← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ إيراد جمع الكثرة في موضع تمييز السبع مكانَ جمع القلَّة وهو سنبلات قد مر توجيهه في ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: يَخرج منها ساقٌ يتشعَّب منها سبعُ شُعبٍ لكلٍّ منها سنبلةٌ فيها مئةُ حبة، وهو تمثيل لا يقتضي وقوعَه، على أنه قد يكون في الذرة والدُّخْن (١) وغيرهما في الأراضي المُغِلَّة. ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ﴾ تلك المضاعفةَ. ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من المنفِقين، لا لكلِّ منفقٍ؛ لتفاوُتِ أحوالهم ونيَّاتهم في أعمالهم، ومن أجل ذلك تفاوتت (٢) الأعمال في مقادير الثواب. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ لا يَضيق عليه ما يتفضَّل به من الزيادة. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّةِ المنفِقِ وقَدْرِ المنفَق. * * * (٢٦٢) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلت في عثمانَ ﵁، فإنه جهَّز جيش العُسرة بألف بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها، وعبدِ الرحمن بن عوفٍ ﵁ فإنه أتى النبيَّ ﷺ بأربعة آلاف درهمٍ صدقةً (٣).

стр. 737

﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ المنُّ: أن يعتدَّ بإحسانه على مَن أَحسن إليه، والأذى: أن يتطاول عليه بسببِ ما أَنعم عليه، والتنكيرُ في الموضعين للتقليل. و ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في المعطوف باعتبار الانتهاء، وفائدتُه: الدلالةُ على لزوم الاستمرار على عدم إتباعهم ما أنفقوا (١) بالمنِّ والأذى في استحقاق الأجر المذكور، ومَن لم يتنبَّه لهذه الدقيقة الأنيقة قال: إنها للتفاوت بين المعطوفين (٢). ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ قيل: لعله لم يُدخل الفاءَ فيه - وقد تضمَّن ما أُسند إليه معنى الشرط - إيهاماً (٣) بأنهم أهل لذلك وإنْ لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا؟ ومبناه الغفلةُ (٤) عن الفرق بين مطلَق الثواب والذي يعطي أجراً، فإن الثاني لا يُتصور بدون العمل. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: مهيَّأٌ (٥) محفوظٌ لا يَحتمل الضَّياع، ولا أَلمَ الانتظار لتحصيله وقتَ الحاجة. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب، والتنكيرُ للتقليل. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لنقصانٍ في الثواب. * * *

стр. 738

(٢٦٣) - ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾. ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾؛ أي: كلامٌ جميلٌ في ردِّ مَن التمَس منك صدقة. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾؛ أي: تجاوُزٌ عنه إذا أساء السؤالَ، أو سترٌ عليه حالَه فلا تعيِّره بفقره ولا تَهتكُ سترَه (١) عند الناس، سأل أعرابي قوماً بكلام فصيحٍ، فقال له قائل: ممن الرجلُ؟ فقال: اللهم غَفْراً سؤالاً لاكتسابٍ (٢) يمنع من الانتساب. ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ خبرٌ عن مجموع القول الموصوف والمغفرة، والتوصيفُ مما يصحِّح (٣) الابتداء بالنكرة، والعطفُ على المخصِّص مخصِّصٌ (٤). ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن كلِّ شيءٍ من صدقةٍ وغيرها، وإنما دعاكم إليها لينفعَكم بها. ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجلُكم بالعقوبة على سوء صَنيعكم في معاملتكم مع الغير، خصوصاً مع الفقراء السائلين. وعيدٌ شديدٌ وسخطٌ بليغٌ؛ لِمَا ورد في الحديث القديم: نعوذُ باللّه من غضب الحليم (٥).

стр. 739

(٢٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾: لا تُحبطوا أجرها، وتخصيص الخطاب بالمؤمنين لعدم الاحتمال للإبطال في صدقات غيرهم؛ لأنَّه (١) فرعُ الاستحقاق للأجر، وهو مقصود (٢) فيها. ﴿بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾؛ أي: لا بذاك ولا بهذا (٣). ﴿كَالَّذِي﴾؛ أي: مماثلِين الذي ﴿يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ تشبيهٌ من جهة المعنى، فإن ما تقدَّم في معنى: لا تضيِّعوا أموالكم بصدقاتٍ بالمنِّ مشوبة وبالأذى مصحوبة، وهذا في معنى: كالذي ضيَّع ماله بالإنفاق رياءً، والمشبَّهُ به أقوى لأنَّه ضيَّع ماله ابتداءً، فمَن وَهَم أن فيه إبطالاً فقد وَهِم. والرياء: مصدر راءى من الرؤية، وهو أن يُريَ الناس ما يفعله من جنس البِرِّ حتى يُثنوا عليه ويعظِّموه، ويظنوا أنه من أهل الخير وممن ينفِق لوجه اللّه تعالى. وانتصب ﴿رِئَاءَ﴾ على أنه مفعولٌ له، أو الحالِ بمعنى: مرائيًا، أو مصدر؛ أي (٤): إنفاقاً رياء. ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾؛ أي: لا يعتقدُ لا بالمبدأ ولا بالمعاد، فلا حاجة في

стр. 740

زعمه إلى الزاد، وإنما قيَّده به مع تمام الغرض من التشبيه بما تقدَّم - فإنه لا ثواب للإنفاق رئاءً وإن كان المنفِق مؤمناً - تغليظاً في الزجر للمنفِق المؤذِي المنَّان، وإيماءً إلى أن تلك الحالَ لا تليق بمَن يَعتقد بالمَعاد والاحتياجِ إلى الزاد. وأمَّا تخصيصُ المراد من المشبَّه به بالمنافق فلا يقتضيه المقام، ولا قرينةَ له في الكلام. ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: لمَّا كان حالُ المنفِق (١) رئاءً كذلك فمَثَلُه. ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: حجرٍ أملسَ. ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ تقديم الجارِّ والمجرور لأن بيانَ مدلوله (٢) أهم. ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾، أي: مطرٌ شديدُ الوقع كبيرُ القَطْر. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: أملسَ نقيًّا من التراب. ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ استئنافٌ، كأنه قيل: ما بال المنفقين رئاءً مُثِّلوا بالصَّفوان المذكور؟ فقيل: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ أي: لا ينتفعون بشيء منه، وعلى هذا لا حاجة إلى التأويل بأنَّ (الذي ينفق) في معنى الجمع، أو بأن (مَن) و (الذي) يتعاقبان، إنما الحاجةُ إليه على تقدير أن يكون ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ حالاً مِن (الذي ينفق). ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، أي: لا يوفِّقهم بعد الهداية حتى يهتدون (٣)، فالهدايةُ في حقِّهم في حكم المعدوم، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وإلا

стр. 741

فالهدايةُ إلى الخير والرشاد تعمُّ الفريقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] وقولهِ تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وفيه تعريضٌ بأن الرياء والمنَّ والأذى على الإنفاق من أخلاق أهل الكفر والنفاق، فلا بد للمؤمن أنه يَتجنب عنها. * * * (٢٦٥) - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: لطلبِ رضاه. ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ كلمة ﴿مِنْ﴾ إما للتبعيض كما في قولهم: هز مِن عِطفه؛ أي: ليُثبِّتوا بعضَ أنفسهم، فإن (١) مَن بذل ماله لوجه الله تعالى فقد تبَّت بعضَ نفسه؛ لأن المال شقيق الروح، ومن بذل ماله وروحَه معاً فقد ثبَّت كلَّها. وإمَّا لابتداء الغاية كما في قوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، أي: تثبيتاً للإيمان صادراً من أنفسهم؛ لأن الإنفاق أمارةُ أن الإيمان من أصلِ النفس. وَيحتمِل أن يكون المعنى: وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقةُ الإيمان مخلِصة فيه، ويعضُده قراءة مجاهد: (وتبييناً من أنفسهم) (٢)، وهذا يتمشَّى على التبعيض والابتداء، وفيه تنبيهٌ على أن حكمةَ الإنفاق تزكيةُ (٣) المنفِق نفسَه عن البخل وحبِّ المال، فإنه رأسُ كل خطيئة.

