← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

(٤٧) - ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿قَالَتْ﴾ لمَّا فهمَت من نسبتِه لها أنهُ لا والد له: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾: تعجُّبٌ ناشٍ من استبعادٍ عاديٍّ، لا استفهامٌ (١) عن أن يكون بتزوجٍ أو غيرهِ؛ لأن قولَهُ: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ظاهرٌ في أن الطريقَ عندَه منحصِرٌ في التزوُّجِ. ﴿قَالَ﴾ جبريلُ ﵇ بأمرِ الله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ قد سبقَ تفسيره. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بيانٌ لقولهِ: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، وإشارةٌ إلى أنهُ تعالى كما يقدِرُ أن يخلُقَ الأشياء مدرجًا بأسبابٍ وموادَّ، يقدِرُ أن يخلُقها دفعةً من غير ذلكَ. * * * (٤٨) - ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾: كلامٌ مبتدأٌ ذكِرَ تطييبًا لقلبِها، وإزاحةً لمَا همَّها (٢) خوفِ اللومِ لمَّا علمَتْ يقينًا أنها تلد من (٣) غيرِ زواجٍ. والكتابُ: الكَتبةُ (٤).

стр. 842

وقرئ: ﴿ونُعلِّمه﴾ (١) بالنونِ على الالتفاتِ منَ الغيبةِ إلى الخطابِ؛ لشدة الاعتناء (٢) بأمره ﵇. ويجوزُ أن يراد بالكتابِ جنسُ الكتبِ المنزلةِ، وخُصَّ الكتابان (٣) في قولهِ: ﴿وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ لفضلِهما. * * * (٤٩) - ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ منصوبٌ بمضمرٍ؛ أي: ويجعلُهُ رسولًا. ﴿وَرَسُولًا﴾ يتضمَّنُ معنى النطق (٤)، كأنه قال: ورسولًا ناطقًا بأني قد جئتكم بآيةٍ. وجوِّزَ أن يكونَ التقديرُ: (ويقولُ: أرسلتُ رسولًا)، ولا يخفَى ضعفُهُ؛ إذ فيه إضمارُ شيئينِ: القولُ ومعمولُهُ. والعطفُ على الأحوالِ المتقدِّمةِ يأباهُ الفصل بقولِهِ: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾

стр. 843

إلخ، فإنه حينئذٍ ينبغي أن يؤخَّرَ هذا القولُ عن ذكرِ الأحوال والأوصاف (١)، والاهتمامُ بلا علَّةٍ لا يصلُحُ باعثُا لتقديمِ ما حقُّهُ التأخيرُ، فإنه لا يكونُ سلامة الأمير (٢). وتخصيصُ بني إسرائيلَ لخصوصِ بعثتهِ ﵊، أو للردِّ على مَن زعم أنه مبعوثٌ إلى غيرهم. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ في محلِّ النصبِ بدلٌ من ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾، أو الجرِّ بدلًا من (آيةٍ)، أو الرفعِ على: هي أني. وقرئ: ﴿إني﴾ (٣) بالكسر على الاستئناف. ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: أقدِّرُ لكم وأصوِّرُ شيئًا مثلَ صورة الطيرِ، أصلُ الكلامِ: كالطير في الهيئةِ، وإنما عدلَ عنهُ إلى المنزل إشارةً إلى أنهُ لم يكن منهُ ﵊ تصرفٌ إلا في الهيئةِ، فلا مماثلةَ بينهُما في المادةِ، وإنما المماثلةُ في الصورة فقط. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾: الضميرُ للكافِ؛ أي: في ذلك المماثلِ (٤). ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ أي: يصيرُ حيًّا طائرًا. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بيَّنَ به أن إحياءه كانَ من الله تعالى لا منه، وفي عبارةِ الإذنِ دون الأمرِ إشارةٌ إلى تهوين أمرِ كونه طيرًا (٥).

стр. 844

قيلَ (١): تواطَأَ النقلُ عن المفسرين أن الطائرَ الذي خلقَهُ ﵇ كانَ يطيرُ ما دام الناس ينظرون إليهِ، فإذا غاب عن أعينهم سقَطَ ميتًا؛ ليتميّزَ فعلُ المخلوق من فعل الخالقِ، ومن هنا ظهر وجه زيادة ﴿لَكُمْ﴾ في قولهِ: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾، ووجهُ التهوينِ الذي أُشيرَ إليهِ بعبارة الإذنِ (٢). ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ الأكمَهُ: الذي ولدَ أعمى، وقيلَ: الممسوح العينِ. ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: ذكره فيما لا يدخُلُ تحت قدرةِ العبادِ، وقيلَ في وجهه: إنه علِمَ أنه يُعبَدُ ويتَّخَذُ إلهًا، فنفَى عن نفسهِ الألوهيةَ قطعًا لحججهم (٣) عندَ الله تعالى. ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ بالمغيَّباتِ من أحوالكُم التي لا تشكُّونَ فيها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإشارةُ إلى مجموع ما ذكِرَ. ﴿لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: موقنين للإيمان؛ فإن غيرهم لا ينتفِعُ بالمعجزاتِ، أو: مصدِّقينَ للحقِّ غير مُعاندين. * * * (٥٠) - ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.

стр. 845

﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: عطفٌ على ﴿وَرَسُولًا﴾ أو على ﴿بِآيَةٍ﴾ تقديره: قد جئتكُمْ بآيةٍ، وجئتكُم مصدِّقًا. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ ولأبيِّنَ الحلَّ وأعلِّمَه، معطوفٌ على محذوفٍ تقديرُهُ: لأخفِّفَ عنكُمْ ولأحلَّ لكم، أو معطوفٌ على معنى: (مصدقًا) كقولهم: أجئتك، (١) معتذرًا ولأطيِّبَ قلبكَ، أو مردود على قوله: (جئتكم بآية)، أي: منتظِمٌ معه معطوفٌ عليهِ ظاهرًا، لكنه في التحقيقِ مِن عطفِ الجمَلِ، أي: وجئتكم بآيةٍ لأحِلَّ؛ إذ (٢) لا وجهَ لعطف المفعول له على المفعول به، ولك أن تجعل الكلَّ في معنى الحال فيستقيمَ العطفُ؛ أي: جئتكم ملتبسًا بآيةٍ، ومصدقًا لما بين يديَّ، وكائنًا لأحل لكم (٣). ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: في شريعة موسى ﵇؛ كالشحومِ، والشروبِ، والسمكِ، ولحومِ الإبلِ، والعملِ في السبتِ، وذلك لا يُنافي كونَه مصدِّقًا للتوراةِ؛ لأن النسخَ في الحقيقةِ بيانٌ لانتهاء حكمِ المنسوخ. ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: جئتكم بآيةٍ بعد أُخرى مما ذكرتُ لكم ومما لم أذكُر؛ من ولادَتي بغير أبٍ، ومن كلامي في المهدِ، وغيرِ ذلكَ. وقرئ: (بآيات من ربكم) (٤). ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ لما جئتكم بهِ من الآياتِ. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكمِ إليه (٥)، ثم ابتدأَ فقال:

