الإمامُ من إعطاء الأمانِ في مقابلةِ أخذ مالٍ، أو لمصلحةٍ أُخرى، والاستثناءُ من أعمِّ الأحوال؛ أي: لا عزَّ لهم إلا هذا العزُّ، وهوَ على طريقةِ:
ولا عَيبَ فيهم غَيرَ أنَّ سُيوفَهمْ (١)
لأنَّ التمسُّكَ بإحدى الذمَّتين غاية الذلِّ.
ومَن فسَّرَ إحدى الذمتين بدين الإسلامِ، والأُخرى بسبيلِ المؤمنين إجراءً للاستثناءِ على ظاهره فيَرِدُ (٢) عليهِ أنَّ سبيل المؤمنينَ هو دين الإسلامِ بعينِه، فلا يناسبُه تكريرُ ذكر الحبلِ.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: ورجعوا مستوجِبين له (٣).
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ لم يقُل: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] كما قالَ في سورة البقرة؛ لأنهُ أراد تفصيلَ حالِ ذلَّتِهم (٤) بالمبالغةِ فيها بخلافِ حالِ مسكنتِهم فإنها باختيارِهم في الغالب، فإن الأغنياءَ كثيرٌ في اليهودِ إلا أنهم لا يُظهِرُون غناهُم.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما ذكِرَ من ضربِ الذلةِ، والبَوءِ بالغضبِ، وضرب المسكنةِ.
стр. 912
﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قد تقدَّم تفسيرُه في سورة البقرة.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الكفرُ والقتلُ.
﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: بسببِ عصيانهم واعتدائهم حدودَ اللهِ على الاستمرار، فإنَّ الإصرارَ على الصغائرِ يُفضي إلى الكبائر، والاستمرارَ عليها يؤدِّي إلى الكفر.
وقيلَ: كرَّرَ الإشارةَ والمشارُ إليه واحدٌ إشارةً إلى أن كل واحدٍ من الأمرين مستقل لإيجابِ الأمورِ المذكور من الذلّ والمسكنةِ، والبوءِ بغضبٍ عظيمٍ من اللَّه لو لم يكن الآخرُ، فكيفَ والأمران متعاضدانِ؟
وأريد بالأمرين: الكفرُ، ويندرجُ فيه قتلُ الأنبياء، والاستمرارُ على عدم الامتثالِ بالتكاليفِ، ومبنى هذا على أنهم مخاطبون بالفروعِ أيضًا.
* * *
(١١٣) - ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ في المساوِئ، والضميرُ لأهل الكتابِ.
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾ كلام مستأنَفٌ لبيانِ قولهِ: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ كقولهِ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ لبيانِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾.
﴿قَائِمَةٌ﴾: مستقيمةٌ عادلةٌ، مِن قولهم: أقمتُ العود فقامَ؛ أي: استقامَ، وهم الذين أسلَموا منهم.
стр. 913
﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ صفةٌ لـ ﴿أُمَّةٌ﴾، وكذا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾: يتلونَ القرآن في تهجُّدِهم، عبَّرَ عنه بالتلاوةِ في ساعات الليلِ مع السجودِ؛ ليكون أبينَ وأبلَغَ في المدح.
ويجوزُ أن تكون ﴿قَائِمَةٌ﴾ أحد تفاصيلِهِ؛ أي: قائمة في حال تلاوةِ الآيات بالليل.
وقيلَ: المرادُ صلاة العشاءِ؛ لأن أهل الكتابِ لا يصلونها على ما وردَ في حديث ابنِ مسعودٍ ﵁ (١).
* * *
(١١٤) - ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقولُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ في عدادِ خصائصِ المؤمنينَ تعريضٌ آخرُ بأن إيمانَ اليهود بالأمرين ليسَ بشيءٍ؛ لإشراكهم بالله عزيرًا، ووصفِهم اليومَ الآخَر بخلافِ صفتهِ، وكذا:
﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ تعريضٌ بأنهم مداهنون.
стр. 914
﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ تعريضٌ بأنهم متباطئون عنها لقلَّةِ رغبتهم فيها، إذ كل مَن رغِب في شيءٍ يسارعُ في تولِّيهِ (١) والقيام بهِ.
والمسارعةُ: المبادرةُ، والخيراتُ عامةٌ تشمل هذه الأوصافَ السابقة، وإتيانُها على صيغةِ المضارعِ للدلالة على التجدُّدِ والتكرُّرِ.
﴿وَأُولَئِكَ﴾: إشارةٌ إلى مَن اتصفَ بهذه الأوصافِ.
﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حقيقةُ الصلاحِ هي (٢) انتفاء الفسادِ عنه (٣) بالكليةِ، وهو نهاية كمالِ الوصف بالمحاسنِ، وهو مما مدحَ اللّهُ به أنبياءه ﵈، لمَّا عدد الخصائصَ التي (٤) يُستَحقُّ بها الثوابُ، بالغَ في تعظيم جزائها للترغيبِ فعدَّمَها بقولِه:
* * *
(١١٥) - ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾: حيث أتى بالتنكيرِ للتقليلِ (٥)؛ أي: وإن كانَ قليلًا، وجعلَها نعمًا فاستعمَلَ في مقابلتها انتفاءَ الكُفران؛ ليكونَ من الاستعارةِ بالكناية، ويستلزمُ كونَ اللَّه تعالى شاكرًا.
﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: فلن يُضيَّعَ ولا يُنقصَ ثوابهُ البتة.
стр. 915
ضمِّنَ الكُفران معنى الحرمانِ فعُدِّي (١) إلى مفعولينِ، وفي هذا التضمينِ زيادةُ تنزيهٍ أن يُنسبَ إلى اللَّه تعالى معنى الكفران؛ لأنَّ تقديرَهُ: لن تحرمُوه مكفورِينَ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: وعدٌ وبشارةٌ (٢) لهم بالفوزِ والثوابِ الجزيل، وإشعارٌ بأن التقوى مبدأ الخيرِ وحسنِ العملِ.
* * *
(١١٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ من العذاب، أو من الغَناءِ فيكونُ مصدرًا.
﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: مُلازموها.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دون فُسَّاقِ المؤمنين.
* * *
(١١٧) - ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾: ما ينفِقُ الكفرةُ قربةً، أو (٣) مفاخرةً وسمعةً، أو المنافقونَ رياءً وخوفًا.
﴿فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾: بردٌ شديدٌ، والشائع إطلاقهُ للريح
стр. 916
الباردِ كالصرصرِ، فهو (١) في الأصلِ مصدرٌ نعِتَ بهِ، أو نعتٌ وصِفَ بهِ البردُ للمبالغةِ؛ كما في قولك: بردٌ بارِدٌ.
﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكابِ المعاصي.
﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ عقوبةً لهم؛ لأنَّ الإهلاك عن سخطٍ أشدُّ، أرادَ تشبيهَ ما أنفقوا في ضَياعِه بحرثِ مَن يستحقُّ العقوبةَ ضربته صرٌّ فاستأصلَتهُ ولم يبقَ لهم فيهِ منفعة ما، وهو من التشبيهِ المركَّبِ، ولا يلزم منه (٢) أن يكونَ ما يلي الأداةَ هو المشبهَ بهِ، إلا أن تشبيهُ المثلِ بالمثلِ يستَدعي أن يُراعى فيما أُضيفَ إليه المثلُ في الجانبينِ المناسبةُ، على (٣) ما قُرِّرَ في: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] ولهذا قيل: تقدير (٤) الكلامِ: كمثلِ مهلكِ ريحٍ وهو الحرثُ.
