← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وقرئ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ على البناء للمفعول (١) وإبدالِ ﴿أَنْ﴾ بصلته عن الضَّمير بدلَ الاشتمال. وقرئ: (يَظُنَّا) (٢)، ويؤيدُه تفسير الخوف بالظنِّ. ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ بتركِ إقامة حدود الله فيما يَلزمُهما من مَواجِب الزوجية؛ لمَا يحدُث من نشوز المرأة وسوء خلقها. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها الحكام أن لا يقيما حدود الله بتركهما إقامةَ الحدود (٣) المذكورة. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ أي: لا جناحَ على الزوج فيما أخذ، ولا على المرأة فيما بذَلت وافتَدت به نفسَها، واختَلَعت به من الصداق، أو الزيادةِ عليه على كُرْهٍ. رُوي أن جميلة أختَ عبد الله بن أبيٍّ كانت تحت ثابتِ بن قيس، وكانت تُبغضه وهو يحبُّها، فأتت رسول الله ﵇ فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أَعيب عليه في دِينٍ ولا خُلُقٍ، ولكنِّي أكره الكفر في الإسلام (٤)، ما (٥) أطيقُه بغضًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عِدَّةٍ، فإذا هو أشدُّهم سوادًا وأقصرُهم قامةً وأقبحُهم وجهًا. فنزلت. وكان قد

стр. 667

أصدقها حديقةً فاختلعت (١) منه بها، وهو أول خُلعٍ كان في الإسلام (٢). ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما حُدَّ من الأحكام. ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ عدَل عن الضمير إلى الظاهر للتفخيم. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ تعقيبٌ للنهي (٣) بالوعيد مبالغةً في التهديد. * * * (٢٣٠) - ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ متعلِّق بقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ تفسيرٌ لقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ اعتَرض بينهما ذكرُ الخلع دلالةً على أن الطلاق يقع مجَّانًا تارةً وبعِوَضٍ أخرى. والمعنى: فإن طلقها بعد الثنتين ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾؛ أي (٤): من بعدِ ذلك التطليق.

стр. 668

﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾، أي: تتزوَّجَ ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والنكاحُ يستندُ إلى كلٍّ منهما كالتزوُّج (١)، يقال: فلانةُ ناكحٌ في بني فلانٍ. وتمسَّك ابن المسيِّب بدلالةِ ﴿حَتَّى﴾ على انتهاء الحرمة بتزوُّجها زوجًا آخر في الاقتصار على العقد في التحليل (٢). فإن قلتَ: أليست الحرمةُ باقية إلى أن يطلِّقها وتنقضيَ عِدَّتُها. قلتُ: بل تنتهي تلك الحرمةُ بالعقد، وتَحدث حرمةٌ أخرى هي أثرُه. والجمهور على أنه لا بد من الإصابة؛ لحديث العُسيلة (٣)؛ ويجوز به انتساخُ حكم الغاية وإن كان ثبوته (٤) منطوقًا لا مفهومًا؛ لأنَّه حديث مشهورٌ تلقَّته الأمةُ بالقبول. ومنهم مَن دَقَّق (٥) وقال: إنَّ شرط الدخول ثابتٌ بنصِّ الكتاب؛ لأن المراد من التزوُّج الإصابةُ على أنها كناية عن حظِّها من الشرط المذكور (٦)، أو الكلامُ على

стр. 669

القلب؛ كقوله: أدخلتُ الخاتم في الإصبع، والمعنى: حتى ينكحها زوجٌ آخَرُ، ولا بد من المصير إلى أحدِ هذين الوجهين كيلا يضيعَ قولُه: ﴿زَوْجًا﴾، والحكمةُ في هذا الحُكم الردع عن التسرع إلى الطلاق. ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾؛ أي: الزوج الثاني وانقضت العِدَّة، وهذا القيدُ معلوم من موضعٍ آخر، ولهذا لم يذكر، والفاءُ لتفريع صحة المراجعة بعد تطليقه إياها على ما تقدَّم من ثبوت التحليل بالتزويج به. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾؛ أي: يرجعَ كلٌّ من الزوجِ الأول والمرأةِ إلى صاحبه بالمزاوجة. ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ حقوقَ المعاشرة وما يجب عليهما من حُسن المصاحَبة. ومَن فسَّر الظن بالعلم فقد وَهِمَ من جهة اللفظ والمعنى؛ لأنَّه لا يقال: علمت أن يقوم زيد؛ لأنَّ (أنْ) الناصبةَ للتوقُّع، وهو ينافي العلمَ، وأنَّ المستقبل غيبٌ فلا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا الظن ليس بشرط في صحة النكاح، بل في إباحته ورفعِ الإثم؛ لأن العقد صحيحٌ وإنْ ظنَّا أنْ لا يُقيما حدود الله. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: الأحكامُ المذكورة. ﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: يفهمون ويعملون بموجَب العلم. * * * (٢٣١) - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

стр. 670

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أريدَ بالأجل آخرُ المدة، وبالبلوغ مشارفتُه والقربُ منه على الاتِّساع؛ لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إذ لا إمساك (١) بعد البلوغ حقيقةً. ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لمَّا أُعيد ذكرُ الرَّجعة علِّق التسريح بالمعروف تنبيهًا على أنه إن لم تُراعُوا في تسريحها الإحسانَ فراعُوا فيه المعروف، كما قال بعض الناس لسلطان: إن لم تُحْسِنْ فعدلًا. وهذه الآية ظاهرُها إعادةُ حكم ما تقدَّم، إلا أن الأُولى لبيان جواز الرجعة بعد التطليقة والتطليقتين وهذه لبيان جوازها ما دامتْ في العِدَّة. وإنما خَصَّ المشارفة بالذكر لأنهم كانوا يطلِّقون المرأة فيتركونها حتى تُشارف انقضاءَ العِدَّة ثم يراجعونها إضرارًا بها، فنهوا عنه بقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ بعد الأمر بضدِّه مبالغةً، ونُصب ﴿ضِرَارًا﴾ على أنه مفعولٌ له، أي: للمُضارَّة، أو حالٌ؛ أي: مُضارِّين. ﴿لِتَعْتَدُوا﴾: لتظلموهنَّ بتطويل العِدَّة، أو إلجائها إلى الافتداء، واللام متعلِّقة بالضِّرار؛ إذ المرادُ تقييده. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بتعريضها لعقاب الله تعالى. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ بالإعراض عنها والتهاوُنِ في العمل بما فيها، من قولهم لمن لم يَجِدَّ في الأمر: إنما أنت هازئٌ، كُني بالنهي عن الهزء عن الأمر بالجدِّ.

