من الكراهة؛ لقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ وهو إمَّا أن يكون بمعنى الكراهة على وضع المصدر موضعَ الوصف للمبالغة لفَرْط كراهتهم له (٥)، وإمَّا أن يكون فُعْلاً بمعنى مفعولٍ كالخبز بمعنى المخبوز؛ أي: وهو مكروهٌ لكم.
وقرئ بالفتح (٦) على أن يكون بمعنى المضموم، كالضَّعف والضُّعف، أو بمعنى الإكراه على سبيل المجاز، كأنهم أكُرهوا عليه لفَرْط كراهتهم له، وكراهةُ الطَّبع لا توجِبُ الذمَّ بل تحقِّق العبوديةَ إذا فُعل ذلك اتِّباعًا للشرع مع نُفرة الطبع، وأمَّا كراهةُ الاعتقاد فهو من صفات المنافقين (٧).
ونبَّه بقولُه (٨): ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ بألطف وجهٍ على أنَّ ما كُتب عليهم من القتال خيرٌ لهم وأوضحِ دلالةٍ، وهي أنه إذا جاز أن يكون منكم كراهيةٌ لأمرٍ وفيه الخيريةُ، فيجوز أن يكون كراهيتكم (٩)
стр. 641
لِمَا كُتب عليكم من القتال كذلك، وإذا جاز أن تحبُّوا شيئًا وهو شرٌّ لكم، فيجوز أن تكون محبَّتكم لِمَا أحببتُموه شرًّا.
ثم نبَّه على أن هذا الجائزَ كونُه عندكم واجبٌ كونُه في نفسه بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقد قضَى بأن ذلك خيرٌ، وإذا كان خيرًا فيجب أن تحبُّوه ولا تكرهوه، فالخير يجب إرادتُه والشرُّ يجب كراهته.
والمحبة: ميل النفس إلى ما تراه وتظنُّه خيرًا، والإرادة لا يلزمُها ظنُّ الخير، ولهذا قيل: ﴿أَنْ تُحِبُّوا﴾ دون: أنْ تريدوا، ولم يراعَ حقُّ المقابَلة مع قوله: ﴿أَنْ تَكْرَهُوا﴾.
و (عسى) كلمةٌ تجري مَجرى (لعل)، وهي من العباد للترجِّي ومن الله تعالى للترجِئةِ؛ قيل: جميع ما كلِّفوا به من قَبيل الأول، وجميع ما نُهوا عنه من قَبيل الثاني، وفيه نظر.
* * *
(٢١٧) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ نزلت في أوَّل سَرِيَّة في الإسلام أغاروا على عِيرٍ لقريش (١) قافلةٍ من الطائف وقتَلوا عَمْرَو بن عبد الله الحضرميَّ أولَ يوم من
стр. 642
رجبٍ وهم يظنُّونه من جُمادى الآخرة (١)، فعيَّرهم أهل مكة باستحلاله.
﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدلُ الاشتمال من ﴿الشَّهْرِ﴾ وفائدةُ الإبدال أنَّ في ذكر الشهر أوَّلًا تنبيهٌ على أن السؤال عن القتال لأجْل الشهر لا لغيره.
﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: ذنبٌ كبير، والأكثرُ على (٢) أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] خلافًا لعطاءٍ (٣)، ولا وجه لمنعِ دلالة الآية على حرمةِ القتال في الشهر الحرام مطلقًا بناءً على أن النكرة في حيِّز الإثبات لا تعمُّ؛ لأنها إذا لم تكن موصوفةً (٤)، وقد مر ما يؤيد هذا.
﴿وَصَدٌّ﴾ الصُّدُّ: ناحيةُ الشِّعب والوادي المانعُ للسالك، وصَدَّه عن كذا: كأنما جَعل بينه وبين ما يريده صُدًّا يمنعه، والصَّديد: ما حال بين الجلد واللحم من الدم والقيح، كذا قال الراغب (٥).
стр. 643
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ و، أي: ما يُوصل العبدَ إلى الله من الطاعات.
﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾، أي: بالله تعالى، عطفٌ على (صَدٌّ)، وقد عُطف عليه قبل تمام المعطوف عليه لشدة الاعتناء عند ذكر الله تعالى بأنَّ الكفر به أكبرُ الكبائر وأمُّها، والذي اندرج فيه جميع الكبائر، وإلا كان حقَه أن يُؤخَّر عن قوله:
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لِمَا أَشَرْنا إليه من أنه من تمامِ قوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ خبرٌ عن الأشياء المعدودة، يعني (١): وكبائر قريش؛ من صدِّهم عن سبيل الله وعن المسجدِ الحرام، وكفرِهم (٢)، وإخراجِ أهل المسجد الحرام - وهم رسول الله ﷺ والمؤمنون - منه، أكبر عند الله مما فعلَتْه السريَّة على سبيل الخطأ والبناءِ على الظن.
﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ وما ارْتَكبوه من الصَّدِّ والإخراجِ والكفر أكبر من قتل الحضرميِّ.
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، أي: يداوِمون على عداوتكم ولا ينفكُّون عن مقاتَلتكم.
﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ ﴿حَتَّى﴾ للتعليل؛ كما في قولك: أعبدُ الله حتى أدخلَ الجنة، لقوله (٣):
﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ استبعادٌ لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوِّه: إن ظَفِرْتَ بي فلا تُبْقِ عليَّ، مع وثوقه بأنه لا يَظفَرُ به.
стр. 644
وإيراد (إنْ) في موضع اليقين للتهكُّم، أو البناءِ على ظنِّهم الفاسد.