стр. 742

﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ بموضعٍ مرتفعٍ من الأرض، والرَّبْو: الزيادة، ومنه: الرِّبا، وأصابه رَبْوٌ: إذا زاد نَفَسُه في جوفه على عادته. أي: ومَثَل نفقة هؤلاء في الزكاة كمَثَلِ بستانٍ بموضعٍ مرتفعٍ، فإن شجره يكون أحسنَ منظراً وأزكى ثمراً. وقد قرئ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ بالحركات الثلاث (١). ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ قد مر تفسيره. ﴿فَآتَتْ﴾؛ أي: أعطت، وحُذف المفعول لأن المقصود ذكر ما يُثمر لا لمَن يُثمر (٢). ﴿أُكُلَهَا﴾ الاكُل بالضم: الطعام الذي يؤكل، والمراد: الثمرة. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾: مِثْلَي (٣) ما كانت تُثمر بسببِ الوابل، وانتصابُه على الحال؟ أي: مضاعَفاً، والضعفُ يراد به الواحدُ كما يرادُ بالزوج؛ قال اللّه تعالى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠]، وقيل: أربعة أمثال، ونسبةُ الإيتاء إليها مجازَّيةٌ والفاءُ سببيَّة. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي: فمطرٌ صغيرُ القطر يكفيها، لكَرَمِ مَنْبِتها ولطافةِ هوائها. والمعنى: أن نفقات هؤلاء زاكيةٌ عند اللّه تعالى لا تَضيع بحالٍ، وإن كانت تتفاوَتُ باعتبارِ ما ينضمُّ إليها من أحواله. أو مُثِّلَ حالُهم عند اللّه بالجنة على الربوةِ، ونفقتُهم الكثيرة والقليلة بالوابل

стр. 743

والطلِّ، وكما أن كلَّ واحد من المطرين يُضعِفُ أُكُلَ الجنة، فكذلك نفقتُهم كثيرةً كانت أو قليلةً بعد أن يُطلب بها وجهُ اللّه تعالى، ويُبذَلَ فيه الوسعُ، زاكيةٌ عند اللّه، زائدةٌ في زُلْفاهم (١) وحُسنِ حالهم. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ترهيبٌ عن الربا، وترغيبٌ في الإخلاص، وإنما قال: ﴿بَصِيرٌ﴾ دون: خبير؛ تنزيلاً لسرائرهم منزلةَ الظواهر لعدم التفاوُت بالنظر إلى اللّه تعالى. * * * (٢٦٦) - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الهمزة فيه للإنكار. ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ النخيل: جمع نخل (٢) كالعبيد جمع عبد، والنَّخْل يكون واحداً فيذكَّر قال اللّه تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، ويكون جمعاً لنخلةٍ - كالنَّمل جمعِ نملةٍ - فيؤنَّث قال اللّه تعالى ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. والأعنابُ: جمع عِنَب. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾، أي: من تحت تلك الأشجار. ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الجاري في الحقيقة مياؤها (٣)، فلا بد من التجوُّز في المسنَد أو

стр. 744

في الإسناد، وبالماء (١) نماؤها وبهاؤها. ﴿لَهُ فِيهَا﴾ أي: في تلك الأشجار ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ كلمة ﴿كُلِّ﴾ للمبالغة في التكثير (٢) لا للتحديد، والمرادُ من الثمراتِ: المنافعُ. وقيل: ضمير ﴿فِيهَا﴾ للجنة، جعَلها من النخيل والأعناب مع ما فيها من سائر الأشجار تغليباً لهما؛ لشرفهما وكثرة منافعهما، ثم ذكر أنَّ فيها من (٣) كلِّ الثمرات ليَدلَّ على احتوائها على سائر أنواع الأشجار، وعلى هذا يكون ﴿لَهُ فِيهَا﴾ صفةً أخرى للجنة من قَبيل الصفة الأولى، ولا يناسبه الفصل بينهما بقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أمَّا إذا كان الضمير للأشجار فظاهرٌ، وأما إذا كان للجنة فلأنه صفةٌ من جنسٍ آخَرَ. ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَر﴾؛ أي: كِبَر السنِّ، وإصابتُه كنايةٌ عن العجز عن الكسب، فإنَّ الفاقةَ والعالةَ في زمانِ العجز عن الكسب أشدُّ (٤). والواوُ للحال، أو للعطفِ حملاً على المعنى، فكأنه قيل: أيَوَدُّ أحدُكم لو كانت له جنةٌ وأصابه الكبر. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾: صغارٌ لا قدرة لهم على الكسب. ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَار﴾ عطفٌ على (أصابه)، أو على ﴿تَكُونَ﴾ على اعتبارِ المعنى. والإعصار: ريحٌ عاصفةٌ تنعكس من الأرض إلى السماء ملتفَّةً في الهواء، حاملةً للتراب، مستديرةً كالعمود.

стр. 745

﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾؛ أي: الجنةُ بالنار، فصارت نعمها إلى الذهاب، وأصلُها إلى الخراب، فكما (١) يَبْقى هو وذريتُه في الحسرات لتقطُّع الأسباب، فكذا الكافرُ والمنافقُ والمرائي والمنَّانُ والمؤذي يتحسرون على صدقاتهم يوم يقوم الحساب، حين فاتهم الثواب، وحَقَّ عليهم العذاب. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ بضربِ الأمثال؛ لأنَّه أوضح بياناً وأفصحُ تبياناً؛ لِمَا فيه من تصوير المعقول بصورة المحسوس المشاهَدِ عِيَاناً. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: تتفكرون فيها، والتفكُّر فيها كنايةٌ عن الاعتبار بها. * * * (٢٦٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الطيِّبُ وراءَ الحلال؛ لأن الحِلَّ يُجامع الكراهة، والطَّيبُ ما لا حظر (٢) فيه لا بسببِ الحُرمة ولا بسبب الكراهة. و ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ يَنتظِم أنواع ما يُملك بأسباب الكسب؛ من التجارة والزراعة وغيرهما. ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: بلا مُؤنةِ كسبٍ منكم، دل على ذلك إضافةُ الإخراج إلى نفسه تعالى دون المنفقين، وقد أضاف قرينَه السابقَ إليهم، والمراد منه:

стр. 746

المباحاتُ التي ملكوها بالإحراز، ولا حاجة فيه إلى قيدِ الطيِّب لعدم الحظر فيه بوجهٍ من الوجوه، ولهذا قال اللّه تعالى: ﴿وَمِمَّا﴾ عطفاً له على الطيبات، دون: (وما) عطفاً له على مدخولها، ومَن لم يتنبَّه لهذا قال: أي: ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمر والمعادن فحذف المضاف لتقدم ذكره (١). ولم يَدْرِ أنه حينئذٍ حقُّه عدمُ زيادةِ (مِن) كيلا يحتاجَ إلى التقدير، ولا يخفَى أنه من قبيل التطويل المخِلِّ للبلاغة (٢)، لا من قبيل الأطناب المفيد. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: ولا تقصِدوه، وهو أبلغ من: ولا تنفقوا الخبيث، ومعناه: الرديء، وخَبَثُ الفضة والحديد: ما نفاه الكير لأنَّه ينفي الرَّديء، وهو ينتظَم الحرام والمكروه. ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ في محل النصب على الحال، والضمير البارز لـ ﴿الْخَبِيثَ﴾، وتقديم الجارِّ والمجرور للتخصيص؛ أي: تخصُّون بعضاً منه بالإنفاق؛ لأن شُحَّ النفس وحبَّ المال يقتضي تخصيصَ شيء من الرديء وما يَشتبِهُ حالُه بالإنفاق، وهو منافٍ لفضيلة البِرِّ، قال اللّه تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وفيه توبيخٌ وتعيير وتعريض بما كانوا يفعلونه (٣). ويجوز أن يكون الضمير المذكور لمجموع (٤) المكسوب والمُخرَج؛ كما في قوله:

стр. 747

كأنه في الجلدِ توليعُ البَهَقْ (١) و ﴿تُنْفِقُونَ﴾ حالٌ مقدَّرة من فاعل ﴿تَيَمَّمُوا﴾. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ الأخذ كنايةٌ عن الاختيار، ضرورةَ أنه مأخوذٌ حقيقةً؛ لِمَا عرفتَ أنه مكسوبٌ أو محرَزٌ؛ أي: وحالُكم أنكم لا تختارونه لأنفسكم لرداءته. ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ في محلِّ النصب على الظرف؛ أي: إلا وقتَ أن تُغمضوا (٢)؛ أي: أن تتسامحوا في أَخْذه، مجازٌ من أَغْمَضَ بصرَه: إذا غَضَّه. وقرئ: (تُغْمَضوا) (٣)؛ أي: تُحْمَلوا على الإغماض، أو توجَدوا (٤) مُغمِضين. رُوي أنهم كانوا يتصدَّقون بحَشَف التمر وشراره (٥) فنُهوا عنه. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن إنفاقكم، وإنما يأمركم به لإنفاعكم. ﴿حَمِيدٌ﴾ مستحِقٌّ للحمد على الأمر بذلك مع استغنائه عنه؛ لينفعَكم ذلك في الدارين. * * * (٢٦٨) - ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

стр. 748

﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ في الإنفاق، والوعدُ على الإطلاق يُستعمل في الخير كالوعيد في الشر، ويُستعمل في الشر أيضاً إذا قيِّد بما به. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ يُغريكم على البخل ومنعِ الصدقات إغراءَ الآمر للمأمور، والفاحشُ عند العرب: البخيل. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ في الإنفاق ﴿مَغْفِرَةً﴾ لذنوبكم، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للّه تعالى. ﴿وَفَضْلًا﴾ وأنْ يُخلف عليكم أفضلَ مما أَنفقتم في الدنيا، أو ثواباً في الآخرة. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ أي: واسع الفضل لمن أنفق ﴿عَلِيمٌ﴾ بإنفاقه. * * * (٢٦٩) - ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ يوفِّق العلمَ والعملَ به. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مفعولٌ أوَّلُ أُخِّر للاهتمام بالثاني. ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ بناه للمفعول لأنَّه المقصودُ، وقرئ بالكسر (١)؛ أي: ومَن يؤتِهِ اللّه تعالى. ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ التنكيرُ للتعظيم؛ كأنه قال: فقد أُوتي (٢) أيَّ خيرٍ كثير. ﴿وَمَا يَذَّكَّر﴾؛ أي: وما يتَّعِظ بما ذُكر من الآيات.

стр. 749

﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم والركونِ إلى الهوى، والمراد به الحثُّ على العمل بما تضمَّنت به الآيُ في معنى الإنفاق. * * * (٢٧٠) - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ قليلةٍ أو كثيرةٍ، سرًّا أو علانيةً في حقٍّ، رياءً أو لوجه اللّه تعالى أو باطلِ. ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْر﴾ بشرطٍ أو بغيرِ شرطٍ، في طاعةٍ أو معصيةٍ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وعدٌ ووعيدٌ على أبلغ وجهٍ؛ لأن العلم في مثلِ هذا المقام كناية عن العمل بمُوجَبه، يقال: فلان لا يعلم الإحسان؛ أي: لا يعمل بمقتضاه (١). ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الذين يَمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالَهم رياءً، أو مع المنِّ والأذى، أو لا لوجه اللّه تعالى وابتغاء مرضاته، أو يخصون الإنفاق بالخبيث الرديء، أو ينفقون في المعاصي، أو لا يَفُون بالنذور، أو يَنذرون في المعاصي، فإن الظلم - وهو في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه المستحقِّ له - عبارةٌ جامعة لهذه الأحوال كلها. ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ينصرُهم مِن اللّه تعالى ويمنعُهم من عقابه. والعدولُ عن نفي المفرَد - وهو أبلغُ من نفي الجمع بحسب جليلِ النظر - رعايةٌ لمقابلةِ الجمع بالجمع والتوزيع؛ أي: لا ناصر لظالمٍ قط، وهذا أبلغُ بحسب دقيق النظر.

стр. 750

(٢٧١) - ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (ما) نكرةٌ غيرُ موصولةٍ ولا موصوفةٍ؛ أي: فنِعْمَ شيئاً إبداؤها، فوُضع ﴿هِيَ﴾ موضعَ إبداؤها؛ أي: الصدقات المُبْداة. ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ اعتَبر هذا القيدَ هنا ولم يَعتبره فيما سبق؛ إذ لا تأثير له ثمةَ، فإن الصدقة نعمَّا هي سواءٌ كانت للفقير أو للغني، إنما تأثيره في كون إخفائها خيراً من إبدائها، وذلك عند كونها للفقير، لِمَا فيه من ستر حاله وصَونها عن شَوْب الرياء، فإنه لا بد منه إذا كانت لوجهِ اللّه تعالى، وذلك إذا كانت للفقير، وأمَّا إذا كانت للغنيِّ فلا يكون لوجه اللّه تعالى، فلا حاجة إلى الصَّون المذكور، ولا إلى السَّتر المزبور. ﴿فَهُو﴾؛ أي: فالإخفاء مع إصابةِ موضع الاستحقاق ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ هذا في المندوبات. وأما في الواجبات فالإظهارُ أفضل؛ عن ابن عباس ﵄: صدقات السرِّ في التطوُّع تفضُل علانِيَتَها بسبعين ضعفاً، وصدقةُ الفريضة علانيتُها أفضل من سرِّها بخمسةٍ وعشرين ضعفاً (١). وإنما كان إظهارُ الفرائض أفضلَ؛ لنفي التُّهمة، حتى إذا كان المزكِّي ممن لا يُعرف باليسار كان إخفاؤها أفضلَ، والمتطوِّع إن أراد أن يُقتدَى به كان إظهارُه أفضلَ، والأعمالُ بالنيَّات. ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ قرئ بالنون مرفوعاً عطفاً على ما بعد الفاء، فيكونُ جملةً فعليَّة

стр. 751

في حكم الجزاء، أو على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي: ونحن نكفِّرُ، أو على أنه جملة فعلية مبتدأةٌ. ومجزوماً عطفاً على محلِّ الفاء وما بعدَه؛ لأنَّه جواب الشرط. وقرئ: ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ بالياء مرفوعاً والفعلُ للّه تعالى أو للإخفاء (١). و: (تكفِّر) بالتاء مرفوعاً ومجزوماً، والفعل للصدقات. وقُرئ بالياء والنصب بإضمار (أنْ)، ومعناه: وإنْ تُخفوها يكنْ خيراً لكم وأنْ يُكفِّرَ عنكم (٢). ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ أي: يكفِّر بعضَ سيئاتكم، وذلك لأنَّ ما هو من حقوق العباد لا يتعلَّق به المغفرة بدون إرضاءِ الخصم. قال الإمام المطرِّزيُّ في "المُغرب": الكفر في الأصل: السَّتر، يقال: كَفَره وكَفَّره، إذا ستره، ومنه الحديث في ذكر الجهاد: هل ذلك مكفِّرٌ عنه خطاياه؟ يعني: هل يكفِّر القتل في سبيل اللّه تعالى ذنوبه؟ فقال: "نَعَمْ، إلا الدَّين"؛ أي: إلا ذنبَ الدَّين فإنه لا بدَّ من قضائه (٣). ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فلا يتفاوت الإظهارُ والإسرارُ، وفيه ترغيبٌ في الإسرار. * * * (٢٧٢) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.

