← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ولكن قريشا هي القوي، وهي البعيدة النفوذ فى البلاد العربية قاصيها ودانيها، وهي في البيت الحرام الذي جعله الله تعالي مثابة للناس وأمنا، وهو أول بيت للعبادة وضع للناس وهم الذين يتولون فتنة المؤمنين الذين آمنوا، وهم الذين اضطهدوا محمدا ﷺ وصحبه، وهم الذين هموا بقتل النبي صلي الله تعالى عليه وسلم فكان حقا عليه الهجرة وأن يحمي المؤمنين الذين لا يزالون في مكة المكرمة، فكان لا بد أن ينازلهم بالحق كما اعتدوا عليه بالباطل، وأن يمنعهم من الاسترسال في الشر: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (البقرة) ودفع الشر بمجازاة أهله ليس شرا بل خير كله، وهو الخير القوي الغالب، وليس الخير المستسلم الذليل. وإن الإسلام فضائله إيجابية، وليست سلبية، فضائله عاملة قوية وليست ضعيفة مستكينة فلا بد إذن من المغالبة. فكانت المقابلة وكانت الدعوة وبيان الحقائق الإسلامية والشرائع التي تبني بها المدينة الفاضلة، وتقوم فيها الإنسانية الكاملة وتكون مثلا ساميا. كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه الفترة المجاهدة، يجاهد في ميدانين متكاملين غير متنافرين يحارب أعداء الحق، ليجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله تعالي هي العليا، ويبث السرايا داعية إلى الحق، وفي يدها السيف لقمع الشر، إن حال دون الحق حائل، ويرسم الخطط للجيوش الإسلامية الهادية غير الباغية. وإن الغزوات الكبري كانت من المشركين، والنبي صلي الله تعالي عليه وسلم يدافع، ولا يهاجم، فالمدينة المنورة كانت مقصدهم، والوقائع كانت علي مقربة منها، فغزوة بدر كانت علي مقربة من المدينة المنورة، وقد جاءت قريش بقضها وقضيضها، نعم إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هم بأن يصادر عيرهم، كما صادروا أموال المؤمنين، ولكنهم هم الذين جاؤا بالجيش ليحاربوا، وقد ردوا خاسرين. ثم كانت غزوة أحد، وقد جاؤا بها للثأر، وأرادوا اقتلاع الإسلام من مأمنه، وأصاب المسلمين جراح، ولكنهم هم نكصوا علي أعقابهم لم ينالوا خيرا، وإن جرحوا. ثم لما عجزت قريش أن تنال من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وحدها جمعت الجموع، وحزبت الأحزاب من البلاد العربية، وذهبوا لإزالة المدينة المنورة والإسلام، ولكن هزموا بالريح والرعب فعادوا علي أعقابهم خاسرين مذعورين.

стр. 1052

هذا هو الميدان الأول لجهاد النبى صلي الله تعالى عليه وسلم. أما الميدان الثاني فهو تربية المؤمنين وتعليمهم أحكام الدين، وبيان الشريعة الإسلامية، وتنظيم المجتمع على أساس العدل والفضيلة ومكارم الأخلاق، وهو ميدان الرسالة المحمدية، وهو غايتها ومقصدها، وما كان القتال إلا لحماية الدعوة الإسلامية، وتوصيلها للقلوب والمجتمعات، الآحاد والجماعات. وإنه في أثناء اللقاآت الحربية كانت المبادئ الإسلامية تسري إلي النفوس وسط صليل السيوف، فكانت تصل إلي القلوب، والمقاتل متأثر بالمقاتل مأخوذ به، وخصوصا إذا رأوا من خوارق العادات، ما لا عهد لهم به، لقد كانت غزوة الأحزاب من قبائل متفرقة، ورأوا عيانا أن الهزيمة لم تكن بسيف ولا بقوة، ولكن بريح عاصف اقتلع أخبيتهم وألقي الفزع والذعر في نفوسهم، وأمامهم رجل يقول إنه رسول من عند الله سبحانه وتعالي، فهلا يفتح ذلك قلوبا مغلقة، وآذانا تستمع إلي صوت الحق، إنهم لا بد أن يعودوا إلي أقوامهم، ويذكروا لهم ما عاينوا أو شاهدوا، وما رأوا بعين البصر، وإن ذلك لا بد أن يصل شئ منه إلي البصيرة. ولقد كانت غزوة الخندق آخر الغزوات التي غزتها قريش للمدينة المنورة، وقد استيأسوا من بعد ذلك وعلموا أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم غير مخذول، وأن أحجارهم التى لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تغني عنهم، حتي أخذ بعض عقلائهم يدركون ما هم فيه من ضلال، وأنه لا بد لهم من أن يسمعوا صوت العقل والضمير، وقد بدا ذلك في بعض كبرائهم كما أشرنا. الحديبية: ٧٠٨- كانت الحديبية خطوة للدعاية إلى الإسلام من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد ذهب إلي مكة المكرمة بجيش عدته نحو خمسمائة وألف أو يزيدون وما ذهب ليقتلع مكة المكرمة، كما كانوا يذهبون إلي المدينة المنورة، بل ذهب ليقيم شعائر الله تعالي، ولتعظيم البيت، وعلى ألا يسألوه خطة فيها تعظيم البيت إلا سلكها. وقد تم عقد الاتفاق علي مدة عشر سنين، لا يقاتلهم، وعلي أن يعود من عامه هذا، وقد سمي الله تعالى ذلك فتحا مبينا. وإنه حقا كان فتحا للإسلام، فقد لانت قلوب كانت مستعصية، وتفتحت آذان كان فيها وقر عن سماع الحق، فإذا كانت لم تفتح إلا آجلا، فقد فتحت القلوب نور هذه المدينة، وكان من قريش أنفسهم من يتجه إلي الإسلام ويتعرف غاياته، ومراميه، وأنه الحق والعقل، وملة إبراهيم ﵇ والقبائل التى كانت ترى أمارات النبوة، ولكن تنتظر قريشا، ورأيها فى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم- أخذت

стр. 1053

قلوبهم تصغي، وأفئدتهم تتجه نحوه، فأسلم الكثيرون، وتهيأت للإسلام قلوب كثيرين، ولما اتجه ﵊ إلى خيبر لاقتلاع اليهود من بلاد العرب، كان العرب جميعا مناصرين. وعندما اتجه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلي الرومان أحسوا بعزة العرب تغالب سلطان بني الأصفر، وقد كان أمرهم مرهوبا مخوفا، قد استكان بعضهم له رهبا لا رغبا، فلما رأوا محمدا صلي الله تعالى عليه وسلم الهاشمي القرشي العربي يغزو بنى الأصفر، أحسوا بعزة عربية لا بد أن يكونوا معها، وإذا كانوا مع الروم في بؤسهم فقد هداهم التفكير فى عزتهم إلي ألا يكونوا معهم في تبوك، وإن ذلك بلا ريب يفتح قلوبهم لأن يدركوا الإسلام، ويتدبروا في أمره وغايته، ورأوا أنه السبيل الوحيد لعزتهم، ورفع نير الرومان ونفوذهم. ولقد ذكر كتاب السيرة أنه دخل فى الإسلام ما بين فتح مكة المكرمة وغزوة الحديبية ناس كثيرون بلغوا أضعاف ما دخلوا من وقت البعث المحمدي، إلي الحديبية، أي بلغ فى سنتين أضعاف أضعاف من دخل فيه في مدي تسع عشرة سنة. ولما كان فتح مكة المكرمة، ودخلت قريش في الإسلام، دخل فيه الذين يترددون وقد لانت قلوبهم، لأنهم رأوا أهل مكة المكرمة، الذين كان لهم مكان المتبوع يدخلون فدخلوا. ولذلك جاءت الوفود تتري في العام التاسع، بعد أن فتحت في رمضان من العام الثامن، ولقد جاءت تلك الوفود مسلمة معلنة إسلامها، تريد معرفة أحكام دينها وما يجب أن يقوم به المسلم، وما يجوز له وما لا يجوز. وكان النبي صلي الله تعالي عليه وسلم يرسل البعوث لتعليمهم، ولتأديب الذين يحاولون إيذاء المؤمنين أو العبث بالمقومات الدينية، فكان أحيانا يرسل السرايا، وأحيانا يرسل فقهاء الصحابة، كما أرسل أبا موسي الأشعري ومعاذ بن جبل ولما أرسل خالد بن الوليد، وهو القائد المحارب كان مكلفا أن يدعو إلى الإسلام، لا أن يجرد سيف القتال، ثم أرسل علي بن أبي طالب عالم الصحابة، فتولي تعليمهم، وأخذهم بأحكام الإسلام، ثم ولاه القضاء، فانفتق ذهنه بدعوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ونطق لسانه بالحكمة وفك عقدا من مشكلات القضاء وأقره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وهكذا نري أن البلاد العربية- أهل الوبر وأهل المدر- قد دخلها الإسلام، وتقبله قلوب مؤمنة مذعنة، وعلم أمره بعض الناس، ولكن لم يدخل قلوبهم فأطاعوا وخضعوا، ولكن لم تؤمن قلوبهم، وإن علم الإسلام، كان الإسلام كالغيث يصيب أرضا نقية فيمدها بالزرع وتأتي بأطيب الثمرات، وكان

стр. 1054

يصيب أرضا تحفظ الماء ولا تنتفع به، ولكنها تكون موردا لطالبه، وكان يصيب أرضا مجدبة لا تحفظه ليكون مصدر سقي ورعي، ولا تنتفع به. ولقد كان الناس بعد أن علموا الإسلام علي هذه الأنواع الثلاثة، فكان منهم الذين آمنوا وأخلصوا دينهم لله تعالي، وأولئك الذين كانوا في المدينة المنورة، وبعض مدائن البلاد العربية، ورجال كانوا في البادية. ومنهم من علموا الإسلام وحفظوه، ولكن لم يعملوا به، وأطاعوا، ولكن لم تذعن قلوبهم، ومنهم الذين مر عليهم الإسلام فعرفوا أن هناك دينا يحارب الوثنية، ويدعو إلي الوحدانية، وإحياء ديانة إبراهيم ﵊، ولكن التدين لم يكن موضع اهتمامهم، فمر عليهم علم الإسلام كما يمر الماء فى الميزاب يتحدر ولا يبقي منه شئ، وأكثر هؤلاء كان فى أعراب البادية، ولهذا قال الله تعالي: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (التوبة) ومهما تكن حال الذين علموا الإسلام، ووصلتهم الدعوة الإسلامية كاملة، فإن التبليغ قد تم وكمل العلم. وما علي النبي صلى الله تعالي عليه وسلم أن يدخل الهداية في القلوب، ولكن عليه أن يبلغ، وينذر ويبشر كما قال تعالي: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ إن عليه أن يبين المورد العذب وعلي الناس أن يردوه، فمن ورده استقي، ومن لم يرده شقي، وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أكمل رسالته في أمرين: أولهما: أن الشريعة نزلت عليه كاملة، فأصولها كلها قد نزلت عليه، وعلمها أصحابه ليحملوا العبء كاملا من بعده، فبين أحكام العبادات، والزواجر الاجتماعية والعلاقات الإنسانية فى معاملات بين الناس وعلاقات بين الدولة الإسلامية وغيرها، وأحكام الحروب الفاضلة، وغير ذلك مما يسير بالإنسانية في طريق السلام والكمال. وثانيهما: أبلغ الدعوة كاملة لقومه العرب، ليكونوا المبلغين للناس كافة، أو حماة هذا التبليغ، ويتولي علماؤهم الدعوة، ويتولي سائرهم حماية هذه الدعوة، والله بكل شئ عليم، وإنه لم يبق بعد الكمال إلا الوداع.

