عن الجهادِ، والاستكانةِ للمُشركين، حتى هموا أن يعتضدوا بالمنافق عبدِ اللّه بن أبيٍّ في طلب الأمان من أبي سفيانَ (١).
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ فينصُرهم وُيعظِمُ قدرَهم.
* * *
(١٤٧) - ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾: قراءةُ العامةِ ﴿قَوْلَهُمْ﴾ بالنصب. وإنما جعلوه خبرًا لأن ﴿أَنْ قَالُوا﴾ أعرَفُ لدلالتهِ على جهةِ النسبةِ وزمانِ الحدثِ.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ الإسرافُ: مجاوزة الحدِّ، وذكرَهُ بعد ذكر الذنوبِ للمبالغة في الاعترافِ بالذنبِ، وسوء الظنِّ بأنفسهم.
﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ على حاجة الجهادِ.
﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: وهو مدحٌ لهم أنهُم مع حسنِ العمل استغفَروا من الذنوبِ (٢) والخللِ؛ أي: وما كانَ قولَهم إلا هذا القولُ؛ أي: الاستغفارُ عن الذنوبِ والإسرافِ، وإضافتُهما (٣) إلى أنفُسِهم، وطلبُ تثبيتِ الأقدام في مواطنِ الحربِ والنصرةِ على العدوِّ، معتقدينَ أن الخُذلانَ وتزلزلَ القدمِ إنما يكونُ لذنوبهم، مقدِّمينَ عليهِ الاستغفارَ منهما هضمًا لأنفسهم واستقصارًا، مع كونهم ربيِّينَ، ليكونَ الدعاءُ مع الخضوعِ وزكاءِ النفس فيُقرَنَ بالإجابةِ، كما جاءَ بعده:
стр. 947
(١٤٨) - ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ﴾ بسببِ الاستغفارِ واللَّجاءِ إلى اللّهِ تعالى.
﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: من النصرةِ، والغنيمةِ، والعزِّ، وطِيبِ الذكر.
﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾: من الجنةِ وما فيها من النعيمِ، وخصَّ ثوابَها بالحُسن إشعارًا بفضلِه، وأنهُ المعتدُّ بهِ عندَه تعالى.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: هم محسنون واللّهُ يحبُّهم، ويحسِن (١) ثوابَهم.
* * *
(١٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾: نزلَت في قول المنافقِين عند الإرجافِ: ارجعوا إلى دينِكم وإخوانِكم، ولو كان محمدٌ نبيًّا لَمَا قتِلَ.
وقيل: إن تستكِينوا لأبي سفيان وأشياعِه وتستأمنُوهم يردُّوكم إلى دينِهم.
وقيلَ: عامٌّ في مطاوعةِ الكفرةِ والنزولِ على حُكمِهم، فإنه يستجِرُّ (٢) إلى موافقَتِهم.
* * *
(١٥٠) - ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.
стр. 948
﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: ناصرُكم دون غيرِه، فلا تميلون (١) إلى ولايةِ غيره ونُصرَته.
وقرئ بالنصبِ (٢) على تقديرِ: بل أطيعوا اللّهَ مولاكُم.
﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ فهو أحقُّ أن يُستعان بهِ.
* * *
(١٥١) - ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾.
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ هو بيانُ قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.
والرعبُ: الخوفُ الذي يملأُ القلبَ، يقولُ: وإن نالكم للحالِ بعضُ الشدةِ بعصيانكم سنُلقي في قلوبهم الرعبَ، فتكونُ العاقبةُ لكم بإيمانكم.
وقد (٣) حقَّقَ هذا الوعدَ فألقى في قلوبِ أبي سفيانَ وأصحابهِ الرعبَ، فلم يجيئوا في بدرٍ الصغرى بعد أن وعَدوا ذلك.
وقيلَ: يريدُ به ما قذفَ في قلوبهم من الخوفِ يومَ أُحدٍ حتى تركوا القتالَ وانهزموا إلى مكةَ من غيرِ سببٍ ولهم القوةُ والغلبةُ. ولا يساعدُ الخوفَ عبارةُ: ﴿سَنُلْقِي﴾.
﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾: بسببِ إشراكِهم به (٤).
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؛ أي: وعده (١) إياهم بالنصرِ بشرطِ الصبر والتقوى كما مرَّ في قوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلخ، وكانَ كذلك حتى خالفَ الرماةُ.
﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾: تقتُلونهم؛ مِن أحَسَّهُ: إذا أبطلَ حِسَّهُ.
﴿بِإِذْنِهِ﴾: بتيسيره.
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾: الخطابُ للكلِّ والمرادُ بعضُهم (٢)، على طريقة العربِ في نسبة ما يقَعُ من البعضِ إلى الجميعِ على سبيل التجوُّزِ.
والفشلُ: الجبنُ والضعفُ، و (حتى) حرفُ جرٍّ بمعنى: (إلى) داخلٌ على اسمٍ هو (إذا)، وقد عرفتَ أن معنى صدقِ الوعدِ النصرُ والإظفارُ، فلا يرِدُ أنه لا يصلُحُ غايةً؛ لأن وعدَهُ تعالى لا ينقلِبُ كذبًا.
وإنما قدم ذكره وهو مؤخَّرٌ وجودًا عنِ التنازع (٣) والعصيانِ للدلالةِ على أن الموعودَ لم ينتَهِ بتنازُعِهم وعصيانهم ما لم يجبُنوا، فالغايةُ في الحقيقةِ جُبنهم، وهذا يرجِّحُ الوجهَ المذكور على ما قيلَ: إن (إذا) لم يجرَّد عن معنى الشرطِ، وجوابُه محذوفٌ دلَّ عليهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ أي؛ منعَكُم نصرَهُ.
﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ يعني اختلافَ الرماةِ حين انهزمَ المشركونَ في أول الوهلةِ؛ فقالَ بعضُهم: فما موقفنا هاهُنا؟ الغنيمةَ الغنيمة، وقالَ آخرون: لا تخالِفُوا
стр. 951
أمرَ الرسولِ، فثبَتَ مكانَهُ أميرهم في نفرٍ دونَ العشرةِ، ونفرَ الباقونَ للنهبِ (١)، وهو المعنيُّ بقوله:
﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ من الغنيمةِ، وفيه تنبيهٌ على باعثِ عصيانهم وتشنيعٌ لهم حيث آثروا الغنيمةَ على الجهادِ، ومن زادَ على ما ذُكرَ الظفرَ وانهزاَم العدوِّ فقد فوَّتَ النكتةَ.
﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾: وهم التاركون المركزَ للغنيمةِ.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: وهم الثابتونَ محافظةً على أمرِ الرسولِ ﵇.
﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾: ثم كفَّكُم عنهم حتى حالتِ الحالُ.
﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: على المصائبِ، ويمتَحِن ثباتَكُم على الإيمانِ عندها.
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ تفضُّلًا ما فرَطَ منكُم من عصيان أمرِ رسول اللّه ﷺ لِمَا عَلِمَ من ندمكم عليه.
﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ في جميعِ الأحوالِ؛ فتارةً يتفضَّلُ عليهم بالنصرِ والإدالةِ على عدوِّهم لتقويةِ أمر (٢) الدِّينِ، وتارةً يتفضَّلُ بالابتلاءِ وإدالة العدوِّ (٣) عليهم لظهورِ الصفات الكماليةِ الكامنة فيهم، ونيلِ درجاتِ الشهادةِ، وتارة يتفضَّلُ بالعفوِ وتمحيصِهم من الذنوبِ، وكلُّها رحمةٌ منهُ عليهم وفضلٌ بحسبِ اقتضاءِ أحوالهم ذلك.
