← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

حسنا، فقلت فى نفسى، وا ثكل أماه، والله إنى لرجل لبيب شاعر، ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنا قبلت، وان كان قبيحا تركته. فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بيته، فتتبعته، حتى إذا دخل بيته، دخلت عليه فقلت: إن قومك قالوا لى كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفوننى أمرك، حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع قولك، فأبى الله تعالى إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولا حسنا ... فاعرض على أمرك، فعرض على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الإسلام، وتلا عليّ القرآن الكريم، فو الله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله، إنى امرؤ مطاع فى قومى، وإنى راجع إليهم، فداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لى آية تكون عونا لى فيما أدعوهم إليه، فقال: النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «اللهم اجعل له آية» ، وبعد أن ذكر هذه الآية، وهو نور جاء على وجهه، ثم على وسطه. قال بعد ذلك: «لما نزلت أتانى أبى وكان شيخا كبيرا، فقلت: إليك عنى يا أبت، فلست منى، ولست منك، قال: ولم يا بنى، قلت قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال يا بنى دينى دينك. فقلت: اذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال، حتى أعلمك ما علمت ... ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتنى صاحبتى فقلت لها إليك عني، فلست منك، ولست منى: فقالت لم بأبى أنت وأمى؟ قلت فرق الإسلام بينى وبينك، أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. قالت فدينى دينك، قلت فاذهبى فاغتسلى ... ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت. بعد ذلك انتقل من الدعوة الخاصة إلى دعوة دوس عامة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يستنكروا ولكن أبطأوا. عاد إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال له: يا رسول الله إنى قد غلبنى على دوس الزنا (أى اتباعهم لأهوائهم وشهواتهم) فادع عليهم، ولكن الهادى الأمين رسول رب العالمين صلى الله تعالى عليه وسلم لم يدع عليهم بل دعا لهم بالهداية، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: «اللهم اهد دوسا» ثم قال لطفيل: ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله تعالى وارفق بهم. فرجع إليهم، واستمر بأرضهم يدعوهم إلى الإسلام، حتى استجابوا أو أكثرهم. بعد هذا جئت إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بوفد، فنزلت المدينة المنورة بسبعين أو ثمانين فى وقت توزيع الغنائم من خيبر، فأسهم لهم مع المسلمين.

стр. 982

ولقد حسن إسلام الطفيل وقوى إيمانه، وإن الابتداء يدل على قوة الانتهاء، فقد ابتدأ طالبا للحق مع الموانع والسدود التى وضعتها قريش فى سبيل إيمانه فاجتازها، ووصل الإيمان إلى قلبه، وكان الداعية فى قومه، حتى هداهم إلى سداد. وإن قصة إيمان ذلك الرجل تدل على قوة نفسه وعقله وخلقه، وأن المنع لم يجعله يمتنع بل جعله يبحث ويفكر، فإذا كانوا قد زينوا إليه ألا يسمع من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقد زين الإيمان فى قلبه أن يذهب وراء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى داره. وهو قد باعد التقليد عن قلبه، والتقليد هو الذى يعمى عن الحقائق، ويمنع الاتجاه إليها. قدوم رسول ملوك حمير ٦٧٠- الإسلام بعد علم العرب أجمعين به صار هو يدعو لنفسه، لما اشتمل عليه من حقائق ولأنه دين الفطرة، ولم تعد الحوائل تحول بينه وبين الناس، فصار الناس يدخلون فيه طواعية من غير أى نوع من أنواع الإكراه أو التقليد، أو الاتباع من غير علم، بل صارت الحقائق واضحة نيرة. لا يمنع نصرانى ولا يهودى من الاتباع، فاستقامت قلوبهم. ورضوا بالإسلام دينا، ولم يعد الأمراء يقفون محاجزين بين الأقوام والإيمان، وخصوصا بعد أن علموا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يبقى الأمير على إمرته ما استقام أمره، وما عدل فى قومه. ولم يرهقهم من أمرهم عسرا. وكانت الوفود تجيء إليه معلنة الإسلام. ومنهم من كان يرسل رسولا، وملوك حمير وهم يمثلون الكثرة الكاثرة فى اليمن لما رأوا الإسلام قد غلب فى كل أرض الشمال، وتراجعت أمامه جيوش الروم التى كدسوها لغزو الإسلام، واقتلاعه، واقتلاع عز العرب، فعاد جندهم ولم يلاقوا محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن قتلت جنوده مع قلة عددهم منهم مقتلة عظيمة، وعادوا بحكمة خالد بن الوليد سالمين لم يفقدوا إلا بضعة عشر رجلا. أدرك ملوك حمير قوة الإسلام منطقا وعقلا وحقا، وأدركوا شوكة الإسلام أمام الرومان فأرسلوا رسلا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعلنون إسلامهم، والملوك كحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين، ومعافر وهمدان وزرعة ذويران مالك بنى مرة الرهاوى، قد أعلنوا الإسلام، ومفارقة الشرك. وقد كتب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كتابا للوفد الذى جاءه يبين فيه حقائق الدين وما يجب على الأفراد، ليعلموا به من وراءهم، وإليكم الكتاب كما رواه الواقدى:

стр. 983

بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد النبى إلى الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال والنعمان (قيل ذى رغين) ومعافر وهمدان. أما بعد ذلكم- فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، فإنه قد وقع نبأ رسولكم منقلبا من أرض الروم. فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به، وخبرنا ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم، وقتلكم المشركين، وأن الله تعالى قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من الغنائم حق الله تعالى، وسهم النبى (صلى الله تعالى عليه وسلم) ، وما كتب على المؤمنين فى الصدقة العقار عشر ما سقت العين، وما سقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر. وإن فى الإبل فى الأربعين ابنة لبون، وفى ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفى خمس من الإبل شاة، وفى كل عشر من الإبل شاتان، وفى كل أربعين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين تبيع جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها، شاة. وأنها فريضة الله تعالى التى فرضها على المؤمنين فى الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، ومن أدى ذلك، وأشهد على إسلامه، وظاهر المسلمين على المشركين، فإنه من المؤمنين له ما لهم، وعليه ما عليهم، وأنه من أسلم من يهودى أو نصرانى فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم. ومن كان على يهوديته أو نصرانيته، فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل حالة ذكرا أو أنثي، حر أو عبد دينار وافر من قيمة المعافرى (ثياب وبرود منسوبة إلى معافر) أو عرضه ثيابا، فمن أدى ذلك إلى رسول الله فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه، فإنه عدو لله ولرسوله. أما بعد: إلى زرعة ذى يزن إذا أتاك رسلى، فأوصيكم بهم خيرا، معاذ بن جبل، ومالك بن عبادة وعقبة بن عمر، ومالك بن مرة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة، والجزية، من مخالفيكم، وأبلغوها رسلي. وإن أميرهم معاذ بن جبل، فلا ينقلبن إلا راضيا. أما بعد فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله، وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوى قد حدثنى أن أسلمت من أمرك حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرا ولا تحزنوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله هو ولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لأهل بيته، إنما هى زكاة مزكى بها على فقراء المسلمين، وابن السبيل، وأن مالكا قد بلغ الخبر، وحفظ الغيب، وآمركم به خيرا، وإنى قد أرسلت إليكم من صالحى أهلى، وأولى دينهم وأولى علمهم فامركم بهم خيرا، فإنهم منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 984

هذا كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لملوك حمير، وقد كان يخص بعضهم بخطاب، إذ تعدد فيه لفظ أما بعد، مما يدل على أنه يخص بعضهم بالخطاب، وإن كان مضمونها جميعا واحدا. وفى هذا الكتاب بين الله فريضة الزكاة فى الزرع والثمار والسوائم، ويلاحظ أنه لم يذكر إلا زكاة الأموال الظاهرة والأموال الباطنة وهى الدراهم والدنانير، وما يتعلق بها من عروض التجارة قد بينها صلى الله تعالى عليه وسلم فقال فى كل مائتى درهم خمسة دراهم، وروى أنه قال فى كل عشرين مثقالا نصف مثقال، ولعله لم يذكر زكاة الأموال الباطنة، لأنه يذكر ما يجمعه الإمام، أو والى الصدقات، أما الأموال الباطنة، فإن أصحاب المال يؤدونها. ولعل هذا هو المسوغ به الإمام ذو النورين عثمان ولاة الصدقات، بأن يجمعوا زكاة الأموال الظاهرة، ويتركوا الأموال الباطنة، وكأنه أنابهم عنه فى أدائه، بحيث إذا ثبت أنهم لا يؤدونها أخذها منهم. ويلاحظ فى كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ذكر زكاة الزرع والثمار بأنها زكاة العقار، وإن كانت تؤخذ من غلاته، نصف العشر وإن سقيت بالة، والعشر إن سقيت بماء العيون أو ماء السماء وإن هذا النص يفهم أن العقار فيه زكاة، وقد كان العقار المثمر هو الأراضى الزراعية وثمار الأشجار. وذلك لأن النصاب فى الزكاة مال نام، والزرع ثمار الأرض، والشجر نماؤه الثمر. وقد كانت البيوت والدور والحوانيت تتخذ للحاجات الأصلية، فلم يكن لها ثمار بذاتها، وكذلك أدوات الصناعة. والآن قد صارت الدور لا تتخذ للإقامة فقط، بل تتخذ للاستغلال، والنماء بإجارتها فكان لا بد من زكاتها، لأنها مال نام بالفعل، ولأنها عقار، وقد ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم زكاة العقار المزروع بأنه العشر إن سقى بغير آلة، وإن سقى بالة فنصف العشر، وهنا نجد القياس لا يتجه إلى أصل زكاة العقار، فهو ثابت بالنص، إنما يتجه إلى طريقة أخذ الزكاة، فتقاس الغلات بالإجارة على الزرع والثمار. ولذا نرى أن يؤخذ عشر الصافى بعد النفقات التى تنفق على المبانى والتحصيل. ٦٧١- كتاب آخر لليمن: كان الكتاب السابق فيه دعوة إلى الإقرار بالإسلام والحث عليه وما يجب عليهم من جمع الزكوات، والجزية، أى تكوين ميزانية دولة الإسلام، وهناك كتاب آخر كتبه لعمرو بن حزم عندما بعثه إلى اليمن، وهو خاص بالواجبات التى تجب على الآحاد، فهو يفقههم فى الدين ويعلمهم السنن، ويأخذ صدقاتهم، وهذا نص الكتاب وقد رواه الحافظ البيهقى.

стр. 985

«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهدا من رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، آمره بتقوى الله تعالى فى أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وآمره أن يأخذ بالحق، كما أمره الله تعالى. وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم فى الدين، وأن ينهى الناس، فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر، وأن يخبر الناس بالذى لهم، والذى عليهم، ويلين لهم فى الحق، ويشتد عليهم فى الظلم، فإن الله حرم الظلم ونهى عنه، فقال ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله، وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس بالنار وعملها، ويستألف الناس حتى يتفقهوا فى الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه، وما أمر الله به، والحج الأكبر الجامع، والحج الأصغر، العمرة، وأن ينهى الناس أن يصلوا فى ثوب واحد صغير، إلا أن يكون واسعا ... وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعو العشائر والقبائل، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين وأن يمسحوا رؤوسهم، كما أمر الله ، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود، وأن يغلس بالصبح. ثم يذكر بعد ذلك أحكام الخمس فى الغنائم، وأحكام الزكوات، ونصابها وما يؤخذ من مقاديرها أ. هـ. وفى هذا يتبين أن أولى الأمر عليهم أن يجمعوها إذا كانت ظاهرة، وعلى الناس أن يؤدوها ظاهرة وباطنة، وإن كانت الثانية الأمر فيها إلى الضمائر، والله أعلم بالسرائر. وفد نجران ٦٧٢- أخذ المشركون يسلمون تباعا لما عم سلطان الوحدانية البلاد، وما أسلموا رهبا من قوة فى أكثر الأحوال، بل أسلم الأكثرون رغبا فى الإسلام، وقد زالت عنهم غشاوة الوثنية وخرجوا من التقليد للآباء إلى الاستنارة بنور الإسلام، ورأوا أن آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون. هذا ما كان من المشركين، كان الإسلام يدعو لنفسه فيهم بعد أن زالت عنهم عماية الجاهلية وغشاوة الوثنية- أما اليهود والنصارى- فقد علمت أمر اليهود منهم، ومغالبتهم للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالخيانة والنفاق، وتأليب الناس عليه، بعد عهود أخذوها على أنفسهم، ومن كان منهم فى غير جوار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد أخذ عليهم ميثاق الأمان على أن يؤدوا الجزية، كما رأينا فى كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأمراء الجنوب عندما ذكروا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن عندهم يهودا ومجوسا، يريدون أن يبقوا معهم من غير أن يغيروا دينهم الذى ارتضوا، فأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يؤدوا الجزية، ولا يرد عليهم دينهم.

