← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ أي: واسعُ الفضل والعطاء، يوسِّع على مَن ليس له سعةٌ في المال ويُغنيه من الفقر. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يصطفيه للمُلك وإن لم يكن من نسل الملوك، فقوله: ﴿وَاسِعٌ﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ كما أن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ يعني أنه اصطُفي (١) مثلَ مَن تُنسبون إليه، وليس المالكُ كالمستعير. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ تكميلٌ حسنٌ يدلُّ على أن اصطفاءه وإيتاءه عن علمٍ وحكمة، لا عن جهلٍ وسفه. * * * (٢٤٨) - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ لمَّا طلبوا منه حجةً على أنه تعالى اصطفى طالوتَ وملَّكه عليهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ﴿التَّابُوتُ﴾: صندوقُ التوراة، فَعَلُوتٌ من التَّوب بمعنى الرجوعِ؛ لأنَّه ظَرفٌ يوضع فيه الأشياء فلا يَزال يُرجَع إليه ما يُخرَج منه، وليس بفاعولٍ لقلَّةِ نحوِ سَلِسَ وقَلِقَ، ولأنه تركيبٌ غير معروفٍ، فلا يُترك المعروف إليه، ومَن قرأه بالهاء فلعلَّه أبدلَه منه (٢) كما

стр. 702

أُبدل من تاء التأنيث، لاشتراكهما في الهمس والزيادة. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ ما به تسكنون إليه ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: من فضله، والضميرُ للتابوت لا للإتيان؛ لقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ فإنها تأبى عنه، والبقيةُ مثل في الجودة والفضل، يقال: فلان من بقيَّة القوم؛ أي: من خيارهم، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا، وذلك لأن الرجل يَستبقِي مما يخرجُه أجودَه وأفضلَه. ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ رُضاضُ (١) الألواح، وعصا موسى وثيابُه، وعِمامةُ هارون. والآلُ مقحَم لتفخيم شأنهما؛ كما في قوله ﵇: "يا أبا موسى، لقد أُوتيتَ مِزماراً مِن مَزاميرِ آلِ داود" (٢). ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ حالٌ من ﴿التَّابُوتُ﴾. قيل: رفَعه اللّه تعالى بعد موسى ﵇، فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه (٣). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي: في إتيان التابوت والملائكةُ تحمله ﴿لَآيَةً﴾ عظيمةً. ﴿لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ من تمام كلام النبيِّ ﵇؛ لأن المقام لا يتحمَّل الخطاب من اللّه تعالى. * * *

стр. 703

(٢٤٩) - ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ قيل: هنا جمل محذوفة؛ أي: فجاءهم التابوتُ، وأقرُّوا لطالوتَ بالملك، وتأهَّبوا للخروج، فالفاء فصيحةٌ، والباءُ في ﴿بِالْجُنُودِ﴾ للملابَسة؛ أي: مُلْتبِساً بالجنود، سواءٌ كان ﴿فَصَلَ﴾ لازماً بمعنى: انفصل عن بلده، أو متعدِّياً بمعنى: فصل نفسه عنه، فإنَّ الفصل في المتعدِّيَ والفصولَ في اللازم لغتان؛ مثل: وَقَفَه وَقْفاً ووَقَفَ وُقوفاً. و (الجنود): جمع الكثرة للجُند، والأجناد: جمع القِلَّة له، والجُنْدُ: الجيش الأشدَّاء، مأخوذٌ من الجَنَد، وهو الأرضُ الغليظة الشديدة (١). رُوي: أنَّهم لمَّا فارَقوا بلدهم سلكوا مفازةً، وكان الوقتُ قيظاً، فسألوا أن يجري اللّه تعالى لهم نَهَراً قال طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: مُعاملُكم معاملةَ مختبِرٍ (٢) بما اقترحتُموه، وكان في جند طالوتَ المخلِصُ والمنافقُ، فميِّز بينهما بالماء، كالذهب والفضة فيهما الخَبَثُ فيميَّز الخالصُ من غيره بالنار.

стр. 704

والنَّهر بفتحِ الهاء وتسكينِها: المَجْرى الواسعُ للماء، وكلُّ ثلاثيٍّ حَشْوُه حرفُ حلقٍ فتسكينُه وفتحُه لغةٌ؛ كالشَّعر والنَّحر والدَّأب. ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ أي (١): فليس بمتَّصلٍ بي ولا متَّحدٍ معي، من قولهم: فلان منِّي، كأنه (٢) بعضه لاختلاطهما واتحادهما، ويجوز أن يراد: فليس من جملتي وأشياعي. ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الطُّعْم: الذَّوق، ويقع على الأكل والشرب. ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ الغَرْف: أخذُ الماء بآلةٍ كالكفِّ، والغَرفة بالفتح: المَرَّة من هذا الفعل، والغُرفة بالضم: قَدْرُ ما يُغرف بالكفِّ من الماء، وأصلُ الغَرف: القطعُ، ومنه الغُرفة التي هي العِلِّيَّةُ قطعة من البناء. استَثْنَى من الشرب الممنوعِ هذا النوعَ، وإنما قُدمت عليه الجملة الثانية لأن مدلولها مفهومٌ منه بطريق الدلالة، وإنما ذكرت تتميماً للجملة الأولى بما فيها من الترغيب إلى الانتهاء بالنهي المذكور، فحقُّها أن تُذكر عَقيبها قبل الاستثناء المزبور (٣)، وطالوت إن كان نبياً فله أن يعرف ذلك بالوحي، وإلا فبالإلهام أو بإخبار من النبي (٤). ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾، أي: فكَرَعوا فيه؛ إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بواسطةٍ، وتعميمُ الأول ليتَّصل الاستثناء.

стр. 705

وقرئ: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (١) بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على أنه تابعٌ للمرفوع قبله (٢)؛ لأن الكلام إذا كان موجَباً جاز فيما بعدَ (إلا) النصبُ وهو الأفصح، والإتْباع لمَا قبله إنْ رفعاً فرفعٌ أو نصباً فنصبٌ أو جرًّا فجرٌّ، وليس هذا من مواضع الميل إلى المعنى، والإعراضِ عن اللفظ جانباً (٣). والقليل على ما قيل: كانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً. ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ﴾، أي: قطع طالوتُ النهر. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ أي: القليلُ الذين (٤) لم يخالفوه، وفي التعبير عنهم بما ذُكر دلالةٌ على أن المخالِفينَ لم يكونوا مُخلِصين في دعوى الإيمان، وإنما زاد قوله: ﴿مَعَهُ﴾ لإفادة معنى المتابَعة إياه والموافقة له، ولمَّا افترقوا فرقتين قال كلُّ فرقة ما يليق بشأنه، وعدمُ العطف بين القولين لعدم جمعهما مقامٍ واحد، ومساقِ كلامٍ واحد. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الذين انخذلوا، على ما نص عليه ابن عباس ﵄، كأنهم قالوا ما قالوا اعتذاراً في التخلف، وتخذيلاً للمُقْدِمين على القتال.