стр. 952
(١٥٣) - ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ متعلِّق بـ ﴿صَرَفَكُمْ﴾، أو ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾، أو بمقدَّرٍ كما ذكِرَ.
والإصعادُ: الإبعادُ في الضرب في الأرض، وقال صاحب "الديوان": الإصعادُ في الأرضِ والتصعيدُ في الجبلِ، والصعودُ في السُّلَّمِ.
وقرئ: (تَصعَدُونَ) بفتحِ التاء من الصُّعودِ (١)، وقرئ: (إذ تُصعِدُون في الوادي) (٢)، ويحتمِلُ أنهم ذهبوا في الوادي، ثمَّ صعِدَ بعضُهم إلى الجبلِ ملتجئًا به.
﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾: ولا تلتفتون على أحدٍ من الآحادِ؛ مِن قولك: لوى جيدَهُ إليهِ؛ إذا التفتَ إليهِ، وهو إخبار عن غايةِ خوفِهم من العدوِّ.
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾: و كان يقولُ: "إليَّ عبادَ اللّه إليَّ عباد اللّه (٣) أنا رسولُ اللّهِ، مَن يَكرُّ فلهُ الجنةُ" (٤).
стр. 953
﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾: في ساقتِكُم وجماعتِكُم الأُخرى.
﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾: عطفٌ على ﴿صَرَفَكُمْ﴾؛ أي: فجازاكم اللّه على فشلِكُم وعصيانكُم غفًا متصلًا بغمٍّ؛ من الاغتمامِ بالقتلِ والجَرحِ، وغلَبةِ المشركينَ، والإرجاف بقتلِ الرسولِ ﷺ . أو: فجازاكم غمًّا بسبب غمٍّ أذقتموه رسول اللّه بعصيانكم (١).
والثواب: الجزاء كيف ما كانَ، والإثابةُ: إعطاؤه، قال (٢) ﵇: "الواهبُ أحقُّ بعطائه ما لم يُثب منها" (٣).
إلا أن الثوابَ إذا أُطلِقَ يُراد به الجزاءُ في الخير (٤)، وعلى هذا يكونُ: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ كقولِهِ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] (٥).
стр. 954
﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾: لتتمرَّنوا على تجزُعِ الغمومِ، وتعتادوا بالصبرِ واحتمالِ الشدائد، فلا تحزَنوا فيما بعدُ على ما فاتَكم من الفوائدِ، ولا ما أصابَكم من المكارِه.
وقيل: الضمير في للرسولِ؛ أي: فآساكم (١) في الاغتمامِ، فاغتمَّ بما نزَلَ عليكم كما اغتممتُم بما نزَلَ عليهِ، ولم يثرِّبكُم على عصيانكم تسليةً لكم ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من النصرِ ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الهزيمةِ.
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: عليمٌ بأعمالكم، وبما قصدتم بها، وهذا ترغيبٌ في الطاعةِ وترهيبٌ عن (٢) المعصيةِ.
* * *
(١٥٤) - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً﴾: نصبٌ على المفعولِ (٣) و ﴿نَعُاسًا﴾ بدلٌ
стр. 955
منها، أو هو المفعولُ و ﴿أَمَنَةً﴾ حالٌ منهُ، أو مفعول له، أو حال من المخاطبين بمعنى: ذوي أمنةٍ، أو على أنهُ جمعُ آمِنٍ؛ كبَارٍّ وبررَةٍ.
وقرِئ: (أَمْنَةً) بسكون الميم (١) كأنها المرَّةُ من الأمنِ؛ أي: أنزَلَ اللّهُ عليكم الأمنَ، وأزال الغمَّ والخوفَ حتى نعستم.
﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾؛ أي: النعاسُ. عَن أبي طلحةَ: غشِيَنا النعاسُ ونحن في مصافِّنا، فكان السيفُ يسقُطُ من يد أحدِنا فيأخذُه، ثمَّ يسقُطُ فيأخذُه (٢).
وقرئ: ﴿تغشى﴾ (٣) بالتاء ردًا على الأمَنةِ.
والطائفةُ: المؤمنونَ حقًّا ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ منهم وهُم المنافقون ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: أوقعَتهم (٤) أنفسُهم في الهمِّ والحزن لعدمِ اليقينِ، أو ما يُهِمُّهم إلا همُّ أنفسِهم وطلبُ خلاصها، لا همُّ الدِّينِ، ولا همُّ رسولِ اللّه ﷺ . والحصرُ مستفادٌ منَ المقامِ.
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ صفةٌ أُخرى لـ (طائفةٌ)، أو حالٌ، أو استئنافٌ على وجهِ البيانِ لِمَا قبلَهُ.
و (٥) ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ نصبٌ على المصدَرِ؛ أي: يظنون باللّهِ غيرَ الحق الذي يجوزُ أن يُظَنَّ به.
стр. 956
و ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: بدلُه (١)، وهو الظنُّ المختصُّ بالملةِ الجاهلية وأهلِها، وفي الإبدالِ مبالغة في كشفِ خطأ الظنِّ، وإشعارٌ بأن ظنَّ الجاهليةِ علَمٌ في البطلانِ.
﴿يَقُولُونَ﴾؛ أي: لرسولِ اللّه ﷺ ، وهو بدلٌ من ﴿يَظُنُّونَ﴾.
﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾: هل لنا مما أمرَ اللّهُ تعالى ووعَدَ من النصرِ والظفَرِ نصيبٌ قط؟
﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (٢) اعتراضٌ؛ أي: الغلبةُ الحقيقةُ لأولياءِ اللّه تعالى، فإن حزبَ اللّهِ هم الغالبونَ، فلا معنى لنفيِ (الأمر) بمعنى النصرِ والإظهارِ (٣) عنهُم.
وقرئ: ﴿كُلُّهُ﴾ بالرفعِ على الابتداءِ (٤).
﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ حالٌ مِن ضميرِ ﴿يَقُولُونَ﴾، أو هو بدلٌ من ﴿يُخْفُونَ﴾، أو استئنافٌ على وجه البيانِ له وهو أجودُ؛ أي: يظهِرون: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ سؤالَ المؤمنينَ المسترشِدينَ، ويقولُون في أنفُسِهم، أو بعضُهم لبعضٍ مبطِنين (٥).
﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ منكرينَ لقولك: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ نفاقًا؛ أي: لو كان الأمرُ كما قال محمد: إن الأمرَ كلَّهُ للّهِ ولأوليائهِ، وإنهم هم
стр. 957
الغالبونَ، ما غُلِبنا قط، وما قُتلَ من قُتلَ من المسلمين في هذِهِ المعركةِ.
﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾: قضائهم (١)؛ أي: لخرج (٢) الذين قدَّرَ اللّه عليهم القتلَ وكتبَ في اللوح المحفوظِ إلى مصارِعهم، ولم ينفَع الإقامةُ بالمدينةِ، ولم ينجُ منه أحدٌ منهم، لا (٣) لأن العلمَ الأزليَّ ملجئهم إليهِ ويلزمُهم ذلكَ؛ لأن العلمَ تابعٌ للمعلومِ فلا تأثيرَ لهُ فيهِ، بل لأنَّ اللهَ تعالى قدَّرَ الأمورَ ودبَّرَها في سابقِ قضائهِ ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] (٤).
﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾: وليَمتحِن ما في صُدورِكم ويُظهرَ سرائرَها من الإخلاصِ والنفاقِ، وهو علةٌ محذوفٍ؛ أي: وفَعَل ذلكَ ليبتلي (٥)، أو عطفٌ على محذوفٍ؛ أي: ليبرز لمصالح (٦) جمةٍ وللابتلاءِ.
﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من وساوس الشيطان.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: من الظنونِ والعزائمِ، وفيهِ وعدٌ ووعيدٌ، وتنبيهٌ على أنه تعالى غنيٌّ عن الامتحانِ، وإنما فعلَ ذلك ليَميزَ المؤمنين، ويُظهِرَ حالَ المنافقين.
* * *
стр. 958
(١٥٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ يعني: إنَّ الذين انهزمُوا يوم أحدٍ كان السببُ في تولِّيهم أن الشيطانَ طلَبَ منهم الزللَ فأطاعُوه فاقترفوا ذنوبًا؛ فلذلكَ منعهم اللّهُ التأييد بالنصرِ وتقويةِ القلوب حتى تولَّوا.
وقيلَ: استزلالُ الشيطان إياهُم هو التولِّي، وإنما دعاهُم إليه بذنوبٍ قد تقدَّمت لهم؛ لأن الذنبَ يجرُّ إلى الذنبِ كما أن الطاعة تجرُّ إلى الطاعةِ.
وقيلَ: بعضُ ما كسبوا هو تركُهم المركزَ الذي أمرَهُم رسولُ اللّه ﷺ بالثباتِ فيه، فجرَّهم ذلك إلى الهزيمةِ.
وقيل: ذكَّرَهم (١) تلك الخطايا فكَرِهوا لقاءَ اللّهِ تعالى معها، فأخَّروا الجهادَ حتى يُصلِحوا أمرَهم، ويجاهِدوا على حالٍ مرضيَّةٍ.
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لتوبتِهم واعتذارِهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للذنوبِ ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بعقوبةِ الذنبِ كي يتوبَ.
* * *
(١٥٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المنافقين.
стр. 959
﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ لأجلِهم، والمرادُ بالأخوَّةِ: الصداقةُ، أو الاتفاقُ في النسبِ أو المذهبِ.
﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: سافروا فيها، وأَبعدوا للتجارةِ وسائر المهامِ، و ﴿إِذَا﴾ بعد ﴿وَقَالُواْ﴾ لمجرَّدِ الظرفيَّةِ على حكايةِ الحال الماضيةِ.
﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾: أو نهضوا للغزاء (١). غُزَّى جمعُ غازٍ، كعُفًّى جمعُ عافٍ.
﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾: مفعول (قالوا)؛ أي: لو لم يخاطِروا لعاشوا، وهو يدلُّ على أن إخوانهم قد فأتوا بعدَ أن غابُوا عنهُم (٢).
﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: قالوا ذلك معتقِدين ليكونَ حسرةً في قلوبهم، على أن اللامَ للعاقبةِ، ويجوزُ أن تتعلَّقَ بالنهيِ؛ أي: لا تكونوا مثلَ الكُفَّارِ في النطقِ بذلك القولِ واعتقابٍ ليجعلَهُ اللّهُ تعالى حسرةً في قلوبهم خاصةً، ويَصون قلوبكُم منها.
ويجوزُ أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةً إلى ما دل عليه النهيُ؛ أي: لا تكونوا مثلَهم ليجعَلَ اللّهُ انتفاءَ كونكم مثلَهم حسرةً في قلوبهم؛ لأن مخالفتكُم إياهم في قولهم واعتقادِهم مما يَغيظُهم ويُغِمُّهم.
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ردٌّ لقولهم (٣)، وتخطئةٌ لعقيدتهم؛ أي: الأمرُ بيدِه، قد يُحيي المسافرَ والغازي، ويميتُ المقيمَ والقاعدَ، وبالعكس، كما يشاء.
стр. 960
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: تهديدٌ لهم على أن يماثِلُوهم، وعلى القراءةِ بالياءِ (١) وعيدٌ للكفار.
صدَّرَ الجملتين بالقسمِ للتأكيدِ والتحقيق.
* * *
(١٥٧) - ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلِّق بالمعطوفين، كما قيلَ في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فلا حاجةَ إلى تقديره بعدَ قوله: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾.
وقرئ بكسرِ الميمِ (٢) من مات يمات، وتقديمُ القتلِ لأنَّه الغالبُ في الجهادِ بخلاف غيره، ولهذا أُخِّرَ فيما يأتي، ثم إن المقتولَ أحقُّ بالمغفرةِ وأجدَرُ، والميتُ في الحشر أكثرُ (٣)، فتدبَّرْ.
﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: جوابُ القسمِ، وسادٌّ مسدَّ جواب الشرطِ، وعدَلَ في الجواب إلى الجملة الاسميةِ للدوامِ والتخليدِ. وتنكيرُ (مغفرةٌ) للتعظيمِ، وكذا تنكيرُ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾.
كذَّبَ الكافرين أولًا في زعمِهم، وخطَّأهُم في اعتقادهم، ونهى المسلمين عن ذلك لكونه اعتقادًا باطلًا موجِبًا للتقاعدِ عن الجهادِ، ثم قالَ: ولئن وقعَ ما تحذَرُونه
стр. 961
فإن ما تنالُونه من المغفرةِ والرحمةِ والثوابِ العظيم خيرٌ مما تجمعون مِن منافعِ الدنيا لو لم تموتوا (١).
* * *
(١٥٨) - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾: على أيِّ وجهٍ اتَّفقَ هلاكُكم.
﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾: لإلى معبودكُم الذي توجَّهتُم إليه وبذلتُم مهجتكم لأجلِه لا إلى غيرِه لا محالةَ تُحشَرون، فيُوفِّي جزاءَكم، ويُعظِمُ ثوابَكم، ولوقوعِ اسم اللّه هذا الموقعَ مع تقديمهِ شأنٌ لا يخفى، ولذلكَ عدل عن (٢) الضميرِ إليه (٣).
* * *
(١٥٩) - ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: (ما) مزيدةٌ للتوكيدِ، وتقديم الظرفِ للدلالة على أنَّ لينَهُ لهم ما كان إلا برحمةٍ من اللّهِ تعالى.
وتنكيرُ ﴿رَحْمَةٍ﴾ للتعظيمِ؛ أي: بحظٍّ وافرٍ لك من رحمةِ اللّه تعالى لنتَ لهم
стр. 962
وتلطَّفتَ، وما عيَّرتهم على مخالفةِ أمركَ، وتركِهم إياك بينَ الكفارِ، بل واسيتَهم بالغمِّ واغتمَمتَ لأجلِهم.
والفاءُ للترتيبِ على ما دلَّ عليه سياقُ الكلام مِن أنهم كانوا مستحقِّين للعتابِ البليغِ، وأن المرجوَّ منهُ ﵇ على ما هو مُقتضى الطبعِ البشري أن يعنِّفَ عليهم، ويُغلِظَ في مخاطبَتهم.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظُّ: الجافي الخشِنُ الخلُقِ ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾: قاسيَهُ ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: لتفرَّقوا عنك، ولم يسكُنوا إليكَ.
