← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ أي: من المؤمنين البالغين، أمَّا البلوغ فلا بدَّ منه قطعاً، وأمَّا الإسلام فلا بد منه أيضاً إن كان المديون مسلماً، وإن كان كافراً فاعتبارُه احتياطاً لأنَّه يَحتمِل أن يُسلم، فلا دلالة في الآية على أنه لا تُسمع شهادة الكفار بعضِهم على بعض. ثم إنَّ المقصود بيانُ النصاب لا بيانُ الشرائط، فلهذا لم يتعرَّض لقيدِ الحرية والعقل. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾: فإن لم يكن الشهيدان رجلين. ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ فليَشهد رجل وامرأتان. مَن قال: هذا مخصوص بالأموال عندنا، وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة، فكأنه ذَهَلَ عن أن الكلام في الإشهاد على الدَّين. فإن قلتَ: أليس كلٌّ منهما نصابُ الشهادة بلا تفاوتٍ بينهما ولا توقُّفٍ لصحة الثاني على عدم الأول؟ قلتُ: نعم، لا توقُّف لصحة الثاني (١) على عدم الأول، ولهذا لم يقل: فإن لم يوجَدا فرجل وامرأتان، وأمَّا عدم التفاوت بينهما فممنوعٌ، فإن الأصل هو الأول، وهو الراجح، ولهذا صدَّر الشرطية المذكورة بأداة الترتيب. ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ أي: من العُدول المَرْضيِّين (٢) من الشهود. ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ علَّةٌ لإقامة شهادة امرأتين مقامَ

стр. 772

شهادة رجلٍ واحد، والضلال بمعنى النسيان مَجازاً لأنَّه سببُه؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]. فإن قيل: كيف قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ وإنما الإقامة المذكورة للإذكار لا للضلال؟ قلنا: أجاب عنه سيبويه: بأنَّ الضلال سبب الإذكار، فتقدم (١) عليه لأنَّه سبب العلة لا لأنَّه العلة؛ كما يقال: أعددتُ هذا للحائط أن يميل فأدعمَه، وإنما أعدَدْتَه للدعم لا للميل، لكن قدِّم عليه الميل لأنَّه سببُه (٢). والعدول عن الظاهر للاعتناء بشأن التذكير، فإنَّ إفضاء الفعل إليه وكونَه مقصوداً من الفعل بلَغ مبلَغًا صار المهروب عنه مطلوباً لأجله، ومن حيث كونُه مُفْضياً إليه. وأجاب عنه الفرَّاء: أنه بمعنى الجزاء، وتقديره: أنْ تذكِّر إحداهما الأخرى إنْ ضلَّت، إلا أنه لمَّا قدِّم (أنْ) اتَّصل بما قبله من العامل فانفتح (٣). ويؤيدُه قراءة: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ بكسر الألف على الشرط ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ بالرفع (٤). وقرئ: (أنْ تُضَلَّ) على البناء للمفعول (٥)؛ أي: أن تُوجد ضلالة، من الإضلال الذي همزتُه للوجدان؛ نحوَ: أَحْمَدْتُه، بمعنى: وجدْتُه محموداً، ولا يخفَى ما في التعليل المذكورِ من الدلالة على ضعفِ حِفْظهنَّ وقلَّةِ ضبطِهن، وليس ذلك إلا لنقصان عقلهنَّ.

стр. 773

﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾؛ أي: لا يَمتنعِ المدعوُّون لتحمُّل الشهادة عن الحضور ليتحمَّلوا الشهادة، وكأنَّ تسميتَهم شهداء قبل التحمُّل تنزيلاً للمُشارف منزلةَ الكائن، أو: لا يمتنعِ المتحمِّلون إذا دُعوا إلى أداء الشهادة ليؤدُّوها، والنهيُ عن الأول تنزيهاً، وعن الثاني تحريماً. ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ نهيٌ عن الضجر والملل من كثرة المُداينات. ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾؛ أي: لا تَملُّوا أن تكتبوا الدَّينَ، أو الحقَّ، أو الكتابَ، كذا قالوا. وَيرِدُ عليه: أن الضجر والملل إنما يكون بعد الشروع فيه، والإكثارِ منه، والمراد هنا النهيُ عن السآمة من أنْ يُكتب ابتداء، فالوجهُ أن تكون السآمة كنايةً عن الكسل، والمصيرُ إلى الكناية لا لأنَّه من صفة المنافق، إذ حينئذ لا يُجدي تغيير التعبير، بل لأن تلك العبارة كانت دائرةً على ألسنة المنافقين فصارت من شعارهم، ولذلك قال ﵇: "لا يقولُ المؤمن: كَسِلتُ" (١). ﴿صَغِيرًا﴾ قدِّم اهتماماً به (٢)، وانتقالاً من الأدنى إلى الأعلى ﴿أَوْ كَبِيرًا﴾ حالان منه، أي: لا تسأموا كتابةَ الحقِّ أو الدِّينِ على أيِّ حالٍ كان من صغرٍ أو كبرٍ (٣)، أو: لا تسأموا أن تكتبوه مختصراً أو مُشْبَعاً، على أن الضمير للكتاب. ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾: إلى (٤) وقتِه الذي عيَّنه المتداينان. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ لأنَّه في معنى المصدر.

стр. 774

﴿أَقْسَطُ﴾: أكثرُ قسطاً. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حُكمه. ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾: وأثبتُ لها، وأعونُ على إقامتها. و ﴿أَقْسَطُ﴾ مبنيّ من قاسطٍ بمعنى النسب؛ أي: ذي قِسْطٍ، و (أَقْوم) من قويمٍ، ويجوز عند سيبويه أن يُبنى أفعلُ التفضيل من غير الثلاثيِّ، فيكونان مبنيَّين من أَقْسَطَ وأَقامَ (١). ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾: وأقربَ لانتفاءِ الرِّيبة في جنس الدَّين وقَدْره وأَجَله والشهودِ ونحوِ ذلك، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، وحَسَّنَ حذفَه وقوعُ أَفْعَلَ خبراً للمبتدأ (٢). ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ استثناء مفرَّغ؛ أي: لا تتركوا كتابته وقتاً مّا، أو لعلةٍ ما، إلا وقتَ كونها تجارةً ناجزة (٣) تتعاطونها بينكم يداً بيد، أو: لأنْ (٤) تكون تجارةً ناجزة. على أن ما بعد ﴿إِلَّا﴾ نصب على الظرف أو على المفعول له. وقرئ: ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ بالرفع على أنَّ (كان) التامةُ، أو الناقصةُ واسمها ﴿تِجَارَةً﴾ وخبرها ﴿تُدِيرُونَهَا﴾، وبالنصب على: "لا أن تكون التجارةُ تجارةً حاضرةً (٥).