стр. 846

(٥١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ أي: تلك الآياتُ، واسمعوا هذه فإنها أعظَمُها وهو التوحيدُ الذي تطابق عليهِ الرسلُ كلهم، وهو (١) مبنَى دينِ الكلِّ وأسُّهُ. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: فخصِّصُوه (٢) بالعبادةِ. وقرئ: (أن الله) بالفتح (٣)، ومعناهُ: لأنَّ اللهَ ربي وربكم فاعبدُوه؛ كقولِهِ تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ … فَلْيَعْبُدُوا﴾. ويجوزُ أن يكونَ المعنى: وجئتكم بآيةٍ عظيمةٍ ما أعظَمها دالةٍ على أن الله تعالى ربِّي وربُّكم، وما بينَهما اعتراضٌ للتأكيدِ. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أشارَ بقولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ إلى باستكمالِ القوةِ النظريةِ بالاعتقادِ الحقِّ الذي غايتُهُ التوحيد، وبقولهِ: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ إلى استكمالِ القوة العمليَّةِ، فإنه بملازمة (٤) الطاعةِ التي هي الإتيانُ بالأوامرِ والانتهاءُ عن المناهي (٥)، ثم قرَّرَ ذلك بأنْ بيَّن أن الجمعَ بين الأمرين هو الطريقُ المشهودُ له (٦) بالاستقامةِ. * * *

стр. 847

(٥٢) - ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ نزَّلَ الكفرَ منزلةَ آثاره المحسوسةِ من سبِّهِ وطلبِهِ للقتلِ مبالغةً في قوة تأثيره وشدِّةِ ظهوره، ثم كنى بإحساسهِ عن التأثرِ به، والخوفِ منهم، ولذلكَ طلب الأنصارَ، ومَن وهَمَ أن الإحساسَ مستعارٌ للعلمِ اليقينيِّ الذي لا شبهةَ فيه فقد وهِمَ؛ لأنَّ فيه تشبيهَ القويِّ بالضعيفِ، فإن الإحساسَ كثيرًا ما يقعُ فيه الغلطُ. نعم؛ لو قيلَ: شبَّه الكفرَ المعقولَ بالمحسوسِ في قوةِ الظهورِ، فأضافَ إليه الإحساسَ على طريقةِ الاستعارةِ بالكنايةِ، لكانَ له وجهٌ، والفاءُ فصيحةٌ ترتيبُها على محذوفٍ يُفهَمُ من سياق الكلام وسباقه. ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي﴾: جمعُ النصيرِ؛ كالأشرافِ: جمع الشريفِ، أو جمعُ ناصرٍ؛ كالأصحاب: جمع صاحب. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: في محلِّ النصبِ متعلقٌ بحالٍ محذوفٍ؛ أي: سائرًا إلى اللهِ، أو: ملتجئًا، أو صلةٌ لـ ﴿أَنْصَارِي﴾ مضمَّنًا (١) معنى فعلٍ متعدٍّ (٢) بـ (إلى)؛ أي: مَن الذين يُضيفون (٣) أنفسهُمْ إلى الله تعالى ينصرونني كما ينصرني الله. ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: حواريُّ الرجلِ: صفوته وخالصتُهُ، من الحَوَرِ؛ وهو

стр. 848

البياضُ الخالص؛ سمِّيَ به أصحابهُ ﵊ (١) لخلوصِ نيتهِم، ونقاءِ (٢) سريرتهم. ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أي: أنصار دينه. ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ تأكيدٌ لإسلامهم؛ لأن الرسُلَ يشهدون يوم القيامةِ لقومهم وعليهم. * * * (٥٣) - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: مع الأنبياءِ الذين يشهدونَ لأممهم، أو: مع أمة محمدٍ ﵊؛ لأنهم شهداءُ على الناسِ، أو: مع الشاهدين بالوحدانية. * * * (٥٤) - ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. ﴿وَمَكَرُوا﴾؛ أي: الذينَ أحسَّ عيسى ﵊ منهم الكفرَ، ومكرُهم أنهم وكَلوا به مَن يقتلُهُ غيلةً (٣). ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ بأنْ رفعَهُ ﵊، وألقَى شبهَهُ على مَن قصَدَ اغتياله حتى قُتلَ.

стр. 849

وحقيقةُ المكرِ: إظهار أمرٍ يعتقدُ فيه الناظر إليه الجاهلُ حقيقتَهُ بضدِّ ما هو، وكذلك الاحتيال والخديعةُ (١) والسخريةُ. ومَن قصدَ بشيءٍ مِن فعل (٢) ذلكَ أمرًا قبيحًا يكونُ ذميماً، وإن قصدَ به فعلًا جميلًا يكونُ بذلك حميدًا، كذا قالَ الراغبُ (٣)، فلا شيءَ في إسنادهِ إلى الله تعالى، كما لا شيءَ في إسناد الكيدِ إليه. ومن وهَمَ أنه لا يسنَدُ إليه تعالى إلا على سبيلِ المقابلةِ والازدواجِ فقد وهِمَ، وكأنه غافلٌ عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (٤). ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أقواهم مكرًا، وأنفذُهم (٥) كيدًا، وأقدرُهم على إيصالِ الضررِ من حيث لا يُحتسَبُ. * * * (٥٥) - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.

стр. 850

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾: ظرفٌ لـ ﴿مَكَرَ اللَّهُ﴾ لا لـ ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾؛ لأن تقييدَ (١) كونه تعالى خيرَ الماكرين بالظرفِ ليس بسديدٍ. ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾؛ أي: مستوفي أجلِكَ، ومؤخِّرُك إلى أجلك المسمَّى، عاصمًا إياك من قتلِهم. أو: قابضُكَ من الأرضِ؛ من توفَّيتُ مالي. أو: متوفيكَ نائمًا؛ إذ رويَ أنهُ رُفِعَ نائمًا. وقيلَ: أماتهُ اللهُ ورفعه إلى السماءِ ثم أحياهُ؛ وإليه ذهبَ النصارى (٢). ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾: إلى محلِّ كرامتي، ومقرِّ ملائكتي. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: من خُبث صحبتهم، وسوءِ جوارهم، أو قصدِ جَورهم. ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يَعْلونهم بالحجةِ، وفي أكثر الأحوالِ بها وبالسيفِ، ومتَّبعوهُ هم المسلمون؛ لأنهم متَبعوه في أصلِ الإسلام وإن اختلفتِ الشرائعُ، دونَ الذين كذَّبوه وكذَبوا عليه من اليهودِ والنصارى. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: إلى الآنَ لم يُسمَعْ غلبةُ اليهود عليهم (٣)، ولم يتَّفق لهم دولةٌ وملكٌ. ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: الضميرُ لعيسى ﵇ ومَن تبعَهُ ومَن كفرَ به،

стр. 851

وغلَّبَ المخاطَبين على الغائبين بعدما التفتَ من الغيبةِ إلى الخطاب؛ ليكون الإخبارُ أبلغَ في التهديدِ، وأشدَّ زجرًا. ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: من أمرِ الدينِ، والتفتَ من الغيبةِ إلى التكلُّمِ مسنِدًا للحكمِ إلى نفسهِ ليُعلمَ أن الحاكمَ هنا مَن لا يخفى عليه خافيةٌ. * * * (٥٦ - ٥٧) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾: تفسيرٌ للحكمِ، وتفصيلٌ لهُ. وبدأ بذكرِ الكفارِ لأنَّ ما تقدَّمَ من المجمل إنما ذُكِرَ على سبيل التهديدِ والوعيدِ لهم، والإخبارِ بجزائهم. وقولُهُ: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لم يُذكَرْ على أنه قيدٌ احترازيٌّ، بل ذُكرَ للتنبيهِ على أن الإيمان الصحيحَ يتبعُهُ العملُ الصالحُ إن لم يمنعه (١) مانعٌ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: يبغضُهم، فإنهُ من الكناياتِ الملحقةِ بالحقيقةِ في جميع الألسنةِ. * * * (٥٨) - ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾.

