← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وقد أغناه الله تعالي عن القتال، فقد استجابوا، فانتقل من الحرب إلي الموعظة الحسنة التي علمه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إياها. وإذا كان قد أوصاه الله تعالى بما يجب عند الحرب، فقد أوصاه أيضا بما يجب علي المؤمن فى كل الأحوال، ولقد ذكر هو هذه الوصية عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فيما رواه الإمام أحمد رضى الله تعالي عنه فقد جاء في هذه الوصية: «لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك، وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا، فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا، فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإنه بالمعصية يحل كل سخط، وإياك والفرار من الزحف، وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأحببهم فى الله » . ومن وصية النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قوله له: «إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين» . وبهذه الوصايا كان يعلم الناس واجبات الدين ومكارم الأخلاق، ومما علمه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قوله: «مفتاح الجنة شهادة أن لا إله الله تعالى» . وإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد ترك معاذ بن جبل بمكة المكرمة عند فتحها ليقيم فيها يعلم الناس، فقد أرسله أيضا إلي اليمن ليعلم أهله مع صاحبه أبى موسى الأشعري لتعليم الناس الإسلام. ومع هذا العمل الجليل، وهو تعليم الناس، كان رضى الله تعالي عنه يجمع الجزية دينارا من كل حالم ويقول في ذلك: «بعثني رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا وعددا من المعافرى (أى الثياب) وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا، وأمرنى فيما سقت السماء العشر، وما سقي بالدوالى نصف العشر» وذلك فى زكوات الأموال الظاهرة. ومن هذا يظهر أنه ولاه الخراج والجزية، وولاه الصدقات فكانت الولاية العامة شاملة- لكل ما يتعلق بإرادة الحكم. وقد روى الإمام أحمد فى مسنده، وإن كان لا يخرج عما اتفق عليه الأئمة أصحاب السنن، كما جاء فى الحديث السابق، وهذا نص ما جاء في رواية الإمام أحمد.

стр. 1017

أمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا «١» ، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشر ومائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات، أو أربعة أتباع. هذه رواية أحمد، وهي لا تخرج عن الرواية الأولي كما ذكرنا، وإن كانت أكثر تفصيلا، وإن الذى يهمنا فى هذه المسألة التي نترك تفصيلها لكتب الفقه علي نص الرسول صلي الله عليه وسلم في باب الزكاة بالنسبة للنعم والزرع والنقود. إن الذى يهمنا أن نذكر لماذا قصرت تعليمات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للزكاة على هذين الأمرين وهما زكاة الزرع وزكاة البقر، ولم يذكر لمعاذ رضي الله تعالي عنه أمرا فيما يتعلق بزكاة غير البقر من النعم وهي الغنم والإبل، ونقول: إن ذلك فيما يظهر لنا يرجع إلي أمرين: أولهما: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمر والي الصدقات بأن يجمع الأموال الظاهرة، وهى النعم والزروع والثمار، وترك غيرها من الأموال التي سميت في الفقه بالأموال الباطنة لدين الناس يقدمونها من غير تفتيش أو تكشف، لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دعا الناس إلي أن يعدوا الزكاة مغنما وألا يعدوها مغرما. الأمر الثاني: وهو الخاص بالعناية بذكر البقر دون غيرها من النعم، وقد بين ﵊ زكاة غيرها من النعم في مواضع أخري، كان يذكرها لمن يرسله لجمع الزكوات من القبائل التي تسكن الصحراء، لأن السوائم فيها كان أغلبها من الغنم والإبل. أما السبب في أنه فى أمره لمعاذ بن جبل ذكر له زكاة البقر والزرع، ولم يذكرها، لأنه فيما يظهر كانت اليمن أرضا زراعية، وفيها الخصب، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ، كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، وَرَبٌّ غَفُورٌ (سبأ: ١٥) وإن البقر يكثر حيث تكثر الزراعة، وحيث تكون أرض خصبة منتجة، ولذلك ذكر النبي صلي الله تعالى عليه وسلم لمبعوثه إلي اليمن زكاة ما يكثر فى اليمن من زروع وثمار وأبقار. ويروى أن معاذا اتجر في المال الذي جمعه، لأنه باع كل ماله فى دين مستغرق كان عليه، وجاء إلى اليمن خاليا من كل عرض من أعراض الدنيا، فتجر وكسب، ولم ينقص من هذا المال شيئا.

стр. 1018

وقد كان اتجاره لأن النبي صلي الله تعالي عليه وسلم قد علم خصاصته، فأرسله إلي اليمن، وظن أن ذلك ليجبر فقره في حلال، ولم يعد إلي المدينة المنورة إلا بعد وفاة النبي صلي الله تعالي عليه وسلم، وقد صار أبو بكر خليفة رسول الله ولكنه تظنن في حل هذا المال الذي اكتسبه بالتجارة. جاء إلي عمر ﵁ وقص عليه خبر هذا المال، وسأله ماذا يصنع به فقال الفاروق ادفعه إلى أبى بكر؛ فإن أعطاكه فاقبله، فقال الصحابي الجليل، لماذا أدفعه إليه، وإنما بعثني رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم ليجبرني. انطلق عمر به إلي أبى بكر، وطلب إليه أن يرسل إلي معاذ فخذ منه ودع له، أي فشاركه كسبه، فقال الصديق: ما كنت لأفعل إنما بعثه رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم ليجبره، فلست آخذ منه. ولكن معاذ التقي الذي اقتبس من نور الصحبة انطلق إلى أبي بكر يدفع إليه المال كله حتي السوط الذي كان يساق به فقال أبو بكر: خذه فهو لك. هذا وقد فوض النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إليه أمر قضاء اليمن، وشرح للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كيف يقضى إذا عرض له قضاء. فقد روي عنه نحو سبعين من أهل حمص أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض قضاء: قال أقضي بكتاب الله. قال ﵊، فإن لم يكن: قال فبسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قال أجتهد رأيي، وإني لا آلو، فضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم علي صدره، وقال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم. وإن ذلك الخبر كان أصلا للاجتهاد في الفقه، أخذ به من أخذوا بالقياس وعارض فيه من عارضوا القياس، وإنهم لشرذمة قليلون. وقد أثر له رأي في القضاء، وهو أنه لا يرث الكافر من المسلم، ولكن يرث المسلم من الكافر، وبهذا الرأي أخذ الإمامية من الشيعة، وعمل به معاوية، ولكن الجمهور الأعظم من الفقهاء لم يأخذ به. روي الإمام أحمد بسنده عن أبي الأسود الدؤلي قال «كان معاذ باليمن فارتفعوا إليه في يهودى مات، وترك أخا مسلما، فورث معاذ المسلم من اليهودى، وقال: «إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: «إن الإسلام يعلوولا يعلي عليه» وأخذ الحكم من القياس باعتبار أن الإسلام يعلو،

стр. 1019

والميراث يكون ثمرة لهذا العلو، ولأن الكفر باطل والإسلام حق يوجب الميراث، ولا يزول الحق لأجل الباطل. ولكن الجمهور الأعظم قالوا غير ذلك، وحجتهم صريح السنة قولا وعملا، فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم كما روي في الصحيحين: «لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر» . وقد ثبت عملا، فإن عقيل بن أبى طالب هو الذي ورث دور أبى طالب، ولم يرث منها جعفر، ولا علي، ولا أم هانئ ولا غيرهم من المسلمين عند وفاة أبي طالب، وقال النبى ﷺ فى فتح مكة المكرمة: ما ترك عقيل من دار، ولا يرث المسلم الكافر. وخلاصة القول أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل معاذا محاربا، ومعلما، وجامعا للصدقات والجزية وقاضيا في الخصومات، فكان هاديا مهديا. ويقول الحافظ ابن كثير في ولايته: كان قاضيا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وحاكما في الحروب، ومصدقا إليه تدفع له الصدقات. وقد ذكرنا ما قاله رسول رسول الله معاذ بن جبل فى اليمن هو وصاحبه عبد الله بن قيس (أبو موسى الأشعرى) ليعرف القارئ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يرسل الرسل من قبله إلى الجهات النائية على أنها سرايا أحيانا، وعلى أنهم معلمون، وإن لم تذهب عنهم صفة السرايا. فالدعوة الإسلامية أو تبليغ الرسالة المحمدية هي الأصل، وهي الغاية، فإن لم تقف في سبيلها عقبات، اكتفي، وإن وقفت محاجزات الأمراء والملوك كان الجيش المؤمن مزيلا لهذه المحاجزات حتى يخلو وجه الإسلام للدعوة المحمدية دعوة الله والحق. ولقد كانت كل بعثة محمدية معها قوة، لأنه يجتاز فيافي وقفارا، والأمن غير مستتب، وقد حدث أن جاء ناس من المشركين يخادعون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وذكروا له أن عندهم من يريد الإسلام فأرسل لهم من يعلمهم، أرسل معهم قراء، فأخذوهم، وباعوهم للمشركين، وآخرون قد قتلوهم، وقد تكرر ذلك، فكان الحذر يوجب على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ألا يرسل قراء وحدهم، بل لا بد من سرية حربية معهم، والله تعالي في عون عباده المخلصين.

стр. 1020

بعث علي رضى الله عنه ٦٩٣- كانت اليمن عدة أقاليم، فبعث ﵊ عبد الله بن قيس (أبا موسى الأشعرى) إلى مخلاف، وبعث معاذ بن جبل إلى مثله، وكانا متجاورين، فكان كل يذهب إلى صاحبه ولذا أمرهما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يتطاوعا ولا يختلفا. وبعث على بن أبى طالب بعد خالد بن الوليد، وهما محاربان، ولكن أمرهما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بألا يقاتلا إلا بعد الدعوة إلى الاسلام، والامتناع عن الإجابة إلى الإسلام أو إلى العهد. ولنذكر وصية النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعلى بن أبى طالب كما رواها السرخسى فى كتابه شرح السير الكبير للإمام محمد، وهى تشبه وصية النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لمعاذ التى أسلفناها. وهذه هى الوصية: «إذا نزلت بساحتهم، فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلا، فإن قتلوا منكم قتيلا، فلا تقاتلهم حتى تريهم إياه، ثم تقول لهم: هل لكم إلى أن تقولوا: لا إله إلا الله، ولأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير مما طلعت عليه الشمس وغربت» «١» . ولكن عليا رضى الله تعالى عنه، لم يقاتل، ولم يكن فى حال يعرض عليهم ما أمره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يعرضه، لأنه جاء إلى من أرسل إليهم على من أهل اليمن قبله خالد بن الوليد ودعاهم إلى الإسلام أو القتال فأسلموا ولم يقاتلوا، وجمع منهم خالد بن الوليد فيئا وغنائم لم تخمس، فأرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليا ليقسمها، أو ليخمسها كما يفهم ذلك من الروايات المتضاربة. قال البخارى بسنده «بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليا إلى خالد ليقبض الخمس» وقال أبو بريدة راوى الحديث عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «وكنت أبغض عليا» . وإنه يبدو من السياق التاريخى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعث عليا ليأخذ خمس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وذى القربى واليتامى والمساكين. وإن ذلك لم يكن وحده هو رسالة خالد، بل كانت رسالته مع ذلك الدعوة إلى الإسلام وتعليمهم، وأن يؤمهم فى الصلاة. قال البراء بن عازب فى رواية البيهقى: «كنت فيمن خرج مع خالد ابن الوليد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث على بن أبى طالب. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، ثم تقدم فصلى بنا فصفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأسلمت همدان جميعا.