стр. 671

قيل: كان الرجل يطلِّق ويُعتق ويتزوَّج، ويقول: كنتُ لاعبًا، فنزلت (١). وعن النبي ﷺ : "ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزْلُهنَّ جِدٌّ: الطلاقُ والنكاحُ والرَّجعة" (٢). ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ التي من جملتها الهدايةُ إلى الإسلام، وبعثةُ محمد ﵇، والمراد من ذكرها: مقابَلتُها بالشكر والقيام بحقَّها، وفي الكناية بالذكر عن الشكر تنبيا على أنها نعمة جليلة بحيث تذكيرُها كافٍ في إيجاب شكرها والقيامِ بحقها، والمانعُ عنه ليس إلا الغفلةَ عنها. ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ النزول على النبي ﵇، إلا أنه لمَّا كان لمصلحتهم نُزِّل منزلةَ النازل عليهم. ﴿مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾: الكتابُ والسنَّةُ، وقد مروجه مناسَبة الحكمة بالسُّنة، وإنما أفردهما بالذِّكر لشرفهما. ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾: بما أنزل عليكم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: لا تُخالفوا أمرَه ونهيه. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وعدٌ ووعيدٌ، وتأكيدٌ (٣) وتهديا، والعُدول (٤) عن الضمير إلى الاسم الظاهر للتفخيم. * * *

стр. 672

(٢٣٢) - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، أي: انقضت عدَّتُهن، لقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ العَضْل: المنع مع تضييقٍ؛ يقال: عَضَّلتِ الدَّجاجةُ ببيضِها والمرأةُ بولدها. والخطاب لا يجوز أن يكون للأزواج بدلالةِ ما رَوَى البخاري والترمذي وأبو داود: أن الآية نزلت في مَعقِلِ بن يسارٍ، وكانت أخته تحت ابنِ عمٍّ له فطلَّقها طلقةً، فلقَا انقضت عدَّتها خطبها وهي تريد أن ترجع إليه، فقال معقلٌ: لا أُزوِّجُكها أبدًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فدعاه النبيُّ ﷺ فتلاها عليه، فقال: سمعًا لربِّي وطاعة (١)، والحكمُ الوارد في سببٍ لا يصحُّ أن يكون السببُ خارجًا عنه وإنْ أريد معه غيرُه (٢). ولا أن يكون للأولياء؛ لِمَا فيه من تنافُر الخطاب من الأزواج قبل تمام الكلام إلى الأولياء، فإن خطاب (إذا طلَّقتم) لا يصلُح للأولياء قطعًا. فالوجه أن يكون للناس، ليتناول عَضْلَ الأزواج والأولياء جميعًا، مع السلامة عن المحذور المذكور، والمعنى: لا يوجدْ بينكم (٣) عضل أيها الناس، ولا يخفى ما

стр. 673

فيه من تهويلِ أمر العضل بأنَّ من حقِّ الأولياء أنْ لا يَحوموا حوله، وحقِّ الناس كافةً أن ينصروا المظلومَ إذ ذاك. ولا متمسَّك للشافعي في الآية على أنَّ النكاح لا ينعقد بعبارة النساء؛ إذ لا يلزم من قدرة الأولياء على منعهن أن يكون النكاح بعبارتهم، وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ صريحٌ في أنه ينعقد بعبارتهن (١). ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ﴾: إذا تراضى الخطَّاب والنساء، وهو ظرفٌ لـ (أنْ يَنكِحْنَ) أو لـ (لا تعضُلوهنَّ). ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالوجه الجميل في الدين والمروءة، حالٌ عن الضمير المرفوع، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: تراضيًا كائنًا بالمعروف. ﴿ذَلِكَ﴾ الإشارةُ إلى ما مضى ذكرُه، والخِطاب لكلِّ أحدٍ، أو للرسول؛ للدلالة على أن حقيقة المشار إليه أمرٌ لا يكاد يتصوَّره كلُّ أحد. ويجوز أن تكون الكاف لمجرَّد الخطاب والفرقِ بين الحاضر والمنقضي، دون تعيين المخاطَبين. ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ لأنَّه المتَّعظ والمنتفع. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: العملُ بمقتضَى ما ذكر. ﴿أَزْكَى﴾: أنفع. ﴿لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ من دَنَس الآثام. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه من النفع والفلَاح.

стр. 674

﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ لقصور عِلمكم. * * * (٢٣٣) - ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ إخبارٌ في معنى الأمر، للمبالغة في الحثِّ على الإرضاع، فإن الأمر لمَّا كان للاستحباب دون الإيجاب - على ما دلَّ عليه التعليق بالإرادة - احتيج إلى المبالغة فيه، والحملُ على الوجوب والتخصيص بما إذا لم يرتضع الصبيُّ إلا من أمه، أو لم يوجد له ظئرٌ أو عجز الوالد عن الاستئجار، يأباه تعيين المدة والتعليقُ المذكور. ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ صفةٌ مؤكِّدة لـ ﴿حَوْلَيْنِ﴾ كما في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] لأنَّه مما يُتسامح فيه، كما في قوله ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، أي: ذلك لمن أراد إتمام (١) الرضاعة، قيل: متعلِّق بـ ﴿يُرْضِعْنَ﴾ فإن الأب يجب عليه الإرضاعُ كالنفقة، والأمُّ ترضع له، وفيه ما مر من أن التعليق بالإرادة لا يناسب الوجوب (٢)، وقد نبَّه على هذا مَن قال: ودلَّ هذا على

стр. 675

أنَّ النقصان عن ذلك والزيادةَ عليه عند وقوعِ الكفاية بما دونها والحاجةِ إلى الزيادة جائزان، حيث علِّق ذلك بالإرادة. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾، أي: الذي حُكم له الولد شرعًا بموجب قوله ﵇: "الولد للفراش" (١) وإن لم يكن والدَه حقيقةً (٢)، و ﴿لَهُ﴾ في محل الرفع على الفاعلية؛ نحو ﴿عَلَيْهِمْ﴾ في: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ومن الفرق (٣) بين المولود والولد باختصاص الأول بالصغير - على ما ذكره المطرِّزي (٤) - تَبيَّن لطفُ موقعه. ثم إن في العبارة المذكورة إشارةً إلى علة بناء الحكم، كما في قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [يوسف: ٢٣]؛ لأن الذي وُلد له وجَب عليه الرزقُ والكسوة إذا أرضعت ولده كالظئر، بناء على ما تقرر من أن الغُنم بالغُرم، وعلى هذا تكون مُؤنتها على المولى إذا وُلد الولد من جاريته التي تحت نكاح الغير؛ لأنَّه المولودُ له حقيقةً في هذه الصورة، ومن هنا اتَّضح أن المولود له أعمُّ من الوالد، لانتظامه ما لا يكون والدًا من صاحب الفراش والمولى. ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أراد بالرزق: المأكولَ والمشروب، ولهذا ذكر الكسوة بعده. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ نظرًا إلى الجانبين.

