← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

(٨٣) - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾: الفاءُ عاطفةُ الجملةِ على الجملة؛ أي: فأولئكَ هم الفاسقونَ فغير (١) دين الله يبغون، ثم توسَّطتِ الهمزةُ بينهُما للإنكارِ. ويجوزُ أن يُعطفَ على محذوفٍ تقديرُهُ: أيتولَّونَ فغيرَ دينِ اللهِ يبغون؟ وتقديمُ المفعولِ لتوجيهِ الإنكارِ إلى كونِ دينِ غيرِ الله مطلوبًا، فالمقصوُد الأهمُّ بالإنكارِ هو المفعولُ، ويجوزُ أن يكونَ التقديم للتخصيصِ، لا بمعنى أن التخصيصَ منكَرٌ فيلزَمَ جوازُ طلبِ دِينٍ باطلٍ مع طلبِ دين الله تعالى، بل للمبالغةِ في الإنكارِ مع التشنيع والتوبيخ حيثُ لا يرضونَ بطلبِ دينٍ باطل إلى دينِ اللهِ، بل يخضُونَ الدينَ الباطل بالطلَبِ. وقرئ: ﴿تبغون﴾ بالتاء على تقدير: وقل لهم، وقرئ هو بالياء و ﴿ترجعون﴾ بالتاء (٢)؛ لأنَّ الباغينَ هم المتوَلُّونَ، والراجَعونَ جميعُ الناسِ. ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ بالأدلةِ (٣). ﴿وَكَرْهًا﴾: بالسيفِ، أو بمعاينة ما يُلجِئ إلى الإسلامِ؛ كنَتْقِ الجبلِ فوقَ بني إسرائيلَ. وانتصابُهما على المصدرَّيةِ، أو على الحالِ.

стр. 877

ومَن قالَ: أو مختارينَ كالملائكةِ والمؤمنينَ، ومسخَّرينَ كالكفرةِ فإنهم لا يقدِرونَ على أن يمتَنِعوا عمَّا قضى عليهم، فكأنهُ ذهبَ إلى مذهبِ الجبريةِ. ﴿وإليه ترجعون﴾: وقرئ بالياءِ (١) على أن الضميرَ لمن. * * * (٨٤) - ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾: الخطابُ لهُ ﵇ لفظًا، وله ولأُمتِهِ معنًى، ولهذا قالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا﴾ [سبأ: ٥٢]، إذ (٢) جاءَ الكلامُ في ﴿آمَنَّا﴾ و ﴿عَلَيْنَا﴾ بلفظِ الجمعِ. أُمِرَ الرسولُ ﵇ بأن يخبِرَ عن نفسِهِ ومتابعيهِ بالإيمان والقرآن، وإنْ كان منزَّلًا عليهِ خاصةً، لكنَّ نزولَهُ عليهِ لمَّا كان لتبليغِهِ إليهم صحَّ نسبته (٣) إليهم أيضًا، وأيضًا المنسوبُ إلى واحدٍ منَ الجمعِ قد ينسَبُ إليهم. ويجوزُ أن يكونَ مأمورًا بأن يتكلَّم على طريقةِ التواضعِ إرشادًا لهُ ﵇ إلى أدبِ المحاورَةِ. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾: قدَّمَ المنزَّلَ عليهِ ﵇ على المنزَلِ على سائرِ الرسلِ ﵈؛ لأنهُ المعرِّفُ له

стр. 878

والعيارُ عليهِ، والنزولُ باعتبارِ أنهُ من فوقٍ يُعدَّى بـ (على)، وباعتبارِ أنهُ ينتِهي إلى المرسَلِ إليهِ يُعدَّى بـ (إلى)، ولهذا قال في موضعٍ آخرَ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٦]. ووجهُ التخصيصِ: أن الخطابَ هنا للرسولِ ﵇، والنزولَ من السماءِ كان عليه، والخطابُ ثمةَ للمسلمينَ، ولا نزولَ عليهم حقيقةً، بلِ انتهى التبليغُ إليهم. ولا تتجِهُ المناقشةُ (١) بقولهِ: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: ١٠٥] ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٢)؛ لأنَّ النكتةَ الزائدةَ على أصلِ البلاغةِ، الحاصلَةَ بمطابقةِ الكلام لمقتضَى المقامِ، لا يلزمُها الاطِّرادُ، ولهذا تتفاوتُ المكرَّراتُ في القرآن بحيثُ يكونُ بعضُها أفصَح من بعضٍ. ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾: التوراةَ والإنجيلَ؛ أفرَدَهما بالذكرِ بحكمٍ أبلغَ؛ لأنَّ أمرَهما بالإضافةِ إليهما (٣) مغايرٌ لمَا سبق، والنزاعُ وقعَ فيهما. ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وفي موضعٍ آخرَ: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، لمَّا تقدَّمَ هنا قولُهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ﴾ إلخ اكتفَى به عَن إعادةِ: ﴿وَمَا أُوتِيَ﴾، ولم يتقدَّم ثمةَ مثلُ هذا، فلم يكُن فيهِ ما يُغني عن التوكيدِ بإعادَتهِ. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾: بالتصديقِ والتكذيبِ.

стр. 879

﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: منقادون، أو: مخلصون (١) في عبادَتهِ. * * * (٨٥) - ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾: غيرَ إسلامِ الوجهِ للهِ؛ أي: التوحيدِ. ﴿دِينًا﴾: نكَرهُ تحقِيرًا. ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ في الدنيا. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: الواقعين في الخُسرانِ مُطلقًا من غيرِ تقييدٍ للشياعِ، ولا دلالةَ فيه على أن الإيمانَ ليسَ غيرَ الإسلامِ، إنما دلالَتهُ على أنهُ ليسَ دِينًا غيرَ الإسلامِ. * * * (٨٦) -) ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: همُ اليهودُ؛ آمنوا بالنبي ﷺ وةَ إيمانهم من البيناتِ، وتحقَّقوا منها ومِن كتابهم أنهُ حقٌّ، ثمَّ كفروا بهِ. وقيلَ: نزلَت في رهطٍ كانوا أسلَموا (٢) ثمَّ رجعوا عن الإسلامِ، ولحقوا بمكَّةَ. ﴿كَيْفَ﴾ استبعاد لأنْ يهدِيَهم اللهُ تعالى، فإنَ الجائر (٣) عن الحقِّ بعدما وضحَ له منهمِكٌ في الضلالِ بعيدٌ عن الرشادِ.