ولما بيَّنَ فائدةَ حسنِ الخُلقِ واَفةَ القلبِ رتَّبَ عليهِ الأمرَ بقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فيما يختصُّ بحقِّكَ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيما يختصُّ بحقِّ اللّه إتمامًا للرأفة بهم.
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾؛ أي: في أمرِ الحرب وغيرِه مما لم ينزِل عليك فيهِ وحيٌ؛ لِمَا في مشاورَتهم من الرفعِ في أقدارهم، وتطييبِ قلوبهم، والاستظهارِ برأيهم.
وعن الحسنِ: قد علمَ اللّهُ تعالى أنه (١) ما به إليهم حاجةٌ، ولكنه أراد أن يَستنَّ به مَن بعده (٢).
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾: فإذا قطعتَ الرأيَ على شيءٍ بعدَ الشورى. والفاء التعقيبيةُ للدلالةِ (٣) على أنَّ حقَّ المشاورة أن ينتهي إلى العزمِ على أحد الأمرَين، ولا يبقى في التردُّدِ بينَهما.
стр. 963
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: في إمضاءِ أمرِكَ على ما هو الأرشدُ الأصلحُ؛ فإنهُ لا يعلمُه سواه.
وقرئ: (فإذا عَزَمْتُ) (١) على التكلُّمِ؛ أي: فإذا عزمتُ لك على شيءٍ وعيَّنتُه لكَ فتوكَّل عليَّ (٢) ولا تشاوِر فيه أحدًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾؛ أي: يرضَى عملَهم ويهدِيهم إلى الأصلَحِ وينصُرُهم (٣).
* * *
(١٦٠) - ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ كما نصرَكُم يومَ بدر.
﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾: فلا يغلِبُكم أحدٌ.
﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾؛ أي: إن يتركْ (٤) نُصرتَكُم كما تركها يوم أحدٍ.
﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: مِن بعد خُذلانِه، أو: من بعدِ اللّه، بمعنى:
стр. 964
إذا جاوَزْتُموه (١) تعالى، مِن قولهم: ليسَ لكَ من يُحسن إليكَ مِن بعد فلانٍ، وهو تنبيهٌ على المقتضِي للتوكلِ عليه تعالى، وتحريضٌ على ما يُستحَقُّ به النصرُ، وتحذيرٌ عما يَستجلِبُ خذلانَه.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: لما علِموا أن لا ناصرَ لهم سواهُ (٢) فليخصُّوهُ بالتوكُّلِ عليهِ والتفويضِ إليهِ.
وفي عبارةِ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ إشارةٌ إلى وجهٍ يؤيِّدُ التخصيصَ المذكورَ، وهو أن الإيمان الحقيقيَّ يقتضي رؤيةَ فناءِ القِوى والقُدَرِ كُلِّها في قوَّتهِ تعالى وقُدرَته، فلا ناصِر سواهُ.
* * *
(١٦١) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ﴾: وما صحَّ ﴿لِنَبِيٍّ﴾ منَ الأنبياءِ ﵈، فكيفَ لمن هو أفضلُ الرسلِ؟
﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ الغُلولُ: أخذُ المال من الغنيمةِ في خفاءٍ.
فقِدَت قَطيفةٌ حمراءُ من الغنائمِ يوم بدرٍ؛ فقالَ بعضُ مَن كانَ مع النبيِّ ﷺ : لعلَّ رسولَ اللّه ﷺ أخَذَها، فنزَلَتْ (٣).
стр. 965
وقائلُ ذلكَ مؤمنٌ لم يظنَّ في ذلك حرجًا (١)، برَّأهُ اللّهُ تعالى من ذلك، ونزَّههُ ونبَّهَ على عصمته ﵇ بأنَّ النبوةَ والغُلولَ متنافيان، لئلا يَظنَّ ظانٌّ في حقهِ شيئًا منه، ولا يستريبَ أحدٌ.
وقرئ: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ على البناءِ للمفعولِ (٢)؛ والمعنى: وما صحَّ له أن يُوجَد غالًّا، أو أن يُنسبَ إلى الغلولِ.
﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يأتِ بالشيء الذي غلَّهُ بعينه فيُفتضَح به على رؤوس الخلائق (٣)، وهذا ما يقتضيه مساق الكلام، وأمَّا حملُه على عنقه (٤) كما وردَ في بعضِ الأحاديثِ، فغيرُ منظورٍ إليه في هذا المقامِ (٥).
ثم إنهُ مخصوصٌ بما لَهُ ثقلٌ على ما يُفهَمُ من قوله ﵇ لأبي هريرةَ ﵁: "لا تخبَئنَّ من أميركَ (٦) شيئًا من الغنائم، إذًا تخرج يوم
стр. 966
القيامة وهو متعلق (١) بثيابك ولو كانت إبرةً" (٢).
فلا اتِّجاه لما نُقِلَ عن بعضِ حفاةِ الأعرابِ: أنه سرق نافجةَ مسكٍ، فتُلِيت عليهِ الآيةُ فقالَ: إذًا أحملُها طيِّبةَ الريح خفيفةَ المحمَلِ (٣).
﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: تُعطى جزاءَ ما كسبَت وافيًا.
كانَ الظاهرُ (٤) أن يقالَ: ثم يوفَّى ما كسبَ؛ ليتَّصِلَ بقوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ لفظًا، وإنما عدَلَ عنهُ وعمَّمَ ليدخلَ تحته دخولًا أوليًّا، فيكونَ أبلَغَ وأثبَتَ بالبرهانِ؛ لأنَّه (٥) لمَّا عَلم الغال أن كلَّ نفسٍ يُوفَّى (٦) جزاءَ مكسوبهِ خيرًا كانَ أو شرًا، علِمَ أنهُ غيرُ متخلِّصٍ من بينِهم مع عِظَمِ ما كسبَ، فاتصَل به معنىً.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فلا ينقُصُ ثوابُ مطيعِهم ولا يُزادُ في عقابِ عاصيهم.
ولما عمَّمَ كل كاسبِ خيرٍ وشرٍّ، وكِلَا المتنافيَين من النبيِّ والغالِّ، فقالَ مُنكِرًا:
* * *
стр. 967
(١٦٢) - ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ بهمزةِ الاستفهامِ، مُبالغًا بإيرادها على الفاءِ العاطفةِ ما بعدها على مقدَّرٍ دلَّ عليهِ ما قبلَها، مؤكِّدًا بها المنافاةَ بينَ النبيِّ والغالِّ، كأنهُ قالَ: أيغلُّ النبيُّ؟ فمَن اتبعَ رضوانَ اللّهِ بالطاعةِ؛ يعني النبيَّ ومَن تابعَهُ (١) ﴿كَمَنْ بَاءَ﴾: رجعَ ﴿بِسَخَطٍ﴾ عظيم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بالعصيانِ؛ كالغالِّ ومَن دان بدينِه.
﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: الفرقُ بينَهُ وبين المرجعِ: أن المرجِعَ هو انقلابُ الشيء إلى حالٍ كانَ عليها، والمصيرُ انقلابُه إلى خلافِ الحالِ التي كان عليها (٢).