стр. 986

أما النصارى فإنهم لم يكونوا فى حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يثيروا عليه أحدا، إلا ما كان من الروم، أما النصارى العرب، وخصوصا من كانوا فى الجنوب، فكانوا على مودة نسبية أو أقرب إلى المودة، ولذلك قال الله تعالى فى نصارى العرب الذين كانوا يوالون المسلمين: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً، وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (المائدة: ٨٢) هذا وصف عام لوفد نجران الذى سنتحدث عنه، وهناك سبب خاص حركهم للمجيء، وهو كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال، وذلك نص كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم، باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد فإنى أدعوكم إلى عبادة الله، من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله تعالى من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام» . أرسل الكتاب إلى أسقفهم، فلما قرأه ذعر ذعرا شديدا فبعث إلى رجل من آل همذان اسمه شرحبيل بن وداعة وكان من همذان وكان مستشار الأسقف إذا حدثت معضلة. فلما قرأ الكتاب قال الأسقف: ما رأيك يا أبا مريم، فقال: قد علمت ما وعد الله إبراهيم فى ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن بأن يكون هذا هو الرجل ليس فى النبوة رأي، لو كان من أمر الدنيا أشرت عليك فيه برأى وجهدت لك فيه، فنحاه، واستشار غيره وتعدد المستشارون، وكلهم أجاب بمثل جوابه فلما اجتمع الرأى منهم على تلك المقالة، أمر الأسقف بالناقوس فضرب، ورفعت المسوح فى الوادى، أعلاه وأسفله فاجتمع حين ضرب بالناقوس بطول الوادى مسيرة الراكب السريع يوما. وسألهم الرأى بعد أن قرأ عليهم الكتاب من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فاجتمعوا على إرسال وفد منهم يأتيهم بخبر هذا الرجل، ولما وصلوا المدينة المنورة خلعوا ثياب السفر، ولبسوا حللا يجرونها من الحبرة، وخواتيم الذهب، ثم دخلوا على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتصدوا له ليلا ونهارا فلم يرد عليهم، وعليهم تلك الحلل والخواتيم فذهبوا إلى عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف وكانوا يعرفونهما إذ كانا يتجران ويخرجان العير لهما فى الجاهلية. ولما التقوا بهما قالوا لهما: إن نبيكما كتب إلينا كتابا فأقبلنا مجيبين، فسلمنا عليه، فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه، فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأى منكما، أنعود.

стр. 987

اتجه عثمان وابن عوف إلى على بن أبى طالب يسألانه: ما رأيك يا أبا الحسن فى هؤلاء القوم، فقال على رضى الله عنه. أرى أن يخلعوا حللهم، وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم، ففعل الوفد ذلك، ثم جاؤا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فسلموا عليه، فرد سلامهم. وظهر من هذا أن السبب فى أنه لم يرد سلامهم أنهم جاؤا مختالين مفاخرين وأنهم يلبسون لباسا محرمة على الرجال. وليعلمهم أنهم ليسوا داخلين على ملك فى أبهة، بل على نبى يعيش عيشة الفقراء، وأن شرفه ليس من مال وثياب، ولكن من رسالة الرحمن الرحيم، وفوق ذلك أن عدم رده يخفف من خيلائهم، ويجعلهم يعيشون كما يعيش. وبعد أن رد سلامهم بش فى وجوههم كشأنه عند لقاء الناس، ودخلوا عليه مسجده بعد العصر، وقد صلوا متجهين إلى الشرق، فأراد بعض المسلمين منعهم، ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم السمح الكريم قال للمانعين: دعوهم، فصلوا مطمئنين. كان الوفد ستين راكبا منهم أربعة وعشرون من كبرائهم، فيهم ثلاثة لهم فضل رياسة أو شبه رياسة أولهم العاقب، وهو أميرهم، وذو الرأى فيهم، وصاحب مشورتهم لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد المسيح. وثانيهم: السيد، وهو ممثلهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم. وثالثهم: أبو حارثة بن علقمة أخو بنى بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم، وصاحب مدراسهم وإن أبا حارثة هذا قد صار ذا شرف فيهم، ودرس كتبهم وملوك الروم من النصارى قد أعلوه فيهم، أمدوه بالمال، وجعلوا له خدما، وبنوا له الكنائس، وكرموه لما بلغهم من علمه واجتهاده، ولعل ذلك ليجعلوا نجران تحت نفوذهم مع بعدهم. وكان أبو حارثة يعظم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى جهره وغيبه، يروى أنه عندما اتجه أبو حارثة إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم كان يركب بغلة، وبجواره أخ له يركب مثلها، فعثرت بغلة أبى حارثة فقال أخوه: تعس الأبعد، يريد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال له أبو حارثة: تعست أنت، إنه والله النبى الأمى الذى كنا ننتظره، فقال له أخوه: فما يمنعك من اتباعه وأنت تعلم هذا. قال أبو حارثة: ما صنع بنا هؤلاء القوم (الرومان) شرفونا ومولونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمر عليها أخوه واسمه كرز بن علقمة، حتى أسلم بعد ذلك.

стр. 988

وقد روى ابن إسحاق عن عبد الله بن عباس أنه اجتمع نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت الأحبار ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى ما كان إبراهيم الا نصرانيا، فأنزل الله : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ، وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ. ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا، وَلا نَصْرانِيًّا، وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (آل عمران: ٦٥: ٦٨) . وقال بعض أحبار اليهود: أتريد منا يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارى عيسى بن مريم. وقال رجل من نصارى نجران: أو ذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثنى الله، وأمرنى، فأنزل الله : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ: كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ، وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً، أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران: ٧٩: ٨٠) . ثم ذكرهم ﵊ ما أخذ عليهم وآبائهم من الميثاق بتصديقه، وإقرارهم به على أنفسهم، فتلا قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ... إلى آخر الآيات (آل عمران: ٨١) وآخر سأل عن عيسى بن مريم وآخر مثله فأجيبوا بأنه رسول من عند الله وتلا عليهم ما جاء بالنسبة لعيسى ﵇ فى سورة آل عمران من أولها إلى ثمانين آية من السورة. بعد ذلك أخذ النصارى يسألون أسئلتهم، قالوا: ما تقول فى عيسى فإنا نصارى، يسرنا إن كنت نبيا أن نعلم ما تقول فيه، فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (آل عمران: ٥٩: ٦١) فأبوا أن يقروا بذلك.

стр. 989

فلما أصبح الغد أقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعدما أخبرهم بالمباهلة. مشتملا على الحسن والحسين رضى الله عنهما فى خميل له، وفاطمة تمشى وراءه وله يومئذ عدة نسوة ولم يختر واحدة منهن، وكان الوفد غير الثلاثة الذين ذكرناهم كما أشرنا فى صدر كلامنا عن نجران، مع رئيسه شرحبيل لا تصدر نجران إلا عن رأيه. وعندما طلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المباهلة قال: «إن الوادى إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يصدر إلا عن رأيى، وإنى والله أرى أمرا مقبلا وأرى والله إن كان هذا الرجل ملكا، كنا أول العرب طعن فى عينه، ويرد عليه أمر لا يذهب من صدره، ولا من صدور قومه، حتى يصيبونا بجانحة. وإن كان هذا الرجل نبيا مرسلا، فلاعناه، فلا يبقى على وجه الأرض ساحرة، ولا ظفر إلا هلك، ثم ذكر رأيه فقال: إنى أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا. لقى شرحبيل الذى لا يصدرون إلا عن رأيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له: «إنى رأيت خيرا من ملاعنتك، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وما هو؟ قال شرحبيل: أحكمك اليوم إلى الليل وليلته إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مستوثقا من نفاذ حكمه عليه وعلى من وراءه: لعل وراءك أحدا يثرب عليكم. فقال: صاحبى (صاحبان له كانا فى مجلس القول) قالا: ما يريد الوادى ولا يصدر إلا عن رأيه. حكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فكان الحكم هو هذا الكتاب الذى أعطاهم إياه. «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما كتبه محمد النبى (صلى الله تعالى عليه وسلم) لنجران، إن كان عليهم حكمه، فى كل ثمرة، وفى كل صفراء وبيضاء وسوداء، ورقيق، فأفضل عليهم، وترك ذلك كله، على ألفى حلة، فى كل رجب ألف حلة. وفى كل صفر ألف حلة، وكل حلة أوقية ما زادت على الخراج أو نقصت على الأواقى فبحساب، وما قضوا على دروع أو خيل أو ركاب أو عرض أخذ منهم ليحاسبه.. وعلى نجران مثواه رسلى بها عشرين فدونه، ولا يحبس رسول فوق شهر، وعليهم عارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وإذا كان كبير باليمن وما هلك مما أعاروا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من دروع أو خيل أو ركاب، فهو ضمان على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى يؤديها عليهم. ولنجران جوار الله تعالى وذمة محمد النبى (صلى الله تعالى عليه وسلم) وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم، وعشيرتهم وتبعهم، ألا يغيروا مما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم ولا

стр. 990

ملتهم، ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته.. وكل ما تحت أيديهم من مال، وليس عليهم ريبة، ولا دم جاهلية، ولا يحشرون، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين، ومن أكل ربا من ذى قبل فذمتى منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم يظلم آخر ... وعلى ما فى هذه الصحيفة جوار الله، وذمة محمد النبى رسول الله، حتى يأتى الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بحرب» . وقد شهد هذه الوثيقة من حضر مجلس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، منهم أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس الحنظلى، والمغيرة بن شعبة. هذا كتاب ذمة إذا بقوا على نصرانيتهم، أما إذا اختاروا أو بعضهم الإسلام دينا فإنه من يختار الإسلام يأخذ حكم المسلمين، ولا يكون ثمة فرق بينه وبين المسلمين. وإن من أساقفة نجران ورهبانهم من دخل فى الإسلام معترفا بأنه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المنتظر من أولاد إسماعيل بن إبراهيم ﵉ له ذلك. ومن الرهبان من مال إلى الإسلام، وأراد الذهاب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وذهب إليه وأهداه بردا، وكانت رغبته فى الحضور للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرى كيف ينزل الوحى. وأن يعلم الفرائض والحدود والسنن، ومع ذلك أبى الإسلام، واستأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرجع إلى قومه. وقال إن لى حاجة ومعادا إن شاء الله تعالى، ولكنه لم يرجع حتى قبض النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويظهر أن ذلك كان فى السنة العاشرة. هذا وإن السيد، والعاقب، وأبا الحارث الذين ذكرناهم فى أول البحث فى وفد نجران، قد مكثوا عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يستمعون إليه ويتعرفون حاله، وهم غير وفد شرحبيل، وكأنه وفد من نجران وفدان لتعدد أقاليم نجران، وكنائسهم، واختلاف أساقفهم. ومهما يكن فإن وفد أبى الحارث الذى فيه السيد والعاقب قد غادر المدينة المنورة ومعهما كتاب من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبى إلى الأسقف أبى الحارث، وأساقفة نجران، وكهنتهم ورهبانهم، وأهل بيتهم، ورقيقهم وملتهم، وعلى كل ما تحت أيديهم من قليل وكثير جوار الله ورسوله، لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا

стр. 991

سلطانهم، ولا مما كانوا عليه على ذلك جوار الله ورسوله، أبدا ما نصحوا وأصلحوا عليه غير منقلبين بظالم ولا ظالمين» . فهذا كتاب آخر، وفيه عقد الذمة. ما يدل عليه أمر هذا الوفد ٦٧٣- كان لنجران وفدان، كما رأيت، وكان ذلك لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام، أو العهد (عهد الذمة) على أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، أو أن يقاتلوا، فجاؤا إليه فى وفدين، وكتب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كتاب عهد لكل وفد منهما. ولعل السبب فى مجيء وفدين، اختلاف الكنائس، وإن لم يكن ثمة اختلاف فى المذهب، وإن كان فإنه لا يكون مفرقا بينهم فتعددوا. وإن هذا الوفد وغيره سواء تعددوا أم لم يتعددوا يدل على أن الإسلام أخذ ينشر نفسه بدعوته من غير حرب، وما كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحارب قوما اعتزلوا حربه وألقوا إليه السلم، فما كان القتال، كما يبدو من أخباره، لأجل خلاف الدين، إنما كان لحماية الدعوة لتصل إلى الشعوب، فلا يحاجز بينهم وبينها أمراء أو ملوك، أو أحبار ورهبان، بل تكون وجوههم لله تعالى، يختارون فى الأديان ما يرونه حقا، ولأنه، لا بد أن يسمع الناس دعوة الحق (الدعوة الإسلامية) من غير إرهاق أمير، أو إغراء زعيم دينى أو غير دينى. ولقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يرحب بهذه الوفود، ويبش لهم إلا أن يجد فيهم أمرا من شأنه أن يكون مفرقا بين الجماعات. بحيث يحنق الفقير، ويرمض قلبه، فلم يبش فيمن يدخلون عليه بزينة من الحرير محلى بالذهب، كما كان يخرج قارون على القوم بزينته. ولحسن لقاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يستقبلهم فى المسجد وإن فعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يدل على جواز أن يدخل الكتابى المسجد، وإنى لا أرى بأسا فى أن يدخل غير الكتابى لأجل سماع العلم الإسلامى، وعقد المعاهدات كما كان يفعل عمر. وإن دخولهم المسجد حسن، إذ يرون المسلمين يؤدون الصلوات ويقومون بالفرائض، ويحيطون بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم إحاطة الدائرة بقطرها. إن ذلك من شأنه أن يؤثر فى نفوسهم فيستجيبوا لداعى الحق.

стр. 992

الإذعان والإيمان: ٦٧٤- هنا مسألة يثيرها ابن القيم حول وفد نجران، فقد كان منهم من يعلن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأنه النبى المبشر به فى التوراة والإنجيل، ولكنه لا يستجيب لداعى الإسلام بالانقياد والإذعان والرضا بحكم القرآن الكريم وإعلان الطاعة، ويقول إن ذلك الإذعان لخوف أن يقتله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فيقرر ابن القيم أن ذلك لا يعد قد دخل فى الإسلام أو وصف الإيمان، لأن الإيمان ليس هو مجرد المعرفة، بل الإيمان معرفة وتصديق، وإذعان، فإذا لم تكن هذه الأوصاف مجتمعة لا يكون ثمة إيمان. لأن الانقياد والإذعان غير قائمين. وإن ذلك كلام حق، لأنه لا بد أن يدخل فى ولاء المسلمين، وينضم إلى جماعته، وتكون ولايته للمؤمنين ولله كما قال تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. ونرى الإذعان قسمان: إذعان قلبى، ويكتفى به إذا كان ما يمنع من إظهاره خوف إتلافه كخوف من عدو قاهر، أو إخفائه لكى يجذب الناس إلى ما اعتنق من دين بتشكيكهم فيما يعتقدون من باطل، وقد أجاز النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك لبعض وفد ثقيف، فإن الإيمان الحقيقى قائم فى معناه وهؤلاء يؤدون الفرائض، ويكتفى منهم بذلك ولا يطلب خوفا من الإذعان العلنى، فالتصديق قائم والإذعان قائم. والقسم الثانى: يوجد فيه معرفة كمعرفة بعض المشركين، وأثر هذه المعرفة تصديق لسانى يظهرونه كأولئك الذين قالوا لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم نعرف أنك النبى، ولكن لا نسلم، لأننا نخشى أن يقتلك اليهود، فأولئك وإن عرفوا لا يؤمنون، بل يكفرون. قدوم وفد بنى سعد بن بكر ٦٧٥- هذا الوفد كان رجلا واحدا جاء مسلما معلنا إسلامه عندما علم بأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ودعوته، وانتشرت الدعوة، وصار لكلمة الله السلطان، وتجاوبت بها الركبان، فجاء يستوثق من الأمر من صاحب الدعوة الحق، ولقد قال ابن إسحاق بسنده: بعثت بنو بكر، ضمام بن ثعلبة وافدا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأناخ بعيره على باب المسجد وعقله ثم دخل وهو لا يعرف شخص محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال فى جفوة من لا يعرف: أيكم ابن عبد المطلب؟ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب، وكانت المجاوبة على الوجه الآتى:

стр. 993

قال ضمام: إنى سائلك ومغلظ عليك المساءلة، فلا تجدن فى نفسك. فقال النبى الرفيق: لا أجد فى نفسى، فسل عما بدا لك. فقال ضمام: أنشدك بالله إلهك، وإله أهلك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال: اللهم نعم. قال ضمام: فأنشدك بالله إلهك وإله أهلك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نعبده لا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التى كان آباؤنا يعبدونها. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اللهم نعم. ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة، فذكر فريضة الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فى كلها ينشده عند كل فريضة، بالصيغة التى ذكرها. حتى إذا فرغ منها، قال: «فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وسأؤدى هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتنى عنه، لا أزيد ولا أنقص» . ثم انصرف عائدا إلى بعيره. وقد أثنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خيرا. عاد إلى قومه مؤمنا داعيا شاهدا بالحق، وفاجأهم بأن أعلن كفره بالأصنام. وقال: بئست اللات والعزى. فخشى عليه قومه من أن يصاب بسوء لزعمهم فى الأصنام. فقالوا: مشفقين. مه يا ضمام اتق البرص والجذام، إذ يزعمون أن من سبها يصاب بذلك، وثبت ذلك الزعم فى أوهامهم. فقال لهم: «إنهما ما يضران ولا ينفعان، إن الله تعالى قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإنى قد جئتكم من عنده، بما أمركم به، وما نهاكم عنه. استجاب قومه لداعى الإيمان، ويقول ابن إسحاق: ما أمسى فى اليوم فى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما، فما سمعنا بوافد قوم أفضل من ضمام بن ثعلبة. والقصة رويت بهذا السياق فى الصحيحين. فهى ثابتة، وهى تدل على مدى انتشار الإسلام فى ربوع البلاد العربية ومدى الاستعداد لدعوة التوحيد، ولدين الفطرة، فما كانت الوثنية مع معرفتهم بالله إلا غشاوة أزالتها الحقيقة النيرة الناصعة، فكانوا مسلمين موحدين.

стр. 994

وفد تجيب ٦٧٦- قلنا إن البلاد العربية قد دخلها الإسلام عندما أعلنت للجميع حقائقه، وعرفوا خصائصه، وزالت غشاوة الوثنية عن نفوسهم، إذ العرب فى جاهليتهم كانوا أقرب إلى التوحيد من غيرهم لأنهم يعرفون الله تعالى وفيهم بقية ملة أبيهم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. كان وفد تجيب خير وفد جاء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، كما ذكر ذلك ﵊، فقد جاء مسلما منفذا لأوامر الإسلام، مجتنبا نواهيه. جاء بالصدقات، بما فضل من فقرائهم، ولقد قال فيهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «إن الهدى بيد الله فمن أراد الله به خيرا شرح صدره للإسلام» ، وقال أبو بكر صديق هذه الأمة. يا رسول الله، ما وفد من العرب بمثل ما وفد به هذا الحى من تجيب. أخذوا يسألون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن القرآن الكريم وعن السنن، ويسألونه عن أحكام تفصيلية فكتب لهم بها. ولم يطيلوا الإقامة، فقيل لهم: ما يعجلكم؟ قالوا: نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكلامنا إياه. وما رد به علينا. ولقد أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحسن ضيافتهم. ولما هموا بالسفر ذهبوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليودعوه فأرسل بلالا ليعطيهم جوائز من مال الرسول صلي الله تعالي عليه وسلم من خمس خمسه من الغنائم، فقد جعله ﵊ للدعوة، وما كانت هذه الجوائز من قبيل اعطاء المؤلفة قلوبهم، فأولئك قد جاؤا مؤلفين للإسلام من تلقاء أنفسهم، إنما هذه الجوائز أعطيت رمزا لمحبة رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم ومرضاته. وبعد أن أعطي الجوائز لهم واحدا واحدا، قال الرسول صلي الله تعالي عليه وسلم «ألم يبق منكم أحد؟» قالوا: غلام خلفناه علي ركابنا. جاء الغلام إلي رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني امرؤ من الرهط الذين أتوك آنفا، فقضيت حوائجهم، فاقض حاجتي يا رسول الله، قال ﵊: وما حاجتك؟ قال الغلام: حاجتي ليست كحاجة أصحابي وإن كانوا قد قدموا راغبين في الإسلام، وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، وإنى والله ما أعجلني من بلادي إلا أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل

стр. 995

غناى في قلبي، فأقبل رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم علي الغلام، وقال: «اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه» . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه. انطلق الوفد، وكان مؤلفا من ثلاثة عشر رجلا راجعا إلى قومه. ثم وافوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بمنى سنة عشر، ويظهر أن ذلك كان فى حجة الوداع، بل من المؤكد ذلك، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يدخل منى بعد عمرة الجعرانة إلا فى حجة الوداع، حيث تمت رسالته، ونزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (المائدة: ٣) . عندما التقى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بوفد تجيب فى منى سألهم عن الغلام القنوع الذى دعا له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يكون غناه فى قلبه، فقالوا: يا رسول الله ما رأينا مثله قط، وما حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله تعالى. لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها، ولا التفت إليها، عاش ذلك الغلام إلى أن انتقل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، ورجع من رجع من أهل اليمن، فقام فى قومه، فذكرهم الله والإسلام فلم يرجع منهم أحد. وفد بنى سعد من قضاعة ٦٧٧- كان العرب قسمين- أحدهما- دخل فى الدين راضيا مختارا، وهذا هو البناء الأول للجماعة الإسلامية، ومن دخلوا فى دين الله تعالى من البلاد العربية قاصيها ودانيها، وقسم رأى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم قد أخضع المعاندين والجاحدين لأن يستمعوا ومن وراءهم لدين الحق. فما كان لغير القسمين إلا أن يختار مطمئنا راضيا إلا أن يتقدم إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم طالبا منه المعرفة. وهذا ما رواه الواقدى بسند عن كبير وفد بنى سعد من قضاعة، فقد قال: «قدمت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وافدا فى نفر من قومي، وقد أوطأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم البلاد وأداخ العرب، والناس صنفان. إما داخل فى الإسلام راغب فيه، وإما خائف من السيف، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه» . ونقف هنا وقفة قصيرة عند كلمة كبير هذا الوفد، وهى كلمة العرب، فإننا نرى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما أداخ العرب ولكن أداخ الجاحدين المعاندين الذين رفعوا عليه السلاح وآذوه، فهم