стр. 706

﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ﴾؛ أي: بقتال جالوت. ﴿وَجُنُودِهِ﴾ لكثرتهم وقوَّتهم (١)، وفي عبارة الجنود دلالةٌ على هذا، على ما بينَّاه فيما سبق. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ الظنُّ على حقيقته، ومعنى ﴿مُلَاقُو اللَّهِ﴾: أنهم يُستشهَدون في ذلك اليوم، لعزمهم على صدقِ القتال، وصدقهم في عزمه. أو بمعنى الإيقان؛ أي: يوقنون بالبعث على أنَّ (٢) معنى ﴿مُلَاقُو اللَّهِ﴾: أنهم راجعون إليه في القيامة ومجزيون بأعمالهم يومئذ، وعلى هذا المعنى من الملاقاة يجوز أن يكون الظنُّ على أصله، ويكونُ القصد إلى أنه يكفي في هذا العمل (٣) فكيف باليقين. ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ ﴿كَمْ﴾ كلمةُ تكثير، و ﴿مِنْ﴾ مبيِّنة أو مَزِيدةٌ للتأكيد، والفئة: الفرقة من الناس، من فأَوْتُ رأسه، أي: شَقَقْتُه، أو مِن فاء: إذا رجع. ﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾، ﴿كَمْ﴾ مبتدأ خبرُه ﴿غَلَبَتْ﴾. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتيسيره، وهذا تحريضٌ على القتال واستشعارٌ بالنصر. ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنصر والإثابة، تحريضٌ على الصبر في القتال. * * * (٢٥٠) - ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.

стр. 707

﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ المبارزةُ في الحرب: أن يَظهر المحارب لقَرينه بحيث يراه. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ الإفراغ: صبُّ السيَّال، استُعير للإكمال والإكثار. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾؛ أي: في المعركة كيلا نَزِلَّ ولا نَزُولَ. ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: أَعِنَّا عليهم، وامنَعْهم منا. الْتَجَؤوا إلى اللّه بالدعاء، وفيه ترتيبٌ بليغ، إذ سألوا أولاً إفراغَ الصبر في قلوبهم الذي هو مِلاكُ الأمر، ثم ثباتَ القدم في مَداحض الحرب المسبَّبَ منه (١)، ثم النصرَ على العدو المرتَّبَ عليهما غالباً، ثم أشاروا بتوصيف ﴿الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ إلى أنهم يطلبون النصر لا للانتقام منهم بفعلهم بهم، بل لأنهم كفار وأعداءٌ لربهم. * * * (٢٥١) - ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ الفاء فصيحةٌ، وقبله مضمَرٌ، أي: فاستجاب اللّه دعاءهم ونصرهم، فالهزيمة دفع الشيء بقوةٍ حتى يدخل بعضُه في بعضٍ، والمِهْزام: خشبة يحرَّك بها الجمر ويُدفع بعضُه على بعض. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بعونه وتيسيره.

стр. 708

﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ لم يبيِّن اللّه تعالى كيفيةَ القتل، إلا أنه أشار في سياقه إلى أنه كان بسهولة. ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾؛ أي: مُلكَ بني إسرائيل، ولم يجتمعوا قبل داود ﵇ على مَلِكٍ. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: النبوَّةَ؟ إذ بها وَضْعُ الأمور مواضِعَها. فاَتاه اللّه مُلكَ طالوت ونبوَّة نبيِّهم، وجمع له كليهما، وكان قبله المُلك في سِبْطٍ والنبوَّةُ في سِبْطٍ. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾: من صنعة الدروع، وكلامِ الطير والدوابِّ، وغير ذلك. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: ولولا أنَّ اللّه تعالى يَدفع بعضَ الناس ببعضٍ وَيمنع فسادهم بذلك. ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾: لعمَّ فسادُهم الأرض. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: ولكنَّ الله يَبسط الفضلَ على العالمين بنصر المصلِحين على المفسِدين. * * * (٢٥٢) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما قُصَّ من حديث الألوف، وتمليكِ طالوتَ، وإتيانِ التابوتِ، وانهزامِ الجبابرة، وقتلِ داودَ ﵇ جالوتَ. ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ بالصِّدق واليقين الذي لا ريبَ فيه لأهل الكتاب؛ إذ هي في كتبهم كذلك.

стр. 709

﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ حيث تُخبر بها من غيرِ قراءةِ كتابٍ ولا سماعِ أخبارٍ. * * * (٢٥٣) - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ أي: المذكورةُ في السورة كلِّها، أو المعلومةُ لك (١) بالوحي. ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بحسَبِ درجاتهم في الزُّلفى، وتفاوُتِ مراتبهم في الاصطفاء. ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ تفصيلٌ للتفضيل؛ أي: خاطبه اللّهُ تعالى بكلامه الأزليِّ بلا واسطةٍ، وهو موسى ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ بأنْ فضَّله على غيره من وجوهٍ متعدِّدة بمراتبَ (٢) متباعدةٍ، وهو محمدُ ﵇ المفضَّل عليهم، حيث أُوتي ما لم يُؤتَ أحدٌ منهم (٣)، والإبهامُ لتفخيم شأنه؛ كأنه العَلَم المتعيِّن (٤) لهذا الوصف، المستغني عن التعيين، وتنكيرُ ﴿دَرَجَاتٍ﴾ يعضُده في تعظيم شأنه.

стр. 710

﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ خصَّه بالتعيين لإفراط (١) اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، وجَعْلُ معجزاته سببَ تفضيله لأنها آيات ظاهرةٌ وبيناتٌ باهرةٌ لم يَستجمِعها غيرُه. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قد مرَّ تفسيره. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن لا يقتتلوا (٢). ﴿مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: من بعد هؤلاء الرسل. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، أي: المعجزاتُ الواضحاتُ، لاختلافهم في الدين وتشعُّبِ (٣) مذاهبهم، ولتضليل (٤) بعضِهم بعضاً. ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾، أي: ما شاء مما (٥) اقتضاه حكمتُه. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾؛ لالتزامه دِينَ الأنبياء ﵈ بتوفيقه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَر﴾، لإعراضه عنه لخذلانه. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ كرِّر للتأكيد (٦) لكون الأمور بمشيئة اللّه تعالى.

стр. 711

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من تخصيص بعضِهم بالسعادة والإيمان، وبعضِهم بالشقاوة والكفر. فإنْ قلتَ: الاستدراك بعد استعمال كلمة (لو) على قاعدة العربية أنْ يُذكر انتفاءُ الشرط ليُثبَتَ انتفاءُ الجزاء، أي: لكنْ لم يشأ عدم الاقتتال فاقتتلوا، وعلى قاعدة الاستدلال أنْ يُذكر انتفاءُ الجزاء ليُعلم انتفاءُ الشرط؛ أي: لكنهم اقتتلوا فعُلم أنه لم يشأ عدم الاقتتال، فما وجهُ قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾؟ قلتُ: معناه: لكنه لم يشأ عدمَ الاقتتال، بل ثبوتَه فثبت؛ لأنَّه يُثْبِتُ ما يريده اصلا مّا كان؛ قيل: يوفِّق مَن يشاء فضلاً ويخذل مَن يشاء عدلاً. وَيرِدُ عليه: أنه حينئذ يكون الخذلان عن باعثٍ، فتتقيَّد إرادتُه المتعلِّقةُ به، ويأباه التعميم المستفاد مما ذكر. والآيةُ دليل على أن الأنبياء ﵈ ولو كانوا أُولي العزم من المرسلين متفاوتةُ الأقدام (١)، وأمَّا أنه يجوز تفضيلُ بعضهم على بعضٍ على التعيين، فلا دلالة عليه في الآية، نعم يجوز ذلك إذا وُجد دليل قاطع؛ لأنَّه مما يتعلق بالاعتقاد دون العمل حتى يُكتفى فيه بالظن، وأنَّ ما تَعلَّق به إرادةُ اللّه تعالى؛ فعلًا كان أو تركاً، خيراً كان أو شراً، يقع، وأمَّا أن كلَّ ما يقع إنما يقع بإرادة اللّه تعالى فلا دلالة عليه فيها، إنما عُلم ذلك من موضع آخر. * * * (٢٥٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