стр. 1055

حجة الوداع ٧٠٩- كانت حجة الوداع فى آخر التبليغ المحمدى، إذ عم العلم بالدعوة الإسلامية البلاد العربية كلها، وخرج نور الإسلام إلى الشام، فدخل فيه من العرب الذين كانوا يخضعون لحكم الرومان، وسميت حجة الوداع، لأن النبي صلي الله تعالى عليه وسلم انتقل إلي الرفيق الأعلي بعدها بأمد قصير، ولأن العبارات فى خطبة الوداع كانت تفيد بأن النبي صلي الله تعالي عليه وسلم لا يلقاهم بعد عامهم هذا، وسميت حجة البلاغ. لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يذكر فى خطبتها عبارة التبليغ، ونحن نرى أنها سميت حجة البلاغ، لأنها خاتمة البلاغ إلى البلاد العربية، فعمهم العلم بالدعوة الإسلامية، ودخلوا في الإسلام وأشرب حبه في قلوب بعضهم، حتى صاروا مؤمنين، وقدم بعضهم الطاعة له ولأحكامه، ولما يدخل الإيمان قلوبهم. وقد حمل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عبء الدعوة وتبليغ ما علموا وما أدركوا من حضرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، فحمل الأمانة الذين شاهدوا وعاينوا وقبسوا من نور الوحى الإلهي، وإن كان قد ختم الوحي برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهم الذين رضي الله تعالي عنهم ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فى بيعة الرضوان، كأبى بكر وعمر وعثمان وعلي، وأبي عبيدة وغيرهم من الذين كانوا كالحواريين لعيسي ﵊، حمل هؤلاء الأطهار الأمانة، ورعوها حق رعايتها، وكانت البلاد العربية كلها بعد أن ارتد من ارتد، قد تجردت لحماية الدعوة، حتي أشربوا حب الإيمان، فكانت القيادة الحربية أحيانا لغير أهل البيعة، ولكن يكون بجوارهم مرؤسون لهم من بعض أهل البيعة، كأبي عبيدة، كان بجوار خالد بن الوليد، وإن كنا نعتقد أن خالدا ممن دخل الإيمان قلبه، ولكن لم يكن كأهل البيعة في العلم بالإسلام، وأحكامه وفرائضه. وأحيانا تكون القيادة لأهل البيعة كما كان في فتح فارس، فقد كان القائد سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة. الخروج لحجة البلاغ، وما قام به من مناسك: ٧١٠- يقول ابن القيم: إن الحج فرض في السنة التاسعة، وما كان من حج الناس قبلها إنما كان على العادة التي كانت عند العرب، ولذلك لم يرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أميرا علي الحج إلا في السنة التاسعة، ولم يحج هذا العام، لأن المشركين كانوا يحجون علي عادة الجاهلية، فأرسل أبا بكر ولم يذهب بنفسه، حتي لا يكون فى سكوته إقرار لهذه الأمور الجاهلية، ولما منعت بمنع المشركين من القرب من المسجد الحرام، قام صلى الله تعالى عليه وسلم بالحج وتولي إمرته بنفسه.

стр. 1056

وقد اعتزم الخروج من المدينة المنورة ميمما وجهه شطر المسجد الحرام لست بقين من ذى القعدة ولما عزم أعلن على الحج في المدينة المنورة وما حولها- فقدموا يريدون الحج مع رسول الله صلى الله تعالي عليه وسلم، ولما شاع الخبر في البلاد العربية، وافاه في الطريق خلق كثير، لا يحصون فكانوا من بين يديه، وعن يمينه وعن شماله على قدر رؤية البصر. خرج بمن حول المدينة المنورة نهارا في التاريخ الذى أشرنا إليه وخطب الذين صحبوه من المدينة المنورة وعلمهم مناسك الحج، وكان كلما وفد عليه، وهو فى طريقه، وفد علمه مناسك الحج، وأبعدهم عن بقايا الجاهلية التي كان المشركون يتخذونها في بيت الله الحرام كالطواف عرايا. وبين لهم كيف يكون الإحرام، ومواقيت الحج، وبين لهم أنواع الإحرام وما يلزم في كل نوع فبين لهم أن من أحرم بالحج والعمرة فعليه أن يسوق الهدي، ولا يتحلل إلا يوم النحر بعد أداء الحج، فيتحلل بنحر الهدي يوم النحر، ومن نوي العمرة ولم يسق الهدي فله أن يتحلل بنحر بعد السعي بين الصفا والمروة، والطواف بالبيت سبعا، يجب في ثلاث منها الهرولة، ويستلم في ابتداء كل واحدة الحجر الأسود تعرفا لكمالها. وفى السعي سبعا بين الصفا والمروة يرمل بين الميلين الأخضرين، وأنه يلبي بعد الإحرام بأن يقول لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك لبيك. ثم بعد أن علم هذه المناسك قولا، وأراهم إياها عملا من بعد أن أحرم من ذي الحليفة ميقات المدينة المنورة، وعلمهم المواقيت كلها، وأنه يحرم عندها أو قبلها ولا يمر عليها إلا محرما. وأهل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد إحرامه بالحج والعمرة، وأهل بعض من معه، بالحج فقط، لأن العمرة تدخل فيه، وبالعمرة فقط، وقد فهم بعض الناس من إهلاله بالحج والعمرة أنه كان قارنا أى جامعا بينهما لأنه ساق الهدي ومن أهل بالحج كان مفردا أي لم ينو العمرة في حجته، ومن أهل بالعمرة فقط فإنه متمتع. لأنه المتمتع، يهل بالعمرة، ويؤديها ثم يتحلل منها، ثم ينوي الحج، ويذبح الهدي يوم النحر، وقد سمي القرآن القران تمتعا فجمع بينه وبين التمتع في عبارة واحدة، وهي قول الله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. وإن الروايات تتضافر علي أن حجه صلي الله تعالى عليه وسلم كان قرانا وأنه ﵊ يرتضي لنفسه أشدها كلفة، ولا شك أن القران يجمع كمالين: الهدى يساق ويعلم من أول إهلاله

стр. 1057

والاستمساك بالتحريم في مناسك الحج، حتي تؤدي كلها من السعي والطواف والوقوف بعرفات ثم بالمزدلفة، ثم الذهاب إلي مني بعد المشعر الحرام، والتمتع فيه رخصة في أحد الأمرين ففيه رخصة التحلل قبل الحج، ثم الإحرام له، والحج بإفراده من غير عمرة معه فيه رخصة من عدم الالتزام بالهدي، فاختار سبحانه وتعالي القران، لأنه لا سهولة فيه أولا، ولأن فيه تعليم العمرة عملا ثانيا، ولأن فيه سوق الهدي من أول الحج، وإشعاره بوضع مزادة فيه، فقد وضع المزادة وشق جانبا من سنام زاملته، كان ذلك كله تعليما، وما كان ليعلم ذلك عمليا لو كان قد أحرم بالحج مفردا، أو أحرم متمتعا، فكان القران فيه كمال التعليم. ومع أنه صلي الله تعالي عليه وسلم اختار لنفسه القران نسكا فى الحج فقد رخص للناس، من غير بيان أيها أفضل فى أن يختاروا بين الأنساك الثلاثة. القران، أو التمتع، أو الإفراد، ولكنه اشترط في حال القران سوق الهدى، وفى التمتع الهدي يوم النحر. وقد حدث فى أثناء سير ركب النبي صلي الله تعالى عليه وسلم أن أصاب الحيض أم المؤمنين عائشة، فأمرها بالاستمرار فى حجها علي ألا تدخل المسجد الحرام، وتطوف، وولدت أسماء بنت عميس زوج أبي بكر ولده محمد بن أبى بكر، وقد أمرها أن تغتسل لإحرامها، كما أمر عائشة ﵂ وعن أبيها. مضي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحجته، والمسلمون وراءه يتعلمون من عمله، وهو يلبى، كلما تحول من مكان إلي مكان، وكلما علا مرتفعا، أو انخفض في واد. وقد منع أن يصاد حيوان من الحرم، وأن يؤكل صيد الحرم، لأنه حرام فما يؤدي إليه يكون حراما، ولكن أباح للمحرمين أن يأكلوا صيد غيرهم ممن يكونون في حل. وفى أثناء سيره، كان يبين العبر فيما مر به من أرض، وبوادى عسفان فقال لصاحبه أبي بكر، يا أبا بكر أي واد هذا؟ قال: وادي عسفان، فقال صلي الله تعالى عليه وسلم. «لقد مر به هود وصالح» . ٧١١- ومن الروايات الراجحة يثبت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان قارنا جمع بين الحج والعمرة فى إهلال واحد، وقد ساق الهدي وكان ثلاثا وستين بدنة، ولما جاء إليه علي من اليمن أشركه في بدنه. وقد قلد البدنة وأشعرها. ولكن لم يكن من معه قارنين، بل قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ كان منهم من كان قارنا كالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ومنهم من أفرد بالحج، ومنهم من تمتع، فقد روي ابن أبى شيبة أن عائشة ﵂ قالت: «خرجنا مع رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم، للحج علي ثلاثة

стр. 1058

أنواع، فمنا من أهل بعمرة وحجة، ومنا من أهل بحج مفرد، ومنا من أهل بعمرة مفردة، فمن كان أهل بحج وعمرة معا، لم يحلل من شئ مما حرم منه، حتي يقضي مناسك الحج، ومن أهل بعمرة مفردة فطاف بالبيت، وبالصفا والمروة حل ما حرم منه، حتي يستقبل حجا. وإن هذا يدل علي أمرين: أحدهما: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان قارنا، ولم يدع الناس جميعا إلي القران، لأنه ربما يكون فيهم من لا يستطيع الهدي، ومن لا يحتمل تحريم محرمات الحج مدة طويلة، فأجاز لهم التمتع والقران والإفراد، وبين لهم ما يلزم كل نوع من هذه النسك، ولم ينه عن واحد منها، بل لم يبين أفضلها، وإن كان الأفضل يعرف من اختيار النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا من قوله، وربما يفهم من التخيير من غير مفاضلة المساواة فيها. وإن الحق أن كلا له فضله في حاله، ففي حال الضعف، أو عدم القدرة علي الهدي يكون الأيسر، هو الأفضل، لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يختار الأيسر، فما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما. وقد رأي عمر وعثمان ﵁ قد تبعه أن يكون الإفراد أولي، حتي لا يخلو البيت الحرام من قاصديه طول العام، لأنه إذا شاع اجتماع العمرة والحج في أشهر الحج، ما قصد البيت في أثناء العام، وعمر يريد ألا يخلو البيت طول العام من قاصديه. ولقد تبع ذلك عثمان ﵁، لأنه قد تعهد عند مبايعته أن يعمل بكتاب الله تعالي وسنة رسوله صلي الله تعالي عليه وسلم، وسنة الشيخين أبي بكر وعمر، واختيار الإفراد في الحج كان من سنة عمر ﵁، ولم يقره علي ذلك كثير من الصحابة كسعد بن أبي وقاص وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن عباس، وعائشة رضي الله تعالي عنها. وقد روي أبو داود والإمام أحمد أن معاوية قال وكان في ملأ من أصحاب رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهي عن جلود النمور أن يركب عليها؟ قالوا اللهم نعم، قال: وتعلمون أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهي عن لباس الذهب إلا مقطعا، قالوا: اللهم نعم، قال أتعلمون أنه نهي عن الشرب فى أواني الذهب والفضة؟ قالوا اللهم نعم، قال: «وتعلمون أنه نهى عن المتعة (أي الجمع بين العمرة والحج) قالوا اللهم لا» . «قال فوالله إنها لمعهن» . وإن هذا يدل على أن معاوية اتبع ما سار عليه عثمان اتباعا لعمر، للمقصد الاجتماعي الذي رآه، ولعل معاوية ظن، أو أراد أن يوهم أن عمله وعمل ذي النورين عثمان لنهي النبي صلى الله تعالى عليه

стр. 1059

وسلم. والحقيقة- أن لا نهي عن نوع من الأنساك الثلاثة «القران والتمتع والإفراد» وخصوصا أن التمتع بالجمع بين العمرة والحج قد نص عليه في القران الكريم، وما كان لأحد مهما تكن مكانته بين المسلمين أن ينهي عن أمر أجازه القرآن الكريم وبين أحكامه. ولكن عمر رضى الله تعالي عنه اختار الإفراد لهذا المعنى الاجتماعي الذي ذكرناه، وخالفه فيه كثيرون من الصحابة، حتي إن ابنه عبد الله لم يوافقه. وخالف علي عثمان رضى الله تعالي عنه، ورد نهيه عن التمتع ردا شديدا وأعلن التمتع أمامه وفي حضرة جمع من الصحابة. ولقد روي أن عبد الله بن عمر كان يري التمتع بالقران، أو مجرد الجمع في أشهر الحج بين العمرة والحج قارنا أو متمتعا، فقال قائل إن أباك نهي عن العمرة «أي مع الحج» فقال الصحابي التقي: «أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحق أن يتبع أم أمر أبي؟! ولقد قال ابن عباس لمن كان يعارضه في القران والتمتع بعمل عمر «يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء. أقول لكم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر» .