стр. 852

﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما سبقَ من نبأِ عيسى ﵇ وغيرِهِ، وهوَ مبتدأ خبرُهُ: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، وقولُهُ: ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: حالٌ من الهاءِ، أو خبر بعد خبرٍ، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ. ويجوزُ أن يكونَ: ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾ خبرًا، و ﴿نَتْلُوهُ﴾ حالًا، على أنَّ العامل معنى الإشارةِ. وأن ينتصِبَ ﴿ذَلِكَ﴾ بمضمرٍ يفسِّرُهُ ﴿نَتْلُوهُ﴾، وأن يكونَ بمعنى: الذي، و ﴿نَتْلُوهُ﴾ صلته، والخبرُ ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾. ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾: هو القرآنُ وصفٌ (١) بصفةِ من هوَ له على طريقةِ قولهِمْ: شعرَ شاعرًا، أو لكثرةِ (٢) حكمِهِ كأنه حكيمٌ ناطق بالحكمةِ، أو المحكَمُ الممنوعُ عن تطرُّقِ الخللِ إليه. * * * (٥٩) - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: شأنَهُ الغريبَ في ولادته من غيرِ نطفةٍ. ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾: كشأنهِ الغريبِ في خلقِهِ كذلكَ، ولخفاءِ هذه الحال على الخلقِ قالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهما في ذلكَ - أي: في أن وُجِدا وجودًا خارجًا عن العادةِ بأن خُلِقا من غيرِ نطفةٍ - نظيرانِ لا مزيةَ لأحدِهما في نفس ذلك المعنى، فصحَّ التشبيهُ بلا اشتباهٍ.

стр. 853

وأمَّا كونُ عيسى ﵇ مخلوقًا من غيرِ أبٍ، وآدمَ ﵇ مخلوقًا مِن غير أبٍ وأمٍّ، فخارجٌ عن مدلولِ الكلامِ وإن كان مقصورًا في تمشيةِ ما سيقَ لهُ ذلكَ، ملحوظًا من (١) غرضه بمعونةِ المقامِ؛ فإن الغرضَ دفعُ استغرابهم خلقَ عيسى ﵇ من غير أبٍ، فبملاحظةِ مَن خُلقَ من غير أبٍ وأمٍّ يتمُّ ذلك الغرضُ على وجهٍ أقوى، ولهذا تعرَّضَ لبيانِ حاله بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾: جملة مفسِّرةٌ للتمثيل مبيِّنة لِمَا له الشبهُ؛ أي (٢): خلقِ جسدِهِ، فإنه من عالَمِ الخَلقِ، وهو عالمُ المُلكِ وعالم الشهادةِ، ثم أوجَدَ روحه بأمر: (كن) وهو عالَمُ الأمرِ، وهو عالمُ الملكوتِ وعالم الغيبِ، على ما أفصحَ عنه بقوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ وفيهِ دلالة على أن الإنسانَ كائن مرةً بعد أُخرى على ما صرَّحَ بهِ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وكلمةُ ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي حقيقةً. ﴿فَيَكُونُ﴾: حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا لتلكَ الحال (٣) العجيبةِ، وبيانًا (٤) لسرعة حصولِ المرادِ؛ فإن الفاءَ للدلالةِ على عدم التراخي. * * * (٦٠) - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. ﴿الْحَقُّ﴾: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هو الحقُّ. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ثابتًا منه، على أنهُ حالٌ مؤكِّدةٌ.

стр. 854

وقيلَ: ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأٌ، و ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبرُهُ؛ أي: الحقُّ المذكورُ من الله تعالى. وتعريفُ الحقِّ للعهدِ الذهني؛ أي: إيجادُ عيسى ﵇ من غيرِ أبٍ هوَ الحقُّ الذي تعرفُهُ. ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: الخطابُ للنبيِّ ﵇، وفائدةُ النهي عنِ الامتراءِ هو التثبيتُ عَلى اليقينِ والطمأنينةِ، والإيماءُ إلى أن الممتري هو الذي لا يعرفُ الحقَّ؛ أي: قدرةَ اللهِ تعالى على الإيجادِ من غير أبٍ، وإلا فرسولُ اللهِ ﷺ أجلُّ مِن أن يمتريَ حتى يُنهَى عنه. * * * (٦١) - ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾ من النصارى. ﴿فِيهِ﴾: في عيسى ﵇. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: البيِّناتِ الموجبة للعلمِ. ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾: هلُمُّوا. ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: يَدْعُ كلٌّ منا ومنكُمْ نفسه وأعِزَّةَ أهلهِ وألصقَهمْ بقلبه إلى المباهلَةِ، ويحمِلْ عليها. وإنَّما قدَّمهم على النفسِ تنبيهًا على لطف مكانِهم، وقربِ منزلتهم، وأنهم مُقدَّمون على الأنفسِ، كيفَ (١) والرجلُ يخاطر بنفسهِ لهم، ويحاربُ دونهم.

стр. 855

﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾: منَ البَهلةِ بفتحِ الباء وضمِّها؛ وهي: اللعنةُ، وأصلُ الابتهالِ: الالتعانُ، ثمَّ استُعمِلَ في كل دعاءٍ يجتهدُ الإنسان عليه وإن لم يكُن التعانًا. والمباهلةُ: الملاعنةُ؛ أي: نتباهل بأن نقولَ: بَهلةُ اللهِ على الكاذب (١) منا ومنكُمْ. ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ عطفٌ فيهِ بيانٌ. قد طوَّلَ المفسرونَ في قصةِ المباهلةِ، وحاصلُها: أنه ﵇ لمَّا دعاهم إليها، وخرجَ بالحسَنِ والحسينِ وفاطمةَ وعليٍّ ﵃ إلى الميعادِ، كَفُّوا عن ذلكَ (٢). * * * (٦٢) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿إِنَّ هَذَا﴾: ما قصَّ (٣) من نبأ عيسى ﵇ ومريمَ. ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: بجملَتِها خبرُ ﴿إِنَّ﴾، أو (هو) فصلٌ يفيدُ أن ما ذكره في شأنهما حقٌّ دونَ ما ذكروه، وما بعدَهُ خبرٌ، وحقُّ اللام أن تدخل المبتدأَ، فلما دخلَ (إنَّ) أزيلَت عنهُ إلى الخبرِ أو الواسطةِ لمزيدِ التأكيدِ، وإذا جازَ تأخيرها إلى الخبرِ فلَأَنْ يجوزَ إلى الواسطةِ التي هيَ أقربُ إلى المبتدأ أولى. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾: زيادةٌ ﴿مِنْ﴾ هنا في إفادةِ معنى الاستغراقِ، والتأكيدِ في النفيِ، كالبناءِ على الفتحِ في: (لا إله إلا الله)، والمرادُ الردُّ على النصارى في تثليثهم.

