← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وفى الحق أننا لا نرى فارقا زمنيا، بل نجد أن دعوة التوحيد وتحريم عبادة الأوثان، والإشراك بالله ابتدأت منذ جاء ﵊، ومنذ أعلن عشيرته باستنكار عبادة الأصنام، فقال عقب الإنذار بالبراءة منهم إن عصوا، فقال الله تعالي: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ «١» . وجاء مثل ذلك عند الأمر بالجهر بالدعوة، وإعلان قريش خاصة والعرب عامة، إذ قال الله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ «٢» . وإذا كنا لا نجد فارقا زمنيا يحد ما بين الدعوتين، وإذا كانت الايات التى نزلت فى أول الدعوة بمكة المكرمة تتشابه فى معانيها من ناحية الأوثان مع الايات التى نزلت فى اخر مقامه ﵊ بمكة المكرمة. فإن من الحق علينا أن نقول إننا لا نجد تفريقا بين حال لم تذكر فيها أوثانهم بسوء وحال قد ذكرت فيها بسوء. وإن الذى نجده أو نظنه ظنا أن مقاومتهم ابتدأت بحال دهشة مما فوجئوا به، وتساؤل فيما بينهم، ما شأن هذا الذى جاء به محمد ﵊ وهم بين من علم أن محمدا ﵊ دعا إلى هذه الدعوة، وبين متشكك فى نسبة القول إليه، وبينما هم يتسائلون كانت الدعوة تسرى فى الأوساط، وتجد لها من بينهم مصادقين ما بين سادة وعبيد، وأشراف وضعاف، فتنبهوا حينئذ للمقاومة، لأمر وجدوه جدا لا هزل فيه، وقويا لا ضعف يعتريه، وإذا كان الذين يتبعونه قليلا، فهم يزيدون وسيكونون كثيرا ولابد أن يأخذوا الأهبة لمدافعة هذا الواقع، وهو لا يزال نبتا، قبل أن يستغلظ سوقه. ٢٣١- وعلى ذلك نقرر أن المقاومة كانت تتزايد فى الشدة كلما تزايدت الدعوة عموما، وتكاثر المستجيبون لها، فهم كلما رأوها تنمو ولو قليلا يحسون بالخطر شديدا، وكلما أحسوا بالخطر ازدادوا لجاجة وعنفا، لأنهم يرون الخطر على سيادتهم، ونظمهم الاجتماعية، والأرض تنهار من تحتهم شيئا فشيئا، فتزداد المقاومة بصورها المختلفة، وكل يعمل على شاكلته، وعلى الطريقة التى يرضاها خلقه، ففريق بالايذاء، وفريق بالاستهزاء، وفريق بالشكوى لأبى طالب حاميه، ويتلاقى الجميع على أمر يكون متلاقيا مع كل طبائعهم ... هكذا.

стр. 317

وإن اعتراضهم أخذ ثلاث صور، الصورة الأولى محاولة حمل النبى ﵊ على ترك الدعوة التى يقوم بها، وينشر الإسلام عن طريقها ويحارب الوثنية بكل ضروبها. الصورة الثانية- المجادلة ومحاولة إحراج النبى ﵊ بمطالب هى غير معقولة فى ذاتها، بقصد تعجيزه، وإظهار عجزه أمام الناس أجمعين عسى أن يكون فى ذلك صد الناس عنه. الصورة الثالثة- الإيذاء فى صوره المختلفة، بالإيذاء الفعلى الاحادى للنبى ﵊ خاصة، وللذين يؤمنون من الناس، ولم يخلص منهم كبراؤهم، ووقع شديد على ضعفائهم، ثم كان من ذلك إيذاء جماعى، أنزل من قريش كلها على بنى هاشم كلهم وإخوانهم بنى المطلب، وقد تلقوا جميعا مقاطعة قريش لهم، ولم يقبل دنية الافتراق عن أسرته إلا أبو لهب، أما الباقون فتحملوه صابرين مشاركين معاونين، واستوى فى ذلك مؤمنو بنى هاشم وبنى المطلب على سواء. وقد لوحظ أن الإيذاء كان يجعل الإيمان يذيع وينمو، لأن الناس تنفطر نفوسهم لألم المتألمين، ويدفع حمية الذين لهم صلة بمن يؤذون، فتدفع المروءة إلى مشاركتهم فى سبب الإيذاء تحديا ومقاومة لذلك الشر، فقد دفع الإيذاء للنبى ﵊ حمزة بن عبد المطلب لأن يعلن إسلامه، ثم يعلن إيمانه، كما سنبين إن شاء الله تعالى فى إسلام حمزة. وقد يكون اندفاع المؤذى فى إيذائه مفرطا فيه دافعا لأن ينفطر قلبه، فيجد سبيلا للإيمان، كما كان الشأن فى إيمان عمر بن الخطاب، فقد كان الدم الذى انبثق من شج أخته إيذاء لها على إيمانها سببا فى أن فتح الله تعالى قلبه لأنه استمع إلى الايات التى تتلى، فرحمه الله تعالت كلماته بأن فتح صدره للإيمان فامن. وكان الإيذاء سببا فى الهجرة إلى الحبشة، وفى الهجرة إليها شاع اسم الإسلام فى ربوعها، وإن لم يتبعه إلا ملكها، وسنذكر بعون الله تعالى تلك الصور المختلفة للمقاومة بعد أن نتكلم فى درجات الدعوة، والجهر بها. الذين استجابوا لله والرسول ٢٣٢- سرى الإسلام إلى النفوس من أول نزوله، وإذا كان الذين سارعوا إلى الدخول فيه عددا قليلا، فذلك شأن كل دعوة تعتمد على الحق المجرد، فإنها تدخل فى قلوب الجماعات فى ريث من غير تعجل، ولا انسياق من غير تفكر وتدبر، ولكنها صارت كالجبال.

стр. 318

وقد يقول قائل إن دعوة محمد ﵊ كانت ثورة فكرية واعتقادية واجتماعية واقتصادية وإنسانية بشكل عام، ومن شأن الثورات أن تجتذب الجماهير فتندفع فى نصرتها والأخذ بها، ونقول فى الإجابة عن ذلك أن ما أتى به محمد ﵊ كان فى نتيجته وغايته أعظم ثورة إنسانية راها التاريخ الإنسانى، فى نتيجتها وثمراتها وغاياتها، لا فى وقائعها وأشكالها، فإن الثورات الجامحة انفعالات للجماهير تكون كانفعال الأشخاص لا تلبث أن تنطفئ، إذ ذلك شأن الانفعالات دائما، لا فرق بين أن تكون فى الاحاد وأن تكون فى الجماعات، واعتبر ذلك بالثورات الأوربية، فأعظمها مظهرا الثورة الفرنسية، انفعلت بها فرنسا انفعالة شديدة، ثم لم تلبث حتى أخذت تأكل نفسها، وكثرت ثورات زعمائها على أنفسهم جماعة بعد جماعة حتى رسبت فى اخر الأمر فى حكم يشبه حكم القياصرة، كما كان فى عهد نابليون الذى نال الكمثرى فيها بعد أن نضجت. أما دعوة محمد ﵊، فقد كانت نابعة من أحكام المنطق وأحكام العقل، والإمداد الإلهى بروح القدس، وما كانت انفعالة، بل كانت نفوسا مطمئنة راضية مرضية امنت بالحق وأخذت به، دخلها الإيمان ولم يخرج منها. وهذا يكون من شأنه الدوام والاستقرار فى النفوس التى يدخلها، فإذا أشرق فيها إشراق لا ينطفيء، فلا يشبه نار الهش من الأحطاب الذى ينطفيء بأقل الرياح، بل يشبه الماء العميق البعيد الغور الذى لا تهزه الرياح، فلا تعبث به الأهواء. لذلك كان الذين يدخلون قليلا قليلا من غير طفرة، وانتقال انفعالى. ٢٣٣- ولقد اختبرت قلوبهم من أول دخولهم- لقد ابتدأ الإسلام يسرى كالنور فى الظلام، فأشرقت به قلوب مؤمنة، فدخلها واستقر بها فى وسط لجاجة الشرك وعوجاء أهله، أسلم قوم مؤمنون، ولكن منعوا من أن يقيموا شعائر دينهم، فكانوا ابتداء لا يصلون فى المسجد الحرام، بل كانوا يذهبون للصلاة فى شعاب مكة المكرمة مستخفين بدينهم، لا يجهرون بقراءة القران الكريم بين ظهرانيهم، ولقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك، ومكانته بين قريش مكانته، وجاء أبو جهل الذى اشتهر بذلك الاسم فى الإسلام واستحقه بعمله، وقال فى تبجح ظاهر للنبى ﵊: «ألم أنهك يا محمد عن الصلاة هنا» فلم يلتفت إليه النبى ﵊، لأنه يعلم أن أدب الإسلام أنه إذا مر باللغو مر كريما ولم يلتفت. وكان المسلمون الأولون لا يستطيعون أن يجتمعوا ليتعلموا من الرسول دينهم، بل كانوا يجتمعون خفية فى دار الأرقم بن أبى الأرقم، قالوا إنه يجتمع فى هذا البيت الطاهر نحو تسعة وثلاثين كانوا هم المجتمعين عندما أسلم عمر رضى الله ﵎ عنه، وليس معنى ذلك أن الذين أسلموا كانوا هذا العدد

стр. 319

فقط، فقد كان ثمة عبيد آمنوا، وكانوا فى مهنة مالكى رقابهم، ومنهم من كان يعذب العذاب الأليم ليفتن عن دينه، ويكره على الخروج منه. ومن المؤمنين من كان يؤمن، ويخفى إيمانه عن أهله. أبيه وأمه وأخيه فرارا بدينه من أن يمنى بملام أو تعذيب، فقد كان أهل كل بيت كان فيه من دخل فى الإسلام، يأخذ ذلك المسلم بالتأنيب واللوم الزاجر، ثم ينتقل الأمر من اللوم إلى التعذيب، إن استرسلوا فى غوايتهم، ولم يكن ما يمنعهم من رحم شفيقة، أو قوة عزيمة ممن منحه الله تعالى الإيمان، واعتصم ببرد اليقين. ولم يكن المسلمون يجهرون بقراءة القران الكريم خوف الأذى إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كانت دعوته وتبليغ رسالة ربه توجبان عليه أن يجهر مهما يكن الأذى الذى ينزل به. فإن الله تعالى عاصمه من الناس، وما كانت قريش تستطيع دفعه، بل إنهم كانوا يتناهون فيما بينهم أن يسمعوه، ولكنهم يذهبون خفية ليسمعوه، يذهب كل واحد مختفيا عن جماعته ثم يلتقون فى الاستماع إليه، وقد تناهوا، ولكن كل واحد خالف ما اتفق عليه معهم، ويحسب أنه المخالف واحده، وإذا هم جميعا مختلفون وإذا هم جميعا ناقضون لما اتفقوا. ويذكر الرواة أن أول من جهر بالقران الكريم بعد النبى ﵊، يروى ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام أنه قال: كان أول من جهر بالقران الكريم بعد رسول الله ﷺ بمكة المكرمة عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: «اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القران يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعونه؟ قال عبد الله بن مسعود: أنا أسمعهم، قالوا إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من العدو إذا أرادوه. فقال: دعونى، فإن الله تعالى سيمنعنى، فعاد ابن مسعود حتى أتى المقام فى الضحى وقريش فى أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ رافعا صوته. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ. عَلَّمَهُ الْبَيانَ «١» ثم استقبلهم يقرؤها، قال فتأملوه فجعلوا يقولون ماذا قال ابن أم عبد، ثم قالوا إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا إليه، فجعلوا يضربونه فى وجهه، وجعل يقرأ، حتى بلغ منها ما شاء الله تعالى أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا فى وجهه، فقالوا له: هذا الذى خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون على منهم الان، ولئن شئتم لأعاودنهم بمثلها غدا، قالوا: حسبك حسبك أسمعتهم ما يكرهون

стр. 320

٢٣٤- وإن هذا كله يدل على ثلاثة أمور: أولها: الاستخفاء بالعبادة إلا ما كان من أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كان حريصا على أن يجهر بصلاته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأن يجهر بالقران الكريم ما وسعه ذلك، غير ممتنع، ولا متردد، لأن الأمر جاء إليه بذلك، وهو يبلغ الرسالة، ويظهر إن المشركين، وإن كانوا يتضايقون من ذلك، لم يكونوا يمنعونه، وإن حاولوا المنع لم يجدوا مستجيبا لما يدعون، فكانوا يعمدون إلى الاستهزاء به انا وإيذائه انا، والإعراض عنه دائما، وفى كل وقت، لأنهم قد جعلوا فى قلوبهم وقرا، فلا يستمعون، وقد كان المشركون يشتدون فى أذاهم. الأمر الثانى: أن الأذى الذى كانوا ينزلونه بالمؤمنين لم ينهنه من عزمهم، ولم يضعف أنفسهم، فهذا عبد الله بن مسعود يضربونه، فيستمر فى قراءته، وهم يستمرون فى ضربه حتى يبلغ ما شاء الله تعالى أن يبلغه، غير ملق اهتماما إلى ضربهم. وإن حال الايذاء فى أثناء قراءته يصور حال المؤمنين مع إيذاء الكافرين، ومع الإيمان استمروا فى الإيذاء، واستمر الإسلام فى ازدياد. الأمر الثالث: أن المشركين حين كانوا يسمعون القران الكريم من النبى ﷺ يتميز غيظهم، وإن كان الغيظ ثابتا، إذ يتبعه إيذاء أحيانا، ولكنهم يتميزون غيظا عندما يسمعونه من غيره، لأنهم بذلك يعلمون سريان الدعوة، وزيادة الأتباع حينا بعد حين، فليس غيظهم فقط من سماع القران الكريم، بل إنه منه، ومن نمو عدد المستجيبين، فالأمر إذا كان يزيد ولو بقدر ضئيل يبشر أصحابه ببلوغ الغاية، وينذر أعداءه بالعاقبة المريرة. إسلام حمزة ٢٣٥- ويلاحظ أن الأذى لم يمنع الاستجابة للدعوة، بل زيادتها، ومن المؤمنين الذين كان لهم فى الإسلام قدم ثابتة من كان الإيذاء هو السبب الواضح فى إسلامهم. ولنذكر فى هذا المقام إسلام حمزة بن عبد المطلب، ولنذكر قصته كاملة كما رواها ابن إسحاق: قال ابن إسحاق: «حدثنى رجل من أسلم كان واعية أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند الصفا فاذاه وشتمه، ونال منه ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان فى مسكن تسمع ذلك ... فلم يلبث أن أقبل حمزة متوشحا قوسه، راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه، ويخرج له، وكان إذا رجع من

стр. 321

قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالبيت، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف، وتحدث معهم، وكان أعز فتى فى قريش. وأشد شكيمة، فلما مر بالمولاة (التى سمعت سب أبى جهل) قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد انفا من أبى الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالسا، فأذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامة. فخرج يسعى؛ ولم يقف على أحد عامدا لأبى جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا فى القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول، فرد ذلك على إن استطعت، فقام رجال من بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإنى والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا، وتم حمزة على إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم» «١» . وفيما ذكره ابن إسحاق هنا ما يوهم بأنه أعلن إسلامه، وكان ذلك الإعلان هو دخوله فى الإيمان، ولكن ذكر فى البداية عن ابن إسحاق أيضا أن حمزة إذ أعلن ذلك أنه أتبع محمد بن عبد الله ﵊ ما كان ينطق بها إلا عن حمية العصبية، ولكنه فكر بعد ذلك فى مخرج منها، أو سير فى طريق الإيمان، ولننقل لك حديثه فى نفسه كما جاء على لسانه، وكما نقل ابن إسحاق: «أقبل حمزة على نفسه، وقال ما صنعت، اللهم إن كان خيرا، فاجعل تصديقه في قلبى، وإلا فاجعل لى مما وقعت فيه مخرجا. فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ ، فقال يا ابن أخى، إنى قد وقعت فى أمر ولا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلى على ما لا أدرى ما هو!! أرشد أم هو غىّ شديد، فحدثنى حديثا، فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثنى، فأقبل رسول الله ﷺ ، فذكره ووعظه، وخوفه وبشره، فألقى الله تعالى فى قلبه الإيمان بما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: أشهد أنك الصادق، فأظهر يا ابن أخى دينك، فو الله ما أحب أن لى ما أظلته السماء وأنى على دينى الأول. فكان حمزة ممن أعز به الدين. وروى البيهقى مثل ذلك «٢» . ويظهر من هذا الكلام، وما قبله أن حمزة رضى الله ﵎ عنه كانت له نزعة دينية كانت على الباطل، ثم كانت على الحق. كان فى جاهليته، إذا جاء من صيده وقنصه لا يغشى ناديا إلا إذا طاف بالبيت، والمتدين فى طبعه إذا رأى وضح الحق سار فيه ولصدق إدراكه عندما أعلن الإسلام فى غضبة

стр. 322

عنيفة قوية، أراد أن ينعم النظر فيما عرض له من حال؟ أيخرج منها، وما السبيل؟ أم يمضى، فاعترته حيرة، كانت هادية موجهة، إذ هداه الله تعالى إلى الإسلام. اسلام عمر ٢٣٦- كان الإسلام ينمو ويزيد، وإذا كان قد ابتدأ بالضعفاء، وقل فيه الكبراء فقد أخذ عدد الأقوياء يكبر، وإن كان العدد فى ذاته لا يزال قليلا، فقد دخل أقوياء، يرفعون العبء قليلا عن الضعفاء. دخل أولا حمزة، ولأول مرة فى تاريخ الإسلام يضرب أبو جهل فوق رأسه حتى يشج، ويثور له بعض قبيله، فيتصدى لهم رجل قوى الشكيمة عزيز الجانب، حتى يتعلم أبو جهل الحكمة ساعة من زمان، فيدعوهم إلى أن يتركوا حمزة، ولعله دعاهم إلى أن يقوا أنفسهم شر ضربات حمزة. لم يذكر كتاب السيرة تاريخ إسلام حمزة، وإن ادعى بعضهم أنه كان قريبا من اسلام عمر أى أن إسلام عمر كان بعده بقليل، واسلام عمر كان فى السنة السادسة من البعثة! لأنه كان بعد الهجرة إلى الحبشة. وإن كتاب السيرة كانوا يعنون بذكر الوقائع بروايات صحيحة، وإن كانوا لا يذكرون تاريخها إلا إذا اقترنت بواقعة مشهورة، كما اقترنت واقعة خروج المؤمنين هاربين بدينهم إلى الحبشة بإيمان عمر بن الخطاب. كان عمر فاروق الإسلام شديدا علي المسلمين قبل إسلامه، لا يجد سبيلا لإيذائهم إلا سلكه، ولكنه في طبيعته إدراك صحيح إن ضل يرشده، وفيه طبع رحيم إن قسا، فظهر الألم يؤذيه ذلك كما يؤذي من نزل به. ولعل أقوى حادثة هزته، أنه رأى المؤمنين يهاجرون فرارا بدينهم من إيذائه هو وأشباهه، فلفتته هذه الهجرة عما كان فيه من غى، وما عليه المؤمنون من رشاد. روى ابن إسحاق عن بعض اللائى أخذن الأهبة للهجرة وهى أم عبد الله بن خثعمة أنه راها عمر بن الخطاب، فسألها عن مخرجها، فقال اسفا: إنه للانطلاق يا أم عبد الله. قالت: نعم والله لنخرجن فى أرض الله، اذيتمونا، وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا مخرجا، فقال.. صحبكم الله، قالت: ورأيت والله فيه رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أخذنا فيما رأى خروجنا، فجاء عامر ابنها، فقالت له: لو رأيت عمر انفا ورقته، وحزنه علينا، قال: أطمعت فى إسلامه قلت نعم، قال لا يسلم إلا اذا أسلم حمار الخطاب، وما قال ذلك إلا يأسا لما كان يرى من غلظته.

стр. 323

ومن هنا يستفاد أن عمر رضى الله عنه كلما رأى فريقا من قومه يخرج فارا بدينه من ظلمهم يناله ألم، والعدالة فى طبعه، وإن كان التعصب لما عليه اباؤه وأجداده فى جنب منه. ويظهر أن ذلك الألم من خروج بعض قومه مقهورين لم يمنعه من إنزال بعض الأذى لمن يعلم إسلامه من أهل بيته وذوى قرابته، ولقد هزته أخرى ففتحت قلبه للإسلام؟ وخلاصته أن فاطمة بنت الخطاب أخته قد أسلمت هى وزوجها، وأخفيا إسلامهما خشية بطشه، وبطش ذوى قرباهما، وقد أسلم أيضا نعيم بن عبد الله، وكان ثلاثتهم يستخفون، ويتلون القران الكريم فى منزل سعيد بن زيد زوج فاطمة، وكان خباب بن الأرت يجئ إليها ويقرئها القران الكريم فخرج عمر متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ، ورهطا من أصحابه، وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، فلقيه بعض قريش، فقال له أين تريد يا عمر؟ فقال له: أريد محمدا هذا الصابيء الذى فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب الهتها فأقتله، فقال له: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم. قال: وأى أهل بيتى، قال ختنك ابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله تابعا محمدا على دينه، فعليك بهما. ولا تناقض بين هذين الخبرين، خبر أم عبد الله، لأنه عندما رق للذين يهاجرون لم يكن رقة رغبة للإسلام، ولكن كان ألما لفراق قومه، وسولت له نفسه غير المؤمنة، بأن محمدا ﷺ سبب ذلك الفراق، وكان يتنازعه حال من الإيمان، ووسوسة من الكفر. ذهب عمر إلى أخته، وكان يستخفى فى بيتها ثلاثة: صاحبها الذى امن وزوجها، وخباب يعلّم الجميع القران الكريم، ومعه صحيفة فيها سورة طه، فلما سمعوا صوت عمر، تغيب خباب فى مخدع لهم، أو فى بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال ما هذه الهيمنة التى سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا، قال بلى والله لقد أخبرت أنكما اتبعتما محمدا على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها، فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا، وامنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فارعوى وقال لأخته: أعطينى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرأونها انفا أنظر ما هذا الذى جاء به

стр. 324

محمد. وكان عمر كاتبا. فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها!! قال: لا تخافى، وحلف بالهته ليردنها إذا قرأها. فلما قال ذلك طمعت أخته فى إسلامه، فقالت له يا أخى إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة فقرأها، فلما قرأ منها صدرا قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه، فلما سمع ذلك خباب خرج إليه، فقال له: يا عمر، والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنى سمعته أمس، وهو يقول: اللهم أيد الإسلام بأبى الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر ... فقال عمر عند ذلك: فدلنى يا خباب على محمد ﷺ حتى اتيه فأسلم. فقال له خباب: هو فى بيت عند الصفا فى نفر من أصحابه. فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم ذهب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه معه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فنظر من خلل الباب، فراه متوشحا سيفه، فرجع إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو فزع، فقال يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف. فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ائذن له، فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى لقيه فى الحجرة، فأخذ حجزته أو بمجمع ردائه، ثم جبذه جبذه شديدة وقال: ما جاء بك يابن الخطاب، فو الله ما أدرى حتى ينزل الله بك قارعة. فقال عمر: يا رسول الله جئتك لأومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن عمر قد أسلم. وإنك لترى أن عمر بن الخطاب جاء إسلامه من نبع قلب يؤمن بالعدل، ويؤمن بالرحم، وإن كان قد غشاهما غشاء من مألوف الجاهلية وما كان عليه قومه، دفعته عصبيته قبل أن يدرك الإسلام لأن يناويء محمد بن عبد الله، إذ أنه توهم أن ذلك يفرق كلمتهم، ويذهب بمكانتهم عند العرب، وهو فى هذا مخطيء، فتفرق بسبب نور الحق بين مؤمن وكافر خير من إجماع على باطل، وذلك ما خفى على عمر ابتداء، وأشفق على الذين يخرجون من أرضهم من قومه، ثم كان التنبيه القارع عندما رأى الدم يسيل من أخته، فزالت عنه الغشاوة، فكان عمر الشفيق العدل المدرك إذ أزال الله تعالى عنه غشاوة الباطل.

стр. 325

بين عهدين ٢٣٧- كان إسلام حمزة، ومن بعده إسلام عمر ابتداء عهد جديد للإسلام. كان المسلمون فى الأول مستضعفين يرامون بالسوء، ولا يدفعون السيئة بمثلها ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم، ولا يرقب فيهم أعداؤهم ذماما، ولا مراعاة لحسن جوار، أو لمودة، أو لقربى، بل يسومونهم العذاب، ويريدونهم على الهوان من غير أن يتوقعوا دفعا، وذوو المروات من المشركين إن تابوا عن الأذى فلأنهم لا يريدون أن يرتكبوا نذلة فى إيذاء عبد أو ضعيف، أو من لا يملك ردا. ولما أسلم حمزة ابتدأ كبير الأنذال فيهم أبو جهل يحس بالضربات تقمع رأسه، وبالدم يسيل منه، فإن تخفف له نصراء من قومه خشى من المعركة، وأن يكون ابتداؤها هذا وهو يخاف نهايتها، كشأن كل من يكون ناقص المروءة، يستعدى على الضعفاء، ويخاف الأقوياء. فلما أسلم عمر، كانت الكارثة على الشرك، وتكامل كيان العهد الجديد، عهد الاعتزاز بالإسلام. واستعلانه بعد استخفائه. ووقوف المسلمين صفوفا مجتمعين، بعد أن كانوا فرادى متفرقين. التقى عمر عند إسلامه فى بيت الأرقم بن أبى الأرقم فى الصفا، وعدد المسلمين يقارب الأربعين، فقام عمر رضى الله عنه، فقال: يا رسول الله علام نخفى ديننا ونحن على الحق، ويظهرون دينهم، وهم على الباطل. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنا قليل وقد رأيت ما لقينا. قال عمر: والذى بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه أنادى بالكفر، إلا أظهرت فيه الإيمان، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم مر بقريش، وهى تنتظره، وقد تسامعوا بإسلامه، فقال أبو جهل: يزعم فلان أنك صبوت، فقال جاهرا: أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، فوثب المشركون إليه يريدون أن يصرعوه، وكان على رأسهم عتبة بن ربيعة الذى كان إلبا على المسلمين وكان قد صرع أبا بكر وضربه، حتى أثخنه، فكأنه كان طلبة عمر، فوثب عمر عليه، وصرعه، وبرك عليه كما يبرك البكر الراغى وجعل يضربه، وأدخل اصبعه فى عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس، فقام عمر عنه، فاشتفى للمسلمين عامة ولأبى بكر خاصة.

стр. 326

وكان عمر رضى الله تعالى عنه حفيا بألا يضرب إلا أشراف قريش ليعرفوا حرارة الضربات فصك وجوههم صك الجندل، فما كان فى هذه المعركة التى أثارها يدنو منه شريف إلا أخذه بالضرب الشديد حتى أعجز الناس، ثم أتبع المجالس التى كان يجلس فيها، فيظهر الإيمان «١» ، فيلاقونه ويذيقهم من إسااتهم كؤوسا. عاد إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه المسلمون يدعوهم إلى أن يظهروا مجتمعين، وألا يبقوا متفرقين، فتجمعوا وخرجوا ليصلوا فى الكعبة الشريفة مجتمعين، وساروا على صفين على رأس أحدهما حمزة أسد الله وسيد الشهداء، وعلى رأس الثانى عمر رضى الله ﵎ عنهم. وتحدوا بجموعهم قريشا أن تمنعهم، ولم يجدوا جوابا لهذا التحدى العملى، لأن أبا جهل داعية الشر تذكر قوس حمزة تقمع رأسه، وتذكر عتبة بن ربيعة صرع عمر، ووضع أصابعه فى عينيه. ظهر الإسلام، فظهر النور، وسارت الركبان، بما اعتز به الإسلام، وانخذل الشرك، وتحول الاضطهاد من الاحاد إلى الجماعات على ما سنبين فى الاضطهاد، الذى نؤجل الكلام فيه، لأنه استمر طول مدة الدعوة فى مكة المكرمة، وانتهى بالهجرة. وأخذ المشركون يسلكون ثلاثة مسالك مع الاضطهاد: أولها: محاولة استمالة النبى ﵊ ليمنعوه من الجهر بدعوته. وثانيها: مجادلته لإعجازه أو إظهار ضعفه فى زعمهم. وثالثها: الشكوى منه لعمه أبى طالب. محاولة كفه عنهم بالاستمالة ٢٣٨- يئس الكفار من النبى ﵊، اذوا أنصاره فثبتوا، واذوه وتهكموا به فما نالوا، وكلما زادوا إيذاء سرى الإيمان فى القلوب، فبإيذائهم للنبى ﷺ هدى الله حمزة للإيمان فكان إلبا عليهم، وبسبب إيذاء عمر لختنه ولأخته، ولرؤيته المؤمنين يهاجرون رق قلبه، فامن، وكان إيمانه كارثة كرث الله بها الشرك وأهله، فكان القوة الفارقة بين استخفاء المسلمين، وإعلان الإسلام، والمجاهرة بالعبادة، وإظهار صوت الحق يرن فى جوف المسجد الحرام.

стр. 327

وإذا كانوا هم يؤذون فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يسالم ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، لا يقطع، ولا يكف عن الدعوة، بل إنه يألم لألمهم، ويواسيهم فى أزماتهم. حتى أنه نزل بأهل مكة المكرمة قحط، فدعا صلى الله تعالى عليه وسلم لهم بإنزال المطر، فنزل، ويظهر أن ذلك كان فى الفترة التى عاشها النبى ﵊ بين أهل مكة المكرمة بعد وفاة أبى طالب إلى أن هاجر، ولذلك روى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن استجابت دعوته ود لو كان أبو طالب حيا رجاء إيمانه، ورجاء أن يعلم أن دينه أى محمد ﷺ خير لقومه، ويروى أن هذا الاستسقاء كان ومحمد ﵊ بالمدينة، فقال: لو أدرك أبو طالب هذا الاستسقاء ونصره «١» . ولقد كان من المشركين من يعتريهم ما يفيد قبول ما جاء به محمد ﵊ أو على الأقل عدم المبادرة بتكذيبه والتريث فى ذلك، حتى ينظر أتعم دعوته، وتستجاب، أم تضعف وترد. قال النضر بن الحارث: «يا معشر قريبش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا- أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم فى صدغه الشيب وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحر، والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن، والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر: لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها، هزجه ورجزه، وقلتم مجنون وما هو بمجنون، فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه. يا معشر قريش، فانظروا فى شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم» «٢» .

стр. 328

لقاء أهل مكة المكرمة به لاستمالته: ٢٣٩- عن جابر بن عبد الله فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذى فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يريد عليه، فقالوا فيما بينهم: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فندبوه لذلك، وقالوا له أنت يا أبا الوليد، وكان بينهم سيدا حليما، ويروى أنه هو الذى عرض عليهم أن يذهب للقاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال لهم: يا معشر قريش: ألا أقوم إلى هذا الرجل، فأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، ويكف عنا؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد. وسواء أكان هو الذى انتدب لهذا أم ندبوه فقد ذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وعرض عليه ما يظنه كافا له عن متابعة الدعوة إلى الحق. قال عتبة: يا ابن أخى، إنك منا حيث قد علمت من السّطة فى العشيرة، والمكان فى النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت الهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من ابائهم، فاسمع منى حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضا. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع. قال ربيعة: يا ابن أخى. إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالا. وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرا دونك. وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا. وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه، لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا، حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل، حتى يتداوى منه. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن فرغ عتبة: «أفرغت يا أبا الوليد» قال: نعم. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اسمع مني. قال: أفعل، فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ «١» ومضى رسول الله ﷺ يقرؤها مرتلا تاليا.

стр. 329

لما سمع عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منها، حتى انتهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اية السجدة فى السورة، فسجدها، ثم قال: سمعت يا أبا الوليد؟ قال: سمعت. قال الرسول: فأنت وذاك. ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به، فلما جلسوا إليه قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد. قال عتبة: ورائى أنى والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله، ما هو بالشعر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعونى، واجعلوها لى، خلوا بين هذا الرجل وما هو فيه واعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذى سمعت نبأ فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم. وكنتم أسعد الناس به. قالوا غير مجيبين نصيحته: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال الناصح، وكان فى ذلك الوقت أمينا فى نصحه: «هذا رأيى، فاصنعوا ما بدالكم» «١» . ٢٤٠- أعجزهم الإيذاء المستمر عن أن يحولوا محمدا ﷺ وأصحابه عن الإيمان، بل إن التعذيب الشديد، والإيلام المستمر كان يزيد المؤمنين إيمانا، واستمساكا بما يعتقدون، وترتب على الإيذاء أن امن مثل حمزة وعمر كما ذكرنا، وأخذ المؤمنون يردون الإيذاء بمثله. فعرف أبو جهل كيف يكون شج الرأس من القوى العادل لمثله الفاجر، والمهم عمر رضى الله عنه القوى، كيف يكون الضرب للشرير العصى. أخذوا يجربون من ذلك طريق العلاج باللين، وعرض ما يحسبون أنه يقرب النبى إليهم من غير أن يتقربوا هم من الإيمان، عرضوا عليه مايلين أمثالهم، وما هو منطقهم، وعرضوا عليه الشرف فيهم ليكون السيد المطاع، وعرضوا عليه الملك ليكون ملكهم، وعرضوا عليه الأموال ليكون أكثرهم مالا، فلما رفض كل هذا، ولا يحسبون أن يرفضه إلا من يكون قد إيف عقله، وذلك لمنطقهم المادى الذى لا يحسبون العلو فيه إلا بالمال والسيادة والملك، عرضوا عليه أن يعرضوه على نطس الأطباء ليعالجوه ولكنه بدل أن يجيب بلا أو نعم تلا عليهم القران الكريم ليعلموا أن ما عنده خير مما يقدمون، بل لا يعد ما يقدمونه شيئا مذكورا بجوار ما عنده وهو خير وأبقى.

стр. 330

ضاقوا ذرعا بمحمد ﵊ وأتباعه، وزيادتهم انا بعد ان، عالجوه بالاضطهاد فما أجدى، وعالجوه برشوة المال والسيادة فما أجدى، فماذا هم صانعون؟ لم يبق إلا أن يدخلوا معه فى جدل ليبين عجزه أمام الناس، فلا يزيد أتباعه. جدلهم مع الرسول ﷺ ٢٤١- أعادوا على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عرض ما عرضه عتبة، ولكنهم فى هذه المرة يعرضونه مجتمعين توثيقا لإرادتهم، ورغبة فى الإعذار ثم يجادلونه بعد الرفض. اجتمع الملأ من المعاندين له ﵊ من بطون مختلفة، فكلما تكامل جمع منهم قال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا، وهو يظن أنه قد بدا لهم فى أمره بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم. قالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الاباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الالهة، وفرقت الجماعة، فما بقى من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا من الجن، فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا فى طلب الطب، حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «ما بى ما تقولون، ما جئتكم بما جئت أطلب أموالكم، والشرف فيكم؛ ولا الملك عليكم، ولكن بعثنى الله إليكم رسولا، وأنزل علىّ كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا، ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربى، ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به، فهو حظكم فى الدنيا والاخرة. وإن تردوا علىّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بينى وبينكم» . قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادا، ولا أقل مالا ولا أشد عيشا، فاسأل لنا ربك الذى بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال

стр. 331

التى قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا؛ وليفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من ابائنا، وليكن فيمن يبعث منهم قصى بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل، فإن فعلت ما سألناك وصدقوك صدقناك؛ وعرفنا منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا، كما تقول. مؤدى هذا الكلام أنهم يطلبون ايات أخرى، والله عليم بالقلوب، فقد جاء عيسى لأمثالهم بما هو أشد من ذلك، من إحياء الموتى وإبراء الأكمه، والله هو الذى يختار أنبياءه وهو أعلم بمن يؤيد رسالته. قال لهم رسول الله رادا عليهم قولهم: ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثنى به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم فى الدنيا والاخرة، وإن تردوه على، أصبر حتى يحكم الله بينى وبينكم. قالوا: فإن لم تفعل هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك نبتغى، فإنك تقوم فى الأسواق، وتلتمس المعايش، كما نلتمس، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. قال لهم الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أنا بفاعل، وما أنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله تعالى بعثنى بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم فهو حظكم فى الدنيا والاخرة، وإن تردوه على أصبر حتى يحكم الله بيننا. قالوا: فأسقط علينا كسفا من السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن بك إلا أن تفعل. قال لهم الرسول الصادق الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم: «ذلك إلى ربى إن شاء فعل بكم ذلك» . قالوا: يا محمد ما علم ربك أننا سنجلس معك ونسألك عما سألناك ونطلب منك ما نطلب، فيقدم إليك، ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع فى ذلك بنا إذا لم نقبل ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا، حتى نهلكك أو تهلكنا.

стр. 332

وقال قائل منهم: نحن نعبد الملائكة، وهى بنات الله، وقال قائل منهم: «لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا» . تقاولوا طالبين ايات حسية، ومستعجلين العذاب، ثم قال عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب «يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله، ثم سألوك أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب، فو الله لا أومن لك أبدا، حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى منه وأنا أنظر، حتى تأتيها وتأتى معك بنسخة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول: «وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أنى لا أصدقك» «١» . ٢٤٢- طلبوا ما طلبوا لا ليؤمنوا، ولكن ليحرجوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وليعلنوا قوة جدالهم، وهم قوم خصمون كما قال الله تعالى، ولعل الذى يفضح حقيقة نياتهم قول الهاشمى ابن عاتكة بنت عبد المطلب: وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أنى لا أصدقك، فكأنه يصرح بأن التكذيب سابق للدليل، وأنه راكز فى النفوس لا يخرج منها، حتى بعد تلك الايات التى طلبوها، فلو استجيبت مازادوا إلا إعناتا، وكانوا كما حكى الله عنهم: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ «٢» . ومطالبهم التى قدمت كانت للتعنت لا طلبا للدليل، فإن ما جاء به محمد ﷺ حق واضح فى ذاته، تبعه مؤمنون لما فيه من الحق، وقد صحبه الدليل الذى يثبت أنه من عند الله قرانا غير ذى عوج يهدى الضال، ويرشد السارى فى الظلام، وهو المصباح المزهر، الذى يعجز العرب وغير العرب عن أن يأتوا بمثله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٣» . وخلاصة هذه المطالب أنهم: ١- يطلبون أدلة مادية، طلبوا منه أن يوسع عليهم أرضهم، وأن يبعث أمواتهم. ٢- وطلبوا أن يبعث لهم ملكا يشهد لنبوته.

стр. 333

٣- وطلبوا منه أن يجعل أرضهم القاحلة جنات، وفيها كنوز، وفيها قصور من ذهب وفضة، واتهموه كذبا بأنه يعلمه رجل من اليمامة. ٤- وطلبوا أن يسقط عليهم من السماء كسفا. ٥- وطلبوا منه أن يحضر سلما يرقى فيه إلى السماء، وأن ينزل ومعه كتاب فى قرطاس. طلبوا ذلك لا ليؤمنوا ولكن ليحرجوه ﵊، ولو كانوا طلاب إيمان ما طلبوا أن ينزل عليهم كسفا من السماء، لأن ذلك يبيدهم، ولا إيمان بعد هذا الإنزال. ولقد كان صادقا عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة بن عمته عاتكة بعد أن طلب ما طلب أنه لم يعد بالإيمان إن جاء بما طلب، بل ختم القول بأنه لا يظن أنه سيصدق إن جاء. وإن النبى ﵊ لم يطلب إلى الله تعالى أن يجيبهم فيما طلبوا، بل رد طلبهم لأنه يعلم أنهم إن أجيبوا ولم يؤمنوا، فالهلاك كما هلكت عاد وثمود، والنبى ﷺ يعلم أن شريعته باقية خالدة، وأن لها معجزة خالدة باقية بخلودها، فلا تناسبها معجزة تحدث ثم تنتهى. وقد حدثوا أنهم لما سألوا النبى ﵊ تلك الأسئلة وطلبوا تلك المطالب أوحى إليه «إن شئت أن تستأنى بهم وإن شئت أن تؤتيهم الذى سألوا، فإن كذبوا هلكوا كما أهلكت من قبلهم» فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «بل أستأنى بهم» . ولقد روى أنهم قالوا للنبى ﵊، ادع ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن لك، قال ﵊: وتفعلون ذلك، قالوا: نعم، فدعا، فأتى جبريل فقال: «إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة، قال الرؤف الرحيم صلوات الله وسلامه عليه: بل التوبةو الرحمة» . وإن مطالبهم والرد عليها قد سجلها القران الكريم فقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ، فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ، قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا «١» .

стр. 334

وقد أشار إلى هذه المطالب فى ايات أخرى، وبين أنهم لو جاءتهم لا يؤمنون فقال تعالت كلماته: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ، مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ، وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً، وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ، فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ. وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ «١» . طلبوا كل هذا لا ليؤمنوا، فقد سبق القول بالكفر، وإذا سبق الاعتقاد الباطل فى أمر فإن كل الاتجاهات لإثبات هذا البطلان، بالسلب إذا لم يأت لهم الدليل الذى يريدونه، وبالإيجاب بالإنكار وعدم الإقرار، فإن التعنت لا تزيده قوة الدليل إلا إصرارا، وكثرة الأدلة إلا لجاجة فى الإنكار. وإن الله تعالى قد اختار لهم القران دليلا، ليعطيهم فرصة للتفكير، وهو يخاطبهم فى أمر الدعوة، وقد تتولد التوبة والغفران، أما الأدلة الحسية، فإنها تجيء دفعة، فإما العقاب وإما الإيمان، وفى الماضى عبرة فما جاءت اية من نوع ما يطلبون إلا كانت النتيجة هلاكا، ولم تكن إذعانا، لأنهم ما كانوا ليذعنوا بالحق، بل قد سبق التكذيب، وقد قال تعالى يشير إلى ذلك: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً، فَظَلَمُوا بِها، وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً «٢» . ٢٤٣- ما كانت هذه الأسئلة، إلا لإظهار النبى ﵊ بمظهر العاجز، وإذا ظهر عجزه فى زعمهم اتخذوا من ذلك ذريعة لمنع الناس عن اتباعه، وللوقوف ضد ينبوع الإيمان الذى يسرى، ولا ينقطع، ولكن هل تحقق ما أرادوا، لقد ثبت بذلك صدقه، وأنه لا يريد إلا الحق، والأتباع يزيدون ولا ينقصون ولا يرتد أحد، بل يزدادون إيمانا. وإنهم يحيلون موضع الجدل ايات، والقضية توحيد أو تعدد. فهل يجادلون فى الله، وهو شديد المحال.

стр. 335

الاستعانة باهل الكتاب ٢٤٤- سبق المشركون إلى الإنكار، فكذبوا بالحق لما جاءهم وسدوا مداخل الإيمان إلى قلوبهم، والناس رجلان: رجل يدرك الحق بعقله وقلبه فيدركه بمجرد سماعه، وهذا يطلب الدليل ليطمئن قلبه، وليزداد إيمانا، فالدليل لا ينشيء الإيمان فى قلبه ولكنه يزيده تثبيتا. هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً «١» . واخر يسارع إلى الكفر، ويسابق بالإنكار، فيكون قلبه أغلف قد سدت مداخل الإيمان إليه، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «٢» ، وأولئك لا يطلبون الدليل ليسيروا فى نوره، بل يطلبونه ليعجزوا من يخاصمهم، وينحرف بهم القول، وانظر ما قاله تعالى فى شأن عتاة المشركين الذين كانوا يقاومون النبى ﵊،، فهو يقول تعالت كلماته: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ «٣» . أحس المشركون بعد المطالب التى قدموها أن أحدا لم يفقد الثقة بمحمد ﷺ ، بل كانت دليلا على حمقهم، وانهوائهم فى هاوية من التفكير ليس معها رشاد، إذ كيف الدليل الذى لو نفذ لماتوا قبل أن يستجيبوا، كإنزال مطر من حجارة أو عذاب أليم. عجزوا عن الاستدلال الذى كشف جهالتهم، فعمدوا إلى الاستدلال الإضافى بالاستعانة بأهل الكتاب عساهم أن يعينوهم، على وقف التيار العذب الذى يدخل به الناس فى الإيمان. ٢٤٥- روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن قريشا بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط إلى أحبار يهود بالمدينة فقالوا: سلوهم عن محمد ﷺ ، بعد أن تصفوا لهم صفته، وأخبراهم بقوله: إنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. خرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ، ووصفا لهم أمره، وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبى مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول، فروا فيه رأيكم:

стр. 336

(أ) سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجيب. (ب) وسلوه عن رجل طواف: طاف مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه. (ج) وسلوه عن الروح ماهى. فإن أخبركم بذلك فاتبعوه، وإن لم يخبركم، فإنه رجل متقول، فاصنعوا فى أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بما يفصل ما بينكم وبين محمد: قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبراهم بها، فجاؤا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسألوه عما أمر أحبار يهود. ويظهر أنهم ظنوا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سيردهم بتكرار دعوة الحق لهم كما فعل أول الأمر. ولكن خاب ظنهم. فقد أمهلهم، ولم يردهم لأن ذلك مما يمكن أن تشمل معجزته الكبرى، وهى القران الكريم،. ولذا وعدهم بالإجابة إن أجلوه، لأنه يتكلم من عند الله، فلا علم له إلا من عند الله العلى القدير. فقال لهم: أخبركم غدا بما سألتم عنه، ولم يستثن أى لم يعلق الإجابة على مشيئته الله. انصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خمس عشرة ليلة، لا يحدث له فى ذلك وحى، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة المكرمة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمسة عشر قد أصبحنا فيها لا يخبرنا فيها بشيء مما سألناه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكث الوحى عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة المكرمة ثم جاء جبريل. لماذا تأخر الوحى هذه المدة، ونجيب عن ذلك بجوابين: أولهما: أنه لم يستثن عندما قرر أنه سيجيب غدا، فلم يقل إن شاء الله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «١» . وثانيهما: أن مجيء الإجابة بعد طول انتظارها، وإرجافهم نحوها، وإشاعتهم عجز محمد ﵊ عن الإجابة، تكون للاجابة فائدة أنها تكون أوقع، إذ تكون فى وقت الحاجة إليها، فيكون فضل تمكين فى النفس، ويكون التحدى أشد تثبيتا فى النفس وأقوى لتكذيبهم ورد كيدهم فى نحرهم، إذ يكونون قد تقاولوا فى ذلك، فيكون ردهم قد علمه كل من أشاعوا بين يديه عجز محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فتكون دعوة التصديق للنبى ﵊.

стр. 337

وفوق ما تقدم فى الأمرين أن التأخير يدل على أن محمدا ﵊ لا يأتى بهذا الكتاب من عنده، وإنما يأتيه عن الله تعالى علام الغيوب الذى يعلم ما خلق وهو السميع البصير. ٢٤٦- أجيبوا عن الأسئلة الثلاثة- أجيبوا عن السؤال الأول بأن أولئك الفتية هم أهل الكهف الذين ذكروا فى السورة التى سميت بأسمائهم- ولننقل جزا من هذه السورة، فقد قال تعالت كلماته: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً. فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً. ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً. وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً. هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً. وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ، وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً. وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ، وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ، ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً ... «١» إلى اخر القصة التى تختم بقوله تعالى: وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً. هذه إجابة السؤال الأول، وهو شطر من سورة الكهف، وتلاوته تسمعهم القران الكريم، وإسماعهم القران الكريم فى ذاته دعوة إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، وبتلاوته يدركون معنى الإعجاز. وأما الإجابة عن السؤال الثانى، وهو الرجل الطواف، فقد جاءت فى اخر سورة الكهف، إذ يقول تعالت كلماته وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً. فَأَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً. قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً.

стр. 338

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً. كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا إلى اخر القصة التى تختتم بقوله تعالى وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً «١» . وكانت الإجابة عن السؤال الثالث فى سورة الإسراء بقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا «٢» جاءت الردود ايات تتلى ويسمعها كل الذين أرجفوا بعجز محمد ﷺ فى تحديهم، فقرأوها، أو سمعوها، فكانت تتلى فيهم فى ضمن ما يتلوه النبى ﵊ عليهم، ولا شك أن لذلك أثرا قويا فيهم. وفيمن علم أمر المحاجة بينهم وبين الرسول ﷺ ، وفى مقدمة ما سرى فيهم من روح القران الكريم ودلائل إعجازه، فهل آمنوا؟ من المؤكد زادوا إيمانا بعد ذلك. إسماعهم القران الكريم ٢٤٧- عندما ذهب عتبة بن ربيعة يتودد للنبي صلي الله عليه وسلم باسم قريش، وعرض عليه السيادة فيهم، أو الملك، أو المال الوفير، أو أن يحضروا له طبيبا يعالجه من الرئي إن كان عنده رئي، فقرأ عليه النبي ﵊ بعد مجاوبة ترد ما يعرضون قوله تعالي: حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إلى اخر الايات، فأتي أصحابه، فقال لهم: «يا قوم أطيعونى في هذا الأمر اليوم، واعصوني فيما بعد، فو الله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما، ما سمعت أذناي كلاما مثله وما دريت ما أرد عليه» . كان المشركون حريصين علي أن يستمعوا للقران الكريم بعد أن عرفوا تأثيره، لا ليؤمنوا، ولكن ليعرفوه، وليعدوا العدة، ولأن بعضهم مع عناده، وجحوده وإصراره كان يخاف تهديده وإنذاره، بل كان يخاف مجرد تهديد من النبى صلى الله تعالي عليه وسلم. يروى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال لأبى جهل «يا أبا الحكم فو الله لتضحكن قليلا ولتبكين كثيرا» فأخذ التهديد قلبه المتحجر وألانه لحظة من الزمان، فقال متلطفا مع النبى ﷺ : «بئسما تعدنى يابن أخى من نبوتك» .

стр. 339

ونراه أحسن الخطاب بذكر رابطة وثيقة من القرب فى القبيلة، وذلك ما لم يؤلف من قبل. كان كبراء قريش يجذبهم القران الكريم لاستماعه، وإن لم يؤمنوا، لقد سمعه الوليد بن المغيرة، فقال لقريش فى وصفه «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو، ولا يعلى عليه، ما يقول هذا بشر» ولقد نفى أن يكون شعرا، ودفعته لجاجته فى الإنكار إلى أن يقول إنه سحر، وإن لم يرض بذلك الوصف القران الكريم ابتداء. وإذا كان المؤمنون قد جذبهم القران الكريم ومحبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وإخلاصهم، وإشراق قلوبهم بالإيمان، فالمشركون لعلمهم ببليغ القول، وشغفهم به، قد شغفهم القران الكريم، ولكن حالت بينهم وبين الإيمان ظلمات اعترت قلوبهم، خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «١» . ولقد شغفوا بسماع القران الكريم، لا فرق بين صغير وكبير، والصغير يؤمن والمتعنت لا يزيده السماع إلا كفرا وإعناتا، فإن قوة الدليل تملأ قلب المخلص إيمانا، وقلب الحقود الحسود كفرانا، ولجاجة، وكلما لج فى عناده زاد بغضا لمحمد رسول الله ﷺ ودعوته، والمستجيبين لها. ٢٤٨- ولقد روى ابن إسحاق عن ابن شهاب الزهرى أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل عمرو بن هشام والأخنس بن شريق بن وهب الثقفى حليف بنى زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يصلى من الليل فى بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه كل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلوراكم بعض سفهائكم لأوقعتم فى نفسه شيئا. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له. حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى اذا كان الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود. وقد تعاهدوا على ذلك، وقد قال الله فيهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «٢» . وكانوا بعد سماع القران الكريم يتذاكرون فيما بينهم ما سمعوا، فقد سأل الأخنس بن شريق الثقفى أبا سفيان عن رأيه فيما سمع، فقال: «أخبرنى أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟

стр. 340

فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها. وقال الأخنس: وأنا كذلك، وذهب الأخنس من عند أبى سفيان، وأتى أبا جهل فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد، فقال: ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشريف، أطعموا، فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتنى تحاذينا على الركب وكنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يأتيه الوحى من السماء فمتى ندرك مثل هذا؟ والله لا نؤمن أبدا، ولا نصدقه» وقد نقلنا ذلك الجزء من قول أبى جهل. ٢٤٩- والمقصود من ذلك الخبر أنهم كانوا ينجذبون نحو سماع القران الكريم، كما يتجه إلى السماع والتلاوة المؤمنون، بيد أن الفرق بينهما، كالفرق بين من يستمع طالبا الحق مذعنا له، ومن يطلب غير الحق، ولكن يجذبه إليه حلاوته وطلاوته. ولذلك ما كانوا يؤمنون، وكأن الله تعالى مقلب القلوب جذبهم إليه ليعرفوا البينات، والأدلة القائمة ليهتدوا، فإن كفروا من بعد ذلك فعن بينة وسماع، ومعرفة بالدليل، ثم الإعراض. وقد كان الإعراض شأن من كتب عليهم الضلال، ولا معذرة لهم لأنهم اشتروا الضلالة، ورغبوا عن الهداية، ومع أنهم كانوا يتهافتون على سماعه فى جنح الليل البهيم، وكلما تواعدوا ألا يفعلوا نكثوا فى عهودهم كان النبى ﵊ إذا تلا عليهم القران الكريم جهارا نهارا استهزؤا، ولم ينصتوا خشية أن يكثر أتباع النبى ﵊، وكانت دعوته قذى فى عيونهم، وغصة فى حلوقهم. قال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا تلا عليهم القران الكريم ودعاهم إليه، قالوا يهزؤن: قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه، وفى اذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون. فحكى الله تعالى عنهم قولهم: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً. وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ، وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً، وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ، وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا. وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً. قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً. أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ، فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ «١» .

стр. 341

وهذه الايات الكريمة مع ما ذكر من حرص عتاة الكفار على سماع القران الكريم تدل على ثلاثة أمور: أولها: أن القران الكريم كان يجذبهم إلى الاستماع إليه، لما فيه من بلاغة تجذب أهل البيان لاستماعه وتعرف منزلته، وبهذا يدركون الفرق بين كلامهم وكلامه، ويذكرون الفرق بين البيان البشرى، وكلام رب العالمين حجة الله تعالى البالغة إلى يوم الدين، وإذا كانت الايات الحسية تبهرهم وتقرع أسماعهم، فيراها أكثرهم بينة، فكذلك تلك الاية المعنوية تجذب قلوبهم وتسترعى أسماعهم، فيعلم بها الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم، وبذلك تقوم الحجة، وتقوم البينة، ولا حجة لهم فى الجهل، ولا فى الاعتذار. ثانيها: أنهم مع عدم المطالبة بأن يأتوا بمثله قد أحسوا بالعجز عن أن يأتوا بمثله، كما رأوا فيه من بيان لا يصلون إليه، وروعة بلاغة لم يستمعوا إليها، حتى يقول قائلهم، وقد استمر على كفره وضلاله: «إنه يعلو ولا يعلى عليه، ما يقول هذا بشر» فهم أذعنوا لبلاغته، ولم يذعنوا لدعوته، فاستحبوا الكفر على الإيمان، مع قيام الدلائل. ثالثها: إن إنكارهم سبق الرغبة فى طلب الحقيقة، ومن كان كذلك لا يهديه دليل، ولا تقنعه حجة، لأنه حينئذ لا يطلب حقا، فلا يحاول أن يتعرف الطريق الذى يتأدى به إلى الإيمان، لأن من سلك طريقا معوجا غير موصل إلى المطلوب للحق، لا يصل إليه، وكلما أمعن فيه بعد عن الهداية كلما أوغل ازداد نكرا، ومهما يناده رائد الحق لا يستمع إليه، لأنه بعد عنه وإن يسمع لا يكن جواب من قلبه. ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى الحق، لأن الأمارات والظواهر هادية قائمة، والطريق المستقيم هو الإخلاص فى طلب الحق غير مربد قلبه بهوى أو شهوة، أو أثرة ما حقة للخير مغلقة على النفس أبوابه. الايذاء والفتنة ٢٥٠- منذ جاءت الدعوة المحمدية، وقد حاول أهل العصبية الجاهلية الذين ينفسون على البيت الهاشمى مكانته، والذين من دأبهم أن يحسدوا الناس على ما اتاهم الله، والذين ألفوا رجس الجاهلية من عبادات، وتحريم الطيبات من الرزق، وقد حاول كل أولئك مجتمعين ومنفردين الوقوف فى وجهها، وهى تنمو وتزيد، تسعى قدما، ولا تتأخر. وإذا كان السير بطيئا، فهو متواصل من غير وناء ولا قصور، وكلما انبلج نوره واتسعت دائرته، ظنوا أنها دعوة قابلة للإنطفاء، فحاولوا إطفاءها بالحيلة والعرض الذى يشبه

стр. 342

الرشوة، فما أجدى ذلك فتيلا، وحاولوا الإعجاز بالجدل فارتدوا على أدبارهم خاسئين وقامت الحجة عليهم وحاولوا أن يهوشوا على القران الكريم وهو يتلي، وتعاهدوا أن يلغوا فى القران الكريم والنبى ﷺ يتلو. حاولوا كل هذا، ولم يجد شيء منه، والإسلام سائر فى طريقه، وإن كانت العقبات، فهى لا تعوق السير، وإن أبطأته، ولم يجدوا سبيلا الا إلى أمرين: أحدهما الإيذاء المستمر لمن لا حول له ولا قوة، ولمن اثر السلام والعافية، وهذب قلبه الإيمان فاعتقد أن الإيمان يوجب عليه الصبر على البلاء، وألا يقاوم السيئة بمثلها ولو قدر عليها، وعلى رأس هذا الفريق صاحب الرسالة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعه صديقه أبو بكر، ومع هؤلاء العبيد والفقراء الذين لا يملكون سطوة ولا عشيرة لهم. ثانيهما: الاستعانة بمن يحسبون أن له سلطانا أدبيا على محمد ﵊ وهو أبو طالب، لأنه عمه الذى كفله صغيرا وهو رأس بنى هاشم وهو الذى يحميه كبيرا. فلما لم يجدوا واحدا من الأمرين زادوا فى الإيذاء وجعلوه جماعيا، ولم يجعلوه أحاديا فقط، ووجدوا بنى هاشم مؤمنهم وكافرهم مع محمد ﵊ يحميه بأنفة العشيرة، إلا من كتب الله تعالى عليه أن يكون لهبا فى جهنم وهو أبو لهب، فقد كفر بالله، وكفر بالقرابة، وكفر بالحمية، حمية العشيرة والنصرة، وأسلم ابن أخيه، فضلّ ضلالا بعيدا. ايذاء الضعفاء: ٢٥١- قال ابن اسحاق: أنهم عدوا على من أسلم، واتبع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحسبونهم، ويعذبونهم بالضرب، وبرمضاء مكة المكرمة إذا اشتد الحر، ممن استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذى يصيبه، ومنهم من يثبت ويعصمه الله تعالى منهم. وقد كان المؤمنون الصادقون يعينون العبيد من المؤمنين الذين سارعوا إلى الإيمان فى أول الدعوة، ويعينون الفقراء ليصابروا الذين يؤذونهم، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد جعل كل ما كان يملكه من مال هو وزوجه خديجة لهؤلاء الضعفاء، وابتدأ محمد ﵊ يخرج من المال والنشب، لكيلا يحاجزه عن الدعوة حاجز، وليكون ما عنده عونا لأهل الإيمان المستضعفين منهم. إذن لقى العبيد أشد العنت عندما اعتنقوا دين الحرية.

стр. 343

بلال رضى الله عنه واخوانه: ٢٥٢- كان من أول الناس إسلاما بلال بن رباح، كان رقيقا عند أمية بن خلف، كان يخرجه عند الظهيرة فى الحر الشديد فيطرحه على ظهره فى بطحاء مكة المكرمة. ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره؛ ثم يقول له: لا تزال على ذلك حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيحتمل البلاء على أن يكفر بمحمد ﷺ ، وأن يعود إلى الشرك فيقول ملهوفا: أحد- أحد-؛ وتأويلها الله أحد. يلفظها فى عجلة لشدة البلاء وللمسارعة بإثبات الصبر، وعدم الاستجابة لما يطلبونه، ولو لاقى أشق البلاء. ولكن ذا المروءة المؤمن مر عليه وهو فى هذا العذاب، فكان له غوثا- وهو أبو بكر الصديق، عتيق النار ومعتق أهل الإيمان. فقال لأمية: ألا تتقى الله تعالى فى هذا المسكين، حتى متى؟. قال أمية: أنت الذى أفسدته فأنقذه مما ترى. قال الرجل الكريم أبو بكر: أفعل، عندى غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به. قال أمية: قد قبلت. وحسب أن صفقته رابحة، لأنه أخذ عبدا قويا هو أملك لعنانه. وأخذ أبو بكر بلالا فرحا بما أعطاه الله تعالى وأعتقه، وكان مؤذن الإسلام من بعد. وقد أعتق أبو بكر مع بلال ستة اخرين. فكانت العدة سبعة. وهؤلاء الذين من الله تعالى عليهم بالحرية فداء لهم من العذاب على يد أبى بكر صديق هذه الأمة. عامر بن فهيرة الذى كان فى الجهاد فى غزوة بدر وغزوة أحد، وأم عبيس، وزنيرة النهدية وبنتها؛ وكانتا لامرأة من بنى عبد الدار فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهى تقول: والله لا أعتقكما أبدا. فقال أبو بكر رضى الله عنه: حلى (أى تحللى من يمينك) . فقالت له: حل أنت، أفسدتهما، فأعتقهما. قال: فبكم هما؟ قالت بكذا وكذا. قال أبو بكر قد أخذتهما، وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها. قالتا رضى الله عنهما: أو نفرغ منه يا أبا بكر، ثم نرده إليها؟ قال الصديق: وذلك لكما إن شئتما.

стр. 344

ومر بجارية وكان عمر فى أيام شركه معذبها لتترك الإسلام، فيضربها حتى يمل. فيتركها ملالة لا شفقة. فابتاعها أبو بكر وأعتقها «١» . ويروى أنه نزلت فيه هذه الايات: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى. وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى. إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى. وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى. فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى. لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى. الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى. وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى. وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى. إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى. وَلَسَوْفَ يَرْضى «١» . ال ياسر رضى الله عنهم وغيرهم: ٢٥٣- هو بيت أسلم كله، وامن بالله ، وفيه ضعف من المال والجاه وناله ضعف الرق. فرأس الأسرة ياسر، وهو أبو عمار، عذب، وأمه سمية، عذبت، وذهب الفجور بأبى جهل إلى أن يضربها برمح فى بطنها فماتت. فكانت أول شهيد فى الإسلام مات فداء لدينه. وحمل عمار أشد العذاب، وقبله طيبا راضيا، ولقد مر به النبى ﵊ وهو يعذب، فقال: صبرا أبا اليقظان، ثم قال: اللهم لا تعذب أحدا من ال عمار بن ياسر. وكان ال مخزوم يعذبونهم اذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة المكرمة، وقد مر النبى ﵊ بهم، وهم يعذبون، فقال ﵊: صبرا ال ياسر، فإن موعدكم الجنة. ولقد كانوا أحيانا ينالون منهم حتى يفتنوهم عند دينهم، فينطقون بكلمة الكفر تحت ضغط العذاب، ولقد شددوا العذاب على عمار، وما تركوه حتى نال من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؛ فبين له ﵊ ألامؤاخذة على من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. ولقد ذكر سعيد بن جبير أنه سأل عبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما يعذرون به فى ترك دينهم، قال: نعم، إنهم كانوا يضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوى جالسا من شدة الضرب الذى نزل به حتى يعطيهم ما سألوه

стр. 345

من الفتنة. وحتى يقولوا له اللات والعزى إلهان من دون الله. فيقول: نعم افتداء. منهم بما يبلغون من جهداهم. ويقول ابن كثير: «وفى مثل هذا أنزل الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ، وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ. أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ. لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ «١» فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله تعالى من ذلك بحوله وقوته» «٢» . التهديد بالتشنيع: ٢٥٤- تفننوا فى الإيذاء، فمن لم يكن له من يحميه من أهل وعشيرة يؤذونه بالتعذيب، والضرب الشديد، ولقد بلغت النذلة بأبى جهل اللعين أن يضرب امرأة بالرمح فى موضع عفتها، حتى ماتت، من غير أى تحرج من أدب إنسانى، أو عروبة نبيلة، هذا شأن من لم تكن له عشيرة تذود عنه، أو تمنعه. ومن كان له عشيرة أخذوه بالتشنيع عليه، وكان يتولى ذلك أبو جهل سفيههم. وشيخ أراذلهم، وقد حكى ابن إسحاق فى سيرته ذلك، فقال: «كان أبو جهل الفاسق الذى يغرى بهم فى رجال قريش إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه، وقال له: تركت دين أبيك، وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنفيلن رأيك، ولنضعن شرفك، وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به» «٣» . ولقد كان الكافرون من كبرائهم إن أسلم واحد منهم، لم يمنعوا أمثال أبى جهل من لومهم. وإن كانوا يمنعونه وأشباهه من قتلهم، حتى لا تأخذهم معرة عصبية جاهلية. لقد أسلم رجال، فأراد بنو مخزوم قبيل أبى جهل، أن يلوموهم على الطريقة التى أشرنا إليها من تسفيه أحلامهم ولكنهم خشوا شر قومهم فاستأذنوهم وأذنوا، قالوا إنا أردنا أن نعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدين الذى أحدثوا، فإنا نأمن بذلك غيرهم.

стр. 346

قالوا ذلك لهشام بن الوليد حين أسلم أخوه فى النفر الذين أشرنا إليهم، فقال لهم: هذا لكم فعليكم به فعاتبوه، وإياكم ونفسه، احذروا على نفسه، فأقسم بالله لئن قتلتموه لأقتلن به أشرفكم رجلا، فقالوا فى أنفسهم اللهم العنه، فو الله لو أصيب فى أيدينا لقتل أشرفنا رجلا، فتركوه، ونزعوا عنه «١» . ومن كان له دين لا يعطونه، ويمطلونه إذا أسلم، بل لا يؤدون الدين. ومن هؤلاء خباب بن الأرت، كانوا يعذبونه، وينزلون به الأذي لأنه لم يكن ذا عشيرة تحميه، ومع ذلك كانوا يحاربونه في صناعته، فلا يعطونه أجر ما صنع. روى البخارى عن خباب بن الأرت قال «كنت رجلا قينا «٢» . فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه، فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت لا والله لا أكفر بمحمد، حتى تموت ثم تبعث، قال فإنى إذا مت ثم بعثت جئتنى ولى ثم مال وولد. فأعطيك، فأنزل الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا، وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً. أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً. كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا. وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً «٣» . مصابرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ٢٥٥- كان النبى ﵊ يلقى فى قلوبهم ببيان أن الإيمان يوجب تحمل المشاق، وأن ثواب الاخرة ثمنه تحمل ما يقتضيه الحق فى الدنيا، وببيان أن الله تعالى ناصر عباده المؤمنين بعد أن يبلو إيمانهم ويظهر صبرهم. روى البخارى عن خباب بن الأرت أنه قال: «أتيت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو متوسد ببردة وهو فى ظل الكعبة الشريفة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؛ فقعد؛ وهو محمر وجهه. فقال: قد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد مادون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، ما يخاف إلا الله ... ولكنكم تستعجلون» . شكا المؤمنون إلى النبى ﵊ من حر الرمضاء، واستنصروا فطالبهم النبى ﷺ بالصبر، فلا إيمان من غير صبر، وكأنه ينبئهم بما أنبأ القران الكريم من بعد، وهو أن الجنة جزاء الصبر، وأنه لابد من الابتلاء:

стр. 347

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا، حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ «١» . هذا ولأن النبى ﷺ لو دعا عليهم لا جتثهم الله تعالى من فوق الأرض، وما وجد للإسلام أحد يحمل دعوة الرسول ﵊ من بعدهم، ولذلك كانت إجابة النبى ﵊ لما أخبره بأن الله يطبق عليهم الأخشبين (جبلى مكة) قال خاتم النبيين ﵊: «إنى لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى» وقد حقق الله تعالى رجاءه، فكان منهم من يعبد الله تعالي، بل كان منهم من حمل السيف مجاهدا فى سبيل الله، وكان من أصلابهم من حملوا النور، إلى مشارق الأرض ومغاربها. الاذى ينزل بشخص النبى ﵊: ٢٥٦- لقد كان لأذى الضعفاء أنين، وشكوى، وسمع النبى ﵊ أنينهم، فكان له ألما ممضا، وشكوا إليه فأشكاهم بالصبر وبشرهم بالجنة، وما كان ليكون نبى الرحمة إذا لم يذق من الكأس الدهاق من الالام التى يتجرعونها، وما كان ليدعو إلى المساواة فى السراء والضراء، إذا لم يشاركهم فيهما. كان بنو هاشم يمنعونه من أن يقتل، ولكنهم ما كانوا ليمنعوه من أن يسفه ويستهزأ به ويؤذى بغير القتل، بل كان يتجرأ على ذلك سفهاؤهم من أمثال أبى جهل، بل من أمثال عمه أبى لهب الذى سلط ابنه اللعين ابن اللعين من أن يتفل فى وجه النبى ﵊ فى حضرة كبير البطحاء أبى طالب الكريم ابن الكريم. وإنه يروى البخارى بسنده عن عروة بن الزبير عن عمرو بن العاص، قال: بينما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يصلى فى حجر الكعبة الشريفة إذ أقبل عقبة بن أبى معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر رضى الله عنه، حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وتلا قوله: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ «٢» .

стр. 348

بل إن أبا جهل لعنه الله ليرمى فرث الجزور عليه، وهو يصلى صلوات الله تعالى وسلامه عليه، والنبى ساجد فتجيء فاطمة الزهراء وهى صغيرة، فتلقيه عن ظهر أبيها وهى تلعنهم. وإن الفجر ليصل بأبى جهل اللعين إلى أن يهم بقتل النبى ﵊ غير عابيء بأن يتحرك بنو هاشم للأخذ بثأره، وأنه لن ينجو من يد أبى طالب وسيف الله حمزة، فيجتمعوا فى ثأره، وإن تفرقوا فى اتباعه فى دينه، ولكنه الحقد الدفين يعمى ويصم، فلا يفكر الأحمق فى مغبة عمله، ولكن يفكر فقط فى شفاء غيظ نفسه الذى لا يكظمه. حدث ابن إسحاق بسنده أن أبا جهل شيخ السفهاء من قريش وقف بينهم يقول: يا معشر قريش، إن محمدا أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم ابائنا، وتسفيه أحلامنا، وسب الهتنا؛ وإنى أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر فإذا سجد فى صلاته فضخت به رأسه، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. فلما أصبح أبو جهل لعنه الله أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ... فقام يصلى، وقد غدت قريش فجلسوا فى أنديتهم. فلما سجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده ... وقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما بك يا أبا الحكم، قال: قمت لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط؛ فهم أن يأكلنى» «١» . وقد روى مثل ذلك البيهقى والإمام أحمد. وإن كان ما روى عن أحمد موجزا عن ذلك. مهابة محمد ﵊: ٢٥٧- هذا بعض ايذاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من المشركين، دع استهزاءهم إذا سار أو تكلم، ودع رميهم له بأنه ساحر ومجنون، ودع معاندتهم له، وهو يدعو القبائل إلى الاسلام، فهل كان ذلك سببه أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن المهيب، وأنه كان الهزيل الذى يجترأ عليه؟ والجواب عن ذلك أن محمدا ﵊ كان المهيب فى شخصه، والقوى فى ذات نفسه، والذى اتاه الله تعالى القوة الإنسانية الكاملة، فهو المرهوب المحبوب الذى لم يرد أن يكون مرهوبا، وإن أراد الرهبة كانت، والله تعالى يعصمه من الناس؛ ولكن الحمقى والسفهاء يغرون بالكرماء، وكان محمد ﵊ كريما، ولم يرد أن يكون مخوفا مفزعا، بل أراد أن يكون أليفا قريبا دانيا، ليستطيع أن يتألف الناس ولا يرهبهم.

стр. 349

وقد كان ﵊ يفرض الرهبة فى قلوب المشركين إن كان لذلك موضع، ولنذكر موضعين كانت فيهما مهابة الرسول فاصلة، قاطعة حاسمة: أولهما: ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: «رأيتهم وقد اجتمع أشرافعهم يوما فى الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا وشتم اباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب الهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم. فبينما هم في ذلك، إذ طلع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأقبل يمشى، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك فى وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فمضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها فى وجهه، فمر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها فقال لهم: أتسمعون معشر قريش، أما والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذبح. فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع، حتى إن أشدهم فيه قبل ذلك ليرفوه، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول. إن هذا الذى أفزعهم عزمة محمد ﷺ ، وقد أخذتهم الدهشة، وأرعبتهم الهيبة، وإذا كانوا بعد ذلك تكاتفوا واعتزموا أن يؤذوه فى مكانه هذا، فإن هذا لا يمنع تأثير مهابته فيهم، وما استطاعوا لها ردا إلا بعد طول مؤامرة ومجاوبة، وإصرار على مقاومة الهيبة، ولو أرادها فى الثانية لكان أفزع لهم، وأروع، ولكنه كان يميل إلى اللين دائما. الثانى: ما كان فى قصة الأراشى، فقد قدم رجل من أراش بإبل له إلى مكة المكرمة، فابتاعها منه أبو جهل فمطله بأثمانها، فأقبل الأراشى، حتى وقف ينادى فى قريش، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالس فى ناحية المسجد، فقال الأراشي: «يا معشر قريش من رجل يعدينى على أبى الحكم بن هشام، فإنى غريب وابن سبيل، وقد غلبنى على حقى» . فقال من بالمجلس من قريش مستهزئين بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ترى ذلك الجالس، مشيرين إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لما يعلمون من عداوة أبى جهل للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «اذهب إليه فهو يعديك عليه» . أقبل الأراشى حتى وقف على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فذكر له ذلك، فقام محمد ﷺ العظيم معتزما إنصاف الغريب، ولا سلطان معه إلا شخصه، وعون الله تعالى. فلما رأى المجلس القرشى المشرك قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ماذا يصنع.

стр. 350

خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى جاء إلى دار أبى جهل، فطرق الباب طرقة من اعتزم أن يملى إرادته على هذا الطاغوت الفاجر. قال: من هذا؟ قال: محمد ﷺ ، فاخرج. خرج إليه وما فى وجهه قطرة دم، وقد امتقع لونه. قال له رسول الله ﷺ بعزمة مرهبة لمثل أبى جهل: أعط هذا الرجل حقه. قال الطاغوت المتخاذل: لا تبرح حتى أعطيه الذى له، فدخل فخرج إليه بحقه، فدفعه إليه. انصرف رسول الله ﷺ ، وقد أحق الله الحق، بهيبة محمد رسول الله ﵊، وقال للأراشى: الحق لشأنك. وأقبل الأراشى على المجلس الذى وقف يدعو ناديه لينصروه، فقال عن النبى ﵊: جزاه الله خيرا فقد أخذت الذى لى. وقال الرجل الذى أرسلوه مراقبا للواقعة: «رأيت عجبا، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحه» . جاء أبو جهل فقالوا له: «ويلك مالك، فو الله ما رأينا مثل ما صنعت؟ فقال: ويحكم، والله ما إن طرق على بابى، وسمعت صوته، فملئت رعبا، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته وأنيابه لفحل قط، فو الله لو أبيت لأكلنى» . لماذا لم يرهبهم ﷺ بهيبته: ٢٥٨- لقد كان المشركون يريدون بأذاهم المؤمنين، ويختصون من لهم حلم ومروءة، ولا عنف فيهم، ولا يتوقعون مقاومة كأبى بكر وعثمان وجعفر بن أبى طالب، وعلى رأس هؤلاء محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وينالون الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة يقاومون بها. ولكن لم يعرف أنهم نالوا من عنده قوة بطش، ويذيقهم الكأس أكؤسا، فلم يعرف أنهم نالوا بالأذى حمزة بن عبد المطلب، لأنهم يتوقعون منه المقاومة، ولا يأمنون مغبتها، فقد علم ذلك أبو جهل اللئيم بموضعها من رأسه، ولم ينالوا بالأذى عمر بن الخطاب الذى شوه وجوههم، وأرغم معاطسهم، وطاح بهم مجتمعين، ولم ينالوه بالأذى لذلك، فقد كانوا يخافونه ويرهبونه. وما كان محمد ﵊، دون عمر مهابة، بل أعلى من ذلك كثيرا، ولا دون حمزة قوة نفس، ولا قوة بدن ولكنهم نالوا منه، فلماذا لم يستخدم مهابته وقوة نفسه وشخصه، مثل ما أجازه

стр. 351

لعمر وعمه حمزة، إذن لارعوى مثل أبى جهل فى نذلته، ولكنه لم يفعل، وتحمل الأذى فى سبيل الدعوة ولم يرهب ولم يفرغ، بل رضى بالبلاء ينزل به وبأصحابه الضعفاء. وإن ذلك هو عمل النبوة، إنه ﵊ ما جاء مسيطرا، ولكن جاء مبلغا، وما جاء متحكما، ولكن جاء داعيا مقنعا، فلو استخدم هيبته وأظهر الرهبة لتبعه الناس خائفين غير مقتنعين بذات الحجة، ولبدا النفاق فى الذين يجيبون دعوته، وليس الدين بقائم على المنافقين غير المؤمنين. إن الرسول الأمين يريد مؤمنين يدخلون فى الإسلام رغبا لا رهبا، ولا يكون عن خوف أيا كانت صورة الخوف. إن الإسلام الذى جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم جاء ليحمله الذين شاهدوا وعاينوا إلى الأخلاف من بعده، لأنه دين الخليقة كلها لا دين جيل من أجيالها، فلابد أن يحمله مؤمنون لا مجرد تابعين. ولا يكون ذلك إلا إذا كان الإيمان القوى الذى يصبر صاحبه ويصابر فى حضرة النبى ﵊، وينزل به البلاء فى حضرته فيحس ﵊ بقوة احتمالهم، ليطمئن من بعده بقوة التبليغ بالرسالة فى مشارق الأرض ومغاربها. إن الذين يدخلون فى الإسلام بهيبة النبى ﵊ سرعان ما يتركونه إذا غاب عنهم، واعتبر ذلك بحال المؤمنين فى المدينة فإنه لم يكن فيهم نفاق، حتى صار لأهل الايمان قوة يسيطرون بها، فكان النفاق، والذين دخلوا فى الإسلام تابعين غير مؤمنين إيمان الصابرين المصابرين. وكان من المسلمين بالاتباع بالإيمان المجاهد الصابر، وكان منهم الأعراب الذين ساروا مع القوى، وقال فيهم الله تعالي: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً، وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ «١» وهم الذين ارتدوا بعد موت محمد ﷺ ، إن الله تعالى أمر رسوله بالدعوة بالحكمة، فقال تعالي: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٢» وإن ذلك يقتضى أن يكون موطأ الكنف وديعا فى دعوته متطامنا لمن يخاطبهم، ليس فظا ولا غليظ القلب، ولا مرهبا ولا مفزعا. وإن تطامن النبى ﵊ كما جرأ عليه الأقوياء الذين يؤذون الحق إذا بدا وضحه المبين، قد قرب إليه الضعفاء وبهم كانت الدعوة الأولى وقوة الحق من غير سيطرة ولا تحكم. وإن تطامن النبى ﵊ والاعتداء عليه قرب بعض الأقوياء ولم يبعدهم. ألم تر أن كثيرين كانوا يسلمون لأنهم يرون أن محمدا ﵊ بماضيه الكريم، وحاضره العظيم

стр. 352

ما كان ليسمح لأحد أن يؤذيه إلا لطيب نفسه، فيكون الإيذاء جاذبا للأنظار مسترعيا للذين يعرفون ما ينبغى للأحرار، فيدعوهم ذلك إلى التفكير فى الذى يدعو إليه من غير تمييز لهم، ويكفى ذلك للدخول فى الإسلام مناصرا غير محارب ولا مجاهل. من أجل ذلك، ولأن الله أعلم حيث يجعل رسالته، وحيث يثبتها وينشرها ويذيعها اختار لنبيه ﵊ أن يتأتى للأمور بيسر وبرفق من غير عنف أو رهبة، ولو كان بقوة النفس لا بقوة السيف. الهجرة إلى الحبشة ٢٥٩- عدد الذين اتبعوا محمدا ﷺ ، وتابعوه فى الصبر على الأذى يزيد ويكثر، ولم يقتصر على الضعفاء. بل دخل فيهم أشراف من مكة المكرمة، وبتزايد العدد يتزايد الاضطهاد ويكثر ويتنوع. فمن إيذاء بالأيدى والسياط، والإلقاء فى الرمضاء فى الحرور، ومن أفعال لا تصدر إلا عن السفهاء الأنذال. كما فعل أبو جهل مع النبى ﵊ وغيره، ومن استهزاء وسخرية، ومن منع من العبادة. ويجدون فى ذوى الكرامات مرتعا خصيبا للنيل من كراماتهم. أصبح الإيذاء عاما ولا مناص من التخلص منه، وهم بمكة المكرمة وما حولها فلابد من الهجرة، وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً «١» وإلى أى أرض يهاجرون. لابد من أرض تتوافر فيها الحرية، وتكون بعيدة عن سطوة مكة ومن فيها قريش. ولهم مكانة فى القبائل، وتكون تحت سلطان حاكم فيه طيبة لا يؤذى ولا يمكن أحدا من الإيذاء. حتى يكونوا فى بعد عن الاضطهاد واحتماله. وذلك فى أرض الحبشة. فهى بعيدة عن سطوة قريش. وهى لا تدين لقريش بالاتباع كغيرها من قبائل. وفيها حاكم طيب عرف بذلك واشتهر، فأشار النبى ﵊ بالهجرة إليه. وقال ﵊ لأصحابه وقد رأى البلاء ينزل بهم. وهو لا يقدر على منعه عنهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهى أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» . كانت أول زمرة من الهجرة إلى الحبشة فى السنة الخامسة من مبعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ولا شك أن الهجرة لها ثمرة أخرى غير دفع الأذى، والاعتصام منه ومنع الفتنة التى أرهقوا بها عسرا، وهذه الثمرة هى التعريف بالإسلام، وبالمباديء الإسلامية، فقد وقف جعفر بن أبى طالب

стр. 353

المتحدث باسم المهاجرين أمام النجاشى يبين الحقائق الإسلامية، وما يدعو إليه دين الواحدانية من صلة الأرحام، والحث على مكارم الأخلاق، وما يمنعه من فساد الجاهلية والعصبية المغرقة. وقد نقلنا ذلك من قبل. وهناك ثمرة أخرى أن الهجرة إلى الحبشة تعرف النصارى بالإسلام، وما قاله فى عيسى ﵇. فهى تزرع الإسلام فى أرض غير أرض مكة وتباينها، كما أن الهجرة من بعد ذلك إلى المدينة كان فيها تعريف اليهود بالإسلام ودعوتهم إليه. فأسلم من أسلم وكفر وقاوم وعاند من كفر: فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها «١» . وقد هاجروا زمرا، وكان فى أول زمرة عثمان بن عفان ومعه رقية بنت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والتى تزوجها ذو النورين عثمان بن عفان بعد أن تركها وأختها ابنا أبى لهب اللعين، وكانت عدة الزمرة الأولى نحو عشرة من الرجال والنساء. ثم توالت الهجرة بعد ذلك. ويقول ابن إسحاق: كان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا، أو ولدوا بها ثلاثة وثمانين» «٢» . وقد ناقش هذا الرقم ابن كثير، وانتهى إلى أن الشك فى كون الزائد عن الثمانين ثلاثة وروى عن الإمام أحمد عن ابن مسعود أنه قال: «بعثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن نبلغ نحوا من ثمانين» «٣» . ٢٦٠- وأبو بكر لم يكن من الذين هاجروا، ولكن قدر الله تعالى شرف الهجرة فى صحبة أكرم خلق الله محمد بن عبد الله ﷺ وذلك أنه كما روى ابن إسحاق والبخارى عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت «حين ضاقت عليه (أبى بكر) مكة، وأصابه فيها الأذى، ورأى تظاهر قريش على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه ما رأى استأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الهجرة فأذن له، فخرج رضى الله تعالى عنه مهاجرا إلى الحبشة، حتى إذا سار من مكة يوما- أو يومين- لقيه ابن الدغنة أخو بنى الحارث بن أبى بكر، وهو سيد الأحابيش، فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجنى قومى، واذونى وضيقوا على. قال: ولم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فإنك فى جوارى. فرجع معه، حتى إذا دخل

стр. 354

مكة قام معه ابن الدغنة، فقال: يا معشر قريش إنى قد أجرت ابن أبى قحافة، فلا يعرض له أحد إلا بخير، فكفوا عنه. أقام أبو بكر فى منزله، وكان له مسجد عند باب داره فكان يصلى فيه، وكان رقيقا، إذا قرأ القران استبكى، فيقف عليه الصبيان، والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيبته، فيمشى رجال قريش إلى ابن الدغنة، فقالوا: يا ابن الدغنة إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق وله هيبة، ونحن نتخوف منه على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم فأته فمره بأن يدخل بيته فليصنع ما شاء، فمشى ابن الدغنة إليه، فقال يا أبا بكر إنى لم أجرك لتؤذى قومك، وقد كرهوا مكانك الذى أنت به وتأذوا بذلك منك فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال أبو بكر: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قال: فاردد على جوارى. قال: قد رددته عليك. فقام ابن الدغنة. فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد رد على جوارى، فشأنكم بصاحبكم» «١» . رضى أبو بكر بالبقاء فى العذاب أو الإيذاء، وهو يصلى مجاهرا بصلاته أمام داره، أو فى فنائها غير معتمد إلا على الله تعالى، ورضى بأن يكون قريبا من النبى متعرضا لما يتعرض له ﵊، مطمئنا إلى الأذى راضيا بذلك الجوار الكريم. متابعة الأولياء ومتابعة الأعداء: ٢٦١- سافر أولئك المهاجرون إلى أرض الحبشة فرارا بدينهم من أن يفتنوا فيه، وفرارا بأنفسهم من المهانة والاستهزاء والسخرية، فوجدوا حاكما طيبا، أكرم مثواهم، وتركهم فى أرضه أحرارا مطمئنين، ولقد رق أبو طالب لفراق ابنه جعفر، وما نزل بالمسلمين من أبناء مكة حتى فروا فأرسل إلى النجاشى يوصيه بهم. والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل إليه كتابا يشير فيه إلى البر بهم ويأمر بالإسلام معا، وهذا نص كتابه ﵊ كما جاء فى رواية البيهقى. بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشى الأصحم ملك الحبشة: «سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح «٢» الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخته، كما خلق ادم بيده ونفخه.

стр. 355

وإنى أدعوك إلى الله واحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى فتؤمن بى وبالذى جاءنى، فإنى رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرا، ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤك فأقرهم، ودع التجبر، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله ، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحته والسلام على من اتبع الهدى» . هذا كتاب فيه متابعة لأمرين: أولهما- أنه يدعو إلى الإسلام، فهو يتابع دعوته حيث تجد المناسبة والرجل المناسب، وقد وجد فيه قلبا مفتوحا يدخل فيه الحق مزدلفا، لأن العادل يستمع إلى الحق، وهو يكون ممن يستمعون إلى الحق فيتبعون أحسنه، وقد استجاب لدعائه، وامن بمحمد ﷺ ورسالته، وقد أجاب دعوة النبى ﵊ إلى الإسلام وكتب إليه ﵊ يقول: بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله ﷺ من النجاشى الأصحم بن أبجر سلام عليك يا نبى الله من الله، ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذى هدانى إلى الإسلام فقد بلغنى كتابك يا رسول الله، فيما ذكرت من أمر عيسى، فو رب السماء والأرض إن عيسى ﵇ ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقربنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صدقا ومصدقا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وأرسلت إليك بأريحا بن الأصحم ابن أبجر، فإنى لا أملك إلا نفسى، وإن شئت أن اتيك فعلت يا رسول الله، فإنى أشهد أن ما تقول حق» . ونرى من هذا أنه أرسل ابنه فى وفد من الحبشة للالتقاء بالنبى ﵊، وبيان الخضوع لطاعة الله ورسوله. الأمر الثانى- هو متابعته العطف على الذين هاجروا، فقد دعاه ﵊ إلى الإحسان إليهم فى إقامتهم وألا يرهقهم بتجبر ذوى السلطان. وإنه لفرط محبته ﵊ للذين هاجروا، ولإحساسه بوجوب الوفاء، وشكر من يستحق الثناء، والمقابلة الحسنة بمثلها على الأقل فإن النبى ﵊ عندما جاء الوفد الذى بعثه، كان ﵊ يقوم بخدمته بنفسه، فقد روى البيهقى بسنده عن أبى أمامة قال: «قدم وفد النجاشى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقام يخدمهم ﵊، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال إنهم كانوا لأصحابى مكرمين، وإنى أحب أن أكافئهم» .
следующие страницы →