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾: ومَن يَرجعْ منكم عن دينه إلى دينهم، ويطاوِعْهم على ردِّهم إياه إليه، ولم يَتُبْ، فيَمُتْ على الرِّدَّة.
﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾؛ أي: حسناتُهم؛ لأنها هي الأعمال في الحقيقة، إذ السيئاتُ مما ينبغي أن لا تُعمل، ويقال لمن عَمِلَ ما لا يُنتفَعُ به: لم يَعمل شيئًا.
﴿فِي الدُّنْيَا﴾ لفوات ما لهم من المسلمين من ثمرات (١) الإسلام بإحداث الردة.
﴿وَ﴾ في ﴿الْآخِرَةِ﴾ لفواتِ ما لهم من الثواب لو لم يرتدُّوا بالموت عليها، والحَبْطُ: فسادٌ يَلحق الماشية في بطونها من أكل الكَلأ، واستُعير لفساد العمل.
﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ مُلازِموها، يقال: فلان صاحبُ فلانٍ، إذا كان مُلازِمًا له.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: دائمون فيها لا يموتون ولا يُخرجون عنها.
ثم الطاعةُ تَحبَطُ بنفس الرِّدة عندنا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] والموتُ عليها ليس بشرطٍ، وقال الشافعي: هي (٢) شرطٌ. وتمسَّك بهذه الآية.
وقلنا: إنما جُعل الموتُ على الكفر شرطَ جميع ما ذُكر في هذه الآية: من حبوطِ العمل، والخلود في النار، وبه نقول.
стр. 645
كذا قيل، ويأباه تكرير (أولئك) لِمَا فيه من الد لالة على اعتبار (١) الشرط المذكور في كلِّ واحدٍ من الحُكمين المذكورين.
فالصواب في الجواب أن يقال: إنما اعتبر الشرط المذكور في حبوط عمل الدنيا وعمل الآخرة معًا، لا في حبوط عمل الدنيا (٢) وحده، فلا متمسَّك فيه للخصم؛ لانا نقول: تأثيرُ الشرط المذكور في حُبوط عمل الدنيا، فإنه ما لم يستمرَّ على الردة إلى آخر الحياة لا يُحرم عن ثمرات الإسلام.
* * *
(٢١٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت أيضًا (٣) في السَّرية المذكورة، لمَّا قال بعض الناس فيهم: إنْ لم يكن عليهم وِزرٌ فليس لهم أجرٌ (٤).
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾؛ أي: من مكة إلى المدينة، وقيل: أي: فارَقوا أعمال السوء وأصحابَها. والأول كان فرضًا فنُسخت فَرْضيّتها، والثاني فَرْضيتُه باقية.
﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: قاتَلوا الكفار، وقيل: أي: استفرَغوا المجهودَ في طاعة الله.
стр. 646
وتكريرُ الموصول لتعظيمِ الهجرة والجهاد، وكأنهما مستقلَّان في تحقيق الرجاء.
﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ في الدنيا والآخرة نفعًا ورفعًا ودفعًا، وفي عبارة الرجاء مدحٌ لهم باستقصارهم أعمالَهم واستشعارهم آمالَهم، خائفين ردَّه، راجين قبوله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لِمَا فعلوا خطأً وقلَّةَ احتياطٍ.
﴿رَحِيمٌ﴾ بإجزالِ الثواب والإيصالِ إلى حُسن المآب.
* * *
(٢١٩) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ رُوي أنه نزل بمكة - شرَّفها الله تعالى - قوُله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] وكان المسلمون يشربونها (١) وهي لهم حلال، ثم إن عمرَ ومعاذًا ونفرًا من الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله، أفتنا في الخمر والميسر (٢) فإنهما مَذهَبةٌ للعقل ومَسلَبةٌ للمال، فنزلت: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فشربها قوم وتركها آخرون (٣).
стр. 647
والخمر: ما خَمَرَ العقل؛ أي: ستره، كأنها سمِّيت بالمصدر للمبالغة، ومنه: الخِمار، لِمَا يستر الرأس.
وقال ابن الأنباري: سُميت خمرًا لأنها تُخامِرُ العقل؛ أي: تخالطُه (١).
وقال (٢) عمر ﵁ في خُطبته: أيها الناسُ، فإنه نزل تحريمُ الخمر وهي من خمسة: من العنب، والعسل، والتمر، والحنطة، والشعير (٣).
والميسِر: القِمار، وقال الأزهريُّ: الميسر: الجَزُور الذي كانوا يتقامرون عليه سمِّي ميسِراً لأنَّه يجزَّأُ أجزاءً فكأنه موضعُ التجزئة، وكلُّ شيءٍ جزَّأْتَه فقد يَسَرْتَه، والياسر: الجازر؛ لأنَّه يُجزِّئ لحم الجزور (٤).
﴿قُلْ فِيهِمَا﴾ لمَّا كان منشأً للإثم وسببًا للمنافع جعلهما منبعًا له ومعدنًا لها؛ تنبيهًا على قوتهما في المَنشئيَّة والسببيَّة، فلا حاجة إلى تقدير المضاف، بل لا وجه له عند البلغاء، فلا دلالة في هذا على أن السؤال عن تعاطيهما.
﴿إِثْمٌ﴾ الإثم: ما يَستحِقُّ فاعلُه العقاب، فيختصُّ بما يكون عمدًا، يرشدك إليه ذكره في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١٢] في مقابَلة (٥) الخطيئة.
стр. 648
﴿كَبِيرٌ﴾ من حيث إنه يؤدِّي إلى الانتكاب عن المأمور وارتكابِ المحظور.