стр. 676

﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الوسع: ما احتَملته (١) الطاقة؛ أي: لا يُحمَّلُ أحدٌ إلا ما يطيقه، فلا يكلَّف المولودُ له ما لا يُطيق من الأجر، ولا الوالدة ما لا تستطيع من العمل، ولا الرضا بما لا يكفيها من الأجر، وهذه الآية كالتي في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٦ - ٧]. ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ تفصيلٌ لِمَا تقدم وتقريرٌ له؛ أي: لا يضارَّ واحدٌ منهما الآخرَ بسبب الولد، وإضافة الولد إليها تارةً وإليه أخرى استعطافٌ لهما عليه، وتنبيهٌ على أنه حقيقٌ بأنْ يتَّفقا على استصلاحه والإشفاقِ عليه، فلا ينبغي أن يَضُرَّا به (٢) أو يَتضارَّا بسببه. وقُرئ: ﴿لا تضارَّ﴾ بالرفع على الإخبار (٣). وَيحتمِل (٤) البناءَ للفاعل والمفعول، على أن الأصل: تضارِر بكسر الراء وتضارَر بفتحها (٥). وقرئ: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ بالفتح على النهي (٦).

стр. 677

وعلى الوجه الأول (١) يجوز أن يكون بمعنى: تضرَّ (٢)، والباء من صِلَته، أي: لا يضرَّ الوالدان بالولد فيفرِّطا (٣) في تعهُّده ويقصِّرا (٤) فيما ينبغي له. وقرئ: (لا تُضارّ) بالسكون مع التشديد على نيَّة الوقف، وبه مع التخفيف على أنه من ضارَه يَضيره (٥). ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ وما بينهما معترِضٌ، والمراد بالوارث: وارثُ المولود له على العموم أو الصبيُّ نفسه، أو وارثُ الصبيِّ على العموم، أو بقيدِ أن يكون ذا رَحِمٍ محرَمٍ من الصبيِّ بحيث لا يجوز بينهما النكاحُ على تقديرِ أن يكون أحدهما ذكرًا والآخرُ أنثى، أو بقيدِ أن يكون أحدَ أصوله من الآباء والأمهات والأجداد والجدات، أو بقيدِ أن يكون من عصّبته. وأمَّا جعلُ ﴿الْوَارِثِ﴾ بمعنى: الباقي، وإن كان صحيحًا لغةً فقلقٌ في هذا المقام؛ إذ ليس لقولنا: فالنفقة على الأبِ وعلى مَن بقي مَن الأبِ والأمِّ، معنًى يُعتدُّ به. و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما وجب على المولود له من الرزق والكسوة.

стр. 678

﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ تفريعٌ على ما تقدَّم من تعليق إتمامِ الحولين على الإرادة، وتصريح بالتوسعة بعد التحديد (١). والفصال: الفطام، سُمي به لأنَّه فصَل بين الغداء والصبيِّ. ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾؛ أي: صادرًا عنهما، والتراضي: اجتماعهما على الرضاء، والتشاوُرُ: اجتماعهما في المشورة، وهي استخراجُ صواب الرأي بإشارةِ المستشار، مِن شَوْر العسل وهو اجتِناؤُه، وإنما أَطلقه ليَنتظِم تشاوُرَ أحدهما الآخر وتشاوُرَهما الثالثَ ممَّن له خبرةٌ في تربية الأطفال وتدبيرهم، وإنما اعتَبرهما لأن العظام قبل تمام الحولين مَظِنّة لُحوق الضرر، فلا بد من اتِّفاقهما: أمَّا المولود له فلأنه حقُّه، وأمَّا الأمُّ فلأنها أعلمُ بحاله وتربيته. والدليل على أن المراد الفطامُ قبل التمام قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ إذ لا يُتصوَّرُ الجُناح بعد تمام مدة الرضاع. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾؛ أي: المراضعَ ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾ يقال: أرضعتِ المرأة الطفلَ واسترضعتُها إياه؛ كقولك: أَنجَحَ الله حاجتي واستَنْجحتُه إياها، فحُذف المفعول الأول استغناءً عنه؛ لعدم القصد إلى خصوص المرضعة. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فيه، وفيه دلالةٌ على أن للأبِ أن يسترضِعَ الولد ويمنعَ الأم عن الإرضاع.

стр. 679

﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى المراضع ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾: ما التَزمْتُم (١) إيتاءَه. وقرئ: ﴿ما آتيتم﴾ (٢) مِن أَتَى إليه إحسانًا: إذا فعَله. وقرئ: (ما أُوتيتم) (٣)؛ أي: ما آتاكم الله وأَقْدَرَكم عليه بالمعروف. متعلِّق بـ ﴿سَلَّمْتُمْ﴾؛ أي: سلَّمتم على الوجه الجميل بالطلاقة والبشاشة، من أطيبِ ما يكون من أموالكم، على أحسن ما يكون من وجوه الإعطاء؛ لتكون طيِّبةَ النفس مشفقةً على الرضيع. وجواب الشرط محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه، وليس التسليم شرطًا لجوازِ الاستئجار، بل هو مندوبٌ إليه لتطييب نفس المرضِعة، ولهذا قيِّد بالمعروف. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ مبالغةٌ في المحافظة على ما شَرَع في الاسترضاع. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ حثٌّ وتهديد. * * * (٢٣٤) - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: يُقبض أرواحهم بالموت، وأصل التَّوفِّي: إتمامُ القبض، وقرئ: (يَتوفَّوْن) بفتح الياء (٤) أي: يَستوفُون أعمارَهم، وهو كناية عن الموت (٥).

стр. 680

﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: يتركون زوجاتٍ، وَيذَرُ مستقبلٌ أُميتَ ماضيهِ ومصدرُه، وكذلك: يَدَع (١). ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾: ينتظِرْنَ بأنفسهنَّ، تقديره؛ يتربَّصْن لوفاتهم (٢)، دل عليه ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ وبه يحصل الربطُ بين المبتدأ والخبر. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾؛ أي: يعتدِدْن هذه المدَّة، ولا حاجة إلى التأويل في (عشرًا)؛ لِمَا نُقل عن أئمة النحو: أنه إذا كان المعدود مذكَّرًا وحذفْتَه فلك فيه وجهان: أحدهما وهو الأصل: أن يبقى العدد على ما كان عليه لو لم تَحذف المعدود، فتقول (٣): صُمت خمسةً، تريد: خمسةَ أيام. والثاني: أن تحذف منه كلمة التأنيث. فقوله: (عشرًا) على أحد الجائزَين، وحسَّنه هنا أنه مقطعُ (٤) كلامٍ شُبِّه بالفواصل (٥). وإطلاقُ اللفظ يقتضي عدمَ الفرق بين المسلمة والكتابية، والحرة والأَمَة، والحامل وغيرها، إلا أن القياس اقتضى تنصيف المدة للأَمَة، والإجماعَ خصَّ

стр. 681

الحامل عنه؛ لقوله (١) تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: انقضت عِدَّتُهن، تفريعٌ على التحديد المذكور. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأئمة وجماعةُ المسلمين. ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التعرُّض (٢) للخطَّاب. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالوجه الذي لا يُنكَر شرعًا، ودلَّ بالفحوى على أنهنَّ لو فعلنَ ما يُنكرُه الشرعُ كان عليهم أن يكفوهنَّ، وإن فرَّطوا كان عليهم الجناح. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وعيذ لهن في ارتكاب المنكَر، وللأئمَّة في التقصير عن المنع. * * * (٢٣٥) - ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ التعريضُ: إيهامُ المقصود بما لم يوضع له حقيقةً ولا مجازًا، وكانه إمالةُ الكلام إلى عُرْضٍ (٣) يدلُّ على الغَرَض.