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بعدَم قبول نفقاتهم ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بخبثِ نياتهم.
أو: ما ظلمَهم اللّهُ بإهلاك حرثِهم، ولكن ظلموا أنفسَهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبةَ.
وقرئ: (ولكنَّ) بالتشديد (٥)؛ أي: ولكِنَّ أنفسَهم يظلمونها، ولا يجوزُ إعمالها في ضميرِ الشأن المحذوفِ على تقديرِ: ولكنهُ أنفسَهم يظلمونَ؛ لأن ذلك لا يجوزُ إلا في الشعرِ (٦).
стр. 917
(١١٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾: وليجةً، وهوَ الذي يطلِعُهُ على باطنِه وسرِّه ثقةً بهِ، شُبِّهَ ببطانة الثوبِ، كما شُبهَ بالشعارِ في قولهِ ﵇: "الأنصارُ شعارِي والناسُ دثاري" (١).
﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾: من دونِ المسلمين، وهو متعلِّقٌ بـ ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، أو بمحذوفٍ وهوَ صفةُ ﴿بِطَانَةً﴾؛ أي: بطانةً كائنةً من دونكم.
﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾: الخَبالُ: الفسادُ، والأَلْو: التقصيرُ، وأصلُهُ (٢) أن يُعدَّى باللام، ثمَّ عُدِّي إلى مفعولَين كقولهم: لا آلوكَ نُصحًا، على تضمِين معنى المنعِ والنقصِ.
﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾: تمنَّوا عنتكم وهو شدَّةُ الضررِ والمشقةِ، و (ما) مصدريةٌ.
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾؛ لأنهم لامتلائهم بالبغضِ لا يتمالكُون أن يُخفوا ولا ينفَلتَ مِن أفواههم ما يَظهَرُ به بغضُهم وعداوتُهم مع ضبطِهم أنفسَهم وتحامُلِهم عليه (٣) وسعيِهم في الإخفاء.
стр. 918
وذَكرَ الأفواهَ دون الألسنةِ إشعارًا بأن ما يلفِظونَ بهِ يملأُ أفواههم؛ كما يُقالُ: قال (١) كلمةً تملأُ الفمَ. إذا تشدَّقَ بها.
﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ مما بدا، وفي نسبةِ البُدوِّ إلى البغضاءِ والإخفاءِ إلى صدورِهم إشعارٌ بأنهم مطبُوعونَ على النفاقِ، فما بدا إنما بدا (٢) بلا إبداءٍ، لا بالطبعِ ولا بالاختيارِ.
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: الدالةَ على وجوب الإخلاصِ، وموالاةِ المؤمنين، ومعاداةِ الكافرين.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ما نبيِّنُ لكم.
والجملُ الأربعُ مستأنفاتٌ على التعليلِ، ويجوزُ أن يكونَ الثلاث الأُوَلُ صفاتٍ لـ ﴿بِطَانَةً﴾.
* * *
(١١٩) - ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾: ﴿ها﴾ تنبيهٌ على خطئهم، و ﴿أُولَاءِ﴾ تحقيرٌ لهم وتعييرٌ؛ أي: أنتم أولاءِ الخاطئونَ في موالاةِ مُنافقي أهلِ الكتابِ.
وقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بيانٌ لخطئهم في موالاةِ مَن (٣) يبغضُهم، وهو خبرٌ ثانٍ أو خبرُ ﴿أُولَاءِ﴾، والجملةُ خبرُ ﴿أنتم﴾ أو صلَتهُ، أو حالٌ والعاملُ فيها معنى
стр. 919
الإشارةِ، ويجوزُ أن ينتصِبَ ﴿أُولَاءِ﴾ بفعلٍ يفسِّرُه ما بعدَه، وتكونَ الجملةُ خبرًا.
والواو في: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ واوُ الحالِ؛ تقديرُه: وأنتُم تؤمنونَ، والعامل (لا يحبونكم)؛ أي: لا يحبُّونكم والحالُ أنكم تؤمنونَ بكتابهم كلِّهِ، أو بجميعِ الكتبِ، وفيهِ توبيخٌ شديدٌ؛ أي: لا يحبُّونكم مع (١) كونكُم تؤمنون بكتابهم وهم لا يؤمنونَ بشيءٍ من كتابكُم، فهُم في باطلِهم أصلَبُ منكم في حقِّكُم.
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاقًا وتغريرًا.
﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: من أجله؛ تأسفًا وتحسرًا حيث لم يجدوا إلى التشفِّي سبيلًا.
﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾: دعاءٌ عليهم بدوامِ الغيظِ وزيادَتهِ، والمرادُ به زيادةُ ما يغيظُهم من قوةِ الإسلام وعزِّ أهلهِ المستلزمِ لذلهم وتبارِهم، فهوَ من الكناية (٢) بالواسطةِ؛ عبرَّ بدُعاء موتهم بالغيظِ عن ملزومه الذي هوَ دعاءُ ازديادِ غيظِهم إلى حدِّ الهلاكِ، وبه عن ملزومه الذي هو قوة الإسلامِ وعزُّ أهله، وذلكَ لأن مجرد الموتِ بالغيظِ وازدياده ليس مما يحسُنُ أن يُطلَب ويُدَّعى.
ويجوزُ أن لا يكونَ ثمة قولٌ، وأن يكون معنى الأمرِ بالقول: طلب نفسكَ وكن مستبشرًا بان الله تعالى يعِزُّ الإسلامِ ويذِلُّ الكفرَ، بحيثُ يزداد غيظ الكفار إلى حدِّ الهلاك، على ما سبَقَ من طريق الكنايةِ (٣)، وأصلُ الكلامِ استعارةٌ
стр. 920
تمثيليةٌ؛ شبَّه طيبَ النفسِ واستبشارَهُ بذلكَ بتحديثهِ نفسَهُ، وإعلامَها بذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: الأسرارِ التي لا تنكشِف أصلًا.
كُنِّيَ باللزومِ للصدورِ عن عدمِ الظهور البتة، والظاهرُ أَنَّهُ تذييلٌ لمجموع ما سبق من قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ إلى قولهِ: ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾، فهو وعيدٌ على إضمارِ مودَّتهم بعدَ النهيِ، وتقريرٌ لاطِّلاعِ الله تعالى على بواطنِهم، وإطلاعِهِ رسولَهُ ﵇ عليها، وتحذيرٌ لهم أيضًا كي يرجعوا عن نفاقهم.
* * *
(١٢٠) - ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾: التنكيرُ في الحسنةِ للتحقيرِ، وفي السيئةِ للتعظيمِ، والمسُّ مُنبئ عن أدنى مراتبِ الإصابةِ، فالمعنى: أن الحسنةَ أيَّ قدرٍ كانَ ولو مِساسًا يسوءهم، وأما الفرحُ (١) بالسوءِ فلا يكون إلا بالوصولِ التامِّ بحيث يُعتدُّ بهِ؛ لأنَّ مقامَ مبالغةِ الحسد والغيظِ يقتضِي ذلك، فمن وهَم أنَّ المسَّ مستعارٌ للإصابة فكانَ المعنى واحدًا فقد وهِمَ.
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على عداوَتهم (٢).
﴿وَتَتَّقُوا﴾ مُوالاتَهم.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ بفضلِ اللّهِ وحفظه.