стр. 996

الذين أداخهم، لتذهب الفتنة، ويكون الدين لله تعالى، وقد يكون من العرب الذين ينتظرون من دخل فى الإسلام بعد أن زالت المحاجزات بانتصار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن الأعراب من دخل فى دين القوى، وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ (الحجرات: ١٤) . دخل الوفد مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فوجدوه يصلى على جنازة، فقاموا فى ناحية من المسجد، ولم يشتركوا فى صلاة الجنازة. التقوا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسألهم: أمسلمون أنتم، قالوا: نعم، قال فهلا صليتم على أخيكم، فقالوا يا رسول الله ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، أينما أسلمتم فأنتم مسلمون، يشير بذلك إلى أن الدخول فى الإسلام لا يحتاج إلى مبايعة، وأن الإسلام قد تم، وأنتم فى مكانكم شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. بايعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الإسلام، على أن يقوموا بحقه، فيطيعوا أوامره ويجتنبوا نواهيه، ثم انصرفوا إلى رحالهم وقد خلفوا عليها أصغرهم. وقد طلبهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليتقدم هذا الذى تركوه على رحلهم، فبايعه على الإسلام كما بايعهم، وقال أصغر القوم خادمهم، وكأنه أقره وأقرهم على خدمته لهم، وقيامه على رحلهم، ولقد كان ذلك الصغير أقرأهم للقرآن الكريم، فكان يؤمهم، وذلك لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم دعا له بالبركة، ولما اعتزموا الانصراف أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لهم بجوائز، فأعطى كل رجل أواقى من فضة، وإن ذلك بلا ريب من خمس الخمس المخصص للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وآله، فكان ينفقه فى سبيل الدعوة الإسلامية. وفد فزارة ٦٧٨- جاء فى كتاب الاكتفاء أنه قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد رجوعه من تبوك وفد بنى فزارة وهو مؤلف من بضعة عشر رجلا منهم الحسن بن قيس ابن أخى عيينة ابن حصن وهو أصغرهم؛ جاؤا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مقرين بالإسلام، وكانوا فى شدة فكانوا على ركاب عجاف، سألهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن بلادهم، فشكوا إليه حالهم. وقالوا: أسنتت (أى أصابتنا شدة) بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا؛ وغرث (جاع) عيالنا؛ فادع لنا ربك يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك، فرأى فيهم صلى الله تعالى عليه

стр. 997

وسلم جهلا بربهم فقال هاديا مرشدا لمن خاطبه بهذا: ويلك هذا إنما شفعت إلى ربى ؛ فمن الذى ربنا يشفع إليه؛ لا إله إلا هو العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض، فهى تئط من عظمته وجلاله، كما يئط الرحل من الحديد. رق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحالهم، ودعا ربه مستسقيا، وصعد المنبر، ورفع يديه بالدعاء، وكان لا يرفع يديه فى الدعاء إلا فى الاستسقاء. ومما جاء فى دعائه ﵊: «اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحى بلادك الميتة، اللهم أغثنا مغيثا مريحا مريعا واسعا عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هدم، ولا غرق، ولا حرق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» ، بهذا الدعاء الضارع إلى الله من أحب خلق الله تعالى إليه أدرت السماء غيثا لا عيث فيه، ونال بنى فزارة ما أزال شدتهم. وفد بهراء ٦٧٩- قدم وفد بهراء من اليمن، كما ذكر الواقدى، وكانوا ثلاثة عشر رجلا فأقبلوا يقودون رواحلهم حتى انتهوا إلى باب المقداد بن الأسود وكان قد أعد طعاما لأولاده جفنة حيس (ثريد) فقدمه لهم وبارك الله تعالى فيه، فأكل منه الوفد، وبقى لأولاد المقداد ما كفاهم، وكأنه لم ينقص منه شيء، وقد بقى بعد أكل آل المقداد مقدار أرسلوه إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى قصعة صغيرة، وكان فى بيت أم سلمة، فأكل منه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم رد ما بقى، فأكل منه الوفد، وهكذا استمر الوفد يأكل منه مدة إقامته ببركة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وكانت هذه أمرا خارقا للعادة، ثبت إسلامهم، وقد جاؤا مسلمين، وبايعهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الإسلام، وجعلوا يقولون: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وتعلموا الفرائض، واستحافظوا بعض القرآن الكريم، وأقاموا أياما، ثم ودعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد أجازهم، كشأن كل وفد يجيء إليه، وذلك من خمس الخمس الذى أفاء الله تعالى به عليه. ونرى أن هذه الوفود جاءت إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن وصلتهم الدعوة وأسلموا، فجاؤا ليستوثقو الإسلامهم، ولينالوا بركة السماء.

стр. 998

قدوم وفد عذرة ٦٨٠- فى صفر سنة تسع قدم اثنا عشر رجلا هم وفد قبيلة عذرة، ولهم بقصى جد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صلة، لأنه كان أخاهم من أمه. ولذلك لما سأل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: من القوم؟ قال متكلمهم من لا تنكره، نحن بنو عذرة إخوة قصى لأمه، نحن الذين عضدوا قصيا، وأزاحوا من بطن مكة المكرمة خزاعة وبنى بكر، ولنا قرابات وأرحام. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أهلا بكم، ورحبا ما أعرفنى بكم، فأسلموا وقد بشرهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ونهاهم عن بعض أوهام الجاهلية، بشرهم بفتح الشام، وفرار هرقل حيث امتنع فى ممتنع من بلاده، وقد حدث ذلك فقد خلصت الشام من قبضة هرقل بعد واقعة اليرموك التى قال فيها وقد علا نشزا من الأرض: سلام عليك يا سوريا، سلام لا لقاء بعده، ونهاهم عن سؤال الكهنة، فان الله وحده هو الذى اختص بعلم الغيب، ونهاهم عن الذبائح التى كانوا يذبحونها تقربا لله فى زعمهم، وأخبرهم أنه ليس عليهم إلا الأضحية قربانا لله، وما عداها طعام يطعمونه. وفد بلى ٦٨١- قدم هذا الوفد فى ربيع الأول من سنة تسع، فأنزلهم رويفع بن ثابت البلوى عنده، ولم يذكر عدد هذا الوفد، ولكن يظهر أنه لم يكن عددا كبيرا، يضيق بضيافته رويفع بن ثابت، وقد قدم بهم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال له: هؤلاء قومى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مرحبا بك وبقومك وقد أسلموا، فقال لهم الرسول ﵊: «الحمد لله الذى هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو فى النار» . وكان فى الوفد رجل مضياف، هو شيخه، وهو أبو الضبيب فسأل الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عن الضيافة فقال: يا رسول الله إنى رجل لى رغبة فى الضيافة فهل لى فى ذلك أجر، قال ﵊: نعم، وكل معروف صنعته إلى غنى أو فقير فهو صدقة، قال: يا رسول الله ما وقت الضيافة. قال: ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يصح للضيف أن يقيم عندك فيحرجك، ثم سأل فى أمر آخر، وهو ما يضل من الشاء أو البعير، فقال: يا رسول الله، رأيت الضالة من الغنم أجدها فى الفلاة من الأرض؟ قال: هى لك أو لأخيك أو للذئب، قال فالبعير، قال: مالك وله، دعه حتى يجده صاحبه.

стр. 999

وقد انتقلوا بعد ذلك إلى منزل من استضافهم وهو رويفع بن ثابت البلوي، فكان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم يأتى هذا المنزل يحمل تمرا، ويقول: «استعن بهذا التمر» وكانوا يأكلون منه ومن غيره. وإن كلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع هذا الوفد اشتمل على أدب كريم من آداب الاسلام، وعلى حكم شرعى، يتعلق باللقطة، ومن الحق علينا أن نشير إلى أمرين. لقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيما يروى عنه «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وإن من مكارم الأخلاق الضيافة، وإنها فى ذاتها ترابط إنسانى، وتعاون ومحبة بين الناس، وهى ضرورة اجتماعية فى البوادى وما يشبه البوادى، فالرجل يسير فى البادية قد ينبتّ به الطريق، فلا يجد مأوى يأوى إليه، إلا أن تكون ضيافة كريم، ولذلك تكون فضيلة الضيافة ضرورة إنسانية فى البادية، ثم تخف ضرورتها كلما ابتعدت عن البادية، فهى فى القرى شبه ضرورة، وهى فى الحواضر حيث تتوافر الحاجات من طعام ومنام تكون معروفا، أو مروءة. وهى تأخذ الحكم الشرعى على حسب هذه الأحوال، فهى واجبة إذا كان الإنسان لا يجد له مأوى، وقريب من الواجب إذا كان لا يجد المأوى إلا بعسر، وهى معروف يوجد ألفة ومحبة إذا كان يجد. هذا ما يكون شرعا بالنسبة للمضيف، أما الضيف فإن عليه ألا يطيل الإقامة، بحيث يحرج رب البيت بل إنه لا يقبل المبيت إذا كان فيه حرج لرب البيت، ولم تكن ثمة ضرورة ملجئة، ولا حاجة تدفعه. وفى حديث اتفقت عليه الصحاح أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ويعطه جائزة، قالوا وما جائزة يا رسول الله؟ قال يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يحرجه» . وفى خبر هذا الوفد أنه سأله صلى الله تعالى عليه وسلم أحدهم عن الضالة من الغنم، وعن البعير، فقال عن البعير مالك وله، دعه حتى يجده صاحبه، فلا يأخذه، لأنه إذا غاب عن صاحبه طلبه، وبحث عنه، ولأن البعير يقوم بذاته أمدا طويلا، ولأنه إن أخذه غيبة عن صاحبه، فلا يهتدى إليه، إذ يطلبه. وعن الشاة الضالة التى يجدها الرجل فى الصحراء، حيث لا مرعى وحيث لا مأوي، قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: هى لك أو لأخيك أو للذئب، وهذا النص يفيد أنها حلال له، وهو نص فيه حكمته. ذلك أن الشاة وجدت فى الصحراء، حيث يصعب التعريف، وفرض أن لها صاحبها يمكن أن يعثر عليها بالتعريف بعيد، لأنه لا يوجد من يعرف بها، إذ هى فلاة، وفرض أنها تخلفت من قافلة مضت هو الأقرب.

стр. 1000

وفى هذه الحال يكون إن تركها، ربما يجدها غيره، فيذبحها ويأكلها، وذلك يكون احتمالا، وربما لا يجدها أحد فتموت جوعا، أو يلتهمها الذئب. وإنه بعد هذا الترديد يكون الأولى أن يذبحها ويأكلها. لاحتمال الضياع ولا تجوز إضاعة المال. وهذا الفرض يفرض أن الشاة فى فلاة غير ممكن معرفة صاحبها، فإن كانت قريبة من خباء أو من نبع ماء، يجيء إليه الناس، ويمكن تعرفهم، فإنه فى هذه الحال يكون التعريف واجبا. وفى الحق إن الواجد للشاة الضالة فى الصحراء تكون حاله مترددة بين أمرين: أولهما: أن يكون كالملتقط الذى يذهب فى الصحراء يبحث عن بعض النباتات المتخلفة فيها، ويجرى التقاطها، لأنه لا مالك لها، وبين أن تكون الشاة لقطة وجدها، ولها صاحب غير معروف، ولا يمكن معرفته فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم حكم بأنها تأخذ حكم الالتقاط، لأنها إن تركت أكلها الذئب. والفقهاء يفرضون أنه قد يعلم مالكها من بعد، فقرروا أنه إن وجد أعطاه قيمتها. وفد ذى مرة ٦٨٢- كان العرب يجيئون إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مسلمين، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتعرفهم، ويتعرف أحوالهم، وقد جاء وفد ذى مرة وهو مؤلف من ثلاثة عشر رجلا على رأسهم الحارث بن عوف، وقد ذكروا أنهم ينتمون إلى نسب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله إنا قومك وعشيرتك نحن بنو لؤى بن غالب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه تعالى عليه وسلم. وسأله عن أهله. وفى أى مكان تركهم، ثم سأله عن أحوال البلاد لأنهم بإسلامهم صاروا رعيته. فقال الحارث إنهم (لمسنتون) (أى فى شدة وقل) ما فى المال مخ، فادع الله لنا، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. «اللهم اسقهم الغيث» . أقاموا أياما، ولما أرادوا الانصراف إلى بلادهم جاؤا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مودعين له، فأمر بلالا فأجازهم، فأعطى كل واحد عشر أواق من فضة. وجعل للحارث اثنتى عشرة ورجعوا إلى بلادهم فوجدوها مطيرة، فسألوا متى أمطرت، فتبين أن ذلك المطر الذى أغاثهم أنزله الله تعالى وقت دعاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 1001