стр. 880

وقيلَ: نفي وإنكارٌ له لِمَا علِمَ من عنادِهم ومكابرتهم، وامتناعِ قَبولهم إياه؛ نعيًا عليهم، وتوبيخًا لهم، فلا دلالةَ فيه على عدمِ قبولِ توبة المرتَدِّ. ﴿وَشَهِدُوا﴾ عطفٌ على ما في ﴿إِيمَانِهِمْ﴾ من معنى الفعلِ، ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠]، أو حالٌ بإضمارِ (قد) من ﴿كَفَرُوا﴾. والمرادُ من إيمانِهم: تصديقُهم باللهِ تعالى، وعلى تقديرِ أن يُرادَ منهُ التصديقُ بهِ وبالرسول ﵇ وإن كانَ يأباه عطفُ: ﴿وَشَهِدُوا﴾ عليهِ - لا دلالةَ في الآيةِ أيضًا على أنَّ الإقرار باللسان خارجٌ عن حقيقةِ الإيمان المصطَلحِ عليه عند أهلِ الشرعِ، إنما دلالتها على أنه خارجٌ عن الإيمانِ بمعنى التصديقِ بالله وبرسوله، وليسَ هذا مما يَقبل النزاعَ. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الذين ظلموا أنفسهُم بالإخلالِ بالنظرِ (١)، ووضعِ الكفرِ موضعَ الإيمانِ، فكيفَ مَن جاءهُ الحقُّ وعرفَهُ ثم أعرَضَ عنهُ؟ * * * (٨٧) - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: استقرَّ عليهم لعنةُ اللهِ، ومِن يُعتَدُّ بلعنتهِ مِن خلقهِ، ودلالةُ مفهومهِ على عدمِ استقرارِ اللعنِ على غيرِهم، لا على عدَمِ جوازه في حقِّ غيرِهم، فالمرادُ منَ الناسِ المؤمنونَ، ويجوزُ أن يُرادَ العمومُ؛ لأنَّ الكافرَ أيضًا يلعنُ منكِرَ الحق ولكن لا يعرِفُه (٢) بعينِهِ. * * *

стр. 881

(٨٨) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: في اللعنةِ، أو في النارِ، وإضمارُها قبلَ الذكرِ تفخِيمَّا لَشأنها وتهويلًا. ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يمهَلُون ليعتذِروا، أو: لا ينظُرُ إليهم نظرَ رحمةٍ. * * * (٨٩) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾؛ أي: رجعُوا عن الارتدادِ. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الإشارةُ إلى الكفرِ لتعظيمهِ وشدَّتهِ، وغايةِ بعدِه عن الصوابِ والعقلِ. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: ما أفسدوا، أو دخلوا في الصلاحِ (١). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: يقبَلُ التوبةَ. ﴿رَحِيمٌ﴾: يتفضَّلُ عليهِ. * * * (٩٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ كاليهودِ كفرُوا بعيسى ﵇ والإنجيلِ، بعدَ الإيمانِ بموسى ﵇ والتوراةِ ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بكفرِهم بمحمدٍ ﵇ والقرآنِ.

стр. 882

أو كفروا بهِ ﵇ بعدَ إيمانهم قبلَ مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا بالإصرارِ والعنادِ والطَّعنِ فيهِ، والصدِّ عن الإيمانِ، ونقضِ الميثاقِ والسخريةِ بكل ما نزلَ من الآياتِ. أو كقومٍ ارتدُّوا ولحِقوا (١) بمكَّةَ ثم ازدادوا كفرًا بقولهم: نتربَّصُ بمحمدٍ ريبَ المنونِ، أو نرجعُ إليهِ وننافِقُهُ بإظهاره. ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قد عرفت أن التعريفَ في ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ للعهدِ، والإشارةُ إلى قومٍ مخصوصينَ، وإلا فكلُّ كافرٍ إذا تابَ قُبِلَتْ توبته (٢)، وإنِ ازداد كفرًا إلى كفرٍ (٣)، فإنْ أُريدَ بهم المرتدُّونَ فالواو في: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ للحالِ؛ أي: لن (٤) تُقبَلَ توبتُهم في حالِ كونهم الباقينَ على ضلالهم الذي ثابتونَ عليهِ؛ لكونِ توبتهم نِفاقًا، وإنْ أُريدَ بهم اليهودُ فكذلك. وفيهِ وجهانِ آخَران: أحدُهما: أن يكونَ إخبارًا بالغيبِ عَلى طريقةِ قولهم: ولا ترى الضَّبَّ بها يَنحَجِر (٥) أي: لن يتوبُوا، فلا توبةَ ولا قبولَ، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ اعتراضٌ؛ أي:

стр. 883

والموصوفون (١) بما ذكِرَ أولئك هم الثابتونَ على الضلال المطلَقِ. والثاني: أن يكونَ كنايةً عن موتهم على الكفرِ؛ أي: يموتونَ وهم كافرونَ، على ما صرَّحَ بعدَه، والفائدةُ فيها: التغليظُ في شأنهم، وإبرازُ حالهم في صورة (٢) حالِ الآيسينَ من الرحمةِ التي (٣) [هي] أغلظُ الأحوالِ وأشدُّها. * * * (٩١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ لفظ ﴿الَّذِينَ﴾ هنا عامٌّ فيمَن كفَرَ، وماتَ على الكفرِ، فلذلكَ دخلَتِ الفاءُ في قولهِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ﴾ تضمِينًا للموصولِ معنى الشرط، على أنَّ الموتَ على الكفرِ سببٌ لامتناعِ قَبولِ الفدية، وإنَّما تُرِكَ الفاءُ في الكلامِ السابقِ لفقدِ التسبُّبِ ثمَّةَ (٤)، وإيرادُ المسندِ إليه موصولًا لتحقيقِ الخبرِ. ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ ملءُ الشيء: ما يملأه، و ﴿ذَهَبًا﴾ نصبٌ على التمييزِ،

стр. 884

وقرئ بالرفع على البدلِ مِن ﴿مِلْءُ﴾ (١)، أو خبرٌ لمحذوفٍ، وفيهِ (٢): أنه لا بدَّ مِن تقديرِ وصفٍ ليَحسنَ البدلُ، ولا دلالةَ عليهِ، والثاني (٣) إنما يحسن إذا جُعلَتِ الجملةُ صفةً أو حالًا، ولا يخلُو عن ضعفٍ. ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ اعتراضٌ؛ أي: ولو فُرِضَ أنه افتدى بهِ، على أن الافتداءَ ثمة محالٌ، وتقديرُ الكلامِ (٤): إنَّ الذينَ ماتوا على الكفرِ فلو افتدَى أحدُهم بملءِ الأرض ذهبًا لم يُقبَل منهُ. فلما كانَ الجزاءُ أهمَّ للإقناطِ (٥) والبعثِ على الرجوعِ عنِ الكفرِ إلى الإيمانِ قبلَ الموتِ قدِّمَ، وجعِلَ جزاءَ الشرطِ الأول (٦)، وأُوردَ ﴿لَنْ﴾ للتأكيدِ وأُخِّرَ الشرطَ، فلزمَ (الواوُ) للربطِ. وقيلَ: محمولٌ على المعنى؛ كأنَّهُ قيلَ: فلن يُقبلَ مِن أحدِهم فديةٌ ولو افتدَى بملءِ الأرضِ ذهبًا. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تتميمٌ لمعنى الإقناطِ؛ لأن مَن لا يُقبَلُ (٧) منهِ الفداءُ ربما يُعفى عنهُ تكرُّمًا.

стр. 885

﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ في دفعِ العذابِ و ﴿مِنْ﴾ مزيدةٌ للاستغراقِ. * * * (٩٢) ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾: لن تبلُغوا حقيقةَ البرِّ؛ وهو ما يُتقرَّبُ به إلى اللّهِ تعالى من أعمالِ الخيرِ، وقيلَ: لن تنالوا برَّ اللّهِ؛ أي: ثوابَهُ. ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾: من أموالكم التي تحبُّونها، أو ما يعمُّهُ وغيرَهُ؛ كبذلِ الجاهِ في معاونةِ الناسِ، والبدنِ في طاعةِ اللّه تعالى، والمُهجةِ في سبيله. و (مِن) هنا للتبعيضِ؛ يدلُّ عليهِ قراءةُ: (حتى تنفقوا بعضَ ما تحبون) (١). وفي قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ لتبيين ما تنفقون (٢)؛ أي: من أيِّ شيء طيبٍ (٣) تحبُّونهُ أو خبيثٍ تكرهونَهُ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكُم بحسبِهِ. * * * (٩٣) - ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.

