كان الرق قد جرى عليه بالطريقة الجاهلية، إذ قد أخذته جماعة من الفرسان وهو ابن ثمانى سنوات، وباعوه فى سوق من الأسواق، وال أمره إلى خديجة أم المؤمنين، ثم وهبته لرسول الله ﷺ ، فكان عبدا له على مقتضى ما كان عليه الناس إبان ذاك.
وقد جزع أبوه عليه جزعا شديدا، وبكى لفقده، وقد قال فى ذلك شعرا جاء فيه:
بكيت على زيد وما أدرى ما فعل ... أحى فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدرى وإنى لسائل ... أغالك بعدى السهل أم غالك الجبل
ويا ليت شعرى هل لك الدهر أوبة ... فحسبى من الدنيا رجوعك لى بجل «١»
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل «٢»
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فياطول ما حزنى عليه وما وجل
سأعمل نص العيس فى الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل «٣»
حياتى أو تأتى على منيتى ... فكل امرئ فان وإن غره الأمل «٤»
أخذ يبحث عنه فى طول بلاد العرب، حتى عثر عليه عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل البعثة، ومحمد بن عبد الله ﷺ عدو الرق بفطرته لم يرد أن يحتجنه عنده غير مختار، فخيره بين أبيه والمقام عنده، وقال: إن شئت فأقم عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك.
ولكن الشاب قد اختار له، فاختار أن يقيم مع محمد ﷺ وهو يلمح نور النبوة عن الحرية مع أبيه واله، ولكن أباه أخذ يلومه، فقال له: «يا زيد تختار العبودية على أبيك وأمك» فقال ابن الكريم. «إنى قد رأيت من هذا الرجل شيئا، وما أنا بالذى أفارقه أبدا» .
عند ذلك الوفاء أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده، وقام إلى الملأ من قريش، فقال:
اشهدوا أن هذا ابنى وارثا ومورثا.
رأى أبوه ذلك فطابت نفسه، وكان يدعى زيد بن محمد، فلما ألغى التبنى وقال تعالى فى المتبنين:
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ «٥» .
стр. 282
الإسلام فى بيت النبوة:
٢٠٩- كان أول الإسلام فى بيت النبوة، وأول الدعوة كانت فى بيت محمد ﵊، وقد كان الذين يكونونه، وبلغوا حد الإدراك المميز للحقائق الدينية فى الجملة، هم هؤلاء الثلاثة خديجة بنت خويلد الزوجة الطاهرة الوفية الأمينة الحانية على زوجها وثانيهم على بن أبى طالب الذى كان فارسا، وهو الذى رباه النبى ﵊، وثالثهم المولى المخلص الذى أزال محمد بن عبد الله ﷺ عنه الرق، ورفعه إلى شرفه من ذؤابة قريش، حتى كان يقال زيد بن محمد حتى ألغى الله تعالى التبني، ولكنه ألغاه وزيد شريف بالإسلام والإيمان، وشريف بحريته واحترام نسبه الأصلي، الذى لم يرنق برق.
لقد امنت خديجة منذ أن التقى محمد بن عبد الله ﷺ بروح القدس، جبريل ﵇، وعاد إليها يرجف فؤاده، وأخبرها ورقة بن نوفل بمكانة محمد ﵊، وأنه رسول هذا الزمان، وأنه لا نبى بعده.
امنت به منذ الابتداء، وكان إيمانها أمنا وسلاما، فقد كانت هى السكن الذى يأوى إلى ما فيه من رحمة وسط عنف المعارضة، وشدة المقاومة، وكما قال ابن هشام فى سيرته: «وازرته على أمره، وكانت أول من امن بالله وبرسوله، وصدق بما جاء به، فخفف الله تعالى بذلك عن نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله تعالى عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس» رضى الله ﵎ عنها.
وإنها بذلك صارت لها منزلة فوق منزلة نساء الأنبياء أجمعين، بل صارت لها منزلة فى الذروة بين نساء العالمين حتى صارت ثالثة بين فضليات النساء فى الخليقة، وهى مريم العذراء التى خاطبتها الملائكة من السماء، وبضعة رسول الله ﷺ وبضعتها، فاطمة الزهراء.
وقد أرسل الله تعالى لها تحية طيبة مباركة من السماء، فقد أمر الله تعالى نبيه أن يخبرها على لسان جبريل بأن الله تعالى يقرئها السلام، وروى عبد الله بن جعفر بن أبى طالب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بأن يبشر خديجة ببيت من قصب (والقصب هو اللؤلؤ المجوف) لا صخب فيه ولا نصب.
إنها أقامت بيتا للنبى ﵊ فيه الهدوء والبركة والأمن والسلام يلقى فى خارجه غبار الصخب، وعناء النصب، فكتب الله تعالى لها بيتا فيه الراحة التامة، وفيه الرونق، وفيه الجمال، فيلتقى فيه جمال المنظر، بلطف الهدوء بعد اللغوب.
стр. 283
ولقد أحست بمنزلتها عند الله تعالي، وخصوصا عندما أقرأها السلام بذاته الكريمة فقد ردت التحية فقالت مقال المؤمنة «الله السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام» فالتقى الإيمان الصادق، بالتنزيه لله، فجعلت الرد على جبريل، أما الله فهو السلام، وهو واهب السلام، فتعالت ذاته، ويقول فى التعليق على ردها شارح المواهب اللدنية «هذا من وفور فقهها، حيث جعلت مكان رد السلام على الله تعالى الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق وما لا يليق» ومع كون هذا إدراكا سليما أقول إنه إحساس عميق وإيمان صادق بالله.
إسلام على:
٢١٠- كان على رضى الله تعالى عنه فى العاشرة من عمره، وقد تجاوز سن التمييز الأولى، وصار له إدراك فى المعانى الدينية. وذلك هو نظر علماء الإسلام من بعد. إذ أنهم اتفقوا على صحة إسلام الصبى المميز. واعتبار إسلامه وإن اختلفوا فى اعتبار ردته إذا تقرر إسلامه ابتداء. أو بوراثته للإسلام.
كان على رضى الله تعالى عنه وكرم الله وجهه فى سن التمييز عند بعثة النبى ﵊. وفيه ذكاء يسبق به أقرانه ومن فى سنه، وهو فوق ذلك فى مهبط الوحي، ومنزل النبوة، وما لا يصل إليه بالإدراك يصل إليه بالمحاكاة والقدوة الصالحة، وقبس النبوة يهديه. ونورها يسطع فيما حوله.
ولقد قالوا إنه ابتدأ نور الهداية باتخاذه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أسوة حسنة يقلدها ويحاكيها، ويتبع اثارها، ويقتفى مسالكه صلى الله تعالى عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: «ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة المكرمة. وخرج معه على بن أبى طالب مستخفيا من أبيه أبى طالب، ومن جميع أعمامه، وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله تعالى أن يمكثا.
ولكن عين أبى طالب كانت تتلفت حول ابنه وابن أخيه وحبيبه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذلك؛ رمقتهما- وهما يصليان، فاتجه إلى محمد ﵊، فقال له: يابن أخى ما هذا الدين الذى أراك تدين به. فقال: أى عم هذا دين الله ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت أى عم: أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه وأعاننى عليه» .
دعاه محمد ﵊ إلى أمرين: أولهما الإيمان بهذا الدين. وثانيهما إعانة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد أجابه فى الثانية ولم يجبه فى الأولى فقد قال له: أى ابن أخي، إنى لا أستطيع أن أفارق دين ابائى وما كانوا عليه. ولكن والله لا يخلص إليك شىء تكرهه.
стр. 284
هذا ما كان بينه وبين ابن أخيه. وهو ينبيء عن نخوة كريمة، وتعصب لما كان عليه اباؤه تعصبا غير حسن فى ذاته. ولا من مثله من كبر عقله، وقوة نفسه. ولكن ذلك ما أراد الله تعالى لحكمة، ليرى الناس مثلا من أقوياء الرجال، يكون عظيما فى ذاته، ويكون مع ذلك مشركا، فهو عال فى نفسه، ليس كبيرا فى اعتقاده.
أما ما كان من أمره مع ابنه، فقد اتجه إليه يقول له: «أى بنى ما هذا الدين الذى أنت عليه. فقال له: يا أبت، امنت بالله وبرسول الله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته» .
وهنا نجد أبا طالب الحر الكبير فى نفسه فى معاملة ابنه، كما رأيناه مع ابن أخيه، فقد قال غير مضيق ولا متزمت، ولا ضائق الصدر، أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه.
وروى ابن إسحاق مع ما ذكر رواية فيها زيادة إذ قال:
«إن على بن أبى طالب رضى الله ﵎ عنه جاء بعد ذلك بيوم أو يومين وهما يصليان (أى خديجة والرسول) فقال: أيا محمد ما هذا! قال النبى ﵊: دين الله تعالى الذى اصطفى لنفسه بعث به رسله، فأدعوك إلى الله تعالى واحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزي، فقال على: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاصد أمرا حتى أحدث به أبا طالب، فكره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يفشى عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال ﵊ له: «يا على إذا لم تسلم، فاكتم» فمكث على تلك الليلة، ثم إن الله أوقع فى قلب على الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى جاءه، فقال: «ماذا عرضت على يا محمد» فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «تشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له وتكفر باللات والعزى وتبرأ من الأنداد» ففعل على ذلك وأسلم، ويروى أنه كتم إيمانه عن أبى طالب، ولكنه لما علم قال له: «وازر ابن عمك وانصره» .
هذه زيادة ذكرها ابن اسحاق فى رواية أخري، وهى لا تتعارض مع الرواية الأولي، ولكن تزيد عليها، فمؤداها أن على بن أبى طالب، كشأن من يكون فى سنه رأى أن يعرض الأمر على أبيه كالشأن فى كل أمر ذى شأن يعرضه الصبى على أبويه قبل أن يقدم عليه، ثم وقع فى قلبه الإيمان بما جاء به ابن عمه، طيب النفس رضيا، وكان أن تبعه فى صلاته فى شعاب مكة المكرمة.
أول أسرة فى الإسلام:
٢١١- أسلم من بعد ذلك أو مقارنا لذلك مقارنة زمنية «زيد بن حارثة، وهو الذى اختار محمد ابن عبد الله ﵊ على أبيه واختار أن يعيش فى كنف محمد ﵊ رقيقا،
стр. 285
على أن يعيش فى أسرته حرا طليقا، فلابد أن يكون من أول الناس إسلاما، فانضم إلى الأسرة النبوية غير متلكيء، ولا متلعثم، ولا مضطرب، بل دخل مسرعا، غير متلوم.
اجتمع شمل الأسرة الكريمة على الإيمان، ولازم محمد ﷺ فى صلاته أم المؤمنين خديجة، وصفيه المجتبى على بن أبى طالب، ولقد جاء تاجر زائرا مكة المكرمة، ولنترك له الكلمة يقص ما رأى:
عن يحيى بن عفيف قال: «جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس وحلقت فى السماء وأنا أنظر إلى الكعبة. أقبل شاب، فرمى ببصره إلى السماء. ثم استقبل الكعبة. فقام يستقبلها. فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه. فلم يلبث حتى جاءت امرأة.
فقامت خلفهما، فخر الشاب ساجدا. فسجدا معه. فقلت: يا عباس. أمر عظيم. فقال: أتدرى من هذا؟ فقلت: لا. فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخى. أتدرى من هذا الغلام؟
قلت لا. قال: هذا على بن أبى طالب. أتدرى من هذه المرأة التى خلفهما؟ قلت: لا أدرى! قال:
هذه خديجة زوج ابن أخى. وهذا حدثنى أن ربك رب السموات والأرض أمر بهذا الذى تراهم عليه.
وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة، وكانوا الثلاثة المطهرين السابقين إلى الإسلام، ومعهم زيد بن حارثة فكان الرابع.
ويلاحظ فى هذه الأخبار الصادقة أن أولئك أسلموا من غير أن يطالبوا بدليل، بل كانوا المصادقين لما عرفوا من الحق فى ذاته. فأى قلب خال من شوائب الهوى والغرض يسوى بين الإيمان بحجر لا ينفع ولا يضر والإيمان بالواحد الأحد الفرد الصمد، الذى ليس بوالد ولا ولد، ثم مع ذلك الحق الذى يدرك بأدنى تأمل من قلب سليم- ما عرف به الداعى من خلق صادق. وفضل كبير، وعقل مدرك سليم، ثم لا يكون فى كلامه ارتياب مرتاب.
فالذى دفع إلى إيمان تلك الأسرة الطيبة إدراك للحق فى ذاته، وإيمان بصدق ربها، ومن بعد ذلك صفاء فى نفوس أهلها، وأنّى يكون قلب أصفى من قلب أم المؤمنين خديجة، وعلى بن أبى طالب.
النور يشرق من بيت النبوة
٢١٢- فاض النور من بيت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وانبثق البثق الكبير خارج البيت، ولكنه لم يكن بعيدا عن محمد ﵊، فقد ذهب يضيء قلوب أصدقائه، والذين وصلت نفوسهم بنفسه، وإن لم يكونوا له أقرباء قرابة بعيدة أو قريبة، ولكنهم كانوا من قبيله وقومه، ثم كانت
стр. 286
اية الله الكبرى أن عارضه أقرباؤه الأدنون، كأبى لهب، ولم يتبع دينه أولم يظهره حتى أحباؤه من ذوى قرباه كأبى طالب الذى رباه، وكان حبيبا إلى نفسه، وعمه العباس وغيره.