стр. 1021

فكتب على إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الكتاب خرج ساجدا لله، ثم رفع رأسه وقال: السلام على همدان، السلام على همدان. ويظهر أن خالدا لم يعد إلى المدينة المنورة. بمجرد مجيء على كرم الله وجهه، بل مكث مدة، ولا نريد أن نفرض أن خالدا كان فى نفسه موجدة من إرسال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليا، ولكن نترك الحوادث حول على تتحدث والأمور التى تدور حول على تنطق. لم يكن على رضى الله عنه وكرم الله وجهه محبوبا فى الأوساط العربية، وخصوصا الذين ينتمون إلى أقوام كانت لهم محاربة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى بدر وأحد والخندق، ثم حنين فقد كان سيف على كرم الله وجهه فى الجنة سريعا إلى الرقاب، كما كان سيف عمه حمزة فى بدر، وقد استطاع الشرك أن يقتل أسد الله حمزة، فبقى لعلى الإحن. إن عليا جاء لأخذ الخمس الذى يوضع تحت يد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لقرابته، ولقد أخذ على ذلك الخمس، وكان فيه سبية جميلة، فأخذها على، وعاشرها بملك اليمين، فقامت لذلك ضجة، وأمر خالد فيما يظهر أن يبلغ ذلك للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم على أن عليا ملوم فيه، ولنترك الكلمة لأبى بريدة. حدث الإمام أحمد بسنده إلى أبى بريدة «قال أبو بريدة أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا، وأحببت رجلا «١» من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا، فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا فأصبنا سبيا، فكتب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. ابعث إلينا من يخمسه فبعث إلينا عليا وفى السبى وصيفة من أفضل السبى، فخمس وقسم، فخرج، ورأسه يقطر فقلنا يا أبا الحسن ما هذا؟ فقال ألم تردوا إلى الوصيفة التى كانت فى السبى فإنى قسمت وخمست فصارت فى الخمس ثم صارت فى أهل بيت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فكتب الرجل إلى نبى الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلت ابعثنى، فبعثنى مصدقا فجعلت أقرأ الكتاب وأقول صدق فأمسك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدى والكتاب. فقال: أتبغض عليا، فقلت: نعم. قال: فلا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حبا، فوالذى نفس محمد بيده لنصيب آل على أفضل من وصيفة، قال أبو بريدة، فما كان من الناس بعد قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أحد أحب إلى من على. إن هذا الخبر يدل على أن عليا رضى الله تعالى عليه كانت تتقصى هفواته ولكنه لم يفعل حراما وحسبنا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يستنكر فعله، بل أيده. ويدل الخبر أيضا على بغض

стр. 1022

الرجل الذى أشار إليه لعلى، وأنه كان يريد أن يصوره أمام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى موقف الظنين. والطريق لم يكن معبدا أمام على، لأنه حيث كان البغض، فإنه يدعثر الطريق، ويصعب الوصول إلى الحق المبين الصريح، ولقد كان لنا أن نعلق على عمل على كرم الله وجهه، لولا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أقره. ومع أن الطريق لم يكن معبدا أمامه رضى الله تعالى عليه، فإنه كان شديدا فيما يعتقد أنه الحق، لا تأخذه فيه هوادة، بل ينفذه فى صرامة، لا رفق فيها أو بالأحرى لا لين فيه. ومن ذلك أنه كان تحت يده إبل الصدقة، وقد روى البيهقى عن أبى سعيد الخدرى: «كنت فيمن خرج معه (أى على) فلما أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا وكنا قد رأينا فى إبلنا خللا، فأبى علينا وقال إنما لكم فيها سهم كما للمسلمين. فهو لا يريد أن يمكنهم منها قبل أن تقسم السهام وهو غير الوصيفة، فإنه جاء لتسلم خمس النبى ﷺ وذوى قرابته، فبالاستيلاء، قد استولى على سهمه أما هم فهم يريدون الانتفاع بها من غير تقسيم. وذهب من ذلك على كرم الله وجهه ليلقى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى حجة الوداع واستخلف على بعض من معه على الغنائم، فسأله الناس ما منعه على كرم الله وجهه فى الجنة، فسألوه ما منعه على فأجابهم. لما حج على مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقفل راجعا بأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ورأى ما حدث فى غيبته فرأى أثر الركوب فى إبل للصدقة فجاء بحق من أنابه وقدمه ولامه على ما فعل وأعاد المنع كما بدأ. فقال أبو سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه: لئن قدمت المدينة المنورة لأذكرن لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما لقيناه من الغلظة والتضييق. بلغ ذلك للنبى ﷺ ، فقضى لعلى وأنصفه فيما فعل، وقال: لقد علمت أنه أحسن فى سبيل الله، ومنها- أنه عندما تعجل فى الحج مع رسول الله ﷺ . وخلف ذلك الرجل المتساهل، وقد أعطى ما منع على كان قد كسا الجيش كله حللا، كل رجل حلة، فلما عاد على من الحج، دنوا منه وعليهم الحلل، فلما رأى عليهم الحلل، قال ما هذا؟ قالوا كسانا فلان، فقال لمن خلفه ما دعاك إلى هذا قبل أن تقدم على رسول الله ﷺ ، فاشتكوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 1023

وفى الحق أن توقف على كان فى هذه المسألة سليما لأن هذه الحلل كانت من جزية موضوعة، فما لأحد أن يوزعها، قبل إعلان الرسول ﷺ بها. وتلقى أمره فى توزيعها. كانت الشكوى من على كرم الله وجهه قد شاعت فى الحجيج وكثر القول فيه وكل من تكلم كان مغرضا لا يروم الحق، ولعلى الحق فى كل ما فعل، ولكن البغض له خصوصا من له فى الجيوش الإسلامية مكان من قبل ومن بعد. ولقد قال فى ذلك الحافظ ابن كثير فى تاريخه: «والمقصود أن عليا كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة، واسترجاعه منهم الحلل التى أطلقها لهم نائبه، وعلى معذور فيما فعل لكن اشتهر الكلام فيه فى الحجيج، ولما رجع النبى ﷺ من حجته وتفرغ من مناسكه، ورجع إلى المدينة المنورة فمر بغدير خم، قام فى الناس خطيبا فبرأ ساحة على، ورفع من قدره، ونبه على فضله، ليزيل ما فى نفوس كثيرين» . وننبه هنا إلى أمور ثلاثة يوجب الحق التنبيه إليها: أولها: أن كلمة ابن كثير بالنسبة لعلى كرم الله وجهه «إنه معذور» لا نرى أنها فى موضعها، والأولى أن يقول أنه كان فيها محقا، ففرق كبير بين المعذور والمحق، فإن المعذور مخطيء له عذر، وأما المحق فإنه غير مخطيء، وما كان على فى أمر الحلل والرواحل إلا محقا منفذا ولو كان فى شدة. ثانيها: أن الكلام الذى قيل فى غدير خم انتهى بقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» . ثالثها: أن هذا كله من بغض علىّ كبغض أبى بريدة الذى ذكرناه وبغض الرجل الذى كان يحبه أبو بريدة، وقد نالته موجدة من إرسال على كما أشرنا. وقد عاد قبل عودة على كرم الله وجهه فعمل على إشاعة القيل والقال على إمام الهدى، ولقد كانت عبارة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم توميء إلى أن الذين أشاعوا ذلك معادون لعلى مبغضون له بغض أبى بريدة أولا، ولكن الله تعالى هداه بهداية النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وعلى رضى الله تعالى عليه جدير بأن ينفس الناس عليه فضله، فقد مكث الرجل ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا، وبمجرد لقاء على رضى الله عنه، قد استجابوا لداعى الحق، وعلى فوق ذلك العالم الجليل والشجاع المحارب، وبطل بدر وأحد وهو الذى حمل اللواء. وعلا، ورأى المشركون أنه لا سبيل لأن يبقوا أمامه فعادوا كأنهم المهزومون وهم الذين أصابوا جراحات فى المسلمين.

стр. 1024

لقد كان على فريسة المبغضين فى موطنين: أحدهما: فى جماعة على، وقد برأه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ورد كيد الكائدين وأطفأ نيران الغضب عند من ظهر غضبه. الموطن الثانى: فى خلافته وخروج البغاة عليه، وتحرك الضغائن، وفى هذه المرة لم يكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حيا، فلم يقف بغدير خم يقول: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» . تولية على قضاء اليمن: ٦٩٤- كان القضاء فى العادات العربية يتولاه أسن الرجال، وأكثرهم تجارب، ومعرفه لعادات القبائل، فكان يقضى مثل أكثم بن صيفى الذى عاش حتى بلغ نحو التسعين من عمره، لأن القضاء يحتاج إلى فضل تجربة وفضل تأثير، لتنفيذ الأحكام نفسيا، ويذعن المتخاصمون لها قلبيا ويكون له من الجلال فى وسط قومه ما يجعل قوله فصلا، يؤمنون بالعدل فيه. ولذلك لما عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى على أن يقضى فى اليمن فى غير الحيز الذى كان فيه معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعرى إذ كان اختصاصه يعم اليمن كله، لما عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك إلى على استصغر سنه وعرض على النبى ﷺ أنه حدث السن، إذ لم يكن إلا فى حدود الثانية أو الثالثة والثلاثين. روى ابن ماجة، والإمام أحمد عن على كرم الله وجهه، قال: بعثنى رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، تبعثنى إلى قوم أسن منى، وأنا حدث لا أبصر القضاء، فوضع يده على صدرى، وقال: اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه، يا على إذا جاءك الخصمان، فلا تقض بينهما، حتى تسمع من الآخر ما سمعت من الأول، فانك إذا فعلت ذلك تبين لك الحق. فما اختلف على على قضاء بعد. وإن هذه الدعوة النبوية قد صدقت فى على كرم الله وجهه، فقد ثبت الله تعالى لسانه، حتى كان أخطب الناس بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأثبت الناس قولا بعده ﵊ وكان مهديا، فما لان فى حق ولا مالا مبطلأ، وهداه فى القضاء حتى روى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «أقضاكم على» وكان عمر كما ذكرنا يسأله إذا أعضل عليه القضاء فى مسألة من مسائله، فيقول: مسألة، ولا أبا حسن لها.

стр. 1025

وقد رويت عنه روايات فى قضائه دالة على نفاذ بصيرته، وانفتاق عقله الذى هو قبسة من الهدى المحمدى، إذ رضع لبان هذه الهداية صغيرا، وتربى عليها، ونزح بدلو المعرفة من أعظم ينبوع لها: وقد ذكرت له مسائل فى القضاء هداه الله تعالى إليها، فقد كان يحاول الوصول إلى الحقيقة. خصوصا فى الأنساب، فلا يترك من ولدا من حلال من غير أب. تنازع اثنان فى نسب ولد، ولم يكن لأى واحد منهما دليل، وكان المنتظر أن يتهاتر الادعاآن، ولا يكون للولد نسب، فلما لم يجد سبيلا أقرع بينهما، وحكم بالنسب لمن تحكم له القرعة، وعليه أن يدفع الدية للآخر، وبهذا أنصف الرجلين ولم يهدر نسب الولد، وبهذا أخبر الإمام أحمد عن على، وقد أفرد عن غيره بهذا الرأى، وروى عن على كرم الله وجهه قضاء فى مسألة معقدة، وانتهى فيها إلى حكم، لا يزال موضع إعجاب رجال القضاء إلى اليوم. روى الإمام أحمد أن قوما كان يغير عليهم أسد، فبنوا له زبية (مكانا يتردى فيه) فتدافع الناس فسقط رجل، فتعلق به آخر، ثم تعلق بالآخر ثالث، وتعلق بالثالث رابع، وقد جرحهم جميعا الأسد وماتوا. فجاء أولياء المقتولين، وهموا بأن يقتتلوا. فقال لهم إمام الهدى بعد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أتريدون أن تتقاتلوا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حى، إنى أقضى بينكم قضاء إن رضيتم به، فهو القضاء، وإلا أحجز بعضكم عن بعض، حتى تأتوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليكون هو الذى يقضى بينكم فمن عدا بعد هذا فلا حق له. كان قضاء على فى القضية، يسير على مبدأين: أحدهما أنه لا يبطل دم فى الإسلام، وذلك مبدأ مقرر روى بعبارته عن على كرم الله وجهه فى الجنة. الثانى- أن العجماء جبار، أى ما تجنى الدواب لا غرامة فيها إلا أن يكون صاحبها المتسبب فيغرم هو الدية كلها أو بعضها. ونجد أن الأول تسبب فى هلاك الثلاثة بعد، وقد تمكن السبع من الجميع بترديه أولا، ثم تعلقه بالثانى والثانى بالثالث والثالث بالرابع. وكانت الدية واجبة كاملة لهم جميعا بناء على القاعدة الأولى، ولكن ليستنزل من دية كل واحدة دية من تسبب فى قتله، وقد تسبب فى قتل ثلاثة، فيأخذ ربعا، بإسقاط ثلاثة أرباع لمن تسبب فى قتلهم، فهو السبب فى قتل ثلاثة. والثانى تسبب فى قتل اثنين، فينقص من ديته الثلثان، فيكون له الثلث، والثالث، تسبب فى قتل الرابع، فيخصم من ديته النصف، والرابع، وهو الذى سقط أخيرا لم يتسبب فى قتل أحد، فلا يخصم من