وفد خولان ٦٨٣- هذا وفد خولان، وفد قوم آمنوا بالله ورسوله، وقد قدموا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعددهم نحو عشرة، قدموا فى شهر شعبان سنة عشر. وقال قائلهم لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «يا رسول الله، نحن على من وراءنا من قومنا، ونحن مؤمنون بالله ، ومصدقون برسوله، وقد ضربنا إليك آباط الإبل، وقد ركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنة لله ورسوله علينا، وقد جئنا زائرين. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أما ما ذكرتم من مسيرتكم إلى، فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين، فانه من زارنى بالمدينة كان بجوارى يوم القيامة» ، ولقد كان لهم صنم كانوا يسمونه عم أنس، وكانوا مفتونين به، يسندون إليه بأوهامهم خوارق للعادات، أو نعما يجريها الله تعالي، فيحسبونها له وذلك لفرط ضلالهم، وفتنتهم به. فلما أعلنوا إيمانهم وتبين للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم صدق إيمانهم، ويقينهم الحق سألهم عما صنعوا فى صنمهم، ومن يؤمن منهم به فهل لهم من بقية. قال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما فعل عم أنس. قالوا: أبشر بدلنا الله تعالى به ما جئت به، وقد بقيت منا بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به.. ولو قدمنا عليه لهدمناه إن شاء الله تعالى. فقد كنا منه فى غرور وفتنة. يتقصى رسول الله ﷺ أخبارهم، ويتعرف ما كانوا عليه، قبل هذا اليقين. سألهم رسول الله: ما أعظم ما رأيتم من فتنته. قال متكلمهم: لقد أسنتنا (أى أصابتنا سنة شديدة) ، حتى أكلنا الرمة فجمعنا ما قدر عليه، وابتعنا مائة ثور ونحرناها- لعم أنس قربانا- فى غداة واحدة، وتركناها للسباع، ونحن أحوج إليها من السباع فجاءنا الغيث من ساعتنا، ولقد رأينا العشب يوارى الرجال ويقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس. وإن هذه المصادفة الغريبة قد فتنتهم، فاعتقدوا أن الصنم هو الذى أغاثهم، وهو لا ينفع ولا يضر، وكثيرا ما تجيء الأمور مصادفة فيحسبها الواهمون أثرا للالتجاء لحجر أو لشخص، أو لكاهن، أو لتعويذة

стр. 1002

ساحر، وإن ذلك فتنة، ولعل هذه المصادفات كانت من أسباب عبادة الأصنام التى لا تملك من الأمر شيئا وكان ما ينتجونه يجعلون نصفه لهذا الصنم قربانا، ونصفه لله، وما يجعلونه لله، يعطون لصنمهم منه شيئا، ولا يعطون مما لصنمهم شيئا لله تعالى، وذلك كله فيما يحسبونه للقربات. وقد ذكر متكلم الوفد ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أنهم كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم، وأنهم كانوا يجعلون ذلك جزآ له وجزآ لله فى زعمهم، قالوا كنا نزرع الزرع، فنجعل له وسطه (أى أحسنه) فنسميه له، ونسمى زرعا آخر حجرا لله تعالى، فإذا مالت الريح، فالذى سميناها لله جعلناه لعم أنس، ولم نجعله لله تعالى، فذكر لهم رسول الله ﷺ أن الله أنزل فى كتابه عملهم مستنكرا، فقال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً، فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا، فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ، وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ (الأنعام: ١٣٦) . وهكذا كانت الأوهام مسيطرة عليهم تلك السيطرة، وقد اقتلعتها عقيدة الوحدانية اقتلاعا من نفوسهم، وكانت دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وما اقترن بها ظاهرة لهذه الأوهام مبينة ما فيها من زيف وباطل، وتبين الرشد من الغى والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. وقد أوصى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بوصايا كريمة، أوصاهم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة وحسن الجوار لمن جاوروا وألا يظلموا أحدا وقال ﵊: «إن الظلم ظلمات يوم القيامة» . وسألوه عن فرائض الدين وأحكامه فعلمهم إياها. ثم غادروه بعد أيام، وأجازهم العطايا، ولما رجعوا إلى قومهم لم يحلوا عقدة رحالهم حتى هدموا عم أنس صنمهم. وفد محارب ٦٨٤- أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل فى السنتين الآخريين من مقامه بمكة المكرمة قبل الهجرة وذلك فى موسم الحج، بعد أن علم أنه لن يؤمن من قريش إلا من قد آمن، فكان أشد القبائل غلظة فى الرد وعنفا فى اللقاء قبيلة محارب، ردوا دعوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى التوحيد ردا فظا غليظا منكرا. وذلك لغلظ قلوبهم، ولذلك كانوا من آخر القبائل إيمانا، فلم يجيء وفدهم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مؤمنا إلا فى السنة العاشرة عام حجة الوداع.

стр. 1003

ولقد كان عدد الوفد عشرة جاؤا نائبين عمن وراءهم وقد أعلنوا إسلامهم، وإسلام قومهم. ولقد نزلوا فى ضيافة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فكان بلال يأتيهم بالغداء والعشاء، حتى التقوا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم معلنين إسلامهم وإسلام قومهم. وقد جاء معهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما من الظهر إلى العصر. وكان فيهم رجل أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالنظر فيه، وأدامه فيه. فقال المحاربى: كأنك يا رسول الله توهمتنى. فقال النبى ﵊: لقد رأيتك. وكأنه آلى أنه كان منه شيء. قال المحاربى: إى والله لقد رأيتنى وكلمتنى وكلمتك بأقبح الكلام ورددتك بأقبح الرد، بعكاظ وأنت تطوف على القبائل. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: نعم. قال المحاربى: ما كان فى أصحابى أشد عليك يومئذ ولا أبعد عن الإسلام منى. فأحمد الله الذى أبقانى حتى صدقت بك، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معى على دينهم. فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: إن هذه القلوب بيد الله . قال المحاربى: يا رسول الله استغفر لى من مراجعتى إياك. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الإسلام يجب ما كان قبله من كفر. ثم انصرفوا من بعد ذلك عائدين إلى أهلهم. وقد نرى فى هذا الوفد ولقاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ظاهرتين واضحتين: إحداهما: أن الله تعالى قد يخرج من القلوب القاسية قلوبا مذعنة طيبة. الثانية: ضلال العقول وسيرها فى الشر، فإذا قذف الله تعالى فيها بنور الحق اهتدت وآمنت وسبحان مقلب القلوب. وإنك ترى سماحة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ورفقه، وإتيانه القلوب من حيث إقبالها.

стр. 1004

وفد صداء ٦٨٥- جاء هذا الوفد مكونا من نحو ١٠٠ من أهل صداء باليمن. ويرجع أمر هذا الوفد إلى سنة ثمان من الهجرة عندما اعتمر النبي صلي الله تعالي عليه وسلم عمرة الجعرانة، فإنه أرسل إلي صداء باليمن جيشاً مكونا من نحو أربعمائة مقاتل بقيادة قيس بن سعد بن عبادة. فقدم علي رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم رجل منهم قد علم بأمر الجيش ويظهر أنه كان يعلم من قومه أنهم يميلون إلى الإسلام خصوصا بعد أن فتح الله تعالي على نبيه الكريم صلى الله تعالي عليه وسلم مكة المكرمة. فجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال: يا رسول الله جئتك وافدا علي من ورائى فاردد الجيش، وأنا آتى لك بقومى. فرد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الجيش. وقد ذهب الرجل الصدائي واسمه زياد بن الحارث، كما ذكر الواقدى فى تاريخه إلي قومه فأتي منهم بوفد عدده خمسة عشر رجلا، وقد قال سعد ابن عبادة. دعهم يا رسول الله ينزلوا علي فنزلوا عنده، فحياهم وأكرمهم، وكساهم، ثم ذهب بهم إلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فبايعوه على الإسلام، وقالوا: نحن لك علي من وراءنا من قومنا. رجعوا إلي قومهم ففشا فيهم الإسلام، وقد توافرت أسباب فشوه، فهو حق في ذاته، ولا غرابة فى أن يفشو دين الفطرة، بين قوم أرادوا الحق إذ لم يعاندوا، أو يفرضوا خصومة، ولأنه قد تم فتح مكة المكرمة التي كانت تناوئ النبي صلي الله تعالى عليه وسلم، وتبالغ فى مناوأته، ولأن السلطان في البلاد العربية صار للإسلام وما لعربي أن ينأي بجانبه عن دين ساد البلاد العربية إلا لأنه رأي أن في غيره ما هو خير منه، والإسلام خير الأديان، وهو الحق الباقي. فشا الإسلام في صداء، ويظهر أنه كانت لهم صلة بالخزرج بدليل ضيافة سعد بن عبادة. ولذلك جاء من بعد ذلك مائة رجل منهم وافدين علي الرسول صلي الله تعالى عليه وسلم فى حجة الوداع، ويظهر أنه الوفد الذي جاء في النهاية مسلما. وعلى ذلك نقول، إنه جاء إلي النبي صلي الله تعالى عليه وسلم من صداء ثلاثة وفود. أولها: زياد بن الحارث الذى جاء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وطلب إليه أن يرد الجيش، وقد قال له رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم. يا أخا صداء إنك مطاع في قومك. فقال له: بلي. منّ من الله ومن رسوله.

стр. 1005

وثانيها: الوفد الذى حضر مع زياد وعدده خمسة عشر رجلا، قد استضافهم سعد بن عبادة، وأولئك بايعوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على الإسلام، وأن ينشروه فى قومهم. وثالثها: وفد الجماعة الذين جاؤا إلي النبي صلي الله تعالي عليه وسلم والتقوا به فى حجة الوداع، حيث يودع رسول الله أمته، وقد أودعها أمانته، وحملها رسالته. ولقد صحب زياد بن الحارث الصدائى رسول الله صلي الله عليه وسلم فى بعض غدواته وروحاته، ورأي من الخوارق الحسية والمادية التى جرت على يديه ما زاده إيمانا. ويروى أن الرسول صلي الله تعالي عليه وسلم سأل زيادا في سيره في الصحراء: أمعك ماء يا أخا صداء؟ قال معي شئ في إداوة، قال ﵊ هاته. فجاء به. ويقول زياد: صببت ما في الإداوة. فجعل أصحابه يتلاحقون ثم وضع كفه علي الإناء، فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور، ثم توضأ رسول الله صلى الله تعالي عليه وسلم، وأذن للصلاة، أذن لها زياد وأقامها؛ وأراد بلال أن يقيمها، فقال النبى صلي الله تعالي عليه وسلم: من أذن للصلاة يقيمها. ولقد سأل زياد بن الحارث أن يوليه ﵊ إمرة قومه فولاه، لأنه وجده كفئا لذلك إذ كان مطاعا في قومه، كما وصفه النبي صلي الله تعالي عليه وسلم، ولأنه كان داعية الإسلام فيهم فكان من الخير للإسلام ولهم أن يتولي هو ولايتهم، ولأنه لم يرد الولاية لذاتها، ليكون له سيطرة وسلطان، بل أراد الإمرة علي قومه لغاية رأى النبي صلى الله تعالي عليه وسلم تحققها، وذلك جائز، ولا يعارض قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم «وإنا لن نولي علي عملنا من أراده» ، لأن نص الحديث يمنع الولاية ممن أرادها للسلطان والسيطرة لا للعمل، وإقامة الحق. ولكن زيادا لم يستبق الولاية، بل استقالها وأعطي النبي صلي الله تعالي عليه وسلم كتابي الإمارة، وولاية الصدقات. وذلك لأن سائلا شكا إلي النبى صلي الله تعالي عليه وسلم أن واليه طغي عليهم، ويقول إن عاملنا أخذنا بذحول الجاهلية أو بثاراتها، ويفهم من القصة أنه عزله، وقال: لا خير في الإمارة لرجل مسلم. سأل رجل النبي صلي الله تعالي عليه وسلم أن يعطيه من الصدقة فقال ﵊ «إن الله لم يكلها إلي ملك مقرب، ولا لنبي مرسل حتي جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت جزآ منها أعطيتكها، وإن كنت غنيا، فإنما هي صداع في الرأس وداء في القلب» . فهم زياد بن الحارث من هذا أن الولاية لا تأتي بخير للمسلم، بل هى ابتلاء له، فاستقال منهما، وقال للنبي صلي الله تعالي عليه وسلم: «يا رسول الله هذان كتابان (كتاب الإمارة، وولاية الصدقات)