стр. 682

﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الخطبة بالضم والكسر: اسم الحالة، غير أن المضمومة خُصَّت بالموعظة والمكسورةَ بطلب المرأة. والمراد بالنساء: المعتدَّات، وتعريضُ خُطبتها أن يقال لها: إنك جميلة، أو نافقة، ومن غرضي أن أتزوج، ونحوُ ذلك. ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أو أضمرتُم في قلوبكم فلم تذكروه صريحًا ولا تعريضًا. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ أي: ستُظهِرون رغبتكم فيهنَّ لقلَّة صبركم عن النطق به، وفيه طرفٌ من التوبيخ على التَّحرُّز ابتداءً عمَّا أبيح لحكمة (١). ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ مستدرَكٌ عن محذوفٍ دلَّ ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ عليه؛ أي: فاذكروهنَّ ولكن لا (٢) تواعدوهنَّ سرًا، والسرُّ كنايةٌ عن النكاح بمعنى الوطء؛ لأنَّه مما يُسَرُّ، ثم عبِّر به عن النكاح بمعنى العقد لأنَّه سببٌ فيه. ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ استثناء مفرَّغ، و ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: لا تواعدوهنَّ مواعدةً مّا إلا مواعدةً معروفةً وهي بالتعريض؛ أو (٣): لا تواعدوهنَّ بوجهٍ إلا بأنْ تقولوا قولًا معروفًا غيرَ منكَرٍ في الشرع، ولا يجوز أن يكون استثناءً منقطعًا لفساد المعنى، وهو: واعدوهنَّ التعريضَ، وليس المراد مُواعَدةَ التعريض، بل مواعدةُ النكاح بالتعريض.

стр. 683

وقيل: لا تواعدوهن في السرِّ؛ لأن مُسارَّتهن في الغالب إنما هي بما يُستحيىَ من المجاهرة به لاستهجانه، إلا وقتَ أن تقولوا قولاً جميلاً غيرَ منكر في الشرع، فعلى هذا ﴿أَن تَقُولُوا﴾ في محل النصب بالظرف، ويكون المفعول محذوفاً؛ أي: لا تواعدوهنَّ النكاح في السر. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾؛ أي: لا تقصدوا عَقدَ عُقدةِ النكاح قصداً جازماً لا تردُّدَ معه، نُهي عن العزم ليكون أبلغ في منع الفعل، وتقديرُ المضاف لأن العزم إنما يكون على الفعل كالعقد، لا على نفس العقد (١). وقيل: العزم: القطع، والمعنى: لا تقطعوا عَقْدها؛ أي: لا تُبْرِموه ولا تَلْزَموه، ولا تُقدِموا عليه، فيكون النهيُ عن نفس الفعل لا عن قصده. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: حتى ينتهيَ ما كُتب من العدة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من العزم على ما لا يَحلُّ شرعاً. ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾؛ أي: فاحذروا مؤاخَذتَه بالمَناهي الصادر عن العزيمة (٢). ولمَّا كان السابقُ إلى الفهم مما تقدم المؤاخذةَ بالعزائم على المناهي، دفعَه بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن عزم ولم يفعل خشيةً من اللّه تعالى. ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجلُ بالعقوبة، فلا تغترُّوا بعدم المؤاخذة بالعذاب عاجلاً. * * *

стр. 684

(٢٣٦) - ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا تَبِعةَ عليكم من إيجاب مهرٍ ولُزومه. ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ المسُّ كناية عن الوطء؛ لأن حقيقة المسِّ لا تُوجب المهر إذا لم توجَدْ خلوةٌ صحيحة. ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إمَّا جزمٌ عطفٌ على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: أو لم تَفْرِضوا لهنَّ فريضةً، أو نصب (١) بمعنى: إلا أنْ - أو: إلى أنْ - تفرضوا. وفرضُ الفريضة: تعيين المهر، وهي بمعنى: المفروضة (٢) و ﴿فَرِيضَةً﴾ نصبٌ على المفعول به، فَعيلة بمعنى مفعول، والتاءُ للنقل من الوصفية إلى الاسمية، وَيحتمل المصدر (٣)، وإنما اعتُبر القيدان المذكوران لأنَّه يجب مهرُ المثل في المسِّ وإن لم يُفرض لها شيء، ويجب نصف المسمَّى إذا طلَّقها وإن لم يمسَّها. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ عطف على مقدَّر، أي: فطلِّقوهن ومتِّعوهن؛ أي: ملِّكوهن ما يتمتَّعن به، ويُسمَّى (٤) ذلك متعةً، وأصلُ المتعة والمتاع: ما يُنتفَع به انتفاعاً قليلاً غيرَ باقٍ بل ينقضي عن قريبٍ، وضميرُ النصب عائدٌ على المطلِّقات قبل المسيسِ وقبل الفَرْض. والحكمةُ في أمر المتعة: جبرُ إيحاش الطلاق، وتقديرها مفوَّض إلى رأي الحاكم، ويؤيِّده قوله:

стр. 685

﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ يقال: أوسع الرجلُ: اتَّسع حالُه فصار ذا سَعةٍ وغنًى، والمقترُ: المُقِلُّ، مِن أَقْترَ: إذا افْتَقَر. وقرئ: (قَدرُه) بفتح الدال وبتسكينِها (١)، وهما المقدار؛ أي: على كلٍّ مِن الذي له سعة ومن الفقير الضيِّق الحال قَدرَ يساره وإعساره؛ أي: ما يُطيقه وَيليق به؛ لأن الحد الذي يُطيقه هو الذي يختصُّ به، ويدلُّ عليه قوله ﵇ لأنصاريٍّ طلَّق امرأته المفوّضة (٢) قبل أن يمسَّها: "متِّعها ولو بقَلَنْسوِتكَ، أمَا إنَّها لا تساوي شيئاً، ولكن أحببتُ (٣) أن أُحييَ السُّنة (٤). ﴿مَتَاعًا﴾: تمتيعاً. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالوجه الذي يَستحسِنُه الشرع والمروءة. ﴿حَقًّا﴾ صفةٌ لـ ﴿مَتَاعًا﴾ أي: تمتيعاً واجباً، أو مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: حَقَّ ذلك حقًا.