﴿وَمَنَافِعُ﴾ من الطرب والالْتِذاذ وكسبِ المال ومُصادقة الفتيان، وفي الخمر خصوصًا (١) تشجيعُ الجبان، وتوفيرُ المروءة، وتقوية الطبيعة.
﴿لِلنَّاسِ﴾ في عبارة اسم الجنس إشارةٌ إلى عموم المنافع لِمَا تحته من الأصناف والأفراد، وفيه وفي جمع المنفعة تمهيدٌ لتعظيم الإثم فيهما؛ ضرورةَ أن تعظيم المفضَّل عليه يَستلزِم تعظيمَ المفضَّل.
﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ يعني: أن الإثم المترتِّب على المفاسد التي تنشأ من كلٍّ منهما أعظم من المنافع المتوقَّعة منه، قال الحسن: هذه الآية تدل على تحريم الخمر؛ لأنَّه ذكر أنَّ فيها (٢) إثماً، وقد حرم الله تعالى الإثم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] على أنه قد وصف ما فيها من الإثم بالكبير، والكبيرُ منه حرامٌ بلا خلافٍ.
وقوله حَسَنٌ ها ن كان مخالفًا لِمَا رُوي فيما سبق.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ قد مر أن سائله أيضًا عمرو بن الجموح.
﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ نقيضُ الجهد، وهو القصدُ في الإنفاق بحيث لا يبلغُ الجهدَ واستفراغَ الوُسع.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: مثلَ ما بيَّن من (٣) الأحكام، والكافُ في موضع النصب صفةً لمصدرٍ محذوف، وتوحيد العلامة على تأويل القبيل (٤).
стр. 649
(٢٢٠) - ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يتعلق بـ ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: لعلكم تتفكرون في أمر الدارين وما هو أصلحُ لكم فيهما، فتختارونه وتتجنَّبون عما يضرُّكم ولا ينفعُكم، أو يضرّكم أكثر.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ الحالُ تشهدُ بأن السؤال ليس عن أعيانهم، بل عن كفالتهم ومخالَطتهم، والإفصاحُ بأمثال هذه تجافٍ (١) عن طريق البلاغة؛ لأنَّه لا يخلو عن غباوةٍ للمتكلِّم أو تغبيَةٍ للمخاطَب وسوءِ أدبٍ، وكلامُ الله تعالى مبرَّأٌ عن كلِّ هُجنةٍ.
رُوي أنه لمَّا نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] تجافَوا عن اليتامى وتركوا مخالطتهم والقيامَ بمصالحهم وأموالهم والاهتمامَ بأحوالهم، فشَقَّ ذلك عليهم وكاد يُوْقعُهم في الحرج، فذُكر لرسول الله ﷺ فنزلت (٢).
وعلى هذا لا سؤالَ في سبب النزول، فالوجه ما قاله مقاتل: من أن المسلمين لمَّا أشفقوا من مخالطة اليتامى، فعزلوا بيت اليتيم وطعامَه، شق عليهم فقال ثابت بن رِفاعةَ للنبيِّ ﵇: قد أنزل الله في اليتيم ما أَنزل فعزلناهم والذي لهم واعتزلنا والذي لنا، فشَقَّ علينا وعليهم وليس كلُّنا يجد سَعةً، فهل يَصْلُحُ لنا مخالطتُهم فيكونَ البيتُ والطعامُ واحدًا لا نرزؤهم شيئًا إلا أن نعود (٣) عليهم بأفضل منه? فنزل قوله تعالى:
стр. 650
﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم (١).
﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ حثٌّ على المخالطة، أي: إنهم إخوانكم في الدِّين، وحقُّ الأخ أن يخالط أخاه.
والخلط: الجمع بين أجزاء شيئين سواءٌ كانا مائعَين أو غيرَ مائعين، فهو أخصُّ من المزج.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ واللهُ يَميزُ المخالط بالإفساد من المخالط (٢) بالإصلاح، ولا يخفى عليه، فيجازي بحسَبه، فلا تقصدوا في مخالطتهم إلا الإصلاح.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إعناتكم.
﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لحمَلكم على العنَت (٣) وهو المشقَّةُ، ومنَعكم عن المخالطة فوقعتُم في الحرج.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ يَقدر على الإعنات.
﴿حَكِيمٌ﴾ لا يكلِّف إلا ما يَسَعُ طاقتهم ويُصلح حالهم.
* * *
(٢٢١) - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
стр. 651
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾؛ أي: ولا تتَزوَّجوهن (١)، وقرئ بالضم (٢)؛ أي: ولا تزوِّجوهن من المسلمين.
المشركاتُ والمشركةُ تعمُّ الكتابية؛ لقو له تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١] ولكن خُصَّت عنها الكتابياتُ الذِّمِّيات بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وبقيت الحربيات في عموم هذه الآية.
رُوي أنه ﵇ بعث مَرثدَ الغَنَويَّ إلى مكة ليخرج منها أناساً من المسلمين، فأتته عَنَاق وكان يهواها في الجاهلية فقالت: ألا تخلو (٣)؟ فقال: إن الإسلام حالَ بيننا، فقالت: هل لك أن تتزوَّج بي؟ فقال: نعم، ولكن أستأمرُ رسول الله ﷺ ، فاستأمره ﵇ فنزلت:
﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ (٤) يعني: أن المؤمن ولو كان معه خساسةُ الرِّقِّ خيرٌ من الكافر ولو كان معه شرفُ الحرية، فإن شرفها لا يُجدي نفعًا مع الكفر، ودناءةَ الرق لا تَضرُّ مع شرف الإيمان.