стр. 1060

الأماكن التى نزلها، والأدعية التى ذكرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ٧١٢- نهض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وسار فى الطريق إلي مكة المكرمة بعد إهلاله من ذي الحليفة بالعمرة والحج، أي قارنا وسار في طريقه حتي نزل بذي طوي وصلي بها الصبح. ثم اغتسل، من يومه، ونهض إلى مكة المكرمة فدخلها من الثنية العليا التي تشرف على الحجون، ثم سار حتي دخل المسجد الحرام واستقبل الكعبة الشريفة، وقال: «اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما ومهابة» . ويروي أنه كان عند رؤيته البيت الحرام يقول هذا الدعاء: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة» . ولقد طاف، ولما حاذي الحجر الأسود استلمه، ثم أخذ عن يمينه، وجعل البيت عن يساره، ولما فرغ من طوافه، جاء خلف المقام، وقال «واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى» وصلي ركعتين، والمقام بينه وبين البيت. فلما فرغ من صلاته، أقبل إلي الحجر الأسود فاستلمه مرة أخرى. ثم اتجه إلي الصفا من الباب الذي يقابله، وقرأ قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما (البقرة) . بعد السعي، استمر صلى الله تعالى عليه وسلم ممسكا بإحرامه، فلم يتحلل، وفعل مثل من أفرد بالحج، أما من تمتع بالعمرة إلي الحج، وكان مهلا بالعمرة فقط فإنه تحلل، واستمر متحللا، حتى نوي الحج من بعد ذلك. استمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على إحرامه، حتي تحلل يوم النحر، والذين كانوا معه ولم يسوقوا الهدي، وقد أهلوا بالعمرة تحللوا بعد طوافها حتي إذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة أهلوا بالحج، وصاروا فى إحرام، حتى تحللوا يوم النحر. ثم اتجه صلى الله تعالى عليه وسلم إلي مني، ومعه من صحبه من المسلمين، ومنهم من كان يلبي، ومنهم من كان يكبر، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم ينه أحدا. وقد صلي ﵊ بالمسلمين في مني صلاة الظهر والعصر وجمع بينهما جمع تقديم في وقت الظهر، وقد سار من بعد ذلك إلي عرفة.

стр. 1061

ويقول ابن القيم: ضربت له قبة بنمرة، وهي فى شرقي عرفات فنزل بها حتي إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت ثم سار حتي أتى بطن الوادي، فخطب الناس وهو علي راحلته خطبة عظيمة قرر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية، وقرر فيها تحريم المحرمات التى اتفقت الملل على تحريمها، وهي الدماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كله وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيرا، وذكر الحق الذي لهن وعليهن، وأن الواجب لهن الرزق والكسوة بالمعروف، ولم يقدر ذلك بتقدير، وأباح للأزواج ضربهن إذا أدخلن إلى بيوتهن من يكره أزواجهن، وأوصي الأمة فيها بالاعتصام بكتاب الله، وأخبر أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبرهم أنهم مسئولون عنه، واستنطقهم بماذا يقولون، وبماذا يشهدون، فقالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت، ونصحت، فرفع أصبعه إلي السماء، أن يبلغ شاهدهم غائبهم. ذكر ابن القيم خلاصة الخطبة التي كانت بعرفة، ولم يذكر نصها، ولا ندري لماذا لم يذكر النص، وقد ذكر النص ابن إسحاق في السيرة، فقد قال: «مضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على حجته، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التى بين فيها ما بين. فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس اسمعوا قولى، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا فى هذا الموقف أبدا. أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله تعالى أنه لا ربا، وإن ربا عمى العباس بن عبد المطلب موضوع كله. وإن كل دم كان فى الجاهلية موضوع، وإن أول دم أضعه دم ابن عمى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا فى بنى ليث فقتله هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.

стр. 1062

أيها الناس، إنما النسيء زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما، ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان. أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن ألا يوطئن «١» فرشكم أحدا تكرهونه وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن فى المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن استعصمتم به، فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس اسمعوا قولى واعقلوه تعلمن أن المسلم أخو المسلم، وإن المسلمين إخوة، فلا يحل لامريء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم. اللهم هل بلغت. ويقول ابن إسحاق: «ذكر لى أن الناس قالوا: اللهم نعم.. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اللهم اشهد» . وهنا ننبه إلى أمرين آخرين يتعلقان بالخطبة. أولهما: أن الجمع كان حاشدا، والخلق كانوا مزدحمين ازدحاما لم يكن له مثيل من قبل، فقد جاء الناس من كل فج من الجزيرة العربية ليسعدوا بصحبة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فى حجته. ولذلك لم يكن من الممكن أن يسمع الناس جميعا صوت النبى ﷺ ، وهو يتكلم، فكان بجواره صارخ يصرخ للناس بما يقول رسول الله ﷺ ، قال ابن إسحاق: كان الرجل الذى يصرخ فى الناس بقول رسول الله ﷺ هو ربيعة بن أمية بن خلف يقول له رسول الله ﷺ : «قل يا أيها الناس، إن رسول الله يقول: هل تدرون أى شهر هذا فيقولون الشهر الحرام..» .

стр. 1063

وهكذا كان ذلك الصارخ ينطق بما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ليسمع القاصى والدانى، والقريب والبعيد من حضرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ثانيهما: إنه روى عن بعض الثقات زيادة عما روينا من الخطبة الجامعة وزيادة الثقة مقبولة ومن الزيادات التى رويت قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: أيها الناس، إن الله قد أدى لكل ذى حق حقه، وإنه لا يجوز وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، فمن ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. ٧١٣- بعد أن وقف بعرفات وألقى خطبته الجامعة، لما غربت الشمس، واستحكم غروبها، كما قال ابن القيم، بحيث ذهبت الصفرة- اتجه إلى المزدلفة فأفاض من عرفة إليها، وأردف إليه على ناقته أسامة بن زيد، وهو يقول: «أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع «١» ، ثم جعل يسير العنق وكان فى مسيره هذا لا ينقطع عن التلبية كلما علا، أو انحدر» . وقد صلى المغرب والعشاء فى وقت العشاء فجمع بينهما جمع تأخير، بأذان واحد، وإقامتين. ثم سار من بعد ذلك إلى منى بعد أن نام، ولما اتجه إلى منى أمر من معه ألا يرموا الجمار إلا بعد طلوع الشمس. وقد رمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الجمار ثم نحر، ثم تحلل من الإحرام، وقد كان معه بدن كثيرة، نحر بيده منها ثلاثا وستين فى النحر بمنى، ثم نحر على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه الباقى، وأمره أن يتصدق بلحومها وجلودها فى المساكين. وقد ذكر ابن القيم أنه خطب فى منى خطبة عظيمة بليغة، وكل كلامه ﵊ بليغ، وقال ابن القيم فى هذه الخطبة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر، وفضله عند الله تعالى، وحرمة مكة المكرمة على جميع البلاد وأمر بالسمع والطاعة، لمن قادهم بكتاب الله تعالى، وأمر الناس أن يأخذوا مناسكهم عنه، وقال: لعلى لا أحج بعد عامى هذا، وعلمهم مناسكهم، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر الناس ألا يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمرهم بالتبليغ عنه وأخبر أنه رب مبلغ أوعى من سامع، وقال فى خطبته: لا يجنى جان إلا على نفسه، وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة والأنصار عن يسارها، والناس حولهم، وفتح الله تعالى أسماع الناس حتى سمعها أهل منى فى منازلهم.

стр. 1064

وقال فى خطبته قلت: «اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» وودع حينئذ الناس. ويفهم من كلام ابن القيم هذا أن خطبة الوداع ليست التى ألقيت فى عرفات، إنما خطبة الوداع هى هذه لأنها متأخره عن الأولى، والوداع للأخيرة، ولأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر فيها الوداع والذى أراه أن الحجة كانت حجة الوداع، فكل ما فيها من كلام يتضمن معنى الوداع. وبعد أن نحر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حلق وفعل أصحابه ما فعل، اتجه إلى البيت الحرام، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، وهو الركن من الحج. وشرب من زمزم، ثم عاد إلى منى، وبعد الزوال رمى الجمار، فابتدأ بالأولى التى تلى مسجد الخيف ثم الوسطى، ثم العقبة. وتكرر ذلك فى أيام التشريق، الثلاثة التى تلى يوم النحر. وقد خطب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم خطبة ثانية فى منى، وهى ثالثة الخطب باحتساب خطبة عرفة، ويقول ابن القيم فى هذه الخطبة: خطب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الناس بمنى خطبتين، خطبة يوم النحر، وقد تقدمت، والخطبة الثانية فى أواسط أيام التشريق قبل ثانى يوم النحر، قال فيها: «وهل تدرون أى شهر هذا، قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا الشهر الحرام، ثم قال إنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد هذا، ألا فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغت» . ويروى أنه نزلت بعرفة آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. ويروى أنه نزلت بمنى سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً. لقد انتهى حج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى الحجة الأولى والأخيرة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يحج قبلها فى مكة المكرمة لما كان يحوط الكعبة الشريفة من أوثان، وما كان يفعله أهل الجاهلية من ذلك، ويلاحظ أن حج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان قرانا كما ذكرنا، ولم يلزم الناس، ولم يذكر للناس أنه أفضل من غيره، وإن كان أفضل لأن النبى صلى الله تعالى

стр. 1065

عليه وسلم قد اختاره، وأنه مع ذلك ترك الناس أحرارا يختارون من أنواع الحج الثلاثة ما يكون أسهل عليهم، فمن ساق هديا يختار القران إن أراد، ومن لم يسق وأهل بالعمرة، لم يسق هديا، فقد اختار التمتع، ومن أهل بالحج ابتداء، فقد اختاره ولا يسوق هديا. وقد كان المسلمون الذين صحبوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى حجته منهم من اختار القران، ومنهم من اختار التمتع، ومنهم من اختار الإهلال بالحج، ولا حرج ما دام يختار ما يستطيعه، ولا يشق عليه. وما يروى من أن عمر اختار للمسلمين الإفراد فى خلافته، لم يكن ذلك إلزاما، وكيف يلزم مؤمن المسلمين بغير ما ألزمهم به الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يعرف عنه أنه وضع عقابا على من قرن أو تمتع، وكيف ذلك وابنه عبد الله لم يوافقه، ولكن عمل عمر كان رأيا. وهو رأى له وجهه، وهو ألا يخلو البيت الحرام من زواره. دعاؤه صلى الله تعالى عليه وسلم فى عرفة: ٧١٤- لقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كثير الدعاء فى حجه، لأنه فى ضيافة الرحمن وفى أرض الله، ففى كل منسك من مناسك الحج كان يدعو الله تعالى، ولقد كان يدعو عندما أهل بالعمرة والحج، وكان يدعو فى طوافه، وفى سعيه، ويدعو فى عرفة وفى الشهر الحرام. ولقد روى عن على رضى الله عنه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان دعاؤه على عرفة فى الموقف: اللهم لك الحمد كالذى نقول، وخير مما نقول، اللهم لك صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى، أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما تهب به الريح. وروى عن على أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم دعا أيضا فقال على: «إنه دعانى يوم عرفة أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل فى بصرى نورا وفى سمعى نورا، وفى قلبى نورا اللهم اشرح لى صدرى ويسر لى أمرى اللهم إنى أعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر، وشر فتنة القبر، وشر ما يلج فى الليل، وشر ما يلج فى النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر» .