وكانت تلك اية كبيرة تدل على نزاهة الإسلام من أن تقيمه عصبية، أو يتبع للعصبية، إنما هو دين الله جاء لمحو العصبية الجاهلية، ولم تكن عموم دعوته فيها أى استجابة لعصبية، أو موالاة قبلية كما سيتبين ذلك فى القصص النبوي، فلا يقال إن أسرة كانت تطمع فى السلطان. فاستعانت بسلطانها لنبوة كانت فيها. وخصوصا أن بنى هاشم كانت فيهم رياسات بالكعبة الشريفة توارثوها كابرا عن كابر، وكان اخرهم أبو طالب الذى عاصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وإذا كان بنو هاشم لم يكونوا أول الناس إسلاما، فقد كانوا بلا ريب أولهم نصرة، وكانوا نصراء النبى ﵊ عصبية لا إسلاما، إذ كان ذلك عادة العرب يعيش كل شخص فى حماية عصبية، لا يسلمونه، ويعدون تسليمه ذلا، والتهاون فى نصرته قهرا وهوانا، وخصوصا أن محمدا ﵊ كان معتدى عليه. وليس معتديا. والإيذاء ينصب عليه انصبابا.
ومن أجل ثبوت أن معاونتهم له فى شدته كانت عصبية، أنهم لم يؤازروه بعد أن صار قويا، بل إن العباس عمه، وهو الذى كان يعد كبير بنى هاشم بعد أبى طالب خرج مقاتلا فى جيش المشركين فى بدر لجيش محمد ﵊ ابن أخيه، وأسر من بين من أسر من المشركين، ولم يخرجه محمد ﵊، إلا بفدية افتدى بها نفسه.
إسلام أبى بكر:
٢١٣- لا نريد أن نخوض فى أوليته، وسبقه فى الإسلام على ابن أبى طالب رضى الله عنه أو سبق على عليه. فتلك مسألة طائفية يثيرها الطائفيون فى الإسلام. فالشيعة يعدون عليا أسبق والأمويون والناصبيون «١» يخالفون، وما لنا أن نخوض فى ذلك. وكل فريق يذكر أن معه من الصحابة فريقا.
وكان يمتاز من بين قريش، بأنه عالم بالأنساب، فكان نسابة العرب، وكان له علم بأخبار الأولين، وكان تاجرا معروفا بالأمانة والصدق، وإن لم يكن كمعرفة محمد ﵊ بذلك، ولعل الأمانة قد سرت من صديقه محمد ﵊ فقد كانا صديقين وتربين لتوافق مشاربهما فى الجملة، وإن كان أبو بكر لم تكن عنده نزاهة محمد ﵊ حبيبه وخليله فى البعد عن الأوثان، فالفرق بينهما كالفرق بين من يصنعه الله تعالى على عينه ليكون رسولا نبيا، وبين من خلقه الله تعالى صاحبا برا تقيا.
стр. 287
وإنما الذى نقرره أن كليهما أسبق الذكور إلى الإسلام، أبو بكر وهو رجل مكتمل يقارب الأربعين. وعلى فى العاشرة من عمره، لم يبلغ حد المراهقة، ولكنه كان مميزا فاهما، أسلم متفكرا متدبرا مدركا، وقد ذكرنا أن فقهاء المسلمين يعتبرون إسلام الصبى المميز صحيحا وإن اختلفوا فى اعتبار ردته مستحقة للعقاب.
بادر أبو بكر بالإسلام عندما علم بالبعثة المحمدية، واسمه عتيق، أو عبد الكعبة المكرمة، وسماه النبى ﵊ عبد الله. وقالوا أن أمه كان لا يعيش لها أولاد ذكور، فلما رزقته وعاش سمته عتيقا لأنه عتق من الموت، وقيل سمته عبد الكعبة «المكرمة» لأنها نذرت أن تسميه عبد الكعبة. ثم اختار له صديقه محمد ﵊ أن يكون عبد الله.
كانت الصحبة تجعلهما كالمتعاشرين فى كمال الخلق، حتى أنه عندما بدت إرهاصات النبوة، وابتدأ البعث، كانت تسأله خديجة عن صاحبه إذا غاب وهو يحضر إليها عندما تقلق عليه، وتقول له:
«يا عتيق أين ذهب» .
يقول الرواة أن أبا بكر أسلم قبل أن يطلب إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. إذ أنه قد كان يتوقع ظهور نبوة صديقه محمد ﵊، لأنه قد سمع كلام ورقة، وعلم من خديجة حديثه لها، وكان يوما عند حكيم بن حزام، إذ جاءت مولاة له، فقالت: إن عمتك خديجة تقول فى هذا اليوم أن زوجها نبى مرسل مثل موسي، عندئذ أدرك أبو بكر أن ما توقعه قد وقع، وأن النور أشع، ولم يبق إلا أن يستضيء به ويعشو إليه، فانسل إلى النبى ﵊، فأسلم إذ طلب إليه النبى ﵊، وما كان طلبا لجاهل. بل كان طلبا ممن عرف ولم ينكر واستسلم وأذعن لله تعالى «١» .
ولذلك روى ابن إسحاق فى سيرته أنه بلغه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام، إلا كانت عنده كبوة، ونظر وتردد إلا ما كان من أبى بكر ما عكم «٢» عنه حين ذكرت» .
فنفس أبى بكر كانت سائغة إلى الإسلام قبل دعوته، لما رأى من إرهاصات النبوة، ولما علم من كلام ورقة، ولأنه كان الصديق الوفى والحبيب الولى لمحمد ﵊.
ولقد كان لإشراق نفسه، ولصغوة فؤاده إلى الحق، والاتجاه إليه أنه كان يرى الرؤى التى يكون تأويلها تبشيره بالإيمان.
стр. 288
جاء فى الروض الأنف «من أسباب توفيق الله له (أى لأبى بكر) أنه رأى القمر نزل مكة المكرمة، ثم تفرق على جميع منازلها وبيوتها، فدخل فى كل بيت منه شعبة، ثم كان جمعه فى حجره، فقصها على بعض الكتابيين، فعبرها له بأن النبى المنتظر الذى قد أظل زمانه يتبعه فيكون أسعد الناس به، فلما دعاه صلى الله تعالى عليه وسلم أجاب» .
دخل أبو بكر فى الإسلام فاستأنس به النبى ﵊ بأبلغ مما كان واشتدت بينهما الصحبة، فبعد أن كانت الصحبة مبنية على مجرد الاستئناس النفسى والخلقي، صارت الأنسة بالإيمان بالله واحده، وبالمؤازرة فى شدائد الحياة، واتخذ محمد بن عبد الله ﵊ من مكانة أبى بكر، وأنس الناس ومكانته عندهم قوة لدعوة الحق يدعو بها، فوق ما كان له هو ﵊ من قوة نفس، ومكانة عند الله وعند الناس.
تتابع المخلصين:
٢١٤- بإسلام أبى بكر تجاوز الإسلام حجرات بيته، لقد كان فيها مقصورا على إسلام الثلاثة الذين يعاشرون النبى ﵊ وهم زوجه الكريم، وربيبه الأمين علي، وعشيرة الوفى زيد، ولسنا نذكر فى ذلك ترتيبا، وإن كنا نؤكد فى غير تلبث ولا مواربة أن أولهم بإجماع المسلمين الطاهرة التى ازرت النبى ﵊ قبل البعثة، ووقت انبلاج فجر البعثة، وبعد الأمر بالتبليغ، وكان فضلها عند الله عظيما.
بعد إسلام أبى بكر تتابع الإسلام فى نفر ممن لهم بالنبى ﵊ مودة سابقة، أو لهم بالصديق صداقة، وكان فيهم استعداد، كان أول من أسلم بعد بيت النبوة وأبى بكر عثمان بن عفان، وقد كانت له بالصديق صداقة، وله بالنبى محبة، ويريد أن يتصل به بنسب، كان يريد أن يكون له صهر، فإنه عندما بلغه أن محمدا ﷺ أنكح ابنته رقية عتبة أصابته حسرة، ولنترك له الكلمة. فهو يقول:
كنت بفناء الكعبة فقيل أن محمدا ﷺ أنكح عتبة ابنته رقية فدخلتنى حسرة ألا أكون قد سبقته إليها فانصرفت إلى منزلي، لأجد سعدى بنت كريز، فأخبرتنى أن الله أرسل محمدا ﷺ ... وقال أنها حثته على اتباعه، وإن لم تكن قد ذكرت لمحمد ﷺ إسلامها. ثم قال: «وكان لى مجلس من الصديق، فأصبته فيه واحده» (فحثه الصديق على الإيمان) قال ومر النبى ﷺ ، ثم أقبل على، فقال أجب الله تعالى إلى جنته، فإنى رسول الله تعالى إليك وإلى جميع خلقه، فو الله ما تمالكت حين سمعته أن أسلمت، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية.
стр. 289
وكان زواجه برقية الأمنية التى كان يتمناها من قبل، وأصابته حسرة لسبق عتبة بن أبى لهب إليها، وذلك لأن أبا لهب بلغت به الجاهلية العمياء أن حمل ابنه على تطليق رقية عندما دعا محمد ﷺ عشيرته للإسلام فوجد عثمان طلبته قد هيأها الله تعالى له، فاجتمع عنده الخير العظيم بالإسلام، وأعلنوا إسلامهم ومؤازرتهم.
وأسلم من بعد هؤلاء أبو عبيدة عامر بن الجراح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وهو زوج أم سلمة التى تزوجها النبى ﵊ بعد موته، والأرقم بن أبى الأرقم، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله، وعبيد بن الحارث بن المطلب وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل الذى كان أبوه من الحنيفيين الذين نفروا من عبادة الأوثان، وزوجه فاطمة ابنة الخطاب، وهكذا أخذ الجمع يكثر واحدا بعد اخر.
وكانوا يستخفون فى صلاتهم، وقبل أن نسير فى بقية درجات الدعوة والاستجابة نسارع إلى الصلاة نبين وقت فرضيتها.
فرضية الصلاة
٢١٥- عندما نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ «١» . كان التكليف لتبليغ الرسالة والدعوة إلى أمر الله ودينه، ولا دين بغير صلاة، بل لابد لكل دين من صلاة، لأنه لابد لكل دين من عبادة، ولا عبادة من غير الصلاة، فهى عمود الدين، وركنه الركين.
ولذلك اقترن التبليغ بفرضية الصلاة اقترانا زمنيا، لأن الصلاة مقترنة بكل دين اقترانا عمليا.
ولقد قال الرواة أن الصلاة فرضت ركعتين بمجرد البعثة المحمدية وكانت تصلى مرتين، أولاهما فى الصباح، والثانية فى المساء، وفرضت ركعتين فى كل منهما، ولقد قال فى ذلك المزنى من أصحاب الشافعى رضى الله عنه، إن الصلاة كانت مفروضة قبل الإسراء، كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها، ويشهد لهذا قول الله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ «٢» .
ولقد قالت عائشة رضى الله ﵎ عنها فيما رواه ابن أختها عروة بن الزبير، فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم أيد الله تعالى أنها فى الحضر أربع وأقرها على فرضها فى السفر ركعتين، وبهذا يتبين أن الصلاة كانت مفروضة من أول الإسلام، وظاهر المروى أنها فرضت ركعتين، وفى وقتين اثنين وهما فى العشى والإبكار، قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.
стр. 290
هذا هو المفروض على الكافة ممن يسلمون، أما التطوع فبابه مفتوح والنبى مأمور بكثرة الصلاة، وقد قال تعالى مشيرا إلى طلب الصلاة الكثيرة من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا. إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا «١» .
وذكر الرواة أن جبريل روح القدس هو الذى علم النبى ﵊ الوضوء، فقد ذكروا أن جبريل ﵇ نزل عليه، وهو بأعلى مكة المكرمة فهمز له بعقبه فى ناحية الوادى، فنبع الماء، فتوضأ جبريل، وعلم النبى ﵊ بذلك الوضوء قبل الصلاة.
وقد روى كتاب السيرة ذلك الخبر بسند غير متصل، ولكن روى متصلا عن زيد بن حارثة رضى الله تعالى عنه.
وبهذا يتبين أن الوضوء فرض لكل صلاة، وكانت فرضيته وهو ﵊ فى مكة المكرمة، وقد استمر من بعد ذلك، وكان والصلاة ركعتان مرتين واستمر وقد صارت أربعا فى الظهر والعصر والعشاء، وثلاثا فى المغرب وركعتان فى الصبح، وذلك غير السنن على ما هو مبين فى فقه العبادات.
ولكن ذكر العلماء أمرا لا جدوى فيه من حيث العمل، وهو أن فرضية الصلوات المكتوبة والتى فرضت فى المعراج قبل الهجرة بسنة على ما سنحقق إن شاء الله تعالى، فقالوا أن الصلوات المكتوبة قد نسخت الاكتفاء بصلاتين، وأن ذلك ثابت بعمل النبى ﵊ عملا متواترا، وانعقد عليه الإجماع، وصار معلوما من الدين بالضرورة بحيث من ينكره يكون كافرا.
وقد أشار القران الكريم إلى مواقيت هذه الصلوات الخمس، فقد قال تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى «٢» ، وقد قالوا إن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، ولا يمنع أن يراد الصلاة المثلى.
وقال تعالى مشيرا إلى أوقات الصلوات كلها: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ «٣» .
стр. 291
فقد أتى بصلاة الصبح مشيرا بقوله تعالى حِينَ تُصْبِحُونَ وبصلاة العصر مشيرا بقوله تعالى حِينَ تُمْسُونَ وبصلاة المغرب والعشاء مشيرا بقوله تعالى وَعَشِيًّا فهما العشاان، حتى قال بعض الفقهاء إن وقت المغرب والعشاء واحد، يصلى أسبقهما أولا وثانيهما اخرا، وأتى بصلاة الظهر بعبارة تكاد تكون صريحة وهى قوله تعالى وَحِينَ تُظْهِرُونَ.
وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين «١»
٢١٦- دخل عدد من كبار قريش الإسلام، وإن كان قليلا، ولكن تسامع الناس بالدعوة المحمدية التى جاءت برسالة إلهية، حتى كان علمها قد سرى سريان النور إلى داخل البيوت، حتى قيل ما من بيت من بيوت قريش إلا علم بالإسلام ودعوة محمد ﷺ وأنه يخاطب من السماء، فالأخبار فى خفاء وقد تعلم، وإن لم يكن دعا إليها، ولم يحرك ذلك عنادا، ولا خصاما ونزالا، لأنها ما أصابت اهتماما إلا ممن كان لهم صفاء نفسى لم يعكره تعصب، أو لجاجة فى عناد، فكان الأمر بين متبع وإن كان عدده قليلا، وغير مهتم، وإن كان كانوا الأكثرين.
وفى هذه الأثناء دخل الضعفاء، وهم دائما نفوسهم أصفى وأكثر إنصافا، وإدراكا، لأنهم يحسون بالظلم، ويرجون التغيير، فإذا جاء نور يكونون أول من يعشو إليه، ويذهب فى استجابة ضارعة، مع رجاء الإنقاذ ولو فى المال، فما كانت حالهم صالحة لأن تبقى، ولا يمكن أن يرضى الحق بقاءها، لأن حالهم شقاء ولا يزيدهم إذا كان الخير مرجوا، وتغيير الباطل مأمولا، فصادق يفتح باب الأمل ويغلق باب اليأس، يكون فى رجاء التغيير سلوان وإن كانت الحال مؤلمة أسيفة.
لذلك دخل الضعفاء والعبيد فى الإسلام أمثال عمار بن ياسر وأبيه وأمه وخباب بن الأرت، وبلال الحبشى وغيرهم كثير، والدعوة بينهم، يستطيبون سماعها، ويصدقون الاستجابة لها ويستعذبون كل عذاب فى سبيلها.
وكانت الاستجابة للدعوة لا تعتمد على معجزة ولا دليل يتحدى به، بل يرون الحق سائغا، وهو يدعو إلى نفسه وما نزل من القران الكريم يستجيبون له، لأنهم يرونه الحق الواضح، وفى الداعى وهو محمد ﷺ الصادق الأمين، وإنما يقدم الدليل للمرتاب، ويوضح إذا كان الحق يحتاج إلى مقدمات ونتائج، فإن النبى هو الأمين، وإن الذى يسمعون هو القران الكريم، وإن الذين استجابوا من الكبراء هم فضلاء الجماعة وأمناؤها.
стр. 292
والدعوة تسرى سريان الماء العذب فى خفاء العشب الأخضر والزهر الأنضر، ولكن لابد أن تستعلن ليعلمها القريب، وتكشف فى وضح النهار المشرق، ويسرى علمها، فالخفاء مهما يكن لا يخلو من إبهام.
ولذلك لما سرت الدعوة المختفية المتربية فى خلية نمائها، طلب الله تعالى إلى رسوله أن يعلنها، فقال امرا له وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ «١» .
تقدم النبى محمد ﵊ وجمع بنى هاشم وبنى عبد مناف، وغيرهم من بطون قريش، جمعهم فى الصفا، وقال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا، ثم ساق لهم ما يدعوهم إليه، ولنترك الكلمة لرواية البخارى فى صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما، فقد قال: لما نزلت الايات وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ صعد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادى، يا بنى فهر، يا بنى عدى، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الذى لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا، لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا. قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، فنزل قوله تعالى:
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. وهذا يدل على أن كبير المعارضة فى تلك الدعوة المباركة هو أبو لهب عم النبى ﵊، لكيلا يعلم الناس أنها عصبية أسرة أو بطن من قبيلة، إنما هى رسالة الله تعالى إلى خلقه.
وروى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ حين نزل عليه قوله تعالى:
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.. الايات وقف وقال: يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا بنى عبد المطلب لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله سلينى ما شئت من مال، لا أغنى عنك من الله شيئا. وهذا الحديث مخرج على شرط البخارى، وروى مثله الإمام أحمد فى مسنده.
٢١٧- ولقد جاء فى التاريخ الكبير لابن الأثير: لما أنزل الله تعالى على رسوله وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ اشتد ذلك على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وضاق ذرعا، فجلس فى بيته كالمريض،
стр. 293
فأتته عماته يعدنه، فقال: ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرنى أن أنذر عشيرتى، فقلن له: فادعهم ولا تدع أبا لهب فيهم، فإنه غير مجيبك.
فدعاهم ومعهم نفر من بنى المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين.
فبادرهم أبو لهب فقال: هؤلاء عمومتك، وبنو عمك، فتكلم ودع الصبأة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك فحبسك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بنى أبيه بشر مما جئتهم به.
فسكت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يتكلم فى هذا المجلس، وإن هذا من حكمة البيان، فقد بادر أبو لهب بخلق جو عنيف من الاعتراض الشديد، والإنذار والوعيد، وبذلك يشجع كل معارض، ولو كان فى الأصل مترددا، فزال التردد إلى حال معترضة، ولذا أجل قوله إلى مجلس اخر، حتى يزول غبار الاعتراض الذى أثاره أبو لهب.
ويقول ابن الاثير: دعاهم مرة ثانية، ووقف فقال:
«الحمد لله أحمده وأستعينه، وأثق به، وأتوكل عليه، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له» ثم قال: «إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذى لا إله إلا هو إنى لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها للجنة أبدا، أو للنار أبدا» .
وفى هذه المرة لم يبادر أبو لهب، بل بادر أبو طالب حبيب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإن لم يتبع، فقال غير موافق، ولكن يعاون، وغير متبع ولكن من غير معاداة.
قال أبو طالب: «ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك وأشد تصديقا لحديثك!!، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أنى أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به، فو الله لا أزال أحوطك وأنفعك، غير أن نفسى لا تطاوعنى على فراق دين عبد المطلب.
ولم يسكت أبو لهب، (والباطل لجوج دائما) بل قال: هذه والله السوءة خذوا على يديه قبل أن يأخذه غيركم.
فقال أبو طالب (مصرا) : والله لنمنعنه ما بقينا.
стр. 294
بين أبى طالب وأبى لهب:
٢١٨- إن موقف أبى طالب لا يحتاج إلى تعليل، لأنه موقف الشفيق على من كفله ومن رباه، فقد كان كافله بعد جده عبد المطلب، واختاره عبد المطلب دون بقية بنيه، ولم يكن أسنهم، فكان يمنع النبى مستجيبا لداعى الشفقة والمحبة، ومستجيبا لوصية أبيه بأن يحفظه ويحوطه، فقام بحقها، حتى بعد أن صار محمد ﷺ شابا سويا قويا، ووجد أن الحياطة تكبر بكبر الموصى به فتكون معاونة بعد أن كانت وصاية، وتكون مدافعة بعد أن كانت رعاية.
إنما الذى يحتاج إلى تعليل هو موقف أبى لهب، فما أعلن ما توجبه القرابة بل ما توجبه العصبية التى تجعله مع محمد ﷺ عصبته وقريبه القريب، وأن عليه أن يحميه، لم يفعل ذلك، ولم يسكت مفوضا الأمر إلى أبى طالب أخيه، كما سكت حمزة والعباس، ولم يكونا قد دخلا فى الإسلام، لم يفعل ذلك أبو لهب.
ولعلنا لو أشرنا قليلا إلى طبيعته، وما أحيط به لسهل علينا تفسير موقفه، أو أدركنا فعله لهذا الموقف الذى عادى محمدا ﵊ وخالف قرابته مسلمهم وكافرهم على سواء.
لقد كان عبد العزى (أبو لهب) طبيعة غير طبيعة إخوته، فإخوته يطلبون السيادة والشرف والعزة بالخلق العربى الصميم، وهو يطلب المال والدنيا، وفيه أثرة، وحب الذات، ومن يكون كذلك يميل دائما إلى الابتعاد عما يثير المتاعب، ويؤثر فى المال ويوجد اضطرابا، وبذكائه الشديد أدرك أن دعوة محمد ﵊ تقدمة لمتاعب لمن يعتنقها أو يحميها، فقاومها، وشدد فى المقاومة، وطبيعته المادية جعلته لا يفكر فى أى أمر معنوى، ولا فى رجاء لنصرتها، وطبيعة الأثرة فيه جعلته لا يفكر فى إحساس غيره، ولا فى معاونة من يحتاج إلى معاونة طويلة مديدة من أسرته.
وتلك الطبيعة التى لا تريد إلا استقرارا لأجل المال، وما يتصل به من متاع تكره تغيير ما كان عليه الاباء، بل ترغب فى أن تسير الحياة نمطية، لا تغيير فيها ولا اضطراب.
ولعل هذه الطبيعة هى التى جعلته لا يخرج مع قريش فى غزوة بدر الكبرى، وخرج العباس وإن كان كارها محرجا، وهناك عامل ثان، فوق ذلك العامل النفسى، وهو زوجه أم جميل الأموية أخت أبى سفيان، فقد كانت عاملا مذكيا لتلك الطبيعة المعاندة، كانت تكره رسول الله محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، وتكره زوجه أم المؤمنين خديجة، والتقى كرههما فى قرن واحد من يوم زواجهما الميمون الطاهر، ولا ندرى أكان الزواج هو السبب أم كان غيره.
стр. 295
وبهذه الكراهة كانت تحرضه، وتوججه إذ تصورت أن نيران العداوة قد تطفئها القرابة، وعلو شأن محمد ﷺ فى دعوته وجهاده، وذكر اسمه فى كل بلدان العرب، وتجاوز ذلك إلى البلدان المصاقبة، كالرومان والشام ومصر.
ولقد كانت تتردد أخت أبى سفيان فى أن تقرض الشعر ذما للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتسميه مذمما ولا تسميه محمدا، فقد قالت فى ذلك:
مذمما قلينا ودينه أبينا وأمره عصينا
ولقد تلقى شعرها هذا بالاستضحاك، وعد ذلك ليس شتما له، لأنها لم تذكر اسمه فى شتمها، فقال ﵊: «انظروا كيف يصرف الله تعالى عنى شتمهم ولعنهم، ويشتمون مذمما، ويلعنون مذمما، وأنا محمد» ، وكان فيها مع ذلك صفة السفيهات من النساء، إنها كانت تمشى بالنميمة.
فتوقد نيران العداوة، وقد قال الله ﵎ فيها تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ. سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ «١» .
هذا هو أبو لهب، وهذا هو السر فى عداوته للحق، ولمحمد ﵊ مع قرب رحمه، ومع أنه سرّ لولادته وقت أن ولد.
٢١٩- هذا أبو لهب، وذلك موقفه من دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم التى كرهته فيه بعد ود، أو إن شئت فقل محبته له فى صباه حتى بدا ما يتخالف فيه الطبعان، طبع العم المادى، وطبع ابن أخيه الروحى الذى لا يحرص على المال.
أما أبو طالب، فلم يكن عدوا لدعوة محمد ﵊، وعباراته توميء بأنه لا يعاندها، وما عند أبى لهب من صفات تناقضها، صفات أبى طالب توافقها فى أصلها، فأبو طالب لم يكن أثرا يحب المال، بل كان فيما يبدو من خلق يجعله يميل إلى الإيثار بالمحبة، فاثر التعب على الراحة فى مناصرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وبينما أبو لهب يؤثر الدعة والاستقرار على أى صورة كانت، كان أبو طالب شيخ البطحاء لا يؤثر الدعة والاستقرار مع الضيم، بل يقاوم الضيم راضيا بملاقاة أسباب الإرغام بقلب صابر قوى.
стр. 296
وبينما كان أبو لهب محبا للمال مؤثرا له على كل شيء من أسباب الحياة الكريمة كان أبو طالب يكتفى من المال بالقليل من غير أن يبذل مروءته فى سبيل طلبه، فالمروءة عنده أولى بالطلب من الاستكثار من المال، ولذلك كان محدودا، ولم يكن مجدودا، ولكل هذا قبل أبو طالب أن يكون لمحمد ﵊ نصيرا، لأن الشفقة والمروءة، والمناصرة العربية الكريمة تقاضته، فاستجاب لسجيته له، وما وهن ولا استكان، ولا ولى، بل استمر مناصرا فى كل الشدائد، حتى قبضه الله تعالى.
وليست الغرابة فى نصرته للنبى ﵊، إنما الغرابة فى أنه لم يدخل فيما يدعو إليه!! ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ «١» وقد ذكرنا من قبل أن ذلك دفع لوهم يقوله بعض الواهمين، إن دعوة محمد ﵊ كانت عصبية جاهلية.
ولقد ذكر ابن كثير أنه لو أسلم كما كان يظهر من لحن قوله أنه يميل إلى الإسلام، إذ يقول:
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتنى سمحا بذاك مبينا
لو أسلم لكان المشركون له أعداء كما عادوا محمدا ﵊، وقد كان عندهم من قبل ذلك الأمين المحبوب الذى يسمع قوله ويطمأن إلى حكمه، ولكن أراد الله تعالى أن يبقى على دين قومه، لكى يكون ردا للنبى وعضدا فى وسط المدلهمات، وقال ابن كثير فى ذلك: «وكان رسول الله أحب خلق الله تعالى إاليه (أى إلى أبى طالب) ، وكان يحنو عليه، ويحسن إليه، ويدافع عنه، ويحامى، ويخالف قومه فى ذلك مع أنه على دينهم، وعلى خلتهم، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبيعيا لا شرعيا، وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو أسلم أبو طالب، لما كان له عند مشركى قريش وجاهة، ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه، ولا جترؤا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربك يخلق ما يشاء ويختار، وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا «٢» .
٢٢٠- كانت دعوة محمد ﷺ ابتداء سرية يدعو من يعرف من أصدقائه وأوليائه الذين كانوا كنفسه، ثم يدعو كل من ذاق بشاشة الإسلام وخالطت نفسه من أصدقائه وأحبابه، فكانت تصغى إاليه الأفئدة طالبة الحق، بقوة المحبة للخل الوفى، وللحق البدى، من دعوة علنية، ولكن الأمر النورانى لا يخفى طويلا، فعلم وإن كان فى أضيق دائرة.
وكان لابد أن يتولى النبى ﵊ الإعلان، والجهر، وكما بدأ بدعوة أهل بيت النبوة، الذين أشرق الوحى عليه، وهو بينهم، فقد أخذ بأمر الله تعالى يعلنه بين ذوى قرابته يؤمن من يؤمن، ويكفر من يكفر.
стр. 297
ولعله يبدو بادى الرأى واضحا جليا أن أكثرهم قد رد من عشيرته، ولم يستجب إلا بعض نساء العشيرة الطاهرة كصفية، وفاطمة امرأة أبى طالب، وكان من هذه العشيرة أول من جاهر بالعداوة، وهو قريبه القريب عمه أبو لهب، وفى هذا دليل مادى على أن الدعوة ما كانت من انبعاث قبلى، بل كانت استجابة لدعاء رباني.
كان إعلان الدعوة للعشيرة الأقربين، إعلانا للعرب أجمعين، فقد كانت بأعلى الصفا، وتسامع بها الناس، وإذا كان الخطاب للعشيرة خاصة، فقد كان الإعلام لقريش، ثم إظهارا لنبى بعث رحمة للعالمين، تسامعت به الركبان، وتذاكر فى دعوته الذين يغشون مكة المكرمة من غير أهلها، وبذلك انتشرت الدعوة المحمدية بتبليغ رسالة ربه الذى كلفه بإبلاغها فى غير معاندة للمشركين، ولا مجابهة لهم، ولا تحد لملتهم.
ولقد كانت تسير فى استخفاء، كما يسرى الماء العذب فى أرض مغطاة بالأعشاب، ولكنه يثمر، وينبت، وينمو ولو كان مستخفيا، وكان الذين ارتضوا الإسلام دينا يستخفون بعبادتهم ولا يظهرونها، ويذهبون إلى شعاب مكة المكرمة يصلون فيها، وما عرف أنهم كانوا يذهبون إلى الكعبة الشريفة مجاهرين متحدين، ولكن كانوا يستخفون بهذه العبادة.
ولقد روى إسلام كثيرين فى ذلك وهم علية الصحابة الذين بنيت دعوة الإسلام عليهم، وكانوا الدعامة الأولى فى قواعد البلاغ المحمدى.
فاصدع بما تؤمر
٢٢١- نزل فى تدرج الدعوة قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ.
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ «١» فكانت هذه الايات الكريمة دعوة إلى أن تبلغ الدعوة أقصى مراتبها، وأبعد تكليفاتها أثرا فى التكليف، وتأثيرا فى النفوس.
ومن كتاب السيرة من يرى أن التكليف الكامل بدعوة الناس أجمعين قد ابتدأ من نزول قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ومن هؤلاء ابن كثير، فقد قال فى نزول هذه الايات الكريمات ما نصه، بعنوان «أمر الله ورسوله ﵊ بإبلاغ الرسالة.) قال الله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا
стр. 298
تَعْمَلُونَ. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ. وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ «١» وقال تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ «٢» أى أن الذى فرض عليك، وأوجب عليك تبليغ القران لرادك إلى دار الاخرة ليسألك عن ذلك، كما قال تعالى:
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ «٣» والايات والأحاديث فى هذا كثيرة جدا «٤» .
ونرى من هذا التقرير أن الإمام الحافظ ابن كثير لا يرى أن ثمة تدرجا فى الدعوة، وأنه من وقت أن أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإنذار عشيرته الأقربين كانت الدعوة عامة، وأن الاقتصار فى الاية على ذكر العشيرة الأقربين لا يفيد قصر الدعوة فى هذه الاية عليهم، بل يفيد الابتداء بهم، أو مواجهتهم، مع مخاطبة غيرهم، ولا يفيد قصر الدعوة عليهم، لأن الرسالة المحمدية يخاطب بها الأحمر والأبيض والأسود والعبيد والأحرار.
ونحن نوافق على عموم الرسالة المحمدية، وأنها ليست بمقصورة على قرابة قريبة أو بعيدة، ولكن هذا تدرج فى الدعوة والخطاب، وأن ذلك يتضمن دعوة غيره من المكلفين، بلا فرق بين قريب وبعيد، فالجميع مكلفون بالاستجابة من غير تفريق، ونحسب أن قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الخطاب فيها مقصور على العشيرة، ولذلك لم يدع محمد ﵊ إلى الاجتماع بهم الذى كان فى الصفا غيرهم، وليس من المعقول أن يكلف العامة بخطاب طائفة من الخاصة، بل لابد من توجيه الخطاب إليه، فجاء فى قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ. وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إلى اخر الايات.
ويزكى هذا ما جاء عن ابن إسحاق، فقد جاء ما نصه: ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ثلاث سنين من البعثة أن يصدع بما أمر، وأن يصبر على أذى المشركين، وكان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا فى الشعاب، واستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبى وقاص فى نفر يصلون فى شعاب مكة المكرمة، إذ ظهر عليهم بعض المشركين، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه، فكان أول دم أريق فى الإسلام «٥» .
وقد قال ابن إسحاق فى موضع قبل هذا:
стр. 299
دخل الناس فى الإسلام أرسالا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة المكرمة، وتحدث به، ثم إن الله أمر رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يصدع بما جاء به، وأن يبادى الناس بأمره، وكانت المدة بين ما أخفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واستتر بها إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه- ثلاث سنين فيما بلغنى من مبعثه، ثم قال تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
ومن ذلك نستطيع أن نقول إن الدعوة المحمدية في مدة ثلاث السنين تدرجات في ثلاث مراحل، أشار إليها من قبل الإمام ابن القيم في زاد المعاد إذ ابتدأت الدعوة من النبي ﵊، ومن بيت النبوة سرت إلى من يتصل بهم من أصدقاء وخلان، فكان من النبي ﵊ إلي صديقه الأول أبي بكر عتيق بن أبي قحافة، ومن عتيق سرت إلى أصدقائه كعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله، ومن بيت النبوة سرت إلى صفية والزبير، وغيرهم من عشيرة النبي ﵊ وأقربائه الأدنين، وهذه هي مرتبة الدعوة الأولي التي أشار إليها ابن القيم فى ترتيب مراتب الدعوة.
ثم كانت المرتبة الثالثة من بعد ذلك، وهي مرتبة الدعوة العامة في قريش ومجابهتهم بدعوة الحق، من غير أن تكون مقصورة علي بيت النبوة، أو علي أقرباء النبي ﵊.
وهي في كل مرتبة لا تقف عند الحدود التي ابتدأت فيها، بل تسرى إلي غيرها، سريان النور إلي الظلام، وفى مرتبة العشيرة الأقربين خرجت إلى قريش كلها، فما كان يدعو عشيرته من ال عبد المطلب وبنى هاشم فى كن مستور من الأرض، بل كان يدعوهم جهرة فى غير مواربة.
وقد يسأل سائل، ما الدليل الذى كان يسوقه النبى فى هذه الدعوة، فقد كان الذى نزل من القران الكريم قليلا، وتوالى نزوله بعد ذلك، ولم يذكر أن أحدا جادل حول القران الكريم، أو طلب دليلا واستدل به، فما الذى كان يهداهم إلى الاتباع من غير أن يعرفوا دليلا قدم، وبرهانا أقيم.
والجواب عن ذلك أن الاستجابة كانت للحق فى ذاته، ولما عرف من تاريخ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذ كان الصادق الذى لم يعرف كذبه قط، والأمين الذى لم يقترن عمل له بريبة قط، والصفى فى نفسه، والمحبوب لمكارمه، والعاقل الذى لم يعرف فيه انحراف فكرى، بل هو المدرك المستقيم الإدراك فى كل معاملاته، وكل ما اتصل به من أعمال.
стр. 300
ثم كان هذا القران الكريم الذى ابتدأ يتلوه عليهم ببيانه الذى فاق كل بيان، وعلا عن أن يتسامى إليه أى إنسان، وإن إشراق نفوس هؤلاء، وحيرتهم فى الأوثان، إذ يرون الأوثان تفقد قوتها فى نفوسهم، وتنهار مكانتها فى قلوبهم، وبقايا الأديان السماوية تتورد على عقولهم، وبعض سنن إبراهيم وماثره يزاولونها فى حجهم، وبنسبته إليهم يعتزون ويفاخرون ولم تسبق إلى نفوسهم نزعة حسد، أو حقد، أو منافسة مقيتة، مما عوق غيرهم.
كانت نفوس الذين اتبعوا الرسول والذين آمنوا معه نفوسا صافية، وما علاها من غبار الوثنية زال وشيكا، فكان الحق واحده هو الذى لمع نوره وجذبه إليهم، فوق ما كان مع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من بينات.
[أقسام القلوب]
ولقد قسم الباحثون فى أخلاق الناس القلوب عند تلقى الحق، إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: القريب إلى الهداية
هو من يقتنع بالحق بمجرد بيانه، فبيانه واحده يهداهم إلى سواء الصراط، ولا يحتاجون إلى دليل غير سراج الحق المزهر، وأولئك هم الذين ينظرون إلى الحق، وقد خلت قلوبهم من هوى اللذات والشهوات، فأشرقت بالحكمة وصفت، فدخل نور الهدى فنطقوا به، وعملوا به، وساروا على منهاجه، وأولئك لا يطالبون حامل الحق الداعى إليه ببرهان يقدمه، فالحق واحده يحمل فى نفسه دليل صدقه، إذ اشرأبت إليه النفوس، ومن هذا القسم أولئك الذين اتبعوا محمدا ﷺ فى أول الدعوة.
القسم الثانى: قوم امتلأت عقولهم بمعلومات سابقة
، أو اختلطت فى نفوسهم نوازع الحق، ونوازع الباطل، وفيهم إدراك يميزون به بين الحق والباطل، وأولئك يحتاجون إلى دليل، لينفوا به خبث الفكر الذى خالط قلوبهم، وأثر فى نفوسهم، فالبرهان يعينهم، وينير السبيل لهم، وذات الحق لا يكفى بيانه لكى يستولى عليهم، ويسيرهم إلى الهدي، فلابد من دليل يرجح نوازع الهداية على غيره.
والقسم الثالث قسم غلبت عليه الضلالة
، وغلبت عليه شقوته، فلا يتبع الحق لذات الحق، ولا يزهر فى قلبه، وليس له بصيرة مخلصة فى طلب الحق، وفى الوقت ذاته قد طمس على بصيرته، فختم على قلبه، وكان على إدراكه غشاوة، وهؤلاء هم المعاندون المكابرون الذين جعلهم الله أعداء للحق، وهؤلاء يكون موقفهم معاداة أصحابه، وموقف أصحابه مدافعته، فلا تكون العلاقة إلا ممانعة، يمنعون الحق من أن ينتشر، ويمانعهم هؤلاء ليدفعوا الأذى، ولذلك لا يكون بينهم إلا السيف.
ولقد قال الغزالى إن قوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ «١» .
стр. 301
وكان المؤمنون الأولون خديجة وأبو بكر وعلى وزيد، وعثمان والزبير ومن معهم من السابقين الأولين من الصنف الأول، ثم جاء من بعدهم، من خاطبهم القران الكريم بالإعجاز وتحداهم، فمنهم من اهتدى وأبصر، ومنهم من ضل وغوى، فكان المعتدى الأثيم. وكان الجهاد، فكانوا أهل السبق، وما كان لصاحب دعوة خالدة أن يترك الشر يسيطر، والحق يستخذى.
استجابة محمد ﷺ لأمر ربه
٢٢٢- استجاب محمد ﷺ لأمر ربه، وبعد أن كان يدعو من يدعوه فى مناجاة، ثم اقتصرت الدعوة العلنية على عشيرته الأقربين، بعدئذ أخذ يدعو كل من يلقاه، وأخذ يغشى الأسواق التى حول مكة المكرمة يدعو إلى دينه، وتبليغ رسالة ربه، غير مدخر جهدا فى الدعوة إلى الحق والواحدانية بعبادة الله تعالى واحده، لا شريك له، ويقول فى ذلك ابن كثير:
«المقصود أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عن ذلك صاد، يتبع الناس فى أنديتهم، ومجامعهم ومحافلهم، وفى المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من حر وعبد، وضعيف وقوى، وغنى وفقير، جميع الخلق فى ذلك شرع سواء، وتسلط عليه وعلى من اتبعه من احاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء» «١» .
وكان أشدهم إغلاظا عليه عمه عبد العزى (أبو لهب) ، وثانيهم عمرو بن هشام الذى لقبه التاريخ الإسلامى بحق بلقب أبى جهل، أما الأول فلم يكن منه أذى بدنى أو قولى للنبى ﵊، ولكن مبالغة فى مقاومة دعوته، ولا يكتفى بالقعود عن حمايته، وأما ثانيهما فقد كان فاجرا فكانت معاندته للنبى ﵊ فجورا في القول والعمل، وللضعفاء إعناتا وبغيا، وسنخصه بالقول في حركة الاضطهاد، والبواعث التى دفعته إلى هذا الموقف الذى جره إلى ذلك البغى المرذول الذى لا يقع من كريم.
وأبو لهب كان موقفه موقف محاربة الدعوة، فكان يتبع محمدا ﵊ فى التقائه بالقبائل العربية فى موسم الحج، فكلما ذهب إلى محفل أو ندى يدعو فيه ناكره، ودعا السامعين إلى ألا يستجيبوا.
стр. 302
وروى الإمام أحمد عن أبى الزناد عن أبيه، قال: أخبر رجل يقال له ربيعة بن عباد قال: «رأيت رسول الله ﷺ فى سوق ذى المجاز، وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه يقول: إنه صابيء كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فقالوا: هذا عمه أبو لهب.
وروى البيهقى مثل ذلك مع بعض الزيادة عن ربيعة هذا الذى ذكرناه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذى المجاز وهو يتبع الناس فى منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه، وهو يقول: «أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين ابائكم، قلت: من هذا؟
قيل: أبو لهب عمه» .
ونرى من هذا أن أبا لهب قبل أن يكون هو المثبط، ولعله اختار ذلك لنفسه أو اختاره المعارضون للدعوة المحمدية، فيكون أدعى إلى تصديقه، إذ هو قريبه القريب فمع أنه أقرب رحما كذبه، فهذا ترشيح لصدقه ﵊. وأنساه الحقد والضلال أن الحق ذاته له نور ساطع، لا يحاجز دونه هذا وأشباهه، ولكنه الأفن يتولد من ضيق العطن، وغلبة الهوى، وسيطرة المارب المادية.
ومهما يكن فقد حمل محمد ﵊ عبء الجهاد من حين نزل قوله تعالى:
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «١» وتقدم بمن هداهم الله تعالى به من صحب كرام اشتروا الهدى بالضلال، والحق بالباطل، واشترى منهم أنفسهم، فكانوا السابقين، ولنشر بكلمة إلى من سبقوا، وإن كانوا عددا قليلا.
стр. 303
السابقون السابقون
٢٣٠- أشرنا إلى سبق الأربعة الكرام خديجة أم المؤمنين، سكن الرسول التى جعلت بيته روضة الاطمئنان، ويسكن إليها بعد معاناة عداوة الأعداء، والمناضلة فى سبيل الله تعالى،. فيجد المواساة، ويجد القلب الحبيب الودود، وما أكرم الوداد، إذ يذهب ببرحاء العداء، ويجعل الروح والريحان بعد ملاقاة الكذب والبهتان.
ثم ذكرنا أبا بكر الصديق الولى الوفى، والصديق الذى خلص قلبه لله تعالى، وإذا كان إبراهيم أبو الأنبياء خليل الله، فالصديق كبير المصادقين خليل محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد أشرنا إلى أنه ما عتم أن أسلم، بل إنه سعى إلى الإيمان بمحمد ﵊ عندما علم من حكيم بن حزام بأمر ما جرى بين النبى ﵊ وورقة بن نوفل وزوجه خديجة من مذاكرة فى أمر الرسالة المحمدية.
وذكرنا إسلام على بن أبى طالب الذى صدق ابن عمه بعد تفكير وهو ابن عشر سنين، وكان قد هم باستشارة أبيه، ولكنه فكر وقدر واحده، فعاد إلى ابن عمه يعلمه بإيمانه، فكان المؤمن باقتناع مع الصغر وغضاضة الإهاب.
وذكرنا إيمان زيد بن حارثة الذى اثر جوار محمد ﵊ قبل أن يبعث على أن يعود إلى أبيه وأمه حرا، فاختار الرق مع محمد بن عبد الله ﷺ على الحرية مع أبويه، فجعله محمد ﷺ الكريم ابنا له وحرا، فكان وارثا ومورثا.
ثم إن إسلام أبى بكر جعل بعض أصدقائه ومن يألفونه يستأنسون بالإسلام، فقد كان ألوفا محبوبا.
قال فيه محمد بن إسحاق: «كان أبو بكر مألفا لقومه، محبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق معروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه فيما بلغنى الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنهم أجمعين» «١» .
وقد قدم هؤلاء للنبى ﷺ ، وأخذ أبو بكر يبث الدعوة لأصدقائه وخلانه، وعارفيه، ثم ذهب بطائفة أخرى إلى النبى ﵊ منهم عثمان بن مظعون، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبى الأرقم.
стр. 304
أخذ العدد ينمو بفضل الله، وإخلاص صفوة مختارة ممن صفت نفوسهم، واستقامت قلوبهم حتى بلغ العدد ثمانية وثلاثين، ومنهم نساء دخل الإسلام قلوبهن، ومنهم أم جميل أخت عمر بن الخطاب، وزوجها زيد بن نفيل كان من السابقين الأولين.
وقد أراد أبو بكر أن يخرج المسلمون مجاهدين بالدعوة إلى الإسلام قبل أن يتكاثر الجمع، ولكن محمدا ﵊ صاحب الدعوة والتبليغ رأى التريث، حتى يكون الجمع أوفر وأكثر عددا، لأنه مع العدد عزة الكثرة النسبية، وإن كانوا فى الحقيقة عددا قليلا، ولكن الصديق مازال بمحمد ﵊ حتى قبل أن يخرجوا من الاستخفاء إلى الإعلان، ويظهر أن الدعوة قد أعلنت بإنذار العشيرة الأقربين، وتذاكر الناس أمرها، ولكن يندر فيهم من يتقبلها، ويكثر فيهم من يعارضها، ومنهم من لم يعرف لهم موافقة ولا مناوأة.
ومهما يكن فقد خرج أبو بكر، ومحمد ﵊ قام بعمل جليل قبل ذلك الخروج، فقد انبعث كل رجل إلى عشيرته يدعو إلى الإسلام فيها، وخرج محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه أبو بكر إلى المسجد الحرام، ثم قام أبو بكر خطيبا، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالس. وقال ابن كثير فى روايته ما نصه: كان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله (أى بعد النبى ﷺ ، وثار المشركون على أبى بكر وعلى المسلمين فضربوه فى نواحى المسجد ضربا شديدا، ووطيء أبو بكر، وضرب ضربا شديدا «١» .
بعد ذلك، وخصوصا بعد إعلان الإسلام فى مخاطبة بنى هاشم، وبنى عبد المطلب عند الصفا، أخذ الإسلام ينتشر انتشار الضوء فى الظلام، فأسلم بنو مظعون من أولاد كعب بن لؤى، وأسلم عبيدة بن الحارث بن المطلب وسعيد بن زيد بن نوفل، وامرأته فاطمة، أخت عمر بن الخطاب، وعمير بن أبى وقاص، وعبد الله بن مسعود الهذلى، وأسماء بنت أبى بكر- وهكذا غيرهم من أهل مكة الأحرار، وإن لم يكونوا ذوى مال وذوى رياسة.
ومن الضعفاء، وقد كانوا أسبق إلى الإسلام عامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق، وهو مولى لأسد اشتراه أبو بكر رضى الله عنه.
ومنهم صهيب بن سنان، ويقال أنه مولى عبد الله بن جدعان، ويقال أنه رومى، ونسب إلى الروم، لأنه كان أسيرا فى أرض الروم.
стр. 305
ومنهم بلال الحبشي، وكان مولى لبعض المشركين عذبوه، حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه.
ومنهم ياسر وعمار ابنه، وأمه، وقد كان ياسر من عرب قحطان من مذحج، وعمار ابنه كان مولى لبنى مخزوم، لأن أمه سمية كانت مولاة لهم، فولدته على الرق، والمولود على الرق يتبع أمه فى رقها، ولا يتبع أباه فى حريته، وكذلك كان نظام الرومان فى الرق الذى سرى إلى العرب.
ومنهم خباب بن الأرت، وغيره من الضعفاء الذين سارعوا إلى الإسلام وقد سارعوا إلى خير الدنيا وخير الاخرة، وإذا كانوا قد أوذوا ابتداء، فقد نالوا الخير انتهاء، وكما قال الله تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ «١» .
وقد دخل الإسلام بيوتا كثيرة فما من بيت إلا علم بأمر دعوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وإذا كان العدد قليلا فى ذاته، فإنه ما خلا بيت من بيوت مكة المكرمة من مسلم، أو من قلب مال إليه، وأحس أهل الشرك بأن دولة الأوثان تؤتى من قواعدها، وأن الأحجار أخذت تفقد سيطرتها. ومن استمر متمسكا فعن أرب يريده باسمها، لا عن إيمان بها، فإنه كان يكفى أن يدعو محمد ﷺ إلى الحى القيوم الذى لا شريك له، حتى تزايلت الأوثان عن مكانتها، وما هو إلا تفكير يسير حتى زالت الأوهام، وصارت أحجارا لا تتجاوز أنها أحجار، ومن تمسك بها فهو غير مؤمن أو سادر فى غلواثه.
الاسلام يخرج إلى القبائل:
٢٢٤- من وقت أن أمر الله نبيه بأن يصدع بأمر به، وقد أخذ يلتقى بالجموع، فيغشى الأسواق داعيا، ويدخل النوادى صادعا بأمر ربه، ويقف فى مناسك الحج داعيا القبائل عندما يجد سميعا، والاحاد يذاكرهم، يسألونه فيجيبهم بما يوحى به الله تعالى فى سماحة صاحب الدعوة، وبإشراق نور النبوة حتى أصبح حديث القبائل التى تفد إلى بيت الله تعالى حجيجا أو معتمرين، أو تجارا مضاربين، ووجد من القبائل من صغت أفئدتهم إلى الإسلام، يستمعون دعوته، ويؤمنون بواحدانيته، ولعل من أدلة وصول الدعوة إلى القبائل إسلام أبى ذر الغفارى، وإسلام ضماد من أزد شنوءة.
روى البيهقى فى إسلام أبى ذر الغفارى أنه قال (أى أبو ذر) : أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلت: السلام عليك يا رسول الله أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فرأيت الاستبشار فى وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 306
ويظهر أن ذلك نتيجة لوقائع سابقة من مقتضاها أن خبر الإسلام سرى إلى بنى غفار، وأن دعوة النبى ﵊ قومه قد وصلت إليهم فبعثت أبا ذر على البحث عنها، حتى عرف صدق النبى ﵊ قبل أن يجيء إليه.
وروى البخارى بإسناده عن ابن عباس قال: «لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لأخيه اركب إلى هذا الوادى فاعلم لى علم هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله، ثم ائتنى، فانطلق الاخر حتى قدمه وسمع من كلامه، ثم رجع إلى أبى ذر، فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتنى، فأتى المسجد، والتمس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع، فراه على بن أبى طالب فعرف أنه غريب، فدعاه إلى ضيافته، فتبعه، ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبى حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به على فقال: أما ان للرجل أن يعلم منزله. فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث، فعاد على مثل ذلك فأقام معه، فقال: ألا تحدثنى بالذى أقدمك، قال إن أعطيتنى عهدا وميثاقا لترشدنى قلت، فأخبره ... قال: فإنه حق، وإنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإذا أصبحت فاتبعنى، فإنى إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنى أريق الماء، وإن مضيت فاتبعنى، حتى تدخل مدخلى، ففعل فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ودخل معه، وسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمرى» فقال: والذى بعثك بالحق لأصرحن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى فنادى بأعلى صوته: أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فضربوه، حتى أضجعوه «١» .
فأتى العباس، فأكب عليه، فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنها طريق تجارتكم إلى الشام، فأنقذه منهم ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه، وأثاروا عليه فأكب العباس ثانيا.
ومن هذا نرى أن الإسلام قد أخذ يذيع نبؤه خارج مكة المكرمة، ويقول الرواة إن غفار أسلمت تابعة أبا ذر، ولم يكن أمر الإسلام ليصل فقط إلى من هم على مقربة من مكة المكرمة، بل وصل خبره إلى أزد شنوءة فأسلم رجل منهم اسمه ضماد كما أشرنا.
стр. 307
وضماد هذا كان رجلا يقول للعرب أنه يرقى من به مس من جنون أو سحر، فيشفى، فأراد سفهاء مكة المكرمة، أن يحسنوا النكاية بمحمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فجاء سفهاء من مكة المكرمة، ودعوه ليعرضوا عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقالوا له إنه مجنون.
جاء ضماد فقال: أين هذا الرجل الذى تقولون عنه إنه مجنون لعل الله تعالى أن يشفيه على يدى.
لقى محمدا ﷺ فقال: له إنى أرقى من هذه الرياح، وإن الله يشفى على يدى من شاء فهلم إلى.
فقال محمد ﷺ : «إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له» ثلاث مرات.
قال ضماد متأثرا وقد فتح الله قلبه للإيمان «والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلم يدك أبايعك على الإسلام» فبايعه على الإسلام، ويروى أنه عندما سمع كلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال له «أعد علىّ كلماتك هؤلاء فقد بلغن السحر» .
تلك كانت أحوال من يدخلون فى الإسلام، كانوا فرادى ولم يكونوا جماعات إلا ما قيل عن بنى غفار، وكانوا قليلا ولكنهم كانوا يزيدون ولا ينقصون، وكانوا من بيوت مختلفة، وشعب متفرقة، وتجاوزوا حجزات مكة المكرمة. فماذا تصنع قريش؟
المناوأة
٢٢٥- توقع ورقة بن نوفل معركة تقوم بين محمد بن عبد الله ﷺ وقومه بسبب ما أوحى الله تعالى إليه والقيام بأداء الرسالة التى كلفه ربه أن يقوم بها، لأنه ما من أحد جاء قومه بمثل ما جاء به إلا عودى، وقد كان محمد ﷺ كريما عند قومه، حبيبا إليهم يألفونه، ويثقون به الثقة المطلقة، حتى خاطبهم بما اتاه الله تعالى، فانقلب أكثر من بمكة المكرمة مخالفين، ثم مناوئين لدعوته، مستنكرين لها ابتداء، ومقاومين ومعادين، ومضطهدين فى الجملة لمن اتبعوه.
وذلك لأنهم فوجئوا بهذه الدعوة إلى الحق، ولم يكونوا متوقعين لها، ومن محمد بن عبد الله ﵊، والمفاجأة بتغيير أمر مألوف تولد الإنكار ما لم يكن ثمة أمر متوقع يقع.
وإن أمر رسول الله يجئ فى بنى إبراهيم وكان ذكره خارج مكة المكرمة، ولم يكن يتردد كثيرا بين أهلها، وأهلها قوم ماديون، لا يعنيهم إلا أمر التجارة، وأمر الحج، ولعل الحج لا يعنيهم إلا لما يعلون به من
стр. 308
شرف بين العرب، واستعلاء عليهم، وشعور بأن العرب لهم تبع، وهم السادة فى بلاد تصعب السيادة فيها، وبين أقوام لا يعترفون برياسة إلا ما يكون من قبل ذلك البيت المعظم، الذى كرمه الله تعالى، وجعله حرما امنا تجبى إليه ثمرات كل شيء.
ولا يهمهم من جوار البيت إلا ذلك الشرف الذى يكتسبونه من الجوار وأنه محل تجارة العرب، كما هو محل نسكهم، وأمنهم، إذ الناس فى خوف وتقاتل، فكانوا بالإقامة فى البيت امنين من ناحية المال إذ هو سبيل تجارتهم، وهو مأمنهم، كما قال الله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ. رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «١» .
وإذا كانت المفاجأة التى لم يكونوا متوقعين لها قد دفعتهم إلى المبادرة بالإنكار، فقد ساروا فى طريقه، وانتقلوا من الإنكار إلى الاستنكار، وهو مرتبة أعلى من الإنكار المجرد،، لأن الإنكار المجرد أمر سلبى، قد يجيء من بعده الإيمان إذا جاء الدليل، أما الاستنكار فهو عمل إيجابى معناه أنه ينكر الحق، ويستنكر الدعوة إليه، ثم اندفعوا من بعد الاستنكار إلى المناوأة، وكل ذلك من المفاجأة، وقد تدفع المناوأة إلى الجحود، ويدفع الجحود إلى الكفر ثم الايذاء.
٢٢٦- والدعوة المحمدية التى فوجئوا بها هى تغيير لما هم عليه، ألفوا عبادة الأوثان من غير إيمان قوى بها، ولكن كانت عباراتهم تتلوى بتقديسها يتوهمون فيها أوهاما، وبسيطرة هذه الأوهام يشركونها فى عبادة الله تعالى، وهم يعلمون أن الله تعالى خالق السماوات والأرض.
والذين يميلون إلى المال، ومجرد الاستعلاء بين الناس لا يحبون التغيير بل يحبون الحياة الرتيبة السهلة التى لا تبديل فيها، ولا انقلاب ولا تقلب فى المذاهب والأفكار، وليس فيهم شاغل بهذا، ولذلك كان جوابهم عندما يدعوهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ «٢» ، ويحكى عنهم فيقول تعالت كلماته: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ «٣» .
ألفوا الشرك، ولم يألفوا التوحيد، ولو كان الحق ساطعا، والبرهان قائما، واستمسكوا بالأصنام، وهم لا يؤمنون بها، يحطمونها ويعبدونها، ويغيرون حجرا بحجر،. وإن كانت الأسماء لا تتغير، ولكنهم لا يتركونها إلى غير ما يألفون، ولقد توقعوا ما عرفوا من أخلاق محمد بن عبد الله ﵊،
стр. 309
ومن معاملاته أنه سيدعوهم إلى تحريم الخمر، وهم يعاقرونها، لأنه لم يذقها فى الجاهلية، وقد جاء القران الكريم بأنها ليست رزقا حسنا وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً «١» فجعل الرزق الحسن مقابلا للسكر، فكانت إشارة إلى قبحه، والربا كان جزا من تجارتهم، وعلموا من تجارة محمد ﷺ أنه لا يزاوله ولا يرتضيه، والقران الكريم يتلى بينهم بالإشارة إلى تحريمه، إذ يقول سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ، وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ «٢» .
فدل هذا بصريح العبارة أن هذا الدين الجديد الذى جاء به محمد ﵊ عليهم سيزعج الربويين الذين يستغلون أموالهم بالربا، يدفعونه دينا ويأكلون من ثمرات تجارة غيرهم ربا، وكان فيهم كبراء أثروا من هذا الباب، وحسبوه كالبيع، وقالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا «٣» .
وهكذا حسبوا أن ذلك الدين سيقلب عامة أمورهم، فعاجلوه بالإنكار، ولقد صور هذا الحال جعفر بن أبى طالب فى حديثه مع النجاشى، وإليك القصة كما جاءت فى الصحاح فى المجاوبة بين مهاجرة الحبشة، ولسانهم الناطق جعفر.
قال النجاشى:
«ما دينكم؟ أنصارى أنتم؟ قالوا: لا. قال: أفيهود أنتم؟ قالوا: لا، قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا، قال: فما دينكم، قالوا الإسلام. قال. فما الإسلام؟ قالوا: نعبد الله لا نشرك به شيئا. قال. من جاءكم بهذا؟ قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله تعالى إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدق والوفاء وأداء الأمانة، ونهانا أن نعبد الأوثان، وأمرنا بعبادة الله تعالى واحده لا شريك له، فصدقناه وعرفنا كلام الله تعالى، وعلمنا أن الذى جاء به هو من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وعادوا النبى الصادق وكذبوه، وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادات الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا» .
هذا الكلام يصور بعض التصوير التغيير الذى رأوه فى عاداتهم، فتجردوا لمناوأته، وأخذ الطريق عليه إن استطاعوا.
ومما دفع إلى مبادرتهم بالإنكار غرابة الأمر فى ذاته عليهم، ما كانوا يؤمنون بأن هناك يوما اخر يحاسب فيه المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته، وأنها للجنة أبدا أو للنار أبدا، ولقد أكد ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما وقف لينذر قومه بعد أن أمره ربه، فقد جاء فى تلك الخطبة تأكيد لليوم
стр. 310
الاخر، لأنه ﵊ يعلم أنهم عنه غافلون «والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالشر شرا، وإنها للجنة أبدا أو للنار أبدا، وإنكم لأول من أنذر بين يدى عذاب شديد» .
إن المشركين من العرب كانوا قوما ماديين لا يؤمنون إلا بالحس، يعرفون الله، ولكن يصورون حجارة ليعبدوها فلا يعبدونه سبحانه، وهو غيب عنهم، فكان كل هذا غريبا، ومن يستغرب من غير دليل، ينكر، ثم يستنكر من غير دليل أيضا، ولقد حكى الله تعالى عنهم فى إنكار اليوم الاخر وما يكون:
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ، أَإِذا كُنَّا تُراباً، أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ «١» .
ويقول فى استغرابهم الخلق من جديد: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ «٢» .
ولجهلهم بالنبوات أثار عجبهم، والغرابة فى نفوسهم أن جاءهم بالرسالة عن الله تعالى رجل منهم يدعو إلى الله سبحانه، ولو كانوا يعلمون أن الرسول لا يكون إلا رجلا يمشى بين الناس ما ثار عجبهم لكونه رجلا، ولقد قال قائلهم فى الدعوة إلى التمسك بالحجارة: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ. ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ، إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ. أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي، بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ «٣» ، وهكذا كانت من أسباب غرابتهم بشرية الرسول، لأنهم أميون لم يعرفوا الرسالة، ولم يدركوها من قبل.
ولقد قال الله تعالى عنهم: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ، لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً. أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها، وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً «٤» .
فجهلهم بالنبوات والرسلات، وعدم وجود أنبياء بينهم علموا منهم رسالات الله تعالى إلى خلقه، وأن الرسل قوم من البشر، جعلهم يستغربون أن يكون الرسول بشرا سويا يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، وإذا كان الأمر غريبا عليهم، فقد كان حقا عليهم أن يتعرفوا الحقائق لتزول الغرابة عنهم، ويستأنسوا بنور النبوة، ولكنهم عاندوا فلج بهم العناد، فكان منهم الجحود والكفران.
стр. 311
٢٢٧- وإن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بهذه الدعوة التى تسوى بين الغنى والفقير، وتوجب حقا للفقير فى مال الغنى- قد مس كبرياءهم وهز مراكزهم هزا عنيفا، وأحسوا بالأرض تميد من تحتهم إذ أن ذوى الأنساب منهم يستعلون بأنسابهم، ويحسبون أنهم الأشراف واحدهم، والناس دونهم، وهم الأعلون وغيرهم الأدنى، فكان لابد أن يقاوموا ذلك الداعى الجديد الذى يقول بلسان المقال وبلسان الفعال «لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، وأن الجنة لمن أطاع، ولو كان عبدا حبشيا، والنار لمن عصى، ولو كان شريفا قرشيا» فهو يأخذ بنواصى الأقوياء ليضعها بجوار رؤس الضعفاء، وقد لمحوا ذلك فى أتباعه، فقد رأوا أبا بكر نسابة العرب ومألف قريش، يكون بجوار بلال وعبيد أبى بكر نفسه، لا يفرق بينهما إلا فضل الإيمان، فهو مقياس الشرف والضعف، والإكبار والإصغار.
بلا شك هذه مباديء اجتماعية لا يقبلها شرفاء مكة ورؤساؤها، ومحمد ﵊ لابد منفذها، لأنه كان ينفذها قبل أن يكون نبيا رسولا، فكيف لا ينفذها، وقد نزل الوحى عليه، وجعلها هو نظاما واجب الاتباع، من لم ينفذه إن لم يعاقب اليوم فالنار الموقدة تلقاه يوم القيامة، ويلقى به فى السعير.
وقد قوى هذا أن الضعفاء أقبلوا على ما يدعو إليه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم غير نافرين منه، بل كانوا مستجيبين أشد الاستجابة، وابتدأ الأقوياء الذين دخلوا فى الإسلام يعاملون الرقيق، كما يعاملون الأحرار.
إذن لابد من مقاومة ذلك التيار الذى جاء مع الدعوة، ولا يتركونه حتى ينمو، ويستغلظ ويستوى على سوقه، ويكون قوة تقوض ما تحت أيدى قريش من شرف وهمى، وسلطان استمدوه من ذلك الشرف الواهن فى بنيانه.
ثم إنهم كانوا الرؤساء الأعلون، ولهم شبه سلطان، وإنه إذا ذاع دين محمد ﵊، وصار السلطان للحق واحده، وحكمت المساواة، وذهبت المنازعات القبلية، فمحمد ذو السلطان، ويسلب كل ما لهم من سلطان، وما بنوه من مجد طريف وتالد ينهدم بين أيديهم، لأنهم يبنون سلطانهم على أنهم ذرية إسماعيل وضئضيء إبراهيم وها هو ذا يدعوا إلى ديانة إبراهيم، ويقول فى غير عوجاء ولا لو جاء، هذه ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين، فأنى يكون لهم من بعد ذلك، لابد إذن من اقتلاع دعوة محمد ﵊ من جذورها، والقضاء عليها فى مهدها.
ثم إن بعض الكبراء منهم كانوا ينفسون على محمد بن عبد الله ﵊، ويتسائلون لماذا كانت له تلك المنزلة علينا، ونحن أولى بها منه.
وقد ذكر ذلك الوليد بن المغيرة، وادعى أنه أولى بالنبوة وأنه أكثر مالا وأعز نفرا، ومثل ذلك عروة ابن مسعود الثقفى، ونزل فيهما قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ
стр. 312
الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ. وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ «١» .
٢٢٨- وفوق ما ذكرنا كله- العصبية العربية الجاهلية التى كانت مستمكنة فى النفس العربية يتوارثونها جيلا بعد جيل، فالعرب تنفس على قريش مكانتها، وقريش تنفس على بنى قصى ما لهم من مكانة، وبنو قصى وغيرهم ينفسون على بنى عبد مناف، وبنو أمية ينفسون على بنى هاشم رياستهم للعرب، وكونهم فى المكانة العليا من سدانة البيت والقيام عليه، فهاشم ورث الرياسة من عبد مناف، وعبد المطلب أخذها عن هاشم، وأبو طالب ورثها عن عبد المطلب.
فالدعوة الإسلامية تعرضت لعداوة من عادوا قصيا، وتعرضت لمن عادوا عبد مناف، ثم تعرضت لمن كانوا أعداء لبنى هاشم، ومن كل هؤلاء تكونت المقاومة، ولعل أمثل صورة لهذه العداوات مجتمعة هو عمرو بن هشام الذى اشتهر فى الإسلام باسم أبى جهل، وهو به جدير. فقد كان فرعون هذه الأمة، وإن لم يكن فرعون فى مثل سفهه وحنقه ورعونته.
لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبا جهل فناداه بكنيته أبا الحكم قائلا له: «هلم إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى، فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب الهتنا، هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت، فنحن نشهد أنك قد بلغت، فو الله لو أنى أعلم أن ما تقوله حق لا تبعتك» .
مناقشة هادئة، كلها حكمة من محمد ﵊، إذ أنه يناديه بكنيته يا أبا الحكم، وهى عجرفة من جانب عمرو بن هشام (أبى جهل) فبينما النبى ﵊ يناديه بكنيته، لا يناديه بمثلها، بل يقول فى جفوة يا محمد.
وليس هذا هو المهم، إنما المهم أنه قال لمحدثه بعد انصراف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
«والله إنى لأعلم أن ما يقول حق، لكن يمنعنى شيء، إن بنى قصى قالوا: فينا الحجابة، فقلنا:
نعم، ثم قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة، فقلنا نعم، ثم قالوا: فينا اللواء، فقلنا نعم، ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب قالوا منا نبى، والله لا أقبل» «١» .
стр. 313
كانت قبائل قريش تأخذ على بنى قصى أنهم جمعوا فى أيديهم الحجابة للبيت الحرام، والقيام على شئونه، وذلك شرف ليس فوقه شرف، وسقاية الحجيج، وذلك يذيع ذكرهم ويعلن اسمهم، والندوة، وهى شورى العرب، فكانوا بذلك رؤساءهم، وهم الذين يحملون لواء قريش، وهذا كله إثارة للعرب عليهم، ثم انحدرت هذه المنافسة إلى معاداة الحق الذى يأتى به أولاد قصي، وبنو هاشم على رأسهم، وقد ورثوا عنه بعض ما أخذه من قريش.
وإذا كانت قريش كلها تنفس على بنى قصى ما أخذوا أو يحسدونهم فبنو عبد مناف كانوا من بينهم يختصون بالحقد عليهم لأنهم الذين ورثوا شرف قصى، وما كان معه، ولقد ظهر ذلك على لسان فرعون هذه الأمة أبى جهل.
لقد سمعوا القران الكريم سرا، وكانوا هم الأعداء الذين قد أصيبوا بلدد الخصومة، ثم تذاكروا بعد السماع وقد تأثروا، وقد قال أحدهم لأبى جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد، فقال حانقا: «ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا، حتى تحاذينا على الركب، وكنا كفرسى رهان، قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه «١» .
وإذا كان أبو جهل يمثل أعنف وأحمق معارضة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فهو فى معارضته أوضح صورة للعصبية الجاهلية، التى تضع على البصائر غشاوة، فتعمى عن الحق، ولا تدركه، بل تدركه، ولا تذعن له، وترضى بالرديء الوبيء عن الحق الصادق المريء.
نسوق هذه الأمور، لا لنبرر بها ذلك الموقف الجاهلى الذى وقفه أعداء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أو إن شئت فقل خصومه الذين حاربوه وأعنتوه فى الخصومة والمعاندة، ثم عادوه، وكانوا شياطين الإنس الذين ذكروا فى القران الكريم على أن الله تعالى يجعل لكل نبى يبعثه عدوا من شياطين الإنس، ليكتب الله تعالى له ثواب الجهاد والمصابرة..
ولكن سقناه لنعلل الوقائع بأقرب أسبابها، ولكى تزول كل غرابة فى معاداتهم للحق، وقد بدا وضحه، وليعرف الباحث البواعث الحقيقية لتلك اللجاجة فى العداوة التى ذهبت بهم إلى الإيذاء، وأسرفوا بها فى القول، وأثاروا نيران البغضاء، والواقع أن البغضاء للدين كانت مستكنة فى نفوسهم، واستيقظت بقوة دعوة محمد بن عبد الله ﵊.
стр. 314
وإن إسناد الأمور لأسبابها لا يعد تبريرا لها، ولكن يكون تبيانا للوقائع، وإن الأسباب فى ذاتها إثم، والإثم لا يولد إلا إثما، واللجاجة لا تولد إلا فجورا واثاما.
لقد يعجب الناس كيف يمارى أولئك وفيهم عقل فى الواحدانية، ويجادلون فى الله تعالى وهم يعلمونه، وهو شديد المحال، كيف يقف أمثال الوليد بن المغيرة وهو من أذكياء العرب، والنضر بن الحارث موقف المعارضة، وفيهم إدراك سليم، ولكن عميت عليهم الأمور بسبب ما ذكرنا فكانوا فى حيرة بين ماض ألفوه، وألفوا معه الدعة والمال والجاه والسيطرة، وحاضر قد أدركوه، ورأوا نور الحق الذى ساروا فيه، ولكن ما أن يبرق عليهم نوره ويمشوا فيه، حتى تكون غاشية المال، وغاشية الجاه، وغاشية الاستعلاء، وغاشية التعصب القبلى المردى.
ومنهم من كان يرد النور إلى قلبه رويدا رويدا، فكان فى وسط ذلك الأتون من العداوة نور يهدى إلى التى هى أحسن، والله عليم بذات الصدور.
تلقى الناس للدعوة
٢٢٩- تلقى الناس فى مكة المكرمة دعوة النبى ﵊ بعد أن أعلنها على الصفا، مخاطبا عشيرته الأقربين أولا، ثم مخاطبا العرب أجمعين ثانيا، حين صدع بأمر ربه، تلقوها مشدوهين لغرابة الجديد، فقسم صغى قلبه إليها، وأولئك السابقون الأولون الذين اصطفاهم الله تعالى لحمل دعوته، ومعاونة النبى ﵊ فى تبليغ رسالته، ونشرها فى الأرض ومجاوزتها الأقطار من بعده.
وكان من هؤلاء الضعفاء الذين حرموا السلطان ومتعة الحياة، ورأوا فى دعوة محمد ﷺ أملا مرجى فى الاخرة وإذ لم يكونوا فى حال مرضية البقاء، بل هى مرجوة الإنهاء، فأوجد فيها الإسلام الأمل فى إنهائها، فسارعوا إليها، وذاقوا العذاب فى سبيلها، فصبروا من غير انزعاج أو ارتداد، بل مضوا فى الطريق حاملين البؤس والبأساء، فى جلد وصبر وإيمان، وقد مكن الله تعالى لهم، ووفاهم صبرهم وإِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ «١» .
والقسم الثانى أعلن العداوة للنبى منذ ابتدائها، وشنوا غارة على الذين يؤمنون، وعلى رأس هؤلاء أبو لهب عم النبى ﵊، ومن هؤلاء من ذهبت غلواؤهم فى العداوة، ولجاجتهم فى الخصومة إلى إيذاء المؤمنين، وتعذيب الضعفاء من العبيد والفقراء، ومن لا حول لهم ولا طول من عشيرة تحميهم، وعزة من النفر يدافعون عنهم، وكثير ممن دخلوا فى الإسلام كانوا على ذلك النحو، إذ لم يجدوا جوارا من أحد يدفع عنهم الأذى وعلى رأس المؤذين أبو جهل.
стр. 315
والقسم الثالث وسط بين هؤلاء، فلم يعتنق الإسلام، ولم يكن من السابقين الأولين، بل وقف وقفة المنتظر، أو وقفة من رد الدعوة من غير معاداة، ولا مناوأة، وكان من هؤلاء أكثر بنى هاشم، وبعض بنى أمية، وبعض القرشيين، وكان فى كل عشيرة بعض من هؤلاء، كما كان فى كل عشيرة بعض ممن أسلم.
ومن هذا القسم من كان يشرح الله تعالى صدره للإسلام، فيدخل فى صفوف المسلمين مجاهدا صابرا، متحملا الأذى، وأقله السخرية والاستهزاء، فقد كان الإسلام ينمو من هؤلاء، بل إنه كان ينمو أيضا من المعذبين المؤذين، وحسبنا عمر بن الخطاب، كان من المؤذين، حتى هم فيما يقول الرواة بقتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن تداركته رحمة الله تعالى، فشرح الله تعالى صدره للإسلام، فكان له عزا، وكتب الله تعالى الحق على قلبه ولسانه.
أخذ النبى ﵊ يدعو، ولا ينى عن دعوته، ولا يلين ولا يخفف من دعوته الإعراض مهما يكن مقدار المعرضين ولا الأذى ينزل به وبكبراء صحابته، ولا الاضطهاد يشتد على ضعفاء أتباعه، ولكنه يأسى ويحزن على ما ينزل بهم ويواسيهم ويدعوهم إلى الصبر، ويصبر هو ليتأسوا به، ويعينهم بالمال إن احتاجوا، ويعينهم كبار الذين آمنوا على فك رقابهم.
وكلما ازداد عدد المؤمنين، ازداد الأذى وازدادت المعارضة، فإنه كلما قوى الحق ونما أهله، يئس المخالفون من أن يطفئوا نور الله تعالى الذى انبثق فى مكة المكرمة. ولكن بوادر اليأس كانت تزيده حجة ولجاجة فى الباطل، وكل يسير فى طريق التمسك بالباطل، ففريق الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا سوط عذاب يستمرون فى غيهم يعمهون، والذين ارتضوا المعارضة من غير إيذاء، والمقاومة من غير إعنات لمن جاؤا بالدين الجديد، ساروا فى طريقهم ومنهاجهم، يدعون النبى ﵊ لأن يكف عن دعوته، ويجادلونه، ويعرضون عليه ما يرونه مغريا بالإعراض عن دعوته، على حسب تفكيرهم، وعلى مقتضى ما يسول لهم شيطان المادة.
٢٣٠- ويذكر الأكثرون من الرواة أن النبى ﵊ كان يلقى منهم مسالمة، ودفاعا عن عقائدهم بالتى هى أحسن، أو عدم اهتمام بعضهم بمقاومته عندما كان يدعو من غير أن يذكر الهتهم بسوء، أو يسفه أحلامهم، وأحلام ابائهم، فلما أخذ يسب الهتهم، ويسفه أحلامهم، انتقلوا إلى مقاومة عنيفة، أخذت صورة الإيذاء من بعضهم والاستنكار المرير من بعض اخر، ثم تطورت الأمور إلى العداوة والإغراء بالبغضاء وقطع الأرحام الموصولة.
стр. 316
وفى الحق أننا لا نرى فارقا زمنيا، بل نجد أن دعوة التوحيد وتحريم عبادة الأوثان، والإشراك بالله ابتدأت منذ جاء ﵊، ومنذ أعلن عشيرته باستنكار عبادة الأصنام، فقال عقب الإنذار بالبراءة منهم إن عصوا، فقال الله تعالي: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ «١» .
وجاء مثل ذلك عند الأمر بالجهر بالدعوة، وإعلان قريش خاصة والعرب عامة، إذ قال الله تعالى:
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ «٢» .
وإذا كنا لا نجد فارقا زمنيا يحد ما بين الدعوتين، وإذا كانت الايات التى نزلت فى أول الدعوة بمكة المكرمة تتشابه فى معانيها من ناحية الأوثان مع الايات التى نزلت فى اخر مقامه ﵊ بمكة المكرمة. فإن من الحق علينا أن نقول إننا لا نجد تفريقا بين حال لم تذكر فيها أوثانهم بسوء وحال قد ذكرت فيها بسوء.
وإن الذى نجده أو نظنه ظنا أن مقاومتهم ابتدأت بحال دهشة مما فوجئوا به، وتساؤل فيما بينهم، ما شأن هذا الذى جاء به محمد ﵊ وهم بين من علم أن محمدا ﵊ دعا إلى هذه الدعوة، وبين متشكك فى نسبة القول إليه، وبينما هم يتسائلون كانت الدعوة تسرى فى الأوساط، وتجد لها من بينهم مصادقين ما بين سادة وعبيد، وأشراف وضعاف، فتنبهوا حينئذ للمقاومة، لأمر وجدوه جدا لا هزل فيه، وقويا لا ضعف يعتريه، وإذا كان الذين يتبعونه قليلا، فهم يزيدون وسيكونون كثيرا ولابد أن يأخذوا الأهبة لمدافعة هذا الواقع، وهو لا يزال نبتا، قبل أن يستغلظ سوقه.
٢٣١- وعلى ذلك نقرر أن المقاومة كانت تتزايد فى الشدة كلما تزايدت الدعوة عموما، وتكاثر المستجيبون لها، فهم كلما رأوها تنمو ولو قليلا يحسون بالخطر شديدا، وكلما أحسوا بالخطر ازدادوا لجاجة وعنفا، لأنهم يرون الخطر على سيادتهم، ونظمهم الاجتماعية، والأرض تنهار من تحتهم شيئا فشيئا، فتزداد المقاومة بصورها المختلفة، وكل يعمل على شاكلته، وعلى الطريقة التى يرضاها خلقه، ففريق بالايذاء، وفريق بالاستهزاء، وفريق بالشكوى لأبى طالب حاميه، ويتلاقى الجميع على أمر يكون متلاقيا مع كل طبائعهم ... هكذا.
стр. 317
وإن اعتراضهم أخذ ثلاث صور، الصورة الأولى محاولة حمل النبى ﵊ على ترك الدعوة التى يقوم بها، وينشر الإسلام عن طريقها ويحارب الوثنية بكل ضروبها.
الصورة الثانية- المجادلة ومحاولة إحراج النبى ﵊ بمطالب هى غير معقولة فى ذاتها، بقصد تعجيزه، وإظهار عجزه أمام الناس أجمعين عسى أن يكون فى ذلك صد الناس عنه.
الصورة الثالثة- الإيذاء فى صوره المختلفة، بالإيذاء الفعلى الاحادى للنبى ﵊ خاصة، وللذين يؤمنون من الناس، ولم يخلص منهم كبراؤهم، ووقع شديد على ضعفائهم، ثم كان من ذلك إيذاء جماعى، أنزل من قريش كلها على بنى هاشم كلهم وإخوانهم بنى المطلب، وقد تلقوا جميعا مقاطعة قريش لهم، ولم يقبل دنية الافتراق عن أسرته إلا أبو لهب، أما الباقون فتحملوه صابرين مشاركين معاونين، واستوى فى ذلك مؤمنو بنى هاشم وبنى المطلب على سواء.
وقد لوحظ أن الإيذاء كان يجعل الإيمان يذيع وينمو، لأن الناس تنفطر نفوسهم لألم المتألمين، ويدفع حمية الذين لهم صلة بمن يؤذون، فتدفع المروءة إلى مشاركتهم فى سبب الإيذاء تحديا ومقاومة لذلك الشر، فقد دفع الإيذاء للنبى ﵊ حمزة بن عبد المطلب لأن يعلن إسلامه، ثم يعلن إيمانه، كما سنبين إن شاء الله تعالى فى إسلام حمزة.
وقد يكون اندفاع المؤذى فى إيذائه مفرطا فيه دافعا لأن ينفطر قلبه، فيجد سبيلا للإيمان، كما كان الشأن فى إيمان عمر بن الخطاب، فقد كان الدم الذى انبثق من شج أخته إيذاء لها على إيمانها سببا فى أن فتح الله تعالى قلبه لأنه استمع إلى الايات التى تتلى، فرحمه الله تعالت كلماته بأن فتح صدره للإيمان فامن.
وكان الإيذاء سببا فى الهجرة إلى الحبشة، وفى الهجرة إليها شاع اسم الإسلام فى ربوعها، وإن لم يتبعه إلا ملكها، وسنذكر بعون الله تعالى تلك الصور المختلفة للمقاومة بعد أن نتكلم فى درجات الدعوة، والجهر بها.
الذين استجابوا لله والرسول
٢٣٢- سرى الإسلام إلى النفوس من أول نزوله، وإذا كان الذين سارعوا إلى الدخول فيه عددا قليلا، فذلك شأن كل دعوة تعتمد على الحق المجرد، فإنها تدخل فى قلوب الجماعات فى ريث من غير تعجل، ولا انسياق من غير تفكر وتدبر، ولكنها صارت كالجبال.
стр. 318
وقد يقول قائل إن دعوة محمد ﵊ كانت ثورة فكرية واعتقادية واجتماعية واقتصادية وإنسانية بشكل عام، ومن شأن الثورات أن تجتذب الجماهير فتندفع فى نصرتها والأخذ بها، ونقول فى الإجابة عن ذلك أن ما أتى به محمد ﵊ كان فى نتيجته وغايته أعظم ثورة إنسانية راها التاريخ الإنسانى، فى نتيجتها وثمراتها وغاياتها، لا فى وقائعها وأشكالها، فإن الثورات الجامحة انفعالات للجماهير تكون كانفعال الأشخاص لا تلبث أن تنطفئ، إذ ذلك شأن الانفعالات دائما، لا فرق بين أن تكون فى الاحاد وأن تكون فى الجماعات، واعتبر ذلك بالثورات الأوربية، فأعظمها مظهرا الثورة الفرنسية، انفعلت بها فرنسا انفعالة شديدة، ثم لم تلبث حتى أخذت تأكل نفسها، وكثرت ثورات زعمائها على أنفسهم جماعة بعد جماعة حتى رسبت فى اخر الأمر فى حكم يشبه حكم القياصرة، كما كان فى عهد نابليون الذى نال الكمثرى فيها بعد أن نضجت.
أما دعوة محمد ﵊، فقد كانت نابعة من أحكام المنطق وأحكام العقل، والإمداد الإلهى بروح القدس، وما كانت انفعالة، بل كانت نفوسا مطمئنة راضية مرضية امنت بالحق وأخذت به، دخلها الإيمان ولم يخرج منها. وهذا يكون من شأنه الدوام والاستقرار فى النفوس التى يدخلها، فإذا أشرق فيها إشراق لا ينطفيء، فلا يشبه نار الهش من الأحطاب الذى ينطفيء بأقل الرياح، بل يشبه الماء العميق البعيد الغور الذى لا تهزه الرياح، فلا تعبث به الأهواء.
لذلك كان الذين يدخلون قليلا قليلا من غير طفرة، وانتقال انفعالى.
٢٣٣- ولقد اختبرت قلوبهم من أول دخولهم- لقد ابتدأ الإسلام يسرى كالنور فى الظلام، فأشرقت به قلوب مؤمنة، فدخلها واستقر بها فى وسط لجاجة الشرك وعوجاء أهله، أسلم قوم مؤمنون، ولكن منعوا من أن يقيموا شعائر دينهم، فكانوا ابتداء لا يصلون فى المسجد الحرام، بل كانوا يذهبون للصلاة فى شعاب مكة المكرمة مستخفين بدينهم، لا يجهرون بقراءة القران الكريم بين ظهرانيهم، ولقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك، ومكانته بين قريش مكانته، وجاء أبو جهل الذى اشتهر بذلك الاسم فى الإسلام واستحقه بعمله، وقال فى تبجح ظاهر للنبى ﵊: «ألم أنهك يا محمد عن الصلاة هنا» فلم يلتفت إليه النبى ﵊، لأنه يعلم أن أدب الإسلام أنه إذا مر باللغو مر كريما ولم يلتفت.
وكان المسلمون الأولون لا يستطيعون أن يجتمعوا ليتعلموا من الرسول دينهم، بل كانوا يجتمعون خفية فى دار الأرقم بن أبى الأرقم، قالوا إنه يجتمع فى هذا البيت الطاهر نحو تسعة وثلاثين كانوا هم المجتمعين عندما أسلم عمر رضى الله ﵎ عنه، وليس معنى ذلك أن الذين أسلموا كانوا هذا العدد
стр. 319
فقط، فقد كان ثمة عبيد آمنوا، وكانوا فى مهنة مالكى رقابهم، ومنهم من كان يعذب العذاب الأليم ليفتن عن دينه، ويكره على الخروج منه.
ومن المؤمنين من كان يؤمن، ويخفى إيمانه عن أهله. أبيه وأمه وأخيه فرارا بدينه من أن يمنى بملام أو تعذيب، فقد كان أهل كل بيت كان فيه من دخل فى الإسلام، يأخذ ذلك المسلم بالتأنيب واللوم الزاجر، ثم ينتقل الأمر من اللوم إلى التعذيب، إن استرسلوا فى غوايتهم، ولم يكن ما يمنعهم من رحم شفيقة، أو قوة عزيمة ممن منحه الله تعالى الإيمان، واعتصم ببرد اليقين.
ولم يكن المسلمون يجهرون بقراءة القران الكريم خوف الأذى إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كانت دعوته وتبليغ رسالة ربه توجبان عليه أن يجهر مهما يكن الأذى الذى ينزل به. فإن الله تعالى عاصمه من الناس، وما كانت قريش تستطيع دفعه، بل إنهم كانوا يتناهون فيما بينهم أن يسمعوه، ولكنهم يذهبون خفية ليسمعوه، يذهب كل واحد مختفيا عن جماعته ثم يلتقون فى الاستماع إليه، وقد تناهوا، ولكن كل واحد خالف ما اتفق عليه معهم، ويحسب أنه المخالف واحده، وإذا هم جميعا مختلفون وإذا هم جميعا ناقضون لما اتفقوا.
ويذكر الرواة أن أول من جهر بالقران الكريم بعد النبى ﵊، يروى ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام أنه قال: كان أول من جهر بالقران الكريم بعد رسول الله ﷺ بمكة المكرمة عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: «اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القران يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعونه؟ قال عبد الله بن مسعود: أنا أسمعهم، قالوا إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من العدو إذا أرادوه. فقال: دعونى، فإن الله تعالى سيمنعنى، فعاد ابن مسعود حتى أتى المقام فى الضحى وقريش فى أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ رافعا صوته.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ. عَلَّمَهُ الْبَيانَ «١» ثم استقبلهم يقرؤها، قال فتأملوه فجعلوا يقولون ماذا قال ابن أم عبد، ثم قالوا إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا إليه، فجعلوا يضربونه فى وجهه، وجعل يقرأ، حتى بلغ منها ما شاء الله تعالى أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا فى وجهه، فقالوا له: هذا الذى خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون على منهم الان، ولئن شئتم لأعاودنهم بمثلها غدا، قالوا: حسبك حسبك أسمعتهم ما يكرهون
стр. 320
٢٣٤- وإن هذا كله يدل على ثلاثة أمور:
أولها: الاستخفاء بالعبادة إلا ما كان من أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كان حريصا على أن يجهر بصلاته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأن يجهر بالقران الكريم ما وسعه ذلك، غير ممتنع، ولا متردد، لأن الأمر جاء إليه بذلك، وهو يبلغ الرسالة، ويظهر إن المشركين، وإن كانوا يتضايقون من ذلك، لم يكونوا يمنعونه، وإن حاولوا المنع لم يجدوا مستجيبا لما يدعون، فكانوا يعمدون إلى الاستهزاء به انا وإيذائه انا، والإعراض عنه دائما، وفى كل وقت، لأنهم قد جعلوا فى قلوبهم وقرا، فلا يستمعون، وقد كان المشركون يشتدون فى أذاهم.
الأمر الثانى: أن الأذى الذى كانوا ينزلونه بالمؤمنين لم ينهنه من عزمهم، ولم يضعف أنفسهم، فهذا عبد الله بن مسعود يضربونه، فيستمر فى قراءته، وهم يستمرون فى ضربه حتى يبلغ ما شاء الله تعالى أن يبلغه، غير ملق اهتماما إلى ضربهم.
وإن حال الايذاء فى أثناء قراءته يصور حال المؤمنين مع إيذاء الكافرين، ومع الإيمان استمروا فى الإيذاء، واستمر الإسلام فى ازدياد.
الأمر الثالث: أن المشركين حين كانوا يسمعون القران الكريم من النبى ﷺ يتميز غيظهم، وإن كان الغيظ ثابتا، إذ يتبعه إيذاء أحيانا، ولكنهم يتميزون غيظا عندما يسمعونه من غيره، لأنهم بذلك يعلمون سريان الدعوة، وزيادة الأتباع حينا بعد حين، فليس غيظهم فقط من سماع القران الكريم، بل إنه منه، ومن نمو عدد المستجيبين، فالأمر إذا كان يزيد ولو بقدر ضئيل يبشر أصحابه ببلوغ الغاية، وينذر أعداءه بالعاقبة المريرة.
إسلام حمزة
٢٣٥- ويلاحظ أن الأذى لم يمنع الاستجابة للدعوة، بل زيادتها، ومن المؤمنين الذين كان لهم فى الإسلام قدم ثابتة من كان الإيذاء هو السبب الواضح فى إسلامهم.
ولنذكر فى هذا المقام إسلام حمزة بن عبد المطلب، ولنذكر قصته كاملة كما رواها ابن إسحاق:
قال ابن إسحاق: «حدثنى رجل من أسلم كان واعية أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند الصفا فاذاه وشتمه، ونال منه ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان فى مسكن تسمع ذلك ... فلم يلبث أن أقبل حمزة متوشحا قوسه، راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه، ويخرج له، وكان إذا رجع من