(١٢٢) - ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿إِذْ هَمَّتْ﴾ بدلٌ من ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾.
﴿طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾ بنو سَلِمةَ من الخزرجِ، وبنو حارثةَ من الأوس، وكانا جناحَي العسكر.
﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾؛ أي: قصدَتْ أن تفعلا فعلَ مَن فشِلَ، وهوَ الانصرافُ وتركُ القتالِ، وهو للخطرةِ هنا لا للعزمَةِ؛ لقولهِ:
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؛ أي: عاصِمُهما من اتِّباع تلك الخطرَةِ، وكان ذلكَ عند انخزالِ ابن أبيٍّ في ثلاث مئةٍ من قومِهِ.
﴿اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ تقديمُ (على اللّهِ) للتخصيصِ؛ أي: فلا يتوكلِ المؤمنونَ إلا على اللّهِ؛ لينصُرَهم كما نصرهم يوم بدرٍ.
وإنما جمعَ بين الحرفينِ في عطفِ الجملةِ على الجملةِ لتقدُّمِ العلةِ للاختصاصِ؛ فالواوُ للعطفِ، والفاء لإفادةِ التسبُّبِ، فإنَّ كونَهُ تعالى وليَّهُم سببٌ للتوكلِ عليهِ خاصةً، والعدولُ عن الضميرِ إلى الاسمِ الظاهر للتفخيمِ المناسب لمقام الأمرِ بتخصيصِ التوكُّلِ عليه.
* * *
(١٢٣) - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾: تذكيرٌ ببعضِ ما أفادَهم التوكُّلُ على اللّهِ تعالى، وبدرٌ: ماءٌ بينَ مكةَ والمدينةِ كانَ لرجلٍ يُسمَّى بدرًا فسُمِّي بهِ.
﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾: حالٌ من الضميرِ، وإنما أورد ﴿أَذِلَّةٌ﴾ على صيغةِ جمعِ قلةٍ ليدلَّ
стр. 923
على أنهم معَ ذلَّتِهم كانوا قليلًا، وذلتُهم: ما كان بهم مِن ضعف الحالِ لقلَّةِ المركوبِ والسلاحِ والمالِ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بالثباتِ مع رسولهِ (١).
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: بتقواكُم ما أنعَمَ به عليكُم من نصرته، أو: لعلَّكُم ينعم اللّهُ عليكم نعمةً أخرى تشكُرونها، فوضَع الشكرَ موضعَ الإنعام كونه سببًا لهُ.
* * *
(١٢٤) - ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾.
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: ظرفٌ لـ ﴿نَصَرَكُمُ﴾، أو بدلٌ ثانٍ من ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾، على أنَّ قولَهُ: لهم يوم أحدٍ، وكانَ مع اشتراطِ الصبرِ والتقوى عنِ (٢) المخالفةِ، فلما لم يصبروا عن الغنائمِ وخالفُوا أمرَ الرسولِ ﵇ لم تنزِل الملائكةُ.
﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾: إنكارُ أن لا يكفيَهم الإمدادُ ثلاثة آلافٍ من الملائكةِ، وتأكيد النفي بـ (لن) إشعارٌ بأنهم كانوا لقلَّتِهم وضعفِهم، وكثرةِ عدوِّهم وشوكَتِه، كالآيسينَ من النصرِ.
قيلَ: أمدهم اللّهُ تعالى يوم بدرٍ أولًا بألفٍ، ثم صاروا ثلاثةً، ثم صاروا خمسةً.
وقرئ: ﴿مُنزَّلين﴾ بالتشديدِ (٣) للتكثيرِ أو للتدريجِ، وقرئ: (منزِّلِينَ) بكسر الزاي (٤)؛ أي: منزلين النصر.
стр. 924
(١٢٥) - ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾.
﴿بَلَى﴾: إيجابٌ لما بعدَ (لن)؛ أي: بلى يكفيكُم، ثم وعدَ لهم الزيادةَ على الصبرِ والتقوى حثًّا عليهِما، وتقويةً لقلوبهم؛ فقالَ:
﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ﴾؛ أي: المشركون.
﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾: من ساعتهم (١) هذهِ، وهوَ في الأصلِ مصدرُ: فارَتِ القِدْرُ؛ إذا غَلَتْ، فاستُعيرَت للسرعةِ في العرفِ فغُلِّبت (٢)، ثمَّ سميت بهِ الحالُ التي لا لَبْثَ فيها ولا تعريجَ لصاحبِها على شيءٍ.
والمعنى: إن يأتوكُم في الحالِ ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾: في حالِ إتيانهم بلا تراخٍ وتأخيرٍ.
﴿مُسَوِّمِينَ﴾: معلَّمينَ، من التسويمِ الذي هوَ إظهارُ سِيْما الشيءِ؛ لقولهِ ﵇ لأصحابهِ ﵃: "تسوَّموا فإنَّ الملائكةَ قد تسوَّمت" (٣)، أو: مرسَلين، منَ التسويمِ بمعنى الإسامةِ.
وقرئَ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسرِ الواوِ (٤).
* * *
стр. 925
(١٢٦) - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾: وما جعلَ الوعدَ والإمدادَ، ومَن قال: وما جعلَ الإمدادَ؛ فكأنهُ غفِلَ عن أن البشارةَ قد حصلَ بالوعدِ بالإمدادِ (١).
﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾: إلا بشارةً لكُم بالنصرِ، هذا غايةٌ للوعدِ.
وقولُهُ: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾: ولتسكُن (٢) إليه من الخوفِ، غايةٌ للإمدادِ (٣).
وللتنبيهِ على أنهما غايتانِ لأمرَين مختلفَينِ غيَّرَ الأسلوبَ، وفصَل بينَهُما بحرفِ التعليلِ.
هذا ما بحسبِ البلاغةِ، والذي بحسبِ النحوِ هو أنه لما (٤) وُجدَتْ شروطُ المفعولِ مِن أحدٍ (٥) من اتحادِ الزمان والفاعلِ في الأول دونَ الثاني، دخلَ عليه اللامُ، ولم يدخُل على الأولِ.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا منَ المَددِ والعُددِ، وفيه تنبيهٌ على أنه لا حاجةَ في نصرِهم (٦) إلى مددِهم (٧)، إلا أن عادتَهُ تعالى جرَت بأن ينصُرَ بإعدادِ الأسبابِ، وإمدادِ الأصحابِ، ولو بتكثيرِ السوادِ على ما أشارَ إليها بقوله:
стр. 926
﴿الْعَزِيزِ﴾: الذي لا يُغالَبُ في أقضِيتهِ.
﴿الْحَكِيمِ﴾: الذي يفعلُ على مقتضَى الحكمةِ بإمدادٍ وإعدادٍ، وفي التنبيه المذكور أدمجَ الإشارةَ إلى أن الملائكةَ ما نزلوا للقتالِ، بل لمجردِ تكثير السواد، ولذلك احتيجَ إلى الكثرةِ، وإلا فملَكٌ واحدٌ كافٍ في إهلاك الكلِّ.
* * *
(١٢٧) - ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متَعَلِّقٌ بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: ليُهلِكَ طائفةً منهم، ويذِلَّ بالقتل والأسرِ، وهو ما كان يومَ بدرٍ من قتلِ سبعين وأسرِ سبعينَ من صناديدِ قريشٍ ورؤسائهم.
﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾: يخزِيَهم، وَيغيظَهم بالهزيمةِ.
﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: غيرَ ظافرين بمطلوبهم.