стр. 1066

وروى عن ابن عباس أنه كان فيما دعا به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى حجة الوداع. «اللهم إنك تسمع كلامى، وترى مكانى، وتعلم سرى وعلانيتى، ولا يخفى عليك شيء من أمرى، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل ابتهال الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلنى بدعائك رب شقيا، وكن بى رؤوفا رحيما، يا خير المسئولين» . وروى أبو داود الطيالسى فى سنده عن ابن عباس قال: رأيت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء فأوحى إليه أنى قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا، وأما ذنوبهم فيما بينى وبينهم فقد غفرتها، فقال: يا رب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته. وتغفر لهذا الظالم. فلم يجب تلك العشية. هذه أخبار عن أدعية النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى سامية فى معناها، وقد رويت، وفى بعض رجالها ضعف عند رجال الحديث والله أعلم. العودة إلى المدينة المنورة ٧١٥- عاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة المنورة بعد أن أدى مناسك الحج، وبينها للناس، وفى أثناء عودته عند غدير خم وهو قريب من الجحفة، وصله شكوى الشكاة من على كرم الله وجهه فى الجنة. ويقول الحافظ ابن كثير إنه خطب فى اليوم الثامن عشر من ذى الحجة، خطبة عظيمة وكان بغدير خم تحت شجرة هناك فبين فيها أشياء كثيرة، وذكر من عدل على رضى الله تعالى عنه وأمانته وقربه إليه ما أزاح به ما كان فى نفوس كثيرة من نفوس كثيرين من الناس عنه. لقد أقبل أهل اليمن يشكون عليا من شدته فى منع ركوب إبل الصدقة، وتوزيع حلل البز فى غيبته، ونزعها منهم. فجاء فى خطبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما وافق فيه على مسلك على كرم الله وجهه فى الجنة، فقال: أيها الناس، لا تشكو عليا، فوالله إنه لأخشى فى ذات الله من أن يشكى. وفى بعض الروايات الصحيحة أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ بيد على، فأقامه عن يمينه، وقال: ألست أولى من كل امريء من نفسه، قالوا بلى، قال فإن هذا مولى أنا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.

стр. 1067

فلقى عمر بن الخطاب عليا، فقال له: «هنيئا لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة» وقد روى حديث من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. رواه أصحاب السنن الأربع والإمام أحمد بطرق صحيحة. فكان حقا أن يكون أولى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد بينا ذلك فيما مضى، وبينا أنه مع صحته لا يدل على أنه أولى بالخلافة من الشيخين أبى بكر وعمر، فالخلافة تقتضى النظر إلى أمور كثيرة، يصح أن يكون بعضها محبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن ليست كلها، فمحبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا تجعل غيره ليس أهلا للخلافة. والله تعالى أعلم. الوداع بعد التمام ٧١٦- نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً قال الرواة فى الصحاح، إن نزولها كان والمسلمون واقفون بعرفة يوم الجمعة، فلما سمعها عمر بكى فقيل له ما يبكيك؟ قال ما بعد الكمال إلا النقصان، والنقصان هو وداع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الدنيا، وكأنه فهم رضى الله عنه بعقله المدرك وبصيرته النافذة. أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بلغ رسالة ربه، وأنه إذ بلغها، فلم يبق إلا أن يذهب إلى ربه وقد أدى واجبه وبلغ وأنذر وبشر وعلم الناس علم الشريعة، وعلم القرآن الكريم. وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم علم بعلم ربه أنه قد آن الوداع فكان فى خطبه فى الحج: لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا. ولقد نزل وسط أيام التشريق سورة النصر: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً وقالوا إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد عرف إنه الوداع وقد فسر ابن عباس فى حضرة جمع من الصحابة بأن السورة تدل على أجل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ووافق عليه عمر رضى الله عنه، ولم يعترض عليه أحد، وذلك بطريق الإشارة أو التظنن لأنه إذا تم النصر، وعم الاسلام فقد آن أوان المفارقة. وإن آيات القرآن الكريم تدل على أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مبعثه وحياته لأجل محدود، وأنه ليس بمخلد وأن وفاته كغيره من البشر أقرب إليه من حبل الوريد لبشره.

стр. 1068

١- ومنها قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ. ٢- ومن ذلك قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ. ٣- ومنها قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ، فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ هذه قبسة من الآيات القرآنية، وغيرها كثير. ومن الأحاديث التى تنبأ فيها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بقرب أجله ولقاء ربه قوله لابنته فاطمة: «إن جبريل كان يعارضنى القرآن الكريم فى كل سنة مرة وإنه عارضنى به العام مرتين وما أرى ذلك إلا اقتراب أجلي» . ٤- وروى البخارى، كان يعتكف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذى توفى فيه اعتكف عشرين يوما. وهكذا تتضافر الأخبار عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه توقع وفاته فى العام الذى حج فيه، أو بعده بقليل. بعث أسامة بن زيد ٧١٧- ومع أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتوقع الموت القريب وقد ظهرت أماراته كان قائما بواجب التبليغ وإعزاز الإسلام لآخر لحظة من لحظاته فالواجب مستمر لا يعوقه مرض إن كان قادرا على الإرسال والبعث، ولا يعوقه توقع الموت وقربه، لأنه مادامت الحياة، فالواجب قائم. بعث اسامة إلى أرض فلسطين: وقد أجمع الرواة على أنه ﵊ جعل فى إمرته الشيخين أبى بكر وعمر ولقد بنى الشيعة على ذلك أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقد توقع الموت ودخل جسمه المرض وأذن بوداع بعثهما فى جيش أسامة ليخلوا الجو لعلى كرم الله وجهه ولا ينازعانه الخلافة.

стр. 1069

ولا نحسب أن ذلك يصلح تعليلا، أو حكمة لتولى أسامة إمرة الشيخين، وقد كان يمكن أن يولى أحدهما الجيش، والآخر يعاونه، فإن ذلك قد يتحقق فيه ما فرضوه مقصدا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والحق أن اختيار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأسامة يمكن أن تتعرف حكمته بغير ذلك. فأبوه زيد بن حارثة- كان القائد الأول للمسلمين الذى كان يحمل الراية، وقد قتله الرومان، فكان من حكمة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يمكنه من قتلة أبيه، فيكون أكثر حمية من غيره، وأشد حماسة، وأيضا فإن أسامة كان شابا، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقد توقع الموت عزم أن يولى الشباب. وأن زيدا لم يكن قرشيا، بل كان أبوه من الموالى أعتقه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتبناه، حتى ألغى التبنى بحكم القرآن الكريم من بعد الهجرة، وإن تعيينه وهو بهذه الحال، بيان لأن السيادة لا تكون دائما للقرشيين، وتوكيدا لهذا المعنى السامى جعل شيخين من شيوخ قريش والمسلمين فى إمرته وكانت لهما مكانتهما فى قريش جاهلية وإسلاما، فكان جعله أميرا عليهما منعا للسيطرة القرشية، ومنعا للأرستقراطية الإسلامية. وإن هذه الأمور تلمس لحكمة فعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليست تعليلا دقيقا ولقد كان هذا البعث آخر سرية أرسلها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكأنها كانت إشارة إلى أن يتجه المسلمون بالدعوة الإسلامية إلى خارج الجزيرة العربية، ولقد شدد ﵊ فى تنفيذ هذه السرية، شدد فيها وهو حى وشدد فى التوصية بتنفيذها إذا مات ولكن لم تنفذ إلا بعد مماته. وتخلف عنها الشيخان أبو بكر وعمر، فأما أبو بكر، فقد اختبره الله بالخلافة، وارتداد الأعراب، وكان لا بد أن يبقى ليحمى المدينة المنورة، وليحمى العقيدة، وليحمل المرتدين على التوبة. وأما عمر فلأنه كالوزير لأبى بكر، استأذن أسامة فى أن يبقى بجواره فى هذه الشديدة لتكون قوة المسلمين المؤمنين متضافرة، فى دفع هذا البلاء والشديدة شديدة، والبلاء بلاء، فقد اجتمع أبو بكر وعمر وعلى والزبير وطلحة، وعبيدة وعبد الرحمن بن عوف ليصدوا الردة، ويتحقق قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ، يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ،

стр. 1070

الوداع ٧١٨- عاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لخمس بقين من ذى الحجة فى السنة العاشرة، وعاش أكرمه الله تعالى بقية ذى الحجة، والمحرم كله، واعتراه بعد ذلك وجع مرض الموت متجها إلى لقاء الرفيق الأعلى فى صفر من السنة الحادية عشرة، روى أن ذلك ابتدأ فى الليلة الحادية عشرة منه وروى أنه ابتدأ لليال بقين منه فى آخره، ثم كانت الوفاة بعد حياته المباركة للبشرية كلها فى ربيع الأول، وروى فى أوله فى ليال مضت منه، وروى أنه فى الثانى عشر منه، ويرجح ذلك الأكثرون من الرواة، وكان ذلك فى يوم الاثنين من ذلك الشهر الذى كان فيه ميلاده ومبعثه، وهجرته، ثم توديعه الدنيا إلى لقاء ربه الكريم. وكانت أمارات الوداع ظاهرة بينة، ونذكر أمورا ثلاثة كانت فى أول مرضه. أولها: أنه روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبى مويهبة مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. قال: بعثنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من جوف الليل، وقال إن الله تعالى أمرنى أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلقت. وفى رواية الإمام أحمد عن أبى مويهبة أنه قال: «أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يصلى على أهل البقيع، فصلى عليهم ثلاث مرات، فلما كانت الثالثة قال يا أبا مويهبة أسرج دابتى، فركب ومشيت حتى انتهت إليهم فنزل عن دابته، وأمسكت الدابة، فوقف فقال: ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس، أتت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا، الآخرة أشد من الأولي، فليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس ثم رجع فقال يا أبا مويهبة إنى خيرت بين مفاتيح ما يفتح على أمتى، ولقاء ربى فاخترت لقاء ربى. وإن هذه الرواية تدل على أن الصلاة على أهل البقيع من موتى الصحابة كانت قبل ذهابه ﵊ إلى قبورهم، وخطابه إياهم. وقد روى ابن إسحاق عن ابن مسعود عن عائشة أنها قالت: رجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من البقيع، وأنا أجد صداعا فى رأسى وأقول وارأساه، فقال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه، ثم قال: وما ضرك لو مت. قلت: والله لكأنى بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتى، فأعرست فيه إلى بعض نسائك. وفى هذا الخبر نجد أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أعلن تقديره وتكريمه لصحابته، وهم أموات كما كانوا أحبابه، وهم أحياء.