стр. 712

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أراد به الواجبَ من الزكاة، لظاهر الأمر واتِّصالِ الوعيد به. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ﴾: لا كسب ﴿فِيهِ﴾ لأنَّه يوم جزاءٍ لا يوم عمل، وعبِّر عن كلِّ (١) المكاسب بجُلِّها. ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾؛ لأن الأخلَّاء بعضُهم عدوٌّ لبعضٍ يومئذٍ. فإنْ قلتَ: أليس زمرةُ المتقين مستثناةٌ منهم؟ قلت: بلى، ولكن الوعيد في حقِّ مَن ترك الإنفاقَ الواجب، فالاستثناءُ المذكورُ لا يجديه (٢). ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ يعني: أنَّ تدارُكَ ما فاتكم من الإنفاق إمَّا بالأداء بعد الحصول بطريقِ المعاملة والمجاملة، وإمَّا بالإبراء، ولا سبيل إلى شيءٍ من ذلك إذ لا كسبَ ولا خلَّةَ ولا شفاعةَ، خصوصاً في إسقاطِ حقوق العباد، وأمَّا أنَّ الشفاعة لا تكون إلا في زيادة الفضل فطريقةُ الاعتزال موضع بيانه ومأخذُ عنانه علمُ الكلام. وإنما رُفعت ثلاثتُها مع قصدِ التعميم لأنها في التقدير جوابُ: هل فيه بيعٌ أو خلةٌ أو شفاعةٌ؟ وقد فتَحَها مَن فتَحَها على الأصل (٣). ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾؛ أي: التارِكون للزكاة، وإنما عبِّر عنهم بالكافرين تغليظاً عليهم وزجراً لهم؛ كما في آخِر آيةِ الحج، حيث شبِّه فعلُهم الذي هو ترك الزكاة بالكفر،

стр. 713

أو جُعل مشارفةً على الكفر، أو تعبيراً باللازم عن الملزوم (١) حيث جُعل ترك الزكاة في موضع آخر من صفات الكفار ولوازمهم، فهو على الأول استعارةٌ تَبَعيَّةٌ أو مَجازُ مُشارَفةٍ، وعلى الثاني كنايةٌ أو مجازُ لُزومٍ. ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ هم الذين ظلموا أنفسهم بترك الإنفاق الواجبِ، وصرفِ المال على غير وجهه، ووضعه في غيرِ موضعه. * * * (٢٥٥) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ مبتدأ وخبرٌ، والمعنى: أنه المستحِقُّ للعبادة لا غير. وقيل: خبرُه ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ معترِضٌ بينهما. والمراد من الحياة في حقِّه تعالى: البقاءُ الذي لا سبيل إليه للفناء مجازاً، وذلك أن الحياة بحسَب اللغة عبارةٌ عن قوَّة مزاجيةٍ تقتضي الحسَّ والحركة، ولا صحة لها في حقّه تعالى، فلا بدَّ من المصيرِ إلى المعنى المجازيِّ المناسِبِ له، وهو البقاء، وإنما وصَفْناه بما ذُكر لأنَّه مستنِدٌ إلى ذاته تعالى، فلا يمكنُ زوالُه. وأما الذي ذكره المتكلِّمون بقولهم: (الحي: الذي يصحُّ أن يَعْلَم وَيقْدِر) فمعناه

стр. 714

الاصطلاحيُّ الحادثُ، فلا مَساغَ لحمل ما في الكلام القديم عليه، حيث لا يَعرفه أهل اللسان وقتَ نزول القرآن. وقد ردَّ صاحب "الكشاف" مثلَ هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]، وجوَّزه هنا (١). والقيوم: القائم بذاته، المقوِّم لغيره. وقيل: الدائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظه، فَيْعولٌ مِن قام بالأمر: إذا حفظه. ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ الأخذ: التناول ومنه أَخْذُ الشاربِ: قَصُّه وقَطْعُ شيء من شره. ﴿سِنَةٌ﴾ السنة: ثقلةٌ من النُّعاس وفتورٌ يعتري المزاجَ قبل النوم، وليست بداخلةٍ في حدّ النوم على ما دلَّ عليه قولُ عَدِي بنِ الرِّقَاع: وَسْنانُ أَقْصَدَه النُّعاسُ فرَنَّقَتْ … في عينهِ سِنَةٌ وليس بنائمِ (٢) ولا دلالةَ فيه على أنَّ السِّنَةَ هي النُّعاس كما تُوُهِّمَ. ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ النوم: حالةٌ تَعرِضُ للحيوان من استرخاءِ أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواسُّ الظاهرة عن الإحساس رأساً؛ أي: لا يعتريهِ ما يعتري المخلوقين من الغفلة والملال والفتور في حفظ ما هو قائم بحفظه، ولا يَعْرِضُ له عوارضُ التعب المحوِجة إلى الاستراحة، فيستريحُ بالنوم والسِّنَة.

стр. 715

فالجملة بيان لـ ﴿الْقَيُّومُ﴾ بأنه مهيمنٌ على مَن يقوِّمه غيرُ غافل عنه، وتأكيدٌ لكونه حيًّا فإن مَن أخذه سنةٌ أو نومٌ كان مؤوفَ الحياة (١)، ولذلك تُرك العاطف فيه. وتقديم السِّنَة على النوم على قياس المبالغة والترقِّي، فإنَّ سلب السِّنَة وإن كان أبلغَ من سَلب النوم لكنَّ سلبَ أَخْذِها ليس بأبلغَ من سلبِ أَخْذِه؛ لِمَا فيه من القوة، فمَن يقدر على دفعها قد لا يقدر على دفعه، فمَن وَهَم أنَّ قياس المبالغةِ عكسُه فقد وَهِم (٢)، حيث لم يفرِّق بين سلبهما وسلب أخذِهما. وأيضاً السِّنةُ من طلائع (٣) النوم ومقتضياتِ سببه السابقةِ عليه، فنفيُ النوم بعد نفيها باعتبارِ أنه يستلزِم نفيَ سببه يكون أبلغَ، وأما نفيُ التشبيه فقد حصل بالحيِّ القيُّوم على المعنى المراد منهما. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بيانٌ وتقريرٌ بنفي السِّنَة والنوم؛ لأن الذي يملكهما وما فيهما يحفظُهما وما فيهما بتدبيره، فلا يمكن أن ينام وإلا لزالَتَا عن النظام، ولهذا تَرتَّبَ على ما قبلَه من غير حرفِ عطفٍ، ولو كان تقريراً لقيوميته (٤) - كما قيل - لاتَّحد مع ما قبلَه في هذه الجهة، فكان حقَّه أن يُرتَّب عليه بحرفِ عطفٍ.