стр. 752

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾؛ أي: لا يجب عليك أن تجعلهم مَهْديِّين إلى امتثالِ ما أُمروا به والانتهاءِ عما نُهوا عنه مِن المن، والأذى، والرياء، والإنفاقِ من الخبيث، وغيرِ ذلك مما مرَّ، وما عليك إلا أن تبلِّغهم فحَسْب. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ استدراك عما يقتضيه الكلام السابق وَينتظِمُ به من تعليله؛ كأنه قيل: لأنك لا تَقدر عليه ولكنَّ اللّه قادرٌ على الهداية المنجيَة عن الضلال فيخصُّ بها مَن يشاء. وفيه دلالةٌ على أن الهداية الموصِلةَ إلى البُغية من الله تعالى وبمشيئته، وأمَّا أنها مخصوصة بقومٍ دون قومٍ فهو أظهر من أن يخفى، والحاجةُ إلى الدلالة فيما يَشتَبِهُ فيه الحال. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: فأنتم تنتفعون به، وإنما قال: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ دون: من مالٍ؛ لأنَّه إذا لم يكن طيِّباً لا يَنتفع به المنفق بل يتضرَّر، فالعبارةُ المذكورةُ ضمنَها الإشارةُ إلى النهي عن إنفاق المال الخبيث، وعن المنِّ على الغير والأذى له، على أبلغِ وجهٍ، وأمَّا أنه لا ينتفِع به غيرُكم فلا يقتضيهِ المقام، ولا هو المناسب لأنْ يُقصد بالكلام المذكور (١). ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ حالٌ؛ كأنه قال: وما تنفقوا (٢) من خيرٍ فلأنفسكم غيرَ منفقينَ إلا لابتغاءِ وجهِ اللّه تعالى وطلبِ ثوابه. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ ثوابُه أضعافاً مضاعَفةً، فلا تتركوه وأنفقوا

стр. 753

مِن أحسن الأموال على أحسن الوجوه، فهو تأكيد للشرطيَّة السابقة. أو: ما يُخلَفُ المنفِق استجابةً لدعوة الملَك القائل: "اللهمَّ اجْعَلْ لمنفقٍ خَلَفاً ولممسِكٍ تَلَفاً" (١). روي: أن ناساً من المسلمين كانت لهم أصهارٌ ورَضاعٌ في اليهود، وكانوا ينفقون عليهم، فكرهوا لمَّا أسلموا أن يُنفقوهم فنزلت (٢). واختُلف في الواجب، فجوَّز أبو حنيفة صرفَ صدقة الفطر إلى أهل الذمَّة وأباه غيرُه. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ؛ أي لا تُنقَصون شيئاً مما وعد من الثواب جزاءً لأعمالكم، فإن نقص الأجر الموعود ظلمٌ وإن لم يكن نقصُ الثواب مطلَقاً ظلماً. * * * (٢٧٣) - ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ الجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره: اعْمِدوا للفقراء، أو: اجعلوا نفقتكم للفقراء؛ كقوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]؛ أي: اذهب في تسع آيات، أو خبرُ مبتدأ (٣)؛ أي: صدقاتُكم للفقراء. ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَحْصَرهم الجهاد، والإحصارُ: منعُ النفس عن التصرُّف.

стр. 754

﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: ذهاباً فيها للكسبِ، تقول: ضربتُ في الأرض ضرباً، إذا سرتَ فيها؛ أي: يكرهون المسير لأجله؛ لئلا يفوتهم صحبةُ رسول اللّه ﷺ والخروجُ في سريةٍ، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]؛ أي: يكرهون سماعه ولهم آلاتُ السماع، ولا يخفى أن هذا المعنى أبلغ في وصفهم مما قيل: لا يستطيعون لاشتغالهم بالجهاد. وقيل: هم أهل الصُّفَّة، وكانوا نحواً من أربع مئةٍ من فقراء المهاجرين يسكنون صُفَّة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلُّم والعبادة، وأقواتُهم من فضل الأغنياء، وكانوا يخرجون في كلِّ سريَّةٍ بعثها رسول اللّه ﷺ . ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ بحالهم ﴿أَغْنِيَاءَ﴾. وإنما قال: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ - أي: من أجْل تعفُّفهم عن السؤال - دفعاً لاحتمالِ أن يكون حسبانُه من الأغنياء لكونه من الأغنياء. وفي إطلاق اسم الجاهل عليه على الإطلاق ما لا يخفى من الذمِّ، وذلك الاستحقاقُ لأن الغافل عن حالهم لا يكون من أهل الصحبة والوفاق. والتعفُّف: تفعُّلٌ من العِفَّة، يقال: عف عن الشيء، إذا أمسك عنه وتَنزَّه عن طلبه. ﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ الخطاب لمن يستحقُّ التوصيف بعرفانهم من الأصحاب، ومَن حذا حَذْوَهم في سلوك طريق الصَّواب (١). ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلامتهم من صُفرة الوجه ورثاثةِ الحال، لا خفاءَ في أن لسان

стр. 755

الحال أنطقُ من لسان المقال، وبيانَ الدلالة أصدقُ من بيان العبارة، فالعارفُ يُحدس من رثاثة الحال، والجاهل يستدل بعدم (١) السؤال. ومعنى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ نفيُ السؤال والإلحاف جميعًا، كقولهم: ولا تَرَى الضَّبَّ بها ينجَحِرْ (٢) أي: لا ضبَّ ولا انجِحارَ، ولا يخفى أن هذا المعنى أَدخَلُ في التعفُّف وفي أن يُحسَبوا أغنياء، فيكونُ أنسبَ للمقام، وأجلبَ لمزيدِ حُسْنٍ في الكلام، كيف وفي هذا النوع من التركيب دقيقةٌ أنيقة (٣)؟ وهي أنه لمَّا جعل نفي الأول تمهيداً لنفي الثاني جعل الأول مسلَّماً لا نزاع فيه، إذ من حق الدليل أن يكون أوضح من المدلول، ولهذا قال ابن عباس ﵄ في تفسيره: لا يَسألون الناس إلحافاً ولا غيرَ إلحافٍ (٤). وقيل: تُرك غيرُ الإلحاف ذكراً للإيماء إلى إطلاق السؤال عند الحاجة، ورفعِ الإثم عمَّن فعله مُضطرًّا (٥). والإلحاف: لزوم السؤال، من اللِّحاف الذي يُلازم الملتحِفَ به.