стр. 686

﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: على الموصوفين (١) بالإحسان من أصحاب المروءات، أو الذين يُحسِنون إلى المطلَّقات بالتمتيع، وسماهم محسِنين للمشارَفة ترغيباً وتحريضاً. ولمَّا أتى بعبارةٍ ظاهرةٍ في الوجوب تأكيداً في الحثِّ، واهتماماً في الترغيب، دَفَعَ ذهابَ الوهمِ إلى معنى الإيجاب حقيقةً بعبارةِ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ بما فيها من الإشارة إلى أنه بطريقِ الإحسان لا بطريقِ الإلزام، ومبنَى هذه الإشارةِ على ما في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] من التنصيص على عدم الإيجابِ فيما يكون إحساناً. * * * (٢٣٧) - ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ لمَّا ذكر حكمَ المفوّضة أتبعه حكمَ قَسيمها. ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فيه دلالة على أن الجُناح المنفيَّ ثمةَ (٢) تَبِعةُ المهر، وأنْ لا متعة مع التشطير لأنَّه قَسيمها. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ الاستثناء مفرَّغٌ و ﴿أَنْ يَعْفُونَ﴾ نصبٌ على الظرف، أي: فعليكم - أو: فالواجب - نصف ما فرضتُم، لا يحلُّ لكم منعُه أبداً إلا وقتَ أن يَعْفونَ،

стр. 687

والنونُ ضمير المطلَّقات في ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ محلُّها الرفعُ بالفاعلية، والواو لامُ الفعل، وقد يَشتبِه (١) في اللفظ بفعل جماعة الذكور، يقال: الرجال يَعْفُونَ، والفرق: أن الواو حينئذ ضمير الرجال، والنونَ علامةُ الرفع، والفعلُ على (٢) الأول مبنيُّ، ولذلك لم يؤثر فيه ﴿أَن﴾، ونُصب المعطوف عليه. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الزوجُ؛ لأن الطلاق بيده، فكان إبقاء العقد بيده، والمراد أن يعطيَها المهر كلَّه، وإطلاقُ العفو عليه بطريقِ المشاكلة. وقيل: هو ولي الصغيرة والبكر، والعفو على حقيقته، وهذا لا يصح؛ لأنَّه لا يملك التبرُّع بحقَ الصغيرة ولا بحق الكبيرة بغير رضاها. ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ خطابٌ للأزواج، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ أي: فضلَ الرجال على النساء، نَدَبَ الزوجَ إلى إكمال المهر؛ إظهاراً للمروءة واعتباراً بالفتوَّة. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: لا يُضيع تفضُّلكم وإحسانكم. * * * (٢٣٨) - ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ بالأداء لوقتها والمداوَمةِ عليها. والأمرُ بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يُلهيهم الاشتغالُ بشأنهم عنها. وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، أي: المتوسِّطةِ بين الصلوات الخمس: ثنتان يوميتان،

стр. 688

وثنتان (١) ليليتان، وهي صلاةُ العصر؛ لمَا روي أنه ﵇ قال يوم الأحزاب: "شَغَلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر ملأ اللّه بيوتَهم ناراً" (٢)، وإنما أُفردت وعُطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل؛ لكونها أشقَّ لاشتغال الناس في وقتها بتجاراتهم. قيل: معنى ﴿الْوُسْطَى﴾: الفُضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط. وقرئ: (والصلاةَ الوسطى) بالنصبِ (٣) على المدح والاختصاص. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ في الصلاة. ﴿قَانِتِينَ﴾: ذاكرين له تعالى في قيامكم، والقنوتُ: الذكر في القيام، وقال زيد بن أَرْقَمَ: كنَّا على عهد النبيِّ ﷺ يكلِّم أحدُنا صاحبَه في الصلاة بحاجته، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤)؟ أي: ساكتين (٥). * * * (٢٣٩) - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدوِّ أو غيره. ﴿فَرِجَالًا﴾ أي: فحافِظوا عليها في حال الخوف أيضاً ولا تؤخِّروها، وصلُّوا

стр. 689

رجالأ، وهي جمع راجلٍ وهو القائمُ على الرِّجل، أو رَجُل أو رَجِلٍ بمعناه، ويجوزُ لهم أداؤها بالجماعة. ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ هي جمع راكب، ولهم أن يصلوا وحداناً بالإيماء وَيسقط عنهم التوجُّهُ إلى القِبلة، ولا يجوز أن يصلُّوا بجماعةٍ عندنا، ولا في حال المشي والمسابقةِ ما لم يُمكنِ الوقوف، وعند الشافعيِّ يصلُّون في كلِّ حال أَخْذاً بما في هذه الآية من الإطلاق. ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾؛ أي: زال خوفُكم. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: فصلُّوا صلاةَ الأمنِ. والذِّكرُ اسمٌ للصلاة. ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾؛ أي: صلُّوا طائفةً واحدة من غيرِ انصرافٍ، وفي حالة الخوف يصلُّون طائفتين وتنصرفُ كلُّ طائفة إلى العدو عند تمام الركعة، على ما يأتي بيانه في سورة النساء بإذن اللّه تعالى. ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ مفعول ﴿عَلَّمَكُمْ﴾. * * * (٢٤٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد مرَّ تفسيره. ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ قرئ: ﴿وَصِيَّةً﴾ بالنصب (١) على تقديرِ: حقُّ الذين

стр. 690

يتوفَّون عن أزواجهم أن يُوصوا، أو: كَتب اللّه عليهم وصيةً (١)، ويؤيِّده قراءة: (كتب عليكم الوصية لأزواجكم … ) إلخ (٢). وقُرئ بالرفع على تقدير: وصيةُ الذين يتوفَّون - أو حكم الذين يتوفَّون - وصيةٌ، أو: والذين يتوفَّون منكم أهلُ وصيةٍ، أو: كُتب عليهم وصيةٌ، [أو: عليهم وصيةٌ] (٣). ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ نصبٌ بـ (يوصون) إنْ أَضمرتَ، وإلا فبالوصية، وب (متاعٌ) على قراءةِ مَن قرأ: (متاعٌ لأزواجهم) (٤)؛ لأنَّه بمعنى التمتيع. ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ مصدرٌ مؤكِّد؛ كقولك: هذا القولُ غيرَ ما تقول (٥)، أو بدلٌ من ﴿مَتَاعًا﴾، أو حالٌ من الأزواج؛ أي: غيرَ مخرَجاتٍ، والمعنى: يجب على الذين يُتوفَّون عن أزواج أن يُوصوا قبل أن يُحتضَروا لأزواجهم بأنْ يمتَّعن بعدهم حولاً كاملاً؛ أي: ينفَقَ عليهنَّ من تركتهم ولا يُخرجن من مساكنهنَّ. وكان ذلك (٦) في أول الإسلام، ثم نُسخت المدة بقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ

стр. 691

وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ونُسخت النفقة بالإرث الذي هو الربعُ والثمنُ (١)، والناسخة وإن كانت مقدَّمةً في التلاوة لكنها متأخِّرةٌ في النزول، والسكنى لها بعدُ ثابتة عند الشافعي خلافاً للحنفية. ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا﴾ من البيت من غير إخراجِ الورثة، أو من العِدَّة بانقضاء الحول. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأئمة. ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ من التزيُّن لطلب الزوج على وَفْق الشرع. وهذه الآيةُ متقدَّمةٌ في النزول وإن كانت متأخِّرةً في الترتيب، ولهذا جاء المعروف منكَّراً هنا ومعرَّفاً فيما سبق، وفيها دلالة على أنها لا تجبُ عليها ملازَمةُ مسكن الزوج والحدادِ عليه، بل هي مخيَّرة بينها وأخذِ النفقة، وبين الخروج وتركِها، وهذا من تمام ما كان في بدء الإسلام. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾؛ أي: منتقمٌ ممن عصاه. ﴿حَكِيمٌ﴾ مصيبٌ فيما حكم. * * * (٢٤١) - ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ عمَّ المطلَّقات باستحباب المتعة لهنَّ بعدما خصَّ واحدةً منهن به وهي غيرُ مدخول بها. * * *