стр. 775

والتجارةُ الحاضرةُ تعمُّ المبايعة بدَينٍ أو عين، والمفهومُ من تفريع نفي الجناح - وهو الإثم - على الشرط المذكور في المستثنَى ثبوتُ الإثم في عدم الكتابة على تقديرِ فَقْدِ ذلك الشرط، وموجَبُه أن يكون الأمر بالكتابة فيما تقدَّم للوجوب، فالقائلون بحُجِّية المفهوم لا بد لهم من القول بوجوب الكتابة ثمة. ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ في العاجل والآجل جميعاً، والأمر للندب. ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ يَحتمِل البناءَ للفاعل والمفعول جميعاً، والدليل عليه قراءة عمر ﵁: (ولا يُضارِرْ) بالإظهار والكسر، وقراءة ابن عباس ﵄: (ولا يضارَرْ) بالإظهار والفتح (١). والمراد: نهيُ الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يُطلب منهما، وعن التغيير بالزيادة والنقصان، أو نهيُ المستكتِب والمستشهِد عن الضرر بهما، بأن يُعجَّلا عن مُهمٍّ، أو لا يُعطَى الكاتب (٢) حقَّه من الجُعْل، أو يكلَّفَ الشهيد مُؤنةَ النقل من مسافة بعيدة، وأمثالِ (٣) ذلك. وقرأ الحسن: (ولا يضارِّ) بالكسر (٤). ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ أي: وإنْ تضارُّوا، أو: إن تفعلوا شيئاً مما نُهيتم عنه. ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ خروجٌ عن الطاعة لاحقٌ بكم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مخالفة أمره ونهيه.

стр. 776

﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أحكامه المتضمِّنةَ لمصالحكم. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كرَّر لفظة (اللّه) ثلاثَ مراتٍ متوالياتٍ، وكان الثاني والثالث موضعَ كناية، ولهذا الباب قانونٌ يعرف به المستحسَن من المستقبَح، وهو: أن كلَّ تكرير على طريق تعظيم الأمر أو تحقيره في جملٍ متوالياتٍ كلُّ جملة منها مستقلةٌ بنفسها، فذلك غيرُ مستقبَحٍ، وإذا كان ذلك في جملةٍ واحدة، أو في جملٍ في معنًى واحد، ولم (١) يكن فيه التعظيم أو التحقير، فذلك مستقبَح. وهذا ظاهر في الآية، فإن الجملة الأولى منها حثٌّ على التقوى، والثانيةَ تذكيرٌ بنعمته، والثالثةَ تعظيم له متضمِّن لوعدٍ ووعيدٍ شديد، وقُصد تعظيم كلِّ واحد من هذه الأحكام، فأعيد لفظةُ (اللّه) فيها. * * * (٢٨٣) - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لم يقل: مسافرين؛ لِمَا بينهما من الفرق الظاهر، فإنَّ مَن دخل مدينةً ولم ينوِ الإقامة مسافرٌ، ولكنه ليس على سفرٍ، والمناسبُ لأنْ لُذكر تمهيداً لقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ هو الثاني دون الأول. ﴿فَرِهَانٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: فالذي يُستوثَق به رهانٌ وهو جمع رهنٍ،

стр. 777

وهو العين المقبوض بالدَّين توثيقاً له، وقرئ: ﴿فَرِهَانٌ﴾ (١) وهو جمعُ جمعٍ. قال الجوهري: كأنه يُجمع رَهْنٌ على رِهَانٍ، ثم يُجمعُ على رُهُنٍ، مثل: فِرَاشٍ وفُرُشٍ، ولا يجمع فَعْلٌ على فُعُلٍ إلا قليلاً شاذاً (٢). و ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ نعتٌ للرهان، ودلَّ ذلك على أن حكمه دوامُ الحبس؛ فإنه لا يصير رَهناً إلا بابتداء القبض، فذِكرُ الرَّهن ذكرٌ لذلك القبض، ثم وصفُها بالمقبوضة بعد ذلك اشتراطٌ لدوام القبض فيها، وليس الغرضُ تخصيصَ الرَّهن بالسفر شرطاً في جوازه، لكنْ لمَّا كان السفر مَظِنَّةَ إعْوازِ الكاتب والشهيد أُرشد المسافر إلى حفظ المال بأنْ يقيم التوثُّقَ بالارتهان مقامَ التوثُّقِ بالكَتْب والإشهاد. وعن مجاهد والضحاك: أنهما لم يجوِّزاه إلا في حال السفر أخذاً بظاهر الآية، وليس بشيء؛ لأن رسول اللّه ﷺ رهن درعه في حضَرٍ (٣)، وأمَّا القبض فلا بد من اعتباره على ما نبَّهت عليه (٤) آنفاً، وعليه الجمهور. وقال مالك: يصحُّ الرهن بمجرَّد الإيجاب والقبول بدون القبض. ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: فإنْ أَمِنَ بعضُ المتدايِنينَ بعضَ المديونين لحُسن ظنه به. ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾؛ أي: فليَجِبْ على المديون أداءُ أمانته التي ائتَمَنه

стр. 778

عليها بأنْ لم يَرتهن منه شيئاً؛ حثاً له على أن (١) يكون عند ظنه به، وفي تسمية الدَّين أمانةً أيضاً حثّ للمديون على أدائه، وإن كان مضموناً بخلافِ الأمانة. وقرئ: (فإن أومن)؛ أي: آمَنَه الناس بأنْ وصفوه بالأمانة والدِّيانة والاستغناء عن الارتهان من مثله (٢). ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ نهيٌ عن الخيانة وإنكار الحق على أبلغ وجه، وقد مرَّ وجه الجمع بين اسم الذات والوصف. ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ خطاب للشهود. ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، ﴿آثِمٌ﴾ خبر (إنَّ)، و ﴿قَلْبُهُ﴾ فاعل ﴿آثِمٌ﴾؛ أي: فإنه يأثم قلبُه. أو ﴿قَلْبُهُ﴾ مبتدأ و ﴿آثِمٌ﴾ خبره، والجملة خبر (إنَّ). وقرئ: (قلبَه) بالنصب كقوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] (٣). وقرئ: (أثَم قلبَه)؛ أي: جعَله آثماً (٤). أُسند الإثم إلى القلب لكونه أبلغَ من وجوه: أحدها: أن يُعلم أنه الذي أَضمرها، ولم يؤدِّ إلى اللسان ليُظهرها، فالقلب هو المقترِف، فيكون صاحبه قاصداً للذنب لا اللسان، فيكون كالبوادر. والثاني: أن الفعل إذا أُسند إلى الجارحة التي عُمل بها كان أبلغ وآكَدَ؛ كما إذا أردتَ التأكيد قلتَ: هذا مما أبصره عيني، وسمعه أذني، وعرفه قلبي.