стр. 886

﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾: هو ما يُطعَمُ مأكولًا كانَ أو مشروبًا، والمرادُ تناوُلُها (١). ﴿كَانَ حِلًّا﴾ على شريعةِ إبراهيمَ ﵇. ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: حلالًا لهم (٢)، وهو مصدَرُ نُعِتَ بهِ، ولذلك يستوي فيهِ الواحدُ والجمعُ، والمذكَّرُ والمؤنَّثُ، قالَ تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]. ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾: يعقوبُ ﵇؛ كلحومِ الإبلِ وألبانها، وكانَ تحريمُهُ ذلكَ بالنذرِ، ولذلكَ قيلَ: ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ ثم إنه تعالى حرَّمهُ على أولادِهِ على ما دلَّ عليه الاستثناءُ المذكورُ، فلا متمَسَّكَ فيه لمن جوَّزَ للنبيِّ أن يجتهِدَ. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾: متعلَّقٌ للمستثنى منهُ، وفائدَتهُ: بيانُ حلِّ ما عدا لحومَ الإبلِ وألبانَها في شريعة إبراهيمَ ﵇ حتى يثبُتَ تحريمُ بعضِ ما كان حلالًا لبني إسرائيلَ بنزولِ التوراةِ. وبه يحصلُ الإلزام لليهودِ، ويتمُّ الرد عليهم في دعوى البراءةِ عما نُعِيَ عليهم في قولهِ تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] إلى آخرهِ، وقولِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] بأنْ قالوا: لسنا أولَ مَن (٣) حرِّمَت عليهِ، وإنما كانت محرمة على نوحٍ وإبراهيمَ ﵉، ومَن بعدَهُ حتى انتهى الأمرُ إلينا، فحرِّمَت علينا كما حرِّمَت على مَن قبلَنا (٤).

стр. 887

وفي منعِ (١) النسخِ، والطعنِ في دعوى الرسولِ ﵇ موافقةَ إبراهيمَ عليه. السلامُ بتحليلِهِ (٢) لحومَ الإبلِ وألبانَها. لا للمُستثنى (٣) بيانًا (٤) لكونِ التحريمِ المذكورِ قبلَهُ، إذ لا فائدةَ فيهِ أصلًا (٥). ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمِكم أن تحريمَها قديمٌ. أمرٌ لمحاجَّتهم (٦) بكتابهم، وتبكِيتهم بما فيهِ؛ من أنَّ تحريمَ ما حرّمَ عليهم تحريم حادثٌ بسببِ ظلمِهم وبغيِهم، لا تحريمٌ قديمٌ كما زعموا، رويَ أنهم لم يَجرؤوا (٧) على إخراجِ التوراة وبهِتوا (٨). وفي ذلكَ برهانٌ قاطعٌ على صدقِ النبيِّ ﵇، وحجةٌ بينةٌ على جوازِ النسخِ. * * * (٩٤) -) ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: ابتدَعهُ على اللهِ تعالى بادِّعاء أن ذلك كانَ محرمًا على بني إسرائيلَ قبلَ إنزال التوراةِ.

стр. 888

﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: مِن بعدِ ما ألزمهُم بالبرهانِ القاطعِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: المكابِرونَ الذين لا يُنصفونَ مِن أنفسهم، ولا يلتفتُونَ إلى البيِّناتِ. * * * (٩٥) - ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾: تعريضٌ بكذِبهم؛ أي: ثبتَ أنَّ الله صادقٌ فيما أنزَلَ، وأنتم الكاذبونَ. لما عرَّضَ بكذِبهم لزِمَهم اتِّباعُ محمدٍ ﵇ والإيمانُ بالقرآنِ، فعبَّرَ عن ذلك بقولهِ: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾؛ أي: ملَّةَ الإسلامِ التي هي في الأصلِ ملةُ إبراهيم، ولمَّا نسَبَ دينَه وملَّتَهُ (١) إلى إبراهيمَ ﵇ كانَ أكسَرَ لنخوتهِم، وأقرَبَ إلى قَبولهم؛ كأنهُ قالَ: فإذا ظهرَ بالحجةِ البيِّنةِ كذبُكم فيما زعمتُم، وثبتَ صدقُ كتابِ اللّه، وظهرَ بطلانُ دينكِم الذي اضطرّكم إلى تحريفِ كتابِ اللّهِ والافتراءِ على اللهِ لتسويةِ أغراضكم، فاتَبعوا الحقَّ الذي هو ملةُ إبراهيم، وهو (٢) ما عليهِ محمدٌ ومَن معهُ (٣). وانتصَبَ ﴿حَنِيفًا﴾ على الحالِ، وقد سبقَ تفسير في سورة البقرةِ. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أرادَ استمرارَ النفيِ لا نفيَ الاستمرارِ، فمدلولُ ﴿كَانَ﴾ مقدَّمٌ في الاعتبارِ.

стр. 889

وفيهِ تعريضٌ بشرك اليهود، وإشارةٌ إلى أن اتِّباعهُ واجبٌ في التوحيدِ الصِّرفِ والاستقامة في الدينِ. * * * (٩٦) - ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: جعلَهُ اللّه تعالى متعبَّدًا لهم. ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾: لَلْبيتُ الذي ببكَّةَ؛ وهي لغةٌ في مكَّةَ؛ كالنبيطِ والنميطِ، وقيل: هي موضعُ المسجدِ، ومكةُ البلدُ. من بكَّه: إذا زحمَهُ أو دقَّهُ، فإنها تدقُّ أعناقَ الجبابرة. ﴿مُبَارَكًا﴾: كثيرَ الخيرِ والنفعِ لمن حجَّهُ واعتمرهُ (١)، واعتكفَ دونهُ، وطافَ حولَهُ، حالٌ من المستكنِّ في الظرف (٢). ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾: سببُ هدايةٍ (٣)؛ لأنهُ من قِبلتهم (٤). * * * (٩٧) - ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ حالٌ أُخرى.

стр. 890

﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾: عطفُ بيانٍ لقوله: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ وحَّدَهُ لقيامِه مقامَ آياتٍ كثيرة، يدلُّ على هذا قراءةُ: (آية بينة) (١). ولا يخفى ما فيه منَ التفخيمِ لشأنهِ، كأنهُ لظهورِ إعجازه وقوةِ دلالتِهِ على قدرة اللّه تعالى، ونبوةِ إبراهيمَ ﵇، بمنزلة آياتٍ عظامٍ كثيرة، ويؤيدُ ذلك التعظيمَ البالغَ تنكيرُ ﴿آيَاتٌ﴾ ووصفها بالبيِّناتِ، ونحوُه في التعظيمِ قولهُ تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]. ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ جملة ابتدائيةٌ. كان الحرمُ آمنًا في الجاهليةِ، ومفزَعَ كلِّ خائفٍ وملجأ كلِّ جانٍ، وقالَ ابن عمر: لو وجَدنا قاتلَ أبينا في الحرمِ لم نقتله (٢). وقيلَ: المراد الأمنُ (٣) من العذاب يومَ القيامة. وفيه: أن مدارَ هذا الأمنِ على الدفنِ (٤) فيهِ، على ما أفصَحَ عنه قولُه ﵇: "مَن ماتَ في أحدِ الحرمينِ بُعِثَ يومَ القيامةِ آمنًا" (٥) لا على دخوله.