стр. 1026

ديته شيء قط، وبذلك يكون المطلوب ديتان وسدس دية، هذا معنى قول على فى قضائه، فقد قال: «اجمعوا من قبائل الذين حفروا البئر، ربع الدية، وثلث الدية، ونصف الدية، والدية كاملة» . فللأول الربع، لأنه هلك، والثانى ثلث الدية والثالث نصف الدية، والرابع الدية، هذا قضاء على، وقد طلبت هذه الديات ممن حفروا البئر، لأنهم المتسببون ابتداء والتسبب الآخر نسبى، فى دائرة التسبب الأصلى. ولا نعلم فى هذه القضية المعقودة المتشابكة التى ترابطت فيها الأسباب، وتشابكت أعدل من هذا وإذا كان ثمة بعض الانفكاك فى المقدمات أو بتوهم ذلك، فإن قضاء على فى هذا هو أحكم القضاء. ولكن أولياء المقتولين، لم يرتضوا ذلك، وكان كل ولى يريد دية كاملة لمقتوله. وذهبوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو فى حجة الوداع، وهو عند مقام إبراهيم، فقصوا عليه القصة، فقال أنا أحكم بينكم، فقال رجل من القوم. يا رسول الله، إن عليا قضى علينا، وقصوا على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قضاء على، فأجازه رسول الله ﵊. وبعد، فهذا على كرم الله وجهه فى اليمن، كان الداعية المستجاب فى دعوته للإسلام، فامنوا لفرط تقواه، وإشراق نور الإيمان فى قلبه، فما يخرج من القلب يصل إلى القلوب وإخلاص الداعى هو الجاذبية التى تحوط المدعو. فتهديه إلى الإيمان إن لم تعتكر القلوب. وتفسد الضمائر. وهذا على الحاكم الحازم لم تأخذه فى الحق هوادة، وليس لباطل عنده إرادة وإن شكا الناس منه غلظة فلفساد قلوب تستغلط الحق، وتستطيب الباطل، وقد أنصفه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منهم- ونعم المنصف العادل. وهذا على فى قضائه العدل الحكيم، والله ولى المؤمنين.

стр. 1027

بعث الصديق ليكون أمير الحج ٦٩٥- فى زحمة الوفود لم نسر فى مسار التاريخ، فلم نذكر الوقائع فى مواقيتها، ميقاتا بعد ميقات لأن الوفود لم يكن ميقات كل واحد منها محدودا بحد لا يقبل الاختلاط بغيره، ولذا ذكرناها فى مواقيتها على وجه التقريب، لا على وجه التعيين. ومهما يكن فإن غالبها ذكر فى ميقاته وفى مناسباته، ولكن الأمر الذى لم نذكره فى ميقاته، بل ذكر ما بعده- قبله، هو حجة أبى بكر التى تولى فيها إمرة الحج، وهذه أول حجة كانت بإمرة من النبى ﷺ أى كانت فى ظل الإسلام، بعد أن هدمت الأوثان من فوق الكعبة الشريفة، ومن حولها، بل من حول أم القرى كلها. كان حج أبى بكر عقب غزوة تبوك التى كانت آخر غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن بعدها، أخذ يستقبل الوفود، ويرسل الدعاة إلى الإسلام ويقتفى آثارهم فى دعواتهم، ومقدار الاستجابة لهم، فانتهى بهذه الغزوة، عهد تأمين الدعوة فى عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وتفرغ ﵊ للدعوة ذاتها، وقد زالت كل المحاجزات المانعة واستمر دخول الناس فى دين الله تعالى أفواجا، وقد ابتدأ ذلك من بعد صلح الحديبية كما أشرنا إلى ذلك فى موضعه من القول. وعلى ذلك فالدعوة كان لها ثلاثة أدوار: الدور الأول دور وضع الأسس وتكون جماعة قوية فى إيمانها، وإن كان فيها ضعف فى السلطان، وقلة فى العدد، وأولئك هم الحواريون لمحمد ﵊ كالحواريين لعيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. والدور الثانى دور الدعوة، وتذليل العقبات، وإزالة الحجزات فالدعوة لم تكن السبيل أمامها معبدة، بل كان لا بد من عمل لتعبيدها بإزالة كل العقبات التى تقف فى طريقها. الدور الثالث كان بعد أن زالت العقبات فى الجزيرة العربية وصار الدين لله تعالى وقد كانت حياة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وصحابته من المهاجرين والأنصار الذين حضروا بيعة الرضوان خالصة للدعوة، وتبيين الحقائق الإسلامية، وبذلك كان كل من يبعثهم من أهل بيعة الرضوان، وإن بعث من غيرهم أردفه بواحد من الحواريين الأولين أو أهل بيعة الرضوان، كما فعل مع خالد وعلى رضى الله عنهما بالنسبة لليمن، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل. اتجه ﵊ فى الدور الثالث إلى تطهير مكة المكرمة من أن يدخل فيها رجس الجاهلية من عبدة الأوثان. ولقد جرى حج السنة الثامنة على ما كان يجرى عليه من قبل فلم يصد عنها

стр. 1028

مشرك، فلما آلت إمرة الحج إلى الإسلام، منع الله المشركين من أن يدخلوا المسجد الحرام فى السنة التاسعة، ونزل قوله تعالى فى سورة براءة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا، وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، إِنْ شاءَ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ التوبة. يقول ابن إسحاق إنه بعد تبوك التى انتهت فى رمضان قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقية رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، لم يصدوا بعد عن البيت ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد. كان هناك إذن عهدان: عهد جاهلى، وهو عام فيه إذن بألا يصدوا عن البيت، وقد كان هذا على العادة الجارية، وقد توثق بعد الحديبية، وعهد خاص قد عقده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهذا يبقى إلى أمده. وإن العهد الذى جرى على مجرى العادة الجاهلية، قد انتهى بأن صار للإسلام الكلمة العليا، وصار التوحيد هو الحاكم، وجاءت ملة إبراهيم الصحيحة فى الإسلام بعد أن انحرف العرب، وعبدوا الأوثان فلم يكن منع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بحكم القرآن الكريم، نقضا للعهد، ولكنه تصحيح للوضع. أما عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فهو قائم على أسسه حتى ينتهى أمره. وإن أبا بكر ما أن فصل بركبه، حتى لحق به على بن أبى طالب يحمل سورة براءة، وكانت قد نزلت بأنه لا عهد للمشركين عبدة الأوثان فى أن يحجوا البيت الحرام بعد عامهم هذا. قال ابن إسحاق: لما نزلت سورة براءة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان قد بعث أبا بكر ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله: لو بعثت بها إلى أبى بكر، فقال ﵊: «لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى» ثم دعا على بن أبى طالب، فقال له اخرج بهذه (آيات من صدر براءة) ، وأذن فى الناس بالحج يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم البيضاء فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال على: بل مأمور ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج إذ ذاك فى

стр. 1029

تلك السنة على منازلهم من الحج التى كانوا عليها فى الجاهلية إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن فى الناس بالذى أمره به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأجل أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم، وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا عهد كان له عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فهو إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان. وروى الإمام أحمد أن على بن أبى طالب قال: بعثت يوم بعثنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع أبى بكر فى الحجة بأربعة: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عهد، فهو إلى مدته. ولا يحج المشركون بعد عامهم هذا. وهذا الكلام يستفاد منه إبطال العادات الجاهلية فى الحج كطواف غير قريش عرايا، وقريش تمتاز بأن يطوف حجاجها لابسين. ولقد قسم الحافظ ابن كثير الحجيج من المشركين إلى قسمين من لهم عهد، فإنه يلتزم بعهده إلى نهاية مدته، ومن ليس له عهد يؤجل إلى أربعة أشهر. وهذا التأجيل وإلغاء العهد ثبت بقوله تعالى فى أول سورة براءة. بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ. وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ، وَاحْصُرُوهُمْ، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ، فَإِنْ تابُوا، وَأَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وإن هذا النص الكريم فيه الوفاء بالعهد للذين أوفوا بعهودهم، وأن من يكونون غير معاهدين ينتظرون أربعة أشهر، حتى يصلوا إلى مأمنهم فى بلادهم. وليس معنى الوفاء لذوى العهد الذين عاهدوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يمكنوا من دخول البيت الحرام وهم باقون على شركهم، فإن الآية الكريمة صريحة فى المنع، إذ قد تلونا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا.

стр. 1030

وإن التأجيل أربعة أشهر، إنما هو خاص بقتالهم وقتلهم، فأعطوا مهلة أربعة أشهر ليصلوا إلى مأمنهم ولا يؤخذوا على غرة وقد جاؤا حاجين طائفين فى زعمهم. ٦٩٦- ونقف هنا وقفة قصيرة فى اختصاص أبى بكر وعلى فى هذه الحجة المباركة. لقد اختص النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أبا بكر بأن تكون له إمرة الحج، ولما لاقاه على قال أبو بكر أمير أم مأمور، فقال له بل مأمور، هذا ما اختص به أبا بكر، وإن ذلك بلا ريب تشريف لأبى بكر، وإكبار لإمرة الحج فى ذاتها، واختص عليا بأن يكون المبلغ لنزول سورة براءة وفى أكثر الروايات ان النبى ﷺ قال فى اختصاص على بتبليغ نزول سورة براءة «لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى» إذ ذلك بلا ريب اختصاص فيه تكريم وثقة كاملة من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد أخذ الشيعة الإمامية وغيرهم ممن يجعلون عليا أولى بالخلافة من الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما، قد أخذوا من هذا أن عليا أفضل أو أولى بالخلافة عنه ﵊ منهما، لأن الخلافة خلافة عن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم يقوم بما كان يقوم به الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فى أمر أمته ورياستها والقيام بحق التبليغ، الذى هو أخص أوصاف الإمامة الكبرى، ويؤيد هذا قوله ﵊: «لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى» فكون الخلافة لعلى كرم الله وجهه فى الجنة لأن الخلافة أداء لبعض أحكام النبوة أو لكلها وإن كان لا نبى بعد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. استدلوا بهذا وبقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما تركه فى المدينة المنورة ليقوم على أهله: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبى بعدى» . فأخذوا من هذا الحديث أن لعلى عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم منزلة فوق منزلة غيره من الصحابة الأكرمين، فإذا كان أبو بكر رضى الله تعالى عنه، وعمر الفاروق لهما فضل الصداقة فعلى بالنص له فضل الأخوة، والمشاركة بيد أنه ليس بنبى، ولا يوحى إليه، وإن هذا يجعل عليا فى مكانة أعلى منهما. وبنوا على ذلك أنه وصيه كما بنى الزيدية على هذا أنه أفضل من أبى بكر وعمر وإن لم يكن وصيا. واستدلوا ثالثا- بقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى غدير خم عند رجعته من حجة الوداع «من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وإن هذا يدل على أن الولاء لعلى ولاء للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعاداته معاداة للنبى ﷺ ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة غيره، وهو بذلك أولى بالخلافة من غيره، وهو أفضل من الشيخين وغيرهما.