стр. 779

والثالث: أن القلب هو الرئيس، والأصل في البِنْية، فإسناده إليه أفاد أنه تمكَّن في أصل نفسه ومَلَك أشرف محل فيه، ورسخ في ذاته. الرابع: أن الآثام المتعلقة بالأعضاء الظاهرة أسهلُ وأخفُّ وأسرع زوالاً ما دام القلب سليماً، وأما القلبيات فتكون أشدَّ وأغلظ وأبعدَ عن العفو (٥). الخامس: الإيذان بأن الكتمان من الكبائر المتعلقة بالعقائد كالكفر والنفاق والشرك وأمثالها، ولهذا قال ابن عباس ﵄: أكبر الكبائر الإشراك باللّه؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] وشهادة الزور، وكتمان الشهادة. السادس: القلب هو الأصل الذي يتقوَّم به سائر الأعضاء، فأفعاله هي الأصول التي يتشعَّب منها (٦) أفعال الجوارح، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، فهو الذي إذا صلح صلح الكلُّ، وإذا فسد فسد الكلُّ، فإذا تأثَّم القلب تأثَّم الكل. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وعيدٌ وتهديد (٧). * * * (٢٨٤) - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾. ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ناسَبَ ختمُ ما في هذه السورة من الكلام المشتمِل للأحكام العديدة، والتكاليف الشديدة، بذكر أنه تعالى له ما في

стр. 780

عالَمَي الملك والملكوت، فهو يكلِّف مَن يشاء بما يشاء، ولمَّا كانت التكاليف محلُّ اعتقادها الأنفسُ قال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من السوء. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ ولا يدخل فيه الوساوس وحديثُ النفس، إذ ليس في وسعه الخلوُّ منه، ولا يكلِّف اللّه نفساً إلا وسعها، ولكنْ ما اعتقده أو عزم عليه. ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال الحسن: ليس يعاقبُ اللّه تعالى عبداً يوم القيامة أسرَّ عملاً أو أعلنه من حركةِ جوارحه، أو همَّ في قلبه، دون أن يعرِّفه إياه يوم القيامة حتى يقرِّره (١)، ثم يغفر ما يشاء لمن يشاء، ويعذب مَن يشاء بما يشاء (٢). ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل المغفرة. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل العقوبة، وهذا صريحٌ في نفي وجوب التعذيب، وفي الآية دلالة على وقوع الحساب، فيكون حجةً على مَن أنكره من المعتزلة والروافض. قرئ: (فيغفر … ويعذب) مجزومَين على جواب الشرط، ومرفوعَين على الاستئناف (٣)، وتقديره: فهو يغفرُ ويعذِّب. وقرئ: (يَغفرْ) بغير فاءٍ مجزوماً (٤) على البدل من ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾ بدلَ البعض من الكلِّ، وبدل (٥) الاشتمال، ومعنى الإبدال: تفصيل للإجمال الذي في الحساب؛ لأن

стр. 781

التفصيل أبينُ وأوضح، فكل ما يحتاج إلى البيان يجري فيه هذا البدل اسماً كان أو فعلًا، إذ الفعل قد يُحتاج إليه احتياج الاسم. والقراءة إظهار الراء في الجزم، وإدغام الباء، ومَن روى إدغام الراء في اللام عن أبي عمرو فهو مخطئ مرتين: حيث أَلْحن لحناً فاحشاً، إذ الراء لا تدغم إلا في مثلها، ثم نسبه (١) إلى أعلم الناس بالعربية، والسبب عدمُ ضبط الرِّواية لعدم الدِّراية. كذا قيل (٢)، وفيه بحث يُطلب من تفسير أبي حيان (٣). ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يَعجز عن الإحياء والمحاسَبة وما يَعقُبها من المغفرة والتعذيب. * * * (٢٨٥) - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ تنصيصٌ من اللّه تعالى على صحة إيمانه ﵇ والاعتداد به. ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ روي عن ابن عباس ﵄: أن جبريل ﵇ أنزل على محمد جميع القرآن إلا هذه الآيات الثلاث، فإن اللّه تعا لي أوحاها إليه ﵇ ليلة المعراج. وبه قال الحسن ومجاهد وابن سيرين (٤).

стр. 782

﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ في عبارة الربِّ إشارة إلى أن في الإنزال المذكور تربيةً له ﵇، ولهذا كان تدريجاً. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ إن عُطف ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ على ﴿الرَّسُولُ﴾ كان التنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضاً عن الضمير الراجع إلى ﴿الرسولُ … والمؤمنون﴾؛ أي: كلُّهم آمن، ووخَد ضمير ﴿كُلٌّ﴾ في ﴿آمَنَ﴾ ليتناول كلَّ واحد فيكونَ أبلغ من الجمع. وإنْ جُعل مبتدأً كان الضمير للمؤمنين دون الرسول، وباعتباره يصحُّ وقوع ﴿كُلٌّ﴾ بخبره خبرَ مبتدأ، فيكون إفراد الرسول ﵇ بالحكم إمَّا لتعظيمه، أو لأن إيمانه عن مشاهَدةٍ وعِيَانٍ، وإيمانَهم عن نظر وبرهان، فكأنهما جنسان. ﴿وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ذُكر الكتبُ بين الملائكة والرسل باعتبارِ أنها تصل منهم إليهم. وقرأ ابن عباس ﵄: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ (١) يريد القرآنَ أو الجنس، وعثه: الكتابُ أكثرُ من الكتب (٢). لِمَا ذُكر من تناوُله وحدانَ الجنس، بخلاف الكتب فإنَ تناوله وحدان الجمع (٣).

стр. 783

﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾؛ أي: يقولون: لا نفرق. وقرئ: ﴿يُفرِّقُ﴾ بالياء (١) على أن الفعل لـ ﴿كُلٌّ﴾. وقرئ: (لا يفرِّقون) (٢) حملًا على معناه؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]. و (أَحَد) في الأصل بمعنى: وَحَدٍ، وهو الواحد، ثم وُضع في النفي العام مستويًا فيه المذكَّر والمؤنَّث والواحد و (٣) ما وراءه (٤)، وهذا العموم غير العموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي، يدل عليه أنه لا يستقيم: لا نفرق بين رسولٍ من الرسل، إلا بتقدير عطفٍ؛ أي: رسولٍ ورسولٍ. والمراد: الفرق بالتصديق لا الفرق مطلقًا، فإن الفرق بالتفضيل والبعثة بالشريعة غير منهيٍّ عنه. ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا﴾ أي: فهمنا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]؛ أي: كان إطاعتنا عن إذعانٍ وقبول، لا عن تقليدٍ على العمياء، أو طمعًا في متاع الدنيا. وقيل: أي: أجبنا.

стр. 784

وفيه: أن قوله: ﴿وَأَطَعْنَا﴾ يغني عنه، والإفادةُ خيرٌ من الإعادة، ويجوز أن يكون المراد: سمعنا قولك فيما كلَّفْتَنا وأطَعْنا أمرك في ذلك. ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ منصوبٌ بإضمار فعله، يقال: غفرانك لا كفرانك؛ أي: نستغفرك ولا نَكفرُك؛ أي: من التقصير في حقِّك وفي عبادتك التي لا نُوفي حقَّها. * * * (٢٨٦) - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: إلا ما يسع (١) فيه طوقُها ويتيسَّر عليها، دون مدى الطاقة والمجهود، وهذا إخبارٌ من عدله ورأفته؛ كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ لأنَّه كان في طاقته أن يصلِّي أكثر من الخمس، ويصومَ أكثر من الشهر، ويحجَّ أكثر من حجة، وفيه دلالة على عدم وقوع التكليف بالمحال، وأمَّا أنه ممتنعٌ فلا دلالة عليه، بل الظاهر من الإخبار عن عدم وقوعه إمكانُه. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ من شرٍّ، وتقديم (لها) و (عليها) على الكسب والاكتساب للتخصيص؛ أي: لا يثابُ بخيرها ولا يؤاخَذ بشرها غيرُها، بل يختصَّان بها.