стр. 891

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ آكدُ ما يكونُ منَ الألفاظ الدالة على الإلزام كلمةُ ﴿عَلَى﴾ فإنها علَمٌ فيهِ. والحجُّ كأخواته من المنقولاتِ الشرعيةِ، وله فرائضُ وواجباتٌ وسنن وشرائطُ بعضُها للوجوبِ وبعضُها للأداءِ، ومعناهُ اللغويُّ: القصدُ على جهة التعظيمِ، والمرادُ معناهُ الشرعيُّ، فإضافته إلى البيتِ للملابَسةِ، فإنَّ طوافَهُ (١) أحدُ ركنَيهِ، أو أحدُ أركانهِ، على الاختلافِ في الإحرامِ، فإنهُ ركنٌ عندَ الشافعيِّ، وشرطٌ عندَ أبي حنيفةَ. ومن قالَ في "تفسيره": قصْدُهُ (٢) للزيارةِ على الوجهِ المخصوصِ، فقد زادَ على معناه اللغويِّ، وقصَّرَ عَن معناهُ الشرعيِّ. وقرئ: ﴿حِجُّ﴾ بالكسرِ (٣)؛ وهو لغةُ نجدٍ. ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: بدلٌ منَ ﴿النَّاسِ﴾ مخصِّصٌ لهُ، وفيهِ إيرادُ المرادِ في صورتين مختلفتين (٤) على وجهٍ فيه تشويقٌ، ووجدانٌ بعدَ شغفٍ (٥) وطلبٍ،

стр. 892

وتنكير ﴿سَبِيلًا﴾، وتقديمُ ﴿إِلَيْهِ﴾ عليهِ؛ أي: سبيلًا مّا أيَّ سبيلٍ (١) يتيسَّرُ على أيِّ وجهٍ يكونُ قريبٍ وبعيدٍ، بشرطِ اختصاصِ انتهائه إليهِ لا إلى غيره، وكلُّ مأتيٍّ إلى الشيءِ فهو سبيلُهُ. وقد فسَّرَ رسولُ اللّهِ ﷺ الاستطاعةَ بالزادِ والراحلةِ (٢)، وما فسَّرهُ ﵇ استطاعةُ السبيلِ إلى البيتِ المذكورِ في القرآنِ، لا استطاعةُ الحجِّ؛ فإنها لا بدَّ فيها من صحَّةِ البدنِ أيضًا، فلا دلالة فيه على أحدِ القولينِ المذكورَين في المسألة الخلافيةِ المشهورةِ. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وضعَ ﴿كَفَرَ﴾ موضعَ: لم يحُجَّ؛ تأكيدًا لوجوبهِ، وتغليظًا على تاركِ الحجِّ، وتشديدًا عليهِ، ولذلك قالَ ﵇: "مَن ماتَ ولم يحجَّ فليمُتْ إن شاءَ يهوديًّا أو نصرانيًّا" (٣). وقد أكَّدَ أمرَ الحجِّ في هذه الآيةِ من وجوهِ الدلالةِ على وجوبهِ بصيغةِ الخبرِ،

стр. 893

وإبرازِهِ في صورةِ الاسميةِ، وإيرادِه على وجهٍ يفيدُ أنهُ حقٌّ واجبٌ للّهِ تعالى في رقابِ الناسِ، وتعميمِ الحُكمِ أولًا وتخصِيصِه ثانيًا؛ فإنهُ كالإيضاحِ بعدَ إبهامٍ، وتثنيةٌ (١) وتكريرٌ للمرادِ، وتسميةِ تركِ الحج كفرًا مِن حيثُ إنه فعلُ الكفرة، وذكرِ الاستغناءِ فإنه في مثلِ هذا الموضعِ مما يدلُّ على المقتِ والخُذلانِ. وقوله: ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ بدلٌ عنه لِمَا فيهِ من مبالغةِ التعميم، والدلالةِ على الاستغناءِ عنه بالبرهان، والإشعارِ بعظم السخطِ؛ لأنهُ تكليفٌ شاقٌّ (٢) جامع بينَ كسرِ النفس، وإتعابِ البدن، وصرفِ المال، والتجردِ عن الشهواتِ، والإقبالِ على اللّه تعالى. بقي هاهنا دقيقةٌ أنيقةٌ؛ وهي أن اللامَ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ مظِنَّةُ أن يكون في الحجِّ نفعٌ له تعالى، دفعَه (٣) ببيانِ غَنائه عن العالمين. رويَ: أنه لما نزل صدرُ الآيةِ جمعَ رسول اللّه ﷺ أرباب الملل فخطبهم وقال: "إنَّ اللّه تعالى كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا" فآمنت به ملةٌ واحدة، وكفرت به خمس ملل، فنزل: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ الآية (٤). * * * (٩٨) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: تخصيصُ أهلِ الكتابِ بالخطاب؛ لأن كفرَهم أقبحُ، وَأما

стр. 894

الدلالةُ على أنهم وإن زعموا (١) أنهم مؤمنونَ بالتوراةِ والإنجيلِ فهم كافرون بهما، فلا تأثيرَ فيها للتخصيص المذكور (٢). ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: بآياته السمعيةِ والعقليةِ الدالَّةِ على صدقِ محمدٍ ﵇ فيما أُتي (٣) به من الأوامرِ والنواهي، ومعنى الاستفهامِ في ﴿لِمَ﴾ إنكارٌ لكفرِهم، وتعجُّبٌ منهُ مع وجود المانعِ، وهو كونُ الحقِّ شهيدًا على أعمالهم. ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: والحال أن اللّه شهيدٌ؛ أي: مطَّلعٌ على أعمالكم فمجازيكم عليها لا ينفعكُم التحريفُ والإسرار (٤)، وهذهِ الحالُ توجبُ الإيمانَ فما جسَّركم (٥) على الكفرِ بآياتهِ؟! وإظهارُ اسم الله تعالى والمقامُ مقامُ الإضمارِ؛ للتخويفِ، والتربيةِ للمهابةِ. * * * (٩٩) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: أُعيدَ الخطابُ لأن الأول في الضالينَ، وهذا في المضلِّينَ، فلا تكرار، وكونُ كل واحدٍ من الأمرين مُستقبَحًا في نفسهِ مُستقلًّا في استجلابِ العذابِ مما لا حاجة إلى الإشعارِ به لعدم الخفاءِ فيه.

стр. 895

﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾. معنى الاستفهامِ إنكارٌ لقصدِ الصدِّ، وطلبِ العوجِ في الطريقِ المستقيم، مع كونهم علماءَ شهداءَ بأنْ ليسَ فيه عوجٌ، وأن الصادَّ عنها ضالٌّ مضلٌّ، والتوبيخُ هنا أشدُّ لمعنى المكابرةِ فيهِ. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: دينهِ الحقَ المأمورِ بسلوكهِ وهو الإسلامُ، قدِّمَ للاهتمامِ على المفعولِ الأولِ وهو قولُهُ: ﴿مَنْ آمَنَ﴾: كانوا يفتِنون المؤمنِينَ، ويحرِّشون (١) بينهم، حتى أتوا الأوسَ والخزرجَ فذكَّرُوهم ما بينَهم في الجاهليةِ من التعادي والتحارُبِ ليعودوا لمثله، ويحتالون لصدِّهم عنه (٢)، ويمنعُون مَن أراد الدخولَ فيه بجهدهم، فعلى الأولِ يكون التجوُّزُ في الصدِّ، وعلى الثاني في ﴿آمَنَ﴾. ﴿تَبْغُونَهَا﴾ في محل النصبِ بالحال. ﴿عِوَجًا﴾ مفعول (تبغون)، والضميرُ منصوبٌ بنزع الخافض، وتعديةِ الفعلِ؛ أي: فيها. والعِوجُ - بكسر العين - الميلُ والانحراف في المعاني، وبفَتحها في الخبثِ؛ أي: تطلُبون اعوجاجًا وميلًا عنِ الاستقامة بأن تلبِّسوا على الناسِ حتى توهمُوهم أن فيها عوجًا بقولكم: إن شريعة موسى ﵇ لا تُنسخُ، وبتغييرِ صفةِ رسول اللّه ﷺ ، ونحوهما. ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ قائلون (٣): إنها سبيلُ اللّهِ لا يَصدُّ عنها إلا ظالمٌ كافرٌ، أو