стр. 716

والمراد بما فيهما: ما وُجد فيهما داخلاً في حقيقتهما، أو خارجاً عنهما متمكِّناً (١) فيهما، فهو أبلغ من قوله: له (٢) السماواتُ والأرض وما فيهنَّ. ولمَّا ذكر مالكيَّته للكلِّ بيَّن ذلك بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بلغ من مالكيَّته وكبريائه أنْ لا يتمالكَ أحدٌ أن يتكلم يوم القيامة إلا (٣) مَن أذن له؛ لقوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨]، ثم بين ذلك بقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: ما كان قبلَهم وما يكون (٤) بعدَهم، فكيف بحالهم؟ ومَن أحاط علمُه بأحوال الخلق كلِّها يعلمُ المستوجِبَ للشفاعة وغيرَه، والضميرُ لـ (ما في السماوات والأرض)؛ لأن فيهم العقلاءَ، أو لِمَا دل عليه ﴿مَنْ ذَا﴾ من الأنبياء والملائكة (٥) ﵈. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾؛ أي: معلومِه، فإنَّ اسم المصدر يقع على المفعول، يقال في الدعاء: اللهم اغفرْ علمَك فينا؛ أي: معلومَك، وعطفُه على ما قبلَه لأنَّ مجموعهما يدلُّ على تفرُّده بعِلم مَن يَستحِقُ الشفاعة وغيرِه، وإنما فُصل المعطوف عليه عمَّا قبله لمَا أَشَرْنا إليه من أنه مُبيِّن لِمَا قبله، وأما على ما قيل: إن (٦) مجموعَهما يدل على تفرُّده بالعلم الذاتيِّ التامِّ الدالِّ على

стр. 717

وحدانيته (١)، فلا يظهر وجهُ الفصل المذكور كما لا يخفى. ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أن يُعْلِمهم به من المعلومات. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ بيان لشمول علمه وإحاطتهِ وسعتهِ وبَسطته، وأنَّه لم يَضِقْ عن السماوات والأرض، على سبيل التمثيل والتخييل، وتصويرِ الأمر (٢) المعنويِّ بالصورة الحسِّيَّة، ولا كرسيَّ ثمةَ ولا قعودَ ولا قاعدَ؛ كقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] من غيرِ تصوُّر قبضةٍ وطيٍّ ويمينٍ (٣). قيل: تصويرٌ لعظمته وتمثيلٌ، وعلى هذا لا يَظهر وجه الفصل عمَّا قبله، وعلى

стр. 718

ما ذكرنا قد ترتَّبت الجمل الخمسُ متآخيةً متعانقةً، كلٌّ منها تبيِّن (١) ما ترتَّبتْ عليها مقرِّرةً لمعناها، فلا سبيل للعاطف بينهما؛ لكمال الاتِّصال بين معانيها. وعن الحسن: الكرسيُّ هو العرش (٢). وقيل: إنه تعالى خلق كرسيًّا بين يدي عرشه دونه السماواتُ والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء، وعرشُ الخلق للجلوس عليه، والكرسيُّ لوضع القدمين عليه، وتعالى اللّه عن ذلك علوًّا كبيراً، كما أن بيت الخلق للسُّكنى فيه، واللّهُ تعالى جعل الكعبة بيتَه، وتعالى عن (٣) أن يسكنها، إنما المراد بيانُ أن ما في السماوات والأرض لا يغيبُ عنه كما لا يغيب عمَّن جلس على السرير ما تحت قدميه. وأصل الكرسي في اللغة هو: المتراكِبُ، والكُرَّاسةُ سميت بها (٤) لتراكُبِ بعضِ أوراقها على بعضٍ، والكِرْسُ: البعرُ والبول إذا تلبَّدَ بعضُه على بعضٍ. ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾: ولا يُثقِله ولا يَشُقُّ عليه ﴿حِفْظُهُمَا﴾: حفظُ السماوات والأرض، وإنما ثنَّى مع أن السماوات جمع ردًّا إلى الجنس. والأَوْد: الاعوجاج الذي يَعْرِض من الاعتمادِ عليه بالثقل. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ اسمان جامعان لكمال التوحيد، فالعليُّ هو المتعالي عن الصفات التي لا تَليق به، والعظيم هو الموصوف بكلِّ الصفات التي تليق به. قيل: تَذَاكَرَ الصحابةُ ﵃ أفضلَ ما في القرآن، فقال لهم عليّ رضي اللّه

стр. 719

عنه: أين أنتم عن آية الكرسي؟ ثم قال: قال لي رسول اللّه ﷺ : "يا علي، سيدُ البشر آدم، وسيدُ العرب محمدٌ ولا فخرَ، وسيدُ الفُرس سلمانُ، وسيدُ الروم صُهيبٌ، وسيدُ الحبشة بلالٌ، وسيدُ الجبال الطُّور، وسيدُ الأيام يومُ الجمعة، وسيدُ الكلام القرآن، وسيدُ القرآن البقرةُ، وسيدُ البقرة آية الكرسيِّ" (١). وفيه نظرٌ؛ لأن قوله: (سيد البشر آدم وسيد العرب محمد) يُفصِح (٢) عن تفضيل آدمَ على محمد ﵉، وهو خلافُ ما انعقد عليه الإجماعُ، وما ورد في الحديث الصحيح من قوله ﵇: "أنا أكرمُ الأوَّلين والآخرين على اللّه ولا فخر" (٣). ويمكن أن يقال: إن آدم سيدُ البشر في الدنيا، ومحمدٌ ﵇ سيدُ البشر في الآخرة، على ما أفصحَ عنه بقوله: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيٍّ يومئذٍ آدمَ فمَن سِواه إلا تحت لِوائي"، أخرجه صاحب "المصابيح" عن أبي سعيد الخدري (٤). ولا خفاءَ في أن السيادة في الآخرة راجحةٌ على السيادة في الدنيا، فالفضل لنبيِّنا عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاةُ والسلام. وإنما فَضَلتْ آية الكرسيِّ لاشتمالها على توحيدِ اللّه تعالى وصفاتهِ؛ كما فَضَلت

стр. 720

سورة الإخلاص لإفصاحها عن التوحيد الذاتيِّ، وإنَّ شرف العلم بشرفِ المعلوم والموضوع (١)، ولا معلوم أجلُّ وأعلى من اللّه تعالى، ولا مذكورَ أعظمُ ولا أكملُ منه (٢)، فلا ذكرَ أشرفُ ولا أفضلُ منه. * * * (٢٥٦) - ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: لا إلزامَ على الدين الحق وهو الإسلام بما يَضطَرُّه إلى قبوله؛ إذ الإكراه في الحقيقة إنما يكون بحمل الغير على ما لا يَرى فيه خيراً؛ فعلاً كان أو تركاً. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ استئنافٌ تعليليٌّ - فلا وجه لتقدير: ولكنْ (٣) -؛ أي: تميَّز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلَّت الدلائل على أن الإيمان رشدٌ يُوصل إلى السعادة الأبدية، والكفرَ غَيٌّ يؤدِّي إلى الشقاوة السَّرمديَّة، والعاقل متى تبيَّن له ذلك بادرت نفسُه إلى الإيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاةِ، ولم يَحتَجْ إلى الإكراه والإلجاء. وقيل: هو إخبار في معنى النهي؛ أي: لا تُكرهوا في الدِّين، وهو إمَّا عامٌّ منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، أو خاصٌّ بأهل الكتاب لأنهم حصَّنوا (٤) أنفسهم وأموالهم بأداء الجزية.