стр. 785

وتخصيص الكسب بالخير والاكتسابِ بالشر؛ لأنَّ الاكتساب فيه اعتمالٌ، والشرَّ تشتهيه النفس وتنجذبُ إليه، فكان أجدَّ في تحصيله وأعملَ، بخلافِ الخير. وفيه التنبيهُ على زيادة اللطف، وكمال الفضل، حيث يُثيب على الخير كيفما وقع، ولا يُعاقبُ على الشر إلا بعد الاعتمال فيه وقوةِ التصرُّف. ﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يقولون: ربنا، كما تقدَّم، وما بينهما إخبارٌ من الله تعالى، والاعتراضُ قبل (١) تمام الكلام كثيرٌ في القرآن. ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ النسيان والخطأ مَجازان من باب إطلاق اسم السبب على المسبب؛ أي: لا تؤاخذنا إنْ فرَط منا ذنبٌ بسبب النسيان أو الخطأ. أو من بابِ إطلاق اسم المسبَّب على السبب؛ أي: لا تؤاخذنا بما أدَّى بنا إلى النسيان والخطأ من تفريطٍ وقلةِ مبالاةٍ. ويجوز أن يكون على حقيقتهما؛ إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلًا، لكنه تعالى وغد التجاوز عنهما رحمةً وفضلًا، فيجوز أن يدعو الإنسان فيه استدامةً واعتدادًا بالنعمة فيه. وقولُه ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (٢) يَحتمِل المعنيين

стр. 786

أيضًا؛ لأن المرفوع أثرهما لا نفسُهما، وعلى هذا يصحُّ أن يراد المعنى الأول. ﴿رَبَّنَا﴾ تكرير للمنادى فلا يُخلُّ بعطف قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا﴾ على قوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾. ﴿إِصْرًا﴾ الإصر: العبءُ الذي يَأصِرُ حاملَه؛ أي: يحبسُه في مكانه لا يستقلُّ به لثِقله، والمراد به: التكاليفُ الشاقة. وقرئ: (ولا تحمِّل) بالتشديد (١)؛ للمبالغة في الطلب لا في المطلوب انتفاؤه. ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ﴾ حملًا مثلَ حملِكَ إياه ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ من الأمم، أو: مثلَ الذي حملتَه عليهم، فيكونُ صفةً لـ ﴿إِصْرًا﴾. والمراد به ما كلِّف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس، وقطعِ موضع النجاسة، وخمسين صلاةً في اليوم والليلة، وصرفِ ربع المال للزكاة. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ من العقوبات النازلة بالأمم السالفة، طلبوا الإعفاء عن التكاليف الشاقَّة التي كُلِّفها مَن قبلَهم، ثم عمَّا نزل بهم من العقوبات لتفريطهم في المحافظة عليها. وقيل: هو تأكيد للأول بالتكرير. أو المراد به: الشاقُّ الذي لا يكاد يُستطاع من التكاليف، وهذا دليل على جواز التكليف بما لا يطاق، ولم يتعيَّن هذا المعنى مرادًا من الآية حتى تتمَّ الدلالةُ فيها على جوازه. والتشديد هنا لتعديَةِ الفعل إلى المفعول الثاني.

стр. 787

﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ قال الأزهريُّ: كلُّ مَن استحَقَّ عقوبةً فتركتَها فقد عفوتَ عنه، لفظُ اللازم والمتعدِّي سواءٌ، يقال: عفا اللهُ عن العبد عفوًا، وعفَتِ الرياحُ الأثرَ عفاءً، فعَفَا الأثرُ عُفُوًّا (١). ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾: واستر ذنوبنا، ولا تفضحنا بكشف عيوبنا (٢)، والعفوُ لا يستلزمُ الستر، فلا تكرار. ﴿وَارْحَمْنَا﴾: وتعطَّفْ بنا وتفضَّلْ علينا. ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾: سيدنا ونحن عبيدك، أو: ناصرُنا ومتولِّي أمورنا. ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ فإنَّ مِن حقِّ المولَى أن ينصُر مواليَه على الأعداء، فإن (٣) ذلك من أمورنا التي تولاها (٤). خُتمت السورة الكريمة بمثل ما بُدئت به من إثبات توحيده، وصفاتِ جلاله، والنبوَّات، والمعاد، والقضاء والقدر، في ضمن ذكر المؤمنين السامعين المطيعين، وهم المتقون الذي جُعل الكتاب هدًى لهم، وبيَّن شمول لطفه في شأن هذا النوع، وخصوصًا هذه الأمة، وجعل ختام ذلك كلِّه ما يدل على أن كمال حال المؤمن المطيع أن لا يزال مستمِدًّا من بحر جُوده بألسنة الاستعداد والحال والمقال، فبذلك ارتقاؤه في مدارج الكمال، ومعارج الجلال والجمال (٥). * * *

стр. 788

سورة آل عمران مدنية مكيةٌ في قول عكرمةَ والحسن البصري، ومدنيةٌ في قول عامةِ أهل التفسير ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١ - ٢) - ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الأفصح أن يُوقَفَ على (ميم) كما وقِفَ على (ألف) و (الام) كما هوَ قراءةُ أبي بكرٍ في روايةٍ عن عاصمٍ (١). وأطبق سائر القراءِ على فتح الميمِ بطرحِ الهمزةِ للتخفيفِ، وإلقاءِ حركتها علَيها، وهي في حكم الوقف، والهمزةُ في حكم الثابتِ. ومَن قال: إن الحركةَ لالتقاء الساكنينِ، لم يُردْ بالساكنينِ الياءَ والميمَ مِن (ألف لام ميم) في الوقف، بل أراد بهما الميم ولام التعريفِ، فنظيرهما النون واللام في: مَن الرجل؟ فلا يَرِدُ عليه أنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم يُحرَّك في (لام)؛ لِمَا عرفت أنه اعتُبِرَ التقاءُ الساكنين من كلمتين، فما ذُكرَ ليس بنظيرٍ له؛ لأنَّه في كلمةٍ واحدةٍ، والفرقُ واضحٌ.

стр. 789

وأما قراءةُ الكسر فمما جوَّزها الأخفش، ولم يُنقَلْ عن أحدٍ من السبعة (١). ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ اسم اللهِ الأعظمُ بدلالة ما رويَ أنه ﵇ قال: "إنَّ اسم الله الأعظم في ثلاثِ سورٍ" في البقرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي آل عمران: ﴿الم (١) (٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]، وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] (٣). * * * (٣) - ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: القرآنَ منجمًا. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالعدلِ، أو: بالصدق في أخباره ومواعيده، أو: بالبيِّناتِ المحقَقةِ أنه من عندِ اللهِ تعالى، وهو في موضعِ الحالِ.