стр. 896

عدولٌ (١) بين أهلِ دينكم، يتمسَّكون بأقوالكم، ويستشهدُونكم في عظائمِ أمورهم لكونكم أحبارًا. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وعيدٌ بالغٌ، والختمُ بهذا يناسب المقام؛ لأنَّ الكلام في صدِّهمُ المؤمنينَ عن الإسلام وكانوا يخفونَهُ ويحتالون فيه، وفيما (٢) تقدَّمَ في كفرِهم وهم يجهَرُون بهِ، فكان المناسبُ له الختمَ بقولهِ: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨]. * * * (١٠٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خاطبهم اللّهُ بنفسهِ بعدَ توسيطِ الرسول ﵇ في مخاطبةِ أهلِ الكتابِ؛ إظهارًا لجلال (٣) قدرِهم، وإشعارًا بأن لهم منزلةً عندَ اللّه تعالى دونَ أهل الكتاب (٤). ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: نزلَت في نفر من الأوس والخزرج كانوا جلوسًا يتحدَّثون؛ فمر بهم شاس بن قيس اليهوديُّ فغاظَه تآلفُهم واجتماعهم، فأمرَ شابًّا من اليهود أن يجلسَ إليهم ويذكِّرَهم (٥) يوم بُعاثٍ، وينشدَهم (٦) بعض ما قيلَ فيه،

стр. 897

وكان الظَّفَرُ في ذلك اليومِ للأوسِ؛ ففعلَ فتنازَعَ القومُ وتفاخَروا وتغاضَبوا، وقالوا: السلاحَ السلاحَ. واجتمَع من القبيلتين خلقٌ عظيمٌ، فتوجَّهَ إليهم رسولُ اللّه ﷺ وأصحابُه ﵃ وقالَ: "أتدْعُونَ الجاهليَّةَ وأنا بينَ أظهُركم بعدَ إذ أكرمكُم اللّه بالإسلامِ، وقطعَ بهِ عنكم أمر (١) الجاهليةِ، وألَّف بينكُمْ؟! " فعلِموا أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوِّهم، فألقوا السلاحَ واستغفروا، وعانقَ بعضُهم بعضًا، وانصرفوا معَ رسول اللّه ﷺ (٢). والتعبيرُ عن شاسٍ ومَن أعانه فيهِ بالفريقِ يناسبُ قصدَهم إيقاعَ التفرقة بين جمعِ المؤمنين. ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾؛ أي: عن الهدى إلى الضلالِ (٣) على ما دلَّ عليه قولُه: ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: ردَّ يتعدَّى إلى مفعولَين، قالَ الشاعر: فردَّ شُعورَهن السودَ بيضًا … وردَّ وجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا (٤) * * * (١٠١) - ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

стр. 898

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ معنى الاستفهامِ: الإنكارُ والتعجيبُ من تطرُّقِ الكُفر إليهم في حالِ اجتمعَ إليهم الأسبابُ الداعيةُ إلى الإيمانِ، الصارفةُ عن الكُفر. وإنما أخَّرَ قولَهُ: ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ - مع أن حقَّهُ التقديمُ؛ لأن التلاوة المذكورةَ بواسطته - إخراجًا لهُ عن حيِّزِ الوساطة إلى منزلةِ الاستقلال في السببية، كأنهُ قيلَ: والحالُ أن آياتِ اللّهِ تُتلى عليكُم مُعجزةً رادعةً (١) عن الكفرِ، وفيكم الرسولُ واعظًا زاجرًا لكُم ناهيًا عنهُ. ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾: ومَن يتمسَّك بدينِه، أو يلتجِئْ إليه في مجامعِ أموره. ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: إنما يورَد ﴿فَقَدْ﴾ في جوابِ الشرطِ عندَ مُضيِّهِ معنى، والقصدُ هنا إلى تحقُّقِ (٢) الوقوعِ بمعنى: فقد حصلَ لهُ الهدى، كأنهُ قد حصل (٣) فهو يخبرُ عنه حاصِلًا، ومعنى التوقعِ في ﴿فَقَدْ﴾: أنَّ المعتصِم باللّهِ متوقِّعٌ للهُدى. * * * (١٠٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: واجبَ تقواه وما يحقُّ مِنها، وهو القيامُ بالواجبِ، واجتنابُ المحارمِ، ويدخُلُ فيهِ الاحتراز (٤) عن طاعةِ أهل الكتابِ دخولًا أوليًا.

стр. 899

﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: ولا تكونُنَّ على حالٍ سوى الإسلامِ حينَ الموتِ، فالمنهيُّ كونهم على حالٍ غير الإسلام عندَ موتهم، لا موتُهم. هذا ما عندَهم، والذي عندِي هو أنَّ النهيَ المذكورَ للتحذيرِ عن الموت على حالٍ سوى الإسلامِ، والحذرُ عنه إنما يكونُ بالاحترازِ عما يُفضي إليهِ (١)، فهو حثٌّ على الثباتِ على الإسلام في جميعِ الأزمانِ على أبلغ وجهٍ، وعلى هذا لا عدولَ عن الظاهرِ. بخلافِ ما قالوهُ (٢). * * * (١٠٣) - ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾: يحتملُ التمثيلَ، بأن يمثَّل صورة حالهم في اعتضادِهم واستظهارِهم ووثوقِهم باللّهِ تعالى وحمايتهِ واتكالهم عليهِ بصورةِ حالِ المتدلِّي مِن مكانٍ مُرتفعٍ متمسِّكًا بحبلٍ وثيقٍ يأمَن انقطاعَهُ، والاستعارةُ بأن يستعيرَ الحبلَ لعهدِه أو كتابه، ويجعلَ الاعتصامَ ترشيحًا لها بما يناسِبُ الحبلَ. ﴿جَمِيعًا﴾ أي: اجتمِعوا على استعانتكم باللّهِ ووثوقكُم بهِ، أو: اجتمِعوا على التمسُّكِ بعهده إليكُم أن تؤمنوا بهِ، ولا تعبُدوا إلا إياه، أو بكتابهِ، لقولهِ ﵇: "القرآنُ حبل اللّه المتينُ" (٣).

стр. 900

﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: ولا تتفرَّقوا كما كنتم متفرِّقين في الجاهليةِ يُعادي بعضُكم بعضًا ويحارِبُه، أو: لا (١) تفعلوا ما يوجبُ التفرُّقَ ويزيل الألفةَ من القول والعمل، وأما التفرُّقُ بالاختلافِ في الدينِ كاليهودِ والنصارى فهو مضمونُ قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أرادَ: نعمةَ الهداية والتوفيق للإسلامِ، المؤدِّي إلى التآلفِ وزوالِ الغِلِّ. ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ في الجاهلية متقاتلِينَ ﴿فَأَلَّفَ﴾: أوقعَ الأُلفةَ ﴿بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بالإسلامِ. ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ﴾: بسببِ تلكَ النعمة. ﴿إِخْوَانًا﴾: متحابِّين مجتمِعين على الإخوةِ في اللّه، و (أصبح) أصلُه: دخلَ في الصباحِ، ثمَّ أُطلِقَ على الصيرورة أيَّ وقتٍ كان، ففيه باعتبارِ أصلهِ دلالة على خروجهم مِن ظلماتِ الضلالة إلى نور الهداية.