стр. 652
﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ جملة اعتراضية، وجواب (لو) محذوف لدلالة ما قبلها عليه، وكذا ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾؛ أي: ولو أحببتُموها وأعجبكم حسنُها كانت المؤمنة مع ذلك خيرًا لكم.
﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾: ولا تُزوّجوهم المؤمنات، وهو على عمومه.
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ وُضع اللازم مقام الملزوم في الموضعين للتنفير والترغيب، فقال:
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المشركون والمشركاتُ.
﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾؛ أي: الشرك المستلزِم لدخول النار، فحقُّهم أن لا يُوالَوا ولا يُصاهَروا.
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾؛ أي: الإيمان المستلزم (١) لدخول الجنة، وأُورد (اللهُ) مكان: المؤمنين؛ لاختصاصهم به وتعظيمِهم؛ حثًّا على مصاهرتهم وموالاتهم وإيثارهم على غيرهم.
﴿بِإِذْنِهِ﴾: بتيسيره وتوفيقه لِمَا يُستَحَقُّ به الجنة والمغفرةُ من الإيمان والعمل الصالح.
﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: لكي يتذكَّروا، أو: يكونوا بحيث يُرجى منهم التذكُّر لِمَا رُكز في العقول السليمة من الميل إلى نيل الخير والاجتنابِ عن مظانِّ المضارّ.
* * *
стр. 653
(٢٢٢) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ المحيض مصدر، يقال: حاضت محيضًا (١)، كما يقال: جاء مجيئًا.
رُوي: أن أهل الجاهلية كانوا لم يساكنوا الحيَّضَ ولم يؤاكلوها كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدَّحْداح في نفر من الصحابة ﵃ عن ذلك فنزلت (٢).
ولعله سبحانه إنما ذكر (يسألونك) في المواضع الثلاثة بغيرِ واوٍ وفي المواضع الثلاثة بعدها مع الواو؛ لأن الأُوَلَ ليسق بمظنَّةٍ للواو، وكانت الأسئلة عن الحوادث الأُوَل في أحوالٍ متفرقةٍ كلُّ واحد منها سؤال مبتدأ، والأسئلة عن الحوادث الأُخَر مع ثالثة (٣) الأُول كانت في وقتٍ واحد، وليس مبنَى هذا على أن الواو حرفُ الجمع؛ لأن الجمع الذي هو مدلولُ الواو أعمُّ من المعية، بل على أن في ترك الواو دلالةً على الاستقلال، وفي ذكرها دلالةً على خلافه.
﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ لمَّا كان الموضعُ موضعَ الكناية والمجاز - لكون التصريح والحقيقةِ لا تخلو عن سوء أدبٍ - سلك طريقة التعريض والتشبيهِ بأحسنِ الوجوه، فكَنَى عن المحيض المستقذَر الذي يَنفر منه (٤) الطبع بالأذى، وهو اسمٌ لِمَا يَنال منه النفسَ مكروهٌ، وعن اجتناب المجامعة بقوله:
стр. 654
﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ واصل الاعتزال: العدولُ عن الشيء، ولمَّا كان الإنسان قد يتحمَّل الأذى ولا يراه محرَّمًا، صرَّح بالحكم ولم يكتفِ بذكر العلة، وإنما أكَّد بصيغتي نهي وأمر مبالغةً في المنع؛ لِمَا أن الزوجين يجتمعان غالبًا ومعهما داعيان إليه ظاهراً، والدليل على أن المراد الاجتناب عن مجامعتهن قوله ﵇: "إنما أمركم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم يأمركم بإخراجهنَّ من البيوت كفعل الأعاجم " (١)، وهو الاقتصادُ بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهنَّ ولا يبالون بالحيض.
﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بيان لغايته؛ أي: يخرجن من الحيض بانقطاع الدم، وإذا كان أيامُها عشرةً فكما (٢) انقطع حلَّ وطؤها (٣)، وإذا كانت دون ذلك وانقطع واغتسلت فكذلك، وإذا لم تغتسل ومضى عليها وقتُ صلاةٍ (٤) فكذلك، خلافاً لزُفرَ والشافعيِّ فإنهما قالا: لا يحلُّ بحالٍ قبل الاغتسال، واحتجَّا بقراءة التشديد (٥)؛ فإن التطهُّر (٦) الاغتسالُ، ونحن نعمل بالقراءتين في حالين، وفيه نظر؛ لأن شرط العمل بالمفهوم أن لا يكون مخالفًا للمنطوق، ومفهومُ قراءة التخفيف مخالفٌ لمنطوق قراءة التشديد.
стр. 655
ونحن نقول: ليس العمل بقراءة التخفيف بطريق المفهوم، بل بطريق المنطوق؛ فإن الدلالة على انتهاء الحكم عند الغاية بحسب الوضع (١).
ثم إن قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ظاهر في تأخير جواز الإتيان عن الغسل.
﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: المأتَى الذي أمركم به وحلَّله لكم وهو القُبل، وإنما زيدَ هذا وكان الكلام تامًا بدونه؛ للنهي بطريق المفهوم عن إتيانهنَّ في الدبر، فإن الله تعالى حرَّم الإتيان في أيام الحيض للأذى، فيحرم إتيان الدبر في الأحوال كلِّها؛ لِمَا فيه من الأذى، ومن هنا ظهر وجه تصدير الكلام المذكور بالفاء التفريعيَّة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ مما عسى يَندُر منهم من ارتكاب ما نُهوا عنه ومن سائر الذنوب.
﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾: المتنزِّهين عن الفواحش والأقذار؛ كمجامَعة الحائض والإتيانِ في غير المأتَى.