стр. 1071

الأمر الثانى: الذى يجب التنبيه إليه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أوصى بالأنصار خيرا. روى البيهقى بسنده أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه فى مرض موته وقد اشتد به وعكه خرج فجلس على المنبر فكان أول ما ذكر بعد حمد الله تعالى والثناء عليه ذكر أصحاب أحد فاستغفر لهم ثم قال: «يا معشر المهاجرين، إنكم أصبحتم تزيدون، والأنصار على هيئتها لا تزيد وإنهم عيبتى التى أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم. ثم قال ﵊: أيها الناس إن عبدا من عباد الله تعالى قد خيره الله تعالى بين الدنيا، وبين ما عند الله فاختار ما عند الله، ففهمها أبو بكر رضى الله تعالى عنه من بين الناس فبكى، وقال: «بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا وأموالنا يا رسول الله» . وإن هذه الرواية فيها الوصية بالأنصار، لأنهم قوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهم الذين آووا ونصروا وقد نفذت هذه الوصية فى عهد الراشدين وعمر بن عبد العزيز، أما ما كان من بنى أمية نحو الأنصار فالله أعلم بهم وهو مجازيهم عليه. الأمر الثالث: ما رواه البخارى عن الفضل بن عباس أنه قال: أتانى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يوعك وعكا شديدا وقد عصب رأسه، فقال خذ بيدى يا فضل، فأخذت بيده حتى قعد على المنبر ثم قال: ناد فى الناس، فناديت الصلاة جامعة فاجتمعوا فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خطيبا فقال: أما بعد أيها الناس قد دنا منى خلوف من بين أظهركم، ولن أفى هذا المقام فيكم، وقد كنت أرى أن غيره غير مغن عنى حتى أقوم فيكم، ألا فمن كنت قد جلدت له ظهرا، فهذا ظهرى فليستقد منه ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالى، فليأخذ منه، ومن كنت قد شتمت له عرضا، فهذا عرضى فليستقد منه، ولا يقولن قائل إنى أخاف الشحناء من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ألا وإن الشحناء ليست من شأنى ولا من خلقى، وإن أحبكم إلى من أخذ حقا كان له على، أو حللنى، فلقيت الله ، وليس لأحد على مظلمة، فقام رجل، وقال: يا رسول الله لى عندك ثلاثة دراهم فقال ﵊، أما أنا فلا أكذب قائلا، ولا أستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندى؟ قال أما تذكر أنه مر بك سائل فأمرتنى، فأعطيته ثلاثة، قال ﵊: «أعطه يا فضل» . ثم عاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مستمرا فى مقالته الأولى وقال: أيها الناس من عنده من الغلول شيء فليرده، فقام رجل فقال يا رسول الله عندى ثلاثة دراهم غللتها فى الله فقال ﵊، فلم غللتها؟ قال: كنت محتاجا إليها. قال ﵊: خذها منه يا فضل.

стр. 1072

ثم عاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مستمرا فى مقالته الأولى وقال: يا أيها الناس من أحس من نفسه شيئا فليقم أدعو له. فقام إليه رجل، فقال: «إنى لمنافق، وإنى لكذوب، وانى لشؤوم» فقال عمر بن الخطاب: ويحك لقد سترك الله لو سترت على نفسك؟. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مه يا ابن الخطاب فضوح الدنيا أهون عند الله من فضوح الآخرة، اللهم ارزقه صدقا وإيمانا وأذهب عنه الشؤم إذا شاء. توديعه لابنته: ٧١٩- اختبر الله نبيه ﵊ وهو بشر بفقد أولاده، واحدا بعد الآخر، لقد رزقه تعالى من خديجة أحب أزواجه إليه ستة: ذكران وأربع بنات، فقد القاسم والطيب وهو فى قوة شبابه، وفقد بعد ذلك وهو فى دار الهجرة ثلاث بنات من بناته، فقد رقية وهو فى غزوة بدر الكبرى ثم فقد زينب ثم أم كلثوم. وأصيب وهو فى كهولته بموت إبراهيم أصغر أولاده، وكان قرة عين، وقال بعد دفنه متحاملا على أصحابه ناظرا إلى أحد: يا جبل إنك لا تحمل ما أحمل. وقال نبى البشر ذلك، وهو هاديء، فبكى ﵊ والبكاء من الرحمن، والصراخ من الشيطان. لم يبق له من أولاده إلا فاطمة الزهراء زوج أحب أصحابه إليه، فتجمع حب من فقدوا جميعا إذ صارت هى الوحيدة، والمستأثرة بالأبوة المحبة العطوف. وكان لا بد أن يخصها بوداع لها بعد ذلك الوداع العام الذى ذكرناه. وروى فى الصحيحين عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: اجتمع نساء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عنده، لم يغادر منهن امرأة فجاءت فاطمة (رضى الله عنها) تمشى، لا تخطيء مشيتها مشية أبيها، فقال ﵊ مرحبا يا بنتى فأقعدها عن يمينه (أو شماله) اختلاف فى الرواية، ثم سارّها بشيء فبكت، ثم سارها فضحكت، فقلت لها خصك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالسرار، وأنت تبكين فقلت أخبرينى ما سارك، فقالت ما كنت لأفشى سر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما توفى ﵊ قلت: أسألك لما لى عليه من الحق لما أخبرتنى. قالت أما الآن فنعم، فقد سارنى فى الأولى، قال لى إن جبريل كان يعارضنى فى القرآن الكريم كل سنة مرة وقد عارضنى فى هذا العام مرتين ولا أدرى ذلك إلا لاقتراب أجلى، فاتقى الله واصبرى فنعم السلف أنا لك فبكيت ثم سارنى فقال أما ترضين أن تكونى سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة، فضحكت.

стр. 1073

هذا وداع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لابنته، ويروى أنه قال لها إنها ستكون أول أهله لحاقا به. هذا وداع الأب البار لابنته الزهراء سيدة نساء هذه الأمة. إنك ميت وإنهم ميتون ٧٢٠- روى البخارى أن عبد الله بن مسعود دخل على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له: إنك لتوعك وعكا شديدا!! فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أجل، إنى أوعك كما يوعك الرجلان منكم، قلت إن لك أجرين!! قال ﵊ نعم: نعم، والذى نفسى بيده، ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله عنه خطايا كما تحط الشجرة ورقها. وروى عن أبى سعيد الخدرى أنه وضع يده على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم إنى لا أستطيع أن أضع يدى عليك لشدة حماك، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء، كما يضاعف لنا الأجر» . وروى البخارى فى صحيحه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال فى مرضه: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثال فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان فى دينه صلابة شدد عليه» . أخذ المرض يدب إلى جسم نور الوجود محمد صلى الله تعالى عليه وسلم حتى ضعف، ومن قرابته من يحسب أن ما فيه من ذات الجنب، وكان هذا رأى أقرب أهله إليه العباس وكان من طبهم لذلك أن يلد المريض فى فمه، وقد لدوا رسول الحق صلى الله تعالى عليه وسلم وهو فى غفوة منه، فلما صحا أحس بأثره فى فمه، فأمر بأن يلد من كان فى حضرته واستثنى العباس، ولعله لمكانته من كبر السن، وفعل ذلك مع علمه بأن الذى أمر بلده هو عمه العباس رضى الله تعالى عنه، وقال ﵊ فى اللد والتخوف من ذات الجنب: «إنها من الشيطان وما كان الله تعالى ليسلطه على» . اشتد المرض برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولزم فراشه، فاستأذن نساءه فى أن يمرض فى بيت عائشة وقد روى البخارى خبرها فى ذلك قالت لما ثقل المرض على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واشتد، استأذن أزواجه أن يمرض فى بيتى، فأذن له، فخرج، وهو بين الرجلين تخط رجلاه الأرض بين العباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر. ولقد سئل ابن عباس عن الرجل الآخر الذى لم

стр. 1074

تذكر اسمه فقال السائل- لا- قال ابن عباس هو على بن أبى طالب. لم تذكر اسم على فعفا الله عنها، ورضى عنها. نقل الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بيت عائشة، وقد اشتدت الحمى، فكان يقول: أهريقوا الماء على، فأراقوا عليه صلى الله تعالى عليه وسلم ماء كثيرا، حتى لقد روت أم المؤمنين عائشة أنه أهريق عليه سبع قرب من الماء، لم تحل أو كيتهن. ولقد قالت عائشة رضى الله تعالى عنها فيما رواه البخارى كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذى توفى فيه طفقت أنفث عليه بالمعوذات التى كان ينفث بها. صلاة أبى بكر: ٧٢١- اشتد المرض على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وشق عليه أن يؤم الناس للصلاة، فكان لا بد أن ينيب أحدا من المؤمنين الأولين الذين كانوا من أول الناس إسلاما، وكان خليله وصديقه وصفيه أبو بكر أول الرجال إسلاما هو المختار، فاختاره ليصلى بالمسلمين فلا تتعطل الإمامة للصلاة، ويخشى أن تتعطل الصلاة، وهى عمود الإسلام، ولا دين من غير صلاة. روى الامام أحمد أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يخرج للصلاة فصلى بالناس عمر رضى الله تعالى عنه، وكان ذلك استجابة لقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ قال مروا من يصلى بالناس، فلم يكن من كبار الصحابة إلا عمر وزير رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الثانى، وكان عمر رضى الله تعالى عنه رجلا مجهرا، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأين أبو بكر، فبعث إلى أبى بكر، وهذا الخبر يدل على أن الإمام عمر ما صلى إلا فى غيبة أبى بكر، والاستجابة لأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمرا عاما، إذ يقول: مروا من يصلى بالناس، ثم عين من بعد صلاة عمر من يؤم الناس وهو أبو بكر رضى الله تعالى عنه. روى البخارى عن الأعمش عن عائشة قالت لما مرض النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مرضه الذى مات فيه فحضرت الصلاة، فأذن بلال، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلى بالناس. وأعاد ﵊ أمره فأعادوا كلامهم، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل، فخرج أبو بكر فوجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين، كأنى أنظر إلى رجليه تخطان من

стр. 1075

الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن مكانك ثم أتى حتى جلس إلى جانبه، قيل للأعمش الراوى عن عائشة: فكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأبو بكر يصلى بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبى بكر فأومأ برأسه. نعم. وقد استمر أبو بكر طول مدة مرض النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يصلى بالناس، حتى توفى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وانتهى إلى الرفيق الأعلى، تاركا وراءه ذلك الميراث الإنسانى الخالد، وهو شريعة الله تعالى التى بلغها، وعلم الناس بها ما بين مشرق ومغرب فى الجزيرة العربية، ثم ترامى أمرها إلى ما وراءها. وقد انقطع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى مرضه ثلاثة أيام لم يخرج إلى الناس فيها، وكان يصلى بهم أبو بكر كما ذكرنا، وقد كانت آخر صلاة صلى مع الناس صلاة الظهر، قبل الثلاث. وروى البخارى عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه، وكان ملازما للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن أبا بكر كان يصلى بهم فى وجع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الذى توفى فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف فى الصلاة، فكشف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا، وتبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤيا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم خارج للصلاة، فأشار إلينا أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، وتوفى من يومه. هكذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قائما على تبليغ رسالة ربه، حتى آخر جزء من حياته، فهو إذ يحتضر ينظر إلى مقدار استجابة الناس لدعوته إلى ربه، حتى إذا اطمأن تبسم ضاحكا، ثم أسلم نفسه لله تعالى، الذى قبضه إليه، ففاضت روحه الطاهرة، وانتقل إلى الرفيق الرحيم، انتقل إلى الملأ الأعلى. لكل أجل كتاب: ٧٢٢- استبشر المسلمون خيرا عندما أزاح ﵊ الستر لينظر إليهم وهم يصلون وقد تبسم ضاحكا، فظنوا البرء والسلامة، وقد فرحوا، حتى كادوا يخرجون من الصلاة فرحا، ولم يظنوا أنها الوداع الأخير، ورؤية البلاغ الكامل الذى اعتقد أنه قد أتم تبليغ الرسالة. كان ذلك فى يوم الاثنين إذ كانت هذه الرؤية المودعة، الأجل المكتوب، وكان أبو بكر الصديق الأمين قد اطمأن بهذه النظرة، فذهب إلى السنح حيث يقيم، ولكن ما لبث إلا قليلا، حتى نعى الناعى

стр. 1076

رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فجاء لتكتحل عيناه برؤية الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الذى كان ملء السماء والأرض وكان مسجى فى فراشه، ولنترك الخبر الأليم كما وصفته أم المؤمنين عائشة حب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لنترك لها البيان: بينما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على منكبى، إذ مال رأسه نحو رأسى فظننت أنه يريد من رأسى حاجة فخرجت من فيه نقطة باردة، فوقعت فاقشعر لها جلدى فظننت أنه غشى عليه، فسجيته ثوبا فجاء عمر، والمغيرة بن شعبة فاستأذنا فأذنت لهما، وجذبت إلى الحجاب. فقال عمر واغشياه ما أشد غشى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قاما، فلما دنوا من الباب قال المغيرة لقد مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال عمر: كذبت، بل أنت رجل تحوطك فتنة، إن رسول الله لا يموت حتى يفنى المنافقين، فكأن عمر رضى الله تعالى عنه كبر أن يموت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما يموت الناس، وقد دفعه إلى ذلك فرط محبته، وجاء أبو بكر الصديق، فنظر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون. مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم أتاه وقبل رأسه وقبل جبينه، وقال واصفياه، ثم قبل جبهته، وقال: واخليلاه، مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. خرج عمر رضى الله عنه إلى المسجد يخطب فى الناس، ويقول: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يموت حتى يفنى المنافقين. عندئذ تقدم أبو بكر ثم قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ، وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ، وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (آل عمران) فمن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، ومن كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات. وروى أن أبا بكر عندما قبل جبهة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: فداك أبى وأمى ما أطيبك حيا وميتا. وروى أن عمر رضى الله عنه توعد بالقطع أو القتل من يقول إن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم قد مات. وروى أن خطبة أبى بكر كانت أطول مما ذكرنا، ويروى أنه رضى الله عنه، حنى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقبله وبكي، وكل هذه أخبار ثقات، يجمع بينها، ولا تنافر فيها، فكل حفظ ما سمع، وشهد بما رأى، والناس جميعا كانوا فى فزع وجزع.