* * *
(١٢٨) - ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾: اعتراضٌ.
﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾: عطفٌ على قولِهِ: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، والمعنى: إن اللّهَ تعالى مالكُ أمرِهم؛ فإما أن يهلِكَهم، أو يكبِتَهم، أو يتوبَ عليهم إن أسلَموا، أو يعذِّبهم إن أصرُّوا، وليسَ لك مِن أمرهم شيءٌ، وإنما أنتَ عبدٌ مأمور بإنذارِهم وجهادِهم.
ويحتمِلُ أن يكونَ معطوفًا على ﴿الْأَمْرِ﴾ بإضمارِ (أن)؛ أي: ليس لك من أمرهم أو منَ التوبةِ عليهم أو مِن تعذيبِهم شيءٌ، أو على ﴿شَيْءٌ﴾؛ أي: ليسَ لك من أمرِهم شيءٌ أو التوبةُ عليهِم أو تعذيبُهم.
стр. 927
روي أن عُتبة بن أبي وقَّاصٍ شجَّهُ ﵇ يومَ أحدٍ، وكسَرَ رَباعيَتهُ، فجعلَ يمسحُ الدمَ عن وجهِهِ، ويقولُ: "كيفَ يُفلِحُ قومٌ خضَبوا وجهَ نبيِّهِم بالدمِ؟! " فنزلَتْ (١).
﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾: قد استحقُّوا التعذيبَ بظُلمهم، تعليلٌ للتعذيبِ.
* * *
(١٢٩) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: خَلقًا ومُلكًا فَله الأمرُ كلُّهُ.
﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: صريحٌ في نفيِ وجوبِ شيءٍ من المغفرةِ والتعذيبِ، والتقييدُ بالتوبةِ وعدَمِها كالمنافي لهُ، وتقديمُ المغفرةِ للإشارةِ إلى سَبق الرحمةِ على الغصبِ.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لعبادِه، فلا تبادِرْ إلى الدعاءِ عليهم، قيل: همَّ ﵇ أن يدعوَ عليهم يومَ أحدٍ، فنهاهُ اللّهُ تعالى لعلمِه بان فيهم مَن يؤمِن، فنزلَت (٢).
* * *
(١٣٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾: لا تزيدوا زياداتٍ مكرَّرةً، والتخصيصُ بحسب الواقع، ولا بدَّ له من نكتةٍ، ولعلها تمشِيةُ ما قُصدَ
стр. 928
بتخصيصِ الخطابِ بالمؤمنينَ معَ عدمَ اختصاصِ النهي بهم منَ التنبيهِ على أن المؤمنَ بارتكابِ الكبيرة لا يخرُجُ عن الإيمانِ (١).
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما نُهيتُم عنهُ.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: راجِينَ الفلاحَ.
* * *
(١٣١) - ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ تخصيصٌ بعد التعميمِ؛ فإن اتقاءَ الله تعالى ينتظِمُ اتقاءَ سخطِهِ في الدارين.
ولا يخفَى على الفَطِنِ ما فيه من المبالغةِ في التهديد على الربا؛ حيثُ أتى بـ (لعل) في فلاحِ مَن اتقاهُ واجتنبَهُ؛ لأنَّ تعليق إمكانِ الفلاح ورجائهِ بالاجتناب (٢) منه يستلزمُ امتناعَ الفلاح لهم إذا لم يجتنِبُوه ويتَّقوهُ مع إيمانهم، ثمَّ أوعدَ عليهم بالنارِ التي أُعدَّت للكافرينَ معَ كونهِم مؤمنينَ.
فما أعظَمها من معصيةٍ تُوجِبُ عقاب الكفارِ للمؤمنينَ، وما أشدَّهُ من تغليط عليه!
ثم أمدَّ التغليظ بالأمرِ بطاعةِ الله تعالى ورسولِهِ ﵇ تعريضًا بأنَّ آكلَ الربا منهمِكٌ في المعصيةِ لا طاعة لهُ، ثمَّ علَّقَ رجاءَ المؤمنين لرحمَتهِ (٣) بطاعةِ اللّهِ ورسولِهِ
стр. 929
إشعارًا بأنهُ لا رجاءَ للرحمةِ مع هذا النوعِ من العصيانِ، فانظر كيفَ درَّجَ (١) التغليظَ في التهديدِ حتَّى ألحقَهُ بالكفارِ في الجزاءِ والعقابِ.
وأما ما قيلَ: فيهِ تنبيهٌ على أن النارَ بالذاتِ معدَّةٌ للكفارِ، وبالعَرَض للعصاةِ، فمبناهُ على أن يكونَ المرادُ نار جهنمَ مطلقًا، وذلك غيرُ مسلَّمٍ، وقد نبَّهتُ فيما تقدَّمَ على أن المناسبَ للمقام حملُها على نارٍ مخصوصة بالكفارِ (٢).
* * *
(١٣٢) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: في نهيهِ على الربا مجمَلًا.
﴿وَالرَّسُولَ﴾ في بيانِ ذلك المجمَلِ.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أَتبع (٣) الوعيدَ بالوعدِ ترهيبًا عن المخالفةِ، وترغيبًا في الطاعةِ، و (لعلَّ) و (عسى) في أمثالِ ذلك دليلُ عزةِ التوصلِ إلى ما جُعِلَ خبرًا (٤) له.
* * *
(١٣٣) - ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾: بادروا وأقبِلُوا.
стр. 930
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: إلى ما تُستَحقُّ به المغفرةُ من الإسلامِ والتوبةِ والإخلاصِ، تُركَ الملزومُ وأُقيمَ اللازمُ مقامهُ للتشويقِ والتحريضِ على ما يوجبُهُ، ولتكونَ سرعةُ الإقبالِ عليه بالنشاطِ مع خفتِهِ على النفس.
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: أي: عرضُها كعرض السماواتِ والأرضِ، كما قال في موضعٍ آخرَ: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١].
قالَ ابن عباسٍ والحسنُ: إن السماواتِ والأرضَ إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ فعرضُ الجنةِ مثلُها (١)، فأما الطولُ فأكبرُ من ذلك؛ لأن طول كل شيءٍ يزيدُ على عرضه.
وقيلَ: العرضُ هو السعةُ، قال الشاعرُ:
كأنَّ بلادَ اللّهِ وهيَ عريضةٌ … على الخائفِ المطلُوبِ كُفَّةُ حابلِ (٢)
أي: واسعةٌ.
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾: هيِّئت لهم صفةٌ أخرى للجنة (٣)، وفيهِ دليل على أن الجنةَ مخلوقةٌ، وأما أنها خارجةٌ عن هذا العالمِ فلا دلالة عليهِ فيهِ؛ إذ يجوزُ أن تكون فوق السماوات دونَ العرشِ، وقد جاءَ في الحديثِ: "سقفُ الجنةِ عرشُ الرحمنِ" (٤).
* * *
стр. 931
(١٣٤) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾: صفةٌ مادحةٌ للمتقينَ، أو مدحٌ منصوبٌ أو مرفوعٌ.
﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾؛ أي: في حالِ الرخاءِ واليسرِ، وحالِ الضيقِ والعسر، لا يهملونَ إنفاقَ ما تيسَّرَ لهم، أو في الأحوال كلِّها؛ إذ الإنسان لا يخلو عن مسرَّةٍ ومَضَرةٍ؛ أي: لا يخلو في حالٍ ما من إنفاقِ ما قدروا عليهِ من القليل والكثيرِ.