стр. 692

(٢٤٢) - ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما سبق من أحكام الطلاق والعِدَّة. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ وعد بأنه تعالى يبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه معاشاً ومَعاداً من الأحكام ودلائلها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لتعقلوا، أي: لتستعمِلوا عقولكم في قبولها والتفكُّرِ فيها لاستنباطِ غيرِ المنصوص من المنصوص. * * * (٢٤٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كلمةٌ تجري مَجرى المثلِ في التعجيب يخاطَبُ بها مَن لم يَرَ ولم يسمع ما بعدها، وهي تقريرٌ لمن سمع بالقصة من أهل الكتاب وأخبارِ الأولين، وتعجيبٌ من شأنهم، والخطابُ لكلِّ أحد. ﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ رُوي: أن أهل داوَرْدانَ -قريةٍ قِبَلَ واسطَ- وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم اللّه ثم أحياهم ليعتبِروا وَيعلموا أنْ لا مفر مِن حكم اللّه تعالى وقضائه (١). وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكُهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت، فأماتهم اللّه ثمانيةَ أيام ثم أحياهم، وهم ألوفٌ كثيرة (٢)، واختُلف في عددها بما لا يُجدي.

стр. 693

وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرُّض للشهادة، بأن الموت إذا لم يندفع بشيءٍ ولم يكن منه بدٌّ فأولى أن يكون في سبيل اللّه، والدليلُ عليه الأمرُ بالقتال بعده. ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ الواو للحال. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ مفعولٌ له. ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾، أي: أماتهم اللّه تعالى بالأمر التكويني دفعةً واحدةً على خلاف العادة. ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾؛ أي: أماتهم موتَ عقوبةٍ أو تنبيهٍ، لا موتَ انقضاءِ آجالٍ، ثم أعادهم أحياءً ليَستَوفوا بقيةَ أعمارهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ حيث يبصِّرهم ما يعتبِرون به ويستبصِرون من اقتصاص خبرهم كما بصَّر أولئك بالإماتة والأحياء، أو: حيث أحياهم ليعتبِروا بحالهم ويتيقَّنوا بالبعث. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، أي: لا يشكرونه كما ينبغي، ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبارُ والاستبصار، وكان مقتضى الظاهر الإضمارُ، وإنما أُعيد اسم الظاهر لِمَا فيه من الإيماء إلى سبب الغفلة عن النعمة. * * * (٢٤٤) - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عطفٌ في المعنى على ﴿أَلَمْ تَر﴾؛ لأنَّه في معنى: انظروا وتفكروا.

стр. 694

قيل: لما بيَّن أن الفِرار عن الموت غيرُ نافع، وأن المقدَّر لا محالةَ واقع، أمرهم بالقتال إذ لو جاء أجلُهم ففي سبيل اللّه، وإلا فالنصر والثواب. وَيرِدُ عليهْ أنه تعالى نهى عن إلقاء النَّفس بالمَهلكة، ولو لم يكن في الاحتراز نفع لَمَا نُهي عنه. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يسمع ما يقوله المتخلِّفون والسابقون. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يُضْمرونه فيجازيهم بحسَبه. * * * (٢٤٥) - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴿مَنْ﴾ هو استفهامية مرفوعةُ المحلِّ بالابتداء، و ﴿ذَا﴾ هو خبرُه، و ﴿الَّذِي﴾ صفةُ ﴿ذَا﴾ أو بدلُه. وإقراضُ اللّه تعالى مَثَلٌ لتقديم العمل الذي يُطلب به ثوابه. ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾: إقراضاً حسناً، بخلوصِ النية وطِيبِ النفس، بلا مَنٍّ ولا أذًى، أو: مقروضاً حسناً بكونه حلالاً طيِّباً. وقيل: المراد من القرض (١): الإنفاقُ في سبيل الله تعالى، ويؤيده أنها نزلت في أبي الدَّحداح حين تصدَّق بحديقةٍ له. ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ فيضاعِفُ جزاءَه ﴿لَهُ﴾ أُخرج على صورة المغالَبة للمبالغة. وقُرئ بالنصب على جواب الاستفهام حملاً على المعنى، فإنَّ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي

стр. 695

يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ في معنى: أيُقْرِضُ اللّهَ أحدٌ، وقرئ: (فيُضَعِّفَه) بالرفع والنصب (١). ﴿أَضْعَافًا﴾: جمعُ ضِعفٍ، ونصبُه على الحال من الضمير المنصوب، أو المفعولِ الثاني على تضمين (يضاعِف) معنى يُصيِّر، أو المصدر على أن الضعف اسم المصدر وجمعُه للتنويع. ﴿كَثِيرَةً﴾ كثرةً (٢) لا يَقْدُرها إلا اللّه. ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾ لشخصٍ ﴿وَيَبْسُطُ﴾ لآخَرَ، ويقبض (٣) في حالٍ ويبسط في أخرى (٤)، حَسْبَما اقتضَتْه حكمتُه، يَقبضُ إذا قَبَضَ حتى لا طاقة، وَيبسطُ إذا بَسَطَ حتى لا فاقة أي (٥): لا تخافوا الإقلالَ بالإنفاق، ولا تظنُّوا بقاء السَّعة بالإمساك، فإن اللّه تعالى هو الموسِّعُ والمضيِّق لا الإمساك والإنفاق، يسهِّل بهذا عليهم الإقراض. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم على ما قدَّمتم، وفيه تنبيهٌ على أن الغنيَّ يفارق مالَه بالموت فليبادِرِ الفَوْت. * * * (٢٤٦) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا

стр. 696

أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الملأ: الجماعة الأشراف يجتمعون للتشاور. قيل: هو من الملأة التي هي القدرة، فهم قوم لا حاجة إلى الزيادة عليهم فيما اجتمعوا له لقدرتهم عليه، لا واحد له كالقوم. و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض. ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾، أي: بعدَ وفاته، و ﴿مِنْ﴾ للابتداء. ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ اختلفوا فيه، والأشهر الأظهر أنه أشمويل من نسل هارون ﵇. ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ أَنهِضْ لنا أميراً. ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴿نُقَاتِلْ﴾ بالنون والجزم جوابُ الأمر، وقُرئ بالرفع حالاً؛ أي: ابعثْ لنا مقدِّرين القتال، أو استئنافاً كأنه قيل: كيف تصنعون بالمَلِك؟ فقالوا: ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقرئ بالياء والجزم جواباً، وبالرفع صفةَ (ملك) (١). ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ معنى الاستفهام في ﴿هَلْ﴾: التقريرُ وتثبيتِ أنَّ المتوقَّع (٢) كائن وأنَّه مصيبٌ في ظنه وتوقّعه؛ كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]. وخبر ﴿عَسَيْتُمْ﴾: ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾، والشرطُ اعتراض بينهما، وجوابه محذوفٌ مدلولٌ عليه بقوله: ﴿عَسَيْتُمْ﴾؛ أي: إنْ كُتب عليكم القتال خِفْتُ أن تَجبُنوا ولا