стр. 1077

وخطبة أبى بكر التى هى أطول مما ذكرنا ابتداء، قال فيها: ليس ما يقول ابن الخطاب شيئا، توفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قال باكيا، والذى نفسى بيده، رحمة الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حيا وميتا، ثم غشاه بالثوب، ثم ذهب إلى المسجد سريعا، وقال: إن الله نعى نبيه إلى نفسه، وهو حى بين أظهركم، ونعاكم إلى أنفسكم، وهو الموت حتى لا يبقى منكم أحد إلا الله قال تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (آل عمران) وقال تعالى لمحمد إِنَّكَ مَيِّتٌ، وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وقال تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (الرحمن) وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (آل عمران) . إن الله عمر محمدا وأبقاه حتى أقام دين الله، وأظهر أمر الله، وبلغ رسالة الله، وجاهد فى سبيل الله، ثم توفاه الله على ذلك، وقد ترككم على الطريقة، فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة والشفاء، فمن كان يعبد الله ربه، فإن الله حى لا يموت فاتقوا الله أيها الناس، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله تعالى قائم، وإن كلمة الله تامة، وإن الله ناصر من ينصره، ومعز دينه، وإن كتاب الله تعالى بين أظهرنا، وهو النور والشفاء، وبه هدى الله تعالى محمدا، وفيه حلال الله تعالى وحرامه، والله لا يبالى من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله تعالى لمسلولة ما وضعناها بعد، ولنجاهدن من خالفنا، كما جاهدنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا يبغين أحد إلا على نفسه. هاتان خطبتان للصديق رضى الله تعالى عنه، فى يوم الفزع الأكبر، ولعله كان يكرر قوله كلما رأى هلعا، وجزعا، ليرد إليها شارد لبها، وقد طاشت أحلام، وهلعت قلوب، فكان يكرر التثبيت. غسل الجثمان الطاهر ودفنه: ٧٢٣- اتجه المؤمنون إلى إقامة خليفة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يغسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ويوارى جثمانه الطاهر، فقد اجتمع الأنصار، وعلى رأسهم سعد ابن عبادة ليفكروا فى هذا، فأسرع إليهم أبو بكر وعمر رضى الله عنهما خشية أن يتفرق أمر المؤمنين، فى سقيفة بنى ساعدة، وأنهوا أمر الخلافة باختيار أبى بكر رضى الله تعالى عنه خليفة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يحضر الاجتماع أحد من بنى هاشم أو أقرباء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم

стр. 1078

الأدنون، العباس وعلى وغيرهما من بنى هاشم، ولعل ذلك كان لانشغالهم بأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد انتقل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ضحى يوم الاثنين، فمكث بقية يوم الاثنين وبعض يوم الثلاثاء، حتى إذا تمهدت الأمور وتمت كما ذكر الحافظ بن كثير شرعوا فى تجهيز النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ويقول ابن إسحاق: لما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد كانت وفاته يوم الاثنين، وغسله ودفنه ليلة الأربعاء. اجتمع الناس لغسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وليس فى البيت إلا أهله، وعمه العباس ابن عبد المطلب، وعلى بن أبى طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد بن حارثة، ودخل من بعد أوس بن خولى الأنصارى البدرى الخزرجى نادى عليا، فقال: يا على ننشدك الله، وحظنا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال له على: ادخل فحضر الغسل. وغسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعليه قميصه، وتولى الغسل على كرم الله وجهه فأسنده إلى صدره، وعليه قميصه، وكان العباس وفضل وقثم يقلبونه مع على، وكان أسامة بن زيد وصالح مولاه يصبان الماء، وجعل على يغسله، ولم ير منه شيئا، وهو يقول بأبى أنت وأمى ما أطيبك حيا وميتا، وكانوا يغسلونه صلى الله تعالى عليه وسلم بالماء، والسدر، جففوه، ثم صنع به مما اختلط بالماء. وقد كفنوه صلى الله تعالى عليه وسلم فى ثلاثة أثواب اثنان أبيضان وثالث حبرة. ودفن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى بيت عائشة حيث مات، لخبر نسب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون. وقد تولى دفنه ﵊ أربعة من أهله ومواليه العباس وعلى، والفضل ابن عباس، وصالح مولاه، لحدوا له لحدا، ونصبوا اللبن نصبا. هكذا انتهت الحياة الدنيوية لأكرم خلق الله على الله، وأكرم إنسان للإنسانية، عاش حياته مجاهدا منذ خلقه الله تعالى إلى أن قبضه إليه، جاهد الرذيلة غلاما، فكان الفاضل فى صباه، وكان الأمين فى شبابه لم تكن الحياة أمامه رخاء سهلا، بل ذاق اليتم، وإن لم يقهر، كما يقهر اليتامى، وذاق طعم الفقر، وإن لم يترب نفسه، حتى إذا كلف أداء الرسالة حمله، حمل عبئها، وذاق مرارة الأذى فى

стр. 1079

سبيلها، وهو صابر مصابر، حتى إذا هاجر حمل السيف مجاهدا، كما حمل القرآن الكريم هاديا معلما، يعلى الإنسانية ويكرمها، ويسامح ويواد، حتى كان الإنسان الكامل فى هذا الوجود؛ وإذا كان قد دفن جسده فلن تدفن شريعته. تركة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ٧٢٤- لم يترك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مالا. ولم يكن لديه فى آخر حياته عند وعكة الموت إلا ذهبة تصدق بها فى آخر حياته، فلم يكن مالكا لمال، ولكن إذا كان مال كان لما يقدمه للبر، فكان يعيش على خبز الشعير، ويمر المال بيده، مرور الماء، ويسيل إلى الضعفاء والمساكين، وأبناء السبيل واليتامى فلا يبقى فى يده شيء، وإذا بقى لا يكون ميراثا لأهله، وهو يقرر فى شريعته «نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة» ، فكأن كل ما يتركه صدقة لا يملكه ولد ولا عم، بل فى مصرف الخير والبر، فما كان الأنبياء ليختزنوا مالا، ولا يورثوا تراثا، ولكن يورثون علما، وشرعا، وبلاغا للناس، فذلك ميراثهم، وهو خير تركة زاخرة، وهى العلم الكامل. ولقد كان ثمة خلاف فى أرض «فدك» ذكرناه فى موضعه، ولم تكن فدك كما يصور التاريخ ملكا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل كان على حكم ملك اليتامى والمساكين والفقراء، وأبناء السبيل، يصرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما يفيء إليه من غلاتها فى مصارفها، وكان لأهل البيت وذوى القربى حظ مقسوم، ولما جرى الخلاف بين سيدة نساء المؤمنين فاطمة الطاهرة بنت أطهر من أقلته الأرض، وأظلته السماء، لم يكن خلافا على الملكية، كما توهم عبارات المؤرخين، بل كان خلافا على إدارتها، وصرفها فى مصارفها، إذ كان فيها نفقات لأمهات المؤمنين، فيتولى ذوو القربى ما كان يتولاه هو ﵊، فعارض فى ذلك الصديق رضى الله عنه. ثم كان من بعده أن وافق عمر رضى الله تعالى عليه، على أن تكون الإدارة بين العباس وعلى، على ما ذكرنا من قبل. وإن الميراث العظيم الذى تركه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم شريعته، وهى محفوظة بحفظ القرآن الكريم إذ يقول سبحانه وتعالي: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر) .

стр. 1080

زوجات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ٧٢٥- يحلو لبعض الكتاب غير المسلمين أن يقولوا، إن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم كان رجلا شهوانيا، بدليل أنه تزوج نحو ثلاث عشرة، وتوفى عن تسع وقد أسرفوا على أنفسهم فى القول، وعلى الحقيقة فطمسوها فى زعمهم، ولكن الحق أبلج، نير يكشف دائما ما يكون من غمة يحاول أصحابها أن يعموا الحق ويدلسوا على أهله. لقد زعموا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم شهوانى، لزواجه، ونحن نتخذ من زواجه دليلا على أنه لم يكن شهوانيا، بل كان أقرب إلى أن يكون سلبيا، لا تغلبه شهوة، ولا يسيطر عليه هوى فى أى ناحية من النواحى. لقد تزوج أم المؤمنين خديجة وهو شاب مكتمل القوى فى الخامسة والعشرين من عمره، وكانت هى فى الأربعين من عمرها، وعاش معها نحو ست وعشرين سنة، أى تجاوزت نحو السادسة والستين، وأنجب منها ستة أولاد، ولم يفكر فى أن يتزوج عليها، وكان معروفا بالعفة، والشهوات تتقزز فى نفس أمثاله ممن هم فى مثل سنه، وهو بالنسبة لهم العفيف النزيه الذى لم يزن بريبة قط، ونساء قريش يتمنين أن يكون ضجيعا لهن، ولكنه كان فى عزوف عن كل شهوة، ونظرة إلى النساء. حتى إذا توفيت أم المؤمنين خديجة وقد تكاثرت مشاغله، فكان مشغولا بالدعوة إلى التوحيد ومكابدة الأذى الذى تفاقم بعد وفاة خديجة وعمه أبى طالب. ولقد كان التعدد من بعد ذلك، ولمقاصد ليست هى الشهوة، كما أن الشهوة ليست بعض هذه العناصر، والدلائل تدل على أنها كانت بعيدة كل البعد. وإنا نذكر أن هذا التعدد كان إما لأن امرأة بعض الصحابة الذين جاهدوا معه قد قتل وهو يهاجر، وكانت امرأته أهلها فى الشرك، فإما أن تعود إليهم فتتعرض للعذاب والردة ولا أحد معها فى دار الهجرة من قومها، فيتحمل هو عبء الزواج منها حفاظا لها ورعاية، ولا ينظر فى ذلك إلى أنها يرغب فى الزواج منها، أو ليس فيها ما يرغب إلا رعايتها وحمايتها، إما هذا، وإما ليربط بها مع معين له فى التبليغ، فيرتبط معه برباط المصاهرة مع رباط الإيمان، وإما لإنقاذ امرأة من الرق، من غير نظر إلى كونها جميلة أو غير ذلك. وإما لبيان أحكام شريعة فيطبقها عملا، ليكون أسوة للناس فى محاربة أمر جاهلى قد اعتادوه، وإن لم يقره الإسلام، فيفعله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لكيلا يكون حرج على الناس أن يفعلوه. وإما ليرتبط بالقبائل العربية، ليتخذ منها دعاة للإسلام. وإما لإزالة النفرة، وجلب المودة.