стр. 756

والجمل الأربع بعد الصلة مترتِّبة عليها بمنزلةِ البيان لها، فلا سبيل للعاطف بينهما (١) لشدة اتصال كلٍّ منها (٢) بالأخرى. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ترغيبٌ في الإنفاق؛ لأن علمَ اللّه تعالى به كنايةٌ عن أنه لا يَضيع، ولهذا زاد قوله: ﴿مِنْ خَيْر﴾ فإنه إذا أُريد علمه تعالى به على حقيقته تكون تلك الزيادة خلواً عن الإفادة (٣). * * * (٢٧٤) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾؛ أي: يعمُّون الأحوالَ والأوقات بالصدقة لحرصهم عليها، فكلما نزلت بهم حاجةُ محتاجٍ عجَّلوا قضاءها ولم يؤخِّروها، ولم يتعلَّلوا بوقتٍ ولا حالٍ. نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ (٤). وقيل: في علي كرم اللّه وجهه (٥). وقيل: نزلت في علف الخيل ورباطها في سبيل اللّه تعالى (٦).

стр. 757

﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: يُؤمَن عن الضياع، خبر ﴿الَّذِينَ﴾، وإذا أريدَ كون الصلة سبباً لحصول الخبر للموصول ضمِّنت معنى الشرط وأُدخل الفاءُ في الجزاء، وإن لم يقصد ذلك فلا، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٢]. وقيل: للعطف والخبرُ محذوف، أي: ومنهم الذين، ولهذا جوِّز الوقف على قوله: ﴿وَعَلَانِيَةً﴾. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قد مرَّ تفسيره. * * * (٢٧٥) - ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾؛ أي: يتمتَّعون به، فإن التعبير بالأكل عن مطلَق التمتُّع على طريقة العبارة (١) عن كلِّ وجوه الشيء بجلِّها شائع في الألسنة كلِّها. كتب ﴿الرِّبَا﴾ بالواو على لغةِ مَن يفخِّم كما كُتب الصلاة والزكاة، وزيدت الألفُ بعدها تشبيهاً لها بواو الجمع لزيادة التفخيم، ومعناه لغةً: الزيادة المطلَقة، وشرعاً: الزيادة في القَدْر أو في الأجَلِ على الوجه المذكور في كتب الفقه. ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ يوم القيام. ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾: إلا قياماً كقيام الذي يتخبَّطه المفسِدُ من الجنِّ، والخَبْط: الضربُ باليد كيف يقع، والرَّمْحُ بالرِّجل، والزَّبنُ بالرُّكبة، والتخبُّط: تكلُّف الخبط، والمراد: الزيادة فيه.

стр. 758

﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ يتعلق بـ ﴿يَقُومُ﴾، أو ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾، والمسُّ: الجنون، يقال: مُسَّ - على ما لم يُسمَّ فاعلُه - فهو ممسوسٌ، كما يقال: جُن فهو مجنون. والجنون قد يكون بضربِ الشياطين من الجن، ولذلك يُسمَّى (١) مجنوناً، وهو بتسليط اللّه تعالى إياهم على الناس كما يسلِّط عليهم بعضَ الدوابِّ والسباع، وله أن يفعل في مُلكه ما يشاء. أي: لا يقوم آكل الربا عن قبره في يوم القيامة إلا كالذي ضربه الجنُّ فخبله فصار كالمصروع، فهو يقوم ويسقط ليس كسائر الناس؛ لأنهم يخرجون من الأجداث سراعا، وهذه عقوبة لهم بها يُعرفون يومئذ، وقد أثقل (٢) بطونهم ما (٣) أكلوه من الربا. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾؛ أي: ذلك العقاب بسببِ أنهم نظَموا الربا والبيعَ في سلكٍ واحد، وقاسوا أحدهما على الآخر، يعني: أن البيع يكون مثلَ الربا في اشتماله الفضلَ، ولو كان ذلك سبباً للحرمة لحرُم البيع، لكنه حلال فثبت أنه ليس بسبب للحرمة، فالربا ليس بحرام وشبهتُهم (٤) أن بيع السَّلَم وغيره قد يكون المشترَى فيه بدرهم يساوي درهمين، فيكون أزكى من الربا. ومَن لم يتنبَّه لِمَا قرَّرناه زعم أنهم بالغوا في وصف اعتقادهم حلَّ الربا حتى جعلوه أصلاً في القياس، وشبَّهوا البيع به - مع أن الكلام في الربا، والبيعُ أصل في الحل - على طريقة قول الشاعر:

стр. 759

وبلدةٍ مغبرَّةٍ أرجاؤها … كأنَّ لون أرضها سماؤها (١) بالَغَ في وصف السماء بالاغْبِرار حتى شبَّه الأرض بها، وفي التعبير عن اعتقادهم هذا بالقول ما لا يخفى من المبالغة في أنه لا حقيقة له أصلاً. ثم أنكر تسويتَهم بينهما (٢) بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وفيه دلالة على أنَّ القياس يهدمُه النصُّ، حيث نقل قياسهم وأبطله بمجرَّد القول المذكور من غير تعرُّضٍ لفساد القياس من حيث إن الفضل في الربا محقَّق وفي البيع متوهَّم. وأما ما قيل: هو إبطال للقياس لمعارضته النصَّ، فيَرِدُ عليه أنهم قاسوا قبل ورود النصِّ الفارق بينهما، فلا معارضةَ وقتئذٍ. ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ فمَن بلَغه وعظٌ من اللّه تعالى وزجرٌ بالنهي عن الربا، وفي عبارة الربِّ إيماءٌ إلى أنه تعالى يُربِّي عبدَه بفضله بلا توقّفٍ على كسبه، كيف وقد ربَّاه وهو جنين؟ فحقُّه أن لا يتجاوز في طلب المكسبِ عن حدِّ الرُّخصة. ﴿فَانْتَهَى﴾ فاتَّعَظ به وتَبعَ النَّهي. ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾؛ أي: فلا يؤاخَذُ بما مضى منه، وله ما أَخَذ لأنَّه قَبْل نزولِ التحريم (٣).

стр. 760

و ﴿مَا﴾ في موضع الرفع بالظَّرف (١) إن جُعل (مَن) موصولةً، وبالابتداء إنْ جُعلت شرطيَّةً على رأي سيبويه؛ إذ الظرفُ غيرُ معتمِدٍ على ما قبله. وإنما ذكِّر فعلُ الموعظة لأن تأنيثها غيرُ حقيقيٍّ مع أن فيه فاصلاً، فلا حاجة إلى التأويل بأنها في معنى الوعظ. ﴿وَأَمْرُهُ﴾ في ذلك. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ يحكم في شأنه بما شاء يوم القيامة لا إليكم، فلا تطالبوه بشيء. ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى الربا بعد النهي عنه. ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّا﴾ لإصرارهم عليه. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إذا اعتقدوا حلَّه لأنَّه كفرٌ، والكفر يوجِب الخلود في النار. * * * (٢٧٦) - ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾. ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ المحقُ: نقصان الشيء حالاً بعد حالٍ حتى يذهبَ كلُّه؛ كما في محاقِ الشهر، وهو حالُ أكلِ الربا، فإن اللّه تعالى يُذهب بركته، ويُهلك المال الذي يدخل فيه. ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي: يُنمي (٢) ويزيدُها، بأن يضاعفَ عليها الثواب، ويزيدَ المال الذي أُخرجت منه، ويباركَ فيه، وفي الحديث: "ما نقصَتْ زكاةٌ من مالٍ قطُّ" (٣).