стр. 1031

ذلك ما قالوه، وما اتفقوا عليه، فقد اتفق الشيعة جميعا على فضل على رضى الله عنه وأنه مقدم على أبى بكر وعمر وإن اختلفوا فى ذلك كثيرا.. ونحن نقرر أن ما ساقوه يدل بلا ريب على فضل على أولا، وعلى محبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثانيا، وعلى أنه ﵊ كان يعهد إليه بأشد المهام وثاقة بالدين ثالثا. ولكنه لا يدل على أنه أولى بالخلافة من الشيخين رضى الله تعالى عنهما، لأنه إذا كان قد أنابه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى تبليغ سورة براءة، فقد ولى أبا بكر رضى الله عنه ما هو أمس بالإمرة والخلافة وهو إقامة الحج كما اختاره لإقامة الصلاة وهى الإمامة الصغرى وقد يكون ذلك إيذانا له بالإمامه الكبرى كما جرى على ألسنة بعض الصحابة «اختاره لامر ديننا أفلا نختاره لأمر دنيانا» وعلى ذلك لا نجد فى هذا أن يكون على أولى بغيره من الخلافة. وأما الدليل الثانى وهو أنه قاله فى معرض توضيح السبب فى تركه وعدم الذهاب معه فى غزوة تبوك فهو بيان محبته له ولصحبته، ردا على الإشاعة الكاذبة التى أشاعها المنافقون والمرجفون وهو أنه تركه استثقالا لصحبته، فكان لا بد أن يظهر محبته ومنزلته عنده، وهى اخوته له، كما أن هارون أخو موسى، ولذلك ازدياد فى القول بما يؤكد هذا المعنى، إذ قال ﵊: غير أنه لا نبوة بعدى. وإن عليا كان أخا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى المؤاخاة التى عقدها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقد بينا ذلك، وذكرنا صحة الخبر ورددنا على ابن القيم فى موضعه. وكونه أخاه وأبو بكر صديقه أبلغ ما تكون الصداقة فلا دليل فى هذا أيضا على أنه أحق بالخلافة وفوق ذلك أن الخلافة تحتاج إلى الشورى إذ يقول الله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ. فإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد ذكر أخوة على، وصداقة أبى بكر، وتقديره لعمر، فليس فى ذلك إلزام، مادام أساس الأمر شورى المسلمين. وأما الدليل الثالث، وهو حديث غدير خم الذى يقول: «من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» فقد بينا المناسبة التى قيل فيها هذا الحديث، وهو رد الإشاعة الكاذبة، ورد المنافقين أو من عندهم شبهة النفاق، وبيان أنه لا يصح لمؤمن أن يبغض عليا، لأنه إذا كان قد قتل كثيرا فهو فى سبيل الله، وبأمر من الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، فمن يبغضه لذلك إنما يريد أن يحط من قدر الجهاد والمجاهدين، وإذا كانت النفس لا تحب من يكون سببا فى إزهاق نفس حبيب فالإيمان يوجب ألا يظهر ذلك فى قول أو عمل، وفوق ذلك فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يوافقه فى أحكامه التى حكم بها.

стр. 1032

وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولى كل مؤمن صادق الإيمان، كما قال تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فكل مؤمن ولى للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويصح أن يقال ذلك عن المؤمنين جميعا بأنهم أولياء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ومهما تكن قوة هذه الاستدلالات، فإنه من المؤكد أنها تدل على فضل محبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعلى كرم الله وجهه وأنه يجب على كل مؤمن يحب الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحبه، لأنهما يحبانه كما جاء فى غزوة خيبر، ولقد ذكرت ذلك عائشة رضى الله تعالى عنها، فإنه عندما بلغها مقتله، وقفت على قبر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم تقول: جئت أنعى حبيبك المرتضى، وصفيك المجتبى، وأحب أصحابك إليك، جئت أنعى إليك على ابن أبى طالب. فعلى كرم الله وجهه هو الحبيب للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا كاف لرفع منزلته ومحبته ولعن كل من ينال منه أو يلعنه. تنبيهان لا بد منهما: ٦٩٧- التنبيه الأول: نقف هنا وقفة قصيرة ننبه فيها إلى أمر جدير بالتنبيه، وهو أننا نقلنا عن الحافظ ابن كثير وغيره من رواة السيرة أن الذين ليس لهم عهد مقيد محدود يؤجلون أربعة أشهر حتى يبلغوا مأمنهم، وإنه بتتبعنا وتبصرنا للآيات الكريمة وجدنا أن هذه الأشهر الأربعة هى الأشهر الحرم، لأنه ذكر بعد ذلك فى الآيات الكريمة ما يدل عليها، فقد قال سبحانه بعد ذلك: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ، فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ وإن ذلك يبين أن الأشهر التى ذكرت فى قوله تعالى: «فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر» ذكرت غير معرفة، ثم عرفت بعد ذلك بذكر أربعة الأشهر معرفة، ومن المقررات النحوية أنه إذا أعيدت النكرة معرفة كان ذلك تعريفا لها. وإنا نرجح ذلك، والله أعلم بمراده. التنبيه الثاني: أنه قرر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يريد الحج عقب غزوة تبوك، ولكنه كره أن يحج مع المشركين، إذ كان منهم من يحج عريانا وقد زادوا أمورا جاهلية على سنة إبراهيم ﵊ فى الحج، ولقد جاء ذلك فى تاريخ الحافظ بن كثير، فقد قال عن مجاهد: براءة من الله ورسوله إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد أو غيرهم فقفل رسول الله صلى الله

стр. 1033

تعالى عليه وسلم من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحج، ثم قال: إنما يحضر المشركون، فيطوفون عراة، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر وعليا رضى الله عنهما، فطافا بالناس ... فأذنوا أصحاب العهد أن يؤمنوا أربعة أشهر متتاليات» وإن هذا يدل على أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان على نية أن يحضر الحج ولكن عوقه عن ذلك أنه قدر أن سيحضر الحج المشركون، ويطوفون على جاهليتهم عراة، ويظهر انحرافهم عن سنة إبراهيم فى الحج فامتنع عن الحضور حتى لا يكون حضوره ﵊ فيه نوع إقرار لعملهم ولم يمنعهم من الحج لأنه لم يعلمهم من قبل بأنه لا يجوز لهم أن يقربوا المسجد الحرام. والحكمة الإسلامية فى الأحكام ألا تنفذ الأحكام المانعة إلا بعد العلم بها. سورة براءة ٦٩٨- إن المتفق عليه أن أبا بكر رضى الله عنه، ذهب بالناس يحج بهم، وأن عليا رضى الله تعالى عنه، ذهب حامل براءة يتلوها عليهم. ويروى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما حمّلها عليا رضى الله تعالى عنه قال على: يا نبى الله تعالى، إنى لست باللسن ولا بالخطيب، فقال ﵊: لا بد لى أن أذهب بها أنا، أو تذهب بها أنت، قال على: إن كان لا بد فسأذهب بها أنا، وقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «انطلق فإن الله تعالى يثبت لسانك، ويهدى قلبك، ثم وضع يده على فيه. فهذه دعوة أولى من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يثبت لسانه ويهدى قلبه. والثانية كانت بعد ذلك عندما بعثه إلى اليمن داعيا وقاضيا. وبهذه الدعوة الطيبة الطاهرة المستجابة كان على كرم الله وجهه أخطب الناس بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. حمل على كرم الله وجهه فى الجنة سورة براءة، أهو حملها كلها؟، وهى من طوال السور، أم حمل الجزء الأول منها الخاص بعهود المشركين ودخولهم البيت الحرام؟. نقول فى الجواب عن ذلك أن عبارة ابن كثير فى رواياته تفيد أن الذى حمله على هو أول السورة الخاص بالمشركين، ودخولهم البيت، وعهودهم، فقد جاء فيه عن محمد بن كعب القرظى وغيره قالوا بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع، وبعث على بن أبى طالب بثلاثين أو أربعين آية من براءة فقرأها على الناس، يؤجل المشركين أربعة أشهر.

стр. 1034

وإن هذه الرواية تدل على أنها لم تكن قد نزلت كلها، أو حملت كلها بل حمل منها ثلاثون آية تنتهى بقوله تعالى عن أهل الكتاب: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ، أو أربعون آية تنتهى بقوله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. هذا ما رواه ابن كثير، أما ما ذكره ابن إسحاق فإن ظاهره أن السورة كلها أنزلت عقب تبوك وحملها على بن أبى طالب ليتلوها على الناس، ويبين ما يتعلق بالحج. ويقول فى ذلك ابن إسحاق: نزلت براءة فى نقض ما بين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذى كانوا عليه فيما بينه وبينهم ألا يصد عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد فى الشهر الحرام. وكان ذلك عهدا على ما بينه وبين الناس من أهل الشرك، وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبين قبائل العرب خصائص إلى آجال مسماة فنزلت فيه، وفيمن تخلف من المنافقين عنه فى غزوة تبوك، وفى قول من قال منهم، فكشف الله تعالى فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، وظاهر هذا الكلام أن سورة براءة كلها نزلت عقب غزوة تبوك، وأن نصوصها السامية كلها تؤكد هذا المعنى وتوضحه، فهى كما رأينا عند الدعوة إليها تتبين فيها حال مؤمنهم ومنافقهم فى هذه الغزوة عندما دعا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إليها، وحال المخلفين، وأعذار المستضعفين، وما ينبغى أن يكون بالنسبة للجهاد. وإننا إذا تركنا ظواهر هذه الرواية فإنا نقول: إنها نزلت كلها عقب غزوة تبوك، ولكن ما يحمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليا، إلا ببعض من أولها- الذى فيه منع المشركين من البيت الحرام، وصدهم عنه، لأنه لا يعمر مساجد الله إلا من آمن بالله واليوم الآخر، وذلك ما صرح به ابن إسحاق إمام السيرة، فقد قال رضى الله عنه: ولأن ذلك كان يشتمل على ما كلف عليا أن يبلغه، وهى الأمور التى ذكرناها آنفا. وعبارات ابن إسحاق بعد تعميمه الأول تفيد تخصيصا بأول سورة براءة. فقد قال: «دعا ﵊ على بن أبى طالب رضوان الله تعالى عليه، فقال له اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن فى الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الكعبة المشرفة كافر ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عهد، فهو إلى مدته. وهذا النص يدل على أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حمله صدر سورة براءة، ولم يحمله السورة كلها.

стр. 1035

ما اشتملت عليه سورة براءة: ٦٩٩- وإن الروايات كلها أنها قد نزلت بعد غزوة تبوك، وقد تعد من أواخر السور نزولا، وظاهر الروايات أنها نزلت دفعة واحدة، وأن ما اشتملت عليه يدل على أنها نزلت بعد غزوة تبوك، ففيها أخبار المتخلفين والمعتذرين، ومن ليس عليه حرج، وإنها إذا كانت قد ابتدأت بذكر عهود المشركين، وتحريم دخوله على غير الذين يؤمنون بالله وأنه واحد أحد لا شريك له. قد توسطتها أخبار المخذلين والمنافقين، وما يجب أن يكون عليه المجاهدون، والدعوة إلى استمرار الجهاد فإنه ماض إلى يوم القيامة، وتركه ذل، أو يؤدى إليه. لقد ابتدأت السورة الكريمة بذكر منع المشركين من البيت الحرام، ووجوب قتالهم، ونبذ عهودهم إليهم، وأن العهد واجب الوفاء بشروط ثلاثة ألا ينقص المعاهد من التزاماته، وألا يظاهر على المؤمنين، وألا يكون مخالفا للقواعد المقررة فى القرآن الكريم. وجاءت بعد ذلك ببيان جهاد المشركين فى الأرض العربية، بشرط ألا ينتهكوا حرمة من الحرمات، كحرمة الشهر الحرام، وأن الدماء يحميها العهد إذا استقام المعاهد، فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ، ويحميها الأمان والجوار: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ وقد بين ضلال الشرك، وأنه لا يصح لهم أن يشفعوا لأنفسهم بأنهم تولوا عمارة البيت وتولوا سدانته وسقايته، فإن الإيمان بالله تعالى هو الأول، ولا يمكن أن يكون هذا كذلك، وأن لهم فضلا فى العمارة إن آمنوا بالله واليوم الآخر، إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (التوبة) وإذا كانت عمارة المسجد لا تعادل الإيمان بالله واليوم الآخر، وأن عمارة المساجد لا ثواب لها مع الكفر فإنه لا يمكن أن يكون للمشركين ماثر فى أى عمارة، لأن ما يفعله المشرك من خير هباء لا أثر له، إذ يكون كمثل وابل من المطر أصاب أرض قوم، فنزل على أحجار لا تنبت، ولم ينزل على ما ينبت. ولذلك كان الواجب جهاد المشركين، ولأنهم لا يؤمنون بشيء لا عهد له ولا ذمة، وليس لمؤمن أن يرقب فيهم إلّا ولا ذمة، لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً (التوبة) ولا طريق إلا الجهاد، وإن الجهاد يوجب أن يكون كله لله تعالى لا يؤثر عليه أحدا من مال أو زوج أو ولد، أو راحة، فإذا كان الجهاد قوة بشرية ونفسية، أو تقديما للنفس والمال، فهو تجرد روحى،