* * *
(١٦٣) - ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ تشبيهٌ بليغٌ؛ أي: هم متفاوتون كما تتفاوتُ الدرجاتُ.
وقيلَ: على حذفِ المضافِ؛ أي: هم ذوو درجاتٍ.
وإنما قالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: تعظيمًا للتفاوتِ.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: عالمٌ بأعمالهم، فيجازِيهم على حسَبِها.
* * *
(١٦٤) - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
стр. 968
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، خصَّهم بالذكرِ لأنهم هم المنتفِعونَ بمبعثهِ ﵇، والمنةُ هنا الإنعامُ.
وقرئ: (لَمِنْ مَنِّ اللّهِ) (١) على أنه خبرُ محذوفٍ، مثلَ: مَنُّه، أو: بعثتُه.
و [لا] (٢) يجوزُ أن يكون ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ بَعَثَ﴾ في محلِّ الرفعِ بأنه مبتدأٌ؛ أي: وقتُ بعثتهِ لمِن منِّ اللهِ؛ لأنَّ العربَ لم تستعمِل (إذ) متصرِّفةً.
قالَ أبو علي الفارسيُّ (٣): لم تَرِدْ (إذ) و (إذا) في كلامِ العربِ إلا ظرفَين، ولا يكونان فاعلَين ولا مفعولَين ولا مُبتدأين.
وإنما قالَ: ﴿فِيهِمْ﴾ لأنهم كانوا عرفوا مولِدَه ومنشأهُ، وصدقَهُ وأمانَتهُ، وطهارةَ أخلافِ، فاندفَعَ بذلكَ كثيرٌ من الخواطر (٤).
﴿رَسُولًا﴾ التنكيرُ للتعظيم ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: مِن جنسهم عربيًّا مثلَهم، يسهُلُ عليهم أخذُ ما يجب أخذُه عنه لاتفاقهم في اللسانِ (٥).
وقيلَ: مِن نَسبِهم؛ يعني: مِن ولَدِ إسماعيلَ ﵇ كما أنهم مِن ولد، وكلما كانت الجنسيةُ أكثرَ كان المنُّ أوفرَ؛ لمناسبَتهم إياهُ وسهولةِ قَبولهم منهُ، وعلى
стр. 969
هذا يكون المرادُ: مَن آمن من قومِه ﵇، وتخصيصُهم بالمنِّ لزيادة انتفاعِهم ببعثِه ﵇.
وعلى كلا الوجهَين لا اختصاصٍ لمَن آمَن معه ﵇.
والوجه عندي هو الأول (١)، لقولِه تعالى في موضعٍ آخرَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢]، والقراَنُ يفسِّرُ بعضُه بعضًا (٢).
وقرئ: (مِن أنْفَسِهِمْ) (٣)؛ أي: (٤) من أشرَفِهم؛ لأنهُ ﵇ كانَ مِن أشرفِ شعوبِ العرب وأفخاذِهم (٥).
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾: من الوحي المتلوِّ (٦) بعد ما كانوا أهل (٧) جاهليةٍ لم يطرُق أسماعَهم شيءٌ من الوحي.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ مِن دنَس الكفرِ والخبائثِ، وغواشي الطبيعةِ والرذائلِ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: القرآن والسنَّة الشاملة لأقسام الحكمة.
стр. 970
و (إنْ) في قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وهي المخفَّفةُ منَ الثقيلةِ، و ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مبنيٌّ على الغايةِ، واللام هي الفارقةُ؛ أي: وإن الشأن كانوا مِن قبل بعثته في ضلالٍ ظاهرٍ لا شُبهةَ فيهِ، وهو بيان لشدةِ احتياجِهم إلى نبيٍّ يرشِدُهم (١)، وإزاحةٌ لمَا يُتوهَّمُ أنه ﵇ تعلَّمَ ذلك من معلِّمٍ.
* * *
(١٦٥) - ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾: ما أصابهم يومَ أحدٍ من قتلِ سبعين منهم.
﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾: يومَ بدرٍ من قتلِ سبعين وأسرِ سبعين، والهمزةُ لتقريرِ القولِ والتقريع.
و (لمَّا) نصبٌ بـ ﴿قُلْتُمْ﴾ في قولِه: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾، و ﴿أَصَبْتُمْ﴾ في محلِّ الجرِّ بإضافةِ (لمَّا) إليهِ، وتقديرُه: وقلتم (٢) حينَ أصابتكُم. و ﴿أَنَّى هَذَا﴾ نصبٌ (٣) على أنهُ مقولُ: ﴿قُلْتُمْ﴾.
والواو عاطفةٌ للجملةِ على قصةِ أحدٍ من قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أو على محذوفٍ؛ أي: أفعلتُم وقلتُم حينئذٍ أنى هذا؛ أي: مِن أين هذا؟!
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: استوجَبْتم لِمَا أصابكُم بسببٍ ناشئ من عند أنفسكم، فأنزلَ اللّه بكم ذلكَ، فلا ينافي كونَه من (٤) عندِ اللّهِ؛ أي: السببُ العاديُّ
стр. 971
أنتُم؛ لتَخْلِيَيكُم المركز وميلِكم إلى الغنيمةِ، فإِنَّ وعدَ النصرِ كان مشروطًا بالثباتِ والمطاوعةِ.
وأما اختيارُ الخروجِ من المدينة فبعيدٌ؛ لأنَّ اللّه تعالى وعدَهم النصرَ بعد ذلكَ بشرطِ الثباتِ، واختيارُ الفداءِ يوم بدرٍ أبعَدُ منه.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فهو قادرٌ على النصرِ، وعلى منعهِ، وعلى أن يصيبَ بكم (١) تارةً، ومنكُم أُخرى، ولا تأثيرَ للأسباب العاديةِ؛ ففيهِ دفعُ وهمِ العجزِ عن نصرِهم عند عدمِ شرطِ الثباتِ.
* * *
(١٦٦ - ١٦٧) - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: جمعِ المسلمين وجمعِ المشركين يومَ أحدٍ.
﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: فهو كائنٌ بتخليةِ الكفارَ، سماها إذنًا لأنها من لوازِمه.
﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفٌ على (بإذن اللّه)، والباءُ واللامُ كلاهما للسببِ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾؛ أي: وليتميِّزَ المؤمنونَ والمنافقونَ، فيظهرَ إيمانُ هؤلاء وكفرُ هؤلاء (٢).
﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿نَافَقُوا﴾ داخلٌ في الصلةِ.
﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ قسَمَ الأمرَ عليهم بينَ أن يقاتلُوا كما يقاتلُ
стр. 972
المؤمنون، وبينَ أن يقاتلوا دفعًا عن (١) أنفسِهم وأهلِهم وأموالِهم إن لم يكُن لهم همٌّ في اللهِ وفي الآخرةِ.
﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ أبوا القتلَ (٢)، وجحدُوا القدرةَ عليه رأسًا لنفاقِهم، على ما رويَ: أنَّ عبدَ اللّه بن أبيٍّ انخزَلَ مع حلفائه، فقيلَ لهُ فقالَ ذلك (٣).
ويجوزُ أن يكونَ المعنى: لو نعلم ما يصِحُّ أن يُسمَّى قتالًا لاتَّبعناكم فيهِ، لكن ما أنتم عليه ليس بقتالٍ، بل إلقاءٌ بالنفس إلى التهلكةِ، يريدُ تخطئةَ رأيهم؛ لأنَّ رأيَهُ كان في الإقامة بالمدينةِ.