стр. 761

لا يقال: الكلام في إرباء ما يُتصدَّق به وهذا ليس منه. لأنَّا نقول: وقوع زيادة المال والبركة فيه بسببه (١) فضيلةٌ تزيد وإرباءٌ له، لتضاعُف (٢) الثواب بسببه. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ عدمُ المحبة كنايةٌ شائعةٌ عن البغض (٣). ﴿كُلَّ كَفَّار﴾ باستحلالِ الربا. ﴿أَثِيم﴾ بأكله بدونِ المبالاة، يُحمل على التعميم بعد السَّلب حتى تكون سالبةً كليَّةً، دون العكس؛ إذ حينئذ يكون رفع الإيجاب الكليِّ وهو لا يناسب المقام، ولا بُعْدَ فيما ذكَرْنا؛ لأن القيد المقدَّم ذكراً قد (٤) يعتبر مؤخراً معنًى. وفي صيغة (٥) المبالغة تغليظٌ بليغٌ في شأن المستحِلِّ للربا، لِمَا فيه من الإيذان بتجدُّد كفره في كلِّ آنٍ. * * * (٢٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللّه ورسله، والإيمانُ بالرسول لا يَتمُّ إلا بالإيمان بجميع ما جاء به منه تعالى.

стр. 762

﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ من الفرائض والواجبات والمندوبات. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ عطَفهما على ما يعمُّهما لفضلهما على سائر الأعمال الصالحة؛ لكونهما أمَّي (١) العبادات البدنية والمالية. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قد مر تفسيره. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن آت ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فات. * * * (٢٧٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا﴾ واتركوا ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ بقايا ما شَرَطْتُم على الناس منه. وقرأ الحسن: (ما بَقَا) بقلبِ الياء ألفاً على لغةِ طيِّئٍ، وعنه: (ما بَقِيْ) بياءٍ ساكنة (٢). ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بقلوبكم، فإن دليله امتثالُ ما أُمرتم به، وفي إطلاق ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ في (٣) الذِّكر عن القيد المذكور دلالةٌ على أنَّ المؤمن حقيقةً مَن آمَنَ بقلبه، رُوي أنه كان لثقيفٍ ثروةٌ (٤)، وكان لهم على قوم من قريش مالٌ، فطالبوهم عند المحل بالمال والربا فنزلت (٥).

стр. 763

(٢٧٩) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ لم يُرَدْ مطلَقُ الترك، بل أُريد التركُ في ضمن الإبراء، فلهذا قيل: ﴿لَمْ تَفْعَلُوا﴾، دون: لم تتركوا. ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ فاعلَموا بها، من أَذِن بالشيء: إذا علم به. وقُرئ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ (١)؛ أي: فأَعْلِموا غيرَكم، من الأَذَن وهو الاستماعُ؛ لأنَّه من طُرُق العلم. وقُرئ: (فأيقِنوا) (٢)، وهو دليل (٣) لقراءةِ العامة، والتنكيرُ في (حرب) للتعظيم. ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الحرب يكون من الرسول ﷺ بأمرٍ من اللّه تعالى، فذِكْرُه تعالى للتمهيد، و (حرب منه) أبلغُ من: حربه؛ لِمَا في التنكير من التهويل؛ أي: بنوعٍ من الحرب لا يَقبل التعريف لعِظم شأنه، وذلك يقتضي أن يقاتَل المُرْبي بعد الاستتابة حتى يَفيءَ إلى أمر اللّه؛ كالباغي، ولا يقتضي كفرَه. رُوي: أنها لمَّا نزلت قالت ثقيفٌ: لا يَدَيْ لنا بحرب الله ورسوله (٤). ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ من الارْتِباء، ومَن زاد على هذا قولَه: واعتقادِ حلِّه، فكأنه غَفَل عن قوله (٥) بأن سياق الكلام لا يقتضي كفرَه.

стр. 764

فإن قلتَ: أليس يُفهم من قوله: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ أصولُها، وأما الأرباحُ فطواري عليها ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بالنقصان والمَطْل، أنهم إن لم يتوبوا فليس لهم رؤوس أموالهم؟ قلتُ: ذلك وهمٌ سبق إلى فهمِ مَن قال: إنه حينئذ يكون مالُهم فَيئاً للمسلمين، وتبعَه القائل، وهو سديدٌ على ما قلناه، إذ المصرُّ على التحليل مرتدٌّ، والحقُّ أن الظاهر منه بطريق المفهوم هو أنه إن لم يتوبوا لا تصلُ أيديهم إلى رؤوس أموالهم، وذلك لأنهم يُقتلون حينئذ كما يُقتل الباغي. * * * (٢٨٠) - ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَإِنْ كَانَ﴾؛ أي: وُجد غريم. ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾، وقرئ: (ذا عسرة) (١)؛ أي: وإن كان الغريمُ ذا عسرةٍ. ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ فالحكمُ نظرةٌ؛ أو: فليكُنْ نظرةٌ، أو: فعليكم نظرة (٢)، وهي الإنظار. وقرئ: (فناظرُه) على الخبر؛ أي: فصاحبُ الحق ناظره، بمعنى: منتظرُه، أو صاحب نَظِرته (٣) على طريق النَّسب. و: [(فناظِرْه)] على الأمر؛ أي: فسامحْه بالنَّظِر [ة] (٤).

стр. 765

﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ قُرئ بضم السين وفتحِها (١)، وهما لغتان بمعنى يسارٍ. وقُرئ بهما مضافَين بحذف التاء عند الإضافة (٢). ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ بالإبراء ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أكثرُ ثواباً من الإنظار، أو: خير مما تأخذون، لمضاعَفة ثوابه ودوامه. وقيل: المراد بالتصدُّق الإنظارُ، لقوله ﵇: "لا يَحِلُّ دَينُ رجلٍ مسلمِ فيؤخِّرَه إلا كان له بكلِّ يومٍ صدقةٌ" (٣). بعثٌ لهم على التصدُّق بالدَّين كلِّه أو بعضِه على مَن أَعسر من غُرمائهم، أو على الإمهال إلى وقت اليسار. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كُني بالعلم عن العمل لأنَّه إذا كان نافعاً قلَّما يتخلَّف عن علمه، فهذه الكنايةُ باعتبار مبناها تأكيدٌ لِمَا تقدم من الخيريةِ على أبلغ وجهٍ. ومَن لم يَتنبَّهْ (٤) لهذا قال في تفسيره: ما فيه من الذكر الجميل والأجرِ الجزيل. ثم إنه لم يَدْرِ أن الذكر الجميل لا يَصْلُح وجهاً للحثِّ على الصدقة إذا كان الحثُّ من اللّه تعالى؛ لأن الصدقة المَرْضيَّة عنده تعالى ما لا يشوبُها غرضٌ دنيويٌّ. * * *

стр. 766

(٢٨١) - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ يومَ القيامة، والتنكير للتعظيم، وللإشارة إلى لأنَّه لا يَقبل التعريف. ﴿تُرْجَعُونَ﴾ من الرَّجع (١)، وقرئ بفتح التاء وكسرِ الجيم من الرُّجوع (٢)، وقرئ بالياء على الالتفات (٣). ﴿فِيهِ إِلَى اللَّه﴾ للحساب والجزاء. والأمرُ بالاتِّقاء كناية عن الأمر بموجَبه وهو التأهُّبُ للمصير إليه. ﴿ثُمَّ تُوَفَّى﴾ التوفية والإيفاء: الإكمال. ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ كاسبةٍ ﴿مَا كَسَبَتْ﴾؛ أي: أَحْرزتْ من جزاء الأعمال الموعود، فإن الكناية بالكسب عن الإحراز شائعٌ في الألسنة كلِّها. وإنما وصفنا الجزاء بالموعود لأن الظلم بنقصِ الثوابِ إنما يكون بذلك الاعتبار (٤). ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا بنقص ثواب ولا بزيادة (٥) عذاب. عن ابن عباس ﵄: أنها آخر آية نزل بها جبريل وقال: ضعها في رأس المئتين والثمانين من البقرة (٦).