стр. 856

﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: دخولُ (إنَّ)، وإظهارُ اسمِ الله، وتوسيطُ (هو) للفصلِ، وإدخالُ اللامِ عليه، وتعريفُ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، مبالغات وتأكيداتٌ في التوحيدِ ونفيِ الشركِ، وأن العزة -أي: الغلبةَ والقهرَ- مخصوصةٌ باللهِ تعالى ليسَ لغيره فيها نصيبٌ، وأنَّ قهرَهُ إنما يكونُ بالحكمةِ فلا يقهَرُ إلا الكافرَ. ثمَّ بالغَ في الإيعادِ بقولهِ: * * * (٦٣) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: عن التوحيدِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ وإدخالُ الفاءِ في (إن الله) إشارةٌ إلى أن الوعيدَ مسبَّبٌ عن الإعراضِ، ووضعُ (المفسدين) موضِعَ ضميرِهم تسجيل عليهم، وتنبيهٌ على أن حقيقةَ الفسادِ هو التولي عن التوحيدِ، وأن الوعيدَ المذكورَ في قولهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] مخصوصٌ بهم. (٦٤) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعمُّ أهلَ الكتابينِ، وقيلَ: يريدُ وفدَ نجرانَ (١)، وقيل: يهودَ المدينة.

стр. 857

﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ إذ (١) لا يختلِفُ فيها الكتبُ والرسلُ (٢)، ويفسِّرُها ما بعدَها: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: نوحدَه بالعبادة. ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾: لم يُرِد به الشركَ في العبادةِ؛ لأنَّ الوصل يأباهُ، بل أرادَ به ما ذكر بقولِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] (٣). ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: لا يتخِذَ الأتباع (٤) الرؤوسَ أربابًا من دون اللهِ فيطيعونَهم كطاعةِ اللهِ تعالى. نهى عن إطاعتهم الأحبارَ فيما أحدثوا منَ التحليلِ والتحريمِ من غيرِ الرجوعِ إلى ما شرعَ إليهِ، لا عن قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] و ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] لأنَّ مرجعهُ إلى ما تقدَّمَ من توحيده تعالى بالعبادةِ. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عنِ التوحيد الذي هو أصلُ دينِ الكلِّ، فقد لزمتهم الحجةُ بأنهم ليسوا على دينهِم. ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ دونكُم؛ لأنكم خالفتُم كتابكُم ونبيَّكم. ويجوزُ أن يكونَ مِن بابِ التعريض؛ أي: اشهدُوا واعترفوا بأنكُم كافرونَ بما نطقَت به الكتبُ، وتطابقَت عليه الرسلُ.

стр. 858

ولا يخفَى ما في نظمِ هذه القصةِ من المبالغةِ في الإرشادِ، ولطفِ التدرُّجِ في الحِجاجِ، وحسنِ المقطعِ عند ظهورِ اللَّجاجِ. * * * (٦٥) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾: تنازعت اليهود والنصارى في إبراهيمَ ﵇، وزعمَ كلُّ فريقٍ أنه منهُمْ، فترافعوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فنزَلتْ (١). يعني: إنكم معترفونَ بحدوثِ اليهودية والنصرانيةِ بنزولِ التوراةِ والإنجيلِ، ونزولُهما بعدَهُ ﵇، فكيفَ يكون يهوديًا أو نصرانيًا؟! ولا يَرِدُ الإلزام علينا في قولنا: إنه ﵇ كان على دين الإسلام؛ لأنَّا ما نقول بحدوث دين الإسلام بنزول القرآن (٢). ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ حتى لا تجادلُوا مثلَ هذا الجدالِ المحالِ. * * * (٦٦) - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 859

﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ﴿ها﴾ حرفُ التنبيهِ، و (أنتم﴾ مبتدأٌ، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ خبرُهُ، و ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ للأُولى؛ أي: تنبَّهوا أيها الغافلونَ، أنتم هؤلاءِ الحمقَى على هذه الصفةِ التي أنتُم عليها مما لا يمكِنُ ذمُّكُم بما هو أبلَغُ منهُ، فأنتم الأشخاصُ المتعيِّنةُ المشارُ إليهم في الحماقةِ. وفي (١) حرفِ التنبيهِ مبالغةٌ في غفلتهم، وفي ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الذمُّ بالجهلِ، و ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ كشف لجهلهم (٢) وسخافةِ عقولهم (٣)؛ أي: إن حماقتكُم أنكم جادلتُم فيما لكم به علمٌ من التوراة والإنجيل من حالِ محمدٍ ﵇، فلمَ تحاجُّونَ فيما لا ذكرَ له في كتابكم ولا علمَ لكم به من حالِ إبراهيمَ ﵇ (٤). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما حاججتُم فيهِ فيعلِمُنا. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: وأنتم جاهلون به. * * * (٦٧) - ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ تصريحٌ بمقتضى ما قرَّره من البرهانِ. ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾: مائلاً عن العقائدِ الزائغة (٥).

стр. 860

﴿مُسْلِمًا﴾: ثابتًا على ملةِ الإسلامِ، وما سبق إلى بعض الأوهامِ من الاشتراك في الإلزام (١) فقدِ اندفعَ بما قدَّمناه من الكلامِ. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: تعريضٌ بأنهم مشركونَ؛ لإشراكهم به تعالى عزيزًا والمسيحَ، وردٌّ لادعاءِ المشركين أنهم على ملةِ إبراهيمَ ﵇. * * * (٦٨) - ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾: إن (٢) أقربَ الناس منه وأخصَّهم به؛ من الوَلْيِ وهو القُربِ. ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ في زمانهِ وبعدَه. ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ خصوصًا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن أمته؛ لموافقَتهم له في أكثرِ ما شرع له أصالةً. وقرئَ: (و [هذا] النبيَّ) بالنصبِ عطفًا على الهاءِ في ﴿اتَّبَعُوهُ﴾، وبالجر عطف على إبراهيم (٣). و (الذينَ آمنوا) على قراءةِ النصبِ عطفٌ على (الذين اتبعوه)، وعلى قراءة الجرِّ يحتمِلُ العطف على (النبيِّ)، وعلى (الذين اتبعوه)، وهذا أوجَهُ. ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ينصرُهم ويجازيهِم الحسنى (٤) لإيمانهم.

стр. 861

(٦٩) - ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾: نزلَتْ في اليهودِ لما دَعوا حذيفةَ وعمارًا ومعاذًا إلى اليهوديةِ (١)، و ﴿لَوْ﴾ بمعنى: أنْ. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: وما يقدِرون على إضلال المسلمينَ وإنما يضلُّون أمثالهم من أشياعِهم، أو: ما يعودُ وبالُ إضلالهم إلا عليهِم، فإنَّ الوبال يُضافُ عليه بضلالهم وإضلالهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ذلكَ. * * * (٧٠) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بما في التوراةِ والإنجيلِ من الآياتِ الناطقةِ بنبوةِ محمدٍ ﵇. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنها آياتُ اللهِ تعالى، أو: بالقرآنِ وأنتم تشهدون نعتَهُ في الكتابين، أو تعلَمون بالمعجزاتِ أنه حقٌّ. * * * (٧١) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ بالتحريفِ وإبرازِ (٢) الباطل في صورةِ الحقِّ.