وقدَّمَ الإنفاقَ على سائر خصالِ المتقينَ لكونهِ أشقَّ على النفسِ، وأدلَّ على الإخلاصِ والتوكُّلِ، ولأنه كان أعظمَ أعمال البرِّ في ذلك الوقتِ للحاجةِ إليه في مجاهدةِ العدوِّ، ومواساة فقراءِ المسلمينَ.
﴿وَالْكَاظِمِينَ﴾: المتجرِّعينَ، يقالُ: كظَم البعيرُ جِرَّتهُ: إذا ردَّها إلى جوفِهِ.
﴿الْغَيْظَ﴾: وهو توقُّدُ حرارةِ القلبِ من الغضبِ، يقالُ: تغيَّظتِ الهاجرةُ؛ إذا اشتدَّ حميُها، ويجوزُ أن يكون مِن كظَمتُ القِربةَ: إذا شددتَها على ملئها (١)، والأول أبلغُ.
ومَن قالَ (٢) في تفسيره: الممسِكينَ عليهِ، الكافِّينَ عن إمضائهِ معَ القدر عليهِ، فلَم يُصِب في اعتبارِه القيدَ الأخيرَ؛ لأنهُ غيرُ لازمٍ في كظمِ الغيظِ، على ما يُفهَم من قولهِ ﵇: "مَن كظَم غيظًا وهو يقدِرُ على إنفاذِه ملأَ اللَّه قلبَهُ أمنًا وإيمانًا" (٣).
стр. 932
﴿وَالْعَافِينَ﴾؛ أي: المتجاوِزينَ.
﴿عَنِ النَّاسِ﴾؛ أي: عن الجاني (١) كائنًا مَن كان.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: يحتمِلُ الجنسَ فيدخلُ المذكورون تحتَهُ، والعهدَ فتكونُ الإشارةُ إليهم، فيكون تسجيلًا عليهم بالإحسانِ، وبشارةً لهم بكرامةِ محبةِ اللّهِ تعالى إيَّاهُم.
* * *
(١٣٥) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: فعلةً بالغةً في القبحِ؛ كالزنا.
﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بأن أذنبوا أيَّ ذنبٍ كانَ.
وقد قيلَ: الفاحشةُ: الكبيرةُ، وظلمُ النفسِ: الصغيرةُ.
وقيلَ: الفاحشةُ ما يتعدَّى، وظلمُ النفسِ ما لا يتعدَّى.
﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾: تذكَّروا حقَّهُ الموجبَ للخشيةِ والحياء منهُ، أو: تذكَّروا عقابَهُ، أو وعيدَهُ، أو نهيَهُ.
﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾ اللَّه (٢) ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ فتابوا عنها نادِمين.
﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ اعتراضٌ بينَ المعطوفَينِ؛ تصويبًا للتائبينَ المستغفرينَ، وتطييبًا لقلوبهم، وبشارةً لهم بوصفِ ذاتهِ تعالى بسعةِ المغفرةِ
стр. 933
والرحمةِ (١)، وتحريضًا لهم على التوبةِ (٢)، وبعثًا على الرجاءِ، وردعًا عن اليأس.
ومعنى الاستفهامِ: تقريرُ أنه تعالى وحدَه مخصوصٌ بموجباتِ المغفرةِ ومصحِّحاتها؛ من الفضلِ، والكرمِ، والعفوِ، والرحمة الذاتيَّةِ.
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾: ولم يقيمُوا على أفعالهم السيئةِ غيرَ مستغفرينَ؛ أي: تداركوا بالاستغفارِ كلما عادوا إلى الذنبِ.
عن النَّبِيِّ ﷺ : "ما أصرَّ من استغفرَ وإن عادَ في اليومِ سبعينَ مرةً" (٣).
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: حالٌ من فعلِ الإصرارِ، وحرفُ النفي منجرٌّ لهما (٤) معًا؛ أي: ليسوا مصرِّينَ على الذنوب وهم يعلمونَ كونها منهيًّا عنها؛ لأنهُ قد يعذَرُ من لا يعلَمُ قُبحَها وكونَها معاصي.
* * *
(١٣٦) - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: خبرٌ لـ (الذينَ) إن ابتدأتَ بهِ، وجملةٌ مُستأنفةٌ مبيِّنة لِمَا قبلَها إن عطفتَها على ﴿الْمُتَّقِينَ﴾، أو على ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾.
стр. 934
ومَن أذعنَ للحقِّ وأَنصف (١)، وبالتجنُّبِ عن التعسفِ والتعصُّبِ اتَّصف، علِمَ أنْ ليس في هذه الآيات سوى أن الجنةَ أُعدَّت للمتقينَ والتائبينَ، أو للمتقينَ خاصةً والتائبونَ أجرُهم مغفرةٌ وجنةٌ، إما معَ سكوتٍ عن حكم المصرِّينَ، أو دلالةٍ ظنيةٍ (٢) على أنهم ليسوا كذلكَ، ولا نزاع في أن الجنةَ ليست مُعدَّةً لهم ولا جزاءَهم، لكن مِن أين البيانُ القاطعُ أنهم لا يدخُلون البتة، وأنَّه لا يجوزُ في حقِّهم التفضُّلُ والإحسان (٣)؟!
على أنَّ الكلام وارِدٌ لترهيبِ أكَلةِ الربا أولًا، وترغيبِهم في الإقلاعِ عنه ثانيًا، فالتقييدُ بعدم الإصرارِ ليلائمَ الغرضَ، فينتَفِي (٤) شرطُ مفهومِ المخالفةِ وهو أن لا يظهَرَ فائدةٌ أُخرى.
وتنكُير ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ على الأولِ يدُلُّ على أن ما لهم أدوَنُ مما (٥) للمتَّقِينَ الموصوفين بتلكَ الصفاتِ المذكورةِ في الآية المتقدمةِ.
وكفاك فرقًا بينَ القبيلين (٦): أنه فصَلَ آيتَهم بأنْ بيَّنَ أنهم محسِنون مستوجِبونَ لمحبة اللّهِ تعالى، وذلك لأنهم حافظوا على حدودِ الشرعِ، وتخطَّوا إلى التخصيصِ بمكارمه، وفصَلَ آيةَ هؤلاءِ بقوله تعالى:
﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ لأنَّ المتدارِكَ لتقصيرِه كالعامل لتحصيلِ بعض ما فوَّتَ
стр. 935
على نفسهِ، وكم بينَ المحسِن والمتدارِكِ، والمحبوبِ والأجيرِ، ولعلَّ تبديلَ لفظِ (الجزاء) بـ (الأجرِ) لهذه النكتةِ.
والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ تقديرُهُ: ونعمَ أجرُ العاملِينَ (١) ذلكَ، يعني: المغفرةَ والجناتِ.
* * *
(١٣٧) - ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
رجعَ إلى وقعةِ أحدٍ وما نابَهم فيها، فقالَ:
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: في الأممِ المكذِّبينَ من الوقائعِ، كقوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] ويجوزُ أن يكون اعتراضًا للتحريضِ على الإيمانِ والتصديق بما نصحَهم بهِ؛ أي: مضَت على هذا المنهاجِ سننٌ من الأنبياءِ السابقين.
﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: عاقبةُ تكذيبهم، حتَّى تعتبروا بما ترون من آثارِ عذابهم فتنزَجِروا عن التكذيب وتصدِّقوا، والفاء لتضمُّن الكلامِ (٢) معنى الشرطِ؛ أي: إن شكَكْتم فسيروا.