أو ادفعوا العدوَّ بتكثيركم سوادَ المجاهدين وإن لم تقاتلُوا؛ لأن كثرةَ السوادِ مما يردع العدوَّ ويكسِرُ قلبَه.
بقي هاهنا شيءٌ؛ وهو أنَّ مُقتضى تركيبِ الكلام على الوجهِ الأولِ أن يُعطَفَ: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾ على ﴿نَافَقُوا﴾ بالفاء، وإنما أُخرِجَ مخرجَ الاستئناف على أنهُ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ (٤) اقتضاه دعاءُ المؤمنين إياهُم إلى القتالِ، فأخَّرَه عن الدعاءِ؛ كأنه قيلَ: فماذا قالوا؟ فقيلَ: قالوا: لو نعلَمُ، لينبِّهَ على ظهورِ أمارة النفاقِ منهم لتثبُّطِهم وتعلُّلِهم بعد الدعاءِ الذي كان يجِبُ عليهم إجابته.
ويجوزُ أن يقتصِرَ الصلةُ على ﴿نَافَقُوا﴾، ويكونَ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ كلامًا مبتدأَ عطفًا على جملةِ: (وما أصابكم فبإذن اللّه).
стр. 973
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ لانخزالهم وقولهم هذا، فإنهما أوَّلُ أماراتٍ ظهرَت منهم مؤذِنةً بكفرِهم.
والظروفُ كلُّها متعلقةٌ بـ ﴿أَقْرَبُ﴾ لِمَا فيها من الاتساعِ، لكنَّ تعلقَ الكفر (١) باعتبارِ الزيادةِ، وتعلُّقَ الإيمان (٢) من حيثُ المفعوليةُ؛ كأنه قيلَ: قربُهم من الكفرِ يزيدُ على قربهم من الإيمانِ.
وصلة القرب تكون (من) أو (إلى)، وتقولُ العربُ: يقرُبُ منهُ وإليهِ، ولا تقولُ: لهُ. فاللامُ بمعنى إلى.
وقيلَ: هُم لأهل الكفرِ أقرَبُ نصرةً منهم لأهلِ الإيمانِ إذ كان انخزالهم (٣) تقويةً للمشركينَ وتخذيلًا للمؤمنين.
﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾: يُظهِرون خلاف ما يضمِرون لا يواطئ قلوبُهم ألسنَتهم بالإيمانِ.
والعربُ تستعمِلُ القولَ في غير الكلامِ فتقولُ: قال بيدِهِ؛ أي: أهوى بها، وقالَ برأسِه؛ أي: أشارَ (٤)، فقولُه: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ لتخصيصِ القول بالكلامِ، وإيثارُ الأفواهِ على الألسنةِ لأنها أوسعُ دائرةً، فإن من الحروفِ ما لا دخلَ في تلفُّظِه للِّسانِ.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: من النفاقِ، وتجهيلِ المؤمنين، وتخطئةِ رأيهم، وذمِّهم فيما بينَهم، والشماتةِ بهم، وغير ذلك.
стр. 974
وإنما قالَ: ﴿أَعْلَمُ﴾ لأنهم يعلَمون بعضَ ذلك عِلمًا مجملًا بأماراتٍ، واللّهُ تعالى يعلَمُ كلَّه علمَ إحاطةٍ بتفاصيله وكيفياته.
* * *
(١٦٨) - ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾؛ بدل من ضميرِ ﴿يَكْتُمُونَ﴾ رفِعَ المحلُّ (١)، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفعٌ عليهِ أي: هم الذين قالوا، أو نصبٌ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، أو جرٌّ بدلٌ من الضميرِ في (أفواهِهم) أو ﴿قُلُوبِهِمْ﴾.
﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾؛ أي: لأجلِهم، يريدُ مَن قتِلَ يومَ أحدٍ من أقاربهم، أو من جنسهم.
﴿وَقَعَدُوا﴾ حالٌ؛ أي: قالوا وقد قعدوا عن القتالِ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ في القعود ﴿مَا قُتِلُوا﴾ كما لم نُقتَل.
﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ يدلُّ عليهِ:
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تقدِرون دفعَ القتلِ عمن كُتبَ عليه، فادفعُوا عن أنفسكم الموتَ فإنهُ أحرى بكم، يعني: إنَّ القعودَ غيرُ مغنٍ فإنَّ أسبابه شتى، والقتالُ قد يكونُ سببًا للنجاةِ، والقعودُ سببًا للهلاك.
* * *
(١٦٩) - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ نزلت في شهداء أحد (٢)، والأبلغُ أن
стр. 975
يُجعَلَ الخطابُ لكلِّ أحدٍ؛ لأنهُ أمرٌ خطيرٌ يجِبُ أن يبشَّرَ به كل أحدٍ؛ لتتوفَّرَ دواعيهم إلى الجهادِ، وليتيقَّنوا بحسن الجزاء.
وقرئ با لياء (١)؛ أي: حاسبٌ، وقرئ: بالتشديدِ لكثرة المقتولين (٢).
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾؛ أي: بل هم أحياء، وقرئ بالنصبِ على: بل احسبْهم أحياءً (٣).
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿عِنْدَ﴾ هُنا بمعنى القربِ شرفًا ورتبة.
﴿يُرْزَقُونَ﴾ يعني: في الجنةِ، وهو تأكيدٌ لكونهم أحياء.
* * *
(١٧٠) - ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿فَرِحِينَ﴾ حال من ﴿يُرْزَقُونَ﴾.
﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وهو شرفُ الشهادةِ والفوزِ بالحياة الأبدية، والقربِ من اللّهِ تعالى، والتمتعِ بنعيمٍ معجَّلٍ (٤).
стр. 976
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾: يسرُّون بالبشارةِ ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾؛ أي: بإخوانهم المؤمنين الذين لم يُقتلُوا فيلحقُوا بهم ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: الذين مِن خلفِهم زمانًا أو رتبةً.
﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ﴾.
والمعنى: أنهم يستبشِرون بما تبيَّنَ لهم مِن حالِ مَن تركوا خلفَهم، وهو أنهم سيلحَقون بهم في أمنٍ وفرحٍ، ورَغَدِ عيشٍ، وفيهِ تحريضٌ لمن بعدَهم على الطاعةِ والجهادِ، والرغبةِ في نيل درجةِ الشهادةِ، وبشارةٌ للمؤمنين بالفوزِ وحسنِ المآبِ، وإحمادٌ لمن يرى نفسَهُ بخيرٍ فيتمنَّى مثلَهُ لإخوانِهِ، ويستبشرُ بهِ لهم.
والآيةُ تدلُّ على أنَّ روحَ الإنسان جسمٌ لطيفٌ لا يفنى بخرابِ البدنِ (١)، ولا يتوقَّفُ عليه إدراكُه وتألُّمه والتذاذُه، ويؤيدُ ذلك قولُه تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [غافر: ٤٦] وما روى ابن عباسٍ ﵄ أنهُ ﵇ قال: "أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تَرِدُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ معلَّقةٍ في ظل العرش" (٢).