стр. 862

وقرئ: (تَلبَسون) بفتح الباء (١)، أي: تكتسونَ (٢) الحقَّ معَ الباطلِ، كقولهِ ﵇: "كلابسِ ثوبي زُورٍ" (٣). ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: نبوَّةَ محمدٍ ﷺ نعتَهُ. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: عالمينَ بما تكتُمونه. * * * (٧٢) - ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المرادُ بالطائفةِ كعبُ بن الأشرَفِ، ومالِكُ بن الصيفِ، وكعبُ بن أسيدٍ، قالوا لأصحابهم لمَّا حوِّلَتِ القبلةُ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾: كانَ حقُّهُ أن يقولَ: بالذي أنزِلَ على محمدٍ، وإنما عدَلَ عنه إلى المنزَلِ لعدم المساعدةِ من باطنه على التكلم به. ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أوَّلهُ، قالَ: مَن كانَ مَسرُورًا بمقتَلِ مالكٍ … فليَأتِ نسوتَنا بوَجهِ نهارِ (٤)

стр. 863

أي: أظهِروا الإيمان بما نزِّلَ عليهم من الصلاةِ إلى الكعبةِ، وصلُّوا إليها أوَّلَ النهارِ ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾: وصلُّوا إلى الصخرةِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: ظانِّينَ بأنكُم رجعتُم لخلَلٍ ظهرَ لكم. وقيلَ: اثنا عشرَ رجلًا (١) من أحبارِ خيبرَ تقاولوا بأن يدخُلوا في الإسلامِ أوَّلَ النهارِ، ويقولوا آخرَهُ: نظَرنا في كتابنا وشاورنا علماءَنا فلَم نجِد محمدًا (٢) بالنعتِ الذي ورد في كتابنا، لعلَّ أصحابَه يشكُّونَ فيه فيرجِعونَ. * * * (٧٣) - ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾: ولا تقِرُّوا عن تصديقِ قلبٍ. ﴿إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾: إلا لأهل دينِكم؛ أي (٣): لا تظهِروا إيمانكم وجهَ النهارِ إلا لمن كانَ على دينكِم، فإنَّ رجوعَهم أرجَى وأهمُّ. ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ يهدِي مَن يشاءُ إلى (٤) الإيمانِ، أو يثبِّته عليه. و ﴿الْهُدَى﴾ (٥) اسمُ ﴿إِنَّ﴾، و ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ بدلٌ منهُ ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ خبرُهُ، واللامُ في ﴿الْهُدَى﴾ للماهيةِ.

стр. 864

وفائدةُ الإبدالِ: تعظيمُ الهُدى بنسبَتهِ إلى اللهِ تعالى؛ أي: إن حقيقةَ الهدى وماهيةَ الهدى الإلهيِّ الذي ليسَ وراءه هدًى، بل لا هُدى إلا هو؛ لأن ما عداه من هُدى الخلقِ ليسَ بهُدًى، وعلى هذا ﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿يُحَاجُّوكُمْ﴾ بمعنى: حتى؛ لأن المحاجَّةَ نفسها لا تصلُحُ لذلك إلا مرتبطةً بالإيتاءِ مرتَّبةً (١) عليهِ. أو: ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ خبرُ ﴿إِنَّ﴾، و ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ علةُ فعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه ما قبلَه من إظهار إيمانهم ورجوعِهم لتقرير مَن أسلَم من أصحابهم؛ أي: لِأنْ (٢) يُؤتى أحدٌ كتابًا موافقًا لكتابكم مصدِّقًا له مُنزَّلًا من عند اللهِ، أو لمحاجَّة أهله إياكم (٣) عندَ ربكُمْ، دبَّرتم ما دبَّرتم، وقُلتم ذلكَ لأصحابِكم. وإنما أتى بـ (أو) تنبيهًا على أن كلَّ واحدٍ منهما مستقلٌّ في إغاظتِهم وحمْلِهم على الحسدِ حتى دبَّروا ما دبَّروا، ولو أتى بالواوِ لَمَا وقَعَ هذا الموقِعَ؛ للعلمِ بأن الثاني يلزَمُ الأولَ، فلم يكُن فيه فائدةٌ زائدةٌ، وأما إذا أتى بـ (أو) فقد أشعَرَ بأن كُلًّا مستقِلّ في الباعثيَّةِ على الحسدِ والاحتشادِ في التدبير، والحملُ على معنى (حتى) ليسَ له موقعٌ يروعُ السامعَ، وإن كانَ وجهًا ظاهريًّا (٤). ويؤيد هذا الوجهَ قراءةُ: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ بهمزة الاستفهام (٥)؛ أي: أَلِأَنْ يُؤتَى أحدٌ أو لأن يحاجُّوكُم فعلتُم ذلكَ.

стр. 865

ويجوزُ أن يتعلَّق ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ بـ ﴿لا تؤمنوا﴾؛ أي: ولا تظهِروا إيمانكَم بأن يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتُم إلا لأشياعكُم، ولا تفشُوه إلى المسلمينَ لئلا يزيدُوا ثباتهم، ولا إلى المشركينَ لئلا يدعُوهم إلى الإسلامِ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراضٌ يدلُّ على أن كيدَهم لا يُجدي (١) بطائلٍ. وقرئَ: (إن يؤتى) بكسرِ الهمزة على أنها نافيةٌ (٢)، فيكونُ من كلام الطائفةِ؛ أي: ولا تؤمِنوا إلا لمن تبعَ دينكم، وقولوا لهم: ما يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم. ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: عطفٌ على ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ والضميرُ فيهِ لـ ﴿أَحَدٌ﴾، على أن المرادَ بهِ المنزَّلُ عليهِ وأُمَّتهُ. ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: لا بأيديكُم ويدِ غيركم، فمَن يؤتَهُ ويوفِّقهُ له لم يُمكِنْ لأحدٍ دفعُهُ، وهوَ الإسلامُ، فيكُونُ تأكيدًا لقولهِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. ويجوزُ أن يكونَ اعتراضٌ آخرُ لتقريرِ أمرِ الإيتاءِ في قولهِ: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ أي: النبوَّةُ والوحيُ الذي هو الفضلُ كلُّ الفضلِ بيدِ اللهِ يؤتيهِ مَن يشاءَ لا يمكنكُمْ دفعُهُ، ولا ينفعكُم الحسدُ ولا يضرُّهُ. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: واسمع الرحمةِ عليمٌ بالمصلحةِ، فمَن صلَحَ لذلكَ مِن غيركم فهوَ يؤتيهِ مُفضّلًا عليهِ (٣). * * *

стр. 866

(٧٤) - ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ تأكيدٌ وتأييدٌ لقولهِ: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فيهِ دفعُ وهمِ القصورِ في أفضالهِ، المتبادِرِ إلى الفهمِ من اختصاصِ مَن يشاءُ برحمَتهِ. * * * (٧٥) - ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ كعبدِ الله بنِ سلَامٍ؛ استودَعهُ قرشِيٌّ ألفًا ومئتي أوقيةٍ ذهبًا فأدَّاهُ إليهِ (١). ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ كفنحاص بن عازوراء، استودَعهُ قرشيٌّ آخرُ دينارًا فجحدَهُ (٢). ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾: في محلِّ النصبِ على الظرفِ، أي: إلا وقتَ دوامِكَ عليه قائمًا على رأسهِ بالمطالبةِ والتقاضي والتعنيفِ، أو بالبيِّنةِ عليه عندَ المرافعةِ إلى الحاكمِ. ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى عدمِ الأداء الذي دلَّ عليهِ: ﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾ أي: تركُهم (٣) أداءَ الحقوقِ.