стр. 1006

فاقبلهما، فسأله الرسول صلي الله تعالي عليه وسلم عن السبب، فقال: إني سمعتك تقول: «لا خير فى الإمارة لرجل مسلم» ، وأنا مسلم، وسمعتك تقول من سأل الصدقة وهو غني عنها، فإنما هي صداع في الرأس، وداء فى القلب، وأنا غنى. أقاله الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن سأله أن يدله علي رجل منهم فدله عليه. وهكذا نري أن ذلك الوفد كسب من النبي صلي الله تعالي عليه وسلم إيمانا وعلما والله تعالى الهادي. قدوم وفد سلامان ٦٨٦- هذا وقد جاء من الصحراء وفد سلامان يعلن إسلامه، ويشكو حاله، وكان مؤلفا من سبعة رجال فيهم حبيب بن عمرو، وقد أسلموا، وأعلنوا إسلامهم. وقد أخذوا يسألون النبي صلى الله تعالي عليه وسلم عن الإسلام، وعن حقائقه. وكان من أسئلتهم: ما أفضل الأعمال؟ فقال صلي الله تعالي عليه وسلم- الصلاة فى وقتها- وكانت أفضل الأعمال لأنها تهذب النفس باستمرار إذا أديت فى أوقاتها، فهي تزيل صدأ القلب كلما اشتد في الظهيرة، وإذا أزالته وابتدأ يتراكم في الأصيل كانت صلاة العصر، فإذا تراكم جاءت صلاة العشي حتي ينام طاهرا مطهرا، فإذا جاء الصباح استقبل اليوم في طهارة ونقاء، وعامل الناس بالطهر. وقد صلي مع النبى صلي الله تعالى عليه وسلم صلاة الظهر والعصر، فكانت صلاة العصر أخف من صلاة الظهر، وقد استأنسوا بالنبي صلي الله تعالي عليه وسلم، فشكوا إليه جدب بلادهم، فقال ﵊: «اللهم اسقهم الغيث في دارهم» ، فقال عمرو، لاستئناسه بالرسول صلي الله تعالي عليه وسلم ورفقه: «يا رسول الله ارفع يديك، فإنه أكثر وأطيب» فتبسم ﵊، ورفع يديه، حتي بدا بياض إبطيه ... أقاموا ثلاثة فى ضيافة النبي صلي الله تعالى عليه وسلم، ثم عادوا إلى ديارهم، وقد أعطاهم ﵊ جوائز، كانت جائزة كل واحد خمس أواقي فضة. واعتذر بلال عن قلة ما أعطي، وقال: ليس عندنا اليوم مال. فقالوا راضين قانعين: ما أكثر هذا وأطيبه.

стр. 1007

لما عادوا إلى بلادهم وجدوها قد أمطرت، وتحروا فرأوا أن ذلك المطر جاءهم في الوقت الذي دعا النبى صلي الله تعالى عليه وسلم. وكان مجئ ذلك الوفد في صفر من السنة العاشرة. وفد غامد ٦٨٧- جاء هذا الوفد مسلما فى السنة العاشرة، وعددهم عشرة وعندما أقبلوا نزلوا ببقيع الغرقد وانفصلوا منه لمقابلة رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم، وتركوا أحدثهم على ركابهم ليحرسها، وقد قابلوا الرسول صلي الله تعالى عليه وسلم، وعلمهم شرائع الإسلام، وكتب لهم كتابا فيه هذه الشرائع، أي موجزها، كما جاء في خطبة الوداع، فليس تفصيلها. ولكن فيه جملتها خصوصا ما يكون هدما لأمر جاهلى ألفوه، وكانوا له متبعين. وحدث أن حارسهم الذي هو أحدثهم قد نام عن حراسته، فسرقت عيبة فيها ثياب أحدهم، وفر سارقها، وعندما التقوا بالنبي صلى الله تعالي عليه وسلم أخبرهم بسرقتها، قال لهم: من خلفتم في رحالكم؟ قالوا أحدثنا سنا، قال قد نام عن متاعكم حتي أتي آت فأخذ عيبة أحدكم فقال رجل منهم: يا رسول الله، ما لأحد من القوم عيبة غيرى. فقال الرسول صلي الله تعالي عليه وسلم، فقد أخذت وردت إلي موضعها. خرج القوم وعادوا سراعا إلي متاعهم، فوجدوا صاحبهم فسألوه عما أخبرهم به رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم. قال فزعت من نومي ففقدت العيبة فقمت فى طلبها، فإذا رجل قد كان قاعدا، فلما رآني صار يعدو، فعدوت وراءه وانتهيت إلى حيث انتهي، فإذا أثر حفر وإذا هو يخرج العيبة فاستخرجها، فقالوا نشهد أنه رسول الله. عادوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخبروه أن الأمر كما أخبر ﵊، وجاء الغلام وأسلم وعهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، إلي أبى بن كعب فعلمهم بعض ما تيسر من القرآن الكريم، بعد أن كتب لهم كتابا بجملة الإسلام وحقائقه. وقد أجازهم صلوات الله وسلامه عليه، كما كان يجيز غيرهم.

стр. 1008

وفد الأزد ٦٨٨- ذكر خبر الوفد أبو نعيم فى كتابه معرفة الصحابة بسنده وأبو الحافظ بسنده، وقالوا إنه قدم هذا الوفد على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مؤمنا، فدخلوا عليه، فأعجب رسول الله صلى الله تعالي عليه وسلم سمتهم وزيهم، فقال: من أنتم؟ قالوا قوم مؤمنون فتبسم ﵊، فقال: إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟. قالوا خمس عشرة خصلة خمس منها جاء بها رسلك بأن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية. قال ﵊: فما الخمس التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها؟ قالوا أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن نؤمن بالقدر خيره وشره، قال ﵊ ما الخمس التى أمرتكم أن تعملوا بها؟ قالوا قد أمرتنا؟ أن نقول. لا إله إلا الله، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، فقال ﵊ وما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ فقالوا، الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضا بالقضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم: «حكماء علماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء» وإني أزيدكم فتتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون، لا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا فى شئ أنتم عنه غدا تزولون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون، وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخالدون» . هذا وفد مؤمن حكيم، قد انصرفوا بعد أن أخذوا وصايا النبي صلي الله تعالي عليه وسلم، وعملوا بها، وتعهدوا بالأخذ بأحكام الإسلام، وبما به أمر، وما عنه نهي وأقاموا الخلق الكريم، والمعروف الذي تؤيده الأخلاق. قدوم وائل بن حجر ٦٨٩- قال ابن عبد البر: إن وائل بن ربيعة كان أحد أقيال حضر موت وقد وفد إلي النبى صلى الله تعالي عليه وسلم عند قدومه، وبشر قبل مقدمه فقد قال ﵊ قبل مقدمه. يأتيكم بقية أبناء الملوك، فلما دخل عليه رحب به، وأدناه من نفسه، وقرب مجلسه وبسط له رداءه، وقد جاء إليه

стр. 1009

مسلما معلنا إسلام من وراءه من أتباعه فى اليمن، ورأي فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خيرا، فدعا له بخير، وقال فى دعائه: «اللهم بارك في وائل وولده، وولد ولده» . وعلي طريقة النبي صلي الله تعالي عليه وسلم جعله واليا على الأقيال من حضر موت، وكتب كتبا بهذه الولاية، وكما يقول الحافظ ابن كثير، منها كتاب إلي المهاجر بن أمية، وكتاب إلي الأقيال والعباهلة. ولقد أقطعه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أرضا من أرض الجنوب وهو إقطاع منفعة، لا إقطاع ملك، علي مال يقدمه لبيت المال. وذلك لأن هذه أراض نائية عن أراضى المدينة المنورة، فلا يمكن أن يشرف عليها الإمام بالمدينة المنورة بنفسه، فيعطيها من يديرها، علي خرج يقدمه، كأجرة لها، أو يكون من بعضها. ولما انصرف من حضرة النبي صلي الله تعالى عليه وسلم أرسل معه معاوية بن أبى سفيان، وسارا فى هذه الشقة البعيدة وهو راكب، ومعاوية راجل، فشكا معاوية حر الرمضاء، فقال في شكواه. انتعل ظل الناقة (أي لا ظل لها يستظل بها) ويغني عني ذلك، لو جعلتنى ردفا. فقال وائل: اسكت، فلست من أرداف الملوك. ولعل النبي صلي الله تعالى عليه وسلم أرسله مع ذلك القيل العنيف، ليري معاوية إذلال الملوك لمن معهم، فيكون رفيقا عندما يحول الخلافة إلي ملك عضوض، ويسير سير الملوك. ومن العبر أن وائلا هذا عاش حتي آل الأمر إلي معاوية، وجعله ملكا عضوضا، يعض عليه بالنواجذ، يروى أن وائلا قدم علي معاوية، وهو علي هذه الحال، فعرفه معاوية وقربه وذكره بالرحلة التي كانت لهما، ثم عرض عليه جائزة سنية، فأبى أن يأخذها، وقال: أعطها لمن هو أحوج إليها مني. وإن ذلك الرد عندي أعنف من رده عندما طلب أن يردفه، لأن مؤدي هذا الرد، أنك تعطي لتقرب وتدني، وتسكت الألسنة، ولتعالى اسمك بين الناس، والأولى بالعطاء المحتاج، وإن ذلك شأن الذين يبنون حكمهم علي شراء الألسنة، وإدناء ذوي السلطان، وعدم الالتفات إلي بر المحتاجين والضعفاء والمساكين يجعلون عطاياهم اتجارا، وصدقاتهم افتخارا.

стр. 1010

وفد النخع ٦٩٠- هذا آخر الوفود التي قدمت على النبى صلي الله تعالي عليه وسلم، قدموا عليه فى مائتي رجل وقد نزلوا فى دار الضيافة، وقد جاؤا مقرين بالإسلام، وكانوا قد بايعوا قبل ذلك معاذ بن جبل رضي الله تعالي عنه عندما ذهب إلي اليمن داعيا إلى الإسلام. وجاؤا إلى النبي صلي الله تعالي عليه وسلم نائبين عن أقوامهم معلنين الطاعة مقرين خاضعين موالين مناصرين غير خارجين عن طاعة، مع بعد الديار. وحادثوا النبي صلي الله تعالي عليه وسلم وأفضوا إليه بذات نفوسهم، وكان فيهم رجل يقال له زرارة بن عمرو، وكان رجلا مجلو النفس، قويا في دينه قد رأي رؤيا فأراد أن يذكرها للنبى صلى الله تعالي عليه وسلم ليتأول هذه الرؤيا. قال: رأيت في سفري عجبا، وقص علي النبي صلي الله تعالي عليه وسلم رؤياه، وجاء فيما قص من الرؤيا أن قال: رأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان مدملجان، وسكتان، قال ﵊ «ذلك ملك العرب، رجع إلى أحسن زيه وبهجته» . ورأيت يا رسول الله: عجوزا شمطاء قد خرجت من الأرض. قال ﵊: تلك بقية الدنيا. ورأيت يا رسول الله نارا خرجت من الأرض فحالت بينى وبين ابن لي يقال له عمرو، وهي تقول لظي لظي، بصير وأعمي، أطعموني أهلكم وأموالكم. قال ﵊: تلك فتنة تكون في آخر الزمان. قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال يقتل إمامهم. ويشتجرون اشتجار أطباق الأرض- وخالف رسول الله صلي الله عليه وسلم بين أصابعه- يحسب المسئ فيها أنه محسن، ويكون دم المؤمن عند المؤمن أحلي من شرب الماء إن مت أنت أدركها ابنك. قال: ادع لي يا رسول الله ألا أدركها، فدعا له رسول الله صلى الله تعالي عليه وسلم، وأدركها ابنه، وكان ممن اشترك فى خلع ذي النورين عثمان. هذا ما جاء في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم، ولم يذكر له سندا، كما لم يذكر كتابا من كتب الصحاح أخذ عنه ذلك الخبر.