* * *
(٢٢٣) - ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ إشارةٌ إلى أن الغرض الأصليَّ (٢) من الإتيان المأمور به طلبُ النسل لا مجرَّدُ قضاء الشهوة، وإلى وجه النهي الذي قُصد بطريق المفهوم،
стр. 656
شبَّههن (١) بالمحارث تشبيهًا لإلقاء النُّطف في الأرحام للنسل بإلقاء البذر (٢) في الأرض للزرع، ولمَّا كان التشبيه المذكور مترتَبًا على هذا التمثيلِ المتروك ترتُّبَ اللازم على الملزوم، لم يبعد أن يسمَّى تمثيلًا على سبيل الكناية، والقومُ قد غفلوا عن هذا النوع من التمثيل.
﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ كما يأتي الحراثون مَحارثهم من أيةِ جهةٍ شاؤوا بعد مراعاةِ موضع الحرث، عبّر به عن وجوه الإتيان المختلفةِ مع اتحاد المائى (٣) تمثيلًا لحالهم بحالهم.
رُوي: أن اليهود كانوا يقولون: مَن جامَعَ امرأته وهي مُجئيةٌ (٤) من دبرها في قبلها كان ولدها أحولَ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "كذبت اليهود" فنزلت (٥).
﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الخيرَ والذُّخر بطاعة الله (٦) تعالى فيما أَمر به ونَهى عنه في هذه الآية.
وقيل: النيَّةَ الخالصةَ؛ أي: لا تقتصِروا (٧) على قضاء الشهوة، ولكنِ اقصِدوا التعفُّف والولد.
стр. 657
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بالاجتناب عن المعاصي.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ فلا تجترئوا عليه بمخالفته، وتزوَّدوا بما لا تَفتَضِحون به.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المستوجِبينَ للمدح والكرامة بترك القبائح والفواحش.
* * *
(٢٢٤) - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً﴾ العُرضة فُعْلةٌ بمعنى المفعول كالغُرْفة (١)، تُطلق لِمَا يَعرِضُ دون الشيء.
﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾ يتعلق بـ ﴿عُرْضَةً﴾؛ أي: حاجزًا لأيمانكم؛ إذ في العُرضة معنى الاعتراضِ والمنع. أو بالفعل؛ أي: لا تجعلوا لأيمانكم حاجزًا (٢).
﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ عطفُ بيانٍ لـ (أيمانِكم) أي: للأمور المقسَم عليها التي هي البرُّ والتقوى والإصلاحُ بين الناس، ويجوز أن يكون اللام
стр. 658
للتعليل و ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ وما عطفٌ عليه متعلقًا بالفعل، أي: ولا تجعلوا الله عرضةً لأنْ تبرُّوا لأَجْل أيمانكم به، أو بـ ﴿عُرْضَةً﴾، أي: ولا تجعلوه مُعرَّضًا لأيمانكم فتبتذِلوه بكثرة الحَلِف، ولذلك ذَمَّ الحلَّاف بقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]، و ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ علة للنهي؛ أي: أنهاكم عنه إرادةَ بِرِّكم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس، فإن الحلَّاف مجترئٌ على الله، والمجترئُ عليه (١) لا يكون بَرًّا متَّقيًا ولا موثوقًا به في إصلاح البين.
نزلت في الصِّدِّيق ﵁ لمَّا حلف أنْ لا ينفق على مِسْطَحٍ لافترائه على عائشة ﵂ (٢).
وقيل: في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يكلِّم خَتَنَه بشيرَ بنَ النعمان، ولا يُصلحَ بينه وبين أخته (٣).
﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لأيمانكم.
﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّاتكم فيجازيكم بحسَبها (٤)، وهو وعيدٌ على كثرة الحلِف، وعلى جعله مانعًا لشيء من أنواع البِرِّ والتقوى.
* * *
(٢٢٥) - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ اللغو: الشيءُ الساقط الذي لا يُعتدُّ به من كلامٍ
стр. 659
وغيره، فاللغو من اليمين: هو الذي لا عَقْدَ له كما سبق به اللسان أو تكلَّم به جاهلًا بمعناه؛ كقول العرب وغيرهم في أثناء الكلام للتأكيد: لا والله، وبلَى والله، ولا يخطر ببالهم الحلفُ بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهو قصدُ القلب لعقدِ اليمين، والمعنى: لا يؤاخذكم الله بعقوبةٍ ولا كفَّارة بما لا قصد معه، ولكن يؤاخذكم بواحدٍ منهما بما قصدْتُم من الأيمان.
وقال أبو حنيفة: اللغو أن يحلفَ الرجل بناءً على ظنِّه الكاذب، والمعنى: لا يعاقبكم بما أخطأتم فيه من الأيمان، ولكنْ يعاقبُكم بما تعمَّدْتم الكذب فيها، ولا يساعدُه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
﴿وَاللَّهُ غَفُور﴾ حيث لم يؤاخذ (١) باللغو.
﴿حَلِيمٌ﴾ حيث لم يعجِّل بالمؤاخَذة على يمينِ الجِدِّ تربُّصاً للتوبة.
* * *
(٢٢٦) - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ أي: يحلفون على أن لا يجامعوهنَّ، والإيلاء: الحلِفُ، وتعديته بـ (على)، إلا أنه ضمِّن في هذا القسَم معنى الامتناع فعدِّي بـ ﴿مِنْ﴾؛ أي: يمتنعون (٢) من نسائهم مُقْسِمين.
ويجوز أن يكون المقسَم عليه محذوفاً والمراد: لهم من نسائهم ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾؛ كقولك: لي منك كذا.
