والتوسلُ إما بالنفسِ وهوَ منعُها الرذائلَ، وحبسُها على الفضائلِ، والصبرُ يشملُهما، وإما بالبدنِ، وهو إما قوليٌّ وهو الصدقُ، وإما فعليٌّ وهو القنوتُ الذي هو ملازَمةُ الطاعةِ، وإما بالمالِ وهو الإنفاقُ في سبيل اللهِ (١).
وأما الطلبُ فهوَ الاستغفارُ؛ لأنَّ المغفرةَ أعظمُ المطالب، بل الجامعُ لها، وتوسيطُ الو أو بينها للدلالةِ على أنهم جامعون لها، وأما دلالتُهُ على استقلالِ كل منَ المعطوفَين فغير مسلَّمةٍ؛ فإن دلالتها على الانضمامِ على ما يأتي في تفسيرِ سور التوبةِ (٢).
وتخصيصُ الاستغفارِ بالأسحار؛ لأنها أصفى أوقات العبادة (٣)، فإنهم كانوا يتهجَّدُون قوَّامين بالليل يتقربون إلى الله تعالى، فيكونُ طلب الحاجة بعدَهُ أحسنَ وأقربَ إلى الإجابة (٤)؛ لتعاضد الأمرينِ: صفاءِ الوقتِ، والتقربِ إلى الله (٥) بالطاعةِ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
* * *
(١٨) - ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: بيَّنَ وحدانيته بنصبِ الدلائلِ الدالةِ عليها، وإنزالِ الآياتِ الناطقةِ بها.
стр. 807
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالإقرارِ.
﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ منَ الثقلَين بالاحتجاج عليها، شُبِّه ذلك في البيانِ والكشفِ بشهادةُ الشاهدِ. والدلالةُ والإقرارُ والاحتجاجُ من أفراد (١) معنىً مجازي هوَ الأمرُ المشبَّهُ بالشهادةِ، لا معانٍ (٢) مجازية ليمتنع الجمعُ بينها في الإرادة.
وإنما لم يعتبَرْ تقديرُ فعلٍ آخرَ ليكونَ الأولُ مجازًا والثاني حقيقةً؛ لأنَّه خلافُ الظاهرِ، معَ الغُنيةِ عنهُ بالمجازِ المستفيضِ.
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ في قسمةِ الأرزاقِ والآجالِ والعقابِ، وتعيين الشرائع والأحكام بين العباد.
وانتصابُهُ على الحال مِن ﴿هُوَ﴾، والعاملُ معنى الجملةِ، أي: تفرَّدَ قائمًا، وهذا أوجَهُ الأوجُهِ؛ لأنهُ أقربُ وأدلُّ على المقصودِ؛ أعني: دخول التعديل تحت الشهادة كالتوحيد، وأوفقُ بما عليه غالب الاستعمال من كون (٣) الحالِ المؤكِّدةِ عَقيبَ الجملةِ الاسميةِ.
وأما انتصابه على المدحِ نكرةً، والمنتصِبُ عنه معرفةٌ، فيمنعُهُ القياسُ، ولم يَرِدْ به الاستعمالُ.
وقرئ: (القائمُ بالقسط) (٤) على البدلِ مِن (هو)، أو الخبرِ لمحذوفٍ (٥).
стр. 808
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كرَّرهُ ليؤكِّدَ المشهودية على ما هو عليه في نفس الأمرِ، ويقرِّرَ أنَّ الأصل في الدين هو التوحيدُ، والعدلُ لازمٌ له لزومَ الظل للذات، ولهذا أكَّدهما بقوله:
﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالبُ بوحدتِهِ على كل شيءٍ، لا يغالبُه شيءٌ فيكونَ إلهًا.
﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يؤتي كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، ولا يعدل عن العدلِ في إفضالِهِ.
فهما صفتان مقررِّتان لهما، ورفعُهما على البدلِ من الضميرِ، أو الصفةِ لفاعلِ ﴿شَهِدَ﴾.
* * *
(١٩) - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ؛ لأنهُ لما قرَّرَ أصلَ الدين وأساسَهُ باطنًا وظاهرًا وهوَ التوحيدُ والعدلُ، اتَّجهَ أن يقال: فما الدينُ الذي يجبُ أن يُتديَّنَ به بعدَ هذا الاعتقاد؟
فأُجيبَ: بأن الذي يستأهلُ أن يُسمَّى دينًا ويعتَدَّ به عندَ اللهِ، ويُقبلَ هوَ الشرعُ الذي جاء به محمدٌ ﵇ (١).
وقرئ بالفتحِ (٢) على أنهُ بدلٌ مِن ﴿أَنَّهُ﴾ بدلَ اشتمالٍ (٣).
стр. 809
وقرئ: (إنه) بالكسر و (أنَّ) بالفتح (١) على وقوعِ الفعلِ على الثاني، واعتراضِ ما بينَهُما، أو إجراءِ ﴿شَهِدَ﴾ مُجرى قال تارًة، وعلِمَ أُخرى لتضمُّنهِ معناهما.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مِن اليهودِ والنصارى.
﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: من بعدِ ما تمكَّنوا من العلمِ بحقيقة الأمر بالآياتِ البيناتِ، لا خَفاءَ في أن المراد اختلافُهم فيما بينهم على ما دلَّ عليه قولُهُ:
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حسدًا وطلبًا للرئاسةِ. انقسمتِ اليهودُ إلى قرائيِّ وربانيٍّ وسمرة (٢)، وانقسمت النصارى إلى ملكِيٍّ ويعقُوبِّي ونسطُوريٍّ، وكلُّ طائفةٍ تكفِّرُ مَن خالفها بعد أن كانت اليهودُ أمةً واحدةً، والنصارى كذلك، وقد تمكَّنُوا من العلم بحقيقةِ الأمر بالكتبِ المنزلةِ عليهِم من التوراةِ والزبورِ والإنجيلِ.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: يرشدُكَ هذا إلى أنَّ المراد مِن مجيءِ العلمِ مجيءُ ما يفيد (٣) من الآياتِ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: لا يهمِلُ في جزائهِ ولا يمهلُ، فإن الحسناتِ كنايةٌ عن عدمِ الإهمالِ في الجزاء، وسرعتُهُ كناية عن عدم الإمهال (٤) في الإيصالِ، وهذا آيةُ وعيدٍ شديدٍ في الغاية.
* * *
стр. 810
(٢٠) - ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ فإن جادلوك (١)، ولم يقل في ماذا؛ للتنبيهِ (٢) من الجوابِ أنه في الدينِ.
﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أخلصت نفسي وجملَتي لهُ لا أشركُ فيها غيره.
فالوجهُ مجازٌ عن نفسِ الشيءِ وذاتِهِ كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، أو عن جملةِ الشخص تعبيرًا عن الكلِّ بأشرف الأجزاءِ، والمقصودُ المبالغة بجعل كلِّ البدن محلًّا للإخلاصِ.
والفاءُ للترتيب على ما فُهمَ مما تقدَّمَ من أن اختلافهُمْ في الدين لغرضٍ دنيويٍّ لا لإظهار الحقِّ وإزالة الشبهةِ، فلا تجدي المجادلَةُ معهم والاحتجاجُ عليهم، ولهذا أمرَهُ ﵇ بالجوابِ المفصِح عن الإعراضِ عن محاجتهم.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: في موضعِ رفعٍ بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ لدلالة ما قبلَهُ عليه، تقديره: أسلَمَ وجهه للهِ، ولا يجوز عطفُهُ على الضميرِ في ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ لاستلزامهِ المشاركة في المفعولِ، ولا صحةَ لها، وحملُ الواوِ على معنى (مع) لا يفضي إلى ذلك، إلا أن (٣) حق (مع) أن تدخُلَ المتبوعَ (٤).