стр. 1011

ولذلك نكل إليه أمر هذه الرواية. ومهما يكن من صحة ما جاء بالنسبة للرؤيا وتأويلها، فإنه مما لا شك فيه أنه جاء وفد النخع إلي النبي صلي الله تعالي عليه وسلم، وأعلنوا إسلامهم وإسلام من وراءهم، وأنهم قد علموا الإسلام، وأن معاذ بن جبل علمهم أمور دينهم، وحفظهم بعض القرآن الكريم، فجاؤا إليه مؤمنين. وإن إرسال معاذ بن جبل إليهم معلما للإسلام، ومحفظا للقرآن الكريم، يشير إلى أن النبي صلي الله تعالى عليه وسلم. ما كان يرسل سرايا للحروب فقط، بل كان (خصوصا بعد الحديبية) يرسل سرايا لتعليم الإسلام، ولمجرد الدعوة، ولكنهم كانوا مقاتلين، لا يحملون السيف إلا إذا امتنعوا عن الإسلام والعهد، والله سبحانه وتعالي حامي دينه، وحامي دعوته لمن أرادها.

стр. 1012

المغزى فى هذه الوفود ٦٩١- إننا ذكرنا عددا من الوفود، ولكن لم نحصها عددا، فقد كانت أكثر من ذلك، والنبي صلي الله تعالي عليه وسلم قد مكث في المدينة المنورة يستقبل الناس لتعليمهم الإسلام سواء في ذلك من يجيئون زرافات فى وفود عن غيرهم، ومن يجيئون يريدون معرفة الحقائق الإسلامية، والآحاد الذين يجيئون من قبائل مختلفة أفرادا أو غير أفراد. مكث صلي الله تعالي عليه وسلم في المدينة المنورة لذلك، ويرسل السرايا داعية إلي الإسلام. ويلاحظ في هذه أمور ثلاثة: أولها: أن أكثر هذه الوفود كان من جنوب اليمن وحضر موت، وما يدانيها من نجران والقبائل العربية التى لم تشترك في مناوأة النبي صلي الله تعالي عليه وسلم ممالأة لقريش، أو متحزبين معهم، أو يرون مثل رأيهم فى عبادة الأوثان، أو يرونه، ولكن لا يتشددون، فلم تكن فيهم ممانعه نفسية من اتباع الآباء والأجداد الذين يقولون بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (البقرة) ولا تقف محاجزة من إمرة أو رياسة تحول بينهم وبين الدخول في الإسلام، وخصوصا بعد أن سن النبي صلي الله تعالى عليه وسلم سنة إبقاء الأمير علي إمارته، إن دخل الإسلام مؤمنا وكان عدلا يرضي أهل إمارته حكمه، ولا يشكون منه شيئا، فإن هذه السنة جعلت الرؤساء والأمراء لا يفرضون في الدعوة المحمدية خصما يناوأ، ويحارب، وذلك لأن الذاتية يكون لها دخل فى تحريك النفوس، ولم يكن أمرهم ككفار قريش فى أول الدعوة المحمدية، إذ فرضوا من أول الأمر أن الاستجابة تذهب بزعامتهم ورياستهم، فكانت الذاتية أو الأثرة محركة لخصومتهم. ثانيها: أن الوفود كانت تجئ إلي النبي صلي الله تعالى عليه وسلم معلنة إسلامها وطالبة تعليم الفرائض وليشاهدوا النبي صلي الله تعالي عليه وسلم، وليقتبسوا من نور الحضرة النبوية فى مجالسه ﵊، وإن ساعة في حضرة رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم تغني عن علم كثير بل إنها هادية ملهمة كما أشار إلي ذلك الإمام أبو حنيفة رضي الله تبارك وتعالي عنه. إنهم إذ يعلنون إسلامهم ويخبرون عمن وراءهم بأنهم ارتضوا الإسلام دينا ومحمدا صلي الله عليه وسلم رسولا، من غير عوجاء ولا لوجاء، وإن كان فيهم من تلكأ أو تردد. فإن كثرة المسلمين فيهم كافية لأن تجعل هؤلاء المترددين يتبعون ولا يخرجون.

стр. 1013

ويلاحظ أن بلاد الجنوب كان للنصرانية واليهودية مكان فيها، وخصوصا النصرانية، وفيهم مجوس، فكان رفق الإسلام بهؤلاء وعقد المعاهدات بينهم على أن يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما علي المسلمين، مقربا لهم، وكانوا أهل علم بالديانات، ومنهم من أسلم بناء على ما عندهم من الكتب التي تبشر بمحمد صلي الله تعالي عليه وسلم، فيكون إسلامهم شهادة بصدق الدعوة المحمدية، فوق أنها تشتمل فى ثناياها على ما يدل علي كمال صدقها إذ هي التوحيد ومكارم الأخلاق، وحسن المعاملات وتوثيق العلاقات الإنسانية بين الناس أجمعين لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا قبيلة وقبيلة. الأمر الثالث: أن هذه الوفود جاءت تتري وفدا بعد آخر في السنة التاسعة والعاشرة أي بعد فتح مكة المكرمة، وتخاذل الرومان عن لقاء الجيش الإسلامي وقد ذهب إليهم في دارهم أي عند الشام، وقد تخلت عن نصرتهم القبائل العربية، فلم يفعلوا ما فعلوه فى مؤتة، إذ كان منهم جيش كثيف يبلغ مائة ألف أو يزيدون. وبذلك أخذ النفوذ الروماني ينحسر عن العرب، ويذهب ظله كما كان الأمر بالنسبة لفارس. وإن ذلك من شأنه أن ينظر إلى الدين الجديد علي أنه الغالب، المزيل للوثنية، والمحيي للعزة العربية. فهو الذي يجعل العربي يحس بعزته أمام بني الأصفر من الرومان، وينفض عنه سيطرة كسري ومن وراءه وخصوصا أن الكتب التى أرسلها النبي صلي الله تعالي عليه وسلم كان يظلها النور المحمدي وقوة الحق أمام إرهاب الباطل، فأثار في ذلك نخوة عربية أمام الطغاة فى الشمال والجنوب فكان من آثار ذلك أن ألقوا بكل نفوذ عربى. وإن هذا الوفد الذى لقى النبي صلي الله تعالي عليه وسلم، وكان من أهل الجنوب الذي قال للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم إنا لا نبرم أمرا خارجيا إلا بعد استئذان كسري، فأشار إليه النبي صلي الله عليه وسلم بأنهم سيرثون ملك كسرى، فأعطوا النبي صلي الله تعالي عليه وسلم، عهدا بأن يتبعوه. ومن هذا يتبين رغبة العرب الذين امتد إليهم نفوذ الرومان والفرس فى أن يخلعوا نيرهم، ويردوا إليهم أمرهم، وقد وجدوا فى الدعوة المحمدية معينا لهم على أن يتحرروا من التبعية، وهم الأحرار الذين فضلوا الشدة في عزة، عن الأمن فى ذل. وقد رأي ذلك المتاخمون لفارس فى كلام النبي صلى الله تعالي عليه وسلم، وفى لقائه للوفود فى مكة المكرمة، أولا عند عرضه نفسه علي القبائل قبيل الهجرة، وفي المدينة المنورة. وثانيا عندما أخذ يلتقي بالوفود، من حضر موت واليمن ونجران.

стр. 1014

وقد أدرك العزة العربية في الدعوة المحمدية أولئك الذين يتاخمون الزومان عندما التقي بهم في مؤتة، ولكنهم لما أدركوا أن العزة في الأخوة المحمدية لم يعاونوهم في تبوك، فلم يريدوا لقاء جيش الإسلام بعد أن أعدوا العدة، وعينوا المدة، فكان ذلك إشارة للعربي الحر، (وكلهم أحرار) إلي موطن عزته، ومكان رفعته. لذلك أخذ الإسلام يدخل في الصدور، وقد فتحت له الأبواب، فى القبائل المتاخمة للرومان في الشمال وفى الجنوب كله، وخصوصا ما تاخم الفرس وكان للفرس فيه نفوذ، فوجد التخلص من هذا النفوذ المذل، بالإسلام. وأن النبي صلي الله تعالي عليه وسلم لم يترك الأمر لتلك المنازع وحدها، بل كان يرسل الرسل معلمين لهم والبعوث فى السرايا، فما كان رجال السرايا كما ذكرنا إلا رجال تعليم ودعوة، ولكن لأنهم يجتازون صحراء ويلقون ناسا غلاظا شدادا، كان لا بد أن يكونوا من أهل الحرب، والعلم معا، فكانوا يحملون علم محمد صلي الله تعالي عليه وسلم، أو بالأحري بعض علمه، ويحملون مع ذلك سيفه، فهم يجاهدون بالأمرين والوقائع تعين استعمال أحدهما: وإن الرسل كثيرون، والسرايا أقل من الرسل. وقد ابتدأت الرسل إلى الملوك والأمراء، سواء في ذلك العرب وغيرهم فكتب النبي صلى الله تعالي عليه وسلم كما ذكرنا إلي قيصر الروم، وكسري الفرس، ومقوقس مصر، ونجاشي الحبشة، كما أرسلت إلى أمراء اليمن وحضرموت، ونجران، وكثيرون من أولئك أجابوا بأن طلبوا من يعلمهم الإسلام، لأنهم استجابوا له، وأبقاهم النبي صلي الله تعالى عليه وسلم علي ما تحت أيديهم، وكذلك منهم من أوفد وفودا بالمبايعة علي الإسلام. ولو وازنت بين أثر هذه الكتب في العرب، وأثرها فى غير العرب، كهرقل وكسري لوجدت أن أثرها في الأمراء العرب كان إيجابيا بالاستجابة وعدم المخالفة، وأما أثرها فى غيرهم، فإن استثنيت النجاشي الذي أسلم فإنا نجد الباقين أجابوا بالرفض فى عنف أو رفق فهو رفض في الحالين. وإن السرايا كانت كما أشرنا دعاة إلي الحق، ولنذكر خبرين يثبتان مقدار عناية النبي صلي الله تعالي عليه وسلم بالدعوة، وهما خبر إرسال معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب، وكلاهما كان من علماء الصحابة بالإسلام، وإذا كان معاذ قد اشتهر بالعلم وفقه الإسلام، فعلي المجاهد المحارب، اشتهر بالعلم وفقه الإسلام، حتي قيل إن النبي صلي الله تعالي عليه وسلم قال: «أنا مدينة العلم، وعلي بابها» واشتهر من بعد وفاة الرسول ﵊ بالفقه والقضاء معا. حتي إن عمر رضى الله تعالى عنه فى إمارته كان إذا مسألة تعقدت قال مسألة ولا أبا حسن لها، لأنه قوي العلم والفقه والإدراك.

стр. 1015

وإن الإرسال تدل عباراته وما أحاط به علي أنه ما كان للقتال وإن كان علي المقاتل الأول، إنما كان للتعليم، وتفقيه الناس في دينهم الذى ارتضوه. بعث معاذ بن جبل ٦٩٢- عندما بعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم معاذ بن جبل إلي اليمن بعث أيضا أبا موسي الأشعري، قال البخاري بسنده، بعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن وأبا موسي الأشعري، وبعث كل واحد علي مخلاف، واليمن مخلافان ثم قال: يسروا ولا تعسروا، وبشروا، ولا تنفروا. وانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه سلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبى موسي فسلم، فجاء يسير علي بغلته حتي انتهي إليه، فإذا هو جالس، وقد اجتمع الناس إليه، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلي عنقه، فقال معاذ يا عبد الله بن قيس أثم هذا؟ قال هذا رجل كفر بعد إسلامه فقال لا أنزل حتي يقتل، قال أبو موسي، إنما جئ به لذلك فانزل؟ قال ما أنزل حتي يقتل، فقتل. سقنا ذلك الخبر من البخاري للدلالة على أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اختار من فقهاء صحابته لتعليم الناس في اليمن وغيره أمور دينهم، ويدعوهم إلي الإسلام. ولا بد أن يذكر فى هذا المقام أن معاذا رضي الله تعالى عنه قد بعث مزودا بمقاتلين، ليبدأ بالدعوة إلي الإسلام فإن أسلموا علمهم الإسلام، واقتصرت بعثته علي التعليم والهداية. وإن كانت الآخرى قاتل. وقد روي السرخسى في مبسوطه في السير الصغير وصية لرسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم أوصي بها معاذا عند قدومه علي اليمن ومعه مقاتلون وهذا نص الوصية. «لا تقاتلهم حتي تدعوهم، فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتي يبدأوكم، فإن بدأوكم فلا تقاتلوهم حتي يقتلوا منكم قتيلا، ثم أروهم ذلك القتيل، وقولوا لهم: «هل إلي خير من سبيل، فلأن يهدي الله تعالي على يديك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت» «١» .