стр. 767

وعاش رسول اللّه ﷺ بعدها أحداً وعشرين يوماً، وقيل أقلُّ، وقيل أكثرُ (١). * * * (٢٨٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ إذا دايَنَ بعضُكم بعضاً، يقال: دايَنْتُ الرجل، إذا عامَلْتَه بدَينٍ معطياً أو آخذاً، كما تقول: بايعتُه، إذا بعتَه أو باعك، وأمَّا كونها نسيئةً فغيرُ معتبَرٍ في المُدايَنة، وإرادتُها في المقام لذكرِ الأَجَل. وإنما قال: ﴿بِدَيْنٍ﴾ مع أنه مستفادٌ من التدايُن - للتعميم؛ أي: أيِّ دينٍ كان قليلاً أو كثيراً، أو لقطعِ احتمال معنًى آخر فإن المدايَنة قد يراد بها المجازاةُ. وأما تنوُّعه إلى المؤجَّل والحالِّ فيُعلم من قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ ومرجعُ الضمير في ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ لا يلزمُ أن يكون مذكوراً، بل يكفي أن يكون مفهوماً في ضمن الكلام السابق.

стр. 768

هذا كلُّه بحسب جليلِ النظر، والذي بحسَب دقيقِه هو أنه لا بد مِن ذكر الدَّين ليتعلَّق الجارُّ به، فإنه لو لم يذكر لفُهم تعلُّقه بالتدايُن، ولا وجه له فإنَّ المبايعةَ إلى أَجَلٍ غيرُ مشروعة (١). ﴿مُسَمًّى﴾ معلومٍ موقَّتٍ بالسَّنة والشهور والأيام المعيَّنة، لا بالحصاد والدِّيَاس وقدوم الحاجِّ ونحوِ ذلك مما لا يتعيَّن. ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ نبَّه على انقسام الدَّين إلى حالِّ ومؤجَّلٍ، وأمر بكتابة المؤجَّل على سبيل الندب والإرشاد؛ لأنَّه أوثق وآمَنُ من النسيان، وأبعدُ من الجحود. وعن ابن عباس ﵄: أن المراد به السَّلَمُ، وقال: لمَّا حرَّم اللّه الرِّبا أباح السَّلَم. وسيأتي ما يتعلَّق بهذا المقام من الكلام. ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ قيَّده بقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ليكون أبعدَ عن الاشتباه والتهمةِ. والتنكيرُ في ﴿كَاتِبٌ﴾ للتنبيه على أن المعتبَر كونُ الكتابة على الوجه (٢) المعهود، لا كونُ الكاتب معهوداً، ولهذا قيَّدها بقوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾. وأطلق الكاتب، أي: وليَكْتب بالتَّسوية والاحتياط لا يَزيد على ما يجب ولا يَنقُص عنه، وهذا يدل اقتضاءً على أن الكاتب يجب أن يكون فقيهاً عالماً بالشروط حتى يكون مكتوبه معدَّلاً بالشرع، فيحصل ما هو المقصود من الكلام على تقديرِ تعلُّق القيدِ المذكور بالكاتب، وأمَّا الذي ذكرناه فيَفوت حينئذ، فالراجح تعلُّقه بالفعل.

стр. 769

والأمر في الحقيقة للمتداينينِ باختيار كاتبٍ فقيهٍ ديِّنٍ حتى يجيءَ مكتوبه موثوقاً (١) به معدَّلًا بالشرع. ﴿وَلَا يَأْبَ﴾؛ أي (٢): ولا يمتنعْ ﴿كَاتِبٌ﴾: أحد من الكتَّاب (٣) ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾، فإن تنكير ﴿كَاتِبٌ﴾ بعد النهي يُفيد العموم. ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ مثلَ ما علَّمه اللّه من كتبةِ الوثائق، أو: لا يأبَ أن يَنفع الناسَ بكتابته كما نفَعَه اللّه تعالى بتعليمه؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]. ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تلك الكتابةَ المعلَّمة، أَمر بها - بعد النهي عن الإباء عنها - تأكيداً، وهذا لأن الفاء تدلُّ على أن (٤) الترتيب على السابق، ولأن ورود الأمر عَقيب ذلك النهي تأييداً له يُشعر (٥) بذلك كلَّ الإشعار. ويجوز أن تتعلَّق الكاف بالأمر، فيكون النهي عن الامتناع منها مطلَقةً ثم الأمرُ بها مقيَّدةً، وهذا الوجه أحسنُ مِن جَعْل الأول تمهيداً له؛ لِمَا فيه من تدرُّجٍ وتفخيمٍ لشأن الكتابة على النهج المذكور، وفي تقديم ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ مبالغةٌ حسنةٌ، والأولُ أظهرُ وأقرب تناوُلاً. ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الإملالُ والإملاءُ: الإلقاءُ على الكاتب للكتابة،

стр. 770

و ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ هو الذي عليه الدَّين، وإنما كان الإملاءُ إليه لأنَّه المقِرُّ المشهودُ عليه. ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؛ أي: الكاتبُ لا المُمْلي (١) على ما ستقف عليه، جُمع بين اسم الذات والوصفِ تذكيراً لكونه مربِّياً له مُصلحاً لحاله. ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: ولا يَنقُصْ مما أُمْليَ عليه قليلاً. ولمَّا كان الأمرُ بالاتِّقاء تمهيداً للنهي عن النقص المذكور لم يُؤت بينهما بأداة الترتيب. ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ دلَّ هذا على توجُّه الأمر والنهي إلى الكاتب، فإنهما لو توجَّهَا إلى المُمْلي لكان حقُّ الكلام في هذا المقام الاكتفاءَ بالضمير. وتصديرُه بالفاء لترتُّبه على ما تقدَّم. ﴿سَفِيهًا﴾ محجوراً عليه؛ لجهله بالتصرُّف، أو التبذيرِ. ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ لصِغَره أو لكِبَره (٢)، والمراد: ضعفُ القوى لا ضعفُ النُّهي؛ لأنَّه من أسباب الحَجْر، فيندرِج تحت السَّفَهِ. ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾: أو غيرَ مستطيعٍ بنفسه لعيٍّ أو خرَسٍ. ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾؛ أي: الذي يلي أمره؛ وصيًّا كان أو وليًّا، أو وكيلاً أو ترجماناً. ﴿بِالْعَدْلِ﴾ فيه دلالةٌ على جواز النيابة في الإقرار بالدَّين. ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾؛ أي: واطلبوا أن يَشهد لكم شهيدان.