стр. 867

﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾: بسبب قولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ أي: لا يتطرَّقُ علينا ذمّ ولا عتابٌ في شأن الأمِّيينَ؛ أي: الذين ليسوا من أهلِ الكتابِ. ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بادِّعائهم أنَّ ذلكَ في كتابهم. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبونَ، وذلك لأنهم استحلُّوا ظُلمَ مَن خالفهم، وقالوا: لم (١) نجعل لهم في التوراةِ حُرمةً. * * * (٧٦) - ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿بَلَى﴾: إثباتٌ لِمَا نفوه؛ أي: بلَى علَيهم فيهم سبيلٌ. ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: جملةٌ مستأنَفةٌ مقرِّرةٌ للجملةِ التي سدَّت ﴿بَلَى﴾ مسدَّها، والضميرُ في ﴿بِعَهْدِهِ﴾ راجع إلى ﴿مَنْ﴾، أو إلى اللهِ تعالى، ويقوِّيهِ: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ بعدَهُ، والضميرُ الراجعُ منَ الجملة الجزائيةِ إلى ﴿مَنْ﴾ يقومُ مقامه ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ لعمومهِ فيشملُه؛ أي: كلُّ مَن أوفى بما عاهد عليهِ واتَّقى الخيانةَ (٢) والغدرَ فإنَّ الله يحبُّهُ، ويستلزِمُ أن يبغضَ الخائنَ الغادِرَ، فللذمِّ والعقابِ عليهم سبيلٌ في الأميينَ وفي غيرِهم. ووُضعَ ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ موضعَ الضميرِ للدلالةِ على أن التقوى توجِبُ غلبةَ محبةِ اللهِ تعالى لصاحبِها، وأنَّ الموفي بالعهد هو المتَّقي، فالغادِرُ هو الفاجر بدلالةِ الفحوَى.

стр. 868

وتعميمُ الحكمِ لعمومِ ﴿مَنْ﴾ و ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ يفيدُ أنهم لو وفَوا بعهودِهم واتقَوا الخيانةَ لوفوا بالعهدِ الأعظم؛ وهو ما أَخذ اللهُ عليهم في كتابهِم من الإيمانِ برسولٍ مصدِّقٍ لِمَا معهم، واتقَوا الكذِبَ على اللهِ وتحريفَ كلمِهِ، فكانوا مسلمينَ محبوبين بمتابعةِ حبيبِ اللهِ لقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. * * * (٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ثم صرَّحَ بما عرَّضَ بهِ مِن تطرقِ الذمِّ والعقابِ إلى الخائنِ بقولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾: يستبدلون. ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: بما عاهدُوا عليهِ من الإيمانِ بالرسولِ، والوفاءِ بالأماناتِ. ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾: وبما حلَفوا بهِ من قولهم: والله لنؤمنَّنَ بهِ ولننصُرنَّهُ. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: متاعَ الدنيا. ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ قد سبقَ في تفسير سورةِ البقرةِ ما يتعلَّقُ بهِ. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أصلًا، وإنَّ الملائكةَ يسألونهُم يومَ القيامةِ، أو لا ينتفِعون بكلماتِ الله تعالى، في الظاهرِ أنهُ كنايةٌ عَن سخَطهِ وشدَّةِ غضبِهِ تعالى عليهِم، أو مجازٌ؛ لأن الغاضِبَ لا يكلِّمُ المغضوبَ عليهِ. ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: كنايةٌ عنِ الاستهانةِ بهم وإذلالهم، أو مجازٌ عَن تركِ إحسانهِ إليهم. ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: ولا يُثْني عليهم، هذا غيرُ مقيَّدٍ بيومِ القيامةِ فيفيدُ فائدةً زائدةً. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على ما فعلُوه.

стр. 869

قيلَ: إنها نزلَتْ في أحبارٍ حرَّفوا التوراةَ وبدَّلوا نعتَ رسولِ اللهِ ﷺ وحُكمَ الأمانات وغيرَهما، وأخذوا على ذلكَ رِشوةً. * * * (٧٨) - ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ من المحرِّفينَ. ﴿لَفَرِيقًا﴾: هُم كعبُ بن الأشرفِ، ومالكُ بن الصيفِ، وحُيَيُّ بنُ أخطب، وغيرُهم. ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾: يفتِلُونها بقراءته فيميلُونها عن المنزَّلِ إلى المحرَّفِ، أو: يعطِفونها شبهَ الكتابِ، فعلى هذا الباءُ صلةٌ؛ كما تقول: لوى لسانهُ بالشعرِ؛ إذا قالَهُ معَ تَعمُّلٍ، وفيهِ إضمارٌ، أو سمي (١) كتابًا تهكُّمًا، أو علَى زعمِهم. ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: الضميرُ راجع إلى شبهِ (٢) الكتابِ، والعُدولُ في قولهِ: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ عنِ الضميرِ إلى المُظهَرِ لتفخيمِهِ، فإن المقامَ مقامُ تعظيمِ جريمةِ التحريفِ، وذلكَ بتفخيمِهِ، وقرئ: (ليحسبوه) (٣) بالياء والضميرُ أيضًا للمسلمين.

стр. 870

﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: ليسَ هو نازلًا من عنده (١). وفيهِ دفعٌ لاحتمالِ أن لا يكونَ منَ الكتابِ ومعَ ذلك يكونُ من عندِ اللهِ؛ كالأحاديثِ القدسيةِ، فهوَ تأسيسٌ لا تأكيدٌ لقولهِ: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ، وتشنيعٌ عليهم باجترائهم على اللهِ تعالى. والعدولُ عن الضميرِ إلى المُظهرِ في قولهِ: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لتعظيمِ هذا الأمر، وبيانِ أنهم لفرطِ رعانتهم (٢) يصرحون بذلكَ ولا يورُّونَ. ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: تأكيدٌ وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ على اللهِ تعالى والتعمُّدِ فيهِ. * * * (٧٩) - ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾: ما صحَّ له وما استقامَ. ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾: ذكَرَ أولًا الكتابَ وهو جنسٌ، وترقَّى منه إلى الحُكمِ، وهوَ الفصلُ بين الناسِ بالكتابِ، ثم إلى النبوةِ وهو الرُّتبةُ العليا، فالترتيبُ في غايه الفصاحة. ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾: أتى بـ (ثم) - وهيَ للمُهلةِ - تعظيمًا لهذا القول، وإذا انتفَى هذا القولُ بعدَ المهلةِ كانَ انتفاؤه بدونِها أَولى وأَحرى؛ أي: إنَّ هذا الإيتاء لا يجامعُ هذا القولَ، وإن كانَ بعدَ مهلةٍ.