стр. 1016

وقد أغناه الله تعالي عن القتال، فقد استجابوا، فانتقل من الحرب إلي الموعظة الحسنة التي علمه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إياها. وإذا كان قد أوصاه الله تعالى بما يجب عند الحرب، فقد أوصاه أيضا بما يجب علي المؤمن فى كل الأحوال، ولقد ذكر هو هذه الوصية عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فيما رواه الإمام أحمد رضى الله تعالي عنه فقد جاء في هذه الوصية: «لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك، وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا، فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا، فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإنه بالمعصية يحل كل سخط، وإياك والفرار من الزحف، وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأحببهم فى الله » . ومن وصية النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قوله له: «إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين» . وبهذه الوصايا كان يعلم الناس واجبات الدين ومكارم الأخلاق، ومما علمه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قوله: «مفتاح الجنة شهادة أن لا إله الله تعالى» . وإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد ترك معاذ بن جبل بمكة المكرمة عند فتحها ليقيم فيها يعلم الناس، فقد أرسله أيضا إلي اليمن ليعلم أهله مع صاحبه أبى موسى الأشعري لتعليم الناس الإسلام. ومع هذا العمل الجليل، وهو تعليم الناس، كان رضى الله تعالي عنه يجمع الجزية دينارا من كل حالم ويقول في ذلك: «بعثني رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا وعددا من المعافرى (أى الثياب) وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا، وأمرنى فيما سقت السماء العشر، وما سقي بالدوالى نصف العشر» وذلك فى زكوات الأموال الظاهرة. ومن هذا يظهر أنه ولاه الخراج والجزية، وولاه الصدقات فكانت الولاية العامة شاملة- لكل ما يتعلق بإرادة الحكم. وقد روى الإمام أحمد فى مسنده، وإن كان لا يخرج عما اتفق عليه الأئمة أصحاب السنن، كما جاء فى الحديث السابق، وهذا نص ما جاء في رواية الإمام أحمد.

стр. 1017

أمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا «١» ، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشر ومائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات، أو أربعة أتباع. هذه رواية أحمد، وهي لا تخرج عن الرواية الأولي كما ذكرنا، وإن كانت أكثر تفصيلا، وإن الذى يهمنا فى هذه المسألة التي نترك تفصيلها لكتب الفقه علي نص الرسول صلي الله عليه وسلم في باب الزكاة بالنسبة للنعم والزرع والنقود. إن الذى يهمنا أن نذكر لماذا قصرت تعليمات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للزكاة على هذين الأمرين وهما زكاة الزرع وزكاة البقر، ولم يذكر لمعاذ رضي الله تعالي عنه أمرا فيما يتعلق بزكاة غير البقر من النعم وهي الغنم والإبل، ونقول: إن ذلك فيما يظهر لنا يرجع إلي أمرين: أولهما: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمر والي الصدقات بأن يجمع الأموال الظاهرة، وهى النعم والزروع والثمار، وترك غيرها من الأموال التي سميت في الفقه بالأموال الباطنة لدين الناس يقدمونها من غير تفتيش أو تكشف، لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دعا الناس إلي أن يعدوا الزكاة مغنما وألا يعدوها مغرما. الأمر الثاني: وهو الخاص بالعناية بذكر البقر دون غيرها من النعم، وقد بين ﵊ زكاة غيرها من النعم في مواضع أخري، كان يذكرها لمن يرسله لجمع الزكوات من القبائل التي تسكن الصحراء، لأن السوائم فيها كان أغلبها من الغنم والإبل. أما السبب في أنه فى أمره لمعاذ بن جبل ذكر له زكاة البقر والزرع، ولم يذكرها، لأنه فيما يظهر كانت اليمن أرضا زراعية، وفيها الخصب، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ، كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، وَرَبٌّ غَفُورٌ (سبأ: ١٥) وإن البقر يكثر حيث تكثر الزراعة، وحيث تكون أرض خصبة منتجة، ولذلك ذكر النبي صلي الله تعالى عليه وسلم لمبعوثه إلي اليمن زكاة ما يكثر فى اليمن من زروع وثمار وأبقار. ويروى أن معاذا اتجر في المال الذي جمعه، لأنه باع كل ماله فى دين مستغرق كان عليه، وجاء إلى اليمن خاليا من كل عرض من أعراض الدنيا، فتجر وكسب، ولم ينقص من هذا المال شيئا.

стр. 1018

وقد كان اتجاره لأن النبي صلي الله تعالي عليه وسلم قد علم خصاصته، فأرسله إلي اليمن، وظن أن ذلك ليجبر فقره في حلال، ولم يعد إلي المدينة المنورة إلا بعد وفاة النبي صلي الله تعالي عليه وسلم، وقد صار أبو بكر خليفة رسول الله ولكنه تظنن في حل هذا المال الذي اكتسبه بالتجارة. جاء إلي عمر ﵁ وقص عليه خبر هذا المال، وسأله ماذا يصنع به فقال الفاروق ادفعه إلى أبى بكر؛ فإن أعطاكه فاقبله، فقال الصحابي الجليل، لماذا أدفعه إليه، وإنما بعثني رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم ليجبرني. انطلق عمر به إلي أبى بكر، وطلب إليه أن يرسل إلي معاذ فخذ منه ودع له، أي فشاركه كسبه، فقال الصديق: ما كنت لأفعل إنما بعثه رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم ليجبره، فلست آخذ منه. ولكن معاذ التقي الذي اقتبس من نور الصحبة انطلق إلى أبي بكر يدفع إليه المال كله حتي السوط الذي كان يساق به فقال أبو بكر: خذه فهو لك. هذا وقد فوض النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إليه أمر قضاء اليمن، وشرح للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كيف يقضى إذا عرض له قضاء. فقد روي عنه نحو سبعين من أهل حمص أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض قضاء: قال أقضي بكتاب الله. قال ﵊، فإن لم يكن: قال فبسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قال أجتهد رأيي، وإني لا آلو، فضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم علي صدره، وقال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم. وإن ذلك الخبر كان أصلا للاجتهاد في الفقه، أخذ به من أخذوا بالقياس وعارض فيه من عارضوا القياس، وإنهم لشرذمة قليلون. وقد أثر له رأي في القضاء، وهو أنه لا يرث الكافر من المسلم، ولكن يرث المسلم من الكافر، وبهذا الرأي أخذ الإمامية من الشيعة، وعمل به معاوية، ولكن الجمهور الأعظم من الفقهاء لم يأخذ به. روي الإمام أحمد بسنده عن أبي الأسود الدؤلي قال «كان معاذ باليمن فارتفعوا إليه في يهودى مات، وترك أخا مسلما، فورث معاذ المسلم من اليهودى، وقال: «إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: «إن الإسلام يعلوولا يعلي عليه» وأخذ الحكم من القياس باعتبار أن الإسلام يعلو،

стр. 1019

والميراث يكون ثمرة لهذا العلو، ولأن الكفر باطل والإسلام حق يوجب الميراث، ولا يزول الحق لأجل الباطل. ولكن الجمهور الأعظم قالوا غير ذلك، وحجتهم صريح السنة قولا وعملا، فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم كما روي في الصحيحين: «لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر» . وقد ثبت عملا، فإن عقيل بن أبى طالب هو الذي ورث دور أبى طالب، ولم يرث منها جعفر، ولا علي، ولا أم هانئ ولا غيرهم من المسلمين عند وفاة أبي طالب، وقال النبى ﷺ فى فتح مكة المكرمة: ما ترك عقيل من دار، ولا يرث المسلم الكافر. وخلاصة القول أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل معاذا محاربا، ومعلما، وجامعا للصدقات والجزية وقاضيا في الخصومات، فكان هاديا مهديا. ويقول الحافظ ابن كثير في ولايته: كان قاضيا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وحاكما في الحروب، ومصدقا إليه تدفع له الصدقات. وقد ذكرنا ما قاله رسول رسول الله معاذ بن جبل فى اليمن هو وصاحبه عبد الله بن قيس (أبو موسى الأشعرى) ليعرف القارئ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يرسل الرسل من قبله إلى الجهات النائية على أنها سرايا أحيانا، وعلى أنهم معلمون، وإن لم تذهب عنهم صفة السرايا. فالدعوة الإسلامية أو تبليغ الرسالة المحمدية هي الأصل، وهي الغاية، فإن لم تقف في سبيلها عقبات، اكتفي، وإن وقفت محاجزات الأمراء والملوك كان الجيش المؤمن مزيلا لهذه المحاجزات حتى يخلو وجه الإسلام للدعوة المحمدية دعوة الله والحق. ولقد كانت كل بعثة محمدية معها قوة، لأنه يجتاز فيافي وقفارا، والأمن غير مستتب، وقد حدث أن جاء ناس من المشركين يخادعون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وذكروا له أن عندهم من يريد الإسلام فأرسل لهم من يعلمهم، أرسل معهم قراء، فأخذوهم، وباعوهم للمشركين، وآخرون قد قتلوهم، وقد تكرر ذلك، فكان الحذر يوجب على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ألا يرسل قراء وحدهم، بل لا بد من سرية حربية معهم، والله تعالي في عون عباده المخلصين.

стр. 1020

بعث علي رضى الله عنه ٦٩٣- كانت اليمن عدة أقاليم، فبعث ﵊ عبد الله بن قيس (أبا موسى الأشعرى) إلى مخلاف، وبعث معاذ بن جبل إلى مثله، وكانا متجاورين، فكان كل يذهب إلى صاحبه ولذا أمرهما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يتطاوعا ولا يختلفا. وبعث على بن أبى طالب بعد خالد بن الوليد، وهما محاربان، ولكن أمرهما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بألا يقاتلا إلا بعد الدعوة إلى الاسلام، والامتناع عن الإجابة إلى الإسلام أو إلى العهد. ولنذكر وصية النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعلى بن أبى طالب كما رواها السرخسى فى كتابه شرح السير الكبير للإمام محمد، وهى تشبه وصية النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لمعاذ التى أسلفناها. وهذه هى الوصية: «إذا نزلت بساحتهم، فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلا، فإن قتلوا منكم قتيلا، فلا تقاتلهم حتى تريهم إياه، ثم تقول لهم: هل لكم إلى أن تقولوا: لا إله إلا الله، ولأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير مما طلعت عليه الشمس وغربت» «١» . ولكن عليا رضى الله تعالى عنه، لم يقاتل، ولم يكن فى حال يعرض عليهم ما أمره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يعرضه، لأنه جاء إلى من أرسل إليهم على من أهل اليمن قبله خالد بن الوليد ودعاهم إلى الإسلام أو القتال فأسلموا ولم يقاتلوا، وجمع منهم خالد بن الوليد فيئا وغنائم لم تخمس، فأرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليا ليقسمها، أو ليخمسها كما يفهم ذلك من الروايات المتضاربة. قال البخارى بسنده «بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليا إلى خالد ليقبض الخمس» وقال أبو بريدة راوى الحديث عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «وكنت أبغض عليا» . وإنه يبدو من السياق التاريخى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعث عليا ليأخذ خمس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وذى القربى واليتامى والمساكين. وإن ذلك لم يكن وحده هو رسالة خالد، بل كانت رسالته مع ذلك الدعوة إلى الإسلام وتعليمهم، وأن يؤمهم فى الصلاة. قال البراء بن عازب فى رواية البيهقى: «كنت فيمن خرج مع خالد ابن الوليد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث على بن أبى طالب. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، ثم تقدم فصلى بنا فصفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأسلمت همدان جميعا.
следующие страницы →