стр. 771

﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ أي: من المؤمنين البالغين، أمَّا البلوغ فلا بدَّ منه قطعاً، وأمَّا الإسلام فلا بد منه أيضاً إن كان المديون مسلماً، وإن كان كافراً فاعتبارُه احتياطاً لأنَّه يَحتمِل أن يُسلم، فلا دلالة في الآية على أنه لا تُسمع شهادة الكفار بعضِهم على بعض. ثم إنَّ المقصود بيانُ النصاب لا بيانُ الشرائط، فلهذا لم يتعرَّض لقيدِ الحرية والعقل. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾: فإن لم يكن الشهيدان رجلين. ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ فليَشهد رجل وامرأتان. مَن قال: هذا مخصوص بالأموال عندنا، وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة، فكأنه ذَهَلَ عن أن الكلام في الإشهاد على الدَّين. فإن قلتَ: أليس كلٌّ منهما نصابُ الشهادة بلا تفاوتٍ بينهما ولا توقُّفٍ لصحة الثاني على عدم الأول؟ قلتُ: نعم، لا توقُّف لصحة الثاني (١) على عدم الأول، ولهذا لم يقل: فإن لم يوجَدا فرجل وامرأتان، وأمَّا عدم التفاوت بينهما فممنوعٌ، فإن الأصل هو الأول، وهو الراجح، ولهذا صدَّر الشرطية المذكورة بأداة الترتيب. ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ أي: من العُدول المَرْضيِّين (٢) من الشهود. ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ علَّةٌ لإقامة شهادة امرأتين مقامَ

стр. 772

شهادة رجلٍ واحد، والضلال بمعنى النسيان مَجازاً لأنَّه سببُه؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]. فإن قيل: كيف قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ وإنما الإقامة المذكورة للإذكار لا للضلال؟ قلنا: أجاب عنه سيبويه: بأنَّ الضلال سبب الإذكار، فتقدم (١) عليه لأنَّه سبب العلة لا لأنَّه العلة؛ كما يقال: أعددتُ هذا للحائط أن يميل فأدعمَه، وإنما أعدَدْتَه للدعم لا للميل، لكن قدِّم عليه الميل لأنَّه سببُه (٢). والعدول عن الظاهر للاعتناء بشأن التذكير، فإنَّ إفضاء الفعل إليه وكونَه مقصوداً من الفعل بلَغ مبلَغًا صار المهروب عنه مطلوباً لأجله، ومن حيث كونُه مُفْضياً إليه. وأجاب عنه الفرَّاء: أنه بمعنى الجزاء، وتقديره: أنْ تذكِّر إحداهما الأخرى إنْ ضلَّت، إلا أنه لمَّا قدِّم (أنْ) اتَّصل بما قبله من العامل فانفتح (٣). ويؤيدُه قراءة: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ بكسر الألف على الشرط ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ بالرفع (٤). وقرئ: (أنْ تُضَلَّ) على البناء للمفعول (٥)؛ أي: أن تُوجد ضلالة، من الإضلال الذي همزتُه للوجدان؛ نحوَ: أَحْمَدْتُه، بمعنى: وجدْتُه محموداً، ولا يخفَى ما في التعليل المذكورِ من الدلالة على ضعفِ حِفْظهنَّ وقلَّةِ ضبطِهن، وليس ذلك إلا لنقصان عقلهنَّ.

стр. 773

﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾؛ أي: لا يَمتنعِ المدعوُّون لتحمُّل الشهادة عن الحضور ليتحمَّلوا الشهادة، وكأنَّ تسميتَهم شهداء قبل التحمُّل تنزيلاً للمُشارف منزلةَ الكائن، أو: لا يمتنعِ المتحمِّلون إذا دُعوا إلى أداء الشهادة ليؤدُّوها، والنهيُ عن الأول تنزيهاً، وعن الثاني تحريماً. ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ نهيٌ عن الضجر والملل من كثرة المُداينات. ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾؛ أي: لا تَملُّوا أن تكتبوا الدَّينَ، أو الحقَّ، أو الكتابَ، كذا قالوا. وَيرِدُ عليه: أن الضجر والملل إنما يكون بعد الشروع فيه، والإكثارِ منه، والمراد هنا النهيُ عن السآمة من أنْ يُكتب ابتداء، فالوجهُ أن تكون السآمة كنايةً عن الكسل، والمصيرُ إلى الكناية لا لأنَّه من صفة المنافق، إذ حينئذ لا يُجدي تغيير التعبير، بل لأن تلك العبارة كانت دائرةً على ألسنة المنافقين فصارت من شعارهم، ولذلك قال ﵇: "لا يقولُ المؤمن: كَسِلتُ" (١). ﴿صَغِيرًا﴾ قدِّم اهتماماً به (٢)، وانتقالاً من الأدنى إلى الأعلى ﴿أَوْ كَبِيرًا﴾ حالان منه، أي: لا تسأموا كتابةَ الحقِّ أو الدِّينِ على أيِّ حالٍ كان من صغرٍ أو كبرٍ (٣)، أو: لا تسأموا أن تكتبوه مختصراً أو مُشْبَعاً، على أن الضمير للكتاب. ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾: إلى (٤) وقتِه الذي عيَّنه المتداينان. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ لأنَّه في معنى المصدر.

стр. 774

﴿أَقْسَطُ﴾: أكثرُ قسطاً. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حُكمه. ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾: وأثبتُ لها، وأعونُ على إقامتها. و ﴿أَقْسَطُ﴾ مبنيّ من قاسطٍ بمعنى النسب؛ أي: ذي قِسْطٍ، و (أَقْوم) من قويمٍ، ويجوز عند سيبويه أن يُبنى أفعلُ التفضيل من غير الثلاثيِّ، فيكونان مبنيَّين من أَقْسَطَ وأَقامَ (١). ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾: وأقربَ لانتفاءِ الرِّيبة في جنس الدَّين وقَدْره وأَجَله والشهودِ ونحوِ ذلك، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، وحَسَّنَ حذفَه وقوعُ أَفْعَلَ خبراً للمبتدأ (٢). ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ استثناء مفرَّغ؛ أي: لا تتركوا كتابته وقتاً مّا، أو لعلةٍ ما، إلا وقتَ كونها تجارةً ناجزة (٣) تتعاطونها بينكم يداً بيد، أو: لأنْ (٤) تكون تجارةً ناجزة. على أن ما بعد ﴿إِلَّا﴾ نصب على الظرف أو على المفعول له. وقرئ: ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ بالرفع على أنَّ (كان) التامةُ، أو الناقصةُ واسمها ﴿تِجَارَةً﴾ وخبرها ﴿تُدِيرُونَهَا﴾، وبالنصب على: "لا أن تكون التجارةُ تجارةً حاضرةً (٥).

стр. 775

والتجارةُ الحاضرةُ تعمُّ المبايعة بدَينٍ أو عين، والمفهومُ من تفريع نفي الجناح - وهو الإثم - على الشرط المذكور في المستثنَى ثبوتُ الإثم في عدم الكتابة على تقديرِ فَقْدِ ذلك الشرط، وموجَبُه أن يكون الأمر بالكتابة فيما تقدَّم للوجوب، فالقائلون بحُجِّية المفهوم لا بد لهم من القول بوجوب الكتابة ثمة. ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ في العاجل والآجل جميعاً، والأمر للندب. ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ يَحتمِل البناءَ للفاعل والمفعول جميعاً، والدليل عليه قراءة عمر ﵁: (ولا يُضارِرْ) بالإظهار والكسر، وقراءة ابن عباس ﵄: (ولا يضارَرْ) بالإظهار والفتح (١). والمراد: نهيُ الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يُطلب منهما، وعن التغيير بالزيادة والنقصان، أو نهيُ المستكتِب والمستشهِد عن الضرر بهما، بأن يُعجَّلا عن مُهمٍّ، أو لا يُعطَى الكاتب (٢) حقَّه من الجُعْل، أو يكلَّفَ الشهيد مُؤنةَ النقل من مسافة بعيدة، وأمثالِ (٣) ذلك. وقرأ الحسن: (ولا يضارِّ) بالكسر (٤). ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ أي: وإنْ تضارُّوا، أو: إن تفعلوا شيئاً مما نُهيتم عنه. ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ خروجٌ عن الطاعة لاحقٌ بكم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مخالفة أمره ونهيه.
следующие страницы →