стр. 871

﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تكذيبٌ وردّ على عبَدةِ عيسى ﵇. وقيلَ: إنَّ أبا رافعٍ القُرظيَّ والسيِّد النجرانيَّ قالا: يا محمَّدُ! أتريدُ أن نعبُدَك ونتخِذك ربًا؟ فقالَ: "معاذَ الله أن آمرَ بعبادةِ غيرِ الله (١)، فما بذلك بعثني، ولا بذلكَ أمرَني"، فنزلَتْ (٢). ويأباهُ قوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠]. وقيلَ: قالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! نسلِّمُ عليكَ كما يسلِّمُ بعضُنا على بعضٍ، أفلا نسجُدُ لكَ؟ قالَ: "لا ينبغِي أن يُسجَدَ لأحدٍ غيرِ اللهِ، ولكن أكرِموا نبيكُم واعرفُوا الحقَّ لأهلِهِ" (٣). ويناسب هذا قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾: ولكن يقولُ: كونوا ربانيين، والربانيُّ منسوب إلى الربِّ، وزيادةُ الألفِ والنونِ للمبالغةِ؛ كما في اللِّحْيانيِّ والرَّقَبانيِّ (٤) وهو الكاملُ في العلمِ والعملِ. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾: بسببِ كونكُم معلِّمينَ الكتابَ، وبسببِ كونكم دارسينَ لهُ، فالباءُ متعلقٌ: بـ ﴿كُونُوا﴾، فالمطلوبُ هوَ الربانيةُ المسبَّبةُ عن العلمِ، وهذا إنما يدلُّ على أنَّ الربانيَّةَ والتمسُّكَ بطاعةٍ إذا لم تكُنْ مسبَّبةً عن العلمِ

стр. 872

لا يكونُ معتدًّا بها واقعة على وفقِ المأمور بهِ، لا على (١) العكسِ (٢)، وإن (٣) كانَ الأمرُ كذلكَ في نفسِ الأمرِ. و قرئ: ﴿تعلَمون﴾ (٤) بمعنى: عالِمِين، وقرئ: (تدرِّسون) من التدريس (٥). و (تَدرُسُونَ) مِن أَدْرَس بمعنَى: درَّس (٦)؛ كأكرَمَ وكرَّمَ، ويجوزُ أن تكونَ القراءةُ المشهورةُ أيضًا بهذا المعنى على تقديرِ: وبما تدرِّسونه (٧) على الناسِ. ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾: قرئ بالنصب (٨) عطفًا على (٩) ﴿يَقُولَ﴾ (١٠)، وتكونُ (لا) مزيدة لتأكيدِ معنى النفيِ في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾؛ لبُعدِ العهدِ، وتخلُّلِ الاستدراكِ، أو غيرَ مزيدةٍ على معنى أنهُ ليسَ لنبيٍّ أن يدعوَ العبادَ إلى عبادتهِ، وينهاهُم عَن عبادةِ الملائكةِ والنبيينَ (١١).

стр. 873

وبالرفع على الاستئنافِ؛ وهو أظهَرُ، ويؤيدُه قراءةُ: (ولن يأمركم) (١). ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ﴾: إنكارٌ، والضميرُ فيه للبشرِ، وقيل: للهِ. ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: دليل على أن الخطابَ للمسلمينَ، وهم المستأذنونَ لأنْ يسجُدوا له ﵇ (٢). * * * (٨١) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾: قيلَ: هذا على ظاهرِهِ، وإذا كان هذا حكمَ الأنبياءِ ﵈ كانَ الأممُ به أَولى. وقيلَ: معناهُ: أنهُ تعالى أخذَ الميثاق من النبيين وأممهم، واستَغنى بذكرِهم عن ذكرِ الأممِ. وقيل: إضافةُ الميثاق إلى النبيينَ إضافةٌ إلى الفاعلِ، والمعنى: وإذ أخذ اللهُ الميثاقَ الذي وثَّقهُ الأنبياءُ على أممهم.

стр. 874

وقيلَ: المرادُ: أولاد النبيينَ على حذفِ المضافِ؛ وهم بنو إسرائيل، أو سمَّاهم بنبيينَ تهكُّمًا؛ لأنهم كانوا يقولونَ: نحنُ أولى بالنبوةِ من محمدٍ؛ لأنَّا أهلُ الكتابِ، والنبيُّونَ كانوا منا. واللام في ﴿لَمَا﴾ موطِّئةٌ للقسَمِ؛ لأن أخذَ الميثاقِ بمعنى الاستخلاف، و (ما) شرطيةٌ مفعولةٌ بـ ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ (١)، و ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ بيانٌ لـ (ما)، وحملُهُ على التبعيضِ يُفضي إلى اعتبارِ قيدٍ لا يقتضيهِ المقامُ، ومثلُهُ عندَ البلغاءِ يُعَدُّ هُجنةً (٢) في الكلامِ، وجوابُ القسمِ (٣): ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ وما بعدَهُ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالةِ جوابِ القسم عليهِ. وقدَّمَ الإيمانَ لأنَّه الأصلُ، ثم النصرَ لأنهُ من ثمرتِهِ. ويجوزُ أن تكونَ (ما) خبريةً. وقرئ: ﴿لِمَا﴾ بكسر اللام (٤) للتعليلِ على أنَّ (ما) مصدريةٌ؛ أي: لأجْلِ إيتائي إياكم الكتابَ والحكمةَ، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لما معكُم، أو موصولةٌ؛ لأنَّ (ما معكُم) بمعنى: ما آتيتكم (٥) فيجوزُ عطفُ ﴿جَاءَكُمْ﴾ على الصلةِ لوجودِ الراجعِ إليها؛ أي: لأجلِ الذي آتيتُكُموه منَ الكتابِ والحكمةِ، ثمَّ لمجيءِ رسولٍ مصدِّقٍ لهُ.

стр. 875

وقرئ: (لمَّا) بالتشديد (١)، بمعنى: حينَ أتيتكم الكتابَ والحكمةَ، ثمَّ جاءكم رسولٌ مصدِّقٌ وجَبَ عليكم الإيمانُ ونصرتُهُ. وقيلَ: أصلُهُ: (لَمِن ما) فاستُثقِلَ ثلاثُ ميماتٍ؛ لأن النونَ ما لم تُقلَب ميمًا لم تُدغَم في الميمِ، فحُذِفَت إحداهُما فصارَت (لمَّا)؛ أي: لمن أجلِ ما أتيتكم لتؤمنُنَّ بهِ. ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾؛ أي: عهدي، سُمِّيَ بهِ لأنَّه يُأصَرُ، أي: يُشَدُّ ويُعقَدُ، وقرئ: (أُصري) بالضمِّ (٢)، وهو إما لغة فيهِ، كعِبْرٍ وعُبْرٍ، وإما جمعُ إصارٍ. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا﴾: فليشهَدْ بعضُكم على بعضٍ بالإقرارِ. ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: وأنا أيضًا على إقراركم وتَشاهُدِكم (٣) شاهدُ استيثاقٍ (٤)، معناه التوكيد والتحذير، وقيل: الخطاب للملائكة. * * * (٨٢) - ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعدَ الميثاقِ والتوكيدِ بالإقرارِ والشهادةِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أي: المتمرِّدونَ من الكفارِ. * * *

стр. 876

(٨٣) - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾: الفاءُ عاطفةُ الجملةِ على الجملة؛ أي: فأولئكَ هم الفاسقونَ فغير (١) دين الله يبغون، ثم توسَّطتِ الهمزةُ بينهُما للإنكارِ. ويجوزُ أن يُعطفَ على محذوفٍ تقديرُهُ: أيتولَّونَ فغيرَ دينِ اللهِ يبغون؟ وتقديمُ المفعولِ لتوجيهِ الإنكارِ إلى كونِ دينِ غيرِ الله مطلوبًا، فالمقصوُد الأهمُّ بالإنكارِ هو المفعولُ، ويجوزُ أن يكونَ التقديم للتخصيصِ، لا بمعنى أن التخصيصَ منكَرٌ فيلزَمَ جوازُ طلبِ دِينٍ باطلٍ مع طلبِ دين الله تعالى، بل للمبالغةِ في الإنكارِ مع التشنيع والتوبيخ حيثُ لا يرضونَ بطلبِ دينٍ باطل إلى دينِ اللهِ، بل يخضُونَ الدينَ الباطل بالطلَبِ. وقرئ: ﴿تبغون﴾ بالتاء على تقدير: وقل لهم، وقرئ هو بالياء و ﴿ترجعون﴾ بالتاء (٢)؛ لأنَّ الباغينَ هم المتوَلُّونَ، والراجَعونَ جميعُ الناسِ. ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ بالأدلةِ (٣). ﴿وَكَرْهًا﴾: بالسيفِ، أو بمعاينة ما يُلجِئ إلى الإسلامِ؛ كنَتْقِ الجبلِ فوقَ بني إسرائيلَ. وانتصابُهما على المصدرَّيةِ، أو على الحالِ.