стр. 901

قيل (١): كانَ الأوس والخزرجُ أخوين من الأبوين (٢) فوقع بين أولادهما العداوةُ، وتطاولَتِ الحروبُ مئةً وعشرين سنةً، حتى أطفأها اللهُ تعالى بالإسلام، وألَّفَ بينهُم (٣) برسولِ اللّه ﷺ . ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾: مشرِفينَ عليها بكُفركم (٤)، إذ لو أدرككم الموتُ على تلك الحالة لصادفتمُ القبر حفرةً من النار، وإنما قال: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ وإن لم تكونوا فيها؛ لأنهم كانوا بمنزلةِ مَن هو فيها مِن حيث كانوا مستحقِّين لدخولها. ويجوزُ أن يكون الضمير للشَّفا وتأنيثُه لأنَّه بمعنى الشفةِ، فإن شَفَا البئرِ وشفتَها طرفُها، وأصلهُ: شَفَوٌ، فقلِبَت الواوُ في المذكَّرِ، وحُذِفت في المؤنَّث. ﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التبيينِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾: دلائله. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: إرادةَ أن تَثبُتوا على الهدى، أو تزدادُوا هدىً. * * * (١٠٤) - ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ (مِن) للتبيين، بمعنى: وكونوا أمةً؛ كقولهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن

стр. 902

المنكر مِن فروضِ الكفاياتِ، فهوَ واجبٌ على كلِّ الأمةِ بدليل أنه (١) لو تُرِكَ أَثمَ الجميعُ، وإن سقطَ بفعل البعضِ لحصولِ المقصودِ، فلا بدَّ من توجيه الخطاب إلى الكلّ، فمَن قالَ: (مِن) للتبعيضِ، ثم علل بما ذكرناه آنفًا فقد اختارَ المذهب المردودَ؛ وهو أن يكونَ الوجوب على البعضِ من غير تعيين. وأما الاستدلالُ على أنه لا يجبُ على الكلِّ بعدم الوجوبِ على الجاهل فمردودٌ؛ لأنَّه إذا تُرِكَ بالكليةِ فذلك الجاهلُ أيضًا آثمٌ، ولولا الوجوبُ عليهِ لما أثمَ؛ كمَن وجب عليه الصلاةُ وهو محدِثٌ فإنَّ عليهِ تحصيلَ الشرطِ ثم الفعلَ. وأمَّا مَن (٢) اختارَ أن تكونَ (مِن) للتبعيض معلِّلًا بما تقدم، ثمَّ قالَ: خاطب الجميع وطلب فعلَ بعضِهم ليدُلَّ على أنه واجب على الكلِّ = فقد خبَطَ حيثَ خلطَ بين المذهبَينِ، ثم إنه لم يَدْرِأن الوجوبَ على الكلِّ مبناهُ الطلبُ من الكلِّ، لا الخطابُ للكلِّ، فإنَّ الخطابَ بدون الطلبِ بمعزلٍ عن الدلالة على الوجوب. ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾: يعمُّ الدعاء إلى ما فيهِ صلاحٌ دينيٌّ أو في نيويٌّ، فينتظِمُ الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر. فقولُه: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: مِن قبيلِ عطف الخاصِّ على العام للإيذان بفضلِهِ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: المخصوصونَ بكمال الفلاحِ. والأمرُ بالمعروفِ يكونُ واجبًا ومندُوبًا على حسبِ ما يؤمَرُ به، وكذا النهي عن

стр. 903

المنكرِ فإنهُ يكون واجبًا إن كانَ المنهيُّ عنه محرَّمًا أو مكرُوهًا كراهةَ تحريمٍ، ويكونُ مندوبًا إن كان المنهيُّ عنه مكروهًا كراهةَ تنزيهٍ. فمَن وهَم أن جميعَ ما أنكرَهُ الشرعُ حرامٌ فقد وهِمَ، والعاصي يجبُ أن يُنهَى عما يرتكبُه؛ لأنَّه كما يجبُ عليه تركُه يجبُ عليه إنكارُه ونهيُ الغيرِ عنه، إلا أنَّ الثاني على طريقِ الكفايةِ، والإنكارُ في قولهِ تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٤] مرجعهُ إلى القيدِ. * * * (١٠٥) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾؛ أي: بالعداوةِ. ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾؛ أي: في الديانةِ (١)، وهم اليهودُ والنصارى، وإنما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾؛ أي: الآياتُ والحججُ المبيِّنةُ للحقِّ الموجبةُ للاتفاقِ ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ عليهِ؛ لأنَّ الاختلاف في موضعِ الاجتهادِ ليس بمنكرٍ، كيفَ وقد قالَ ﵇: "اختلافُ أمَّتي رحمةٌ" (٢).

стр. 904

ولا اختصاصَ لواحدٍ من الاختلافينِ بالأصول والفروعِ، فإنَّ في الأصولِ أيضًا موضعَ الاجتهادِ كما أنَّ في الفروعِ ما لا مساغَ فيه لهُ (١). ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: وعيدٌ للذينَ تفرَّقُوا، وتهديدٌ على التشبُّهِ بهم. * * * (١٠٦) - ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾: نصبٌ بما في ﴿لَهُمْ﴾ مِن معنى الفعل، وبياضُ الوجهِ وسوادُه كنايتانِ عن ظهورِ بهجة السرورِ وكآبةِ الخوف فيهِ، ويجوزُ أن يرادَ بالبياضِ والسوادِ حقيقَتُهما. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾: ابتدأ بهم (٢) في مقامِ التفصيلِ للاهتمام بالتحذيرِ من حالهم، ولمجاورة قوله: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، وليكونَ الابتداءُ للمؤمنينَ، والاختتامُ بحكمِهم (٣). ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ على إرادة القولِ؛ أي: فيقالُ لهم: أكفرتم؟ والهمزةُ للتوبيخِ والتعجيبِ مِن حالهم، والظاهرُ أنهم أهلَ الكتابِ، كفروا وكذَّبوا برسولِ اللّهِ ﷺ بعدَ إيمانهم بهِ قبل مجيئه وهم المرتدُّونَ.

стр. 905

وقيل: هم جميعُ أهل الكتابِ (١)؛ لإعراضِهم عما أوجبهُ الإقرارُ، أو كفرِهم بعدَما أقرُّوا به حينَ أشهدهم على أنفسِهم، على ما أفصحَ عنه قولُه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: أمر إهانةٍ، والفاءُ للسببية عن الكفرِ المقدَّرِ، والباء تأكيدٌ له. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: بسببِ كفركم، والجمعُ بين الصيغةِ الدالَّةِ على التجدُّدِ وزيادةِ الكونِ الدالةِ على الاستمرارِ؛ للمطابقةِ بين العملِ والجزاء المذكورِ مفصَّلًا في قولهِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] واللّه أعلم بالصواب. * * * (١٠٧) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: ففي نعمَتهِ من الثوابِ المخلَّدِ. جمعَ للفريقِ الأولِ بين التعنيفِ بالقول والعذاب، وهنا جعلَهم مستقرِّين في الرحمةِ، فهيَ ظرف لهم، وأشارَ بها إلى سابقِ عنايته بهم، وأنَّ العبدَ وإن كثرت طاعتُهُ لا يدخُلُ دار (٢) الثوابِ إلا برحمةِ اللّه تعالى، وأضافَها (٣) إلى نفسِهِ دون العذابِ تفخِيمًا لجانب الثوابِ. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أخرجَهُ مخرجَ الاستئنافِ لبيانِ أنَّ ذلكَ الاستقرارَ هو على سبيلِ الخلودِ لا زوالَ منهُ ولا انتقالَ، و ﴿هُمْ﴾ تأكيد لقوله: ﴿الَّذِينَ﴾، و ﴿فِيهَا﴾ تأكيد لقوله (٤): ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