стр. 660
والتربُّص: الانتظار والتوقُّف، أُضيف إلى الظرف على الاتِّساع؛ أي: للمؤلى التلبُّثُ في هذه المدة فلا يلزمه شيء فيها، وهذا لا ينافي وقوع (١) الطلاق البائنِ عند مضيِّها كما قال أبو حنيفة، ولا يقتضي أن تكون مدة الإيلاء أكثر مما ذكر كما (٢) قاله الشافعي، ولا دلالة في الفاء في قوله:
﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ على ذلك؛ لأنها للتعقيب، فإنَّ التفصيل بالفَيئة - وإن كانت قبل مُضيِّ المدة أو وقوعِ الطلاق - يَعْقُب المفصَّل.
والفيء: الرجوع، أي: إن رجعوا عن هذا الإضرار بترك القُرْبان بأنْ تقرَّبوا في المدة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يَغفر للمُؤلين ما أرادوا به إضرار النساء؛ لأَجْل الفَيئة التي بمثابةِ التوبة.
﴿رَحِيمٌ﴾ حيث أجاز لهم الحِنْثَ، وقَبِل منهم الكفَّارةَ، ورَفع عنهم الذَّنب.
* * *
(٢٢٧) - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ العزم هو العقدُ على الإمضاء.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ بما جرى بينكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما قصدْتُموه.
* * *
(٢٢٨) - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
стр. 661
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ يعني: اللاتي من ذوات الأقراء بقرينةِ الخبرِ، عامٌّ مخصَّصٌ بالمدخول بهنَّ من الحرائر بالنصوص الدالَّةِ على اختصاص الحُكم الآتي ذكرُه بهنّ (١).
﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ إخبار في معنى الأمر، وإنما عُدل عن الظاهر للتأكيد وإظهارِ الاعتناء بالمبادَرة إلى الامتثال والمسارَعة (٢) كأنهن امتثلْنَه، وأُخبر عنه موجوداً كما يقال في الدعاء: رحمك الله، شغفًا بالإجابة وثقةً بها، كأن الرحمة وقعت فأُخبر عنها، وبناؤها على المبتدأ زاده فَضْلَ تأكيدٍ لم يكن لو قيل: يتربصن المطلقات.
وفي قوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ زيادةُ تحريضٍ وبعثٍ وتهييجٍ لهن على التربُّص وقمعِ الأنفُس، وذلك أن أنفُس النساء طوامحُ إلى الرجال، فإذا أُمرن أن يقمَعْنَها وَيغْلِبْنها على الطموح يَستنكِفْن فتحملُهنَّ حميّتهن على التربُّص بها.
﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ انتَصب على أنه مفعولٌ به، كقولك: المحتكر يتربَّص الغلاءَ، أي: يتربَّصنَ مُضيَّ ثلاثةِ قروءٍ. أو على أنه ظرفٌ، أي: يتربَّصن مدةَ ثلاثةِ قروء.
والقروء: جمع القرء بالضم والفتح، وهو لفظٌ مشترَكٌ بين الحيض والطُّهر بإجماعِ أهل اللغة، وقد ورد الشرعُ في كلِّ واحدٍ منهما:
قال ﵇ لامرأة: "دَعِي الصلاة يوم قرئك" (٣) " أي: حيضك.
стр. 662
وقال لعبد الله بن عمر ﵄: "إن من السُّنَّة أن تطلِّقها في كلِّ قرءٍ تطليقة" (١)؛ أي: في كلِّ طُهرٍ.
وقال أبو حنيفة: إن المراد من القرء هنا الحيض.
وقال الشافعي: المراد الطهر.
وقوله ﵇: "طلاقُ الأَمَة تطليقتان وعِدَّتُها حيضتان" (٢) صريحٌ في الأول.
وإنما جاء المميِّز على جمع الكثرة دون القلَّة التي هي الأقراءُ اعتبارًا لِمَا في (المطلَّقات) من معنى العموم، فإن المعنى: ليتربصْ كلُّ واحدة من المطلَّقات ثلاثةَ قروء، فلمَّا أُسند إلى جماعتهن والواجبُ على كلِّ واحدة منهنَّ ثلاثةٌ (٣)، أُتي بلفظ القرء ليدلَّ على الكثرة المرادة، وإمَّا الأنفُس فكأنَّ النكتة في تقليلها الإيماءُ إلى أن التطليق ينبغي أن يكون قليلَ الوقوع من الرجال.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الولد بأن (٤) يكتُمن حملهنَّ استعجالًا للطلاق مخافةَ أنْ يَنتظِرَ الزوج لطلاقها أن تضع، أو يشفِقَ على الولد فلا يطلِّقَ.
وقيل: من الحيض، بأن تقول: طهرت، وهي حائضٌ؛ استبطاءً للفراق.
стр. 663
ويجوز أن يكون الكتمان كنايةً عن إرادتهن إسقاطَ ما في أرحامهنَّ من الأجنة، فلا يعترفنَ بهنَّ، وفيه دليل على أن قولها مقبولٌ في ذلك.
﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تعظيم لفعلهن وإثمهن؛ أي: لا يفعل ذلك مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يَجترِئُ على مِثْل هذه العظائم. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾، أي: أزواجُ المطلَّقات، والبعولُ: جمع بعلٍ، والتاءُ لاحقةٌ لتأنيثِ الجمع، وإنما سُمي زوج المرأة بعلًا لأنَّه سيِّدُها ومالكُها، ذكره الأزهريُّ (١)، ومن هنا تبيَّن وجهُ التعبير عنه بالبعل فإن الحكم الآتيَ ذكرُه مخصوصٌ بصورة الطلاق الرجعيِّ الذي لا يزولُ به مِلكُ النكاح، وفي عبارة البعل إشارة إليه.
﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾؛ أي: برجعتهنَّ، ومعنى ﴿أَحَقُّ﴾: أنَّ الرجل إذا أراد الرجعةَ وأَبَتْها المرأة فهو أحقُّ بقبولِ قوله، لا أن لها حقًّا في الرجعة.
﴿فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: في زمان التربُّص.
﴿إِنْ أَرَادُوا﴾؛ أي: بالرَّجعة.
﴿إِصْلَاحًا﴾ بينهم وبينهنَّ لا ضِرارًا، والمراد: التحريضُ عليه (٢)، والمنعُ من قَصْد الإضرار، لا بيانُ اشتراطِ صحة الرجعة بقصدِ الإصلاح.
﴿وَلَهُنَّ﴾ من الحقوق على الرجال ﴿مِثْلُ الَّذِي﴾ للرجال ﴿عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالوجه الذي لا يُنكر في الشرع والعادةِ الجميلة، أي: لا يكلِّف أحد الزوجين صاحبَه ما لا يُستحسن في الشرع ولا يعنِّف به، ولكنْ يسامحُه ويسهِّل.
стр. 664
والمراد بالمماثلة: مماثلةُ الواجب بالواجب والمستحبِّ بالمستحبِّ، لا الاتِّحادُ في الجنس (١).
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ الدرجة نحو المنزلة، لكن تقال إذا اعتُبرت بالصعود دون الامتداد على البسيط كدرجة السلم، ويعبَّر بها عن المنزلة الرفيعة؛ أي: زيادةُ فضيلةٍ بقيامهم عليهنَّ وإنفاقهم في مصالحهنَّ بعدما تَساويًا في نَيل اللَّذة.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ على الانتقام بمن (٢) خالَفَ الأحكام.
﴿حَكِيمٌ﴾ شَرَعها لحِكَمٍ ومصالح.
* * *
(٢٢٩) - ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، يعني: التطليق الشرعيُّ كرَّتان على التفريق تطليقةٌ بعد تطليقةٍ يعقُبها رجعةٌ، لا تطليقتان على التَّثنية والإرسالِ دفعةً واحدةً، ولا التطليقُ البائنُ واحدًا كان أو اثنين؛ لقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾؛ أي: فأمرُ الزوج بعدهما إمساك، أو (٣) فعليه إمساكٌ، ولا يَخْفَى ما في عبارة الإمساك من الدلالة على استدامة المِلك، وهي لا تبقى بعد البائن.
﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بحُسْنِ عِشرةٍ، وما يُعرف شرعًا من القيام بمَواجبها.
стр. 665
﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ بأنْ لا يراجعَها حتى تَبينَ بالعِدَّة.
﴿بِإِحْسَانٍ﴾ بأنْ لا يراجعَها مراجعةً يريد بها الضِّرارَ وتطويلَ العِدَّة عليها.
وقيل: التسريحُ أن يطلِّقها الثالثةَ في الطُّهر الثالث، وروي: أن سائلًا سأل رسول الله ﷺ : أين الثالث؟ فقال ﵇: " ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ " (١).
وظاهرُ الآية حجةٌ على الشافعيِّ في قوله: لا بأس بإرسالِ الثلاث. ولا متمسَّك له في حديث العَجْلاني الذي لاعَنَ امرأته، فطلَّقها ثلاثًا بين يدي رسول الله ﷺ ولم ينكِرْ عليه (٢)، لعدم الدليل بتأخّره عن نزول الآية.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أيها الأزواج.
﴿أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من الصَّداق (٣).
﴿شَيْئًا﴾ قليلًا.
﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾: إلا أن يخافَ الزوجان، استثناءٌ مفرَّغٌ، و ﴿أَنْ يَخَافَا﴾ نصبٌ على الظرف، أو مفعولٌ له، الْتفاتٌ كأنهم إذا رضوا بالخلع وهمُّوا بالأخذ وقعوا في حدِّ البُعد ولم (٤) يَستأهلوا للخطاب، لعدم إنصافهم وعدالتهم، واحتياجهم إلى الأئمَّة والحكَّام، فخوطبوا بما يأتي.
ويجوز أن يكون الخطاب الأولُ أيضًا للحكام وإنْ لم يكن الأخذُ والإيتاء منهم؛ لأنهم الآمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافُع إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون.
стр. 666
وقرئ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ على البناء للمفعول (١) وإبدالِ ﴿أَنْ﴾ بصلته عن الضَّمير بدلَ الاشتمال.
وقرئ: (يَظُنَّا) (٢)، ويؤيدُه تفسير الخوف بالظنِّ.
﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ بتركِ إقامة حدود الله فيما يَلزمُهما من مَواجِب الزوجية؛ لمَا يحدُث من نشوز المرأة وسوء خلقها.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها الحكام أن لا يقيما حدود الله بتركهما إقامةَ الحدود (٣) المذكورة.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ أي: لا جناحَ على الزوج فيما أخذ، ولا على المرأة فيما بذَلت وافتَدت به نفسَها، واختَلَعت به من الصداق، أو الزيادةِ عليه على كُرْهٍ.