стр. 1036

وخصوصى لله تعالى، وصدق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ يقول: «لكل أمة رهبانية ورهبانية أمتى فى الجهاد» ، ولذلك أمر الله تعالى عند البدء فى الكلام فى الجهاد بعد أن بين أن المشركين يصدون عن سبيل الله ويعادون المؤمنين، وينتهزون فرصة لينقضوا، قال تعالت كلماته: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ، وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها، وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. وذكرهم بأن الكثرة، وقوة العدة لا تغنى عن الاتجاه إلى الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئا، ثم ذكرهم بموقعة حنين، إذ لم تغن شيئا، إذ لم يكن الاتجاه إلى الله من الجيش كله كاملا، وإن كان كاملا كل الكمال فى بعضه فأولئك الذين ناداهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد اشتدت الشديدة، وكثر الفرار، وقل الإقدام، حتى كان المجاهدون الأبذال الذين بدلوا بالهزيمة نصرا، وبالفرار إقداما. وكان الجهاد فى هذا الموضع تتميما للكلام فى البيت، وبيان أنه لا يحميه إلا الجهاد فهو الذى يمنع دخول المشركين، ولذلك ختم آيات البيت الحرام بقوله تعالت كلماته: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا، وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة) ٧٠٠- وقد بين الله معاملة أهل الكتاب من الكفار، بأنه لا يجوز لأهل الإيمان السكوت عن دعوتهم، وإن كانوا فى الجزيرة العربية أهون على أهل الإيمان من المشركين الذين إذ كانوا أقل خطرا وعددا، وإن كان اليهود شرا فى أنفسهم. ولقد أمر فى سورة التوبة أن يقاتلوهم، فقال الله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (التوبة) وبين سبحانه فى السورة حالهم من اتخاذهم المسيح إلها، واتخاذ اليهود عزيرا إلها، وأنهم بذلك يضاهئون قول المشركين فى اتخاذهم الأوثان، فإن الشرك كما يكون بعبادة الأوثان يكون بعبادة الأشخاص. وذكر العماد الذى قام عليه انحراف الذين قالوا إنا نصارى عن الوحدانية، وهو أن قام الأحبار والرهبان بين المسيحيين، وبين إدراك الحقائق المسيحية، فقد اتخذ الأحبار والرهبان أربابا ثم ذكر ما

стр. 1037

كان عليه الأحبار والرهبان، فقال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ. (التوبة) وإن الله تعالى إذ بين وجوب الجهاد لكل من يعتدى على الحق ويعاند أهله، وينابذهم على سواء، بين أن الأشهر الحرم القتال فيها حرام، فذكر السنة فى التقويم المتصل بالقمر والشمس والأشهر الحرم منها. فقال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً، وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (التوبة) غزوة تبوك فى سورة براءة: ٧٠١- قلنا إن سورة براءة من آخر السور نزولا، ويبدو من سياقها كما قلنا أنها نزلت دفعة واحدة، لمناسبة ما كان من العهود فيها ابتداء وما كان من عمل المنافقين، ولمناسبة تطهير البيت من رجس الجاهلية ومنع المشركين من دخوله، ولكن الشطر الأكبر منها كان يتعلق بغزوة تبوك التى كانت آخر غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد امتازت هذه الغزوة أنها كانت بعد أن أوشك الإسلام أن يعم البلاد العربية أو عمها، وإنها كانت وقد خفض العرب الذين كانوا يتاخمون الفرس والرومان من نفوذهم، ورضوا بالإسلام دينا، وخلصوا بذلك من ربق الفرس والرومان واعتزوا بعزة الإسلام.

стр. 1038

وامتازت أيضا هذه الغزوة بأن ظهر التخاذل فى أولها، حتى كان التثاقل، وبث الظنون فى المسلمين من المنافقين، وضعاف الإيمان، ثم فيها بيان حال الذين ينتحلون الأعذار ولا عذر لهم، وحال الذين يستأذنون فى التخلف، فيؤذن لهم أو لا يؤذن، وفيها عمل التخذيل فى جيوش الحق من أين تجيء، وإلى أين تتجه. وإذا كانت غزوة تبوك آخر الغزوات المحمدية ففيها العبر التى توجب على كل جيش أن يتعرفها، ويأخذ بعظاتها، حتى يكون الجيش الإسلامى قويا، قد تجنب أسباب الخور وأسباب التردد والهزيمة، والتخاذل، والآفات التى تعترى الجيوش من أهل التردد والنفاق، وما يحدثه من تخاذل. وقد كانت سورة براءة وعاء هذه التجارب النبوية فى تلك الغزوة التى لم تشتمل على قتال، ولكن كشفت فيها النفوس كشفا، وابتلى فيها المؤمنون بالنفاق، والتثاقل ودعاة الخذلان، وكيف عالج محمد صلى الله تعالى عليه وسلم تلك الأحوال بهداية ربه. وإذا كان الجهاد ماضيا إلى يوم القيامة، فقد كانت سورة براءة تصويرا للآفات التى تعترى الجيوش فى تكوينها، وفى سيرها، وفى الاتجاه إلى غايتها من غير التواء. ولقد بينت نفوس المترددين، وعدم إيمانهم بالحق الذى يؤيدونه، وفيها بيان للمجاهدين المعتز بهم وأول الآفات عدم العزيمة الموجهة المدافعة، والتثاقل عندما يحق الجهاد، وقد قال تعالى فى ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ. إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً، وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة) وتستمر الآيات الكريمة السامية فى بث الهمم ودفع العزائم، لأن تكوين الجيش يكون بإيجاد دفعة قوية عازمة، والاستعداد لتحمل المكاره والوثوق بتأييد الله تعالى إن خلصت النيات، واستحصدت العزائم. ولقد بين بالإشارة السبب فى تثاقل حركتهم وهو توقع المشقة، وإن توقع المشقة يجب أن يكون فى تقدير المجاهد، وعزمه الحديد.

стр. 1039

وبين أن الخور يعترى النفوس ويخلق المعاذير للاستئذان فى التخلف، ولا يستأذنك مؤمن إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (التوبة) وقد بين الله أن المنافقين والمترددين يثيرون روح الضعف والهزيمة لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (التوبة) وقد كشف الله نفوس أولئك المخذلين من أهل التردد وضعاف المؤمنين، وبين ما تنطوى عليه نفوس المنافقين من أنهم يتمنون الهزيمة للمؤمنين. إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ. قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (التوبة) وقد كان منهم من يؤثر أن ينفق فى الجيش فرارا من أن يكون فى ضمن المجاهدين، فبين الله تعالى أنه لن تقبل نفقاتهم، لأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وما منعهم أن تقبل نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ولا ينفقون إلا وهم كارهون. لمز المنافقين فى الصدقات وغيرها: ٧٠٢- النفاق هو داء الجماعات فى السلم وفى الحرب، ففى الحرب يخذلون، ويبثون روح التردد، والتشكيك فى الدعوة، الدعوة إلى الأثرة، والجهاد إيثار، وإلى الحرص، والجهاد فداء، وإلى متع الدنيا، والجهاد رهبانية إيجابية، يدفع إلى الحياة العاملة المكافحة. أما فى السلم، فإنهم يشككون فى تصرفات الأبرار المخلصين، ليوهموا الناس، أن كل الناس مثلهم، ليس فيهم أخيار منزهون، وأبرار متقون. فهم يلمزون كل عمل صالح، ويوهنونه، ويثيرون الريب، وإن اتقاءهم بعدم السماع لهم، فهم أثاروا القول حول الصدقات التى يوزعها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، يقول فى ذلك: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ، فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ، إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ.

стр. 1040

وقد بين الله تعالى للأمة كلها مصارف الصدقات، حتى لا يمارى منافق وليطمئن كل مؤمن، وقد وزعها توزيعا فيه التكافل الاجتماعى الكامل. والمنافقون يؤذون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويؤذون كل داعية للخير، لأنهم والخير نقيضان، إذا كشف أمرهم لا يقولون كشف الله تعالى سرهم، بل يقولون إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، يسمع أخبارهم، ويتعرف أسرارهم، وأن له من يسعى عليهم، ويقول فى ذلك: «ومنهم الذين يؤذون النبى، ويقولون هو أذن، قل أذن خير لكم، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم» . والمنافق دائما كثير الحلف بالله لضعفه النفسى، إذ النفاق منشؤه ضعف النفس لا مجرد إرادة النفع، فهو يحلف لستر موقفه، ولأنه مهين يريد رضا من ينافق معهم، ويخشى أن ينفضح سره، ويعرف أمره. وإنهم مع كفرهم، وعدم إذعانهم للحق لفرط ضعفهم، يخشون أن تنزل سورة تكشف حالهم يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ، قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ومع هذا الهلع من أن يكشف سترهم يحادون الله ورسوله ﵊، ويستهزئون بايات الله تعالى، ويتخذونها فى مجامعهم هزؤا وسخرية، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ، إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ والمنافقون أشرار قد استمكن الشر فى نفوسهم، لأن الكتمان تفرخ فيه الرذائل، والضوء يكشفها، ولأن محاولتهم ستر أحوالهم، توقعهم فى رذائل مترادفة رذيلة بعد رذيلة وكل واحدة تجر أختها، حتى يستمرئوا الشر، ويكون دينهم، ويختم الله على قلوبهم فلا يصل إليها خير، ولا ينضح منه ومن اللسان إلا الشر، ولذلك قال الله تعالى: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ، وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ، فَنَسِيَهُمْ، إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ وقد بين عقابهم، وأنه عقاب الذين من قبلهم، وكانوا أشد قوة، واستمتعوا بالشر، ونالوا من الدنيا، وخاضوا فى أهل الإيمان مثل الذى خاضوا.