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذينَ لا كتاب فيهم كمُشركي العربِ.
стр. 811
﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾: استفهامٌ فيهِ استقصارٌ وتعبيرٌ بالمعاندةِ، أي: قد جاءكُم من البيناتِ ما يوجب الإسلامَ، ولم يبقَ معه شبهةٌ، فهل أسلمتُم أم أنتم بعدُ على كفركم وعنادِكم؟
﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: فقد نفعُوا أنفسهم بإخراجِها من ظلمة الضلال إلى نور الهدى.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ فلم يضرُّوكَ.
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾: فإن الرسولَ ما عليه إلا البلاغ، وقد أبلغتَ، وبالغتَ في الحجةِ.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: وعدٌ للرسول، ووعيدٌ لهم.
* * *
(٢١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ في (١) سورة البقرةِ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، أي: بغيرِ الحق الذي حدَّهُ الله تعالى وأذِنَ فيهِ، والنكرةُ هاهنا على معنى أنَّ القتل يكونُ بوجوهٍ من الحقِّ، فمعناهُ: يقتُلون بغير حقٍّ (٢) من تلك الحقوقِ.
﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ قرأ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآية ثمَّ قالَ: "يا أبا عبيدةَ! قتلت بنو إسرائيلَ ثلاثة وأربعين نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة رجل واثنا عشر رجلًا من عبَّاد بني إسرائيل فأمروا مَن قتلهم بالمعروف
стр. 812
ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهو الذي ذكره الله تعالى" (١).
وفائدة البيان بقوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ للتنبيهِ على أنهم قُتِلوا لأمرهم بالقسطِ، لا لخصوصيةٍ فيهم.
ووجهُ المضارعِ الدالِّ على الاستقبال أو الحال مع أن قتلَ الأنبياء إنما كان فيما مضى: أنَّ أوائلَ أهل الكتابِ قتلوا (٢) الأنبياءَ وأتباعهم الآمرينَ بالقسطِ، والمعاصرين (٣) راضون بذلكَ، وقاصدون قتلَ رسول الله ﷺ والمؤمنينَ، وذلك في حكم القتلِ، فكانوا مستمرين على قتل الأنبياء وأتباعهم، فصحَّ المضارع الدالُّ على الاستمرارِ، ويكون الحكمُ بالقتل على المعاصرين بقرينةِ قوله:
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لا على المجموعِ ليَلزم الجمعُ بينَ الحقيقة والمجاز على أن الماضين قد انقرضوا، والمعاصرين لم يباشروا، فالاستمرارُ على القتل في الكلِّ أيضًا مجاز فلا جمعَ.
* * *
(٢٢) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
وقد منعَ سيبويهِ إدخالَ الفاء في خبر (إنَّ) كـ (ليتَ) والعلَّ)، ولهذا قيلَ: الخبر
стр. 813
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ كقولك: زيدٌ فافهَم رجلٌ صالح، والفرقُ أن (إنَّ) لا تغتر معنى الابتداءِ، بخلافِ (ليت) و (لعل).
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ أي: لا ينالون بها نفعًا لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يدفعُ عنهم العذابَ، واعتبرَ مقابلةُ الجمعِ بالجمعِ، وإلا فنفيُ المفردِ أبلغُ.
* * *
(٢٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: تعجيبٌ من جميعِهم، وتنبيهٌ على سوءِ صنيعِهم.
﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: يريدُ أحبارَ اليهود، فإنهم حصَّلُوا نصيبًا وافرًا من التوراةِ، لإفادةِ التنكيرِ التكثيرَ، واللامُ للعهدِ والمعهودُ التوراة، و ﴿مِنَ﴾ إما للتبعيضِ؛ لأن ما فهموه معَ وفوره ليسَ إلا البعضَ منها؛ لتعذُّرِ إحاطة البشرِ بكُنْه كلام الله تعالى، وإما للبيانِ؛ بمعنى: أن النصيبَ الوافرَ الذي أوتوه هو التوراةُ.
وعلى هذا فالأنسبُ أن يفسَّرَ الإيتاءُ بالإنزالِ عليهم وإطلاعِهم عليها، لا بالتحصيل.
ويجوزُ أن تكونَ اللام للجنسِ و ﴿مِنَ﴾ للابتداء أو للتبعيض، وأن تكون للعهدِ، والمعهودُ اللوحُ، و ﴿مِنَ﴾ للابتداءِ، والنصيب التوراة، ووصفُها بالعظَمِ أنسبُ من وصفها بالكثرةِ.
﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: حالٌ أو استئنافٌ، وكتابُ اللهِ هو التوراة، وذلك
стр. 814
أن رسولَ اللهِ ﷺ دخلَ مدارسهُمْ؛ فقالَ له نُعَيمُ بنُ عمرٍو والحارثُ بنُ زيدٍ: على أيِّ دينٍ أنت؟ فقالَ ﵇: "على دين إبراهيم" فقالا له: إنَّ إبراهيم كان يهوديًّا، فقال: "هلمُّوا التوراةَ، فإنها بينَنا وبينكُم"، فأَبَيا، فنزلَتْ (١).
وقيل: نزلت في الرجم (٢)، وقد اختلفوا فيه.
وعنِ الحسنِ وقتادةَ: كتابُ اللهِ القرآنُ؛ لأنهم قد علِموا أنه كتابُ اللهِ لم يشكُّوا فيهِ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: استبعادٌ لتوليهم بعدَ علمهِم أن الرجوعَ إلى كتابِ الله واجبٌ.
﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: وهم قومٌ عادتهم الإعراضُ، اعتراضٌ لا حالٌ؛ لقلةِ فائدةِ تقييد التولِّي به، وإن استقامَ أن تكون حالًا مؤكِّدةً.
وقرئ: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ على البناء للمفعول (٣).
والوجهُ أن يرادَ ما وقعَ من الاختلافِ والتعادي بين مَن أسلم من أحبارِهم وبينَ من لم يسلم، وأنهم دُعوا إلى كتاب اللهِ الذي لا اختلافَ بينهم في صحتهِ - وهو التوراةُ - ليحكُمَ بين المحقِّ والمبطل منهم، ثم يتولى فريقٌ منهم وهمُ الذين لم يسلموا، وذلكَ أن قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يقتضي أن يكونَ اختلافًا واقعًا بينهُم، لا فيما بينهم وبين رسول الله " ﷺ (٤).
стр. 815
(٢٤) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
و (١) ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى التولِّي والإعراضِ.
﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: بسببِ تسهيلهم أمرَ العقابِ على أنفسهم لهذا الاعتقادِ الزائغ، والطمعِ الفارغ، والسببُ في الحقيقة زعمُهم إياهُ، إلا أنهُ عبّر عنه بالقول تنزيلًا لمعتقدهم الفاسدِ عن منزلةِ العقائد الفاسدةِ إلى منزلة الأقوالِ الباطلة التي لا طائلَ تحتها.
﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من أن آباءهم الأولياءَ يشفعون لهم، والغرورُ: الإطماعُ فيما لا يصح؛ أي: غرَّ الضعفاءَ قولُ الكبراء، وإنما سماه افتراءً وهو اختلاق الكذبِ على الغيرِ؛ لأنهم أضافوا القولَ إلى التوراةِ.
* * *
(٢٥) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: استعظامٌ لما أُعدَّ لهم من العقابِ (٢)، وتهويلٌ لهم؛ أي: فكيفَ يصنعونَ -أو: كيفَ يكون حالهم- إذا وقعوا فيما لا حيلَة لهم في دفعِهِ؟
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: جزاءَ ما كسبَتْ.