стр. 790

﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب الإلهية المُنزَّلةِ على الأنبياء السالفةِ ﵈، الحاضرةِ عندَ نزولهِ. ﴿وَأَنْزَلَ﴾ جملةً. ﴿التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ اسمان عبرانيان فلا يدخلُهما اشتقاقٌ عربيٌّ بنصِّ النحاة (١). ثم تكلموا فيهما على تقدير كونهما عربيين (٢)، فالتوراةُ فَوْعَلَةٌ، أو تَفْعِلَةٌ بكسر العين، أو تَفْعَلَةٌ بفتحها، من الورى (٣)، والإنجيل إفعيلٌ من النَّجْل (٤). * * * (٤) - ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تنزيل القرآن. ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ على العموم، واختصاصُ الكتابين المذكورين ببني إسرائيل من جهة التكليف لا ينافي عمومَهما لجنس (٥) الإنس من جهة الهداية، فإن مَن تعبَّد بهما

стр. 791

قبل الانتساخ فقد اهتدى (١) وإن لم يكن من بني إسرائيل (٢)، على أن كونهما هدايةً إلى أصول الدين لا يختص ولا يَقبل النسخ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ رابع الكتب الأربعة وهو الزبور؛ لأن الظاهرَ من العطف خصوصًا مع إعادة لفظِ (أَنزل) التغايرُ بالذات. وإنما خُصَّ بعبارة الفرقان جبراً للنقصان المتوهَّم من جهة تأخير (٣) ذكره عن قوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، فكأنه قيل: في الكتبِ الثلاثةِ شرائعُ هي هدايةٌ للناس، وفي هذا الكتاب حِكَمٌ يفرَّقُ بها بين الحق والباطل. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ من كتبه المنزَلةِ وغيرِها من المعجزات. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بنوع لا يُعرَفُ كُنْهُه من العذاب الشديد. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالب لا يمتنع (٤) من التعذيب. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ تنكيرُهُ دل على قوته كمًّا، وقد اقترن بصفةِ العزَّةِ فدل على قوته كيفاً حيث لم يُتصور اندفاعه، ففُهم من الجملة معنى قوله: لا يقدر له انتقام لا يُقْدَر قَدْرُه من الشدة، ولا يَقْدِر على مثله مُنتقِمٌ (٥).

стр. 792

والنِّقمةُ: مطلقُ العقوبةِ (١)، لا عقوبةُ المجرِم خاصة، وعيدٌ جيءَ بهِ بعد تقريرِ التوحيد، والإشارةِ إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيمًا للأمر، وزجراً عن الإعراض عنه. * * * (٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ عبَّرَ عن العالم بقطريهِ، وتقديمُ الأرضِ؛ لأن المقصودَ بالذكرِ ما اقترِفَ (٢) فيها؛ كأنه قيل: يعذبهم اللهُ الذي له كمالُ القدرةِ والغلَبةِ والعلمِ بأحوالِ العبادِ. * * * (٦) - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. و (٣) ﴿هُوَ﴾ على الانفراد والتعيين. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من الصور المختلفة، فهو (٤) في موضع الظرف؛ أي: في أيِّ صورةٍ وعلى أيِّ هيئةٍ يشاءُ يصوركم، وقرئ: (تَصَوَّرَكم) (٥)؛ أي: صوَّركم (٦) لنفسه وعبادته.

стр. 793

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ إذ لا يعلَمُ غيرُهُ جملَةَ ما يعلَمُهُ، ولا يقدِرُ على مثل ما يفعلُهُ. ﴿الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ في ملكه وحكمهِ. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في قولِهِ وفعلِهِ. قيل: هذا حجاجٌ على مَن (١) زعم أن عيسى ﵇ كان ربًّا، فإن وفد نجران لما حاجُّوا فيه رسولَ اللهِ ﷺ نزلت السورةُ من أولها إلى نيِّفٍ وثمانينَ آية تقريرًا لِمَا احتَجَّ به عليهم، وأجابَ عن شُبهتهم (٢). * * * (٧) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ﴾ في موضع النصبِ بالحالِ من ﴿الْكِتَابَ﴾، أو كلامٌ مستأنفٌ موضِّحٌ لحالِهِ. ﴿الْكِتَابَ﴾ أُحكِمت بظهورِ دلالتها على المعنى المراد. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: أصله الذي تحمَلُ المتشابهاتُ عليهِ، وترَدُّ إليهِ (٣)، وإنما أفرد (٤) الأم تجريدًا للكلامِ؛ للدلالةِ على ما يساق له.

стр. 794

﴿وَأُخَرُ﴾: جمعُ أُخرى. وإنما لم ينصرف لأنَّه وصفٌ معدولٌ عن الآخِرِ، وإلا يلزمُ منهُ معرفتُهُ؛ لأن القياسَ أن يعرَّفَ ولم يعرَّفْ، لا أنه في معنى المعرَّفِ، أو عن (آخَر مِن) (١). ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾: محتملاتٌ لأكثرَ من معنًى واحد، أو غيرُ ظاهر الدلالة (٢)، وفائدته: بعثُ النفوس على النظر والتفكُّرِ، وتحريضُ القلوبِ على التأملِ والتدبرِ؛ لتتمرنَ (٣) في الاستدلالِ واستخراجِ الدقائقِ، وإبرازِ مكنونات الحقائق، ويزدادَ حرصهم على تحصيلِ العلوم المتوقِّفِ عليها استنباطُ المرادِ من المتشابهاتِ، والتوفيقُ بينها وبينَ المحكمات، فإن الإنسان بذلكَ ينالُ من الثوابِ والدرجاتِ ما لا يُنال بالتقلُّبِ في العباداتِ، والمواظبةِ على سائرِ القُربات. ومَن وهَمَ أنه لو كان كلهُ محكمًا لتعطل الطريقُ الذي لا يُتوصَّلُ إلى معرفةِ اللهِ تعالى إلا به فقَدْ وهِمَ؛ إذ لا يلزم من تركِ التأمُّل في معرفةِ معاني الألفاظِ تركُهُ في ترتُّبِ (٤) البعضِ على البعض، واستنباطِ ما فيها من العللِ والنكاتِ والفروعِ، وغيرِ ذلك. وأما المرادُ من المحكم في قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]: المحفوظُ مِن فسادِ المعنى، وركاكةِ اللفظِ، ومن المتشابهِ في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]: المشْبِهُ بعضه بعضًا في صحة المعنى، وجزالةِ اللفظِ.

стр. 795

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: ميلٌ عن الصواب وتعرُّفِ الحقِّ. تفريعٌ على ما فُهمَ مما تقدمَ من أن في المتشابهاتِ مجالَ الصرفِ عن الحق، كما أن فيهِ مجالَ الردِّ إليه، وإما لتفصيلِ حالِ الفريقين السالكَين مسلكَي الصرفِ عنه والصرف إليه، وإنما اقتصر على ذكرِ الأول منهما لظهورِ حالِ الثاني. ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: فيتعلقون بالمتشابه المحتَمِلِ لمَا يطابقُ أهواءَهم (١)، ولا يلتفتون إلى المحكَماتِ، وكان حقَّهم أن يتَّبعوها. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: طلبَ أن يَفتنوا الناسَ، ويُضلُّوهم عن الحقِّ. ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ بما يطابقُ عقيدتَهُم. قدَّمَ الأولَ لأنَّه الغرضُ، وهذا وسيلةٌ إليه. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الذي يجبُ أن يُحمَلَ عليهِ (٢). ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ﴾: والذين رسخوا؛ أي: ثبتوا وتحقَّقُوا ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ وتمكَّنوا منه. ومَن وقفَ على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فسَّرَ المتشابه بما استأثر (٣) الله تعالى بعلمه، وبمعرفةِ الحكم فيه من آياته، ولم يُطْلعْ عليه أحدًا. لا يقال: لو لم يكن للراسخين حظٌّ من علم المتشابه إلا أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ (٤) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ لم يكن لهم فضلٌ على الجهَّالِ؛ لأنهم أيضًا يقولون ذلك.

