ويضاف إلى ذلك هذه المحبة الظاهرة، والشفقة الواضحة التى كانت للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
الثالثة- النطق بكلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» فقد جاءت رواية بأنه نطق بها، وقالها، وهذه رويت عن العباس، وتطاول بعضهم على مقامه، فقال إنه قالها قبل أن يسلم، وكأن القائل يرمى العباس بالكذب، قبل الإسلام، ومعاذ الله أن يكذب العباس بن عبد المطلب، ولو قبل إسلامه، لأنه من ذؤابة قريش وأشرافهم، والعربى لا يكذب، وانظر إلى ما رواه البخارى عن محادثة هرقل ملك الروم مع أبى سفيان، فقد صدقه القول عن النبى ﵊ وبينهما عداوة قال: «لولا أنى أخشى أن تحفظ عنى كذبة فى العرب لكذبت» فهل يعد العباس أقل من أبى سفيان شرفا وهمة؟ كلا إنه القرشى الهاشمى، وعم النبى ﵊ قبل الإسلام وبعده.
٢٨٣- وإننا ننتهى من هذا العرض الذى تحرينا فيه صدق التلخيص أن أبا طالب لم يكن مكذبا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يكن مقاوما معاندا، فهل كان من المسلمين؟.
ويقول ابن كثير فى هذا: «وهو فى هذا كله يعلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صادق راشد، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه، وفرق بين علم القلب وتصديقه» «١» .
وكأنه بهذا يشبهه بعلم اليهود بالنبى ﷺ إذ كانوا كما قال الله ﵎ عنهم:
«يعرفونه كما يعرفون أبناءهم» «٢» ولكنهم لم يذعنوا لما يقضى علمهم، فهم يعلمون ولا يذعنون.
وإنى أسمح لنفسى أن أخالف الحافظ بن كثير فى قوله هذا، أو انطباقه على أبى طالب، وأحسبه هو قد وجد فارقا بين معرفته لله تعالى ولدعوة الرسول ﵊ واليهود، وأقول أن علم أبى طالب قد صحبه ما يدل على التصديق والإذعان، فهو علم مقترن باليقين والإذعان، كما دلت عباراته، وكما دافع عن الإسلام، فإذا كان ثمة نقص بالنسبة لأبى طالب. فهو أنه لم ينطق بموجب التصديق والاذعان، وإنى لذلك أقول أنه لا يمكن أن يكون مشركا قط.
أولا: لأنه استنكر أقوال قريش وأيد دعوة التوحيد.
وثانيا: لأنه دافع عن التوحيد وأهله، وتلقى الأذى كما تلقى المؤمنون الصادقون.
وثالثا: لأنه صرح بأن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم صادق راشد.
стр. 387
وإن وجد من يتردد فى إدخاله فى زمرة المسلمين، ولو كانوا ضعافا، فإننا لا نتردد فى إخراجه من زمرة المشركين، وإذا كان قد نسب إليه، أنه قال وهو فى سكرات الموت: على ملة عبد المطلب استجابة لأحد الأشياخ من قريش، فإنا لا نحسب أن هذه الكلمة تعارض كل ما كان منه من دفاع عن الإسلام، وتصريحات كثيرة له بأن دعوة محمد ﵊ صادقة راشدة قالها وهو صحيح معافى. ونختم كلامنا فى هذا بما قاله الحافظ بن كثير فى أبى طالب فقد قال رضى الله عنه:
«أبو طالب كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعن أصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال، ونفس ومال، ولكن مع هذا لم يقدر الله تعالى له الإيمان، لما له تعالى فى ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التى يجب الإيمان بها والتسليم لها، ولولا ما نهانا الله تعالى عنه من الاستغفار للمشركين، لاستغفرنا لأبى طالب وترحمنا عليه» «١» .
ونحن نقول فيما استنبطنا، إنه ليس بمشرك قط، لأن المشرك من يعبد الأصنام، ويشركها مع الله تعالي، وأفعاله وأقواله، ومواقفه تدل على أنه يرى عبادة الأصنام أمرا باطلا، ولذلك أميل إلى أن أستغفر له، إن كنت من أهل هذا المقام، وأرى أنه ليس بكافر أصلا، والله هو العليم بذات الصدور، وما تخفى الأنفس.
خديجة ﵂
٢٨٤- كانت خديجة هى الفقيد الثانية التى أدخل موتها الحزن فى قلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وكان قطعة من نفسها، وهى التى أذهبت عنه الرعب يوم جاءها يرجف فؤاده من أول لقاء بالوحى الإلهى، وهى التى كانت تأسو جراح قلبه، كلما لقى من قومه صدودا وأذى، وهى التى شاركته فى حمل ضرائه، وكانت لها المنزلة الأولى بين نسائه.
ولمكانتها فى نفسه لم يتزوج فى حياتها غيرها قط معها، ولكن تزوج من بعدها، وعدد الأزواج، وكان الحل لمقاصد، ليس منها الشهوة، بل ليؤلف بينه وبين قبائل العرب وليولى أصحابه المحبة، ويدنيهم منه وليؤدى أزواج من يموتون من أصحابه. أو يقتلون، ويتركون أزواجهم من غير عائل يعولهم ليحقق بالعمل قوله ﵊: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك ضياعا، فإلى، وعلى» .
وإنها لعظم منزلتها من النبى ﵊، وفى الاسلام، بشرت ببيت فى الجنة من قصب.
стр. 388
روى البخارى بسنده عن أبى هريرة قال: «أتى جبريل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت بإناء، فيه إدام- أو طعام أو شراب- فإذا هى أتتك فاقرأ ﵍ من ربها، ومنى، وبشرها ببيت فى الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» والقصب المراد به اللؤلؤ.
وقد قال السهيلى «إنما بشرها ببيت فى الجنة من قصب يعنى قصب اللؤلؤ، لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان، ولا صخب فيه ولا نصب، لأنها لم ترفع صوتها على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولم تتعبه فى الدهر، فلم تصخب عليه يوما، ولا اذته أبدا» .
ولقد كان يذكرها دائما بالخير، يحب من كانت تحبه، ويواد من كانت توده، حتى كان ذكرها الدائم يثير غيرة بعض نسائه، حتى لقد قالت أم المؤمنين عائشة: «ما غرت من امرأة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ما غرت من خديجة، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله تعالى أن يبشرها ببيت فى الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدى فى خلائلها منها ما يسعهن «١» » .
وكان مع ذكرها يكرم ذكراها، ومن يذكره بها، ولقد استأذنت عليه هالة بنت خويلد أختها، فعرف استئذان خديجة، فارتاح، فقال: «اللهم هالة» .
وروى الإمام أحمد عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: «كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذ ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء فغرت يوما، فقلت: «ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرا منها» قال: ما أبدلنى خيرا منها، وقد امنت بى إذ كفر بى الناس، وصدقتنى إذ كذبنى الناس، واستنى بمالها، إذ حرمنى الناس، ورزقنى الله ولدها إذ حرمنى أولاد النساء» .
وواضح أن ذلك قبل أن يهب الله تعالى له إبراهيم من مارية القبطية.
وإننا نرى من هذا الكلام كله مكانة أم المؤمنين خديجة فى نفس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكيف كانت المواسى، إذا ادلهمت الأمور، واشتد البلاء، وكيف كانت المؤنس إذا استوحش من الناس، وكيف كانت الهدأة والسكن إذا ارتاع من هول ما يفعل الناس، فكان حقا ﵊ أن يسمى عام وفاتها ووفاة عمه الكريم عام الحزن، وقد فقد فيه الحبيبين، الحامى المكافح، والمؤنس المواسى.
وقد مات أبو طالب قبل خديجة على أصح الروايات، وقيل: كانت وفاته قبلها بثلاث ليال. ويذكر بعض الرواة أن وفاتها كانت قبل وفاته بنحو من خمس وثلاثين ليلة وأن الراجح أن وفاته كانت قبل وفاتها، ومهما يكن الأمر فى المقدم والمؤخر، فإن وفاتهما أورثت حزنا شديدا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 389
ما كان بعد موت أبى طالب
٢٨٥- قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «ما نالت منى قريش شيئا أكرهه، حتى مات أبو طالب» ولقد لزم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الحبيبين، الحامى المكافح، والمؤنس المواسى.
ثم لما خرج وباشر الدعوة وبلغ رسالة ربه، كلبت عليه قريش، حتى كانوا يؤذونه فى بيته، فكان جيرانه جيران سوء، ومنهم أبو جهل، والحكم بن أبى العاص بن أمية، وعقبة بن معيط وعدى بن الحمراء، وابن الأصداء الهذلى، وكان أحدهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى.
وقد روى مسلم عن ابن مسعود قال. «بينما رسول الله ﷺ يصلى عند البيت، وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا «١» جزور بنى فلان، فيأخذه فيضعه بين كتفى محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم. فأخذه، فلما سجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وضعه بين كتفيه فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا نائم أنظر والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه.. حتى ذهب إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت، وهى جويرية فطرحت عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صلاته، رفع رأسه، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا، دعا ثلاثا وإذا سأل، سأل ثلاثا، ثم قال. اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: اللهم بأبى جهل ابن هشام، عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبى معيط، فو الذى بعث محمدا ﵊ بالحق، لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر» .