стр. 816
قيلَ: فيه دلالة على أن العبادة لا تحبطُ، وأن المؤمن لا يخلدُ في النار؛ لأن توفيةَ إيمانه وعمله لا تكون في النار، ولا قبل دخولها، فإذاً هي بعد الخلاصِ.
وَيرِدُ عليه: أنا لا نسلِّمُ ذلك؛ فإنه يجوزُ أن يكونَ فيها بتخفيف العذابِ، وقبلَها بدفع بعض الأهوال عندَ موقفِ الحساب، والمرور على الصراطِ.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ ما وُعدَ من أجورهم، والضميرُ لكل نفسٍ على المعنى؛ لأنَّه في معنى: كلّ إنسانٍ.
* * *
(٢٦) - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ الميمُ عوضٌ من (يا)؛ ولهذا لا يجتمعان، وذلكَ بعض (١) خواصِّ هذا الاسم؛ كدخولِ تاء القسمِ، و (يا) مع حرفِ التعريفِ، وقطع همزتهِ.
﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾: اللامُ للاستغراقِ تفيدُ العمومَ، وهذا (٢) نداء ثانٍ عند سيبويهِ؛ لأن الميم عندَه تمنعُ الوصفية (٣).
﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ اللامُ هنا وفي قوله: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ للماهيةِ التي تحصُلُ بوجود فردٍ منه (٤) فهما خاصَّان؛ أي: تؤتي مَن تشاءُ النصيبَ الذي
стр. 817
قسَمتَ له منهُ، وتنزعُ ممن تشاء النصيبَ الذي أعطيتَهُ منه.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ في الدنيا بالنصرِ والإدبارِ، وفي الآخرةِ بالتوفيقِ والخذلانِ.
﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾: إنما خصَّ الخيرَ بالذكر لعدم نسبة الشرِّ إليه تعالى (١)، على ما وقع التصريحُ بهِ في الحديث النبوي حيثُ قال: "والخيرُ في يديك، والشرُّ ليس إليكَ" (٢).
ولما احتمَل أن يُظَنَّ أن الشرَّ خارجٌ عن حيِّزِ قدرته دفعَ بقولهِ:
(٢٧) - ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: لما ذكَرَ قدرتهُ في إيتاء الملكِ والنزعِ، والإعزازِ والإذلال بحسبِ المشيئة، عدَّدَ آياتِ القدرة الباهرة بذكرِ الليل والنهار، وزيادةِ كلٍّ منهما بنقصِ الآخر، وذكرِ الحي والميت وإخراجِ كلٍّ منهما من الآخر، وذكرِ سعة فضله؛ دلالةً على أن مَن قدَرَ على هذه الأمور العظام، المحيرةِ للعقول والأفهام، ثمَّ قدَرَ على أن يرزُقَ مَن يشاء مِن عباده بغير حساب، فهو قادرٌ على أن ينزِعَ الملك من العجمِ ويذلَّهمْ، ويؤتيَهُ العرب ويعزَّهم، ويرزقهم بغيرِ حسابٍ (٣).
стр. 818
والولوجُ: الدخولُ بشيءٍ بكلفةٍ، واستُعيرَ هنا للُحوقِ قَدْرٍ من الليل بالنهارِ، وقدرٍ من النهارِ بالليلِ، بالقسر (١) على وجهٍ يكونُ اللاحقُ من جنسِ الملحوقِ.
والمرادُ من إخراج الحيِّ من الميتِ وعكسهِ: إنشاءُ النسمة الحيةِ من النطفة الميتةِ، والنطفة الميتةِ من النسمة الحيةِ.
وقيلَ: هو إخراجُ المؤمن من الكافر وعكسُهُ.
وفيه: أنه ليسَ من الآياتِ الباهرة التي تستحقُّ أن يستدلَّ بها على ما ذكِرَ.
وذكَرَ ﴿مِنَ﴾ معَ أن الرزقَ غيرُ مخصوصٍ بذوي العقولِ، للتنبيه على أن رَزق هذا الجنسِ - وهو أقلُّ أفراداً من الجنس الآخرِ - إذا كان خارجًا عن حدِّ الحدِّ، فالخروجُ عنه في الجنسِ الآخرِ في الكلِّ بطريقِ الأَولى.
* * *
(٢٨) - ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾: نُهوا عن موالاتهم لقرابةٍ أو صداقةٍ ونحوِهما حتى لا يكونَ حبُّهم وبغضُهمْ إلا في الله، أو عن الاستعانةِ بهم في الغزوِ وسائرِ الأمور الدينيةِ.
﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: لا تتخذوهُم أولياء مجاوزينَ ولايةَ المؤمنين، فإنَّ لهم في موالاتهم مندوحةً عن موالاةِ الكافرين فلا تُؤْثروهم عليهم بالولايةِ.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أي: اتخاذَهم أولياء.
стр. 819
﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾: فليس (١) من ولايةِ اللهِ في شيءٍ يطلَقُ عليه اسمُ الولايةِ، فإن ولايةَ العدوِّ عداوةٌ وهم أعداءُ اللهِ.
﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: إلا أن تخافوا مِن جهتهِمْ أمرًا يجب اتِّقاؤهُ، في محلِّ النصبِ على الظرفِ؛ أي: إلا وقتَ أن تتقوا.
قيلَ: بمعنى: تخافُوا وتحذرُوا، فتعدَّى (٢) بـ (من).
كأنَّ هذا القائلَ ظنَّ أن خافَ وحذرَ (٣) لا يتعدَّى بنفسِهِ؛ ولم يصِبْ.
ويكونُ ﴿تُقَاةً﴾ نصبًا على المصدرِ بمعنى: متَّقًى، وقرئ: ﴿تَقَيَّةً﴾ (٤) فعِيلةٌ (٥) بمعنى مفعولٍ، أو تسميةً بالمصدرِ أيضًا.
ويجوزُ أن يكونا مصدرين إنْ جُعلَ مفعولًا بهِ، ففيهِ مبالغةٌ شديدةٌ حيث كان الرخصة معلَّقةً بشدةِ الخوفِ، حتى إن المحذورَ من غايةِ كونهِ مخوفًا كأنهُ نفسُ الحذرِ.
وفيهِ التفاتٌ، ولا يخفَى ما فيهِ من اللطفِ؛ فإنهم لما نُهوا عن فِعل ما لا يجوز جعِلَ ذلك في اسم غائبٍ، فلم يواجَهُوا بالنهيِ، ولما وقعتِ المسامحةُ والإذن في بعضِ ذلك ووجِهوا به إيذانًا بلطفِ اللهِ تعالى بهم، وتشريفًا بخطابِه إياهُم.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ فلا تتعرضوا لسخَطهِ بموالاةِ الأعداءِ، وعيدٌ شديدٌ
стр. 820
مشعِرٌ بتناهي المنهيِّ عنهُ في القبحِ، وذكَرَ النفسَ ليُعلمَ أن المحذَّرَ (١) منه عقابٌ يصدر منهُ فلا يؤبَهُ دونَهُ بما يُحذَرُ من الكفرةِ.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ دونَ غيرِه، فلا تفوتونه ولا يمكنكَ الحذرُ، إيعادٌ بليغٌ عند مخالفتِهِ.
ثمَّ بيَّنَ قولَه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ بقولِهِ:
* * *
(٢٩) - ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ﴾: وهو بيانٌ من بابِ التعميمِ كإقامة البرهانِ؛ أي: إن تخفوا ما في صدوركم من ولايةِ الكفارِ (٢) وغيره مما لا يرضى اللهُ بهِ، أو تبدوهُ، يعلمهُ اللهُ تعالى، ويستوي عندَهُ الإخفاءُ والإبداءُ.