رُوي أن جميلة أختَ عبد الله بن أبيٍّ كانت تحت ثابتِ بن قيس، وكانت تُبغضه وهو يحبُّها، فأتت رسول الله ﵇ فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أَعيب عليه في دِينٍ ولا خُلُقٍ، ولكنِّي أكره الكفر في الإسلام (٤)، ما (٥) أطيقُه بغضًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عِدَّةٍ، فإذا هو أشدُّهم سوادًا وأقصرُهم قامةً وأقبحُهم وجهًا. فنزلت. وكان قد
стр. 667
أصدقها حديقةً فاختلعت (١) منه بها، وهو أول خُلعٍ كان في الإسلام (٢).
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما حُدَّ من الأحكام.
﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ عدَل عن الضمير إلى الظاهر للتفخيم.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ تعقيبٌ للنهي (٣) بالوعيد مبالغةً في التهديد.
* * *
(٢٣٠) - ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ متعلِّق بقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ تفسيرٌ لقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ اعتَرض بينهما ذكرُ الخلع دلالةً على أن الطلاق يقع مجَّانًا تارةً وبعِوَضٍ أخرى.
والمعنى: فإن طلقها بعد الثنتين ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾؛ أي (٤): من بعدِ ذلك التطليق.
стр. 668
﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾، أي: تتزوَّجَ ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والنكاحُ يستندُ إلى كلٍّ منهما كالتزوُّج (١)، يقال: فلانةُ ناكحٌ في بني فلانٍ.
وتمسَّك ابن المسيِّب بدلالةِ ﴿حَتَّى﴾ على انتهاء الحرمة بتزوُّجها زوجًا آخر في الاقتصار على العقد في التحليل (٢).
فإن قلتَ: أليست الحرمةُ باقية إلى أن يطلِّقها وتنقضيَ عِدَّتُها.
قلتُ: بل تنتهي تلك الحرمةُ بالعقد، وتَحدث حرمةٌ أخرى هي أثرُه.
والجمهور على أنه لا بد من الإصابة؛ لحديث العُسيلة (٣)؛ ويجوز به انتساخُ حكم الغاية وإن كان ثبوته (٤) منطوقًا لا مفهومًا؛ لأنَّه حديث مشهورٌ تلقَّته الأمةُ بالقبول.
ومنهم مَن دَقَّق (٥) وقال: إنَّ شرط الدخول ثابتٌ بنصِّ الكتاب؛ لأن المراد من التزوُّج الإصابةُ على أنها كناية عن حظِّها من الشرط المذكور (٦)، أو الكلامُ على
стр. 669
القلب؛ كقوله: أدخلتُ الخاتم في الإصبع، والمعنى: حتى ينكحها زوجٌ آخَرُ، ولا بد من المصير إلى أحدِ هذين الوجهين كيلا يضيعَ قولُه: ﴿زَوْجًا﴾، والحكمةُ في هذا الحُكم الردع عن التسرع إلى الطلاق.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾؛ أي: الزوج الثاني وانقضت العِدَّة، وهذا القيدُ معلوم من موضعٍ آخر، ولهذا لم يذكر، والفاءُ لتفريع صحة المراجعة بعد تطليقه إياها على ما تقدَّم من ثبوت التحليل بالتزويج به.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾؛ أي: يرجعَ كلٌّ من الزوجِ الأول والمرأةِ إلى صاحبه بالمزاوجة.
﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ حقوقَ المعاشرة وما يجب عليهما من حُسن المصاحَبة.
ومَن فسَّر الظن بالعلم فقد وَهِمَ من جهة اللفظ والمعنى؛ لأنَّه لا يقال: علمت أن يقوم زيد؛ لأنَّ (أنْ) الناصبةَ للتوقُّع، وهو ينافي العلمَ، وأنَّ المستقبل غيبٌ فلا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا الظن ليس بشرط في صحة النكاح، بل في إباحته ورفعِ الإثم؛ لأن العقد صحيحٌ وإنْ ظنَّا أنْ لا يُقيما حدود الله.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: الأحكامُ المذكورة.
﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: يفهمون ويعملون بموجَب العلم.
* * *
(٢٣١) - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
стр. 670
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أريدَ بالأجل آخرُ المدة، وبالبلوغ مشارفتُه والقربُ منه على الاتِّساع؛ لقوله:
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إذ لا إمساك (١) بعد البلوغ حقيقةً.
﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لمَّا أُعيد ذكرُ الرَّجعة علِّق التسريح بالمعروف تنبيهًا على أنه إن لم تُراعُوا في تسريحها الإحسانَ فراعُوا فيه المعروف، كما قال بعض الناس لسلطان: إن لم تُحْسِنْ فعدلًا.
وهذه الآية ظاهرُها إعادةُ حكم ما تقدَّم، إلا أن الأُولى لبيان جواز الرجعة بعد التطليقة والتطليقتين وهذه لبيان جوازها ما دامتْ في العِدَّة.
وإنما خَصَّ المشارفة بالذكر لأنهم كانوا يطلِّقون المرأة فيتركونها حتى تُشارف انقضاءَ العِدَّة ثم يراجعونها إضرارًا بها، فنهوا عنه بقوله:
﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ بعد الأمر بضدِّه مبالغةً، ونُصب ﴿ضِرَارًا﴾ على أنه مفعولٌ له، أي: للمُضارَّة، أو حالٌ؛ أي: مُضارِّين.
﴿لِتَعْتَدُوا﴾: لتظلموهنَّ بتطويل العِدَّة، أو إلجائها إلى الافتداء، واللام متعلِّقة بالضِّرار؛ إذ المرادُ تقييده.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بتعريضها لعقاب الله تعالى.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ بالإعراض عنها والتهاوُنِ في العمل بما فيها، من قولهم لمن لم يَجِدَّ في الأمر: إنما أنت هازئٌ، كُني بالنهي عن الهزء عن الأمر بالجدِّ.