стр. 1041

ويضرب الله تعالى الأمثال من قوم نوح، وعاد وثمود، وقوم إبراهيم، وأصحاب مدين والمؤتفكة، فإن هؤلاء كفروا برسلهم، وكان النفاق والمنافقون من ورائهم، والنفاق غذاء الجحود، إذ يدفع الجاهلين إلى الكفر والعناد. وفى مقابل ما توعد الله به المنافقين كان وعد الله تعالى للمؤمنين. جهاد النفاق والكفر: ٧٠٣- إذا كان النفاق يفعل فى الجماعات ذلك الفعل، فإن جهاده يكون فى مرتبة جهاد الكفر، بل يكون قبل جهاد الكفر، وذلك لأن الكفر لا يستغلظ سوقه إلا بالنفاق، والمنافقون هم الذين يفسدون العقول فيصورون الحسن قبيحا والقبيح حسنا، ولذا أمر الله تعالى نبيه الكريم، وأمته فقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (التحريم) ويبين ما يفعله المنافقون فى الجماعات الإسلامية، ووجوب جهادهم، وذلك الجهاد يكون بألا يسمع لقولهم، ولو كانوا يحلفون، فذلك دأبهم يقولون وينكرون ما يقولون، ويحلفون أنهم ما قالوا. ومن جهادهم أن يكشف أمرهم، ومن جهادهم أن يحذر منهم، ومن جهادهم ألا نخوض فى خوضهم، ومن جهادهم ألا نمكنهم من الجماعات الإسلامية. وقد ذكر سبحانه أمارات النفاق أو بعضها، وأولها الكذب، وثانيها نقض العهد، والشح على الخير، ويقول سبحانه وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ، وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ، وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ. أى أنهم فى نفاق مستمر، نافقوا عندما أعطوا العهد، ولما اختلفوا زاد نفاقهم بسبب أنهم يكذبون، ويكذبون على الله ، وهو يعلم سرهم وما يتجاوبون به بينهم، وأن المرء إذا سار فى الشر أوغل فيه، وكلما سار زاد فسادا. وإنهم لا يكتفون بأن يشحوا على الخير، بل يتجاوزون ذلك إلى أن يلمزوا فى القول موهنين شأن الذين يتصدقون الصدقات المفروضة ويتطوعون بأكثر مما فرض، وهكذا يكون أهل الخير فريسة أهل النفاق، يصغرون، ويهجنون ما يكون منهم، ويستضحكون من أعمالهم. ولكن فَلْيَضْحَكُوا، قَلِيلًا، وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (التوبة)

стр. 1042

والنبى ﵊ يغضى عن سيئاتهم، ويستغفر لهم رجاء أن يهداهم الله، فيبين الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، أن النفاق إذا استمكن فى النفس، غلق باب الهداية، وكان حجابا كثيفا لا يصل إليه النور قط: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (التوبة) وإن من جهاد النفاق أن يحتاط النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والمخلصون للجيش الإسلامى، فلا يمكنوا أحدا من المنافقين من الدخول فيه، لأنهم يلقون فيه بروح الهزيمة والفشل، ولذلك قال سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ، فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ، فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً، وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (التوبة) هذا أمر قاطع لخير خلق الله تعالى فى هذا الوجود الإنسانى، وقد أمر كشفا لأمرهم وجزاء لهم بما ارتكبوا فى الدنيا، بمنع الصلاة عليهم، فقال تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً، وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (التوبة) وقد بين أن الرضا بالشر، إذا توالى طبع الله تعالى على قلب صاحبه، فأصبح غير قابل لأن ينفذ نور الإيمان إليه، ولذلك قال تعالي رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ، وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (التوبة) وقد ذكر من بعد ذلك جهاد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والذين جاهدوا معه، فبين أن لهم الخيرات، وأنهم الفائزون، وأنه سبحانه أعد لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها. أعذار النفاق: ٧٠٤- أعذار النفاق دائما واهية، لأنه لا عذر لهم، فهم ينتحلونها، وكان النفاق ابتداء فى المدينة المنورة عندما دخلها الإسلام، ووجد نفاق فى الأعراب عندما عم الإسلام، فهو يتسع باتساع عموم الإسلام وشموله، لأن النفاق يكون إذا كان كفر مع وجود قوة للحق، ولم يخرج الأعراب الذين كانوا يحيطون بالرومان، لم يخرجوا كلهم للحرب فى تبوك، ولذلك قال تعالي: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (التوبة)

стр. 1043

وقد بين الله الأعذار التى من شأنها أن تقبل، والأعذار التى لا يمكن أن تقبل، وبذلك يتميز العذر الحقيقى عن أعذار المنافقين التى لم يكن لها مسوغ، فقال تعالت كلماته: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ، إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (التوبة) هؤلاء هم الذين يكون لهم عذر، ولا يؤاخذون فى التخلف، وهم الذين فيهم ضعف فى القوة، أو فى المال بألا يجدوا ما ينفقون منه، ولا يكون مع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ما يعينهم به. أما غير ذلك فلا يعد عذرا، ولكن يعد تخلفا وقعودا فى وقت يجب أن تتضافر فيه القوى كلها وتجمع الجموع دائما. وقد أخرج إلى التجمع من التقدم للرومان الذين تعد جيوشهم بمئات الألوف لا بالعشرات منها. ولذلك ذكر أنه لا تقبل منهم أعذار، وإنما عليهم السبيل فهم مسئولون عن تقاعدهم، وهو يدل على أن الإيمان لم يدخل قلوبهم. وقد أشرنا إلى أن النفاق لم يكن من الخزرج الذين كانوا بالمدينة المنورة، بل كان منهم، وكان من الأعراب الذين دخلوا فى الإسلام، ولما يدخل الإيمان قلوبهم، وكانوا فى مجموعهم أميل إلى الكفر. وإن كان فى بعضهم إيمان، وقد قسمهم الله إلى ثلاثة أقسام: أولها: قسم لم يدخلوا فى الإسلام بقلوبهم، وإن خضعوا له بأبدانهم. وأظهروا الطاعة، وقد قال تعالى فيهم: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة) وأولئك علموا الإسلام ممن هم فى باطن الصحراء وحول المدينة المنورة وخضعوا ولم يستجيبوا لداعى الإيمان، وذلك لأنهم حديثو عهد بالدخول، ولأنهم خضعوا للقوة، وحيثما كان الخضوع للقوة كان النفاق والكفر. والقسم الثانى: دخلوا فى الإسلام، كما يدل ظاهر القرآن الكريم ولكنهم برموا بالصدقات، وعدوها مغرما، ولم يعدوها مغنما، وهؤلاء، إن كانوا مسلمين يعدون من ضعفاء الإيمان، وهذا القسم

стр. 1044

قال تعالى فيه: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً، وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (التوبة) والقسم الثالث: المؤمن الصادق فى إيمانه، المتعرف لأحكامه، وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ، أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ، سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (التوبة) وهؤلاء هم الذين أشربوا حب الإيمان. وقد ذكر أن النفاق فى داخل المدينة المنورة، وقد علم أمر الكثيرين منهم، وأحوالهم، وكادوا يعرفون باستخفافهم وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ (التوبة) وذكر أن النفاق من الأعراب حول المدينة المنورة، ولقد ذكر الاثنين، فقال : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (التوبة) ما بين الإيمان والضعف والنفاق: ٧٠٥- إن الإيمان فى قوة تدفع فيعمل، فأولئك هم المهاجرون والأنصار ومن اتبعوهم بإحسان، والضعف تردد وقد يتجه إلى الله تعالى فيعترف بتقصيره أو ذنبه، فيكون منه الندم، ورجاء الخير، وقد ذكرهم بقوله: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً، وَآخَرَ سَيِّئاً، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ (التوبة) وهؤلاء تطهر بعضهم التوبة والصدقات ولذلك قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ، وَتُزَكِّيهِمْ بِها (التوبة) وذلك لأن الصدقة تطفيء المعصية، كما يطفيء الماء النار. وأولئك الذين لم يعترفوا بذنبهم، فى التخلف عن القتال من غير معذرة هؤلاء مرجئون إلى رحمة الله تعالى إما أن يعترفوا، ويتوبوا كإخوانهم ممن تخلفوا من غير معذرة تسوغ التخلف، وإما أن يستمروا فى غيهم يعمهون، وهؤلاء يعذبهم الله بذنوبهم، ولقد قال الله تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ، وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة) ولقد ذكر سبحانه من بعد ذلك أن المنافقين فى المدينة المنورة الذين مردوا على النفاق لم يكتفوا بالقعود عن الجهاد. وتثبيط المؤمنين عنه، بل تعدوا وأرادوا التفريق بين المؤمنين، فأنشأوا مسجدا لا ليقيموا فيه الصلوات، بل ليكون وكرا لهم، وليجروا فيه خياناتهم، واتصالاتهم بأعداء الإسلام من الرومان، وليفرقوا بين

стр. 1045

المؤمنين، وسمى هذا المسجد مسجد الضرار، ولقد قال الله تعالى فى مسجدهم هذا وفيهم: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً، لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة) هذا شأن المنافقين، وذلك شأن ضعفاء الإيمان. وأما شأن المؤمنين، فإنهم قد باعوا أنفسهم لله تعالى وأموالهم، فيقتلون ويقتلون وينفقون غير مدخرين نفسا ولا مالا فى سبيل الله، ولقد وصفهم الله أكرم وصف، فقال تعالي: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ، الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (التوبة) ووصفهم بالسائحين هنا يراد به المجاهدون الذين يضربون فى الأرض جهادا فى سبيل الله ، ولقد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «سياحة أمتى فى الجهاد» . وبين من بعد أن العمل الصالح هو الذى يرفع إلى الله تعالى لا القرابة: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ، وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ (التوبة) مع ذلك لم يغفر الله تعالى لأبى إبراهيم. وإن من المؤمنين ناسا تخلفوا، وأحسوا أنهم ارتكبوا كبرا، وما أبدوا معذرة، لأنهم لا يريدون أن يكذبوا على الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى لا يرتكبوا جريمتين: جريمة التخلف والكذب على الله، وأولئك لا بد أن يتطهروا، فقاطعهم المؤمنون تربية لنفوسهم، وتزكية لقلوبهم، وقد ذكرنا أمرهم فى قصة غزوة تبوك، فرضوا أن يعذبوا بالهجران عن أن يكذبوا على الله ورسوله، حتى تاب الله تعالى عليهم: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ، بِما رَحُبَتْ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (التوبة) وبعد ذلك التقسيم الحكيم، والخير العظيم ذكر سبحانه ما كان واجبا على المؤمنين والأعراب، فقال تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ

стр. 1046

رَسُولِ اللَّهِ، وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ، وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً، وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (التوبة) . وقد أشار إلى الوفود، الذين يجيئون ليتعلموا من المسلمين فذكر أنه ليس للمؤمنين جميعا أن ينفروا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد جاءت الوفود، كما أشرنا فى السنة التاسعة والعاشرة، حتى قبض صلى الله تعالى عليه وسلم، ولقى الرفيق الأعلى، فقال تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة) ثم ذكر وجوب الجهاد فى ختام السورة، كما أوجبه فى أولها فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التوبة)

стр. 1047

بعض ما في سورة براءة من حكم وعبر ٧٠٦- نزلت سورة براءة عند حج الصديق رضى الله تعالى عنه، وعقب غزوة تبوك، ويلاحظ أنه أول حج تولى إمرته مؤمن من المؤمنين، ونفذ فيه مناسك الحج على مقتضى حكم الإسلام، وقد حطمت الأصنام، فكان الحج إسلاميا بالنسبة للمسلمين، ولكن المشركين كانوا يسيرون على ما كانوا عليه، ولم يمنعوا، لأنه لم يكن قد جاء الأمر بمنعهم، والإسلام لا يطبق إلا ما ينزل به الوحى، ولم يكن قد نزل الوحى بهذا المنع. ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم امتنع عن أن يتولى بنفسه القيام بالحج، حتى لا يكون فى ذلك إقرار لما يفعلون، فأناب أبا بكر عنه. ولما كانت هذه السورة مبينه لمنع المشركين من الحج، لأن هذا الحج أول حج إسلامى، وإن رنق بفعل أهل الجاهلية، وكانت مشتملة على أول المنع، وكانت هذه السورة بعد آخر غزوة غزاها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقد اشتملت على منع المشركين أن يدخلوا المسجد بعد عامهم هذا، واشتملت على ما يجب لحفظ الجيوش الإسلامية وحمايتها، والحذر من الدخلاء فيها وكانت غزوة تبوك التى أخذت منها العبرة. واشتملت السورة على ما يجب أن يتوقاه المؤمنون فى بناء جماعتهم، وما يجب أن يتحلوا به من صفات ليتكون منهم بناء اجتماعى قوى. وأول ما يستفاد منه هو التوقى من أهل النفاق فإنهم العنصر المخرب فى بناء المجتمع، ولا يمكن أن يتماسك مجتمع إذا ساده النفاق، أو تحكم فيه المنافقون، ولذا أكثرت السورة الكريمة من ذكر النفاق وأحواله، وأن أهله لا يلتئمون، ولا يندمجون فى أهله، بل يكونون بمنأى عن شعوره، وعما يحس به، فهم يؤذون فضلاءه، ويستهزئون بفعل الخير، ويخوضون فى شؤون أهل الفضل والخير، وإذا قيل لهم فى ذلك، قالوا إنا نخوض ونلعب، وإن قلوبهم دائما تكون فى جانب، والمجتمع يكون فى جانب آخر. ولذلك وجب أن يكون الجيش خاليا من المنافقين، فلا يخرجوا فيه لأنهم يخذلون المجاهدين، ويثبطون هممهم، ويتخذون من الضعفاء وأهل التردد، والهزيمة فريسة ينفثون فيها سمومهم، وإنهم يتخاذلون فى وقت الشدة، ويفرحون بما ينزل بأهل الحق من مصيبة تسوءهم، فإن تصبهم مصيبة يفرحوا بها، وإن تصبهم حسنة تسوءهم. وإن الضعفاء إن اعترفوا بذنوبهم، وتابوا قبل الله ، وإن كانوا قد خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فإذا كانوا قد أساؤا بالقعود، فقد أحسنوا بالاعتراف ومع الاعتراف الندم ومع الندم التوبة، فهم لم