стр. 796

لأنَّا نقول: ليس الكلام في إثبات الفضيلة لهم، بل في بيانِ اختصاصِ علم المتشابهات بالله تعالى. فالمعنى؛ أن الراسخين مع ما فيهم من المزيَّة والفضل يقفون عند التصديق الإجمالي، ولا يتجاوزون عنه إلى حد التفصيل بالتفسير أو التأويل، فكيف مَن دونَهم (١)؟. ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا﴾: كلامٌ مستأنَفٌ موضِّحٌ لحال الراسخين، أو حالٌ منهم، وخبرٌ إن جُعلَ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾: مبتدأً. ﴿بِهِ﴾: بالمتشابهِ، أو بالكتابِ. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، أي: كلٌّ من المحكم والمتشابه منزَّلٌ من اللوح المحفوظِ عندَهُ تعالى. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: مسرودٌ على سبيلِ المدحِ للراسخِين المحقِّقين في العلم، وإيماءٌ إلى أنهم جرَّدُوا عقولهم من قشر الأوهام والخيالات، وشَوبِ الأهواء والعادات، فهُمْ أهل اللبِّ الخالصِ، لا يحومُ غيرُهم حول التذكُّرِ والتفكُّرِ. * * * (٨) - ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ مِن مقال الراسخينَ، وما بينَهُما اعتراضٌ، ويحتَمِلُ الاستئنافَ على إضمارِ: قولوا، والمعنى: لا تُمِلْ قلوبَنا عن نهج الحق إلى اتِّباعِ المتشابهِ بتأويلٍ باطلٍ.

стр. 797

قال ﵇: "قلبُ ابنِ آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحق، وإن شاء أزاغه عنه" (١). وقيل: لا تبتلِ ببلايا تُزيغُ فيها قلوبنا. ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وإلى الحق، ويندرِجُ فيه الإيمانُ بالقسمين اندراجًا أوليًّا، و ﴿بَعْدَ﴾ نصبٌ على الظرفِ، و ﴿إِذْ﴾ في موضعِ الجر بإضافتهِ إليهِ، وقيلَ: إنهُ بمعنَى (أنْ). ﴿هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ وترشِدُنا بها إلى كل خيرٍ وصلاحٍ، وتعصِمُنا بها عن كلِّ شرٍّ وفسادٍ. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾: كثيرُ الهبةِ، وهي ما ليسَ على الفاعل فعلُهُ، ولا دلالة فيه على ما هو الحقُّ في الخلافيةِ المشهورةِ؛ لأنَّ المعتزلة لا ينكرونَ الإفضالَ بعدَ أداء الواجبِ. * * * (٩) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ﴾ والمراد منَ اليومِ: واقعةُ القيامةِ، والتنكيرُ للتهويلِ. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: في وقوعه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾؛ أي: للداعين بالإجابةِ، وللمُطيعينَ بالإثابةِ، أو إقامةِ القيامةِ.

стр. 798

و (١) كما وضِعَ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ موضعَ: أولئكَ؛ للمدحِ، أو (٢) التسجيلِ باللبِّ على طريقة الالتفات من الخطابِ إلى الغَيبةِ، وضِعَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ موضَعَ: إنك؛ للتعظيم (٣). وأما إفادةُ معنى التنافي بين الألوهية وخُلفِ الميعادِ فمدارُه على التعبيرِ بالاسمِ المذكورِ، لا على الالتفاتِ، غايتُهُ وجِدَ التعبيرُ المذكورُ هنا (٤) في ضمنِهِ. * * * (١٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: برسولِ اللهِ ﷺ . ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ من جهةِ رحمتِهِ وطاعتهِ، كأنه قالَ: لا تقومُ بدل رحمته أو طاعتِهِ فتغنيَ عنهم إغناءَهما (٥). ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ حطبُها، وقرئ بالضم؛ بمعنى أهلُ وقودها (٦).

стр. 799

(١١) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ متصلٌ بما قبله؛ أي: لن تغنيَ عنهم كما لم تغنِ عن أولئك، أو (١): توقد بهمْ كما توقَدُ بأولئك. أو استئنافٌ مرفوعُ المحلِّ تقديره: دأبُ هؤلاء كدأبهم في الكفرِ والعذابِ، وهو مصدَرُ دأَبَ في العملِ: إذا كدَحَ فيه، ثم غلَبَ استعماله في معنى الشأنِ. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: عطفٌ على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو استئنافٌ. ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: حالٌ بإضمار (قد)، أو استئنافٌ بتفسير حالهم، وخبرٌ على تقديرِ الابتداء بـ (الذين). ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ تهويلٌ للمؤاخذةِ، وزيادةُ تخويفٍ للكفرةِ (٢). * * * (١٢) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: لمشركي مكةَ، وقيل: لليهودِ. ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ يوم بدر، أو بقتل قريظةَ، وإجلاءِ بني النضيرِ، وفتحِ خيبرَ، وضربِ الجزية على مَن عَدَاهم ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ وقرئ بالياء فيهما على الغيبة (٣): الإخبار بمعنى كلام الله تعالى، وعلى الخطاب بلفظه.

стр. 800

﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: تمامُ ما يقال لهم، أو استئناف؛ أي: بئسَ المهادُ جهنَّمُ، أو ما مهَدُوا لأنفسهم، وفي عبار المهادِ تهكُّمٌ بهم. * * * (١٣) - ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾: الخطابُ لقريشٍ أو لليهود (١)، وقيلَ: للمؤمنين. ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ يومَ بدرٍ. ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: صحَّ الابتداءُ بالنكرةِ؛ لأنهُ في موضعِ تفصيلٍ، وثمةَ صفةٌ محذوفةٌ تقديرُها: فئةٌ مؤمنةٌ تقاتلُ في سبيلِ اللهِ، ﴿وَأُخْرَى﴾ معطوفةٌ على ﴿فِئَةٌ﴾ تقديرُهُ: وأخرى كافرةٌ تقاتِلُ في سبيلِ الطاغوتِ (٢). حذِفَ عن الجملة الأولى ما أُثبِتَ مُقابلَهُ في الجملةِ الثانيةِ، وعن (٣) الثانية ما أثبت مقابله (٤) في الأُولى، وهذا من الاختصاراتِ البليغةِ. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾؛ أي: يرى المشركونَ المؤمنين مِثلَي عددهِمْ، وكانوا ثلاث مئةً وبضعةَ عشَرَ، أو مثلي المشركين؛ وكانوا قريبَ ألف. وهذا لا يُنافي قولَهُ تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا

стр. 801

وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] لأنَّه يجوزُ أن يكونَ التقليلُ من جهة العُدَدِ فلا (١) ينافي التكثيرَ من جهة العَددِ، ويكونانِ في حالةٍ واحدةٍ كيلا يجبُنوا كلَّ الجبنِ فيُحجموا (٢) عن القتالِ، ولا يجترئوا كلَّ الجرأةِ، فيشتدَّ الأمرُ. وهذا أولى منَ التوفيقِ بينهما بأن التقليلَ كان في أولِ الملاقاةِ والتكثيرَ بعدَ ذلكَ. أو يَرى المؤمنون المشركين مثلَي المؤمنين، وكانوا ثلاثةَ أمثالهم، ليَثبُتوا لهم، ويتيقَّنوا بالنصرِ الموعودِ في قولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، والقراءة بالتاء الفوقانية (٣) تؤيد هذا إن كان الخطاب للمؤمنين (٤)، وتؤيد المعنى الأول إن كان الخطاب لقريش. وقرئ بهما (٥) على البناء للمفعول؛ أي: يريهم الله أو يريكم ذلك بقدرته (٦). وقرئ: (فئةٍ) بالجر (٧) على البدل من ﴿فِئَتَيْنِ﴾، والنصبِ على المدحِ (وأخرى كافرةً) على الذم، أو الحالِ من فاعل ﴿الْتَقَتَا﴾ (٨).