* * *
(١٣٨) - ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ إشارةٌ إلى قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾، أو مفهومِ قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾، أو (٣) إيضاحٌ لسوءِ عاقبةِ ما هم عليه من التكذيبِ.
стр. 936
﴿وَهُدًى﴾: وزيادةُ تثبيت ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾: للَّذين اتَّقوا من المؤمنينَ.
أو إلى ما لُخِّصَ (١) من أمرِ المتقين والتائبينَ والمصرِّين.
* * *
(١٣٩) - ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾: تسليةٌ للرسولِ ﷺ والمؤمنينَ عما أصابهُم يومَ أحدٍ، وتقويةٌ لقلوبهم؛ أي: لا يُوْرثنَّكم ذلك وهنًا وجُبنًا عن الجهاد، وحُزنًا على من قُتِلَ منكم.
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: وحالُكم أنكم أعلى منهم وأغلَبُ؛ لأنكُم أصبتم منهم يوم بدرٍ أكثرَ مما أصابوا منكم يومَ أحدٍ.
أو: أنتم الأعلَون شأنًا؛ لأن قتالكم للّهِ تعالى ولإعلاء كلمته، وقتالهم للشيطانِ وإعلاءِ كلمة الكفر، وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار.
أو: وأنتم الأعلون في العاقبةِ، فيكُون بشارةً لهم بالعلوِّ والغلَبةِ في العاقبةِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: متعلِّقٌ بالنهي؛ أي: ولا تهِنوا إن صحَّ إيمانكم؛ فإنَّ صحةَ الإيمانِ توجِبُ الثقة باللّهِ تعالى، وقوَّةَ القلبِ، وصحَّةَ العزيمةِ والتوكُّلَ عليهِ، حذِفَ جوابه لدلالةِ النهي عليهِ؛ تقديرُهُ: إن كنتم مؤمنين فلا تهِنوا.
أو بـ ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾؛ أي: أنتم الغالبون إن كنتُم مصدِّقينَ بما يعدكمُ اللّهُ به، ويبشِّركم به.
* * *
стр. 937
(١٤٠) - ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ قرئ بالضم والفتح (١)، وهما لغتان كالضَّعفِ والضُّعفِ.
وقيلَ: هو بالضم الجِراحُ، وبالفتح ألمُها.
وقيل: بالفتحِ المصدَرُ، وبالضمِّ الاسمُ.
﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾؛ أي: إن نالوا منكم يومَ أحدٍ فقد نلتُم منهم يومَ بدرٍ، ثم لم يضعُفوا ولم يجبُنوا، فأنتُم أولى بذلكَ؛ فإنكم ترجُونَ من اللهِ تعالى ما لا يرجونَ.
وقيل: كِلَا المسَّين كان يوم أحدٍ؛ فإن المسلمينَ نالوا منهم قبلَ أن يخالفوا أمرَ الرسول ﵇، وقوله: ﴿مِثْلُهُ﴾ لا ينافي المعنى الأولَ؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ لأنَّ الإصابةَ تنتظِمُ الأسرَ والمماثلَةَ في مسِّ الجرح (٢)، وما يترتَّبُ عليهِ منَ القتلِ فقط.
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ (تلك) إشارةٌ إلى مبهَمٍ فسِّرَ بالأيامِ؛ وهي الوقائعُ العظام.
﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: نُصرِّفُها بينهم، نُدِيلها لهؤلاء تارةً، ولهؤلاء أُخرى، كقوله (٣):
فيومًا علينا ويومًا لنا … ويومًا نساء ويومًا نُسَر (٤)
стр. 938
أي: فواقعة علينا، وواقعة لنا، وقت نُساءُ ووقت نُسرُّ.
والمداولَةُ كالمعاورَةِ يقالُ: داولتُ الشيءَ بينهُم فتداولُوه.
و ﴿الْأَيَّامُ﴾ يحتمِلُ الوصفَ والخبَرَ، و ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ يحتمِلُ الخبرَ والحالَ (١).
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: عطفٌ على علةٍ محذوفة؛ أي: نداولها ليكُون كيتَ وكيتَ وليعلم اللَّه، فالواو عاطفةٌ للإيذانِ بأن العلةَ فيه غيرُ واحدةٍ، وإنما يصيبُ المؤمنَ فيه من المصالحِ ما لا يعلَمُه.
وفيه تسليةٌ لهم عما جرى عليهم، وتبصير (٢) بأن العبدَ ربما يسوءه شيءٌ، ويجري عليهِ من المكارِه، ولا يدري أَنَّهُ خيرٌ له، أو الفعلُ المعلَّلُ بهِ محذوفٌ تقديرُه: وليتميَّز (٣) الثابتونَ على الإيمان منَ الذينَ على حرفٍ فعلنا ذلكَ، والقصدُ في أمثاله ونقائضه ليسَ إلى إثباتِ علمه تعالى ونفيِه، بل إلى إثباتِ المعلومِ ونفيِه بطريق البُرهان.
﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: وليكرِمَ قومًا منكم بالشهادةِ؛ يريدُ شهداءَ أحدٍ، أو: يتَّخِذَ منكم شهودًا معدَّلينَ بما صودِفَ منهم من الثباتِ والصبرِ على الشدائدِ.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: الذين يضمِرون خلافَ ما يظهرون. اعتراضٌ بين التعليلاتِ للتسجيل على مَن هو ليسَ من هؤلاءِ الثابتين على الإيمان المجاهدينَ (٤)
стр. 939
في سبيلِ اللّهِ الممحَّصين (١) من الذنوبِ بالظلم (٢)، والتنبيهِ على أنَّ ظُلمَهم أوجبَ أن يبغضَهم اللّهُ تعالى، والتعريضِ بأنه يحبُّهم لأجل تلك الصفاتِ (٣).
* * *
(١٤١) - ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: المحْصُ لغةً: التطهيرُ والتصفيةُ والتخليصُ، وصيغَةُ التفعيلِ للمبالغة؛ أي: وليطهِّرهم من الذنوبِ إن كانت الدَّولَةُ عليهم.
﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: ويهلِكَهم إن كانَت عليهم.
والمحْقُ: إفناءُ الشيء حالًا بعد حالٍ كمَحقِ الهلالِ.
* * *
(١٤٢) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: بل أحسِبتم، ومعناه الإنكارُ.
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (٤): الواوُ للحال بتقديرِ المبتدأ، و (لما) كلمةٌ في نفي الماضي، إلا أنَّ فيه معنى التوقُّعِ في المستقبلِ، فدلَّ على نفي الجهادِ في
стр. 940
الماضي مع توقُّعهِ في المستقبلِ؛ لأنَّ معنى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾: ولما يجاهدوا؛ لأنَّ وقوعَ الشيء يستلزِمُ كونه معلومًا للّه تعالى، ونفيُ اللازم يستلزمُ نفيَ الملزومِ، فنزِّلَ نفيُ العلم منزلةَ نفي الجهادِ للتأكيد والمبالغةِ؛ لأن انتفاءَ اللازمِ برهانٌ على انتفاءِ الملزومِ، وفيهِ إشعارٌ بأن علمَه تعالى بالأشياءِ على ما هيَ عليهِ ضروريٌّ.
وقرئ: (ولمَّا يعلمَ اللَّه) بفتح الميم على إرادة التأكيد بالنون الخفيفة (١)؛ أي: ولمَّا يعلمنْ، فحذفت (٢).
﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾: نصبٌ بإضمارِ (أنْ)، على أنَّ (الواو) بمعنى الجمعِ؛ كقولك: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ؛ أي: لما (٣) تجمعوا بين الجهادِ والصبر، يريد وجوبَ الجمع بينهُما.
وقرئ بالجزمِ على العطفِ، وقرئ: (يعلَمُ) بالرفع (٤) على أن الواوَ للحالِ؛ كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.
* * *
(١٤٣) - ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾؛ أي: لقاءَ العدوِّ فإنهُ من أسبابِ الموتِ، أو: الموتَ بالشهادة.
стр. 941
والخطابُ للذين لم يشهدوا بدرًا، وتمنَّوا أن يشهدوا معَ رسول اللَّه ﷺ مشهدًا ليكونَ لهم يومٌ كيومِ بدرٍ، أو تمنَّوا الشهادة فيهِ لينالوا ما نال شهداءُ بدرٍ من الكرامةِ فألحُّوا يومَ أحد على الخروجِ (١).
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾؛ أي: العدوَّ؛ فإنه ملحوظٌ وإن لم يكُن ملفوظًا (٢).
﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ حين قُتلَ دونَكم مَن قُتلَ من إخوانكم.
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: معايِنين له مشاهِدينَ؛ أي: لا على غفلةٍ واشتغالِ أمرٍ سواهُ؛ ففيه تأكيدٌ، وهو توبيخٌ لهم على تمنِّيهم الحربَ، وإلحاحِهم على رسولِ اللّهِ ﷺ في الخروجِ، ثم قلةِ مصابرتهم عليهِ، وعدم ثباتهم له، وانهزامِهم عنه عندَ (٣) مشاهدَتهِ، أو على تمنِّيهم الشهادةَ ثم تولِّيهم مُدبرين.
ومَن وهَم أن في تمنِّي الشهادةِ تمتِّي غلبةِ الكفار فقد وهِمَ؛ فإنهُ يقصِدُ إلى نيلِ كرامة الشهادةِ، ولا يخطُرُ بباله غلبةُ الكفارِ.
* * *
(١٤٤) - ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾: قصرُ الموصوف على الصفةِ يستلزمُ نفيَ سائر الصفاتِ التي فوقَ الرسالة عنه (٤)؛ أي: ليسَ بمُخلَّدٍ ولا إلهٍ حتَّى لا يمكنَ موتُه وقتلُه. ومعنى:
стр. 942
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: أنه (١) لا ينافي الرسالةَ المضيُّ لسبيلهِ، فسيمضي كما مضَتِ الرسلُ من قبله، وما كانَ مضيُّهم سببًا لانقلابِ أتباعِهم عما كانوا عليه، فسبيلُكم أن تتمسَّكُوا بدينِه وطريقتِه في الجهادِ وغيرِه كما تمسَّكَ أتباع الرسلِ بعدَهم بما كانوا عليهِ، فإنَّ المقصودَ من الرسالةِ التبليغُ لا البقاءُ بين الأمةِ، وقد بلَّغَ.
ثم عنَّفهم ووبَّخهم على ما كانَ منهم بقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ أتى بكلمة: (إنْ) وقد علِمَ أنه يكونُ تنزيلًا للسامع منزلةَ المتردِّدِ لاستعظامِه، وذكرَ القتل بقولِه:
﴿أَوْ قُتِلَ﴾ لكونِه مجوَّزًا عند المخاطبين، وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]- على تقديرِ نزوله قبلَ يوم أحدٍ - لا يأباهُ؛ إذ ليسَ كل آيةٍ يسمَعُها كل أحدٍ، ولا كلُّ سامع يستحضِرها في كلِّ مقامٍ؛ سيما مثل (٢) ذلك المقامِ الهائلِ.
﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ فحوى الكلامِ تفريعُ الإنكار على ما تقدم؛ أي: قد علمتُم مضيَّ الرسلِ، وتمسُّكَ أممهم بعدَهم بأديانهم، فكيفَ صحَّ انقلابُكم على أعقابكُم بمضيِّهِ بالموتِ أو القتلِ (٣)، إلا أنه قدَّمَ ما حقُّهُ التأخيرُ لاقتضاءِ أداة الاستفهامِ الصدارةَ في الكلامِ، لا إنكارُ التفريع على ما تقدَّمَ؛ لأن ذلك التفريعَ بمعزلٍ عن مذهبِ الأوهام، فردُّه لا يناسب المقام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قد سبقَ بيانه في سورة البقرة.
﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ بارتدادِه بل يضُرُّ نفسَه.
стр. 943
﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ على نعمةِ الإسلام بالثباتِ عليهِ؛ كأنسٍ وأضرابِه ﵃.
* * *
(١٤٥) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ﴾؛ أي: وما صحَّ لها.
﴿أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لملَكِ الموت في قبض روحِه.
لما كان السابقُ إلى الوهمِ والمتبادرُ إلى الفهمِ من إسنادِ الموتِ إلى الميتِ في قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ هو أن يكونَ الموتَ الواقعَ بلا سببٍ ظاهريّ من المرض والقتل بمقتضَى طبيعة الميتِ، دفعَهُ ببيان أن الموت مطلقًا لا يكونُ إلا بقبض الروحِ؛ وهو بإذن اللّهِ تعالى (١).
وليسَ فيه تحريضٌ وتشجيعٌ على القتال بناءً على أن الأجل المقدَّرَ لا يتأخَّرُ بالحذر، كيف وهو خلاف (٢) المأمورِ بهِ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وأما الوعدُ للرسولِ ﵇ بالحفظِ وتأخيرِ الأجَلِ فلا يُفهَمُ منه أصلًا.
﴿كِتَابًا﴾: مصدرٌ مؤكّدٌ؛ إذ المعنى: كتبَ الموتَ كتابًا.
﴿مُؤَجَّلًا﴾: صفةٌ لهُ؛ أي: مؤقَّتًا له أجلٌ معيَّن.
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: تعريضٌ بالذينَ شغلَتهم الغنائمُ يومَ أحدٍ.
стр. 944
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾؛ أي: من ثوابها.
﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾: الذين شكروا نعمةَ اللهِ فلم يَشغلهم شيءٌ عن الجهاد.
وحذِفَ المفعولُ الثاني في الموضعين لإبهامِ الجزاء تعظيمًا؛ أي: جزاءً لا يوصَفُ كنهه.
* * *
(١٤٦) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَكَأَيِّنْ﴾ أصله: (أيٌّ) دخلَت الكافُ عليها وصارَت بمعنى (كم)، والنونُ تنوينٌ أثبِتَ في الخط على غيرِ قياسٍ، وقرئ: ﴿وكائن﴾ ككاعن (١)، ووجهُه: أنهُ قلِبَ قَلبُ الكلمةِ الواحدةِ فصارَ (كيَّئن) (٢) ثم حذِفَ الياءُ الثانيةُ للتخفيفِ، ثمَّ أُبدلَتِ الياءُ الأُخرى ألفًا كما أُبدِلَت ياءُ (طائي) (٣).
﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ ﴿مِنْ﴾ بيانُ له.
﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الربِّيونَ: الربَّانيونَ، وقرِئَ بالحركاتِ الثلاثِ (٤)، فالفتحُ على القياسِ، والكسرُ والضمُّ مِن تغييراتِ النَّسبِ.