стр. 1081

هذه بعض مقاصد التعدد وكلها أو جلها لحماية المرأة من الضياع، فقد حمل نفسه ﵊ بأمر ربه عبء ذلك، فكان الزواج تكليفا، لا للرغبة بله الشهوة. وهذا إجمال، ولنذكر تفصيله فى زواج كل امرأة من أمهات المؤمنين بعينها. لقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن يعقد زواجه ممن كتب عليه أن يتزوجها، لا يدخل بها إلا بعد أن يتأكد رضاها بهذا الزواج، وأنها راغبة فيه راضية، فيطلب إليها أن تهب نفسها له. ٧٢٦- وعدد زوجات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث عشرة وكانت له جاريتان مارية القبطية وريحانة بنت زينب، وقد أعتق ريحانة فأسلمت، ولحقت بأهل لها، وبقيت مارية، وروى أنه أعتقها وتزوجها، وبقيت عنده، حتى توفى صلى الله تعالى عليه وسلم. وأول أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم أم المؤمنين خديجة، وقد ذكرنا خبر هذا الزواج فى موضعه من حياة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد بقى معها نحو ست وعشرين سنة كما أشرنا، وكان له منها أولاده الستة، القاسم والطيب، وقد ماتا قبل الهجرة، أو قبل البعثة، ورقية وأم كلثوم وزينب وفاطمة، وماتا قبله، ولم يمت بعده إلا فاطمة، وقد ماتت رضى الله عنها بعد وفاته بستة أشهر، وبأولادها حفظت العترة المحمدية فى ولديها الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة، كما ورد بذلك الأثر عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ولم يتزوج فى حياتها غيرها، كما ذكرنا. وتزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من بعدها قبل الهجرة سودة بنت زمعة، وكانت نحو سن خديجة أى فى ست وستين من عمرها، ولم تكن فى جمال خديجة. وكانت قد أسلمت مع زوجها، وهاجرا إلى الحبشة فرارا من أذى الجاهليين من قريش، ومات بعد أن عادا، وكان أهلها لا يزالون على الشرك، فإذا عادت إليهم فتنوها فى دينها، فتزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حماية لدينها من الفتنة. وتزوج من بعدها أم المؤمنين عائشة بنت صاحبه الصديق، وكانت فى نحو التاسعة من عمرها فما كانت لتشتهى لأنها كانت ضاوية، حتى يقال إنه تزوجها للشهوة، ولم يدخل بها إلا بعد الهجرة، وما كان الزواج إذن لشهوة يبتغيها، ولكن لصحبة بالصديق يوثقها، بالمصاهرة، وهى تشبه النسب، وقد كان أحد وزيريه. ويروى أنه تزوجها قبل سودة، ولكن الرواية الراجحة ما ذكرنا، ولعل التقارب فى الزمن بين الزواجين لم يعين السابق منهما تعيينا دقيقا فى الروايات.

стр. 1082

٣- وبعد الهجرة تزوج ﵊ حفصة بنت عمر بن الخطاب وكانت زوجا لخنيس بن حذافة مات عنها مؤمنا. وكان الزواج لتوثيق الصحبة بأبيها رضى الله عنه، فقد كان الوزير الثانى للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وما أحاط بزواجه يدل على أن مودته ﵊ هى التى دفعت إلى هذا الزواج، ذلك أن عثمان رضى الله تعالى عليه لما ماتت زوجته رقية وغزوة بدر قائمة، رغب عمر رضى الله عنه فى أن يزوج ابنته حفصة من عثمان رضى الله تعالى عنه، فعرض عليه، فسكت عثمان، فشكا عمر ذلك للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال سيتزوجها من هو خير من عثمان، وسيتزوج عثمان من هى خير من حفصة، فتزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حفصة، وتزوج عثمان أم كلثوم بنت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وترى من هذا أن زواجه ﵊ منها كان ربطا للمودة وإرضاء للقلوب. ٤- وتزوج ﵊ والحرب قائمة بينه صلى الله تعالى عليه وسلم وبين المشركين بقيادة كبيرهم أبى سفيان، تزوج أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان هذا. كانت قد سافرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة، ولكنه تنصر، وخرج عن الإسلام فكانت بين أن ترجع لأبيها زعيم الشرك فتفتن فى دينها، وبين أن تعود إلى المدينة المنورة لا مأوى لها، فاواها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بزواجه منها، فبعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى إلى أرض الحبشة فخطبها ﵊، فزوجها منه عثمان بن أبى العاص، ودفع النجاشى صداقها. وهو أربعمائة دينار. وبعث بها إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وبهذا الزواج أصاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هدفين: أحدهما أنه وقاها من الشرك وأن تفتن فى دينها، وأصهر من أبى سفيان الذى سر منه، ورحب به، وروى أنه قال: نعم الفحل محمد. ٥- وتزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم زينب بنت خزيمة، وهى من بنى عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، ويقال لها أم المساكين، وقد قتل زوجها يوم أحد، وكان ذلك إيواء لها، وتشجيعا لها على إعانة المساكين، ولكنها لم تلبث إلا قليلا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم توفيت فى حياته ﵊. ٦- وتزوج النبى ﵊ زينب بنت جحش، وكانت زوجا لزيد بن حارثة، وقد تزوجته على أنه ابن محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إذ أطلق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الاسم، لما رفض أن يعود مع أهله، ورضى أن يبقى مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما أنزل الله

стр. 1083

سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ، وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ (الأحزاب) تململت ببقائها مع زيد، إذ تبين أنه ليس بقرشى، وقد تململ زيد من كبريائها واستأذن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى طلاقها، فقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك، وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتزوجها بعد أن يطلقها زيد، ولكنه أخفى ذلك، وخشى مقالة الناس أن يقولوا تزوج محمد زوجة ابنه. ولكن الله تعالى أمره بقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (الأحزاب) وإن الله تعالى أمره بذلك لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا فأمر النبى ﵊ بذلك الزواج لكى تزول تلك العادة المستحكمة فيهم وهى عادة التبنى التى سرت إليهم من الرومان، وليست من طبائع القرابة، بل هى كذب، وافتراء وفساد للأسرة، إذ يدخل فيها ما ليس منها. ٧٢٧- واقرأ الآيات التى اشتملت على ذلك: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً. وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ، أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ، وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النَّاسَ، وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ، فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها، لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ، إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً. الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ، وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ، وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً. ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً» (الأحزاب- ٣٦: ٤٠) . هذا أمر زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة كما ساقها القرآن الكريم، وهى تدل: أولا: أنه فى الجاهلية كان يعتبر الدعى- أى المتبنى- ابنا وألغى الله تعالى حكم هذه العادة، وقد تلونا من قبل فى أول سورة الأحزاب ما يدل على ذلك.

стр. 1084

ثانيا: على أن الله تعالى اقتضت حكمته أن يؤكد إبطال ذلك الحكم الجاهلى الذى يدخل فى الأسرة بحكم النسب من ليس منها، فلا تتعاطف بحكم الفطرة، وتفسد الأسر، واقتضت حكمته أن يكون تأكيد الإبطال بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتزوج زوجة دعيه، وقد فسدت العلاقات بينهما بتململ القرشية من أن تكون تحت غير قرشى هو عتيق وليس ابنه، فاستكبرت، وتململ زيد من كبريائها فأراد تطليقها، فقال له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أمسك عليك زوجك، وهو يعلم أن الله كتب أن يطلقها، وكتب على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتزوجها، ولكنه يخفى فى نفسه ما لا يبديه من أن الله تعالى كتب الطلاق من زيد، وللزواج منه صلى الله تعالى عليه وسلم لأنه يخشى أن يجابه العرب، بمخالفة ما ألفوا. ولقد أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يتزوجها بعد الطلاق لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطرا. كما دلت الآيات: ثالثا: على أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن أبا لأحد من رجال العرب، إن انتفت أبوة الأدعياء، هذا ما تدل عليه الآيات الكريمات بظاهرها، ومقصدها ومرماها. ولكن الذين يفسدون المعانى، ويريدون الكيد للإسلام اخترعوا هذا اختراعا فى العهد الأموى، اخترعها يوحنا الدمشقى ونشرها بين المسلمين ليقولها أتباعه، وينشروها بين بعض التابعين، وقد توهم صدقها بعض الذين تبهرهم الروايات من غير تمحيص، ومع الأسف كان من بين هؤلاء أبو جعفر بن جرير فنقلها مصدقا لها، ونقلها أكثر المفسرين عنه، حتى بين كذبها وافتراءها ابن كثير فى كتابه تفسير القرآن العظيم، رضى الله تعالى عنه، وعفا الله عن الطبرى فى أن نشر ذلك الضلال، وإن نقل الكذب لا يحوله إلى صدق، ولو كان الطبرى ناقله. ومن الغريب أن حملوا الآية الفرية التى افتروها، وكان المتعصبون من غير المسلمين هم الذين ادعوها، لقد ادعوا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رآها تغتسل، فوقع فى قلبه حبها، فأراد من زيد أن يطلقها ليتزوجها، وادعوا أن ذلك هو ما أخفاه، وخشى من الناس، وأن الله أبداه، وإن ذلك لا يمكن أن ينطبق بحال من الأحوال على معانى الآية وظواهرها، إلا أن يكون ذلك اختراعا اخترعوه، ويدل على مناهضة الآية لهذه المعانى الفاسدة ما يأتى: أولا: أن الزواج منها لم يكن كما تدل الآية برغبة من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى تكون الشهوة هى المحركة، بل إن الزواج كان بأمر الله تعالى وذلك بنص الآية بقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.

стр. 1085

ولأن الله تعالى نسب التزويج إلى ذاته العلية، بأن الله تعالى هو الذى قال: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها وذكر السبب فى هذا الزواج الذى فرضه الله تعالى وتولى تعالى عقده ليس الشهوة، وإنما هو ألا يكون على المؤمنين حرج فى أن يتزوجوا أزواج الذين يتبنونهم وليس شهوة، ولا ما يشبهها. والخشية التى خشيها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هى مجابهة ما عليه الجاهلية، فعاتبه على هذه الخشية بأن الله تعالى أحق بأن يخشاه فيطيع أوامره. وثانيا: أن الله تعالى قال: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ فيقولون هو العشق الذى أخفاه، والآية تناقض ذلك، لأن الله تعالى ما أبدى عشقا، ولكن أبدى الأمر بالزواج، فكان هو الذى أخفاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على زيد، وقال: أمسك عليك زوجك واتق الله. وثالثا: أن الآية الكريمة تدل بنصها ومغزاها على أن موضوعها منع أن يكون المتبنى ابنا، ولذلك أمر الله تعالى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتزوج امرأة دعيه، ليكون بيانا للشرع عمليا، كما بينه النص القرآنى، قولا مفروضا بالمنع المؤكد. ولذلك أكد النفى بقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ، وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ هذا هو المعنى الجلى من غير تلبيس كذاب، ولا اتباع متوهم. وكنا نود أن يدرك المفسرون، والذين يتكلمون فى معانى القرآن الكريم، وأخبار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقة هذه الفرية، ومصدرها، الذى أراد إفشاءها كيدا للمسلمين بعد أن بين ابن كثير الحافظ للسنة، كذب هذه الرواية، ورد كلام ابن جرير ردا قويا. وكنا نود أن يتعرف الذين يكذبون الآن فى السيرة ذلك، وكنا نحسب أن لهم ذوقا بيانيا، وعمقا فى دلالات الألفاظ ومراميها، كنا نود منهم أن يمحصوا القول ويدركوه، ولكن غلبت النزعة الروائية التى نسمع أمثالها منسوبا إليهم، فكتبوا فيما تصدوا له من كلام فى السيرة عنوانا يقول: النبى العاشق، وقد كتبوا تحت العنوان تلك الفرية المفتراة على أنها وقائع وقعت، وكأنها قصة من الروايات التى كتبوها. وتبعهم من يقلدونهم من غير أن يفرقوا بين حق وباطل، ولا أقول عفا الله عنهم، لأن أقوالهم لا تزال تردد منسوبة إليهم، ولهم فى المجتمع الأدبى مكانة، جزاهم الله تعالى بمقدارها.