стр. 802

﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾: لا بد من صرفه عن ظاهره؛ لأن الرؤية بمعنى الإبصارِ لا يتعدى إلى المفعولين، و ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ مفعولٌ ثانٍ لا حالٌ؛ لعدمِ ثبوتِ تلكَ الحال في الواقعِ لواحدةٍ (١) من الفئتين، فالمرادُ: معناه المجازيُّ؛ وهو العلمُ الحاصلُ بسببِ رؤيةِ العينِ. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ نَصرَه كما إيَّدَ أهلَ بدرٍ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي: فيما ذُكرَ مِن غلبةِ المسلمين - على قلَّتِهم وضعفِهم - الكافرينَ - على كثرتهم وشوكتهم - بالكيفيةِ المذكورةِ. ﴿لَعِبْرَةً﴾: لعظةً. ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: لذوي البصائرِ، أو لمن أبصرهم (٢). * * * (١٤) - ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾؛ أي: المشتهَياتِ، سمَّاها شهواتٍ مبالغةً وإيماءً إلى أنهم انهمكُوا في محبَّتها حتى أحبُّوا شهوتَها، وهيَ (٣) تَوَقانُ النفسِ إلى الشيءِ. والمزيِّنُ في الحقيقةِ هوَ الشيطان؛ لأن التزيينَ صفة تقومُ بهِ، فمَن قالَ: المزيِّنُ هو الله تعالى لأنَّه الخالقُ للأفعال والدواعي؛ فقدْ أخطأ في المدَّعَى، وما أصابَ في الدليلِ، على ما سبق تفصيله في تفسيرِ سور البقرة.

стр. 803

وإنما سلَّطهُ اللهُ تَعَالى على تزيينِ ما ذُكرَ لأنَّه من أسبابِ التعيُّشِ وبقاءِ النوعِ. ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ﴾ القناطيرُ: جمعُ القنطارِ، وهو المال الكثير، و ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ مأخوذةٌ منهُ للمبالغةِ؛ أي: مِن شأن العرب أن يشتقُّوا من لفظ الشيء الذي يريدون المبالغةَ في وصفِهِ ما يُتبِعونه به تأكيدًا وتنبيهًا (١) على تناهيهِ، مِن ذلكَ: ظلٌّ ظليلٌ، وداهيةٌ دهياءُ، وبَدْرةٌ مبدَّرةٌ (٢). ويحتمِلُ أن يكونَ مِن قنطرتُ الشيء: إذا رفعتَهُ، ومنهُ القنطرة؛ لأنهُ بناءٌ مشيَّدٌ (٣). ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: والخيلُ: الأفراسُ، سميت خيلًا لاختيالها في مشيها (٤)، والمسوَّمةُ: المعلَّمةُ؛ منَ السُّومة (٥) وهي العلامةُ، أو المرعيَّةُ؛ مِن أسام الدابَّةَ وسوَّمها، أو المطهَّمةُ؛ أي: تامةُ الخلقِ (٦)، من السَّومة؛ لأنها كأنها علَمٌ في الحسن، أو من السَّومِ في البيع لأنها تُسام كثيرًا. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: الإبل والبقر والغنم. ﴿وَالْحَرْثِ﴾ هو إلقاءُ البذرِ وتهيئةُ الأرضِ، والزرعُ: مُراعاتُهُ وإنباتُهُ، ولهذا

стр. 804

قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأثبتَ لهم الحرثَ، ونفَى عنهم الزرعَ (١). ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما ذكِرَ. ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ المتاعُ: ما يُستنفَعُ به مدةً ثم يفنى. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾: المرجعُ، وفي الإشارةِ بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى بُعدِ تلكَ المشتهيات من الله تعالى، وتقديمُ اسمِ الله تعالى على ما عنده تقرير لذلكَ البعدِ بتخصيصِ غيرِهِ بهِ. وذِكرُ الحُسنِ وتقديمُ الظرفِ عليه إشارة إلى أن الحُسنَ يختَصُّ بالعنديةِ، وإيماءٌ إلى قبحِ (٢) الشهواتِ البعيدة، والمقصودُ التحريضُ على إثبات ما عندَهُ هن اللذَّاتِ الحقيقيَّة الأبديةِ على الشهواتِ الناقصةِ الفانيةِ. * * * (١٥) - ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾: تقرير لخيريةِ ما عند اللهِ تعالى هن مستلذات الدنيا.

стр. 805

﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: استئنافٌ لبيانِ ما هو خيرٌ، ويجوزُ أن تتعلَّقَ اللامُ بـ (خيرٍ)، وترتفِعُ ﴿جَنَّاتٌ﴾ على: هوَ جنَّاتٌ، ويؤيدُهُ قراءةُ مَن جرَّها بدلًا مِن (خير) (١). ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: قد سبقَ تفسيرُهُ في سورةِ البقرةِ. ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾: جمعٌ بينَ التكثيرِ المستفادِ من التنكيرِ، والتشريفِ المستفادِ مِن قولهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، فهوَ أبلَغُ مِن: رضوانُ اللهِ. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: يثيبُ ويعاقبُ على استحقاقهم، أو: بصيرٌ بالذينِ اتقَوا وبأحوالهِم، فلذلكَ أعدَّ لهم الجناتِ على حسبِ درجاتهم. * * * (١٦) - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾: نصبٌ على المدحِ، أو رفعٌ عليهِ، أو جرّ صفةً للمتَّقين أو العبادِ. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: في ترتيبِ السؤالِ على مجردِ الإيمان دلالة على أنه وسيلةٌ كافيةٌ في طلبِ المغفرةِ. * * * (١٧) - ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: حصرٌ لمقاماتِ السالكِ على أحسن ترتيبٍ، فإن معاملته مع اللهِ تعالى إما توسُّلٌ وإما طلبٌ.