فذكر قوله: ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾ بعد قوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾ معَ أنه مغنٍ عنه؛ لتقريرِ معنى التسويةِ المذكورةِ، وهو كقولهِ: ﴿وَكَهْلًا﴾ في قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦].
﴿وَيَعْلَمُ﴾، أي: وكيفَ لا وهو يعلمُ ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه مطَّلعٌ بالذات على الأشياء كلِّها سرِّها وعلنها.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فهو القادرُ على عقوبتكم.
стр. 821
وفي إظهارِ ذكر الله في المواضع الثلاثةِ، وتقديمِه على ﴿الْمَصِيرُ﴾، مع أن الموقِعَ موقعُ الإضمارِ، إيعادٌ شديدٌ، وتربيةٌ للعلمِ والقدرةِ والمهابةِ بأنه هو العالمُ القادرُ دون غيره، ولا يُخَصُّ علمُه وقدرتُه ببعض المعلوماتِ والمقدوراتِ (١) دونَ بعضٍ، فيجبُ أن يُحذَرَ ويُتَّقى.
* * *
(٣٠) - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾: نصبٌ بمضمرٍ نحوَ: اذكر، لا بـ ﴿تَوَدُّ﴾ إذ حينئذ يضيعُ توصيفُ اليومِ بوجدانِ كلِّ نفس ما عملت من خيرٍ محضرًا، بل يُخلُّ؛ إذ لا يصلُحُ منشأً لتلك الودادةِ، والأصلُ في مثلِ ذلك هوَ المَنشئيَّة.
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أي: كلُّ نفسٍ عاملةٍ للخيرِ وهي النفسُ المؤمنةُ؛ لعدمِ الخيرِ للكافرِ، وحذِفَ الوصفُ لدلالةِ قولهِ:
﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ عليه، وفيهِ إشارةُ بشارةٍ للمؤمنِ؛ لأنهُ ذكرَ أنهُ يجدُ الخيرَ محضَرًا ولم يذكُر في حقِّهِ إحضارَ الشرِّ؛ لأن (٢) منه ما يُغفَر فلا (٣) يُحضَرُ، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦].
والظاهر حضورُ العملِ بنفسه من الخيرِ والشرِّ على ما نطقَ به الخبرُ عن خيرِ البشرِ، فلا يجوزُ الصرفُ عنه بلا صارفٍ.
стр. 822
﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ مبتدأٌ خبرُهُ (١):
﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ﴾ أي: تحبُّ متمنيًا أنَّ بينها وبينَ ذلك اليومِ وهولِه (٢).
ولا يجوزُ أن يكونَ: ﴿تَوَدُّ﴾ حالًا من الضميرِ في ﴿عَمِلَتْ﴾ لأنَّ عمَلها ليسَ في حالِ الودادةِ المذكورةِ.
وعلى قراءة: (ودَّت) (٣) يجوز أن تكون ﴿مَّا﴾ شرطيةً، وكذا على قراءة العامةِ عندَ التحقيقِ، ولا يأباهُ رفعُ ﴿تَوَدُّ﴾؛ لأنَّ الشرطَ إذا كان ماضيًا والجزاء مضارعًا جازَ فيه الرفعُ والجزمُ، لكنَّ الحملَ على الجملةِ الاسميةِ أوقعُ في المعنى؛ لأنَّه حكايةُ الكائنِ في ذلك اليومِ.
﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾ والأمدُ: المسافةُ أو الزمانُ.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: ذكرَهُ فيما سبقَ للمنعِ عن موالاةِ الكافرين، وذكره هنا للحثِّ على عملِ الخيرِ، والمنعِ عن عمل السوءِ، فلا تكرارَ.
﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ يعني: أن المبالغةَ في تحذيرِهم واستيقاظِهم عن الغفلةِ، وتذكيرِهم كمالَ علمِهِ وقدريهِ وإحاطتِهِ بهم، منَ الرأفةِ العظيمةِ بالعبادِ؛ لأنهم إذا تنبَّهوا وعر فوه حقَّ معرفته حذروا سخَطهُ، وطلبوا رضاه، فنجَوا.
ويجوزُ أن يريدَ أنه مع كوبه محذورًا لإحاطةِ علمِهِ، وكمالِ قدرتهِ، وقوة
стр. 823
قهرهِ، مرجوٌّ (١) لسعةِ رحمتِهِ ورأفتِهِ ولطفِهِ؛ كقوله (٢): ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣].
* * *
(٣١) - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾: المحبةُ أمرٌ وجدانيٌّ لا يمكن تعريفُه بحسب الحقيقَةِ كما قيلَ:
حَقِيقةُ الحبِّ لا تُحكَى لفاقدِها … والواجِدُ استبشَعَ التعريفَ بالقيلِ
لا يعرِفُ الشمسَ إلا مَن يُشاهِدُها … للكُمهِ في تعريِفها عينُ تضليلِ
وأثرها الحادثُ في القلبِ: ميلٌ إلى المحبوبِ لكمالٍ أُدركَ فيهِ بحيثُ يحملها (٣) على ما يقرِّبه إليهِ، فمحبةُ اللهِ تعالى تقتضِي إرادةَ طاعتهِ، والرغبةَ فيما يقرِّبهُ إليهِ، فلذلك فُسِّرت المحبةُ بإرادةِ الطاعةِ، وجُعلتْ مستلزمةً لاتِّباعِ الرسولِ في عبادتِهِ والحرصِ على طاعتهِ.
﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾: جوابٌ للأمر (٤)؛ أي: يرضى عنكُم، ويقرِّبُكم مِن جنابِ عزِّهِ، ويبوِّئكم في جوارِ قُدسِهِ، عبَّرَ عن ذلك بالمحبةِ على طريقِ الاستعارةِ والمشاكلةِ (٥).
стр. 824
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ما سلفَ من ذنوبكم.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لمن تحبَّبَ (١) إليه بطاعتهِ، ومتابعةِ نبيِّهِ.
* * *
(٣٢) - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: ذُكرَ اللهُ توطئةً لذكرِ الرسولِ؛ تخصيصًا لهُ باللهِ تعالى، وتعظيمًا لكون الطاعةِ مكانَ المتابعةِ، كأنهُ قالَ: فإن لم تتَّبِعوني فأطيعوني، ونوَّه بذكرِ الرسولِ والالتفاتِ، وأكَّدَ تعظيمَهُ:
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: يحتمِلُ أن يكون ماضيًا، وأن يكون مضارعًا بمعنى: فإن تتولُّوا.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: قد سبق آنفًا بيانُ معنى حبِّ اللهِ.
أثبتَ الكفرَ لتاركي طاعةِ اللهِ والرسولِ بوضع الظاهرِ موضعَ المضمرِ تسجيلًا عليهم بالكفرِ، وحصرًا للكفرِ فيهم بإفادة أنهم جنسُ الكفَّارِ، ليلزَم أن تاركَ المتابعةِ ليسَ بكافرٍ ما دام مطيعًا؛ لأنها لا تتيسَّرُ لكلِّ واحدٍ من آحاد المسلمين، موميًا إلى أن الذي لم يتيسَّرْ له المتابعةُ في سلوكِ طريقه فعليه بالطاعةِ كما أُمرَ، وإلا كان كافرًا (٢).
* * *
(٣٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ بالرسالةِ والخصائصِ (٣) الروحانيةِ والجسمانيةِ،
стр. 825
ولذلك قَوُوا على ما لم يقوَ عليه غيرُهم، لمَّا أوجبَ طاعةَ الرسلِ (١)، وبيَّنَ أنها الجالبةُ لمحبةِ الله تعالى، عقَّبَ ذلك ببيان (٢) مناقِبهم تحريضًا عليها.
﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: إسماعيلَ وإسحاقَ ﵉ وأولادَهما، وقد دخلَ فيهم الرسولُ ﷺ .
﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾: موسى وهارون ﵉، والمرادُ: عِمران بن يَصْهُرْ، وقيل: عمرانُ بن ماثانَ، وآلُه: عِيسى ومريمُ بنتُ عمرانَ المذكورِ.
* * *
(٣٤) - ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾: حالٌ أو بدلٌ من الآلَينِ، أو مِنهما ومن نوحٍ وآدمَ؛ أي: إنهم ذريةٌ واحدة منشعِبةٌ (٣) بعضُها من بعضٍ، والذرَّيةُ لمَّا كانت مشتقَّةً من الذَّرءِ وهو الخَلقُ شملَت الكلَّ؛ لأن الأبَ خلِقَ منهُ الولدُ، والولدُ خِلقَ منَ الأب.
وقيل: بعضُها من بعضٍ في الدينِ.
* * *
(٣٣٣٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
стр. 826
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بأقوالِ الناسِ وأعمالهِمْ، فيصطفِي مَن كانَ مستقيم القولِ والعملِ، أو: سميعٌ بقولِ امرأةِ عمرانَ عليمٌ بنيَّتها ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾: فتنصبَ (١) ﴿إِذْ﴾ بـ ﴿سَمِيعٌ﴾، ومنعُ تو صيفِهِ عن العملِ غيرُ مسلَّمٍ.
وقيلَ: نصبُهُ بإضمارِ: اذكُر.
﴿مُحَرَّرًا﴾: نصبُهُ (٢) على الحالِ؛ أي: مُعتَقًا لخدمتِهِ مُخلَصًا للعبادةِ، لا أَشغلُهُ بشيءٍ.
قيلَ: كانَ بنو إسرائيلَ لم يكن (٣) لهم غنائمُ أعدائهم، فلم يكُن لهم مماليكُ يعتِقونَهُ، وكانوا يحرِّرونَ أولادَهُم تقرُّبًا إلى الله تعالى، ويقطعُونَ منافعهم عَن أنفسهِم، ويفرغُونهم لخدمة بيتِ اللهِ.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ ما نذرتُهُ، والتقبُّلُ: أخذُ الشيءِ على الرضا بهِ.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ قولي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنيَّتي.
* * *
(٣٦) - ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾: الضمير لما في بطنِها، وتأنيثُه لأنهُ كان
стр. 827
أنثَى حتى يكونَ كقولكَ: وضعت أنثى أنثى بل نظرًا (١) إلى الحالِ، أو على تأويلِ النفسِ، أو النسمةِ (٢).
و ﴿أُنْثَى﴾ حالٌ مِن ﴿وَضَعْتُهَا﴾ وطوبِقَ ضميرُ ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ للحالِ؛ لأن الحال وذا الحالِ كشيءٍ وأحدٍ.
وإنما قالتْهُ تحسُّرًا وتحزُّنًا إلى ربِّها؛ لأنها كانَتْ ترجو أن تلِدَ ذكرًا، ولذلك نذرَتهُ محرَّرًا للسدانَةِ.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أي: بالشيءِ الذي وضعتْهُ، وهوَ استئنافٌ منَ اللهِ تعالى تعظيمًا لموضوعِها وتجهيلًا لها بشأنها.
وقرئ: ﴿وَضَعَتْ﴾ (٣) على أنه مِن كلامها تسليةً لنفسِها؛ أي: ولعلَّ لله تعالى فيها سرًّا، والأُنثى كانَ خيرًا. وقرئ: (وضعتِ) (٤) على خطابِ الله تعالى لها.
﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ﴾: الذي طلبَتْ.
﴿كَالْأُنْثَى﴾ التي وُهِبت لها، بيانٌ لقولِهِ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، والتعريفُ فيهما للعهدِ.
стр. 828
قيلَ: ويجوزُ أن يكونَ مِن قولها، بمعنى: وليس الذكرُ والأُنثى (١) سيَّانِ فيما نذرتُ؛ فيكونُ التعريفُ للجنسِ.
وفيهِ: أنَّ مقصودَها تنقيصُ الأُنثى بالنسبةِ إلى الذكرِ، والمشهورُ في مثلهِ أن يُنْفَى عن الناقصِ شبهُهُ بالكاملِ، لا العكس.
﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾: عطفٌ على ما قبلَها مِن مقالها، وما بينَهُما اعتراضٌ. أرادَتْ بذلك التقربَ إلى اللهِ والعصمةَ لها؛ لأن مريمَ في لغتهم بمعنى: العابدةِ، فلعلَّ اللّهَ يصدِّقُ فيها ظنَّها، ويجعلُها طبقًا لاسمِها، فتقومَ مقام ما نذرتْهُ، ألا تراها كيفَ أتبعتهُ بقولها:
﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾: أجيرُها بحفظِكَ.
﴿وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: المطرودِ، وأصلُ الرجمِ: الرميُ بالحجارة، وعنِ النبيِّ ﷺ : "ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يمسُّهُ حينَ يولدُ فيستهِلُّ مِن مسِّهِ، إلا مريمَ وابنَها".
والحديثُ مذكورٌ في الصحيحينِ (٢). ولا صارفَ عن ظاهرِهِ، فمَن تردَّدَ في صحتِهِ ثم أوَّلهُ فقد ضلَّ وأضلَّ (٣).
* * *
стр. 829
(٣٧) - ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: فرضي بها في النذرِ مكانَ الذكَرِ.
﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾: بوجهٍ حسنٍ يقبلُ بهِ النذائرَ، وهو إقامتها مقامَ الذكرِ، أو تسلُّمها عقيبَ ولادتها قبلَ أن تكبرَ وتصلُحَ للسدانةِ.
ويجوزُ أن يكونَ مصدرًا على تقديرِ مضافٍ؛ أي: بذِي قَبولٍ حسنٍ، وأن يكونَ تقبَّلَ بمعنَى استقبَلَ كتقضَّى وتعجَّلَ؛ أي: فأخذها في أوَّلِ أمرِها حينَ ولدَت بقَبولٍ حسنٍ.
﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾؛ أي: أنشأها وربَّاها على أحسنِ وجهٍ خَلْقًا وخُلُقًا.
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وقرئَ بتشديد الفاء (١)؛ أي: جعلَ اللهُ زكريا كافلًا لها، وضامِنًا مصالِحَها.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾: قال الأصمعيُّ: المحرابُ: الغرفة؛ أي: الغرفةَ التي بنى لها.
وقالَ الزجَّاجُ: المحرابُ: أشرفُ المجالسِ ومُقدَّمها، وقيل: المساجِدُ عندهم تسمَّى المحاريبَ (٢)، وهو مِفعالٌ من الحربِ؛ لأنهُ يحارَبُ فيهِ الشيطانُ؛ كأنها وُضِعت في أشرفِ موضعٍ من بيتِ المقدسِ (٣).
стр. 830
﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾: جوابُ ﴿كُلَّمَا﴾ وناصبُهُ، وتنكيرُ ﴿رِزْقًا﴾ للتنويعِ؛ أي: نوعًا غريبًا من الرزقِ.
رويَ: أنه كان لا يدخلُ عليها غيرُهُ، وإذا خرجَ أغلقَ عليها سبعةَ أبوابٍ، فكانَ يجِدُ عندَها فاكهةَ الشتاءِ في الصيفِ، وبالعكسِ (١).
﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾: مِن أين لكِ هذا الرزق الذي لا يشبِهُ أرزاقَ الدُّنيا (٢)، وهو آتٍ في غيرِ حينِهِ، والأبوابُ مغلَّقةِ عليكِ؛ استُفيدَ الأوصافُ من اسم الإشارةِ المستعملِ لكمالِ العنايةِ بالتمييزِ (٣) لمَا لهُ من الأوصافِ العجيبةِ الشأن.
﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: فلا تستبعِدْ.
قيلَ: كانَ رزقُها ينزلُ عليها من الجنةِ، ولم تَرضَع ثديًا قطُّ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغيرِ تقديرٍ لكثرتهِ، أو تفضُّلًا بغيرِ محاسبةٍ ومجازاةٍ على عملٍ، مِن جملةِ كلامِها، أو مِن كلامِ اللهِ تعالى.
* * *
(٣٨) - ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
﴿هُنَالِكَ﴾: في ذلكَ المكانِ.
﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ لمَّا كان المحرابُ مكانَ عبادةٍ وكرامةٍ لمريمَ دعا فيهِ أن يهَبَ اللهُ تعالى له ذريةً طيبةً.
﴿قَالَ﴾ تفسيرٌ للدعاءِ:
стр. 831
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾؛ أي: تفضَّل عليَّ بإعطاءِ ولدٍ وإبقائهِ كما وهبتَ لامرأةِ عمرانَ وهي عجوزٌ عاقرٌ، يفهَم هذا من قولهِ: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ فإنَّ فيهِ إشارةً إلى أنَّ تلك الهبةَ على خلاف العادةِ.
وقيلَ: لما رأى الفواكهَ في غيرِ أوانها انتبه على جوازِ ولادةِ العاقرِ من الشيخِ فسألَ.
وأولى منهُ أن يُقالَ: لما شاهدَ وقوعَ هذا الخارقِ كرامةً لمريمَ امتدَّ أملُهُ إلى خارقٍ يناسبه كرامةً له (١)، والذريةُ: الولدُ، يقعُ على الذكرِ والأُنثى، والواحدِ والجمعِ.
وتأنيثُ الطيِّبةِ للَفظِ الذريةِ، والطيبُ: هوَ الذي يُستطابُ، فلا يكونُ فيهِ أمرٌ يُستخبَثُ ويُعابُ.
﴿إِنَّكَ سَمِيعُ﴾: مجيبُه.
* * *
(٣٩) ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾: كان النداءُ مِن جبريلَ ﵇ وحدَهُ، وإنما ذكرَهُ جمعًا، لأنهُ إذا نزلَ لأمرٍ (٢) خارقٍ كان معهُ (٣) جماعةٌ من الملائكةِ تعظيمًا لذلكَ الأمرِ، وهذا كما يقالُ: حضرَ زيدًا خواصُّ السلطانِ يدعونَهُ إليهِ، وإن كانَ الذي يخاطِبهُ بالدعوةِ واحدًا منهم.
стр. 832
﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ أي: قائمًا في الصلاةِ، و ﴿يُصَلِّي﴾ صفةُ ﴿قَائِمٌ﴾، أو خبرٌ، أو حالٌ عنِ الضميرِ في ﴿قَائِمٌ﴾ دل على أنَّ المراداتِ تُطلَبُ بالصلواتِ (١)، وفيها إجابةُ الدعواتِ، وقضاءُ الحاجاتِ.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾: قرئَ بالفتحِ، لوقوعِ فعلِ النداء عليهِ (٢)، وجعِلَ النداءُ في معنى الإعلامِ، وبالكسرِ على أنَّ في النداء معنى القولِ (٣).
وقرئ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ بالتشديدِ منَ التبشيرِ، وبالتخفيفِ من البشارة (٤)، وقد سبقَ تفسيرُها في سورة البقرةِ.
﴿بِيَحْيَى﴾: اسمٌ أعجميٌّ، وإن جُعلَ عربيًّا فمنعُ صرفِهِ للعلميةِ (٥)، ووزنِ الفعلِ.
﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بعيسى ﵇ مؤمنًا بهِ، سمِّي بذلكَ لأنهُ وجِدَ بأمرِ الله تعالى بلا أبٍ، فشابهَ البدعياتِ التي هيَ عالمُ الأمرِ، أو بكتابِ اللهِ تعالى، سمِّيَ (٦) كلمةً كما قيلَ: كلمةُ الحويدرةِ (٧)، لقصيدتهِ.
﴿وَسَيِّدًا﴾: يسودُ قومَهُ ويفوقُهم، وكانَ فائقًا على الناسِ كلهم في أنهُ ما همَّ بمعصيةٍ.
стр. 833
﴿وَحَصُورًا﴾: ممتنعًا عن (١) النساءِ مع القدرةِ عليهنَّ، والحصَرُ: الحبسُ والمنعُ، وهو فعولٌ بمعنى الفاعلِ.
وقيلَ: هو المتبتِّلُ الذي حصَرَ نفسه عن كل لذةٍ في الدنيا، رويَ: أنه مرَّ في صباهُ بصبيانٍ فدعَوه إلى اللعبِ؛ فقالَ: ما للَّعبِ خُلِقتُ (٢).
﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ناشئًا منهم؛ لأنَّه كانَ من أصلابِ الأنبياءِ ﵈، أو: كائنًا من الصالحينَ. وفي توصيفِهِ بالصلاحِ بعدَ توصيفِهِ بالنبوة ما لا يخفى من التعظيمِ للصلاحِ.
* * *
(٤٠) - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾: استعظامًا وتعجبًا، وفي عبار الغلامِ دونَ الولدِ تقويةٌ لهُ، وذكرُ الغلامِ كانَ في البشارةِ على ما ذُكرَ في سورة مريم، وتُركَ هاهنا اختصارًا.
والاستبعادُ بحسبِ العادةِ لا يناسبُ الحالَ وسياقَ المقالِ، إلا على قولِ مَن قال: كانَ دعاؤه ﵇ قبلَ بشارته بأربعين سنةً؛ فلذلكَ نسيَ ما سأل ربهُ حتى قالَ ما قالَ. على أنَّ الاستعظامَ ينتظِمهُ إذا اقتضاهُ المقامُ، وأما الاستفهامُ عن كيفيةِ حدوثهُ فلا يناسبُه تمامُ الكلام، ولا ينتظِمهُ الجوابُ حقَّ الانتظام.
стр. 834
﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾: أدركني كِبرُ السنِّ وأثَّر فيَّ، وكانَ له تسع وتسعونَ سنةً، ولامرأتهِ ثمانية وتسعونَ (١)، ولهذا قالَ:
﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾: لا تلدُ؟ منَ العُقرِ وهوَ: القطعُ؛ لأنها ذاتُ عُقرٍ من الأولاد.
﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾: تعظيمٌ، أي: مثلَ ذلكَ الفعلِ العظيم العجيب الشأنِ، البعيدِ عن العقلِ والعادةِ يفعل الله ما يشاءُ من الأفاعيل العجيبةِ؛ وهو خلقُ الولدِ من الشيخ الفاني والعجوزِ العاقرِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ نصب على المصدرِ، أو خبرُ مبتدأ.
﴿اللَّهُ﴾ أي: على مثلِ هذه الصفةِ ﴿اللَّهُ﴾، وقولُهُ:
﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: بيانٌ لهُ؛ أي: يفعلُ ما يريدُ من الأفاعيل الخارقةِ للعادة (٢).
* * *
(٤١) - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾: علامةً أعرفُ بها الهبة لأستقبلَهُ بالبشاشةِ والشُّكرِ، وتزيح مشقَّةَ الانتظارِ.
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾: أن لا تقدِرَ على تكليم الناسِ من غير خرسٍ ولا آفةٍ أُخرى، لقولهِ في موضع آخرَ ﴿سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] أي: سليمَ الأعضاءِ.