стр. 1048

يصروا على الشر، وفرق بينهم وبين الذين انتحلوا أعذارا، وكذبوا، وحلفوا وهم يعلمون أنهم كاذبون، وما قصدوا إرضاء الله، بل قصدوا إرضاء العباد، فلم يتوبوا، وارتكبوا الشر وأصروا عليه إصرارا. وإنه إذا كانت التوبة الصادقة جبت ما قبلها. وبينت السورة الكريمة أمورا ثلاثة تدخل فى بناء المجتمع الصالح، وإذا لم تكن تخريب. أولها: أن الجهاد تجريد النفس عن أعلاق الدنيا، وما يتعلق بالأحباب والمحبوبات من الأشياء والمتع، وأن المجاهد إن لم يتجرد ذلك التجرد، فإن على الأمة أن تتربص حينها، وتذهب قوتها، إن الأمة التى تريد الحياة يجب أن تتسربل سربال الجهاد، وتستشعر حياته، ولا جهاد مع الأثرة، ولا جهاد مع التعلق بالحياة، فإن لم تفعل فإنها تذل وتهون، ويتحقق فناؤها فى غيرها، وتعيش ذليلة مهينة. ثانيها: أن النفاق كما أشرنا هو مقوض الجماعات يمنع توافر الثقة بين آحادها، والثقة أساس بنيانها، فما لم توجد الثقة لا توجد المحبة، والمحبة هى الرباط الذى يربط بين الآحاد، ويربط الجماعة، ولا يقطع حبال المودة والمحبة إلا أن يظن الإنسان بأخيه شرا ولا يمكن أن يكون التئام بين الأمة إذا كان كل واحد يتظنن بأخيه، والنفاق هو المادة التى بها تقطع الصلات. ولذلك وصف الله تعالى المنافقين والكافرين بأنهم يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وما أمر الله به أن يوصل هو المودة والمحبة والأخوة، وإن النفاق يفسد نفوس المنافقين، فيأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف ويفسدون الناس فتسرى عدواهم إلى الضعفاء ويلقون بالفرقة بين الأقوياء وما ساد النفاق فى قوم إلا تقطعوا فرقا ومزقوا مزقا. ولقد بين القرآن الكريم صور النفاق فى هذه السورة بما لم يبين به فى سورة أخرى، وإذا كانت سورة (المنافقون الصغرى) قد بينت خلالا للمنافقين فى أطواء نفوسهم وانحرافاتهم، ومعاملتهم فسورة براءة، وقد أسميها سورة النفاق الكبرى قد بينت حالهم عندما تشتد الشديدة وعندما تكون الحرب وعندما تكون الأزمات. وبينت أن النفاق قد يتجاوز العلاقات الإنسانية إلى مظاهر العبادات، فهم ينشئون مسجدا يكون ملتقى لاجتماعاتهم المريبة، ويبنونه إرصاد للاتصال بينهم وبين الرومان فى الشام، فهو إرصاد لمن حارب الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ويتظاهرون بأنه مسجد، فيكشف الله سترهم، ويكون فى التاريخ الإسلامى مسجد الضرار. وإنه يجب لكى تكون الجيوش مجتمعة القوى لا بد أن تكون مجتمعة العزم، وذلك بإبعاد المنافقين وعدم دعوتهم فإنهم يريدون الفتنة، ويبتغونها والفتنة فى الجيوش طريق مؤكد لهزيمتها.

стр. 1049

الأمر الثالث: الذى ذكرته السورة الكريمة وأكدته، أمر المترددين والضعفاء فى إيمانهم لا فى أبدانهم فإن أولئك يجب أن يخلو الجيش منهم، لأنهم يكونون العش الذى يفرخ فيه المنافقون، ويبثون فيهم روح الفزع والخوف، والفرار يوم الزحف. وإن أمر هؤلاء مرجأ، عساهم أن يتوبوا، ولكنهم لا يكونون فى جيش قوى يخط خطوط النصر. وأخيرا إن سورة براءة درس حكيم للأمة المجاهدة وقد جعل من غزوة تبوك التى لم يحدث فيها قتال، بل رجع المسلمون منها ولم يلقوا كيدا، وقد جعلها تعالى درسا فى ذلك فكان التكوين انتقاء للأقوياء، ومن تسلل فيه من الضعفاء وأهل النفاق كشف أمرهم. وفى سورة براءة بيان حال الذين وصل إليهم الإسلام، فاعتنقوه بحكم اتباع القوى، لا بحكم الاقتناع كأولئك الأعراب الذين كانوا يتغلغلون فى البلاد العربية، فدخلوا فى الإسلام، ولما يدخل الإيمان قلوبهم، وبينت السورة الكريمة أن مظاهر الخضوع الكامل الزكاة، فإن دفعها من يدفعها مغرما، سواء أكان الدفع طوعا أم كرها، فهو ليس من أهل الإيمان، وإن قدم الطاعة، وإن دفعها قربات إلى الله تعالى فإنه يكون مؤمنا مخلصا لله تعالى وللجماعة الإنسانية. هذه كلمات موجزة فى حكمة نلتمسها فى نزول سورة براءة عقب غزوة تبوك، وعند حج الصديق رضى الله ﵎ عنه بتأمير النبى صلى الله تعالى عليه وسلم له، والله هو الحكيم الخبير، لا يسأل عما يفعل، وكلنا نسأل عما نفعل، وإذا تلمسنا الحكمة فإنما نقرب إلى الأفهام ولا نتعرف الأسباب فنحن نقارب، ونطلب المعرفة من الله العلى الحكيم.

стр. 1050

انتشار الدعوة الإسلامية ٧٠٧- ابتدأ نور الإسلام فى قلوب تقبلت حقيقته، كما تتقبل الأرض الطيبة النقية البذر الصالح، والماء الذي يسقى ويغذي، وكما يتقبل الأحياء ضياء الشمس، فتهتدي بها في الدجنة الحالكة، فتقبله الضعفاء لأنهم وجدوا فيه المعاذ والملجأ والنور والبصر، والهداية إلي الحق في وسط الظلمات المتكاثفة عليهم، والظلم المرهق وتبعوه طائعين، راضين. وإنه إذا كان الفقر قد أرهقهم فيه ظلم الظالمين، فقد أعطاهم قوة احتمال للعذاب والأذي الذي نزل بهم ممن أظلمت نفوسهم، وختم علي قلوبهم، ولعل الله سبحانه وتعالي يختار المؤمنين الأولين لكل نبي من هؤلاء الفقراء والعبيد، لأنهم هم الذين لقوا الصدمة الأولي فيما نالوا من ألم الفقر في حياتهم يتحملون ألم الأذي، ويكونون نواة الاستجابة، وكذلك كان الحواريون لعيسي ﵇، فلم يكونوا من الأقوياء الأشراف، بل كانوا من الصيادين والعشارين، وغيرهم من الضعفاء. ولقد كان الأقوياء الذين دخلوا في الإسلام ابتداء عددا قليلا، كأبي بكر وعثمان وحمزة بن عبد المطلب ثم عمر بن الخطاب، وأبي عبيدة عامر بن الجراح، وغيرهم في عدد قليل كانوا يداوون ندوب النفوس الفقيرة لتصبر وتصابر، وليكونوا قوة نسبية هادية. والنبي صلي الله تعالى عليه وسلم يؤذي في نفسه ويتطامن ليكون الهادي الرشيد المرشد، وليكون النذير العريان، كما قال عن نفسه ﵊، فلا سيطرة تفرض الدين والرأى، كما قال تعالي: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (الغاشية) حتي إذا اشتد الطغيان ولم يعد في قوس الصبر منزع، وسمع مقالة الله تعالى لنوح: لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ استيأس من إيمان أهله اتجه إلي القبائل في موسم الحج، يعرض عليها دعوة الإسلام، وأن ينصروه وأن يحموا دعوته من قومه، فاستعد لإجابته من استعد ونفر منه من نفر، ولكن قد بلغت دعوته القبائل كلها أو جلها، ما بين منكر جاف، وما بين مؤات مؤتلف راض غير مختلف، والذين اختلفوا كان السبب الأكبر اختلاف قومه عليه، فكانوا ينتظرون ولا يعادون استقلالا، ولكن ربما يعادون تبعا وتقليدا لقريش أقوي قبائل العرب، وأشدها نفوذا وسلطانا. فما سوغت لغيرهم من الذين يتبعونهم أن يخالفوهم، ولكن الله تعالي هدي أهل يثرب، فامنوا وبايعوه علي النصرة والإيواء، وفتحوا الصدور للضعفاء وآووا ونصروا.

стр. 1051

ولكن قريشا هي القوي، وهي البعيدة النفوذ فى البلاد العربية قاصيها ودانيها، وهي في البيت الحرام الذي جعله الله تعالي مثابة للناس وأمنا، وهو أول بيت للعبادة وضع للناس وهم الذين يتولون فتنة المؤمنين الذين آمنوا، وهم الذين اضطهدوا محمدا ﷺ وصحبه، وهم الذين هموا بقتل النبي صلي الله تعالى عليه وسلم فكان حقا عليه الهجرة وأن يحمي المؤمنين الذين لا يزالون في مكة المكرمة، فكان لا بد أن ينازلهم بالحق كما اعتدوا عليه بالباطل، وأن يمنعهم من الاسترسال في الشر: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (البقرة) ودفع الشر بمجازاة أهله ليس شرا بل خير كله، وهو الخير القوي الغالب، وليس الخير المستسلم الذليل. وإن الإسلام فضائله إيجابية، وليست سلبية، فضائله عاملة قوية وليست ضعيفة مستكينة فلا بد إذن من المغالبة. فكانت المقابلة وكانت الدعوة وبيان الحقائق الإسلامية والشرائع التي تبني بها المدينة الفاضلة، وتقوم فيها الإنسانية الكاملة وتكون مثلا ساميا. كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه الفترة المجاهدة، يجاهد في ميدانين متكاملين غير متنافرين يحارب أعداء الحق، ليجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله تعالي هي العليا، ويبث السرايا داعية إلى الحق، وفي يدها السيف لقمع الشر، إن حال دون الحق حائل، ويرسم الخطط للجيوش الإسلامية الهادية غير الباغية. وإن الغزوات الكبري كانت من المشركين، والنبي صلي الله تعالي عليه وسلم يدافع، ولا يهاجم، فالمدينة المنورة كانت مقصدهم، والوقائع كانت علي مقربة منها، فغزوة بدر كانت علي مقربة من المدينة المنورة، وقد جاءت قريش بقضها وقضيضها، نعم إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هم بأن يصادر عيرهم، كما صادروا أموال المؤمنين، ولكنهم هم الذين جاؤا بالجيش ليحاربوا، وقد ردوا خاسرين. ثم كانت غزوة أحد، وقد جاؤا بها للثأر، وأرادوا اقتلاع الإسلام من مأمنه، وأصاب المسلمين جراح، ولكنهم هم نكصوا علي أعقابهم لم ينالوا خيرا، وإن جرحوا. ثم لما عجزت قريش أن تنال من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وحدها جمعت الجموع، وحزبت الأحزاب من البلاد العربية، وذهبوا لإزالة المدينة المنورة والإسلام، ولكن هزموا بالريح والرعب فعادوا علي أعقابهم خاسرين مذعورين.