стр. 721

ورُوي أنه كان لأنصاريٍّ ابنان، فتنصَّرا قبل أن يُبعث رسول اللّه ﷺ ، ثم قدما المدينةَ فلزمهما أبوهما وقال: واللّه لا أدعكما حتى تُسلما، فاصَليَا، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقال الأنصاري: أيدخل بعضي النار وأنا أنظرُ إليه، فنزلتْ فخلَّاهما (١). والغيُّ ضدُّ الرشد، تقول: غَوَى يَغْوِي غَيا وغَوَايَةً: إذا سلك خلافَ طريق الرشد. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾: بكلِّ معبودٍ سوى اللّه، ولا يلزمُ إطلاق الطاغوت على عزيرٍ وعيسى والملائكة ﵈؛ لأن عبَّادهم ما عبدوهم في الحقيقة، بل عبدوا الشيطان على ما يأتي تفصيله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وبهذا التفصيل اتَضح فسادُ ما قيل: والطاغوتُ كلُّ ما عُبد من دون اللّه مما هو مذمومٌ في نفسه، ولا يَرِدُ عليه عيسى ﵇؛ لأنَّا قيَّدْناه بالذمِّ = لعدم الحاجةِ حينئذ (٢) إلى زيادةِ القيد المذكور، بل لا وجه له كما لا يخفى. وتَبيَّن (٣) الخللُ فيما قيل: بالشيطان أو الأصنام، أو كلِّ ما عُبد من دون اللّه، أو صدَّ عن عبادة اللّه (٤).

стр. 722

والطاغوت من الطغيان، وهو مجاوزةُ الحدِّ في الشرِّ، وأصله: طَوَغوتٌ، وهو مقلوبُ طَغَووت (١) على وزن فَعَلُوت قُلبتْ ثم جُعلت الواوُ ألِفاً لفتحةِ ما قَبْلَها. ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ عدِّي فعلُ الإيمان بالباء - والمقصودُ التصديقُ وهو متعدٍّ بنفسه - لأنَّه نقيضُ الكفر المتعدِّي بالباء، ومن دأبهم حمل النقيض على النقيض. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾؛ أي: تمسَّك عن قصدٍ وطلبٍ، والفعل الاختياريُّ إذا كان مسبوقاً بذلك يكون حصولُه على أوكدِ وجه، ولهذا تؤثِّر هذه الصيغةُ في مقام المبالغة، ومَن لم يتنبَّه لهذا قال في تفسيره: طلب الإمساك من نفسه. ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: بما هو أوثقُ، من (٢) المتمسَكاتِ المحكمة المأمونِ (٣) انقطاعُها، والظاهر أن الاستمساك بالعروة الوثقى كالاعتصام بالحبل المتين مَثَلٌ في كلِّ اعتقاد مطابقٍ لا يحتمِلُ النقيضَ، فهو تشبيهٌ للمعقول المعلوم بالبرهان بالمحسوس المشاهَد. ولا مجازَ ولا استعارةَ في مفرداتها، والقول بالاستعارة في (العروة) تنزيل للكلام عن الدرجة العليا إلى الدرجة العالية، كما لا يخفى على مَن له كعبٌ عالٍ في صنعة (٤) البلاغة.

стр. 723

﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ الفَصْمُ بالفاء: القطع بلا إبانةٍ، والقَصْمُ بالقاف: القطع مع الإبانة، ونفي الأول أبلغُ من نفي الثاني، كما أن إثباتَ الثاني أبلغُ من إثبات الأول، فتأمَّل. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالأقوال. ﴿عَلِيمٌ﴾ بالعزائم والعقائد، وهو أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ في عامة الناس، ويندرجُ تحته التهديدُ في حقِّ المنافق. * * * (٢٥٧) - ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ناصرُهم ومتولِّى أمورِهم. ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ بالتوفيق والتأييد. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: من ظلمات الشُّبَه والشكِّ والضلالة (١). ﴿إِلَى النُّورِ﴾: إلى نور اليقين والمعرفة والهداية. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾: الشياطين. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بالإغواء والوسوسة. ﴿مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾: من نور البيِّنات إلى ظلمات الشكِّ والشُّبَه. أو: وليُّ الذين أرادوا الإيمان يخرجهم بالهداية والتوفيق من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، والذين أرادوا الكفر يخلِّيهم مع شياطينهم الذين يُوالونهم يخرجونهم من نور البينات والدلائل الواضحة إلى ظلمات الكفر والشُّبه. جمع الظلماتِ ووحَّد النورَ لأن الباطل متعدِّدٌ والحقَّ واحدٌ.

стр. 724

﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وعيدٌ وتحذيرٌ، وفيه دلالة على ما في مقابِله من الوعد والتبشير، ولهذا اكتَفى به عنه، وإنما لم يَعكس محافظةً على الفاصلة. * * * (٢٥٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ تعجيبٌ من محاجَّة نمرود. ﴿فِي رَبِّهِ﴾ يجوز أن يعود الضمير على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇، إلا أن الراجح أن يعود على الذي حاجَّ لأن مساق الكلام فيه على وجه التعجيب عن حاله يقتضي ذلك. ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ مفعولٌ له؛ أي: لِأنْ أتاه اللّه الملك، يعني: أَبطرتْه النعمةُ، وحمله الملك على العتوِّ والكفر، فحاجَّ لذلك، أو وضَع المحاجَّةَ مكان ما وَجب عليه من الشكر فعَكس الأمر، والتعجيب على هذا الوجه أقوى، أو ظرفٌ؛ أي: وقتَ أنْ آتاه الله الملك. وهو حجَّةٌ على مَن (١) منع إيتاءَ اللّهِ الملكَ الكافر من المعتزلة. والجواب بأن المراد إيتاءُ الأسباب لا يَشْفي كما لا يَخْفَى على ذوي الألباب، وكذا ما قيل: ملَّكه امتحاناً إذ ما من قبيحٍ إلا ويمكن أن يكون فيه غرضٌ صحيح مثل الامتحان (٢).

стр. 725

﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ نصبٌ على الظرف بـ (حاجَّ) على الأول، وبدلٌ من [أنْ] آتاه اللّه) على الثاني (١). ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، أي: يحيى الأموات ويميت الأحياء. ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ أي: أُعفي عن القتل وأَقتل، فأعرض إبراهيم ﵇ عنه وإن كان يتيسر (٢) عليه أن يقول: ليس هذا بإحياء ولا إماتة، لكن كان هذا عند ملأ من الناس، وفيهم الضَّعَفة، فأراد إبراهيم ﵇ أن يفضحه فضيحةً ظاهرةً لا تخفى على أحدٍ، فجاء بما لا يمكنُه المعارضةُ بالتلبيس. وبهذا التفصيل اندفع ما قيل: ما كان ينبغي (٣) للنبيِّ أن ينتقل، بل كان عليه إزاحةُ الشبهة دفعاً لوهم الإقحام. وأجيبَ: بأن ذلك إنما يكون إذا كانت للشبهة قوةٌ والتباسٌ (٤) على السامعين، وأمَّا في الشبهة الواهية فيَحْسُن الإعراض عنها وعدمُ الالتفاتِ، سيما مع المجادل الأحمق، على أنه ﵇ ما أعرض عن الاعتراض إعراضاً كلياً، بل تَعرَّض له إجمالاً: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ حيث أتى بالفاء