стр. 906

ولم يذكر الخلودَ للكافرِ اكتفاءً بذكرِهِ في قرينه، ولم يعكِس، إذ لا يُفهَمُ مِن دوامِ القولِ دوامُ الفعلِ (١) بخلافِ العكسِ. ثم إنه لمَّا ذكَرَ العذابَ علَّلهُ بفعلِهم، ولم يذكُر هنا سببَ كونِهم في الرحمةِ، إشعارًا بأن رحمتَهُ تعالى لا تحتاجُ إلى السببِ. * * * (١٠٨) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾. ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: الواردةُ في الوعد والوعيدِ. ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: ملْتبِسةً بالحقِّ لا شُبهة فيها. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ فيأخذَ أحدًا بغيرِ جُرمٍ، أو (٢) يزيدَ في عقابِ مسيءٍ على ما يستحقُّهُ، أو يَنقصَ من الثوابِ الموعود للمُحسنِ. وتقديم ﴿وَمَا اللَّهُ﴾ على فعلِ الإرادة بعدَ النفي يفيدُ أنَّ الذي يظلِمُ ويريدُ الظلمَ غيرُه لا هو؛ أي: هم الظالمونَ على أنفسِهم لا غيرُهم. ونفيُ إرادةِ الظلمِ تأكيدٌ بليغٌ في نفي الظلمِ؛ أي: انتفى إرادةُ الظلمِ عنهُ تعالى فضلًا عن الظلمِ. وتنكيرُ ﴿ظُلْمًا﴾ وتعميمُ ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ معناهُ: لا يريدُ شيئًا من الظلمِ أحقرَ ما يكونُ لأحدٍ من العالمين كائنًا مَن كان (٣).

стр. 907

ومَن قال في تعليلِ ما ذُكرَ: إذ يستحيلُ الظلمُ منه؛ لأنهُ لا يحقُّ عليهِ شيءٌ فيَظلِمَ بنقصِه، ولا يُمنَعُ عن شيءٍ فيَظلِمَ بفعلِهِ؛ لأنهُ المالك على الإطلاق = لم يدرِ أَنَّهُ حينئذٍ - أي: على تقديرِ أن يكون الظلمُ منهُ مستحيلًا - لا يناسبُ نفيَ إرادته فضلًا عنِ المبالغة فيهِ، إذ ليسَ مِن شأنها التعلقُ بما ليس بمقدورٍ لهُ، بل الظاهرُ منه (١) أنه مقدورٌ لهُ إلا أنه لا يريدُهُ؛ لأنَّهُ لا يليقُ بشأنهِ. والتعليلُ المذكورُ قاصرٌ؛ لأنا نعلمُ (٢) قطعًا أنَّ النقصَ عن الثواب الموعودِ لبعض الأعمال من قَبيلِ الظلمِ كنقص حقِّ الأجيرِ، وهو من جملةِ المحتملاتِ، واللّهُ تعالى قادرٌ له إلا أَنَّهُ لا يفعلُهُ. * * * (١٠٩) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: استئنافٌ في معرِض التعليلِ لما تقدَّمَ؛ كأنه يقولُ: إرادةُ الظلم أمارةُ الحاجةِ والرغبةِ إلى ما ينقصه بالظلمِ، واللّهُ تعالى منزَّهٌ عنها؛ لأنهُ مالِكُ ملكِ السماواتِ والأرضِ. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ خاصةً. ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فالملكُ في دار الآخرةِ أيضًا له تعالى. والعدولُ عن الضميرِ إلى الاسم الظاهرِ للإشعار بأن ما ذُكرَ (٣) مِن شأن الألوهيَّةِ ولوازمِها، وإنما قال: ﴿تُرْجَعُ﴾ لأنها قد زالَت بهلاكِ ما سواه.

стр. 908

(١١٠) - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: دل على خيريَّتهم (١)، ولم يدلَّ على أنهم لم يكونوا خيرًا فصاروا خيرًا، أو انقطعَ (٢) ذلك عنهم (٣)؛ لأنَّ (كان) الناقصةَ لا دلالة فيها على عدمٍ سابقٍ، ولا على عدمِ الدوامِ، فلذلك تُستعمَلُ فيما هو حادثٌ مثل: كان زيد راكبًا، وفيما هو دائمٌ مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]. ومَن قال: كأنه قيل: وجِدتم خيرَ أمةٍ (٤)، فكأنهُ زعمَ أتها تامَّةٌ، وأن ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ حالٌ، ويردُّهُ عدُّهُ مِن قبيلِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]. ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾: أُظهِرَت لهم. ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ استئنافٌ بيَّنَ بهِ كونَهم خير أمة. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يتضمَّنُ الإيمان بكلِّ ما يجب أن يؤمَنَ به؛ لأن الإيمانَ به تعالى إنما يحقُّ ويُعتدُّ بهِ إذا حصلَ الإيمانُ بكلِّ ما أمرَ أن يؤمَن بهِ، وإنما أخَّرَه وحقُّه أن يقدَّمَ؛ لأنهُ قصدَ بذكرِه الدلالةَ على أنهم أَمرُوا بالمعروفِ، ونَهَوا عن المنكر إيمانًا باللّه وتصديقًا به وإظهارًا لدينه.

стр. 909

والتعريفُ في الموضعينِ للعهدِ، والمعهودُ (١): المعروفُ الشرعيُّ، والمنكر الشرعيُّ، ومَن وهَم أَنَّهُ للاستغراقِ فقَد وهِمَ، واستدلالُه به على حجيَّةِ الإجماعِ ليس بتامّ؛ كما لا يخفى على ذوي الأفهام. ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ إيمانًا كما ينبغي ﴿لَكَانَ﴾ الإيمانُ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾: مما هُم عليهِ. ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ كعبدِ اللَّه بن سلامٍ وأصحابِه. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أراد: الكافرينَ، والتعبيرُ عنهم بالفاسقينَ للتنبيهِ على أن المؤمنينَ المذكورينَ عادلونَ لا حظَّ لهم من الفسق. وهذه الجملةُ والتي بعدَها واردتانِ على سبيلِ الاستطراد، ولذلك جاءَ من غيرِ عاطفٍ (٢). * * * (١١١) - ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾: ضررًا يسيرًا بطعنٍ (٣) وتهديدٍ. ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾: ينهزِمُوا، ولا يضرُّوكم بقتل وأسرٍ. ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: لا (٤) يكونُ لهم نصرٌ من أحدٍ (٥)، نفى إضرارَهم سوى ما