стр. 1086

زواجه ﵊ ببقية نسائه: ٧٢٨- ٧- وتزوج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أم سلمة واسمها هند بنت أبى أمية بن المغيرة، وهى مخزومية، وقد مات عنها زوجها، أبو سلمة، وهو عبد الله بن عبد الأسد. وعند موت زوجها، وقد توفى عنها وهى شابة طلب إليها أن تتزوج من بعده، ودعا لها مخلصا أن يتزوجها من هو خير منه، وقد رأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنها ذات عيال، ويحتاجون إلى من يرعاهم، وكانت هى وزوجها مهاجرة، فانقطعت عن ذويها، ولا بد لها هى وأولادها من يحوطهم ويرعاهم، فكان ﵊، وتزوجها لرعايتها ورعاية أولادها. ٨- وتزوج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جويرية بنت الحارث ويقول ابن هشام فى زواجها: «لما انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من غزوة بنى المصطلق، ومعه جويرية بنت الحارث- دفع بجويرية إلى رجل من الأنصار وديعة عنده- وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة المنورة، فأقبل أبوها الحارث بن أبى ضرار بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التى جاء بها للفداء، فرغب فى بعيرين منها، فقال: يا محمد أصبتم ابنتى، وهذا فداؤها، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق فى شعب كذا. فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله صلى الله تعالى عليك وسلم، فو الله ما اطلع على ذلك أحد. فأسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له......» . وإن الغزاة كانوا قد أسروا من قومها نحو مائة، فلما تزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من أبيها، وكانت قد أسلمت أطلق كل من كان فى يده أحد من الأسرى أسراه. وقال: كيف نسترق أصهار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فعتق بزواجه ﵊ أهل مائة من بيوت بنى المصطلق، وتقول أم المؤمنين عائشة فى ذلك: «ما كانت امرأة أبرك على قومها من جويرية، لقد عتق بها مائة بيت من بيوت قومها» . ونرى من هذا أن زواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان بقصد عام، وهو أن يعتق هؤلاء الناس وألا يسجل على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إنشاء الرق، فيكون ممنوعا إلى الأبد، ولو كان الأعداء يسترقون منا، ومن غير أن يتركهم يسترقون، فيكون مباحا إلى الأبد. فما كان الزواج شهوة، بل كان للعتق.

стр. 1087

٩- وتزوج صلى الله تعالى عليه وسلم صفية بنت حيى بن أخطب، وقد سيقت مع أختها، ومرّ بهما بلال على قتلى خيبر، والذين أسروا فيمن أسر منهم، فلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بلالا، وقال له: أليس فى قلبك رحمة، أتمر بالفتاتين على قتلى قومهما. وعرض الفتاتين ليتزوجهما بعض الصحابة فتزوجت أختها وبقيت هى فتزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليطيب نفسها وليرقأ جرحها. ١٠- وتزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية وقد اختارها زوجا له العباس بن عبد المطلب لتوثيق ما بينه ﵊ وبين القبائل العربية وقد أصدقها العباس رضى الله عنه من ماله أربعمائة درهم ويروى أنها هى التى وهبت نفسها للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك أنها لما علمت خطبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قالت للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: البعير وما عليه لله ولرسوله. وكانت على بعير عندما انتهت إليها الخطبة وقد قال الله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ...... ٧٢٩- هؤلاء عددهن عشر وهن بعد خديجة وبضمهن إليها يكون العدد إحدى عشرة وكلهن دخل بهن ولذلك يعدون أمهات المؤمنين ولا يتزوجن أحدا بعده ولذلك قال تعالى: «وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» (الأحزاب) وقال فى منع زواجهن من بعده: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً (الأحزاب) . ويقول الرواة إن عدد أزواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث عشرة فهن أمهات المؤمنين ومات عن تسع إذ ماتت فى حياته خديجة وزينب أم المساكين. وتزوج باثنتين لم يدخل بهما وهما- أسماء بنت النعمان الكندية تزوجها فوجد بها بياضا فى إبطها فسرحها بمعروف ومتعها بعد أن طلقها وقد كانت كندية وقبائل كندة كانت بعيدة عن المدينة المنورة، وقد أسلمت فكان لا بد أن يربط النبى صلى الله تعالى عليه وسلم برباط بينها وبينه ليؤنسها بهذه المصاهرة فى هذا البعد المترامى. والثانية: امرأة من سلالة النعمان اسمها أميمة بنت النعمان بن شرحبيل وقد أراد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتزوجها لأنها من أطراف الجزيرة العربية فى الجنوب وهو ﵊ يريد أن يقرب البعيد ويزيل الوحشة وقد كانت المصاهرة رباطا وثيقا بين كبراء القبائل تنهى حربا أو تدفع قتالا وما كان على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من غضاضة فى أن يوثق ما بينه وبين القبائل بهذه المصاهرة.

стр. 1088

ويروى فى زواجه منها أنه ﵊ عندما دخل بها وكان ﵊ إذا تزوج امرأة طلب منها أن تهب نفسها له ﵊ استيثاقا من رضاها به زوجا فقد كان يعقد أولياء المرأة وخشية ألا يكون ذلك برضا حر فيه اختيار كامل فلما اختلى بها قال لها هبى نفسك لى اعترتها نعرة جاهلية فقالت وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ثم قالت أعوذ بالله فقال ﵊ لقد عذت بمعاذ عظيم فطلقها وسرحها سراحا جميلا. العبرة ٧٣٠- هذه زيجات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بلغت عدتهن ثلاثة عشر من الأزواج ماتت اثنتان فى حياته الكريمة الطاهرة وهما أم المؤمنين خديجة أفضلهن وأكثرهن عطفا وقد سمى عام موتها مع عمه الحانى الكريم عام الحزن والثانية زينب أم المساكين رضى الله عنها. واثنتان لم يدخل بهما وطلقهما قبل الدخول لعيب جسمانى فى إحداهما ولنفرة من الثانية بدت فى قولها وقد عاشت إلى ستين عاما بعد الهجرة وكانت تسمى نفسها الشقية لحرمانها من جوار أكرم من فى الوجود من خلق الله . وقد كان يعتزل بعضهن أحيانا ويرجيء الاتصال بهن أحيانا وعلى أى حال فقد انتهى الحل له صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا العدد إذ تحققت فيه كل المقاصد الاجتماعية التى تتعلق بالدعوة وقال تعالى فى ذلك: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ، ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً. لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً. وإن هذا النص الكريم يدل على أمرين جليلين: أولهما: منع الحل بعد هذا العدد، إذا استوفى التعدد بالنسبة لتعدد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مقصده وإن هذا العدد خاص بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقد قال تعالى من قبل فى تحليل هذا القدر من العدد: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ (الأحزاب) .

стр. 1089

ثانيهما: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن يتصل بنسائه جميعا كل ليلة- كما توهم عبارات بعض المحدثين- مما أخذ منه أعداء الإسلام ادعاء أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان شهوانيا واستندوا إلى أقوال هؤلاء وإلى تهافت بعضهم فى القول حتى إنه ليقول كان عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قوة أربعين رجلا، فالآية ترد كل هذا، فقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يرجيء من يشاء منهن ويؤوى إليه من يشاء ويعتزل بعضهن ويبتغى من يعتزل من بعد ذلك، مما ينافى ما ادعاه بعض المحدثين من أنه ﵊ كان يمر عليهن ويتصل بهن واحدة واحدة كل ليلة مما فتح الباب للمغرضين والكذابين من أعداء الإسلام والمنحرفين ممن تسموا بأسماء المسلمين. بقى أن نتكلم فى بعض أسباب هذا التعدد: قد أشرنا من قبل إلى أن تعدد زوجات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان لإيواء الضعيفات من أزواج المهاجرين اللائى لا مأوى لهن فى هذه الغربة التى انقطعن فيها عن أهليهن، ولربط الصلات بينه وبين كبار أصحابه، ولمنع تحكم الوثنيين فيمن تربطهم رابطة نسب من نساء المهاجرين الذين يقتلون أو يموتون أو يرتدون وقد أشار الله إلى ذلك فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ (الأحزاب) ويستفاد من هذا النص أن زواج المهاجرات كان للرحم التى تربطه بهن من عمومة أو خؤولة وأن ذلك يشمل قرابته لقريش فلا يضيعهن عند موت أزواجهن شهداء بل لا بد أن يتولى هو إيواءهن فى ظله الظليل. وقد رأيت أن بعضهن تزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأمر ربه تبيينا للشرع وتنفيذا لأحكامه وقد تعرض النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأمر ربه لمجابهة العرب فيما كانوا يألفون ويرونه أمرا طبيعيا لا يخالف وقد تأثر به بعض المؤمنين حتى إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد حدث منه ذلك قبل الحكم بالمنع فبين الله تعالى أنه ضد الحقيقة وأن البنوة تكون من الصلب لا من الادعاء وأشار إلى أنه إدخال فى النسب ما ليس منه إذ قال سبحانه: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ (الأحزاب) . ٧٣١- وهناك أمران آخران فى حكمة تعدد زوجات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غير ما

стр. 1090

سبق ذكره أو أشير إليه من أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتزوج لتوثيق المعاونة بمن يحب من أصحابه وإعانة الضعيفات من النساء حتى إنه كان يتحمل عبء من ليس له ولى من قريب أو ذى حسب ولكيلا ترتد بعد إيمان، والارتباط بالمصاهرة بين من تنأى ديارهم وقد يلحون فى العداوة بينهم وبينه صلى الله تعالى عليه وسلم. نقول هناك أمران غير هذا الذى ذكرناه أو أشرنا إليه. أحدهما: أن يتولى نساء النبى صلى الله تعالى عليه تعليم نساء المسلمين فى أمور دينهن فما كان النساء بعد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى عهد الصحابة والتابعين يغشين مجالس العلم يتعلمن أمور الدين بل كن يذهبن إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يسألنه فى حياته، ومن بعده كن يسألن أزواجه أمهات المؤمنين، كعائشة وأم سلمة وغيرهما ممن عمرن بعد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ولعله من فضول القول أن نقول إن كثيرا من الأحكام الخاصة بالمرأة رويت عن أم المؤمنين عائشة رضى الله تعالى عنها وعن أبيها الصديق. وإن حفصة أم المؤمنين كانت الأمينة على المصحف الذى انتهت كتابته فى عصر أبيها الإمام الفاروق رضى الله تعالى عنه وجزاه عن الإسلام خيرا. ولعل الأمر الإلهى بألا ينكحن من بعده أبدا كما تلونا من قبل كان لهذا المعنى وليتفرغن لتعليم النساء أحكام الدين وفضائله وآدابه وروحه ومعناه وأخبار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى أهله وفى ذاته الطاهرة وإنك لترى من ذلك الشئ الكثير فى رواية عائشة رضى الله عنها فقد كان لها ذكاء يندر فى نساء العرب وإنه قد نزكى ما روى من أنه يؤخذ منها نصف الدين وهو النصف الخاص بأحكام النساء. ثانيها: أن نساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كن يتخذن قدرة حسنة للنساء فى عفتهن واحتسابهن وآدابهن لأنهن أخذن باداب النبوة والمرأة تتأثر بالمرأة أكثر مما تتأثر بالرجال وتصلح بصلاح صواحبها من النساء وتفسد بفساد صواحبها منهن، فالمرأة تصلح المرأة أو تفسدها. وإنا لنرى ذلك واضحا اليوم وإنه كان كذلك فى الماضى فالإنسان ابن الإنسان. وإن الله تعالى تعهد نساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالإرشاد والتأديب لأنهن الأسوة والقدوة قال تعالى: وهو أصدق القائلين: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً. يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً. وَمَنْ
следующие страницы →