стр. 945
وقرئ: ﴿قُتِلَ﴾ (١) والفاعلُ ﴿رِبِّيُّونَ﴾، أو ضَميرُ النبيِّ و ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ حالٌ عنه؛ أي: قُتل (٢) كائنًا معه ربيونَ، ويؤيد الأولَ أنهُ قرئ بالتشديدِ (٣).
﴿فَمَا وَهَنُوا﴾: فما فتروا، ولم ينكسِر جِدُّهم (٤).
﴿لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: من الشدةِ وغلبة العدوِّ، وقتلِ الإخوانِ، أو قتلِ النبيِّ.
﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾: عن الجهادِ بعدَه (٥) لقوة (٦) اليقينِ، والثباتِ في الدينِ.
﴿وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾: وما خضعوا للعدوِّ.
قيل (٧): استكانَ: افتعَلَ من سكَنَ، والألفُ للإشباع؛ لأن معناهُ: خضَعَ وتذلَّلَ، والخاضعُ يسكن لصاحبه ليفعلَ به ما يريدُه.
وقيلَ: استفعَلَ من (كان) التامةِ؛ كأنَّ الخاضع يطلبُ من نفسِه أن يكون ويثبُتَ على ما يريدُ به صاحبُه.
والأول أقوى من حيثُ المعنى، ولكن لا يُساعِدُه وجوه الاشتقاق والتصريف، والثاني أصحُّ لفظًا وأضعَفُ من حيثما المعنى.
وهذا تعريضٌ بما أصابهم عندَ الإرجاف بقتله ﵇ من الوهنِ والضعفِ
стр. 946
عن الجهادِ، والاستكانةِ للمُشركين، حتى هموا أن يعتضدوا بالمنافق عبدِ اللّه بن أبيٍّ في طلب الأمان من أبي سفيانَ (١).
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ فينصُرهم وُيعظِمُ قدرَهم.
* * *
(١٤٧) - ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾: قراءةُ العامةِ ﴿قَوْلَهُمْ﴾ بالنصب. وإنما جعلوه خبرًا لأن ﴿أَنْ قَالُوا﴾ أعرَفُ لدلالتهِ على جهةِ النسبةِ وزمانِ الحدثِ.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ الإسرافُ: مجاوزة الحدِّ، وذكرَهُ بعد ذكر الذنوبِ للمبالغة في الاعترافِ بالذنبِ، وسوء الظنِّ بأنفسهم.
﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ على حاجة الجهادِ.
﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: وهو مدحٌ لهم أنهُم مع حسنِ العمل استغفَروا من الذنوبِ (٢) والخللِ؛ أي: وما كانَ قولَهم إلا هذا القولُ؛ أي: الاستغفارُ عن الذنوبِ والإسرافِ، وإضافتُهما (٣) إلى أنفُسِهم، وطلبُ تثبيتِ الأقدام في مواطنِ الحربِ والنصرةِ على العدوِّ، معتقدينَ أن الخُذلانَ وتزلزلَ القدمِ إنما يكونُ لذنوبهم، مقدِّمينَ عليهِ الاستغفارَ منهما هضمًا لأنفسهم واستقصارًا، مع كونهم ربيِّينَ، ليكونَ الدعاءُ مع الخضوعِ وزكاءِ النفس فيُقرَنَ بالإجابةِ، كما جاءَ بعده:
стр. 947
(١٤٨) - ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ﴾ بسببِ الاستغفارِ واللَّجاءِ إلى اللّهِ تعالى.
﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: من النصرةِ، والغنيمةِ، والعزِّ، وطِيبِ الذكر.
﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾: من الجنةِ وما فيها من النعيمِ، وخصَّ ثوابَها بالحُسن إشعارًا بفضلِه، وأنهُ المعتدُّ بهِ عندَه تعالى.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: هم محسنون واللّهُ يحبُّهم، ويحسِن (١) ثوابَهم.
* * *
(١٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾: نزلَت في قول المنافقِين عند الإرجافِ: ارجعوا إلى دينِكم وإخوانِكم، ولو كان محمدٌ نبيًّا لَمَا قتِلَ.
وقيل: إن تستكِينوا لأبي سفيان وأشياعِه وتستأمنُوهم يردُّوكم إلى دينِهم.
وقيلَ: عامٌّ في مطاوعةِ الكفرةِ والنزولِ على حُكمِهم، فإنه يستجِرُّ (٢) إلى موافقَتِهم.
* * *
(١٥٠) - ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.
стр. 948
﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: ناصرُكم دون غيرِه، فلا تميلون (١) إلى ولايةِ غيره ونُصرَته.
وقرئ بالنصبِ (٢) على تقديرِ: بل أطيعوا اللّهَ مولاكُم.
﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ فهو أحقُّ أن يُستعان بهِ.
* * *
(١٥١) - ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾.
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ هو بيانُ قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.
والرعبُ: الخوفُ الذي يملأُ القلبَ، يقولُ: وإن نالكم للحالِ بعضُ الشدةِ بعصيانكم سنُلقي في قلوبهم الرعبَ، فتكونُ العاقبةُ لكم بإيمانكم.
وقد (٣) حقَّقَ هذا الوعدَ فألقى في قلوبِ أبي سفيانَ وأصحابهِ الرعبَ، فلم يجيئوا في بدرٍ الصغرى بعد أن وعَدوا ذلك.
وقيلَ: يريدُ به ما قذفَ في قلوبهم من الخوفِ يومَ أُحدٍ حتى تركوا القتالَ وانهزموا إلى مكةَ من غيرِ سببٍ ولهم القوةُ والغلبةُ. ولا يساعدُ الخوفَ عبارةُ: ﴿سَنُلْقِي﴾.
﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾: بسببِ إشراكِهم به (٤).
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؛ أي: وعده (١) إياهم بالنصرِ بشرطِ الصبر والتقوى كما مرَّ في قوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلخ، وكانَ كذلك حتى خالفَ الرماةُ.
﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾: تقتُلونهم؛ مِن أحَسَّهُ: إذا أبطلَ حِسَّهُ.
﴿بِإِذْنِهِ﴾: بتيسيره.
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾: الخطابُ للكلِّ والمرادُ بعضُهم (٢)، على طريقة العربِ في نسبة ما يقَعُ من البعضِ إلى الجميعِ على سبيل التجوُّزِ.
والفشلُ: الجبنُ والضعفُ، و (حتى) حرفُ جرٍّ بمعنى: (إلى) داخلٌ على اسمٍ هو (إذا)، وقد عرفتَ أن معنى صدقِ الوعدِ النصرُ والإظفارُ، فلا يرِدُ أنه لا يصلُحُ غايةً؛ لأن وعدَهُ تعالى لا ينقلِبُ كذبًا.
وإنما قدم ذكره وهو مؤخَّرٌ وجودًا عنِ التنازع (٣) والعصيانِ للدلالةِ على أن الموعودَ لم ينتَهِ بتنازُعِهم وعصيانهم ما لم يجبُنوا، فالغايةُ في الحقيقةِ جُبنهم، وهذا يرجِّحُ الوجهَ المذكور على ما قيلَ: إن (إذا) لم يجرَّد عن معنى الشرطِ، وجوابُه محذوفٌ دلَّ عليهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ أي؛ منعَكُم نصرَهُ.
﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ يعني اختلافَ الرماةِ حين انهزمَ المشركونَ في أول الوهلةِ؛ فقالَ بعضُهم: فما موقفنا هاهُنا؟ الغنيمةَ الغنيمة، وقالَ آخرون: لا تخالِفُوا