стр. 1052

هذا هو الميدان الأول لجهاد النبى صلي الله تعالى عليه وسلم. أما الميدان الثاني فهو تربية المؤمنين وتعليمهم أحكام الدين، وبيان الشريعة الإسلامية، وتنظيم المجتمع على أساس العدل والفضيلة ومكارم الأخلاق، وهو ميدان الرسالة المحمدية، وهو غايتها ومقصدها، وما كان القتال إلا لحماية الدعوة الإسلامية، وتوصيلها للقلوب والمجتمعات، الآحاد والجماعات. وإنه في أثناء اللقاآت الحربية كانت المبادئ الإسلامية تسري إلي النفوس وسط صليل السيوف، فكانت تصل إلي القلوب، والمقاتل متأثر بالمقاتل مأخوذ به، وخصوصا إذا رأوا من خوارق العادات، ما لا عهد لهم به، لقد كانت غزوة الأحزاب من قبائل متفرقة، ورأوا عيانا أن الهزيمة لم تكن بسيف ولا بقوة، ولكن بريح عاصف اقتلع أخبيتهم وألقي الفزع والذعر في نفوسهم، وأمامهم رجل يقول إنه رسول من عند الله سبحانه وتعالي، فهلا يفتح ذلك قلوبا مغلقة، وآذانا تستمع إلي صوت الحق، إنهم لا بد أن يعودوا إلي أقوامهم، ويذكروا لهم ما عاينوا أو شاهدوا، وما رأوا بعين البصر، وإن ذلك لا بد أن يصل شئ منه إلي البصيرة. ولقد كانت غزوة الخندق آخر الغزوات التي غزتها قريش للمدينة المنورة، وقد استيأسوا من بعد ذلك وعلموا أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم غير مخذول، وأن أحجارهم التى لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تغني عنهم، حتي أخذ بعض عقلائهم يدركون ما هم فيه من ضلال، وأنه لا بد لهم من أن يسمعوا صوت العقل والضمير، وقد بدا ذلك في بعض كبرائهم كما أشرنا. الحديبية: ٧٠٨- كانت الحديبية خطوة للدعاية إلى الإسلام من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد ذهب إلي مكة المكرمة بجيش عدته نحو خمسمائة وألف أو يزيدون وما ذهب ليقتلع مكة المكرمة، كما كانوا يذهبون إلي المدينة المنورة، بل ذهب ليقيم شعائر الله تعالي، ولتعظيم البيت، وعلى ألا يسألوه خطة فيها تعظيم البيت إلا سلكها. وقد تم عقد الاتفاق علي مدة عشر سنين، لا يقاتلهم، وعلي أن يعود من عامه هذا، وقد سمي الله تعالى ذلك فتحا مبينا. وإنه حقا كان فتحا للإسلام، فقد لانت قلوب كانت مستعصية، وتفتحت آذان كان فيها وقر عن سماع الحق، فإذا كانت لم تفتح إلا آجلا، فقد فتحت القلوب نور هذه المدينة، وكان من قريش أنفسهم من يتجه إلي الإسلام ويتعرف غاياته، ومراميه، وأنه الحق والعقل، وملة إبراهيم ﵇ والقبائل التى كانت ترى أمارات النبوة، ولكن تنتظر قريشا، ورأيها فى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم- أخذت

стр. 1053

قلوبهم تصغي، وأفئدتهم تتجه نحوه، فأسلم الكثيرون، وتهيأت للإسلام قلوب كثيرين، ولما اتجه ﵊ إلى خيبر لاقتلاع اليهود من بلاد العرب، كان العرب جميعا مناصرين. وعندما اتجه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلي الرومان أحسوا بعزة العرب تغالب سلطان بني الأصفر، وقد كان أمرهم مرهوبا مخوفا، قد استكان بعضهم له رهبا لا رغبا، فلما رأوا محمدا صلي الله تعالى عليه وسلم الهاشمي القرشي العربي يغزو بنى الأصفر، أحسوا بعزة عربية لا بد أن يكونوا معها، وإذا كانوا مع الروم في بؤسهم فقد هداهم التفكير فى عزتهم إلي ألا يكونوا معهم في تبوك، وإن ذلك بلا ريب يفتح قلوبهم لأن يدركوا الإسلام، ويتدبروا في أمره وغايته، ورأوا أنه السبيل الوحيد لعزتهم، ورفع نير الرومان ونفوذهم. ولقد ذكر كتاب السيرة أنه دخل فى الإسلام ما بين فتح مكة المكرمة وغزوة الحديبية ناس كثيرون بلغوا أضعاف ما دخلوا من وقت البعث المحمدي، إلي الحديبية، أي بلغ فى سنتين أضعاف أضعاف من دخل فيه في مدي تسع عشرة سنة. ولما كان فتح مكة المكرمة، ودخلت قريش في الإسلام، دخل فيه الذين يترددون وقد لانت قلوبهم، لأنهم رأوا أهل مكة المكرمة، الذين كان لهم مكان المتبوع يدخلون فدخلوا. ولذلك جاءت الوفود تتري في العام التاسع، بعد أن فتحت في رمضان من العام الثامن، ولقد جاءت تلك الوفود مسلمة معلنة إسلامها، تريد معرفة أحكام دينها وما يجب أن يقوم به المسلم، وما يجوز له وما لا يجوز. وكان النبي صلي الله تعالي عليه وسلم يرسل البعوث لتعليمهم، ولتأديب الذين يحاولون إيذاء المؤمنين أو العبث بالمقومات الدينية، فكان أحيانا يرسل السرايا، وأحيانا يرسل فقهاء الصحابة، كما أرسل أبا موسي الأشعري ومعاذ بن جبل ولما أرسل خالد بن الوليد، وهو القائد المحارب كان مكلفا أن يدعو إلى الإسلام، لا أن يجرد سيف القتال، ثم أرسل علي بن أبي طالب عالم الصحابة، فتولي تعليمهم، وأخذهم بأحكام الإسلام، ثم ولاه القضاء، فانفتق ذهنه بدعوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ونطق لسانه بالحكمة وفك عقدا من مشكلات القضاء وأقره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وهكذا نري أن البلاد العربية- أهل الوبر وأهل المدر- قد دخلها الإسلام، وتقبله قلوب مؤمنة مذعنة، وعلم أمره بعض الناس، ولكن لم يدخل قلوبهم فأطاعوا وخضعوا، ولكن لم تؤمن قلوبهم، وإن علم الإسلام، كان الإسلام كالغيث يصيب أرضا نقية فيمدها بالزرع وتأتي بأطيب الثمرات، وكان

стр. 1054

يصيب أرضا تحفظ الماء ولا تنتفع به، ولكنها تكون موردا لطالبه، وكان يصيب أرضا مجدبة لا تحفظه ليكون مصدر سقي ورعي، ولا تنتفع به. ولقد كان الناس بعد أن علموا الإسلام علي هذه الأنواع الثلاثة، فكان منهم الذين آمنوا وأخلصوا دينهم لله تعالي، وأولئك الذين كانوا في المدينة المنورة، وبعض مدائن البلاد العربية، ورجال كانوا في البادية. ومنهم من علموا الإسلام وحفظوه، ولكن لم يعملوا به، وأطاعوا، ولكن لم تذعن قلوبهم، ومنهم الذين مر عليهم الإسلام فعرفوا أن هناك دينا يحارب الوثنية، ويدعو إلي الوحدانية، وإحياء ديانة إبراهيم ﵊، ولكن التدين لم يكن موضع اهتمامهم، فمر عليهم علم الإسلام كما يمر الماء فى الميزاب يتحدر ولا يبقي منه شئ، وأكثر هؤلاء كان فى أعراب البادية، ولهذا قال الله تعالي: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (التوبة) ومهما تكن حال الذين علموا الإسلام، ووصلتهم الدعوة الإسلامية كاملة، فإن التبليغ قد تم وكمل العلم. وما علي النبي صلى الله تعالي عليه وسلم أن يدخل الهداية في القلوب، ولكن عليه أن يبلغ، وينذر ويبشر كما قال تعالي: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ إن عليه أن يبين المورد العذب وعلي الناس أن يردوه، فمن ورده استقي، ومن لم يرده شقي، وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أكمل رسالته في أمرين: أولهما: أن الشريعة نزلت عليه كاملة، فأصولها كلها قد نزلت عليه، وعلمها أصحابه ليحملوا العبء كاملا من بعده، فبين أحكام العبادات، والزواجر الاجتماعية والعلاقات الإنسانية فى معاملات بين الناس وعلاقات بين الدولة الإسلامية وغيرها، وأحكام الحروب الفاضلة، وغير ذلك مما يسير بالإنسانية في طريق السلام والكمال. وثانيهما: أبلغ الدعوة كاملة لقومه العرب، ليكونوا المبلغين للناس كافة، أو حماة هذا التبليغ، ويتولي علماؤهم الدعوة، ويتولي سائرهم حماية هذه الدعوة، والله بكل شئ عليم، وإنه لم يبق بعد الكمال إلا الوداع.

стр. 1055

حجة الوداع ٧٠٩- كانت حجة الوداع فى آخر التبليغ المحمدى، إذ عم العلم بالدعوة الإسلامية البلاد العربية كلها، وخرج نور الإسلام إلى الشام، فدخل فيه من العرب الذين كانوا يخضعون لحكم الرومان، وسميت حجة الوداع، لأن النبي صلي الله تعالى عليه وسلم انتقل إلي الرفيق الأعلي بعدها بأمد قصير، ولأن العبارات فى خطبة الوداع كانت تفيد بأن النبي صلي الله تعالي عليه وسلم لا يلقاهم بعد عامهم هذا، وسميت حجة البلاغ. لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يذكر فى خطبتها عبارة التبليغ، ونحن نرى أنها سميت حجة البلاغ، لأنها خاتمة البلاغ إلى البلاد العربية، فعمهم العلم بالدعوة الإسلامية، ودخلوا في الإسلام وأشرب حبه في قلوب بعضهم، حتى صاروا مؤمنين، وقدم بعضهم الطاعة له ولأحكامه، ولما يدخل الإيمان قلوبهم. وقد حمل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عبء الدعوة وتبليغ ما علموا وما أدركوا من حضرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، فحمل الأمانة الذين شاهدوا وعاينوا وقبسوا من نور الوحى الإلهي، وإن كان قد ختم الوحي برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهم الذين رضي الله تعالي عنهم ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فى بيعة الرضوان، كأبى بكر وعمر وعثمان وعلي، وأبي عبيدة وغيرهم من الذين كانوا كالحواريين لعيسي ﵊، حمل هؤلاء الأطهار الأمانة، ورعوها حق رعايتها، وكانت البلاد العربية كلها بعد أن ارتد من ارتد، قد تجردت لحماية الدعوة، حتي أشربوا حب الإيمان، فكانت القيادة الحربية أحيانا لغير أهل البيعة، ولكن يكون بجوارهم مرؤسون لهم من بعض أهل البيعة، كأبي عبيدة، كان بجوار خالد بن الوليد، وإن كنا نعتقد أن خالدا ممن دخل الإيمان قلبه، ولكن لم يكن كأهل البيعة في العلم بالإسلام، وأحكامه وفرائضه. وأحيانا تكون القيادة لأهل البيعة كما كان في فتح فارس، فقد كان القائد سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة. الخروج لحجة البلاغ، وما قام به من مناسك: ٧١٠- يقول ابن القيم: إن الحج فرض في السنة التاسعة، وما كان من حج الناس قبلها إنما كان على العادة التي كانت عند العرب، ولذلك لم يرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أميرا علي الحج إلا في السنة التاسعة، ولم يحج هذا العام، لأن المشركين كانوا يحجون علي عادة الجاهلية، فأرسل أبا بكر ولم يذهب بنفسه، حتي لا يكون فى سكوته إقرار لهذه الأمور الجاهلية، ولما منعت بمنع المشركين من القرب من المسجد الحرام، قام صلى الله تعالى عليه وسلم بالحج وتولي إمرته بنفسه.
следующие страницы →