стр. 697

تقاتلوا، أراد أن يقول: عسيتم ألا تقاتلوا؛ أي: أتوقعُ منكم الجبن عن القتال، فأدخل ﴿هَلْ﴾ للتقرير السابق ذكرُه. ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾؛ أيُّ داعٍ لنا إلى ترك القتال وقد عَرَض لنا ما يُوجبه من الإخراج عن الديار. ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾؛ أي: منفردِين عنهم، على تضمين الإخراج معنى الانفراد (١). والديار أبلغ من الأوطان؛ لمَا في الإخراج منها (٢) من الدلالة على استيلاء العدو على أملاكهم، وأمَّا ذكرُ الأبناء دون الأولاد المنتظِمة للبنات فلِعَدم استئناس العرب بهنَّ فلا يَشُقُّ الانفراد عنهن، بل هم يأنفون عن انتسابهنَّ إليهم فلا يرضَون لإظهار التعلُّق بهن. ومَن لم يتنبَّه لِمَا ذكر أَورد في تفسيره الأوطانَ بدل الديار، والأولادَ بدل الأبناء ولم (٣) يَدْرِ ما فيه من سوء الأدب، حيث (٤) أَوهَم فضلَ البدل على المبدَل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢] وليس لكلام - (٥) المعجز بديلٌ (٦). بقي هاهنا شيءٌ آخرُ لا بد من التنبيه له أيضاً، وهو: أنهم علَّلوا القتال بما يرجع إلى حظوظهم فخُذلوا، ولو قالوا: كيف لا نقاتل وقد عصَوا اللّه وخرَّبوا بلاده وقهروا عباده؟ لوفِّقوا.

стр. 698

رُوي أن جالوت ومَن معه من العمالقة كانوا يسكنون ساحل البحر بحرِ الروم بين مصر وفلسطين، وظهروا على بني إسرائيل، فأخذوا ديارهم وسبَوا أولادهم. ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ لمَّا قالوا ذلك دعا نبيُّهم اللّه تعالى، وسأل لهم ملكًا، فأجابه اللّه تعالى إلى ذلك، ونَصَب لهم طالوتَ ملكاً، وفَرض عليهم القتال، وكان فيهم طاغية هو الذي دعاهم إلى ذلك فتابَعوه، وكانوا يرجُون أن يُملَّكَ عليهم، فلمَّا ملَّك اللّه تعالى غيره نكصوا على أعقابهم وكرهوا، فالفاء في قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ فصيحةٌ، والقولُ الآتي ذكرُه مقدَّمٌ وقوعاً وإن كان مؤخَّراً ذِكراً. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ ثلاث مئة وثلاثةَ عَشَرَ بعددِ أهل بدر. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ وعيدٌ لهم، وتسجيلٌ عليهم بالظلم في القعود عن القتال، ولذلك وُضع الظاهرُ موضعَ المضمَر. * * * (٢٤٧) - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ﴾ صرَّح بنسبة البعثِ إلى اللّه تعالى تعظيماً لشأن المبعوث، ودفعًا لذهاب الوهم إلى أن يكون تعيينُه عن ميلٍ ونسبةٍ (١) إليه.

стр. 699

﴿طَالُوتَ﴾ عَلَم أعجميٌّ كجالوت، فامْتَنعَ عن الصَّرف للعَلَمية والعُجمة. وقيل: إنه من الطُّول؛ لِمَا وُصف به من البَسطة في الجسم، وامتناعُه عن (١) الصرف يأبى عن ذلك، إلا أن يقال: اسم عبرانيٌّ وافق عربيًّا كما وافق حنطاً: حِنطةً، وبِشما لاها رَحْماناً رَحِيماً (٢): بسم اللّه الرحمن الرحيم، فهو على هذا فَعَلوتٌ من الطُول أصله: طَوَلوت، كما لو كان عربيًّا. ﴿مَلِكًا﴾ رُوي أن نبيهم دعا اللّه تعالى حين طلبوا منه ملكاً، فأتى بعصا يقاس بها من يتملك عليهم، فلم يساوِها إلا طالوت (٣). ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ بمعنى: كيف، كما في قوله ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، استَبْعَدوا تملُّكَه عليهم. والواو في ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ واو الحال، وفي ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ عاطفةٌ، فانتظمت (٤) الجملتان في حكم الحال؟ أي: والحال أنَّا أحقّ بالملك منه وراثةً ومكنةً، وأنَّه فقير لا مالَ له حتى يتشرَّف به إذ فاته (٥) نسب الملوك، وإنما قالوا ذلك لأن الملك كان في أولاد يهوذا، وكان فيهم من سبطه خلقٌ كثيرٌ أغنياء، وطالوتُ كان فقيراً من سبط بنيامينَ، ولم يكن فيهم الملك ولا النبوةُ، فإنها كانت في أولاد لاوَى.

стр. 700

ذكروا لبعده عن استحقاقِ الملك عليهم وجهين: أحدهما في الخارج، والآخر في نفسه، وقدَّموا ما في الخارج أخذاً لطريقة الترقي. ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ﴾ اختاره ﴿عَلَيْكُمْ﴾. أصل الاصطفاء: أخذُ صَفوة الشيء وإلقاءُ ما سواه، أي: إنْ لم يكن له نَسَبٌ ولا نَشَبٌ فله فضيلة ذاتيةٌ، على ما نبَّه عليه بقوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾ قدَّمه لكونه أَقدَمَ في الاعتبار ﴿وَالْجِسْمِ﴾ طولاً وعرضاً. لمَّا أنكروا تملُّكه عليهم أجابهم بالجملة التأكيدية المصدَّرة بـ (إنَّ)، وقدَّم المسنَد إليه - وهو اللّه - على الفعل للتخصيصِ، وتأكيدِ النسبة إلى أن اللّه تعالى هو الذي اصطفاه عليكم دون غيره، وهو أعلم بمصالحكم (١) منكم، ولا اعتراض على حُكمه. ثم ذكر خصلتين كالبرهان وبيانِ حكمةٍ في اختياره، هما أقوى في باب الملك وأولى بإيجابه من النسب والمال، وهما العلم والجَسامة: ليتمكَّن من معرفة السياسة، ويكونَ أعظم خطراً في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، أطلق (٢) العلم ووصفه بالبسطة فيه وفي الجسم؛ ليندرج تحته العلمُ الذي طلبوه لأجْله وهو المعرفةُ بأمر الحرب. ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قدِّم المسندُ إليه لإفادة الاختصاص؛ أي: الملك له خاصةً غير منازَعٍ فيه، فهو يؤتي ملكَه مَن يشاء دون غيره بسببِ استصلاحه لذلك.

стр. 701

﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ أي: واسعُ الفضل والعطاء، يوسِّع على مَن ليس له سعةٌ في المال ويُغنيه من الفقر. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يصطفيه للمُلك وإن لم يكن من نسل الملوك، فقوله: ﴿وَاسِعٌ﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ كما أن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ يعني أنه اصطُفي (١) مثلَ مَن تُنسبون إليه، وليس المالكُ كالمستعير. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ تكميلٌ حسنٌ يدلُّ على أن اصطفاءه وإيتاءه عن علمٍ وحكمة، لا عن جهلٍ وسفه. * * * (٢٤٨) - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ لمَّا طلبوا منه حجةً على أنه تعالى اصطفى طالوتَ وملَّكه عليهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ﴿التَّابُوتُ﴾: صندوقُ التوراة، فَعَلُوتٌ من التَّوب بمعنى الرجوعِ؛ لأنَّه ظَرفٌ يوضع فيه الأشياء فلا يَزال يُرجَع إليه ما يُخرَج منه، وليس بفاعولٍ لقلَّةِ نحوِ سَلِسَ وقَلِقَ، ولأنه تركيبٌ غير معروفٍ، فلا يُترك المعروف إليه، ومَن قرأه بالهاء فلعلَّه أبدلَه منه (٢) كما

стр. 702

أُبدل من تاء التأنيث، لاشتراكهما في الهمس والزيادة. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ ما به تسكنون إليه ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: من فضله، والضميرُ للتابوت لا للإتيان؛ لقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ فإنها تأبى عنه، والبقيةُ مثل في الجودة والفضل، يقال: فلان من بقيَّة القوم؛ أي: من خيارهم، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا، وذلك لأن الرجل يَستبقِي مما يخرجُه أجودَه وأفضلَه. ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ رُضاضُ (١) الألواح، وعصا موسى وثيابُه، وعِمامةُ هارون. والآلُ مقحَم لتفخيم شأنهما؛ كما في قوله ﵇: "يا أبا موسى، لقد أُوتيتَ مِزماراً مِن مَزاميرِ آلِ داود" (٢). ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ حالٌ من ﴿التَّابُوتُ﴾. قيل: رفَعه اللّه تعالى بعد موسى ﵇، فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه (٣). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي: في إتيان التابوت والملائكةُ تحمله ﴿لَآيَةً﴾ عظيمةً. ﴿لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ من تمام كلام النبيِّ ﵇؛ لأن المقام لا يتحمَّل الخطاب من اللّه تعالى. * * *

стр. 703

(٢٤٩) - ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ قيل: هنا جمل محذوفة؛ أي: فجاءهم التابوتُ، وأقرُّوا لطالوتَ بالملك، وتأهَّبوا للخروج، فالفاء فصيحةٌ، والباءُ في ﴿بِالْجُنُودِ﴾ للملابَسة؛ أي: مُلْتبِساً بالجنود، سواءٌ كان ﴿فَصَلَ﴾ لازماً بمعنى: انفصل عن بلده، أو متعدِّياً بمعنى: فصل نفسه عنه، فإنَّ الفصل في المتعدِّيَ والفصولَ في اللازم لغتان؛ مثل: وَقَفَه وَقْفاً ووَقَفَ وُقوفاً. و (الجنود): جمع الكثرة للجُند، والأجناد: جمع القِلَّة له، والجُنْدُ: الجيش الأشدَّاء، مأخوذٌ من الجَنَد، وهو الأرضُ الغليظة الشديدة (١). رُوي: أنَّهم لمَّا فارَقوا بلدهم سلكوا مفازةً، وكان الوقتُ قيظاً، فسألوا أن يجري اللّه تعالى لهم نَهَراً قال طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: مُعاملُكم معاملةَ مختبِرٍ (٢) بما اقترحتُموه، وكان في جند طالوتَ المخلِصُ والمنافقُ، فميِّز بينهما بالماء، كالذهب والفضة فيهما الخَبَثُ فيميَّز الخالصُ من غيره بالنار.

стр. 704

والنَّهر بفتحِ الهاء وتسكينِها: المَجْرى الواسعُ للماء، وكلُّ ثلاثيٍّ حَشْوُه حرفُ حلقٍ فتسكينُه وفتحُه لغةٌ؛ كالشَّعر والنَّحر والدَّأب. ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ أي (١): فليس بمتَّصلٍ بي ولا متَّحدٍ معي، من قولهم: فلان منِّي، كأنه (٢) بعضه لاختلاطهما واتحادهما، ويجوز أن يراد: فليس من جملتي وأشياعي. ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الطُّعْم: الذَّوق، ويقع على الأكل والشرب. ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ الغَرْف: أخذُ الماء بآلةٍ كالكفِّ، والغَرفة بالفتح: المَرَّة من هذا الفعل، والغُرفة بالضم: قَدْرُ ما يُغرف بالكفِّ من الماء، وأصلُ الغَرف: القطعُ، ومنه الغُرفة التي هي العِلِّيَّةُ قطعة من البناء. استَثْنَى من الشرب الممنوعِ هذا النوعَ، وإنما قُدمت عليه الجملة الثانية لأن مدلولها مفهومٌ منه بطريق الدلالة، وإنما ذكرت تتميماً للجملة الأولى بما فيها من الترغيب إلى الانتهاء بالنهي المذكور، فحقُّها أن تُذكر عَقيبها قبل الاستثناء المزبور (٣)، وطالوت إن كان نبياً فله أن يعرف ذلك بالوحي، وإلا فبالإلهام أو بإخبار من النبي (٤). ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾، أي: فكَرَعوا فيه؛ إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بواسطةٍ، وتعميمُ الأول ليتَّصل الاستثناء.

стр. 705

وقرئ: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (١) بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على أنه تابعٌ للمرفوع قبله (٢)؛ لأن الكلام إذا كان موجَباً جاز فيما بعدَ (إلا) النصبُ وهو الأفصح، والإتْباع لمَا قبله إنْ رفعاً فرفعٌ أو نصباً فنصبٌ أو جرًّا فجرٌّ، وليس هذا من مواضع الميل إلى المعنى، والإعراضِ عن اللفظ جانباً (٣). والقليل على ما قيل: كانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً. ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ﴾، أي: قطع طالوتُ النهر. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ أي: القليلُ الذين (٤) لم يخالفوه، وفي التعبير عنهم بما ذُكر دلالةٌ على أن المخالِفينَ لم يكونوا مُخلِصين في دعوى الإيمان، وإنما زاد قوله: ﴿مَعَهُ﴾ لإفادة معنى المتابَعة إياه والموافقة له، ولمَّا افترقوا فرقتين قال كلُّ فرقة ما يليق بشأنه، وعدمُ العطف بين القولين لعدم جمعهما مقامٍ واحد، ومساقِ كلامٍ واحد. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الذين انخذلوا، على ما نص عليه ابن عباس ﵄، كأنهم قالوا ما قالوا اعتذاراً في التخلف، وتخذيلاً للمُقْدِمين على القتال.
следующие страницы →