* * *
стр. 977
(١٧١) - ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: كرَّرهُ للتأكيدِ، وليعلِّقَ بهِ ما هو بيانٌ لقولهِ: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .. إلخ مِن ذكر النعمةِ والفضلِ، وهو ينفي الحزنَ، وعدمُ ضياع أجرِهم ينفي الخوفَ؛ لأنَّ الأولَ على الواقعِ، والثاني على المتوقَّعِ، ويجوزُ أن يكونَ الأولُ بحال إخوانهم، وهذا بحالِ أنفُسِهم.
وفي تقديمِ الاستبشارِ بحال إخوانهم إرشادٌ إلى مُوجَبِ الصدقِ في الأخوَّةِ الدينيةِ، وهو أن يكونَ صلاحُ حال أخيهِ أهمَّ عندَهُ من صلاح نفسه.
﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ثوابًا لأعمالهم ﴿وَفَضْلٍ﴾: زيادةٍ؛ كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وتنكيرُهما (١) للتعظيمِ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) قرئ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بالفتحِ عطفًا على ﴿وَفَضْلٍ﴾ فيكونُ من جملةِ المستبشَرِ بهِ، وقرئ بالكسرِ (٣) على أنَّ الجملةَ ابتدائيةٌ على سبيلِ الاعتراضِ للإشعارِ بأن ذلكَ أجرٌ لهم على إيمانهم، وأنَّ مَن لا إيمانَ له أعمالُهُ محبطَةٌ (٤) لا أجرَ لها، ويعضدُه قراءةُ: (واللّه لا يضيع أجر المؤمنين) (٥).
* * *
стр. 978
(١٧٢ - ١٧٣) - ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: أجابوا رسولَ اللّه ﷺ ، وذكرُ اللّهِ تمهيدٌ لبيانِ أن دعوتَهُ ﵇ دعوةُ اللّه تعالى، فكأنَّ إجابتَهُ إجابةُ اللّه.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ أي: الجرحُ في غزوة أحدٍ وبهم أثرُ ذلك.
ويجوزُ أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ مخصوصًا (١) نعتًا لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأن يكونَ منصوبًا على المدحِ، وأن يكُون مرفوعًا بالابتداءِ، وخبرُهُ:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بجملَتِهِ. و (من) للبيانِ، والمقصودُ من ذِكرِ الوصفَين المدحُ والتعليلُ لا التقييدُ؛ لأن المستجيبين كلَّهُم محسنون مُتقونَ.
قيلَ: لمَّا كان اليوم (٢) الثاني من غزوة أحدٍ، قالَ رسولُ اللّه ﷺ : "رحمَ اللّهُ مَن انتدَبَ لطلب العدوِّ حتى يعلموا أَنَّا لم نُستأصَلْ، وأن فينا بقيَّةً" وقال: "لا يخرُج معنا إلا من شاهدَنا بالأمسِ" فانتدبوا وبهم الجراحُ، حتى بلغُوا حمراء الأسدِ؛ وهي على ثمانيةِ أميالٍ من المدينةِ، وقامَ بها ثلاثة أيامٍ، ثم انصرفوا وقد فاتهمُ العدوُّ فنزلَتْ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (٣) يعني: الركبَ الذين استقبلَهم من عبدِ قيسٍ، أو نُعَيمَ بنَ مسعودٍ الأشجعيَّ، وأَطلقَ عليه ﴿الناس﴾ لأنهُ من جنسِهِ؛ كما يقالُ: فلانٌ يركَبُ الخيلَ، وما لَهُ إلا فرسٌ واحدٌ. أو لأنهُ انضمَّ إليه الناسُ مِن أهل المدينةِ، وأذاعوا كلامَهُ.
стр. 979
﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ يعني: أبا سفيانَ وأصحابَهُ، فالمعرفةُ وإن أعيدَتْ معرفةً فليسَ الثاني عينَ الأولِ، ولا اللامُ العهديةُ (١) إشارةٌ إلى ما ذكِرَ صريحًا، بل إلى ما يعرِفُه المخاطبونَ.
﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ روي أن أبا سفيان نادى عندَ انصرافِه من أحدٍ: يا. محمَّدُ! موعِدنا موسمُ بدرٍ القابلُ إن شئتَ. فقال ﵇: "إن شاءَ اللّهُ" فلما كانَ القابلُ خرَجَ في أهل مكَّةَ حتى نزلَ مرَّ الظهرانِ فأنزَلَ اللهُ الرعبَ في قلبِهِ، وبدا له أن يرجِعَ، فمرَّ به ركبٌ من عبدِ قيسٍ يريدونَ المدينةَ للميرةِ، فشرطَ لهم حملَ بعيرٍ من زبيبٍ إن ثبَّطوا المسلمينَ.
وقيلَ: لقيَ نُعَيمًا وقد قدِمَ معتمرًا فسألَهُ ذلك والتزمَ له عشرًا من الإبلِ، فخرجَ نُعَيمُ فوجدَ المسلمينَ يتجهَّزونَ، فقالَ لهم: أتوكُم في ديارِكم فلم يفلِت أحدٌ منكُم إلا شريدٌ، أفتريدون أن تخرُجوا وقد جمعُوا لكُم؟ ففتَروا، فقالَ ﵇: "والذي نفسِي بيدِه لأخرُجنَّ ولو لم يخرُج معي أحدٌ"، فخرَجَ في سبعين راكبًا وهُم يقولونَ: حسبُنا اللّهُ ونعمَ الوكيلُ (٢).
﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾: الضميرُ المستكنُّ للمقولِ؛ أي: فزادَهم ذلك الكلامُ، أو
стр. 980
للمصدرِ؛ أي: فزادَهُم قولُهم، والبارزُ للمقتدين (١) مع الرسولِ ﷺ لا (٢) للمقول بهم لِمَا عرفتَ أن أكثرَهم كرِهوا الخروجَ معهُ ﵇.
والمعنى: أنهم لم يلتفِتوا إليه ولم يضعُفوا، بل ثبت به يقينُهم باللّهِ، وازداد إيمانهم (٣)، وأظهرُوا حميةَ الإسلامِ، وأخلصُوا النيةَ عنده.
وهو دليلٌ على أن الإيمانَ بمعنى التصديقِ يزيدُ وينقصُ، ومَن أنكره قال (٤): ذلك بحسبِ المتعلَّقِ، أعني: ما يؤمَن بهِ، وأمَّا الإيمانُ الشرعيُّ فدائرة الخلافِ فيهِ واسعةٌ؛ لأن من المخالفينَ مَن قالَ بدخولِ الطاعاتِ فيه، ومنهُم مَن أنكَره (٥).
﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾: مُحسبنا اللّهُ وكافينا؛ مِن أَحْسَبَهُ: إذا كفاه، والدليل على أنهُ بمعنى المحسِبِ قولُهم: (هذا رجلٌ حسبُكَ) على أنهُ صفةٌ للنكرةِ؛ لكونِ الإضافةِ غيرَ حقيقيةٍ، وهي إضافةُ اسم الفاعل إلى معموله.
﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: ونعم الموكولُ إليه هوَ.
* * *
(١٧٤) - ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿فَانْقَلَبُوا﴾: فرجعوا من بدرٍ الصُّغرى سالمين غانمين وهو ما ذكرَهُ بقولِه:
стр. 981
﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: بنعمةٍ عظيمةٍ؛ وهيَ السلامةُ، وهرب العدوِّ منهم (١).