стр. 910

يكونُ بقولٍ، وقرَّرَ ذلك بأنهم لو قاموا إلى القتالِ كانت الدَّبرَةُ (١) عليهم، ثم أخبرَ بأنه يكونُ عاقبتُهم العجزُ والخذلانُ، وإنما عدلَ به عن حكمِ الجزاءِ والعطفِ عليه إلى الإخبار؛ لئلا يكونَ انتفاءُ النصرِ مشروطًا بالشرطِ مقيدًا بالمقاتلةِ كتوليةِ الأدبارِ بل مطلقًا؛ أي: ثم أُخبركم أنهم لا يُنصَرُون بوجهٍ مّا، قاتلوا أو لم يقاتلوا، ويبقون في الخذلانِ والذلِّ والعجزِ لا ينهَضون بجناح، ولا يرجِعُ إليهم قوةٌ ونجاح، كما كان من حالِ بني قريظَةَ والنضيرِ وبني قينقاعَ ويهودِ خيبرَ. و ﴿ثُمَّ﴾ استعارةٌ للتراخي في الرتبةِ، فإنَّ الإخبارَ بالخذلان المطلَقِ وانتفاءِ النصر بالكليةِ أعظمُ من الإخبارِ بالانهزام عندَ المقاتلة. * * * (١١٢) - ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة. ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾: وُجِدوا. ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ في محلِّ النصب على الحالِ؛ أي: إلا متمسِّكين أو معتصِمين بذمةِ اللهِ وذمة المسلمينَ. والظاهرُ من تكرارِ الحبلِ تعدُّدُ الذمَّتين معنًى، فالمناسبُ أن تحمَلَ الأولى على الذميِّ (٢) نصَّ اللّهُ تعالى عليه في قولهِ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾، والثانيةُ على الذي يراهُ

стр. 911

الإمامُ من إعطاء الأمانِ في مقابلةِ أخذ مالٍ، أو لمصلحةٍ أُخرى، والاستثناءُ من أعمِّ الأحوال؛ أي: لا عزَّ لهم إلا هذا العزُّ، وهوَ على طريقةِ: ولا عَيبَ فيهم غَيرَ أنَّ سُيوفَهمْ (١) لأنَّ التمسُّكَ بإحدى الذمَّتين غاية الذلِّ. ومَن فسَّرَ إحدى الذمتين بدين الإسلامِ، والأُخرى بسبيلِ المؤمنين إجراءً للاستثناءِ على ظاهره فيَرِدُ (٢) عليهِ أنَّ سبيل المؤمنينَ هو دين الإسلامِ بعينِه، فلا يناسبُه تكريرُ ذكر الحبلِ. ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: ورجعوا مستوجِبين له (٣). ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ لم يقُل: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] كما قالَ في سورة البقرة؛ لأنهُ أراد تفصيلَ حالِ ذلَّتِهم (٤) بالمبالغةِ فيها بخلافِ حالِ مسكنتِهم فإنها باختيارِهم في الغالب، فإن الأغنياءَ كثيرٌ في اليهودِ إلا أنهم لا يُظهِرُون غناهُم. ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما ذكِرَ من ضربِ الذلةِ، والبَوءِ بالغضبِ، وضرب المسكنةِ.

стр. 912

﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قد تقدَّم تفسيرُه في سورة البقرة. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الكفرُ والقتلُ. ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: بسببِ عصيانهم واعتدائهم حدودَ اللهِ على الاستمرار، فإنَّ الإصرارَ على الصغائرِ يُفضي إلى الكبائر، والاستمرارَ عليها يؤدِّي إلى الكفر. وقيلَ: كرَّرَ الإشارةَ والمشارُ إليه واحدٌ إشارةً إلى أن كل واحدٍ من الأمرين مستقل لإيجابِ الأمورِ المذكور من الذلّ والمسكنةِ، والبوءِ بغضبٍ عظيمٍ من اللَّه لو لم يكن الآخرُ، فكيفَ والأمران متعاضدانِ؟ وأريد بالأمرين: الكفرُ، ويندرجُ فيه قتلُ الأنبياء، والاستمرارُ على عدم الامتثالِ بالتكاليفِ، ومبنى هذا على أنهم مخاطبون بالفروعِ أيضًا. * * * (١١٣) - ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ في المساوِئ، والضميرُ لأهل الكتابِ. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾ كلام مستأنَفٌ لبيانِ قولهِ: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ كقولهِ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ لبيانِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾. ﴿قَائِمَةٌ﴾: مستقيمةٌ عادلةٌ، مِن قولهم: أقمتُ العود فقامَ؛ أي: استقامَ، وهم الذين أسلَموا منهم.

стр. 913

﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ صفةٌ لـ ﴿أُمَّةٌ﴾، وكذا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾: يتلونَ القرآن في تهجُّدِهم، عبَّرَ عنه بالتلاوةِ في ساعات الليلِ مع السجودِ؛ ليكون أبينَ وأبلَغَ في المدح. ويجوزُ أن تكون ﴿قَائِمَةٌ﴾ أحد تفاصيلِهِ؛ أي: قائمة في حال تلاوةِ الآيات بالليل. وقيلَ: المرادُ صلاة العشاءِ؛ لأن أهل الكتابِ لا يصلونها على ما وردَ في حديث ابنِ مسعودٍ ﵁ (١). * * * (١١٤) - ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقولُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ في عدادِ خصائصِ المؤمنينَ تعريضٌ آخرُ بأن إيمانَ اليهود بالأمرين ليسَ بشيءٍ؛ لإشراكهم بالله عزيرًا، ووصفِهم اليومَ الآخَر بخلافِ صفتهِ، وكذا: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ تعريضٌ بأنهم مداهنون.

стр. 914

﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ تعريضٌ بأنهم متباطئون عنها لقلَّةِ رغبتهم فيها، إذ كل مَن رغِب في شيءٍ يسارعُ في تولِّيهِ (١) والقيام بهِ. والمسارعةُ: المبادرةُ، والخيراتُ عامةٌ تشمل هذه الأوصافَ السابقة، وإتيانُها على صيغةِ المضارعِ للدلالة على التجدُّدِ والتكرُّرِ. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: إشارةٌ إلى مَن اتصفَ بهذه الأوصافِ. ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حقيقةُ الصلاحِ هي (٢) انتفاء الفسادِ عنه (٣) بالكليةِ، وهو نهاية كمالِ الوصف بالمحاسنِ، وهو مما مدحَ اللّهُ به أنبياءه ﵈، لمَّا عدد الخصائصَ التي (٤) يُستَحقُّ بها الثوابُ، بالغَ في تعظيم جزائها للترغيبِ فعدَّمَها بقولِه: * * * (١١٥) - ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾: حيث أتى بالتنكيرِ للتقليلِ (٥)؛ أي: وإن كانَ قليلًا، وجعلَها نعمًا فاستعمَلَ في مقابلتها انتفاءَ الكُفران؛ ليكونَ من الاستعارةِ بالكناية، ويستلزمُ كونَ اللَّه تعالى شاكرًا. ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: فلن يُضيَّعَ ولا يُنقصَ ثوابهُ البتة.

стр. 915

ضمِّنَ الكُفران معنى الحرمانِ فعُدِّي (١) إلى مفعولينِ، وفي هذا التضمينِ زيادةُ تنزيهٍ أن يُنسبَ إلى اللَّه تعالى معنى الكفران؛ لأنَّ تقديرَهُ: لن تحرمُوه مكفورِينَ. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: وعدٌ وبشارةٌ (٢) لهم بالفوزِ والثوابِ الجزيل، وإشعارٌ بأن التقوى مبدأ الخيرِ وحسنِ العملِ. * * * (١١٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ من العذاب، أو من الغَناءِ فيكونُ مصدرًا. ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: مُلازموها. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دون فُسَّاقِ المؤمنين. * * * (١١٧) - ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾: ما ينفِقُ الكفرةُ قربةً، أو (٣) مفاخرةً وسمعةً، أو المنافقونَ رياءً وخوفًا. ﴿فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾: بردٌ شديدٌ، والشائع إطلاقهُ للريح
следующие страницы →