стр. 806

والتوسلُ إما بالنفسِ وهوَ منعُها الرذائلَ، وحبسُها على الفضائلِ، والصبرُ يشملُهما، وإما بالبدنِ، وهو إما قوليٌّ وهو الصدقُ، وإما فعليٌّ وهو القنوتُ الذي هو ملازَمةُ الطاعةِ، وإما بالمالِ وهو الإنفاقُ في سبيل اللهِ (١). وأما الطلبُ فهوَ الاستغفارُ؛ لأنَّ المغفرةَ أعظمُ المطالب، بل الجامعُ لها، وتوسيطُ الو أو بينها للدلالةِ على أنهم جامعون لها، وأما دلالتُهُ على استقلالِ كل منَ المعطوفَين فغير مسلَّمةٍ؛ فإن دلالتها على الانضمامِ على ما يأتي في تفسيرِ سور التوبةِ (٢). وتخصيصُ الاستغفارِ بالأسحار؛ لأنها أصفى أوقات العبادة (٣)، فإنهم كانوا يتهجَّدُون قوَّامين بالليل يتقربون إلى الله تعالى، فيكونُ طلب الحاجة بعدَهُ أحسنَ وأقربَ إلى الإجابة (٤)؛ لتعاضد الأمرينِ: صفاءِ الوقتِ، والتقربِ إلى الله (٥) بالطاعةِ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. * * * (١٨) - ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: بيَّنَ وحدانيته بنصبِ الدلائلِ الدالةِ عليها، وإنزالِ الآياتِ الناطقةِ بها.

стр. 807

﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالإقرارِ. ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ منَ الثقلَين بالاحتجاج عليها، شُبِّه ذلك في البيانِ والكشفِ بشهادةُ الشاهدِ. والدلالةُ والإقرارُ والاحتجاجُ من أفراد (١) معنىً مجازي هوَ الأمرُ المشبَّهُ بالشهادةِ، لا معانٍ (٢) مجازية ليمتنع الجمعُ بينها في الإرادة. وإنما لم يعتبَرْ تقديرُ فعلٍ آخرَ ليكونَ الأولُ مجازًا والثاني حقيقةً؛ لأنَّه خلافُ الظاهرِ، معَ الغُنيةِ عنهُ بالمجازِ المستفيضِ. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ في قسمةِ الأرزاقِ والآجالِ والعقابِ، وتعيين الشرائع والأحكام بين العباد. وانتصابُهُ على الحال مِن ﴿هُوَ﴾، والعاملُ معنى الجملةِ، أي: تفرَّدَ قائمًا، وهذا أوجَهُ الأوجُهِ؛ لأنهُ أقربُ وأدلُّ على المقصودِ؛ أعني: دخول التعديل تحت الشهادة كالتوحيد، وأوفقُ بما عليه غالب الاستعمال من كون (٣) الحالِ المؤكِّدةِ عَقيبَ الجملةِ الاسميةِ. وأما انتصابه على المدحِ نكرةً، والمنتصِبُ عنه معرفةٌ، فيمنعُهُ القياسُ، ولم يَرِدْ به الاستعمالُ. وقرئ: (القائمُ بالقسط) (٤) على البدلِ مِن (هو)، أو الخبرِ لمحذوفٍ (٥).

стр. 808

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كرَّرهُ ليؤكِّدَ المشهودية على ما هو عليه في نفس الأمرِ، ويقرِّرَ أنَّ الأصل في الدين هو التوحيدُ، والعدلُ لازمٌ له لزومَ الظل للذات، ولهذا أكَّدهما بقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالبُ بوحدتِهِ على كل شيءٍ، لا يغالبُه شيءٌ فيكونَ إلهًا. ﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يؤتي كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، ولا يعدل عن العدلِ في إفضالِهِ. فهما صفتان مقررِّتان لهما، ورفعُهما على البدلِ من الضميرِ، أو الصفةِ لفاعلِ ﴿شَهِدَ﴾. * * * (١٩) - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ؛ لأنهُ لما قرَّرَ أصلَ الدين وأساسَهُ باطنًا وظاهرًا وهوَ التوحيدُ والعدلُ، اتَّجهَ أن يقال: فما الدينُ الذي يجبُ أن يُتديَّنَ به بعدَ هذا الاعتقاد؟ فأُجيبَ: بأن الذي يستأهلُ أن يُسمَّى دينًا ويعتَدَّ به عندَ اللهِ، ويُقبلَ هوَ الشرعُ الذي جاء به محمدٌ ﵇ (١). وقرئ بالفتحِ (٢) على أنهُ بدلٌ مِن ﴿أَنَّهُ﴾ بدلَ اشتمالٍ (٣).

стр. 809

وقرئ: (إنه) بالكسر و (أنَّ) بالفتح (١) على وقوعِ الفعلِ على الثاني، واعتراضِ ما بينَهُما، أو إجراءِ ﴿شَهِدَ﴾ مُجرى قال تارًة، وعلِمَ أُخرى لتضمُّنهِ معناهما. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مِن اليهودِ والنصارى. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: من بعدِ ما تمكَّنوا من العلمِ بحقيقة الأمر بالآياتِ البيناتِ، لا خَفاءَ في أن المراد اختلافُهم فيما بينهم على ما دلَّ عليه قولُهُ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حسدًا وطلبًا للرئاسةِ. انقسمتِ اليهودُ إلى قرائيِّ وربانيٍّ وسمرة (٢)، وانقسمت النصارى إلى ملكِيٍّ ويعقُوبِّي ونسطُوريٍّ، وكلُّ طائفةٍ تكفِّرُ مَن خالفها بعد أن كانت اليهودُ أمةً واحدةً، والنصارى كذلك، وقد تمكَّنُوا من العلم بحقيقةِ الأمر بالكتبِ المنزلةِ عليهِم من التوراةِ والزبورِ والإنجيلِ. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: يرشدُكَ هذا إلى أنَّ المراد مِن مجيءِ العلمِ مجيءُ ما يفيد (٣) من الآياتِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: لا يهمِلُ في جزائهِ ولا يمهلُ، فإن الحسناتِ كنايةٌ عن عدمِ الإهمالِ في الجزاء، وسرعتُهُ كناية عن عدم الإمهال (٤) في الإيصالِ، وهذا آيةُ وعيدٍ شديدٍ في الغاية. * * *

стр. 810

(٢٠) - ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ فإن جادلوك (١)، ولم يقل في ماذا؛ للتنبيهِ (٢) من الجوابِ أنه في الدينِ. ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أخلصت نفسي وجملَتي لهُ لا أشركُ فيها غيره. فالوجهُ مجازٌ عن نفسِ الشيءِ وذاتِهِ كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، أو عن جملةِ الشخص تعبيرًا عن الكلِّ بأشرف الأجزاءِ، والمقصودُ المبالغة بجعل كلِّ البدن محلًّا للإخلاصِ. والفاءُ للترتيب على ما فُهمَ مما تقدَّمَ من أن اختلافهُمْ في الدين لغرضٍ دنيويٍّ لا لإظهار الحقِّ وإزالة الشبهةِ، فلا تجدي المجادلَةُ معهم والاحتجاجُ عليهم، ولهذا أمرَهُ ﵇ بالجوابِ المفصِح عن الإعراضِ عن محاجتهم. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: في موضعِ رفعٍ بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ لدلالة ما قبلَهُ عليه، تقديره: أسلَمَ وجهه للهِ، ولا يجوز عطفُهُ على الضميرِ في ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ لاستلزامهِ المشاركة في المفعولِ، ولا صحةَ لها، وحملُ الواوِ على معنى (مع) لا يفضي إلى ذلك، إلا أن (٣) حق (مع) أن تدخُلَ المتبوعَ (٤). ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذينَ لا كتاب فيهم كمُشركي العربِ.
следующие страницы →