﴿وَفَضْلٍ﴾: وهو الربح في التجارةِ، فإنهم لما أتوا بدراً وافوا بها سوقاً فاتَّجروا وربحوا (٢).
﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾: ما يسوؤهم من الضررِ؛ بَدنيًّا كانَ أو ماليًّا، والتنكيرُ للتقليل والتحقير (٣).
﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾: الذي هو مناطُ الفوزِ بخير الدارينِ، بجرأتهم وخروجِهم.
﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: بتوفيقِهم لما فعلوا، والتفضُّلِ عليهم بسعادةِ الدنيا والآخرة من الربحِ والرِّضوان، وفيهِ تحسيرٌ للمتخلفِ، وتخطئةُ رأيهِ حيث حرَمَ نفسَهُ ما فازوا به.
(١٧٥) - ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ مبتدأٌ خبرُه ﴿الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: إنما ذلكُم المثبِّط (٤) هو الشيطان، وما بعدَهُ بيانٌ لشيطنتِه (٥)، أو صفتُه (٦) وما بعدَهُ خبرُه، وبجوزُ أن تكون
стр. 982
الإشارةُ إلى قوله على تقديرِ مُضافٍ؛ أي: إنما ذلكُم قول الشيطانِ، يعني: إبليسَ.
﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ القاعدين عنِ الخروجِ مع الرسولِ ﷺ ، أو: يخوفكم أولياءَه الذين هم أبو سفيان وأصحابُه.
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ الضميرُ للناسِ الثاني على الأول، وللأولياء على الثاني.
﴿وَخَافُونِ﴾: من مخالفة أمرِي، فجاهِدوا مع رسولي.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ الإيمانَ يرجِّحُ خوفَ اللهِ تعالى على كلِّ خوفٍ.
* * *
(١٧٦) - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: يقعونَ فيه سريعاً، ويرغَبون فيهِ أشدَّ رغبةٍ، وهم المنافقونَ وقومٌ من اليهودِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] (١).
والمعنى: لا يحزُنك خوفُ أن يضروك ويُعينوا عليك؛ لقولِه:
﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾؛ أي: لن يضرُّوا أولياءَ اللهِ بتلك المسارعةِ، وإنما يضرُّون بها أنفُسَهم، وإنما أضاف الضررَ إلى نفسِه تشريفاً لأوليائه.
و ﴿شَيْئًا﴾ يحتمِلُ المفعولَ والمصدرَ، وتنكيرُه للتحقيرِ.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا﴾: نصيباً في الثوابِ.
стр. 983
﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: وهو يدلُّ على تمادي طغيانهم وموتِهم على الكفرِ.
وفي ذكرِ الإرادة إشعار بأن كفرَهم بلغ الغايةَ حتى أرادَ أرحمُ الراحمينَ أن لا يكونَ لهم حظٌّ من رحمتِهِ، أو بأن مسارعتَهم إلى الكفرِ لأنهُ تعالى لم يُرِد لهم أن يكونَ لهم حظٌّ في الآخرةِ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مكانَ الثوابِ.
* * *
(١٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: تعميم للكفرةِ بعد تخصيصِ المنافقينَ وقومٍ من اليهودِ، فيتناولُهم ويكونُ كالبرهانِ على أن وبالَ كفرهم وضررَهُ لا يعود إلا إليهم، وأن لهم عذاباً مؤلماً مع عِظَمه.
* * *
(١٧٨) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نصبٌ على المفعوليةِ على قراءة: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاءِ (١). والخطابُ لكل مَن يحسَبُ، وقد نبَّهتُ فيما سبق على أن هذا أبلَغُ من تخصيص الخطابِ بالرسول ﷺ ، وقولُه:
﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾: بدلٌ منه على الاشتمالِ (٢)، و (ما) مصدريةٌ،
стр. 984
وحقُّها أن تُكتبَ منفصلةً، ولكنها وقعَت في خطِّ الإمامِ متصلةً فاتُّبعَ سُنتُه.
وإنما اقتصَرَ على أحد المفعولَينِ مع امتناعِ ذلك في أفعال القلوبِ؛ لأن الاعتمادَ على البدلِ، والمبدَلُ منه في حكم المنحَّى ليس بمقصود، فالبدلُ وهو (أنَّ) معَ اسمِه وخبرِه ينوبُ عنِ المفعولين، ويجوزُ أن يقدَّرَ مضافٌ، أي: ولا تحسبنَّ حالَ الذين كفروا (١).
وعلى قراءته بالتاءِ ف ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رفعٌ على الفاعليةِ.
والإملاء: الإمهالُ وإطالةُ العمرِ، وقيلَ: تخليَتُهم وشأنَهم، مِن: أملى لفرسِه، إذا أرخى لهُ الطِّوَلَ ليرعى كيف شاءَ.
﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾: جملة استئنافية لتعليل الحكم السابقِ، و (ما) كافةٌ، واللامُ للتعليلِ، فإن القائلينَ بأن الخيرَ والشرَّ بإرادةِ الله تعالى يجوِّزون التعليلَ بمثل هذا، إما لأنَّه غرضٌ والغرضُ لا يلزَمُ أن يكونَ مطلوباً، بل يكفي جعلُه غايةً للفعل، وإما لأنهُ مرادٌ مع الفعل تشبيهاً بالعلةِ، وهم الذين لا يجعلون فعلَ الله تعالى معلَّلاً بالغرض.
وقرئ: (أنما) بالفتح وبكسر الأولى (ولا يحسبن) بالياء (٢)، على معنى: ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم لازدياد الإثمِ بل للتوبة والدخولِ في الإيمان، و (إنَّ ما نملي لهم خيرٌ) اعتراضٌ معناه: إن إملاءنا لهم خيرٌ إن انتبَهوا وتداركوا فيهِ ما فرَطَ منهم.
стр. 985
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ على هذا (١) يجوزُ أن يكون حالاً من الواو؛ أي: ليزدادوا إثماً معدًّا لهم عذابٌ مهينٌ،
* * *
(١٧٩) - ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿مَا كَانَ اللَّهُ﴾ أراد استمرارَ النفي، لا نفيَ الاستمرارِ، فمعنى ﴿كَانَ﴾ مقدَّمٌ في الاعتبار واللامُ في: ﴿لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لتأكيدِ النفي.
﴿عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من اختلاطِ المؤمنين المخلِصين بالمنافقين حتى يَميزَ بينَهُم، والخطابُ للمؤمنين المخلصين؛ لأنهم الممنونُ عليهم، والموصوفون بالطيبِ، ولقوله: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾.
﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ تسجيل على المنافقين بالخبثِ، وعلى المؤمنين بالطيبِ؛ أي: حتى يُعزَلَ المنافق عن المخلصِ لئلا يتعدَّى خبثُهُ إليهِ.
والالتفاتُ إلى الخطاب تقريبٌ للمؤمنين وتخصيصٌ، والمعنى: لا يترككم مختلطين لا يُعرَفُ مخلِصكم من منافقكم حتى يميزَ المنافقَ من المخلصِ، بالوحيِ إلى نبيِّهِ بأحوالكم، أو بالتكاليفِ الشاقة التي لا يَصَرُ عليها ولا يُذعِنُ لها إلا الخلَّصُ المخلِصون منكُم؛ كبذل الأموالِ والأنفسِ في سبيل الله؛ ليختبِرَ بواطِنكم، ويستدلَّ به على عقائدكم.