стр. 877

ومَن قالَ: أو مختارينَ كالملائكةِ والمؤمنينَ، ومسخَّرينَ كالكفرةِ فإنهم لا يقدِرونَ على أن يمتَنِعوا عمَّا قضى عليهم، فكأنهُ ذهبَ إلى مذهبِ الجبريةِ. ﴿وإليه ترجعون﴾: وقرئ بالياءِ (١) على أن الضميرَ لمن. * * * (٨٤) - ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾: الخطابُ لهُ ﵇ لفظًا، وله ولأُمتِهِ معنًى، ولهذا قالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا﴾ [سبأ: ٥٢]، إذ (٢) جاءَ الكلامُ في ﴿آمَنَّا﴾ و ﴿عَلَيْنَا﴾ بلفظِ الجمعِ. أُمِرَ الرسولُ ﵇ بأن يخبِرَ عن نفسِهِ ومتابعيهِ بالإيمان والقرآن، وإنْ كان منزَّلًا عليهِ خاصةً، لكنَّ نزولَهُ عليهِ لمَّا كان لتبليغِهِ إليهم صحَّ نسبته (٣) إليهم أيضًا، وأيضًا المنسوبُ إلى واحدٍ منَ الجمعِ قد ينسَبُ إليهم. ويجوزُ أن يكونَ مأمورًا بأن يتكلَّم على طريقةِ التواضعِ إرشادًا لهُ ﵇ إلى أدبِ المحاورَةِ. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾: قدَّمَ المنزَّلَ عليهِ ﵇ على المنزَلِ على سائرِ الرسلِ ﵈؛ لأنهُ المعرِّفُ له

стр. 878

والعيارُ عليهِ، والنزولُ باعتبارِ أنهُ من فوقٍ يُعدَّى بـ (على)، وباعتبارِ أنهُ ينتِهي إلى المرسَلِ إليهِ يُعدَّى بـ (إلى)، ولهذا قال في موضعٍ آخرَ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٦]. ووجهُ التخصيصِ: أن الخطابَ هنا للرسولِ ﵇، والنزولَ من السماءِ كان عليه، والخطابُ ثمةَ للمسلمينَ، ولا نزولَ عليهم حقيقةً، بلِ انتهى التبليغُ إليهم. ولا تتجِهُ المناقشةُ (١) بقولهِ: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: ١٠٥] ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٢)؛ لأنَّ النكتةَ الزائدةَ على أصلِ البلاغةِ، الحاصلَةَ بمطابقةِ الكلام لمقتضَى المقامِ، لا يلزمُها الاطِّرادُ، ولهذا تتفاوتُ المكرَّراتُ في القرآن بحيثُ يكونُ بعضُها أفصَح من بعضٍ. ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾: التوراةَ والإنجيلَ؛ أفرَدَهما بالذكرِ بحكمٍ أبلغَ؛ لأنَّ أمرَهما بالإضافةِ إليهما (٣) مغايرٌ لمَا سبق، والنزاعُ وقعَ فيهما. ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وفي موضعٍ آخرَ: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، لمَّا تقدَّمَ هنا قولُهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ﴾ إلخ اكتفَى به عَن إعادةِ: ﴿وَمَا أُوتِيَ﴾، ولم يتقدَّم ثمةَ مثلُ هذا، فلم يكُن فيهِ ما يُغني عن التوكيدِ بإعادَتهِ. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾: بالتصديقِ والتكذيبِ.

стр. 879

﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: منقادون، أو: مخلصون (١) في عبادَتهِ. * * * (٨٥) - ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾: غيرَ إسلامِ الوجهِ للهِ؛ أي: التوحيدِ. ﴿دِينًا﴾: نكَرهُ تحقِيرًا. ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ في الدنيا. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: الواقعين في الخُسرانِ مُطلقًا من غيرِ تقييدٍ للشياعِ، ولا دلالةَ فيه على أن الإيمانَ ليسَ غيرَ الإسلامِ، إنما دلالَتهُ على أنهُ ليسَ دِينًا غيرَ الإسلامِ. * * * (٨٦) -) ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: همُ اليهودُ؛ آمنوا بالنبي ﷺ وةَ إيمانهم من البيناتِ، وتحقَّقوا منها ومِن كتابهم أنهُ حقٌّ، ثمَّ كفروا بهِ. وقيلَ: نزلَت في رهطٍ كانوا أسلَموا (٢) ثمَّ رجعوا عن الإسلامِ، ولحقوا بمكَّةَ. ﴿كَيْفَ﴾ استبعاد لأنْ يهدِيَهم اللهُ تعالى، فإنَ الجائر (٣) عن الحقِّ بعدما وضحَ له منهمِكٌ في الضلالِ بعيدٌ عن الرشادِ.

стр. 880

وقيلَ: نفي وإنكارٌ له لِمَا علِمَ من عنادِهم ومكابرتهم، وامتناعِ قَبولهم إياه؛ نعيًا عليهم، وتوبيخًا لهم، فلا دلالةَ فيه على عدمِ قبولِ توبة المرتَدِّ. ﴿وَشَهِدُوا﴾ عطفٌ على ما في ﴿إِيمَانِهِمْ﴾ من معنى الفعلِ، ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠]، أو حالٌ بإضمارِ (قد) من ﴿كَفَرُوا﴾. والمرادُ من إيمانِهم: تصديقُهم باللهِ تعالى، وعلى تقديرِ أن يُرادَ منهُ التصديقُ بهِ وبالرسول ﵇ وإن كانَ يأباه عطفُ: ﴿وَشَهِدُوا﴾ عليهِ - لا دلالةَ في الآيةِ أيضًا على أنَّ الإقرار باللسان خارجٌ عن حقيقةِ الإيمان المصطَلحِ عليه عند أهلِ الشرعِ، إنما دلالتها على أنه خارجٌ عن الإيمانِ بمعنى التصديقِ بالله وبرسوله، وليسَ هذا مما يَقبل النزاعَ. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الذين ظلموا أنفسهُم بالإخلالِ بالنظرِ (١)، ووضعِ الكفرِ موضعَ الإيمانِ، فكيفَ مَن جاءهُ الحقُّ وعرفَهُ ثم أعرَضَ عنهُ؟ * * * (٨٧) - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: استقرَّ عليهم لعنةُ اللهِ، ومِن يُعتَدُّ بلعنتهِ مِن خلقهِ، ودلالةُ مفهومهِ على عدمِ استقرارِ اللعنِ على غيرِهم، لا على عدَمِ جوازه في حقِّ غيرِهم، فالمرادُ منَ الناسِ المؤمنونَ، ويجوزُ أن يُرادَ العمومُ؛ لأنَّ الكافرَ أيضًا يلعنُ منكِرَ الحق ولكن لا يعرِفُه (٢) بعينِهِ. * * *
следующие страницы →