стр. 726

الفصيحة عن كلام مقدَّر يناسب المقام؛ كأنه قال: لا يجديك هذا التلبيس في المادة المذكورة، فإن اللّه تعالى متفرِّد بفعلٍ لا مجال للتلبيس في معارضته فيه، ولا مجال له لأن يقول: إنه ليس من فعل ربك أيضاً كما أنه ليس من فعلي؛ لأنَّه ليس من الدهرية بل معترف بالحاجة في العالَم إلى الرب، ولهذا يدِّعي الربوبية. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ يقال: بَهَتَه؛ أي: حيَّره، والبهتان على إنسان هو الافتراءُ الذي يحيِّره. أي: انقطَع في هذا الإلزام الظاهر متحيِّراً، قيل: كان انقطاعُه (١) في الإلزامين جميعاً: في الأول عند العقلاء، وفي الثاني عند الكل. فإن قيل: هلَّا (٢) قال نمرودُ لإبراهيم ﵇: فليأت بها ربُّك من المغرب؟ قلنا: لأنَّه خاف (٣) أنه لو سأل ذلك فَعَل اللّهُ لمَّا رأى منه بعضَ الخوارق، فإن هذه المحاجَّةَ كانت بعد خلاصه ﵇ من النار، فعلم الملعونُ أن مَن قَدَر على ذلك قَدَر عليه. قال الحسن: قال اللّه تعالى: وعزتي وجلالي لآتينَّ بها من المغرب تصديقاً لقولِ خليلي (٤). ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الذين ظلموا أنفسَهم بالامتناع عن قبول الهداية. وقيل: لا يَهديهم محجَّة الاحتجاج.

стр. 727

وفيه: أنه يُوهم أن يكون لنمرود طريقاً إلى المعارضة في الثاني إلا أنه تعالى لم يهده إليه؛ كما زعمه مَن قال: إن اللّه تعالى أنساه ذلك نصرةً (١) لنبيِّه. * * * (٢٥٩) ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ أصله (٢): أو أرأيتَ مِثْلَ الذي مرَّ، فحُذف لدلالة ﴿أَلَمْ تَر﴾ عليه؛ لأن كلتيهما كلمةُ تعجيب. ويجوز أن يكون من الكلام المحمول على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت الذي حاجَّ إبراهيم، أو كالذي مرَّ على قرية، وإنما زيد هنا حرف التشبيه لأنَّه سلك طريقة الترقِّي في التعجيب، ولا يخفَى أن قولك: هل رأيت مثل هذا؟ أبلغ من قولك: هل رأيت هذا؟ ومَن لم يتنبَّه لهذا التزم زيادة الكاف، وأمَّا قصدُ التكثير بها فلا يناسبُ المقام، إنما المناسب له ما ذكرناه (٣). والقرية: هي مجتمَع الناس، من قولك: قَرَيتُ الماء في الحوض؛ أي: جمعتُه، والمراد هنا: إيلياء بلدةُ بيت المقدس، وكان بُخْتنصَّرُ البابليُّ خرَّبها.

стр. 728

﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: ساقطة، يقال: خَوِيَ البيت - بكسر الواو - يَخْوَى خَوًى مقصوراً: إذا سقط، وخَوَى البيت بالفتح خَوَاءً ممدوداً: إذا خلا، فلا يجوز الجمع بينهما، والأول متعيِّنٌ للإرادة؛ لقوله: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾: سقوفها، واحدها: عَرْش، أي: سقطت السُّقوف ثم وقعت الحيطان عليها؛ كما هو الغالب في خراب (١) البيوت. ﴿قَالَ﴾ قيل: ظاهر الكلام أنَّ المارَّ القائل كان كافراً بالبعث؛ لانتظامه مع نمرود في سلكٍ واحد، ولكلمة الاستبعاد. وانتظامُه مع إبراهيم ﵇ في مثلِ حاله - وهي طلبُ معرفة إحياء الموتى - ترجِّح أنه كان مؤمناً، وقولُه: ﴿أَنَّى يُحْيِي﴾ على هذا استعظامٌ لقدرة المُحْيي، واعترافٌ بالعجز عن معرفةِ طريق الإحياء، ولهذا اشتَهر أنه كان عُزيراً، وقيل: الخضر، أراد أن يُعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرةً؛ كما أراد إبراهيم ﵇. ويؤيد هذا: ذكر اللّه وإضافةُ الإحياء إليه في قوله: ﴿هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فإنه لو كان الغرضُ إنكارَ البعث لكان حقَّه أن يقول: أنى تَحْيَى هذه بعد موتها. ﴿أَنَّى﴾ في محل النصب على الظرف بمعنى: متى، أو على الحال بمعنى: كيف. والإشارةُ إلى أهل القرية. قال القائل هذا القول ثم ربط حماره ونام، فنزع اللّه تعالى الروح منه مئة سنةٍ، فالفاء

стр. 729

في قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ سببيةٌ لا تعقيبية، وحمارُه وعصيرُه وتبنُه عنده، وأعمى اللّه تعالى العيون عن رؤيته ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾ أي: فأَلْبثه ميتاً (١) مئة عام، أو: فلبث ميتاً مئة عام. ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ بالإحياء. ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ روي أنه ناداه منادٍ من السماء. وقيل: القائل هو الله تعالى. ويأباه الفصل؛ فإن حقَّ النظم حينئذ الوصلُ بالفاء أو (ثم). ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ إنما تردَّد لأن نومه كان أولَ النهار، وبعثَه قبل الغروب، ولم يَدْرِ أنه ذلك اليومُ أو ما بعده، وحملُ ﴿أَو﴾ على الإضراب تكلُّفٌ مستغنى عنه. ﴿قَالَ﴾ المنادي: ﴿بَلْ لَبِثْتَ﴾ مكثتَ ﴿مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ﴾ لمَّا كان الأمر بالنظر للتنبيه على خارق (٢) العادة، وكان ذلك مبنيًّا على ما تقدَّم، صدِّر بأداة الترتيب والتفريع. ﴿إِلَى طَعَامِكَ﴾ كان طعامه عنباً أو تيناً. ﴿وَشَرَابِكَ﴾ يعني العصيرَ. ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لم يثنِّه - مع أنه في صَدَد الإخبار عن الشيئين - ردًّا للضمير إلى أقربهما ذكراً؛ لأنَّه أسرعُ تغيراً (٣)، فاكتفَى بذكر حاله عن ذكر حال قرينه، والمعنى: لم يتغيَّر بمرور الزمان.

стр. 730

واشتقاقه من السَّنَة، والهاء أصليةٌ إنْ قدِّر لامُ السَّنة هاءً، وهاءُ السكت إن قدِّرت واواً. ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ الأمر بالنظر إلى الحمار ظاهرٌ في أنه (١) بمرأًى منه على هيئةِ الحمار غير متغيِّر كالطعام والشراب، ولما كان بقاؤه حيًّا بلا ماءٍ ولا علي أبعدَ وأغربَ أعاد فيه الأمر بالنظر وأخَّره على طريقة الترقي. وقيل: والأدلُّ (٢) على الحال، والأوفق لما بعده أن يكون المعنى: كيف تفرَّقت عظامه؟ وَيرِدُ عليه أنه لا دلالة فيه على اللبث مئة سنة، فأنَّى الزيادةُ في الدلالة؟ وما بعده ذو الوجهين فلا ترجيح من تلك الجهة. وفي نظم الأمر بالنظر إلى الحمار مع الأمر بالنظر إلى الطعام والشراب دون الأمر بالنظر إلى العظام، حيث فرق بينهما بقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: فعلنا ذلك ليتبيَّن (٣) لك الحال ولنجعلك عبرةً للناس ودلالةً لهم على البعث= إشارةٌ ظاهرة إلى أن الحمار من جملة الباقين كما كان، لم يمت مع صاحبه على ما نُقل عن السدِّيِّ (٤)، وبه أخذ كثير من المفسرين.