وإنما حُبِسَ لسانُهُ عن مكالمتهم خاصَّةً لتخلُصَ المدةُ لذكرِ اللهِ تعالى وشكرِهِ
стр. 835
قضاءً لحقِّ النعمةِ، لمَّا أطلَعَ اللّهَ تعالى على أنهُ طلبَ الآية لأداء الشكرِ، جعلَ الآيةَ نفسَ الشكرِ؛ فإن إخلاص المدةِ لذكره دونَ شَغل لسانه بغيرِهِ من أحسن أنواع الشكرِ، وأحسَنُ الجوابِ ما كان منتزَعًا منَ السؤالِ؛ كأنه قالَ: آيتُكَ أن لا تقدِرَ إلا على شكري.
﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾: ذكَرَ الأيام هنا والليالي هناكَ، ولا تنافَي بينهُما؛ لأن ذكرَ إحداهما جمعًا يقتضِي دخولَ الأُخرى فيها لغةً وعرفًا.
﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ الرمزُ: الإيماءُ بالشفتَين، وقد يستعمَلُ في الإيماءِ بالحاجبِ والعينِ، واليدِ والرأسِ، والأولُ أغلَبُ، وأصله التحركُ، ومنهُ الراموزُ للبحرِ، والكلامُ ينتظِمُ الرمزَ؛ لأن المرادَ منهُ ما دلَّ على الضميرِ، قالَ: جؤيَّةُ بنُ عائذٍ:
كأنَّ تَكَلُّمَ الأبطالِ رمزًا … وغَمْغَمَةً لهُمْ مثلُ الهدِيرِ (١)
فالاستثناءُ متصلٌ.
وقرئ: (رَمَزًا) كخَدَمٍ: جمعُ رامزٍ، و (رُمُزًا) كرسُلٍ: جمعُ رَموزٍ (٢)، على أنهُ حالٌ منهُ ﵊ ومنَ ﴿النَّاسَ﴾ بمعنى: إلا مترامِزِين.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ في أيامِ الحبسةِ، وهو مؤكِّدٌ لمَا قبلَهُ مبيِّنٌ للغرضِ منهُ، والكثرةُ قيدُ المأمورِ به لا قيدُ الأمرِ، فعلَى تقديرِ دلالةِ الأمرِ على التكرارِ فائدَتهُ تكرارُ الذكر الكثير (٣).
стр. 836
﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ في طرفي النهارِ، خصَّهما بالذكرِ لأنهما (١) مجتمَعُ ملائكةِ الملَوين.
وقرئ: (والأبكار) بفتحِ الهمزةِ جمعُ بَكَرٍ (٢)؛ كسَحَرٍ وأسحارٍ، يقالُ: أتيته بكَرًا، بفتحتين؛ أي: بكرةً.
* * *
(٤٢) - ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾ لما فرَغَ من قصة زكريا ﵇، وكانَ قد استطرَدَ من قصة مريم إليها رجع إلى قصتها، والمقصودُ تنزيهُها عما رمتها به اليهودُ.
وفي نداءِ الملائكةِ لها باسمها تأنيسٌ لها، وتوطئةٌ لما تلقيه (٣) إليها، ودفعٌ لاحتمالِ أن يكونَ ذلكَ بطريقِ الإلهامِ، لا على وجهِ المشافهةِ بالكلام.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أولًا بأنواعِ (٤) الكرامةِ، واختصَّكِ بتقبُّلكِ من أمكِ، وتربيتك برزق الجنةِ، وفيضِ القدرةِ.
﴿وَطَهَّرَكِ﴾ مما يُستقذَرُ ويجتنَبُ من الأفعالِ، ويدخُلُ فيه ما قذفها به (٥) اليهودُ دخولًا أوليًا.
стр. 837
﴿وَاصْطَفَاكِ﴾ آخرًا (١).
﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ بأن وهبَ لكِ عيسى ﵇ مِن غير أبٍ.
كانت (٢) تلك المخاطبة كرامةً لها؛ للإجماعِ (٣) على أنهُ تعالى لم يستنبئ امرأةً.
وأمَّا قولهُ تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩]، فلا دلالةَ فيه على المطلوبِ؛ لأنَّ الرسولَ أخصُّ من النبيِّ، ولا يلزم من انتفاءِ الخاصِ انتفاءُ العامِ.
* * *
(٤٣) - ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي﴾: أخلِصي، أو: أديمي الطاعةَ.
﴿لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾؛ أي: صلي النافلةَ وحدَكِ.
﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: صلي الفرضَ مع المصلِّينَ في بيت المقدس جماعةً.
وإنما خصَّ السجودَ من بينِ أركان الصلاةِ بالذكرِ في مقام التعبيرِ عن الكلِّ بالجزءِ؛ لأنَّ تمام الصلاةِ بهِ، ولهذا يَحنَثُ من حلفَ لا يصلي إذا أتم سجودَهُ (٤) ولا يَحنَثُ قبلَهُ.
وخصَّ الركوع بالذكرِ في مقامِ التعبيرِ عن الصلاةِ بالجماعةِ؛ لأن شرطَ صحة الاقتداءِ إدراكُ الإمامِ في الركوعِ (٥).
стр. 838
(٤٤) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما ذكِرَ من نبأ زكريا ويحيى ومريمَ وعيسَى ﵈.
﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾: مما يوحى إليكَ من الغيوبِ.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الضميرُ عائدٌ على ما دلَّ عليه المعنى؛ أي: وما كنتَ لدى المتنازعِينَ.
﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ قِداحهم للاقتراعِ.
وقيلَ: اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبرُّكًا بها.
والمرادُ: تقريرُ كونهِ وحيًا على سبيل التهكُّمِ بمنكريهِ، كأنه قيل: إنه ﵇ يخبركم بما لا سبيلَ إليه لنظر العقلِ، وأنتم تنكرونَ الوحيَ وتعترفون بعدمِ السماعِ، فلم يبقَ لنا بمقتضَى عقولكم ما يحتاجُ إلى النفي سوى المشاهدةِ التي هي أظهَرُ الأمورِ انتفاءً.
﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ دلَّ عليهِ ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾؛ أي: يلقُونها ليَعلمُوا إلُهم يكفُل مريمَ.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ تنافسًا في كفالتِها.
* * *
стр. 839
(٤٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ بدلٌ مِن ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ الأولى وما بينهُما اعتراضٌ، أو مِن ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ على أن وقوعَ الاختصامِ والبشارة في زمانٍ متسعٍ؛ كقولهِ: لقيتُه سنةَ كذا.
﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قد سبقَ تفسيرُها.
﴿اسْمُهُ﴾: الضمير للكلمة، وإنما ذُكِّرَ باعتبارِ المعنى.
﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المسيحُ) لقبُهُ؛ أصلُه بالعبرية: مَشِيحا؛ ومعناهُ: المبارَك، فهو من الألقابِ المشرِّفةِ (١) كالصِّدِّيقِ، و (عيسى) معرَّبُ أيشوع.
وإنما قال: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والخطابُ لها؛ للتنبيه بنسبته إلى الأمِّ أنه يولَدُ من غير أبٍ؛ لأن النسبةَ إليها إنما تكونُ عند فَقْد الأبِ، وقد كان في قولهم: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ (٢) تمهيدٌ لهذا التنبيه.
ولما كان الاسمُ علامةً يعرَفُ به المسمَّى ويتميَّزُ من (٣) غيرهِ قيلَ: اسمه - أي: ما يُعرَفُ به ويتميَّزُ - مجموعُ هذه الثلاثةِ؛ تعظيمًا لهُ، وتنويهًا بذكرِ اللقبِ والصفةِ مع الاسمِ.
﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا﴾ حال مقدَّرةٌ من (كلمةٍ)، وهي وإن كانت نكرةً لكنها موصوفة.
стр. 840
والوجاهةُ في الدنيا: النبوةُ والتقدمُ على الناس بالمعجزاتِ، وفي الآخرةِ: علوُّ الدرجةِ والشفاعةُ.
﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ من الله تعالى، حالٌ آخرُ، وقيلَ: إشارة إلى رفعهِ إلى السماءِ، وصحبة الملائكةِ.
* * *
(٤٦) - ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ﴾ حالٌ آخرُ، والعدولُ إلى الفعل لأنَّه صفةٌ متجددةٌ بخلافِ السابق واللاحقِ، وذكرَ الناسَ لبيان أن المرادَ التكلم المعتادُ، فإن الصبيَّ قد يقدر على التكلُّمِ مع أبويهِ وهو طفلٌ، فتكلُّمه مطلقًا في تلك الحالِ ليس بخارقٍ للعادة.
﴿فِي الْمَهْدِ﴾ حالٌ من (يكلِّمُ) ﴿وَكَهْلًا﴾ عطفٌ عليه؛ أي: طفلًا وكهلًا، وإنما عدلَ عنه إلى المنزَل تصويرًا لحالِ صغَرهِ المنافي للقدر على التكلُّم كما ينبغي، والمعنى: يكلِّمُهم في الطفولةِ والكهولةِ على سواءٍ.
وفيه بشارةٌ (١) لأمهِ بعيشهِ وبقائهِ إلى الكهولةِ؛ وهي (٢) ما بين الشبابِ والشّيبِ. واستُدِلَ به على نزوله من السماءِ؛ لأن رفعه إليها كانَ قبل أن يصيرَ كهلاً.
والمهد: ما يمهَدُ للصبيِّ من مضجعه تسميةً بالمصدرِ.
﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: حالٌ رابع من (كلمةٍ) أو ضميرِها الذي في (يكلم).
* * *
стр. 841
(٤٧) - ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿قَالَتْ﴾ لمَّا فهمَت من نسبتِه لها أنهُ لا والد له:
﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾: تعجُّبٌ ناشٍ من استبعادٍ عاديٍّ، لا استفهامٌ (١) عن أن يكون بتزوجٍ أو غيرهِ؛ لأن قولَهُ:
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ظاهرٌ في أن الطريقَ عندَه منحصِرٌ في التزوُّجِ.
﴿قَالَ﴾ جبريلُ ﵇ بأمرِ الله تعالى:
﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ قد سبقَ تفسيره.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بيانٌ لقولهِ: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، وإشارةٌ إلى أنهُ تعالى كما يقدِرُ أن يخلُقَ الأشياء مدرجًا بأسبابٍ وموادَّ، يقدِرُ أن يخلُقها دفعةً من غير ذلكَ.
* * *
(٤٨) - ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾: كلامٌ مبتدأٌ ذكِرَ تطييبًا لقلبِها، وإزاحةً لمَا همَّها (٢) خوفِ اللومِ لمَّا علمَتْ يقينًا أنها تلد من (٣) غيرِ زواجٍ.
والكتابُ: الكَتبةُ (٤).
إلخ، فإنه حينئذٍ ينبغي أن يؤخَّرَ هذا القولُ عن ذكرِ الأحوال والأوصاف (١)، والاهتمامُ بلا علَّةٍ لا يصلُحُ باعثُا لتقديمِ ما حقُّهُ التأخيرُ، فإنه لا يكونُ سلامة الأمير (٢).
وتخصيصُ بني إسرائيلَ لخصوصِ بعثتهِ ﵊، أو للردِّ على مَن زعم أنه مبعوثٌ إلى غيرهم.
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ في محلِّ النصبِ بدلٌ من ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾، أو الجرِّ بدلًا من (آيةٍ)، أو الرفعِ على: هي أني.
وقرئ: ﴿إني﴾ (٣) بالكسر على الاستئناف.
﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: أقدِّرُ لكم وأصوِّرُ شيئًا مثلَ صورة الطيرِ، أصلُ الكلامِ: كالطير في الهيئةِ، وإنما عدلَ عنهُ إلى المنزل إشارةً إلى أنهُ لم يكن منهُ ﵊ تصرفٌ إلا في الهيئةِ، فلا مماثلةَ بينهُما في المادةِ، وإنما المماثلةُ في الصورة فقط.
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾: الضميرُ للكافِ؛ أي: في ذلك المماثلِ (٤).
﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ أي: يصيرُ حيًّا طائرًا.
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بيَّنَ به أن إحياءه كانَ من الله تعالى لا منه، وفي عبارةِ الإذنِ دون الأمرِ إشارةٌ إلى تهوين أمرِ كونه طيرًا (٥).
стр. 844
قيلَ (١): تواطَأَ النقلُ عن المفسرين أن الطائرَ الذي خلقَهُ ﵇ كانَ يطيرُ ما دام الناس ينظرون إليهِ، فإذا غاب عن أعينهم سقَطَ ميتًا؛ ليتميّزَ فعلُ المخلوق من فعل الخالقِ، ومن هنا ظهر وجه زيادة ﴿لَكُمْ﴾ في قولهِ: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾، ووجهُ التهوينِ الذي أُشيرَ إليهِ بعبارة الإذنِ (٢).
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ الأكمَهُ: الذي ولدَ أعمى، وقيلَ: الممسوح العينِ.
﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: ذكره فيما لا يدخُلُ تحت قدرةِ العبادِ، وقيلَ في وجهه: إنه علِمَ أنه يُعبَدُ ويتَّخَذُ إلهًا، فنفَى عن نفسهِ الألوهيةَ قطعًا لحججهم (٣) عندَ الله تعالى.
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ بالمغيَّباتِ من أحوالكُم التي لا تشكُّونَ فيها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإشارةُ إلى مجموع ما ذكِرَ.
﴿لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: موقنين للإيمان؛ فإن غيرهم لا ينتفِعُ بالمعجزاتِ، أو: مصدِّقينَ للحقِّ غير مُعاندين.
* * *
(٥٠) - ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
стр. 845
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: عطفٌ على ﴿وَرَسُولًا﴾ أو على ﴿بِآيَةٍ﴾ تقديره: قد جئتكُمْ بآيةٍ، وجئتكُم مصدِّقًا.
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ ولأبيِّنَ الحلَّ وأعلِّمَه، معطوفٌ على محذوفٍ تقديرُهُ: لأخفِّفَ عنكُمْ ولأحلَّ لكم، أو معطوفٌ على معنى: (مصدقًا) كقولهم: أجئتك، (١) معتذرًا ولأطيِّبَ قلبكَ، أو مردود على قوله: (جئتكم بآية)، أي: منتظِمٌ معه معطوفٌ عليهِ ظاهرًا، لكنه في التحقيقِ مِن عطفِ الجمَلِ، أي: وجئتكم بآيةٍ لأحِلَّ؛ إذ (٢) لا وجهَ لعطف المفعول له على المفعول به، ولك أن تجعل الكلَّ في معنى الحال فيستقيمَ العطفُ؛ أي: جئتكم ملتبسًا بآيةٍ، ومصدقًا لما بين يديَّ، وكائنًا لأحل لكم (٣).
﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: في شريعة موسى ﵇؛ كالشحومِ، والشروبِ، والسمكِ، ولحومِ الإبلِ، والعملِ في السبتِ، وذلك لا يُنافي كونَه مصدِّقًا للتوراةِ؛ لأن النسخَ في الحقيقةِ بيانٌ لانتهاء حكمِ المنسوخ.
﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: جئتكم بآيةٍ بعد أُخرى مما ذكرتُ لكم ومما لم أذكُر؛ من ولادَتي بغير أبٍ، ومن كلامي في المهدِ، وغيرِ ذلكَ.
وقرئ: (بآيات من ربكم) (٤).
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ لما جئتكم بهِ من الآياتِ.
﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكمِ إليه (٥)، ثم ابتدأَ فقال: