← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لعمر وعمه حمزة، إذن لارعوى مثل أبى جهل فى نذلته، ولكنه لم يفعل، وتحمل الأذى فى سبيل الدعوة ولم يرهب ولم يفرغ، بل رضى بالبلاء ينزل به وبأصحابه الضعفاء. وإن ذلك هو عمل النبوة، إنه ﵊ ما جاء مسيطرا، ولكن جاء مبلغا، وما جاء متحكما، ولكن جاء داعيا مقنعا، فلو استخدم هيبته وأظهر الرهبة لتبعه الناس خائفين غير مقتنعين بذات الحجة، ولبدا النفاق فى الذين يجيبون دعوته، وليس الدين بقائم على المنافقين غير المؤمنين. إن الرسول الأمين يريد مؤمنين يدخلون فى الإسلام رغبا لا رهبا، ولا يكون عن خوف أيا كانت صورة الخوف. إن الإسلام الذى جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم جاء ليحمله الذين شاهدوا وعاينوا إلى الأخلاف من بعده، لأنه دين الخليقة كلها لا دين جيل من أجيالها، فلابد أن يحمله مؤمنون لا مجرد تابعين. ولا يكون ذلك إلا إذا كان الإيمان القوى الذى يصبر صاحبه ويصابر فى حضرة النبى ﵊، وينزل به البلاء فى حضرته فيحس ﵊ بقوة احتمالهم، ليطمئن من بعده بقوة التبليغ بالرسالة فى مشارق الأرض ومغاربها. إن الذين يدخلون فى الإسلام بهيبة النبى ﵊ سرعان ما يتركونه إذا غاب عنهم، واعتبر ذلك بحال المؤمنين فى المدينة فإنه لم يكن فيهم نفاق، حتى صار لأهل الايمان قوة يسيطرون بها، فكان النفاق، والذين دخلوا فى الإسلام تابعين غير مؤمنين إيمان الصابرين المصابرين. وكان من المسلمين بالاتباع بالإيمان المجاهد الصابر، وكان منهم الأعراب الذين ساروا مع القوى، وقال فيهم الله تعالي: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً، وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ «١» وهم الذين ارتدوا بعد موت محمد ﷺ ، إن الله تعالى أمر رسوله بالدعوة بالحكمة، فقال تعالي: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٢» وإن ذلك يقتضى أن يكون موطأ الكنف وديعا فى دعوته متطامنا لمن يخاطبهم، ليس فظا ولا غليظ القلب، ولا مرهبا ولا مفزعا. وإن تطامن النبى ﵊ كما جرأ عليه الأقوياء الذين يؤذون الحق إذا بدا وضحه المبين، قد قرب إليه الضعفاء وبهم كانت الدعوة الأولى وقوة الحق من غير سيطرة ولا تحكم. وإن تطامن النبى ﵊ والاعتداء عليه قرب بعض الأقوياء ولم يبعدهم. ألم تر أن كثيرين كانوا يسلمون لأنهم يرون أن محمدا ﵊ بماضيه الكريم، وحاضره العظيم

стр. 352

ما كان ليسمح لأحد أن يؤذيه إلا لطيب نفسه، فيكون الإيذاء جاذبا للأنظار مسترعيا للذين يعرفون ما ينبغى للأحرار، فيدعوهم ذلك إلى التفكير فى الذى يدعو إليه من غير تمييز لهم، ويكفى ذلك للدخول فى الإسلام مناصرا غير محارب ولا مجاهل. من أجل ذلك، ولأن الله أعلم حيث يجعل رسالته، وحيث يثبتها وينشرها ويذيعها اختار لنبيه ﵊ أن يتأتى للأمور بيسر وبرفق من غير عنف أو رهبة، ولو كان بقوة النفس لا بقوة السيف. الهجرة إلى الحبشة ٢٥٩- عدد الذين اتبعوا محمدا ﷺ ، وتابعوه فى الصبر على الأذى يزيد ويكثر، ولم يقتصر على الضعفاء. بل دخل فيهم أشراف من مكة المكرمة، وبتزايد العدد يتزايد الاضطهاد ويكثر ويتنوع. فمن إيذاء بالأيدى والسياط، والإلقاء فى الرمضاء فى الحرور، ومن أفعال لا تصدر إلا عن السفهاء الأنذال. كما فعل أبو جهل مع النبى ﵊ وغيره، ومن استهزاء وسخرية، ومن منع من العبادة. ويجدون فى ذوى الكرامات مرتعا خصيبا للنيل من كراماتهم. أصبح الإيذاء عاما ولا مناص من التخلص منه، وهم بمكة المكرمة وما حولها فلابد من الهجرة، وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً «١» وإلى أى أرض يهاجرون. لابد من أرض تتوافر فيها الحرية، وتكون بعيدة عن سطوة مكة ومن فيها قريش. ولهم مكانة فى القبائل، وتكون تحت سلطان حاكم فيه طيبة لا يؤذى ولا يمكن أحدا من الإيذاء. حتى يكونوا فى بعد عن الاضطهاد واحتماله. وذلك فى أرض الحبشة. فهى بعيدة عن سطوة قريش. وهى لا تدين لقريش بالاتباع كغيرها من قبائل. وفيها حاكم طيب عرف بذلك واشتهر، فأشار النبى ﵊ بالهجرة إليه. وقال ﵊ لأصحابه وقد رأى البلاء ينزل بهم. وهو لا يقدر على منعه عنهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهى أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» . كانت أول زمرة من الهجرة إلى الحبشة فى السنة الخامسة من مبعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ولا شك أن الهجرة لها ثمرة أخرى غير دفع الأذى، والاعتصام منه ومنع الفتنة التى أرهقوا بها عسرا، وهذه الثمرة هى التعريف بالإسلام، وبالمباديء الإسلامية، فقد وقف جعفر بن أبى طالب

стр. 353

المتحدث باسم المهاجرين أمام النجاشى يبين الحقائق الإسلامية، وما يدعو إليه دين الواحدانية من صلة الأرحام، والحث على مكارم الأخلاق، وما يمنعه من فساد الجاهلية والعصبية المغرقة. وقد نقلنا ذلك من قبل. وهناك ثمرة أخرى أن الهجرة إلى الحبشة تعرف النصارى بالإسلام، وما قاله فى عيسى ﵇. فهى تزرع الإسلام فى أرض غير أرض مكة وتباينها، كما أن الهجرة من بعد ذلك إلى المدينة كان فيها تعريف اليهود بالإسلام ودعوتهم إليه. فأسلم من أسلم وكفر وقاوم وعاند من كفر: فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها «١» . وقد هاجروا زمرا، وكان فى أول زمرة عثمان بن عفان ومعه رقية بنت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والتى تزوجها ذو النورين عثمان بن عفان بعد أن تركها وأختها ابنا أبى لهب اللعين، وكانت عدة الزمرة الأولى نحو عشرة من الرجال والنساء. ثم توالت الهجرة بعد ذلك. ويقول ابن إسحاق: كان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا، أو ولدوا بها ثلاثة وثمانين» «٢» . وقد ناقش هذا الرقم ابن كثير، وانتهى إلى أن الشك فى كون الزائد عن الثمانين ثلاثة وروى عن الإمام أحمد عن ابن مسعود أنه قال: «بعثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن نبلغ نحوا من ثمانين» «٣» . ٢٦٠- وأبو بكر لم يكن من الذين هاجروا، ولكن قدر الله تعالى شرف الهجرة فى صحبة أكرم خلق الله محمد بن عبد الله ﷺ وذلك أنه كما روى ابن إسحاق والبخارى عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت «حين ضاقت عليه (أبى بكر) مكة، وأصابه فيها الأذى، ورأى تظاهر قريش على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه ما رأى استأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الهجرة فأذن له، فخرج رضى الله تعالى عنه مهاجرا إلى الحبشة، حتى إذا سار من مكة يوما- أو يومين- لقيه ابن الدغنة أخو بنى الحارث بن أبى بكر، وهو سيد الأحابيش، فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجنى قومى، واذونى وضيقوا على. قال: ولم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فإنك فى جوارى. فرجع معه، حتى إذا دخل

стр. 354

مكة قام معه ابن الدغنة، فقال: يا معشر قريش إنى قد أجرت ابن أبى قحافة، فلا يعرض له أحد إلا بخير، فكفوا عنه. أقام أبو بكر فى منزله، وكان له مسجد عند باب داره فكان يصلى فيه، وكان رقيقا، إذا قرأ القران استبكى، فيقف عليه الصبيان، والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيبته، فيمشى رجال قريش إلى ابن الدغنة، فقالوا: يا ابن الدغنة إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق وله هيبة، ونحن نتخوف منه على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم فأته فمره بأن يدخل بيته فليصنع ما شاء، فمشى ابن الدغنة إليه، فقال يا أبا بكر إنى لم أجرك لتؤذى قومك، وقد كرهوا مكانك الذى أنت به وتأذوا بذلك منك فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال أبو بكر: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قال: فاردد على جوارى. قال: قد رددته عليك. فقام ابن الدغنة. فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد رد على جوارى، فشأنكم بصاحبكم» «١» . رضى أبو بكر بالبقاء فى العذاب أو الإيذاء، وهو يصلى مجاهرا بصلاته أمام داره، أو فى فنائها غير معتمد إلا على الله تعالى، ورضى بأن يكون قريبا من النبى متعرضا لما يتعرض له ﵊، مطمئنا إلى الأذى راضيا بذلك الجوار الكريم. متابعة الأولياء ومتابعة الأعداء: ٢٦١- سافر أولئك المهاجرون إلى أرض الحبشة فرارا بدينهم من أن يفتنوا فيه، وفرارا بأنفسهم من المهانة والاستهزاء والسخرية، فوجدوا حاكما طيبا، أكرم مثواهم، وتركهم فى أرضه أحرارا مطمئنين، ولقد رق أبو طالب لفراق ابنه جعفر، وما نزل بالمسلمين من أبناء مكة حتى فروا فأرسل إلى النجاشى يوصيه بهم. والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل إليه كتابا يشير فيه إلى البر بهم ويأمر بالإسلام معا، وهذا نص كتابه ﵊ كما جاء فى رواية البيهقى. بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشى الأصحم ملك الحبشة: «سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح «٢» الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخته، كما خلق ادم بيده ونفخه.

стр. 355

وإنى أدعوك إلى الله واحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى فتؤمن بى وبالذى جاءنى، فإنى رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرا، ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤك فأقرهم، ودع التجبر، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله ، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحته والسلام على من اتبع الهدى» . هذا كتاب فيه متابعة لأمرين: أولهما- أنه يدعو إلى الإسلام، فهو يتابع دعوته حيث تجد المناسبة والرجل المناسب، وقد وجد فيه قلبا مفتوحا يدخل فيه الحق مزدلفا، لأن العادل يستمع إلى الحق، وهو يكون ممن يستمعون إلى الحق فيتبعون أحسنه، وقد استجاب لدعائه، وامن بمحمد ﷺ ورسالته، وقد أجاب دعوة النبى ﵊ إلى الإسلام وكتب إليه ﵊ يقول: بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله ﷺ من النجاشى الأصحم بن أبجر سلام عليك يا نبى الله من الله، ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذى هدانى إلى الإسلام فقد بلغنى كتابك يا رسول الله، فيما ذكرت من أمر عيسى، فو رب السماء والأرض إن عيسى ﵇ ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقربنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صدقا ومصدقا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وأرسلت إليك بأريحا بن الأصحم ابن أبجر، فإنى لا أملك إلا نفسى، وإن شئت أن اتيك فعلت يا رسول الله، فإنى أشهد أن ما تقول حق» . ونرى من هذا أنه أرسل ابنه فى وفد من الحبشة للالتقاء بالنبى ﵊، وبيان الخضوع لطاعة الله ورسوله. الأمر الثانى- هو متابعته العطف على الذين هاجروا، فقد دعاه ﵊ إلى الإحسان إليهم فى إقامتهم وألا يرهقهم بتجبر ذوى السلطان. وإنه لفرط محبته ﵊ للذين هاجروا، ولإحساسه بوجوب الوفاء، وشكر من يستحق الثناء، والمقابلة الحسنة بمثلها على الأقل فإن النبى ﵊ عندما جاء الوفد الذى بعثه، كان ﵊ يقوم بخدمته بنفسه، فقد روى البيهقى بسنده عن أبى أمامة قال: «قدم وفد النجاشى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقام يخدمهم ﵊، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال إنهم كانوا لأصحابى مكرمين، وإنى أحب أن أكافئهم» .

стр. 356

٢٦٢- هذه متابعة لأصحابه الذين هاجروا إلى النجاشى، وهى متابعة الرحيم الحانى الذى يريد الاطمئنان على أصحابه الذين هاجروا إلى تلك الأرض النائية، ومازال بملكهما حتى صار فى صفهم، وطابت إقامتهم، وكرمهم تكريم الإخوة، لا تكريم العادل فقط. هذه متابعة الأولياء، أما متابعة الأعداء، فقد كانت على النقيض من ذلك، لم يكتفوا بأن أخرجوهم من ديارهم وأموالهم، بل أرادوا النكاية بهم، وأن يجعلوا المهجر يلفظهم، كما لفظوهم لأنهم رأوهم ينشرون الإسلام ويمدون ظلاله الوارفة، فدفعتهم العصبية الجاهلية لأن يفسدوا عليهم طيب الإقامة، والقرار، واستقامة أمورهم، فأرسلوا من يحاول إفساد النجاشى عليهم. قال ابن إسحاق: لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد استقروا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشى فيردهم عليهم، ليفتنوهم فى دينهم، ويخرجوهم من الأرض التى اطمأنوا بها، وآمنوا فيها، فأرسلوا عبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص «١» ، وأرسلوا معهم هدايا يدفعونها للنجاشى ليغروه بها. ولقد أزعج المهاجرين الأبرار. روى عن أم سلمة أنها قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار النجاشى أمينا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشى فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا النجاشى هدايا مما يستطرف من متاع مكة ... فجمعوا أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص، أمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته، قبل أن تكلما النجاشى فيهم، ثم قدما إلى النجاشى هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم ... فخرجا حتى قدما على النجاشى ونحن عنده بخير دار، عند خير جار «١» . لقد نفذ الرسولان ما أوصاهما به قومهما، وقدموا لكل بطريق هديته وذكروا عند إعطاء كل واحد هديته، أنه جاء إليهم غلمان من سفهائهم فى زعمهم، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم، فإذا تكلم الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فوعدهم البطارقة بما طلبوا. مهدوا للقاء الملك ذلك التمهيد القائم على رشوة البطارقة، ثم التقوا بالنجاشى، وقدموا هداياهم قبل أن يتكلموا، ثم تكلموا فى غيبة المهاجرين، فقالوا:

стр. 357

«أيها الملك انه قد ضوى «١» إلى بلدك منا سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك، وجاؤا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من ابائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى «٢» بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه. عندئذ تكلم البطارقة، وحركت الهدايا لهواتهم، فقالوا: صدقا، أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، ليرداهم إلى بلادهم. أحس النجاشى بالحملة الباطلة، فرد الكيد ردا حاسما وقال: لا أسلمهم إليهم ولا يكاد قوم جاورونى، ونزلوا بلادى واختارونى على من سواى، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذا فى أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاورونى. ذلك هو القول الحق من حاكم عادل، ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ليواجههم الرجلان، جاؤا، ودعا الأساقفة. قال لهم: ما هذا الدين الذى فارقتم به فيه قومكم، ولم تدخلوا به فى دينى (وكان لا يزال نصرانيا) ولا فى دين أحد من هذه الملل؟. فرد عليه جعفر بن أبى طالب قائلا: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنواحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن واباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ... فعدد عليه أمور الإسلام. ثم قال: فصدقناه وامنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله واحده، فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان ... وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا فى جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك. قال النجاشى- متعرفا دارسا-: هل معك مما جاء به عن الله شيء «٣» .

стр. 358

قال له جعفر: نعم. فقال له النجاشى: هات ما عندك. فقرأ عليه صدرا من كهيعص. تأثر النجاشى من وضوح الحقائق بين يديه، وكان فيما قرأه خبر زكريا وما وهبه الله تعالى من يحيى، ثم جاء فى حمل مريم إذ جاء الملك، وقال لها إنى رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ... ثم ولادة عيسى ﵇.. إن النجاشى كان مؤمنا يدرك الحق إذا ألقى عليه، وكان عادلا، وكان صادق النظر لإيمانه وعدله. فبكى من فرط تأثره، وإدراكه الحق حتي اخضلت لحيته، وقالوا إن أساقفته وافقته ابتداء حين سمعوا ما تلي عليهم. قال النجاشي: إنه والذي جاء به عيسي ليخرج من مشكاة واحدة. ثم قال للاثنين اللذين بعثهما القرشيون: انطلقا، فو الله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون. ٢٦٣- هذه هي الجولة الأولي في الكيد الذي يكيد الباطل لأهل الحق، وقد كانت النتيجة إحقاق الحق، ولكن عمرو بن العاص لا يقف عند الهزيمة الأولي في الكيد، فهو واسع الباع فيه، فكانت المجاوبة بينه وبين صاحبه الذي هو أنقي نفسا. قال عمرو لصاحبه: والله لاتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم. فقال له صاحبه: لا تفعل، فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا. قال عمرو الماكر: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد. جاء الغد، والتقى عمرو بالنجاشى، ومعه صاحبه عبد الله بن ربيعة. قال عمرو: أيها الملك، إنهم يقولون فى عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم، فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم وقد وقعوا فى حيرة وخوف، فقال بعضهم: ما تقولون فى عيسى بن مريم، ولكن الذين تحملوا أذى قومهم على استعداد لأن يتحملوا غيره، ولذا قالوا مصممين: نقول والله ما قال نبينا كائنا فى ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا على النجاشى قال لهم: ماذا تقولون فى عيسى بن مريم؟. قال جعفر: نقول فيه الذى جاءنا به نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم يقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

стр. 359

عندما سمع النجاشى هذا ضرب بيده على الأرض، فأخذ منها عودا، ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العود. والبطارقة حاضرون فتنافروا حوله حين قال ما قال: فقال: وإن نخرتم. ثم التفت إلى المسلمين من أصحاب محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال ما معناه: اذهبوا فأنتم الامنون، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لى جبلا من ذهب وأنى اذيت رجلا منكم. انتصر النجاشى الهمام للحق وأهله- ودخل فى الإسلام- كما تدل على ذلك مكاتبته للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم التى نقلناها من قبل، وقد رد على قريش هديتها، كما رد مكيدتها فى قومها وعشيرتها. ولكن الهدية فعلت فعلها فى البطارقة، ويظهر أنهم بعد إسلامه تامروا مع بعض رجال الحبشة، فخرج عليه رجل منهم فكان المسلمون فى فزع، وتقول السيدة أم المؤمنين أم سلمة: «فو الله ما علمنا حزنا أحزننا قط كان أشد علينا من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشى، فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشى يعرفه» . وقد أخرجت أم سلمة والزبير بن العوام الذى كان من المهاجرين، وقد عاد الزبير يحمل البشرى بانتصار النجاشى على خصمه، ففرح المهاجرون فرحة ما فرحوا مثلها. ٢٦٤- استقام الأمر للمهاجرين فى الحبشة، ولم يذكر التاريخ أكانوا يتولون عملا فيها أم كانوا فى ضيافة النجاشى، لم يذكر التاريخ شيئا من ذلك، لأن مؤرخى السيرة النبوية الطاهرة ما كانوا يعنون إلا بحال المسلمين. وحال الإسلام، وتحمل المسلمين للأذى فى سبيل عقيدتهم، يفصلون فى ذلك ما يشاء طالب الحقيقة أن يعرفه، ولكنهم ما كانوا يعنون بالأعمال المادية من صناعة ومكاسب! ولكن أردنا أن نعرف ما طواه التاريخ ولم يذكره، نتعرفه من صور الرجال الذين هاجروا، فلابد أن نتصور من صورهم أحوالهم. لقد كان من بينهم ذو النورين عثمان التقى الطاهر، وهو مع ذلك التاجر الماهر، وقد خرج ومعه بعض ماله غالبا، وما كان ليترك عمله فى التجارة حتى تأكل النفقة ماله، ولم يثبت فى التاريخ أنهم كانوا فى ضيافة النجاشى، لأنهم كانوا يتزايدون فى الهجرة ولا ينقصون، وإذا كان لابد من فرض فى هذا، فهو أننا نتصور أنه كان يعينهم ليتمكنوا من أعمالهم الكاسبة التى تدر عليهم ما يكفيهم بالمعروف من غير إسراف، ولا تقتير.

стр. 360

ونتصور حينئذ أمرين نفرضهما فرضا: أولهما- أن يكونوا قد قاموا بما يكسبهم القوت، ولا يعيشون كلا على غيرهم فليس ذلك من مكارم الأخلاق فى الإسلام. ثانيهما- أن نفرض التعاون الكامل بينهم، يعين غنيهم فقيرهم، والقادر منهم العاجز، وإذا كانت المؤاخاة قد نظمت العلاقات بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج بما فعله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فإن التعاون أو المؤاخاة الطبيعية فرضت نفسها فى أرض الحبشة بحكم الاغتراب أولا، وبحكم الحاجة إليه ثانيا، وبحكم الخلق الإسلامى الذى يوجب التراحم والتعاطف ثالثا، وقد كان التعاطف امتدادا لما كان فى مكة من حماية ضعفاء المسلمين من أقويائهم، كما يفعل أبو بكر من شراء العبيد المسلمين وإعتاقهم من غير منّ ولا أذى. خديعة: ٢٦٥- خديعة أو انخداع على حسب تقدير الأسباب. لقد فشل الرسولان اللذان ذهبا إلى النجاشى ليحرضاه بالهدية الراشية، وبالقول المعسول، وبالإيقاع المفسد فى أن يحملاه على إخراج من حلوا فى داره، واستظلوا بعدالته، وخرجا مذمومين مدحورين. ولكن أحدهما عمرو بن العاص داهية قريش وماكرها، أشاع الشائعات بأن قريشا امنت بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن هذه الشائعات تجاوبت أصداؤها، حتى وصلت إلى المؤمنين فى هجرتهم بالحبشة، فاطمأن إلى صدقها بعض المهاجرين، وطاهر القلب ينخدع، وقد خدع إبليس من قبل أبانا ادم الطاهر. عاد من عاد منهم حاسبين صدق الشائعة، وكانت عدتهم نحو ثلاثة وثلاثين، ولكنهم ما إن شارفوا مكة حتى وجدوا الأذى والاستهزاء والسخرية تستقبلهم، فمنهم من دخل فى جوار بعض كبراء المشركين، ومنهم من استقبل الأذى صابرا، ومنهم من حسبه ذوو قرابته. واستطاع الماكرون بذلك أن يعيدوا بعض المهاجرين إليهم ليتحكموا فيهم، ولكن لم تتم بغيتهم، لأنه بقيت الكثرة فى أرض الحبشة لم تغتر بهذه الشائعة الكاذبة التى دفعتها فرية خبيثة ماكرة. وقد يقول قائل: هل لك من سند يؤيد فرض الشائعة، وخصوصا أنه تذكر أسباب لهذه الشائعة غير ما ذكرت وبينت، وهى قصة المشركين مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما مجد اللات والعزى كما يزعمون وكما جاء فى صحيح البخارى.

стр. 361

ونحن نجيب عن ذلك بما تقتضيه الفروض التاريخية من تعليل لأسباب الوقائع باقترانها بالوقائع الزمنية التى قارنتها، لقد كانت تلك الشائعة الغريبة وكانت فى أعقاب واقعة حقيقية ثبتت، وهى طرد النجاشى الرسولين اللذين جاا ليحملاه على الإيقاع بالمؤمنين ليخرجهم، ويستمكنوا من رقابهم، وحرياتهم، وليفتنوهم عن دينهم، ويفسدوا رجال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والعقل بلا ريب يربط بروابط منطقية بين الأمرين، كما اقترنا فى الزمن. ولا يمكننا أن نفرض السبب الذى يذكره مؤرخو السيرة، وهو سجود النبى ﵊ للات والعزى ومناة الثالثة الاخرى، ولابد أن نعرج عليه بالقول، ولو كانت الرواية فى كتب الحديث، ونبين استحالة قبوله. جاء فى كتاب البداية والنهاية لابن كثير ما نصه فى بيان سبب الشائعة: «كان له سبب، وهو ما ثبت فى الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حبس يوما مع المشركين، وأنزل الله تعالى عليه: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى «١» يقرؤها عليهم، حتى ختمها وسجد، وسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والإنس، وكان لذلك سبب ذكره المفسرون عند قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «٢» وذكروا قصة الغرانيق، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحا. لئلا يسمعها من لا يضعها فى مواضعها إلا أن أصل القصة فى الصحيح. قال البخارى: «حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: سجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس» . انفرد به البخارى دون مسلم، وقال البخارى حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق سمعت الأسود عن عبد الله قال قرأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والنجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفينى هذا ... رواه مسلم «وأبو داود، والنسائي، وروى مثله أحمد فى سنده» «٣» . إننا نقرر أن تلك القصة مكذوبة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك لما يأتى:

стр. 362

أولا: أن مقتضاه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يقرأ قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى زاد بتأثير الشيطان «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى» فلما أتم السورة تلاوة ووصل إلى قوله تعالى: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سامِدُونَ. فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا سجد سجدة التلاوة فسجدوا معه. وذلك باطل بلا ريب ومستحيل أن يقع لأن الشيطان لا يتسلط على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وفى شأن التنزيل والقران الكريم، وإلا جاء الشك الباطل فى شأن القران الكريم، وجوز الفاسقون على مقتضاه أن يكون القران قد اعتراه التغيير والتبديل، والزيادة، وتجويز أن يكون النبى ﷺ وهو مبلغ الرسالة قد اعتراه خرف، وابتعاد عن مؤداه، وذلك باطل فما يؤدى إليه باطل بلا ريب. وثانيا: أن هذه الأخبار لم يسند فيها القول إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن كلها مرسلات، فلا يلتفت إليها. وثالثا: أن الذين يقولون هذا القول يسندونه إلى تفسير قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «١» فزعموا أنه ألقى فى أمنيته صلى الله تعالى عليه وسلم زيادة تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، ثم نسخت تلك الزيادة التى ألقاها الشيطان فى أمنيته وأحكم الايات، وذلك من شأنه أن يشكك فى أصل القران الكريم، ويا بنى عليه المفترون قولهم أن فى القران الكريم زيادة ونقصا، وذلك قول قائله كافر، لأنه ينكر ما جاء به القران الكريم من أنه محفوظ إلى يوم القيامة تصديقا لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٢» . وقد يقول قائل، وكيف نفسر قوله تعالي: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ، وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ «٣» ... نقول إن التمنى هو ما يتعلق بما يتمناه الإنسان بمقتضى غريزته، فالأنبياء ليسوا معصومين بمجرد غريزتهم من التمني، ولكن الشيطان يجيء من جهة الأمانى، ويزين الأهواء ويحسنها، فينسخ الله

стр. 363

تعالى أى يزيله من قلب النبى ﵊ ويحكم آياته الظاهرة والباطنة على النبوة والرسالة والحق، وبذلك تنزه قلوبهم. وقد يقال: وماذا نصنع فى الروايات التى قد رويت عن البخارى كما ذكر ابن الأثير؟ ونحن نقول أنها رواية أمر يستحيل على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ الأمين، ومثل هذه الرواية ترد مهما يكن الراوى، أنقول أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سحر، وزاد فى القران ما يكون شركا، والرواية مهما تكن رواية احاد، ولو طبقنا قاعدة الشافعى الذى يقرر فيها أن من ينكر حديث خبر الاحاد، أو خبر الخاصة لا يقال له تب أى لا يكفر، فكان المؤدى أن نكون بين أمرين أحدهما أن ننكره ولا نكفر، والثانى أن نقول ما يشكك فى الرسالة والقران الكريم فنكفر! إن الاحتياط لديننا، ولقران ربنا، وعصمة نبينا أن ننكر نسبة تلك الأخبار لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصحتها، ونؤمن بالقران الكريم والنبى ﵊ بل أن نؤمن بالله تعالى. وإننا ننتهى من هذا إلى أن نقرر أن سبب إشاعة إسلام أهل مكة المكرمة ليس هو تلك الرواية غير الصادقة التى تفتن الناس عن دينهم، وتشككهم فى القران الكريم والنبى ﷺ . إنما لسبب مما استنبطناه من سياق التاريخ وارتباط وقائعه واقترانها وهو إشاعة إسلام أهل مكة المكرمة ليعود الذين فروا بدينهم، فينالهم المشركون بأيديهم وألسنتهم.

стр. 364

النبي صلي الله عليه وسلم يناضل ويصابر فى مكة المكرمة ٢٦٦- نعود إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لنرى جهاده بالمصابرة ولنرى ما تفعله قريش معه، ومع بنى هاشم الذين أبت مروءتهم أن يسلموا محمدا لقريش يؤذونه أو يقتلونه أو يحبسونه، وأبو طالب كبيرهم واقف كالطود يحمى محمدا ﷺ ، ويأبى أن يتركه، وخديجة فى البيت تواسيه، فيعود إليها مكدودا من قومه، ويخرج من عندها مجددا عزمه، وقد خلع وعثاء النضال ليجدد النضال، ويتقدم ثابت القدم قوى الإرادة، وقد تزود منها ومن عمه بزاد الإيناس بالتأييد: ومن الله تعالى بالنصرة. وقريش قد بالغت فى الإيذاء ولكنها تحس بأن الأرض تميد من تحتها، وقد ازداد عنادها وازدادت لجاجتها وعنفوانها كلما رأوا دعوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم تجد مستجيبا، وخصوصا أن بعض الأقوياء ذوى الشكيمة قد دخلوا فى الدين الجديد، فقد دخل عمر فى السنة التى كانت فيها الهجرة إلى الحبشة. وهم فى هذه الشديدة التى وضعوا أنفسهم فيها عدوانا وظلما أرادوا أن يسكتوا محمدا ﵊ عن طريق عمه الذى لا يزال على دينهم وهو شيخ البطحاء، ولهم عليه حق الرعاية، كما لابن أخيه عليه حق الحماية. لقاؤهم بأبى طالب: ٢٨٧- دبروا أمرهم، وجمعوا ممن لهم مكانة فيهم وفدا ذهب إلى أبى طالب بعد أن رأوا أنه لا يجيبهم فرادى فأرادوا أن يذهبوا إليه جماعة، والرسول سائر فى طريقه، لا يعوقه عائق من أذى أو استهزاء أو سفاهة حمقاهم، فهو ماض فى الطريق الذى رسمه الله تعالى له يدعو بالتى هي أحسن، من غير أن ينكص على عقبيه، لذلك تركوه مليا فلم يجادلوه، وإن كان الأذى مستمرا؟ ذهب وفدهم إلى أبى طالب، فقال قائلهم: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب الهتنا، وعاب ديننا، وسفه وضلل أحلامنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب الكيس قولا رقيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه. ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ماض على ما هو عليه، ويظهر دين الله تعالى من غير مواناة ولا تقصير، والمسلمون يزيدون، ولا يقلون، والأمر قد خرج إلى القبائل وإلى الحبشة.

стр. 365

ازداد غيظهم، واشتد الأمر عليهم بسبب حقدهم، وتضاغنوا فيما بينهم، وتذمروا، وتحاضوا على وجوب إيذائهم، ورأى أهل الروية منهم أن يذهبوا إلى أبى طالب مرة أخرى، ولكن بوجه أعنف، وبلسان أجف. اجتمعوا فقال قائلهم: «يا أبا طالب إن لك سنا ومنزلة وشرفا فينا، وإنا قد استأنيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر علي هذا من شتم ابائنا وتسفيه أحلامنا، وعيب الهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك فى ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. فى هذه المرة كان التهديد لأبى طالب بإعلان عداوتهم، وقد أزالوا كل الحجز فى القول، ولم يراعوا سنا ولا شيخوخة، ولا شرف منزلة كما ذكروا فى الأولى، ولا شك أن تغير لهجة القول كان له أثر فى نفس أبى طالب، وأحس بضيق فى الأمر، وإن لم يتبرم من حماية حبيبه ابن أخيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنه أراد أن يعرض عليه ما أصابه من ضيق، ويشركه فى أمر قومه الذى تفاقم، فقال له: يابن أخى إن قومك قد جاؤنى، فقالوا كذا وكذا فأبق على وعلى نفسك، ولا تحملنى من الأمر مالا أطيق. لم تضعف عزيمة محمد ﷺ المؤيد من الله تعالى والذى لا يرجو النصرة إلا منه، وإن كان يرغب فى أن يشعر بأنه فى عزة من أهله، تألم، لا خوفا من الأذى، ولكن لظنه تخلف عمه الحبيب عن نصرته، وهو فى ميدان الجهاد والمناضلة إذ ظن أنه خاذله ومسلمه، وعلم أنه ضعف عن نصرته. عندئذ قال مقالة أولى العزم من الرسل: «يا عم والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك فيه ما تركته» ثم استعبر فبكى ثم قام، وما كان استعباره ضعفا، ولكن لأنه يرجو من عمه وحبيبه ألا يسلمه ولا يخذله. أدرك أبو طالب الكريم أنه أسرف على ابن أخيه فى ذكر ما كان من قول وفد قريش، وأنه كرثه بذلك. فلما ولى ناداه: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال أبو طالب العظيم: «اذهب يا ابن أخى، فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا» . تواردت الأخبار على قريش، وعلموا أنه لا سبيل لأن يصلوا إلى محمد ﵊ ليقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه وأبو طالب مانعه، ولكن حيلتهم لم تنته، والرغبة ولو اثمة لا تسكت عند الصدام، ففكروا، وانتهوا إلى أمر غريب، وإن لم يكن ظاهر الغرابة عند العرب فى جاهليتهم.

стр. 366

ذلك أن التبنى بكل ضروبه كان أمرا معروفا عند العرب، أخذوه من جيرانهم الرومان، فكان من الممكن تبادل الأبناء، ويمكن تبادل الإخوة، وأبناء الإخوة فى نظرهم. ذهبوا إلى أبى طالب يعرضون عليه أن يسلمهم ابن أخيه فى نظير أن يعطوه فتى من قريش يكون ابن أخيه بدل محمد ﵊، وكأن المحبة سلعة تقبل المبادلة، والانتقال من شخص ليحل محله شخص اخر. قال قائلهم لأبى طالب الجليل: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى فى قريش، وأجمله، فخذه، فلك عقله ونصره «١» ، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذى قد خالف دينك ودين ابائك، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامنا، ونقتله، فإنما هو رجل برجل. لا شك أنها فكرة سخيفة يعطيهم ابن أخيه ليقتلوه، ويأخذ ولدهم ليحميه، وقد سارع إليهم الرجل العظيم ليبدى سخفها. قال لهم أبو طالب: والله لبئس ما تسوموننى، أتعطونى ابنكم أغذوه لكم. وأعطيكم ابن أخى لتقتلوه، هذا والله ما لا يكون أبدا. قال المطعم بن عدى من بني عبد مناف: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجاهدوا على التخلص. فقال: أبو طالب للمطعم لائما أو عاتبا: يا مطعم، والله ما أنصفونى، ولكنك قد أجمعت خذلانى، ومظاهرة القوم على، فاصنع ما بدا لك. وإن القوم قد اشتدوا فى ذلك، وكما قال ابن كثير: حقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضا «٢» . ٢٦٨- لقد صار أبو طالب فى أمر مرير، وشدة من قومه، وهو لا يريد أن يتخلى عن ابن أخيه مهما تكن الأحوال، ومهما تكن الشديدة، فشيخ البطحاء ابن عبد المطلب يتحمل كل شيء فى سبيل مروءته وهمته، وعزمته الهاشمية، ولقد أدنى ذلك مؤقتا أبا لهب إلى أخيه رحمة به وشفقة عليه، فغضب على قريش لأنها أحرجت شيخها، وجعلته من الأمر فى عسر، وخصوصا أنه أراد أن يجعل ابن أخته أبا سلمة فى جواره، كما أن محمدا فى حمايته، فقالوا: يا أبا طالب، أنت منعت ابن أخيك محمدا (عليه

стр. 367

الصلاة والسلام) فمالك ولصاحبك (أى أبى سلمة) تمنعه، فقال: إنه استجار بى، وهو ابن أختى، وإن أنا لم أمنع ابن أختى لا أمنع ابن أخى. أخذت الحمية أبا لهب من طول المضايقة لأخيه فقال مهددا: يا معشر قريش، أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه فى جواره من بين قومه، والله لتنتهن أو لنقومن معه فى كل ما قام فيه، حتى يبلغ ما أراد. كان أبو لهب فى صفهم، وخشوا أن ينحاز إلى محمد ﷺ كما انحاز أخ له من قبل فدخل فى الإسلام وهو حمزة بسبب ما فعله أبو جهل مع محمد ﵊. ولذا سارعوا إلى إرضائه فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. وكان لهم وليا وناصرا. بهذه الوقفة القوية طمع أبو طالب أن يكون معه فى نصرته لمحمد ﵊، لتكون الأسرة كلها فى حماية أفضلها وأكرمها، ولكن هذه الوثبة كانت ومضة برق لم تلبث أن انطفأت، أو كانت كقدر من الماء لا يكفى لانطفاء الحقد والغيظ، واستمر أبو لهب فى لهب، فقد استمر فى عداوته للنبى ﵊، وموالاته لأعدائه، يشترك فى فتنهم وإيذائهم، لا تحركه مروءة، ولا شفقة على ابن أخيه، ولا أخيه الشيخ. المقاطعة ٢٦٩- برمت قريش بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وبرمت ببنى هاشم الذين يحمونه، ويدافعونهم عن نفسه أن ينالوا منها، وخصوصا أبا طالب الذى ضاعت عنده الحيل والتهديدات، وهو مرتفع شامخ كالطود تنسال عنده التهديدات، ولا تقف عنده، لا يضعف ولا يهن، ولا يصيبه خور فى عزمته. ولما وصل بهم الأمر إلى هذا الحد، اعتزموا الشطط، وأن يركبوا مركبا صعبا، وهو قتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يبالون أبا طالب، وبنى هاشم معه. علم أبو طالب بما بيتوا وما دبروا فنادى بنى عبد مناف أن يناصروه فى منع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يجبه من بنى عبد مناف إلا بنو المطلب الذين كانوا مع بنى هاشم جاهلية وإسلاما، وبنو هاشم مع أبى طالب إلا أبا لهب الذى أبى إلا أن يكون مع قريش فى غلوائها وفيما أرادت ابن أخيه، ولنترك الكلمة لما روى عن الزهرى:

стр. 368

«إن المشركين اشتدوا على المسلمين أشد ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وجمعت قريش فى مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم علانية. فلما رأى أبو طالب جمع بنى المطلب وهاشم، وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم، وأن يمنعوه ممن أرادوا قتله.. فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا. فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأجمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا ألا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.. وكتبوا فى مكرهم صحيفة، وعهودا ومواثيق، ألا يقبلوا من بنى هاشم صلحا أبدا، ولا يأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل» . «لبث بنو هاشم فى شعبهم ثلاث سنين واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، فلا يتركوا لهم طعاما يقدم مكة المكرمة، ولا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم» . «وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم- أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاضطجع على فراشه، حتى يرى ذلك من أراد به مكرا واغتيالا له» . «وكان أحيانا يأمر أحد بنيه أو إخوته أو بنى عمه، فاضجعوا على فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأن يأتى بعض فرشهم فينام عليه» . وهكذا كان العم العظيم يحتاط للغيلة أن يصيبوا بها محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم فينيمه فى منامته، متعرضا للغيلة بدله وهو الشيخ الفانى. ويغير مكان الرسول من وقت لاخر، فيجعل مكانه بعض بنيه هو أو إخوته أو بنى عمه من بنى المطلب أو غيره، وبدون ذلك كان يفى للعصبية، ولكنها الشفقة والمحبة والرأفة التى ألقاها الله تعالى فى قلب أبى طالب العظيم. اشتد البلاء على المؤمنين، وبنى هاشم وبنى المطلب، حتى كان الأطفال يتضاغون من شدة الجوع، وقد كانت المقاطعة كما روى ابن إسحاق كاملة، فقد كانت تشمل المناكحة، لا ينكحونهم، ولا ينكحون منهم. الأرضة تمنع اسم الله تعالى من مواثيقهم: ٢٧٠- مكث بنو هاشم وبنو المطلب وعلى رأسهم أبو طالب، والنبى ﵊ معهم فى هذه القطيعة ثلاث سنين دأبا، وهم يرون صبيانهم يعضهم الجوع، ولكن الكبار لا يذهب بهم

стр. 369

الفزع، فيستجيروا لأنفسهم أو أن يسلموا محمدا ﷺ ليقتلوه، فألقى الله تعالى بالصبر فى قلب المؤمن والكافر معا ولقد أظهر الله تعالى آياته فى أمرين: أولهما: أن الأرضة جاءت وأكلت كل كلمة فيها اسم الله تعالى أو صفاته التى عاهدوا الله تعالى عليه أن تكون القطيعة دائمة، وكأن الله تعالى ألهم الأرضة أن تعلمهم أن اسم الله تعالى لا يصح أن يكون فى وثيقة ظلم وفسق عن أمر ربهم، وقد أطلع الله تعالى محمدا ﷺ الصادق المصدق على ما فعلته الأرضة بإلهام من رب العالمين، تعالت قدرته، وعظمت منته. الأمر الثانى: أنه تشققت الرحمة من قلوب هؤلاء الذين تعاهدوا على الظلم والعدوان، كما تنفجر الأنهار من بعض الأحجار، فإنه على رأس السنين الثلاث التى مرت ببنى هاشم تلاوم رجال من بطون قريش، من بنى عبد مناف، وقصى، ورجال من قريش، قد ولدوا من نساء من بنى هاشم، رأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم على نقض الصحيفة، والبراءة مما جاء فيها، وقيل أنها كانت معلقة بسقف البيت. بينا هذا التفكير قد سيطر على الملأ من قريش ذهب أبو طالب إليهم يخبرهم بأن الأرضة أخلت من صحيفتهم اسم الله، وأبقت فيها الظلم والفسق الذى دونوه، وتعاهدوا عليه. انطلق الرجل العظيم أبو طالب، ومعه العصبة من بنى عبد المطلب، فقال فى جمع حافل من قريش: قد حدثت أمور بينكم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التى تعاهدتم عليها فعلّه أن يكون بيننا وبينكم صلح. فطمعوا أن يسلم بنو هاشم محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، فأتوا بالصحيفة معجبين بها، لا يشكون أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سيدفع إليهم، فوضعوها بين أيديهم، وقال قائلهم: قد ان لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرا لهلكة قومكم. فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخى أخبرنى، ولم يكذبنى أن الله بريء من هذه الصحيفة، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك غدركم، وقضيتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذى قال ابن أخى كما قال، فأفيقوا، فو الله لا نسلمه أبدا، حتى يموت من عندنا اخرنا، وإن كان الذى قاله باطلا رفعناه إليكم، فقتلتموه أو استحييتم. قالوا: رضينا بالذى تقول. وكأنهم فهموا أن النتيجة أن يسلمهم لوثوقهم من صحيفتهم.

стр. 370

فتحوا الصحيفة فوجدوها كما قال الصادق المصدق، وسنبين بعض الصحيفة من البيان، ومن دعا إليه ولم يذعنوا للحق إذ جاءتهم بيناته، بل أصروا على الكفر والعناد، وقالوا مقالة الكفر، وقالوا إن هذا إلا سحر من صاحبكم، وارتكسوا، وعادوا بشر مما كانوا عليه من كفرهم والشدة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فزادتهم الاية كفرا. فقال قائل للنفر من بنى عبد المطلب الذين كانوا فى صحبة أبى طالب: إن غيرنا أولى بالكذب والسحر، فكيف ترون، فإنا نعلم أن الذى اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم، وهى فى أيديكم، طمس ما كان فيها من الحنث، وما كان من اسم الله، أفنحن السحرة أم أنتم؟ كانت كلمات أبى طالب ومن معه من أسرته ان لم تكن قد شقت قلوبهم لقبول الحق، فقد شقت صفوفهم التى كانت مجمعة بالباطل. فظهر النفر من بنى قصى وبنى عبد مناف، وغيرهما وكانوا قد تلاوموا من قبل على الصحيفة وأمرها، وفيهم من كانت الصحيفة عنده، وجاهروا بما فى نفوسهم وقالوا حاسمين قاطعين، غير مترددين، ولا ناكصين. قالوا فى حزم: نحن براء مما فى هذه الصحيفة. وقال أبو جهل الخبيث فى ذات نفسه، والضال فى فكره وعقله: وهذا أمر قضى بليل «١» . ٢٧١- كان النتيجة التى تستخلص من هذه القصة أن قريشا بلغت بهم لجاجة الكفر أن يحاولوا قتل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن يندفعوا فى ذلك، لا ينظرون فيه إلى عاقبة من تصدى بنى هاشم لهم، للأخذ بثأره منهم، ولعله كان قد ابتدأ التفكير عندهم فى تفرق دمه فى القبائل، بحيث يضربونه ضربة رجل واحد، فلا يكون لبنى هاشم قبل بالثأر فيقبلوا وتتم الراحة لهم فى زعمهم، إذ يستأصلون الدعوة من جذورها، إذ يقتلون صاحبها، ومحمد ﷺ يستقبل ذلك التدبير اللئيم استقبال من يستعين بالله، ولا يستعين بغيره. ولكن عمه العظيم يحمل العبء، ويتحمل الأذى، ويحاول وقاء محمد ﵊ بكل الأسباب، حتى أنه ينيمه فى مضجعه متحملا ما وراء ذلك ويستعد لفدائه بنفسه، وهو لا يزال على دينهم. ولم يخرج إلى الدين الجديد، وإن كان يظهر أنه فى دخيلة نفسه كان يعتقد صحته وقد بدا ذلك فى بعض شعره.

стр. 371

وإنه يبدو من نهاية القصة أنه كان فى قريش من تألم من الأمر الذى نزل بإخوانهم، ولعله كان فيهم ميل لتصديق محمد ﵊، ولذلك دخل الأكثرون منهم من بعد فى الإسلام. وإن نهاية الخبر تدل على أن بعض قريش، وإن دخلوا فى الحلف طائعين كانوا لنتائجه كارهين، فلم يستطيعوا تحمل نتائج ما عقدوا عليه حلفهم بعد أن رأوه واقعا، وأنهم كانوا يرونه تهديدا، ولا يرونه أمرا صالحا للنفاذ، وقد عظم عليهم عندما رأوه نافذا. ولقد كان منهم من يرسل الطعام سرا، ومن يعلم ذلك من ذوى الصلة منهم لا يستنكره. يروى فى ذلك أن حكيم بن حزام بن خويلد، ابن أخى خديجة ذهب ومعه غلام يحمل قمحا يريد عمته خديجة بنت خويلد وهى عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الشعب، فتعلق به أبو جهل، وقال: أتذهب إلى بنى هاشم، والله لا تذهب أنت وطعامك، حتى أفضحك بمكة. عندما قال أبو جهل ذلك تعرض له أبو البخترى بن هشام بن الحارث بن أسد وقال له: مالك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بنى هاشم. فقال له أبو البخترى منكرا عليه فعله: طعام كان لعمته عنده بعثت به إليه أتمنعه؟ رجل يأتيها بطعامها، خل سبيل الرجل. أبى أبو جهل أن يخلى سبيل حكيم بن حزام وتلاعنا، ونال كل من صاحبه، ولم يكن لأبى جهل أن يعامل إلا بالضرب، فأخذ أبو البخترى لحى بعير، فضربه وشجه، ووطأه وطئا شديدا. وحمزة بن عبد المطلب يرى، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبنى هاشم فيشمتون بهم، وهكذا كانت الأطعمة تذهب إليهم. وكان من كتاب الصحيفة من لم يرض بتنفيذها، وكان يرجو إنهاءها، ولكن ذلك لم يمنع المشقة الشديدة التى لقيها بنو هاشم وبنو المطلب من قومهم، والرسول ﷺ أشدهم مشقة واحتمالا. الرسول ﷺ مستمر فى دعوته ٢٧٢- إذا كانت المقاطعة قد ضيقت على الرسول ﵊ وأسرته أسباب العيش السهل، وضيقت عليهم السبل فى الرزق، فإنها لم تمنعه من دعوته، فهو قائم بالليل، والإقامة فى ضيق الرزق، ولكنه ليس برما ولا متململا، مادام يستجيب لأمر الله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فأعرض عنهم واستمر فى دعايته، والله تعالى يمده بالعون والتأييد بنصره، فهو فى أنس من ربه، وإن كان فى وحشة من قومه، ولكن شعاره دائما: «اللهم اغفر لقومى، فإنهم لا يعلمون» «وإنى أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله تعالى» . والجدل مستمر بينه وبين احادهم يدعوهم إلى الحق، فيصدون بالباطل.

стр. 372

ولقد وصل التهافت بأبى جهل أن يكفر بملته كلها، فيسب الله تعالى، وفى ديانتهم أن الله هو خالق السموات والأرض وإن كانوا يشركون الأنداد معه، لقد قالوا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم «لتتركن سب الهتنا أو لنسبن إلهك» ولأن أبا جهل ومن على شاكلته لا دين لهم إلا العصبية الجاهلية، ولا يؤمنون بشيء لا يتوقع منه أن يسب الله تعالى ولكنه سبه فنزل النهى عن سب الأحجار والأوثان، وتكون الدعوة إلى التوحيد المجرد، وبطلان عبادة الأوثان، فقال تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ. ولقد كان منهم من يحسب أنه يحاكى القران الكريم، فيأتى بقصص من أخبار الفرس وحروبهم يسلى الناس عن القران الكريم ويبعدهم، ثم يقول للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: يا قوم والله ما محمد بأحسن حديثا منى، وما حديثه إلا أساطير الأولين، أكتبها، كما اكتتبها، فيحكى عنهم رب العالمين قولهم، ويرده عليهم بالقران الكريم يتلي، فيقول الله تعالى: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً «١» . هم يكذبون القران الكريم، ويعبثون بحقائقه، وهم الذين يفرون من سماعه، فإذا تهكموا عليه انتظروا ما يقال فى تهكمهم فيهجم القران الكريم على مسامعهم، ولا يستطيعون منه فرارا، ولا ينفكون عن سماعه. ومنهم من كان يحسب أنه يناقض معانى القران الكريم بحقائق من الأديان السابقة أو بما حسبه كذلك. ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجلس بينهم، ويتلقى مجادلتهم، ويدعوهم بالتى هى أحسن، غير مدخر بابا من أبواب الإقناع بالحق إلا سلكه، يروى ابن إسحاق فى السيرة ما يأتى: جلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما بلغنا يوما مع الوليد بن المغيرة فى المسجد، فجاء النضر بن الحارث، حتى جلس معهم، وفى المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ. لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ. لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ «٢» .

стр. 373

ثم قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمى حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة: والله ما قام النضر بن الحارث وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من الهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعرى؛ أما والله لو وجدته فخصمته، فسلوا محمدا أكل من نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخصم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال النبى ﷺ الحكيم: كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده فى النار.. فنزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى، أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها، وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ «١» أى عيسى وعزير ومن عبد الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة، وأنها بنات الله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ «٢» . وقال تعالى فى إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا، إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ، ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ. ٢٧٣- إن هذه الأخبار التى كان فى القران الكريم رد عليها، تدل على أمور ثلاثة: أولها: أن هؤلاء كانوا يجادلون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنهم كانوا يستعينون بما عند غيرهم من علوم، كانوا يذهبون إلى اليهود يستعينون بهم يسألونهم أن يدلوا بشيء يحتجون به على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد لقنوهم الأسئلة عن أهل الكهف وعن الروح، وعن ذى القرنين، ونزل القران الكريم بما فيه إشباع النفوس طالبة الحق المريدة له، ولكنهم لم يؤمنوا، بل أصروا إصرارا، وأنغضوا رؤسهم علوا واستكبارا. وها هم أولاء الان يدرسون أخبارا من الديانات، مع أنهم أميون، لم يكن لهم كتاب يقرؤنه ولا علم دونوه، ومع ذلك حاولوا أن يعرفوا شيئا مما عند اليهود والنصارى، لا ليؤمنوا به، أو ليستعينوا به لمعرفة الحق والوصول إليه، بل ليجادلوا ويختصموا النبى ﵊، ولذلك كشف الله تعالى حالهم. يقول

стр. 374

تعالت كلماته مبينا أنهم لا يريدون إيمانا بل يريدون إعناتا، فقال تعالي: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ، ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ أى يريدون أن يلتمسوا الحجة من أى ناحية. ثانيها: أنهم كانوا يعتقدون فى ذات أنفسهم أن محمدا ﷺ على الحق، وأن القران الكريم هو الذى لا يحاكى، ولكنهم يمارون فى الحق بعد ظهوره، ولذلك ما كانوا يسكتون، عند إفحامهم، أو إفحام بعضهم بل إنهم إذا أفحموا بحثوا عما هو أشد لجاجة، وأقوى محاجة فى الظاهر، ولذلك لما أفحم النضر بن الحارث بين أيديهم لم يسلموا بالحق، وقد بدت بيناته، بل قالوا معاندين: وما قام وما قعد. حتى جاء ابن الزبعرى، فأتى بما يظنه مفحما لمحمد ﵊، بل كان سبيلا لمعرفة الحق، إن أرادوا رشادا، ولكن ما أرادوه. ثالثها: أنه فى أثناء الحصار والمقاطعة والقطيعة، ما ونى محمد ﵊ عن دعوته حتى يئسوا هم، ولم ييأس هو ومن معه من المؤمنين الأشداء الأقوياء، ولو كانوا المعذبين المضطهدين. وإنه فى أثناء ذلك ما ونى، وما ضعف ولا استكان، ولا وهنت نفسه. وإن ابن إسحاق قد أتى بأخبار كثيرة عن النبى ﵊ مع قومه، وقد أفرغوا من الأذى كل ما فى جعبتهم من سهام مريشة، ممزقة جارحة، ولقد قال ابن كثير فى تاريخه بعد ذكر أخبار المجادلة: كل هذه القصص ذكرها ابن إسحاق معترضا بها بين تعاقد قريش على بنى هاشم، وبنى المطلب، وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة، وحصرهم إياهم فى الشعب، وبين نقض الصحيفة، وما كان من أمرها وهى أمور مناسبة لهذا الوقت، ولهذا قال الشافعى رحمه الله تعالى: «من أراد المغازى فهو عيال على ابن إسحاق» . إذن، فالنبى ﵊، مواصل دعوته، صادع بأمر ربه لا ينى ولا يقصر، فما نهنهت من عزمته المقاطعة، ولا إرادة الجوع والعرى، بل استمر، وهو يقول فى قوة وعزم: «أنا النذير العريان» . واذا كانت قريش قد بلغت أقصى الإيذاء، وانتقلت من الإيذاء الأحادى إلى الإيذاء الجماعى، ومن إيذاء المؤمنين واحدهم، إلى إيذائهم مع من يوالونهم من أقارب، وأولياء ونصراء، إذا كانت قد بلغت ذلك، فمحمد ﵊ لم يعبأ، لأنه مؤيد من رب العالمين.

стр. 375

سعى فى نقض الصحيفة ٢٧٤- أقصى درجات الشدة قد يفضى إلى نوع من الشفقة، فإن المظلوم الصابر الداعى إلى الحق الذى لا يوجد سبب لإنزال الظلم الصارخ به قد يفتح ينابيع من الشفقة، وقد تنفتح هذه الينابيع من نفس الظالم أو من باشر الظلم. لقد ظلمات قريش أبناء عمومتها من بنى هاشم وبنى المطلب الذين ارتضوا أن يقاسموا بنى عمومتهم من ذرية هاشم ضراءهم، لأنه كان ينالهم شرفهم، فألزموا أنفسهم بمقاسمتهم الضر، كما انتفعوا من شرف هذه العمومة. وإننا لا نفرض أن قريشا كلها قد أجمعت على القطيعة من مداخل شعورها، فما انقطعت كل المودات، ومازالت كل الصلات، وإذا كان قد دعا داع فى وقت المباغضة، والمخالفة والحفاظ المخطيء على ما كان عليه الاباء، فاستجابوا أو جلهم تحت تأثير الحمية الوثنية حمية الجاهلية، فليس معنى ذلك أنهم صغت قلوبهم جميعا إلى الداعى الأثيم، بل ربما أجاب من أجاب بظاهر من القول، أو تحت تأثير فورة قد تتبدد، ويبقى الصافى بعدها، أو فى حال نسيان لأصل المودة الموصولة، والمحبة الرابطة، وإن اختلفت النحلة، وتباعد الاعتقاد، فالصلات تقرب البعيد، وتمنع الجفوة المستمرة. وإن تلك القطيعة فطرت قلوبا مشفقة نحو الإسلام، وأوضحت ظلم الباطل لأهل الحق، وأنهم إذا أعياهم البرهان، بالغوا فى الإعنات، وإن الناس فى البلاد العربية إذ يتسامعون بهذه القطيعة سيتعرفون سببها، ويتذاكرون أمرها، ويحكمون بالشطط على مرتكبيها، فتشيع حقيقة الإسلام ويفشو بين الناس، والنبى ﵊ لا ينى عن بيان، وتلاوة القران الكريم المشرق بنوره وحججه، وشرف نسبته إلى الله تعالى الذى يخاطب به الخليقة وينادى به الفطرة المستقيمة. لذلك لابد من نقض الصحيفة، لأنها لم تؤد إلى غرض مقصود، ولو كان مثل غرض أبى جهل، ولم تمنع الدعوة من أن تذيع بين العرب الأدنين منهم والبعيدين عنهم، فكلما كانت محاولة كتم الدعوة، كان بزوغها وظهورها، وانبثاق معينها، وإشراق نورها. ٢٧٥- أشرنا إلى أنه يبدو من حقائق الأمور، ودخائل النفوس، وبعض مظاهرها أنه لم تكن الموافقة على القطيعة الجماعية كاملة، وإذا كانت بظاهر من العمل، فالقلوب لا تؤيدها، ولا تعاضدها. وقد قصصنا عليك أيها القارئ الكريم قصة حكيم بن حزام الذى كان يذهب بالبر إلى عمته خديجة وزوجها الطاهر ومن معه من بنى هاشم، واعتراض أبى جهل عليه، وتصدى أبى البخترى لأبى جهل يلومه على أن منع حكيما من أن يوصل القمح لعمته، فتلاحيا، وأخذ أبو البخترى لحى بعير وأعمله فى رأس أبى جهل حتى شجه.

стр. 376

ويظهر أنه كان يقع ذلك من القرشيين، انعطافا على المظلومين، وإكراما للقرابة، ويقول فى ذلك ابن إسحاق: «ولم يبل أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث ... وكان ذا شرف فى قومه، فكان فيما بلغنى يأتى بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب فى الشعب- ليلا قد أوقره طعاما، حتى إذا بلغ فم الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضربه على جنبيه فدخل الشعب، ثم يأتى به قد أوقره، فيفعل مثل ذلك» . وهكذا يتكرر منه العمل، ويتكرر منه التزويد، وهذا لا يدل على خيانة عهد، فليس للاثمين عهد يراعى، ولكنه كان استجابة لصلة القرابة، وإحساسا بظلم تلك الفعلة التى فعلها قومه. وإذا كان لهشام هذا ذلك الشرف الذى كان يعاون به المحاصرين من قومه، فإنه صاحب الفضل الأول فى ترتيب نقض الصحيفة، من جانب المشركين، وقد ذكرنا من قبل كيف أخبر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن الأرضة أكلت ما فيه اسم الله وعهده، وأبقت لهم إثمهم البغيض، وكيف انتهت بنقضها، ولكن الان نبين كيف ابتدأ الانتقاص فى جموعهم. تولى هذا العمل ابتداء هشام بن عمرو بن الحارث، ولنذكر ترتيبه الحكيم، كما جاء فى البداية والنهاية. مشى هشام إلى زهير بن أمية بن المغيرة، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت لا يبتاعون، ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، أما إنى أحلف بالله لو كانوا أخوال أبى الحكم بن هشام (أى أبى جهل) ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدا. قال زهير: ويحك يا هشام، فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معى رجل اخر لقمت فى نقضها. قال هشام: لقد وجدت رجلا. قال من هو؟ قال: أنا، قال هشام: ابغنا ثالثا. ذهب هشام الكريم إلى المطعم بن عدى، فقال: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه، أما والله لئن أمكنتموهم من هذا لتجدنهم إليها منكم سراعا. قال: ويحك فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد. قال قد وجدت ثانيا. قال فمن هو؟ قال أنا، قال ابغنا ثالثا. قال قد فعلت. قال من هو؟ قال زهير بن أبى أمية، قال: أبغنا رابعا. فذهب هشام إلى أبى البخترى (صاحب اللحى التى ضرب بها أبا جهل) ابن هشام، فقال نحو ما قال للمطعم بن عدى، فقال

стр. 377

وهل تجد أحدا يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال زهير بن أبى أمية، والمطعم بن عدى وأنا معك. قال: ابغنا خامسا. ذهب هشام إلى زمعة بن الأسود. فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم. فقال له: وهل على هذا الأمر الذى تدعو إليه من أحد. قال: نعم. اجتمع أولئك الخمسة الكرام، واتعدوا بأعلى مكة. وتعاقدوا على الدعوة لنقض الصحيفة، ووقف زهير، فكان أول المتكلمين كما كان أول الداعين. طاف بالبيت سبعا ثم قال وقد أقبل على الناس: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل: والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها، حين كتبت. قال أبو البخترى: صدق زمعة ما نرضى ما كتب فيها ولا نقربه. قال المطعم بن عدى: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها. قال أبو جهل: هذا أمر قد قضى بليل تشوور فيه بغير هذا المكان. ٢٧٦- من هذا الكلام يستفاد أن كبار الذين لا ضغن عندهم على بنى هاشم، وإن لم يذعنوا لدعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكونوا راضين بهذه القطيعة التى لم يكن لها جدوى إلا إثارة العطف على محمد ﵊ وعشيرته ودعوته وإنما كانوا مورطين. ولقد جرت هذه المناقشة وأبو طالب العظيم مستمع وجالس فى ناحية من المسجد، كأن القول لا يهمه، وكأنه المعنى بالأذى.. هو وعشير من أمثال اللئيم أبى جهل، والمعنى بالمودة من كرام قومه. ولكنه عندما وجد القوم قد اعتزم خيارهم الأمر، وأرادوا قطعها، قال لهم مقالة الحق التى أخبره بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. يا معشر قريش إن ابن أخى قد أخبرنى بأن الأرضة أكلت الظلم والقطيعة والبهتان، ولم تدع فيها اسما لله إلا أثبتته فهلم إلى صحيفتكم، فإن كانت كما قال، فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عندها، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخى. عندئذ نقضت قريش الصحيفة رغم أنف أبى جهل وأشباهه.

стр. 378

نقض الصحيفة فعلا ٢٧٧- نقضت الصحيفة المشئومة، ولا شك أنه فى وسط الجاهلية العمياء وجد بصر رجح داعى المروءة، وصلة الرحم، وأكثرهم كانوا ذوى نسب أو صهر بنى هاشم أو قرب نسب من البطون، أو سبب الأنكحة، ومنهم من حركتهم المروءة والنخوة، واحترام الأرومة، وترجيح الشرف مع اختلاف الدين على الضعف بسببه. وقاوموا نذلة أبى جهل، ودقوا أنفه، وقال قائلهم: لو كان فيهم ذو رحم بأبى جهل ما ارتضى تلك القطيعة. وقد قدر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لذوى المروات مروءتهم، وأكثرهم دخل فى الإسلام وحسن إسلامه، وكان خيرا فى جاهليته وخيرا فى إسلامه فاجتمعت له الحسنيان، ونال الشرفين شرف الهمة والمروءة وشرف الإيمان. ومنهم من لم يدخل فى الإسلام، ولكن محمدا ﵊ عرف له مروءته، وقدرها له حق قدرها. ومن هؤلاء أبو البخترى فهو الذى ضرب أبا جهل بلحى البعير ووطأه وطئا شديدا عندما منع حكيم ابن حزام من توصيل القمح لخديجة وزوجها خاصة وبنى هاشم عامة. وأبو البخترى هذا كان أحد الخمسة الذين نادوا حول الكعبة الشريفة بوجوب خرق الصحيفة ونقض ما فيها، وأصر على ذلك إصرارا جعل أبا جهل وأشباهه يخرجون مذمومين مدحورين. عرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تلك السابقة المكرمة، ومحمد ﵊ لا ينسى السابقات المكرمات، واعتزم أن يجزيه على موقفه الجزاء الموفور، فالوفاء خلق محمد ﵊، وخلق الإسلام. ولقد كان يتمنى ﵊ أن يسلم، ليكون كإخوانه الذين أسلموا، ونالوا الحسنيين ولكنه لم يسلم، بل استمر على شركه، وبلغه ﵊ أنه خرج مقاتلا فى صفوف المشركين فى غزوة بدر الكبرى، فأوصى المسلمين ألا يقتله أحد منهم إذا لقيه وتمكن منه. فلقيه أحد المجاهدين ومعه صاحب له من المشركين، فذكر له وصية النبى ﵊، فدفعته مروءته أيضا إلى ألا ينفرد بالنجاة، ويقتل صاحبه، فقال إما نقتل معا، وإما أن ننجو معا، فقتلهما المجاهد معا، وليته لم يفعل.

стр. 379

إنى أحسب أنه خالف وصية النبى ﷺ ، فهو أمر ألا يتعرض له وألا يقتله وما كان ثمة من مانع من أن ينجيهما، بل إنى أحسب أنه كان من المستحسن أن ينجيهما؛ لأن الإسلام ينهى عن القتل إلا للضرورة وقد كانت مندوجة، ونحسب أنه لو عاش لكان من المؤمنين، فخيار قريش فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إن آمنوا، وإن فى نفسى حسكة تشك قلبى إذا تذكرت أن أبا البخترى قتلته السيوف الإسلامية بغير إرادة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. انطلاق الدعوة الاسلامية: ٢٧٨- كانت تلك القطيعة التى أحدثتها النفس الوثنية الحانقة سببا فى ذيوع الإسلام، وأمر دعوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فقد رأى العرب مقاطعة قريش لذؤابتها من بنى هاشم، وهم يجيئون إلى مكة المكرمة حاجين ومعتمرين ومتجرين يغشون الأسواق ويجدون سادة العرب ممنوعين من غشيانها، والدعوة إلى مقاطعتهم قائمة على قدم وساق، فلابد أن يسألوا لم كان هذا، وأن يتعرفوا دعوة الحق، وما ينادى به محمد ﵊، فتصل إلى أسماعهم، فمنهم من يؤمن، ومنهم من يستمر فى ضلاله. ولذلك كانت هذه المقاطعة سببا فى أن تسامع العرب بالإسلام ودعوته، وأن تصل الدعوة المحمدية إلى القبائل فى أماكنهم، فمن اهتدى فقد اهتدى لنفسه، ودعا غيره بالهداية، ومن لم يؤمن تحدث مع غيره بما كفر به، فتكون الدعوة قد علم بها من ارتضاها، ومن لم يرتضها، لقد حملها جميعهم، ورب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه. جاء الناس إلى مكة المكرمة يستمعون إلى النبى ﷺ ، ممن صفت قلوبهم للإيمان، وقريش لهم بالمرصاد يحاولون أن يصدوهم عن سبيل الله تعالى، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وأولئك الذين وضع الله تعالى فى قلوبهم الميل إلى الإسلام يسيرون إلى الحق لا يعوقهم عائق، ولا يردهم راد، ولنذكر لك قصة رجل حاول أن يدخل فى الإسلام بناء على ما سمع فى القبائل من أخبار محمد ﵊ ودعوته إلى الواحدانية، وما معه من كتاب أوحى به يتلوه عليهم، ويرونه عجبا لم يكونوا قد سمعوا مثله، ولا قريبا منه، وقريش تترصد الرجل وأمثاله الذين يجيئون إلى الرسول يستمعون إليه، وتحاول تنفيرهم منه، فلا ينفرون، بل يزيدون رغبة وإمعانا فى الطلب. وهذا الرجل الطفيل بن عمرو الدوسى، وكان سيدا مطاعا شريفا فى قبيلة دوس، وكان قد قدم مكة المكرمة، فاجتمع به كبراء المشركين من قريش، وحذروه من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ونهوه أن يجتمع به ويستمع إليه.

стр. 380

وما زالوا به حتى اقتنع بألا يستمع، وحشا أذنه قطنا لكيلا يسمع، ولكنه غدا إلى الكعبة الشريفة، فرأى على البغتة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وحاول لما أوصاه رجال قريش ألا يسمع، ولكنه بما وهب الله تعالى رسوله الأمين من طيبة ظاهرة تجذب إليه القلوب الصافية أبى إلا أن يسمع بعض ما يقرأ به ﵊، ولنترك الكلمة للرجل ليخبر عن نفسه، فالقول قوله فى شأنها، والإخبار عنها، قال رضى الله عنه: قلت فى نفسى، واثكل أمى، والله إنى لرجل لبيب شاعر، ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذى يأتى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته، فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بيته، فدخلت عليه، فقلت: يا محمد ﷺ إن قومك قالوا: لى كذا وكذا. فو الله ما برحوا يخوفوننى أمرك حتى سدوا أذنى بكرسف (قطن) لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله تعالى إلا أن يسمعنى قولا حسنا، فاعرض على أمرك، فعرض علىّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الاسلام، وتلا علىّ القران الكريم، فلا والله ما سمعت قولا أحسن منه، ولا أمرا أعدل، فأسلمت وشهدت شهادة الحق. وكان الطفيل هذا رجلا مسموع الكلمة فى قومه شريفا بينهم لم يعرف بقول الزور ولا الباطل فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا طائعين، وكانت دوس على الإسلام إلى أن جاء عصر الجهاد بالسيف، فجاهدت مع المجاهدين وحاربت المشركين فى عصر النبى ﷺ ، وحاربت المرتدين من بعده، وكان لها قدم ثابتة فى الإسلام. ولم يجد منع قريش، فالنور لا يقع فى قبضة أحد، بل إنه يسرى شعاعا مضيئا هاديا مهما تكن الظلمات المتكاثفة، هذا الرجل الأول الذى جعلناه مثلا لشيوع أمر الرسالة المحمدية بعد القطيعة وفى أثنائها، فكان كل ما عمل ضد محمد ﵊، وما قام به يكون فى نتيجته خيرا لدعوة التوحيد، ونداء الحق البين. من هذه القصة وأشباهها، وإنها لكثيرة نجد أن الإسلام أخذ يسرى إلى الجزيرة العربية قاصيها ودانيها، والنبى ﵊ قطب دعوة التوحيد مقيم فى مكة المكرمة مثوى العرب أجمعين، لا يسكت ولا ينى، بل يستمر فى دعوة الحق، يستمع إليه الضعفاء وبعض الأقوياء بينهم بصلواته يجهر بها ولا يخافت، والمشركون يستهزئون ظاهرا، وهم مأخوذون بها باطنا، بقدر حملتها على الشرك الذى يستمسكون به ويلاحون عنه بظاهر من عصبية، وحقدا وحسدا، لا إيمانا ويقينا، ولكنهم قوم فى ذات أنفسهم مترددون، والمترددون يثير حنقهم وغضبهم المستيقنون المؤمنون، وكذلك كانت المعركة بين حق لائح مبين، وباطل متردد فى ذاته.

стр. 381

عام الحزن ٢٧٩- هذه تسمية رسول الله ﷺ للعام الذى توفى فيه شيخ البطحاء أبو طالب ابن عبد المطلب، وأم المؤمنين خديجة رضى الله تعالى عنها، وقد كانت أبر زوج لأكرم زوج، فسمى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك العام عام الحزن، لأنه فقد فيه حبيبين، ولم ير بعد موتهما من يعوضه عنهما من ذوى قرابته وصهره. فقد كانا يواسيانه، ويشدان أزره، ويمنعان عنه الأذى أن يؤثر فى نفسه، ويرى فيهما المثابة إلى الاطمئنان والسكن، فأبو طالب ينصره، ويذود عنه، ويتحمل الأذى فى سبيل مرضاته، ويعمل على أن تقر عينه دائما، وقريش تضايق العم الشيخ فيتحمل ضيق قومه على أن يكون منه ما يجعل ابن أخيه فى ضيق، ويتحمل الملامة هو على أن توجه ملامة لابن أخيه، وأشهد ويشهد كل قارئ لسيرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ما وجد أب أحنى على ولده من أبى طالب على ابن أخيه، وهو يخالفه فيما يدعو إليه، ولا يستجيب لما ينادى به، كما يقولون خشية سبة قريش، وإن ذلك الأمر يعلمه الله تعالى، وهو فى جملته يتعلق بالدعوة المحمدية المواحدة، وتخفيف الأذى عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن امن معه. ونحسب أن أبا طالب لو امن بالدعوة المحمدية كما امن حمزة، وعلى وعثمان، وغيرهم من بنى عبد مناف ما استطاع أن يذود عن محمد ﷺ وصحبه، كما ذاد عنهم، ولا أن يصد قريشا كما صدهم، إذ أنهم يدخلونه فى ضمن من يناوئون، وحينئذ يفقد سلطانه الكامل على البطحاء إذ ينكرون سيادته، فلا يستطيع أن يكفكف حدتهم، ولا أن يكون الدرع الواقية، كما كان الأمر فى ذلك وهو على دينهم ظاهرا، أما الباطن فعلمه عند الله تعالى. ولو أن لنا أن نأخذ بالقرائن أو بالأمارات على ما يستكن فى القلوب، لقلنا إنه مؤمن، وليس بكافر، ولكن يعارض هذه الظواهر أنه دعى إلى الإيمان بالقول فلم يستجب، ومهما يكن فهو فى الحالين عظيم حتى فى شركه. هذه إشارات إلى ما كان من أبى طالب فى حمايته للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى أنه ﵊ ليقول: إن قريشا ما نالت منى فى حياة أبى طالب ما نالته من بعده. وأما خديجة أم المؤمنين، والزوجة الحانية كالأم أو أشد، فقد كانت السكن إذا ادلهمت الأمور، ولقى من مناوأة قومه أشد ما يلاقى داع إلى الحق، يشتد الكفر وتشتد العداوة، ثم يعود إلى بيته مجهودا

стр. 382

مشنوا، فيلاقى الزوج البرة، ولسان حالها يقول له، كما قالت أولا: «والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر، فيطمئن فؤاده، وتسكن جوارحه، وتقر نفسه الجائشة» . وإن عاطفة الزوج المخلصة تلهمها بأطيب القول وأحكمه فى أشد الأوقات التى تتضافر فيها أسباب الضيق النفسى والقلق، وهى بحق التى تسمى السكن، وكما قال الله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً «١» . هذا العام كان قبل الهجرة بثلاث سنين، كما يحقق الرواة، وهو قبل فرض الصلوات الخمس، كما يقول المحققون، وهو بناء على ذلك قبل الإسراء والمعراج، ولذلك ذكرنا عام الحزن قبلهما، للترتيب الزمنى أولا- ولأن الإسراء والمعراج، كانا لمواساة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأنسه بربه، ولأنهما فيما يظهر لنا فيهما إذهاب للوحشة التى نالت قلب الرسول ﵊ الكريم بفقد حبيبين. فبين الله تعالى بهذا الإسراء أن الله هو الحبيب الأعظم، وهو الحامي واحده ولا حماية لأحد تقارب أو تدانى حمايته. وإن الأكثرين ممن كتبوا فى السيرة النبوية يقدسون الكلام فى الإسراء والمعراج، لأن فيهما تكميلا لبيان الفرائض الإسلامية التى تتعلق بالتوحيد وهى الصلاة. ويقول فى ذلك ابن كثير فى تاريخه الكبير: «قال البيهقى، وزعم الواقدى أن خديجة وأبا طالب ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين، عام خرجوا من الشعب، وأن خديجة توفيت قبل أبى طالب بخمس وثلاثين ليلة. وروى عن الزهرى أنه قال: توفيت خديجة بمكة المكرمة قبل خروج رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة وقيل قبل أن تفرض الصلاة ... قلت: مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، وكان الأنسب أن نذكر وفاة أبى طالب وخديجة قبل الإسراء كما ذكر البيهقى وغير واحد. أبو طالب، وإيمانه ٢٨٠- مما لا شك فيه، ولا يمارى فيه مؤمن أن أبا طالب كان له موقف فى الدعوة الإسلامية، وهو موقف من يحمى الحق ويدافع عنه، ويتحمل الضيق فى سبيله، وقد رضى أن يعيش ممنوعا، هو وبنو هاشم وبنو المطلب، مضيقا عليهم فى الرزق، وكل أسباب الحياة، وذلك عندما قاطعه قومه هو وبنى هاشم، ومن انضم إليهم من بنى عبد مناف، واستوى فى ذلك مؤمنهم وكافرهم، وعلى رأسهم كبيرهم أبو طالب، وقد كان المحرك لهم.

стр. 383

وكما كان منه هذا الموقف المشرف الرافع للحق لم يدخل فى دين الله، أو على الأقل لم يدخل فى دين الله ظاهرا، واستمر على ذلك، لا يدخل فيما يدعو إليه محمد ﷺ ، ولا يمتنع عن الدفاع. والقارئ لسيرته يعتقد أن ذلك لمجرد العصبية الجاهلية، ولفرط محبته لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن المحبة كانت هى الدافع لا للعصبية واحدها. فما كان ليرضى أن يغضب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا أن يكون منه مالا تقر به عين حبيبه وابن أخيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وهنا يرد سؤال، وهو: أمات أبو طالب بعد هذا البلاء فى حماية الدعوة الإسلامية على الشرك، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه؟ يقول إخواننا الشيعة إنه مات مؤمنا، وأن الله تعالى أجرى على لسانه كلمة الحق: لا إله إلا الله محمد رسول الله.. ولهم فى ذلك روايات أسندت إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ويقول جماعة أهل السنة، ومعهم الكثرة الكاثرة من علماء الفقه والحديث أنه مات على الشرك، وأنه من أهل النار، وأن الله تعالى يخفف عنه عذاب جهنم، فيكون فى ضحضاح من النار. ويردون كلام الأولين بأنه من فرط التشيع لعلى، فقد جرهم هذا التشيع لعلى إلى أن يحكموا بإيمان أبيه أبى طالب، ثم يذكرون ضعفا فى إسناد الأخبار التى روت إسلامه، ونطقه بالشهادتين، ويذكرون أن الأخبار الصحاح ذكرت أنه ما نطق بشهادة ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويذكرون أنه فى الخبر الذى صح عندهم عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر أنه يكون فى ضحضاح من النار، وأن ذلك استجابة لدعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالتخفيف عنه. لما كان له من مناصرة له ﵊. وإنه من الحق علينا أن نذكر أمره عندما حضرته الوفاة. ٢٨١- ونقول أن كتب الصحاح من السنة كما تذكر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان فى خوف من نتيجة مرضه، كان مشركو قريش فى فزع من موته، لأنه كما كان حاميا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان كهفا لقريش يشكون أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إليه، ليرجو أن يخفف عنهم، ولنترك الكلمة للمؤرخ المحدث الحافظ بن كثير فى كتابه البداية والنهاية «١» .

стр. 384

«قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشا ثقله قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا أمر محمد فى القبائل فانطلقوا بنا إلى أبى طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه، وليعظه، فإنا والله لا نأمن أن يبتزونا أمرنا. قال ابن إسحاق: وحدثنا العباس عن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله عن ابن عباس قال: لما مشوا إلى أبى طالب وكلموه، وهم أشراف قومه: عتبة بن ربيعة، وشيبة ابن ربيعة، وعمرو بن هشام (أبو جهل) وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، فى رجال من أشرافهم فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك فادعه، فخذ لنا، وخذ له منا، ليكف عنا، ولنكف عنه، وليدعنا وديننا، ولندعه ودينه. فبعث إليه أبو طالب فجاءه، فقال: يا بن أخى، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك، ليعطوك وليأخذوا. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا عم، كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم. فقال عمرو بن هشام (أبو جهل) : نعم وأبيك وعشر كلمات. ثم قال: تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه. فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: يا محمد، تريد أن تجعل الالهة إلها واحدا. إن أمرك لعجب، ثم قال بعضهم لبعض، إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين ابائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا. فقال أبو طالب: والله يابن أخى ما رأيتك سألتهم شططا، فطمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيه، فجعل يقول له: «أى عم، فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة» فلما رأى حرص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: يا ابن أخى، والله لولا مخافة السبة عليك، وعلى بنى أبيك من بعدى، وأن تظن قريش أنى قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها، فلما تقارب من أبى طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه ... قال العباس: يابن أخى، لقد قال أخى الكلمة التى أمرته أن يقولها. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لم أسمع» «١» . هذا الخبر، يدل على ثلاثة أمور: أولها: أن قريشا ترى فى بقاء أبى طالب ضمانا لأمنهم، واتصالهم بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم للتأثير فيه بعمه شيخ مكة المكرمة.

стр. 385

ثانيها: عظم محبة أبى طالب صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ أنه ينطق بها محبة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ثالثها: أن الرواية تدل على أنه يصدق دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك من ناحيتين: أولاهما: أنه قال: «ما رأيتك سألتهم شططا» أى أنه سألهم معقولا، وهو: لا إله إلا الله. والثانية: أنها تدل على أن أبا طالب نطق بكلمة الإيمان، كما قال العباس. وقد رد الذين أنكروا إيمان أبى طالب: أولا: بأن السند فيه تجهيل، لأنه قال عن بعض أهله، فلم يعرف من الراوي، وما حاله. وثانيا: بأن الإمام أحمد روى هذا السياق، ولم يذكر كلمة العباس، وكذلك الترمذى والنسائى وابن جرير. وروى البخارى فى سياق هذا الخبر أن عمرو بن هشام (أبا جهل) وعبد الله بن أمية، عندما سأل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عمه أن يقول لا إله إلا الله، قالا له: يا أبا طالب أترغب عن ملة: عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال اخر ما تكلم به: «على ملة عبد المطلب» . وهكذا غيرها من روايات الصحاح تدل على أنه لم يقلها، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» . ٢٨٢- وإن الذى ننتهى إليه أن هناك أمورا ثلاثة، تحققت منها اثنتان، والثالثة موضع نظر: الأولى: أن أبا طالب حامى على الإسلام، بالدفاع عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وبالدفاع عن المسلمين، وما قاله من المدح لدعوة النبى ﷺ والثناء عليها، وما أظهره له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة فى أشعاره، وما تضمنه كلامه من العيب والتنقيص لمن خالف وكذبه بتلك العبارات الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التى لا تدانى ولا تسامى، ولا يمكن عربيا مقاربتها ولا معارضتها، وهو فى ذلك كله يعلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صادق راشد «١» . الثانية- ثبت أنه عندما حضرته الوفاة كان يزكى مطالب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنه ما عرف عنه بعد الدعوة المحمدية أن زكى الأوثان قط، ولا فضل تقديسهم عن دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه تحمل الأذى مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 386

ويضاف إلى ذلك هذه المحبة الظاهرة، والشفقة الواضحة التى كانت للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم. الثالثة- النطق بكلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» فقد جاءت رواية بأنه نطق بها، وقالها، وهذه رويت عن العباس، وتطاول بعضهم على مقامه، فقال إنه قالها قبل أن يسلم، وكأن القائل يرمى العباس بالكذب، قبل الإسلام، ومعاذ الله أن يكذب العباس بن عبد المطلب، ولو قبل إسلامه، لأنه من ذؤابة قريش وأشرافهم، والعربى لا يكذب، وانظر إلى ما رواه البخارى عن محادثة هرقل ملك الروم مع أبى سفيان، فقد صدقه القول عن النبى ﵊ وبينهما عداوة قال: «لولا أنى أخشى أن تحفظ عنى كذبة فى العرب لكذبت» فهل يعد العباس أقل من أبى سفيان شرفا وهمة؟ كلا إنه القرشى الهاشمى، وعم النبى ﵊ قبل الإسلام وبعده. ٢٨٣- وإننا ننتهى من هذا العرض الذى تحرينا فيه صدق التلخيص أن أبا طالب لم يكن مكذبا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يكن مقاوما معاندا، فهل كان من المسلمين؟. ويقول ابن كثير فى هذا: «وهو فى هذا كله يعلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صادق راشد، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه، وفرق بين علم القلب وتصديقه» «١» . وكأنه بهذا يشبهه بعلم اليهود بالنبى ﷺ إذ كانوا كما قال الله ﵎ عنهم: «يعرفونه كما يعرفون أبناءهم» «٢» ولكنهم لم يذعنوا لما يقضى علمهم، فهم يعلمون ولا يذعنون. وإنى أسمح لنفسى أن أخالف الحافظ بن كثير فى قوله هذا، أو انطباقه على أبى طالب، وأحسبه هو قد وجد فارقا بين معرفته لله تعالى ولدعوة الرسول ﵊ واليهود، وأقول أن علم أبى طالب قد صحبه ما يدل على التصديق والإذعان، فهو علم مقترن باليقين والإذعان، كما دلت عباراته، وكما دافع عن الإسلام، فإذا كان ثمة نقص بالنسبة لأبى طالب. فهو أنه لم ينطق بموجب التصديق والاذعان، وإنى لذلك أقول أنه لا يمكن أن يكون مشركا قط. أولا: لأنه استنكر أقوال قريش وأيد دعوة التوحيد. وثانيا: لأنه دافع عن التوحيد وأهله، وتلقى الأذى كما تلقى المؤمنون الصادقون. وثالثا: لأنه صرح بأن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم صادق راشد.

стр. 387

وإن وجد من يتردد فى إدخاله فى زمرة المسلمين، ولو كانوا ضعافا، فإننا لا نتردد فى إخراجه من زمرة المشركين، وإذا كان قد نسب إليه، أنه قال وهو فى سكرات الموت: على ملة عبد المطلب استجابة لأحد الأشياخ من قريش، فإنا لا نحسب أن هذه الكلمة تعارض كل ما كان منه من دفاع عن الإسلام، وتصريحات كثيرة له بأن دعوة محمد ﵊ صادقة راشدة قالها وهو صحيح معافى. ونختم كلامنا فى هذا بما قاله الحافظ بن كثير فى أبى طالب فقد قال رضى الله عنه: «أبو طالب كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعن أصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال، ونفس ومال، ولكن مع هذا لم يقدر الله تعالى له الإيمان، لما له تعالى فى ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التى يجب الإيمان بها والتسليم لها، ولولا ما نهانا الله تعالى عنه من الاستغفار للمشركين، لاستغفرنا لأبى طالب وترحمنا عليه» «١» . ونحن نقول فيما استنبطنا، إنه ليس بمشرك قط، لأن المشرك من يعبد الأصنام، ويشركها مع الله تعالي، وأفعاله وأقواله، ومواقفه تدل على أنه يرى عبادة الأصنام أمرا باطلا، ولذلك أميل إلى أن أستغفر له، إن كنت من أهل هذا المقام، وأرى أنه ليس بكافر أصلا، والله هو العليم بذات الصدور، وما تخفى الأنفس. خديجة ﵂ ٢٨٤- كانت خديجة هى الفقيد الثانية التى أدخل موتها الحزن فى قلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وكان قطعة من نفسها، وهى التى أذهبت عنه الرعب يوم جاءها يرجف فؤاده من أول لقاء بالوحى الإلهى، وهى التى كانت تأسو جراح قلبه، كلما لقى من قومه صدودا وأذى، وهى التى شاركته فى حمل ضرائه، وكانت لها المنزلة الأولى بين نسائه. ولمكانتها فى نفسه لم يتزوج فى حياتها غيرها قط معها، ولكن تزوج من بعدها، وعدد الأزواج، وكان الحل لمقاصد، ليس منها الشهوة، بل ليؤلف بينه وبين قبائل العرب وليولى أصحابه المحبة، ويدنيهم منه وليؤدى أزواج من يموتون من أصحابه. أو يقتلون، ويتركون أزواجهم من غير عائل يعولهم ليحقق بالعمل قوله ﵊: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك ضياعا، فإلى، وعلى» . وإنها لعظم منزلتها من النبى ﵊، وفى الاسلام، بشرت ببيت فى الجنة من قصب.

стр. 388

روى البخارى بسنده عن أبى هريرة قال: «أتى جبريل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت بإناء، فيه إدام- أو طعام أو شراب- فإذا هى أتتك فاقرأ ﵍ من ربها، ومنى، وبشرها ببيت فى الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» والقصب المراد به اللؤلؤ. وقد قال السهيلى «إنما بشرها ببيت فى الجنة من قصب يعنى قصب اللؤلؤ، لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان، ولا صخب فيه ولا نصب، لأنها لم ترفع صوتها على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولم تتعبه فى الدهر، فلم تصخب عليه يوما، ولا اذته أبدا» . ولقد كان يذكرها دائما بالخير، يحب من كانت تحبه، ويواد من كانت توده، حتى كان ذكرها الدائم يثير غيرة بعض نسائه، حتى لقد قالت أم المؤمنين عائشة: «ما غرت من امرأة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ما غرت من خديجة، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله تعالى أن يبشرها ببيت فى الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدى فى خلائلها منها ما يسعهن «١» » . وكان مع ذكرها يكرم ذكراها، ومن يذكره بها، ولقد استأذنت عليه هالة بنت خويلد أختها، فعرف استئذان خديجة، فارتاح، فقال: «اللهم هالة» . وروى الإمام أحمد عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: «كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذ ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء فغرت يوما، فقلت: «ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرا منها» قال: ما أبدلنى خيرا منها، وقد امنت بى إذ كفر بى الناس، وصدقتنى إذ كذبنى الناس، واستنى بمالها، إذ حرمنى الناس، ورزقنى الله ولدها إذ حرمنى أولاد النساء» . وواضح أن ذلك قبل أن يهب الله تعالى له إبراهيم من مارية القبطية. وإننا نرى من هذا الكلام كله مكانة أم المؤمنين خديجة فى نفس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكيف كانت المواسى، إذا ادلهمت الأمور، واشتد البلاء، وكيف كانت المؤنس إذا استوحش من الناس، وكيف كانت الهدأة والسكن إذا ارتاع من هول ما يفعل الناس، فكان حقا ﵊ أن يسمى عام وفاتها ووفاة عمه الكريم عام الحزن، وقد فقد فيه الحبيبين، الحامى المكافح، والمؤنس المواسى. وقد مات أبو طالب قبل خديجة على أصح الروايات، وقيل: كانت وفاته قبلها بثلاث ليال. ويذكر بعض الرواة أن وفاتها كانت قبل وفاته بنحو من خمس وثلاثين ليلة وأن الراجح أن وفاته كانت قبل وفاتها، ومهما يكن الأمر فى المقدم والمؤخر، فإن وفاتهما أورثت حزنا شديدا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 389

ما كان بعد موت أبى طالب ٢٨٥- قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «ما نالت منى قريش شيئا أكرهه، حتى مات أبو طالب» ولقد لزم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الحبيبين، الحامى المكافح، والمؤنس المواسى. ثم لما خرج وباشر الدعوة وبلغ رسالة ربه، كلبت عليه قريش، حتى كانوا يؤذونه فى بيته، فكان جيرانه جيران سوء، ومنهم أبو جهل، والحكم بن أبى العاص بن أمية، وعقبة بن معيط وعدى بن الحمراء، وابن الأصداء الهذلى، وكان أحدهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى. وقد روى مسلم عن ابن مسعود قال. «بينما رسول الله ﷺ يصلى عند البيت، وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا «١» جزور بنى فلان، فيأخذه فيضعه بين كتفى محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم. فأخذه، فلما سجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وضعه بين كتفيه فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا نائم أنظر والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه.. حتى ذهب إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت، وهى جويرية فطرحت عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صلاته، رفع رأسه، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا، دعا ثلاثا وإذا سأل، سأل ثلاثا، ثم قال. اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: اللهم بأبى جهل ابن هشام، عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبى معيط، فو الذى بعث محمدا ﵊ بالحق، لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر» . اشتد أذى قريش للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويظهر أن أكثر الأذى الذى نال شخص النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان بعد وفاة أبى طالب. ولقد قال ابن كثير فى ذلك: «وعندى أن غالب ما روى مما تقدم من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه، وهو يصلى كما رواه ابن مسعود.. وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له صلى الله تعالى عليه وسلم خنقا شديدا وكذلك عزم أبى جهل.. لعنه الله على أن يطأ عنقه وهو يصلى فحيل بينه وبين ذلك، وما أشبه ذلك- ذلك كله كان بعد وفاة أبى طالب والله أعلم، فذكره هاهنا أشبه وأنسب» .

стр. 390

وإن هذا الكلام له وجاهته، وعلى ذلك نذكر أن أذى المشركين أخذ دورين. الدور الأول: ما كان قبل وفاة أبى طالب، وقد كان أذى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان بالاستهزاء والسخرية والسب، ولا ينالون منه بغير ألسنتهم، ويقوم بذلك سفهاؤهم كأبى الحكم بن هشام (أبى جهل) وعقبة بن أبى معيط، وغيرهما من سفهاء القوم. وكان مع ذلك التعذيب والإيذاء البدنى للضعفاء، وغير النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مما أدى إلى الهجرة إلى الحبشة مرتين، وكان فيهم كبراء كجعفر بن أبى طالب، وعثمان بن عفان، ولعل هجرتهم كانت لأذى القول والسخرية والاستهزاء. الدور الثانى: كان بعد وفاة أبى طالب، وهنا اشتد الأذى، وكان الاعتداء بالقول والفعل حتى اضطر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أن يطلب الجوار ليدخل مكة المكرمة، فأجاره مطعم بن عدى. وإذا كان قد فقد حماية أبى طالب، فقد عوضه الله تعالى بحمايته. حماية الله تعالي ٢٨٦- روى البخارى بسنده عن ابن عباس، قال: «مر أبو جهل بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يصلى، فقال: ألم أنهك أن تصلى يا محمد لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا منى، فانتهره النبى ﷺ ، فنزل قوله الله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ «١» ، والله لو دعا ناديه لأخذته زبانيه العذاب. وروى ابن جرير الطبرى بسنده عن أبى هريرة: هل يعفر محمد ﵊ وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم: قال: فو اللات والعزى عندما رأيته يصلى كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلى ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه فقيل له: مالك!! قال إن بينى وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ . «لو دنا منى لا ختطفته الملائكة» . ولقد حدث عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه جرت بين النبى ﷺ ومشركى مكة المكرمة، والرسول ﵊ يدعوهم إلى الله تعالى، ويبين لهم أن الأحجار لا تنفع ولا تضر، وأنها لا تغنى من الله تعالى شيئا، ثم غادر مكانهم، فقام أبو جهل بن هشام فقال:
следующие страницы →