стр. 731

وإنما قلنا: إن الواو للعطف على المقدر؛ لأن المقام مقام الفصل؛ للتباين بين الجملتين إنشاءً وإخبارًا، ومَن لم يتنبه له قال: أي: وفعلنا ذلك لنجعلك آية (١). فإن قلتَ: لا بد للحذف (٢) من قرينةٍ. قلتُ: نعم، وكفى قولُه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ قرينةً له. روي: أنه أتى قومه على حماره وقال: أنا عزير، فكذَّبوه، فقرأ التوراة من الحفظ ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك وقالوا: هو ابن الله. وقيل: لما رجع إلى منزله كان شابًّا وأولادُه شيوخ، فإذا حدثهم بحديث قالوا: حديثُ مئة سنة. ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ يعني: عظامَ الموتى الذين (٣) تعجبت من إحيائهم. ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي؛ أي: المعجمة؛ أي: نرفعُها من الأرض، ونردُّها إلى أماكنها من الجسد، ونركِّب بعضها على بعضٍ، وقُرئ بغير المعجمة من الإنشار (٤) وهو الإحياءُ، وإحياءُ العظم: جَعْلُها عماد الأحياء، ولما كان اللحم فضلةً لا يتوقَّف (٥) عليه بِنيةُ الحياة نبَّه عليه بكلمة التراخي في قوله (٦): ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا﴾: نُلبسها ﴿لَحْمًا﴾ وهو مجازٌ عن سترها به، وإنما وحِّد اللحمُ مع جمع العظام لأن العظام متفرِّقة متعدِّدة صورةً، واللحمَ متصلٌ متَّحدٌ مشاهَدةً.

стр. 732

و ﴿كَيْفَ﴾ منصوب بـ ﴿نُنْشِزُهَا﴾، والجملة حالٌ من العظام، أي: انظر إليها مُحْياةً. كذا قيل، والأوجَهُ أن يكون في موقع البدل من ﴿الْعِظَامِ﴾، والتقدير: وانظر إلى العظام كيفيةِ إنشازِها، على نمط قول الشاعر: إلى اللّه أشكو بالمدينةِ حاجةً … وبالشام أُخرى كيف يلتقيانِ (١) أي: أشكو هاتين الحاجتين كيفيةَ التقائهما. ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ﴾؛ أي: الحال، على ما دل عليه سياق المقال. ﴿لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من إحياء الموتى وغيرِه، وعُلِمَ من قوله: ﴿أَعْلَمُ﴾ دون: علمت، أنه متعجِّب (٢) دون منكِرٍ. وقرئ: ﴿أَعْلَمُ﴾ على الأمر (٣)، والآمرُ مخاطبُه. * * * (٢٦٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ﴾ استعطافٌ بين يدي السؤال. ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ كان موقناً به إيقانَ غيبٍ، فأَحَبَّ أن يُوقِنَ به إيقانَ عِيَانٍ.

стр. 733

﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ الواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أتقولُ ذلك ولم تؤمن بأنِّي قادر على إحياء الموتى بإعادة التركيب والحياة. ﴿قَالَ بَلَى﴾ آمنت ﴿وَلَكِنْ﴾ سألتُ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ليزيد سكوناً بتظاهُرِ الأدلَّة، ومُضَامَّةِ علمِ الضرورة علمَ الاستدلال، فإنه لا مجالَ للتشكيك في الضرورَّيات بخلافِ الاستدلالِ. والطمأنينة: السكون، والمطمئنُّ من (١) الأرض: ما انخَفض منها. وحكمةُ خطاب الله تعالى إياه قطعُ أوهام الجهَّال بجوابه؛ كيلا يَظنُّوا به ﵇ شكًّا فيه. ولقد أجاد فيما أفاد مَن قال: الظاهرُ أنه ﵇ سأل عن كيفيَّة الإحياء لا عن آنيَّته، وهي غيرُ معلومةٍ لا استدلالاً ولا ضرورةً، نعم العلمُ الإجماليُّ بأنْ لا بد له من كيفيةٍ حاصل (٢)، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ إشارةٌ إلى أن العلم الإجماليَّ كافٍ فيما يجب أن يُعتقد ويُؤمَن به في هذا الباب، وقولُه ﵇ في الجواب: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ إشارةٌ إلى أن العلم التفصيليَّ أقوى، وفيه حظوةٌ خاصةٌ للعارف، وأن العِيَان وراء ما يدلُّ عليه البرهان، ومن هذا التقرير يَلُوح تفاوتُ ما بين كلمتي الخليل وعزيرٍ ﵉. ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قال في "المُغْرِب": الطير اسمُ جمع مؤنَّث، وقد يقال للواحد؛ عن قطربٍ، وكذا حكاه ثعلبٌ عن أبي عبيدةَ، وجمعه: طيور، وعليه قول محمد في المحرِم يذبح الطير المسرْوَلَ (٣).

стр. 734

وإنما خُصَّ الطيرُ من بين سائر الحيوانات؛ لأن للطائر ما للسائر، وله زيادةُ الطيران، ولأنه هوائيٌّ ومائيٌّ وأرضيٌّ، فكانت الأعجوبةُ في أحيائه أكثرَ، ولهذا قال عيسى ﵇: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩]. ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾؛ أي: أَمِلْهُنَّ واضمُمْهنَّ إليك لتتأمَّلها وتعرفَ شأنَها؛ لئلَّا تَلتبسَ عليك (١) بعد الإحياء، وقرأ ابن عباس ﵄: (فصُرَّهن) بضمِّ الصاد وكسرِها وتشديدِ الراء (٢)، من صَرَّه: إذا جمعَه. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾؛ أي: ثم جزِّئهنَّ وفرِّق أجزاءهنَّ على الجبال، وعبارةُ (كلّ) في مثل هذا للمبالغة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، فلا حاجةَ إلى تقييد الجبال بـ: التي بحَضْرتك (٣). ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ قل لهنَّ: تعالَيْنَ لإذنِ اللّه. ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾: سِراعاً (٤) في مشيهنَّ على أرجلهنَّ، أو في طيرانهنَّ، والتجوُّز ﴿سَعْيًا﴾ عقليٌّ للمبالغة؛ كما في: عدل، في: (رجلٌ عدلٌ). روي: أنه ﵇ أُمر بأنْ يذبحَها وَينتفَ ريشَها ويقطِّعَها، فيمسكَ رؤوسها

стр. 735

ويخلطَ سائر أجزائها ويوزعَها على الجبال ثم يناديَهنَّ، ففعل كذلك، فجُعل كلُّ جزء إلى الآخر حتى صارت جُثثاً ثم أقبلن فانضَمَمْن إلى رؤوسهن. وفيه دلالة على يُمْنِ الضراعة في الدعاء، وحُسنِ الأدب في السؤال، وعلى فضل إبراهيم ﵇ على عزيرٍ ﵇، حيث أَراه في الحال ما أراد أن يراه على أيسر (١) الوجوه، وأَراه عزيراً ﵇ بعد أن أماته مئة عام. ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يَعجز عن شيء بل يتصرَّف في كلِّ شيء بالقدرة الغالبة. ﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمةٍ بالغةٍ في أفعاله، فلا يَصدُر عنه خوارقُ العادات إلا قَدْرَ ما تقتضيه الحكمة البالغة. * * * (٢٦١) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: على وجهٍ يُتوسَّل به إلى رضائه تعالى. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾؛ أي: مَثَلُ نفقة الذين .. كمَثَلِ حبَّة، أو: مَثَلُ الذين .. كمَثَل باذِرِ حبةٍ، واعتبارُ حذف المضاف وتقديرِه في جانب المشبَّهِ أو المشبَّه به لتَحصل ملائمةُ المثَل للمثَل، وإن كان التشبيه من المركَّب الذي لا عبرةَ فيه بتشبيه المفردات. ﴿أَنْبَتَتْ﴾ الإنباتُ فعل اللّه تعالى، وإنما أُسند إلى الحبة مجازاً لكونها من الأسباب.

стр. 736

﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ إيراد جمع الكثرة في موضع تمييز السبع مكانَ جمع القلَّة وهو سنبلات قد مر توجيهه في ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: يَخرج منها ساقٌ يتشعَّب منها سبعُ شُعبٍ لكلٍّ منها سنبلةٌ فيها مئةُ حبة، وهو تمثيل لا يقتضي وقوعَه، على أنه قد يكون في الذرة والدُّخْن (١) وغيرهما في الأراضي المُغِلَّة. ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ﴾ تلك المضاعفةَ. ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من المنفِقين، لا لكلِّ منفقٍ؛ لتفاوُتِ أحوالهم ونيَّاتهم في أعمالهم، ومن أجل ذلك تفاوتت (٢) الأعمال في مقادير الثواب. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ لا يَضيق عليه ما يتفضَّل به من الزيادة. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّةِ المنفِقِ وقَدْرِ المنفَق. * * * (٢٦٢) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلت في عثمانَ ﵁، فإنه جهَّز جيش العُسرة بألف بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها، وعبدِ الرحمن بن عوفٍ ﵁ فإنه أتى النبيَّ ﷺ بأربعة آلاف درهمٍ صدقةً (٣).

стр. 737

﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ المنُّ: أن يعتدَّ بإحسانه على مَن أَحسن إليه، والأذى: أن يتطاول عليه بسببِ ما أَنعم عليه، والتنكيرُ في الموضعين للتقليل. و ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في المعطوف باعتبار الانتهاء، وفائدتُه: الدلالةُ على لزوم الاستمرار على عدم إتباعهم ما أنفقوا (١) بالمنِّ والأذى في استحقاق الأجر المذكور، ومَن لم يتنبَّه لهذه الدقيقة الأنيقة قال: إنها للتفاوت بين المعطوفين (٢). ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ قيل: لعله لم يُدخل الفاءَ فيه - وقد تضمَّن ما أُسند إليه معنى الشرط - إيهاماً (٣) بأنهم أهل لذلك وإنْ لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا؟ ومبناه الغفلةُ (٤) عن الفرق بين مطلَق الثواب والذي يعطي أجراً، فإن الثاني لا يُتصور بدون العمل. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: مهيَّأٌ (٥) محفوظٌ لا يَحتمل الضَّياع، ولا أَلمَ الانتظار لتحصيله وقتَ الحاجة. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب، والتنكيرُ للتقليل. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لنقصانٍ في الثواب. * * *

стр. 738

(٢٦٣) - ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾. ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾؛ أي: كلامٌ جميلٌ في ردِّ مَن التمَس منك صدقة. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾؛ أي: تجاوُزٌ عنه إذا أساء السؤالَ، أو سترٌ عليه حالَه فلا تعيِّره بفقره ولا تَهتكُ سترَه (١) عند الناس، سأل أعرابي قوماً بكلام فصيحٍ، فقال له قائل: ممن الرجلُ؟ فقال: اللهم غَفْراً سؤالاً لاكتسابٍ (٢) يمنع من الانتساب. ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ خبرٌ عن مجموع القول الموصوف والمغفرة، والتوصيفُ مما يصحِّح (٣) الابتداء بالنكرة، والعطفُ على المخصِّص مخصِّصٌ (٤). ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن كلِّ شيءٍ من صدقةٍ وغيرها، وإنما دعاكم إليها لينفعَكم بها. ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجلُكم بالعقوبة على سوء صَنيعكم في معاملتكم مع الغير، خصوصاً مع الفقراء السائلين. وعيدٌ شديدٌ وسخطٌ بليغٌ؛ لِمَا ورد في الحديث القديم: نعوذُ باللّه من غضب الحليم (٥).

стр. 739

(٢٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾: لا تُحبطوا أجرها، وتخصيص الخطاب بالمؤمنين لعدم الاحتمال للإبطال في صدقات غيرهم؛ لأنَّه (١) فرعُ الاستحقاق للأجر، وهو مقصود (٢) فيها. ﴿بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾؛ أي: لا بذاك ولا بهذا (٣). ﴿كَالَّذِي﴾؛ أي: مماثلِين الذي ﴿يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ تشبيهٌ من جهة المعنى، فإن ما تقدَّم في معنى: لا تضيِّعوا أموالكم بصدقاتٍ بالمنِّ مشوبة وبالأذى مصحوبة، وهذا في معنى: كالذي ضيَّع ماله بالإنفاق رياءً، والمشبَّهُ به أقوى لأنَّه ضيَّع ماله ابتداءً، فمَن وَهَم أن فيه إبطالاً فقد وَهِم. والرياء: مصدر راءى من الرؤية، وهو أن يُريَ الناس ما يفعله من جنس البِرِّ حتى يُثنوا عليه ويعظِّموه، ويظنوا أنه من أهل الخير وممن ينفِق لوجه اللّه تعالى. وانتصب ﴿رِئَاءَ﴾ على أنه مفعولٌ له، أو الحالِ بمعنى: مرائيًا، أو مصدر؛ أي (٤): إنفاقاً رياء. ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾؛ أي: لا يعتقدُ لا بالمبدأ ولا بالمعاد، فلا حاجة في

стр. 740

زعمه إلى الزاد، وإنما قيَّده به مع تمام الغرض من التشبيه بما تقدَّم - فإنه لا ثواب للإنفاق رئاءً وإن كان المنفِق مؤمناً - تغليظاً في الزجر للمنفِق المؤذِي المنَّان، وإيماءً إلى أن تلك الحالَ لا تليق بمَن يَعتقد بالمَعاد والاحتياجِ إلى الزاد. وأمَّا تخصيصُ المراد من المشبَّه به بالمنافق فلا يقتضيه المقام، ولا قرينةَ له في الكلام. ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: لمَّا كان حالُ المنفِق (١) رئاءً كذلك فمَثَلُه. ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: حجرٍ أملسَ. ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ تقديم الجارِّ والمجرور لأن بيانَ مدلوله (٢) أهم. ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾، أي: مطرٌ شديدُ الوقع كبيرُ القَطْر. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: أملسَ نقيًّا من التراب. ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ استئنافٌ، كأنه قيل: ما بال المنفقين رئاءً مُثِّلوا بالصَّفوان المذكور؟ فقيل: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ أي: لا ينتفعون بشيء منه، وعلى هذا لا حاجة إلى التأويل بأنَّ (الذي ينفق) في معنى الجمع، أو بأن (مَن) و (الذي) يتعاقبان، إنما الحاجةُ إليه على تقدير أن يكون ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ حالاً مِن (الذي ينفق). ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، أي: لا يوفِّقهم بعد الهداية حتى يهتدون (٣)، فالهدايةُ في حقِّهم في حكم المعدوم، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وإلا
следующие страницы →