اشتد أذى قريش للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويظهر أن أكثر الأذى الذى نال شخص النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان بعد وفاة أبى طالب.
ولقد قال ابن كثير فى ذلك:
«وعندى أن غالب ما روى مما تقدم من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه، وهو يصلى كما رواه ابن مسعود.. وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له صلى الله تعالى عليه وسلم خنقا شديدا وكذلك عزم أبى جهل.. لعنه الله على أن يطأ عنقه وهو يصلى فحيل بينه وبين ذلك، وما أشبه ذلك- ذلك كله كان بعد وفاة أبى طالب والله أعلم، فذكره هاهنا أشبه وأنسب» .
стр. 390
وإن هذا الكلام له وجاهته، وعلى ذلك نذكر أن أذى المشركين أخذ دورين.
الدور الأول: ما كان قبل وفاة أبى طالب، وقد كان أذى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان بالاستهزاء والسخرية والسب، ولا ينالون منه بغير ألسنتهم، ويقوم بذلك سفهاؤهم كأبى الحكم بن هشام (أبى جهل) وعقبة بن أبى معيط، وغيرهما من سفهاء القوم.
وكان مع ذلك التعذيب والإيذاء البدنى للضعفاء، وغير النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مما أدى إلى الهجرة إلى الحبشة مرتين، وكان فيهم كبراء كجعفر بن أبى طالب، وعثمان بن عفان، ولعل هجرتهم كانت لأذى القول والسخرية والاستهزاء.
الدور الثانى: كان بعد وفاة أبى طالب، وهنا اشتد الأذى، وكان الاعتداء بالقول والفعل حتى اضطر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أن يطلب الجوار ليدخل مكة المكرمة، فأجاره مطعم بن عدى.
وإذا كان قد فقد حماية أبى طالب، فقد عوضه الله تعالى بحمايته.
حماية الله تعالي
٢٨٦- روى البخارى بسنده عن ابن عباس، قال: «مر أبو جهل بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يصلى، فقال: ألم أنهك أن تصلى يا محمد لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا منى، فانتهره النبى ﷺ ، فنزل قوله الله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ «١» ، والله لو دعا ناديه لأخذته زبانيه العذاب.
وروى ابن جرير الطبرى بسنده عن أبى هريرة: هل يعفر محمد ﵊ وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم: قال: فو اللات والعزى عندما رأيته يصلى كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلى ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه فقيل له: مالك!! قال إن بينى وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ . «لو دنا منى لا ختطفته الملائكة» .
ولقد حدث عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه جرت بين النبى ﷺ ومشركى مكة المكرمة، والرسول ﵊ يدعوهم إلى الله تعالى، ويبين لهم أن الأحجار لا تنفع ولا تضر، وأنها لا تغنى من الله تعالى شيئا، ثم غادر مكانهم، فقام أبو جهل بن هشام فقال:
стр. 391
«يا معشر قريش، إنه قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم ابائنا، وتسفيه أحلامنا وسب الهتنا، وإنى أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر، فإذا سجد فى صلاته، فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظر، وغدا رسول الله ﷺ وكانت قبلته للشام، فكان إذا صلى، صلى بين الركنين الأسود واليمانى، فجعل الكعبة الشريفة بينه وبين الشام فقام يصلي.
وقد غدت قريش فجلسوا فى أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه، مرعوبا، قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يديه.
رأى رجال قريش الذين غدوا ليروا ما يفعل وما كان به، فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم!! فقال:
قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم أن يأكلني» .
هذه أخبار رواة ثقات بأسناد صحيحة قوية، وإذا كان فى بعض أسنادها ضعف فالقوى يرفع الضعيف، وحسبنا رواية القوى.
ونحن نرجح ما راه ابن كثير من أن ذلك بعد وفاة أبى طالب، وإن كتب السيرة والأحاديث التى رويت بأسناد صحيحة لا تذكر زمان الوقائع، ولكن تعنى بصدق الوقائع بروايتها عن ثقات أثبات، وإذا كان الزمان غير ثابت، فمن حق المؤرخ الفاحص أن يذكر الأحداث مرتبطة بما يناسبها، وهو الوقت الذى خلا فيه النبى ﷺ من نصرة النسيب القريب الذى الهمه الله تعالى المحبة والذود عن نبيه، ولو كان فى أكثر حياته لم يعلن اتباع النبى ﷺ ، حتى إذا قبضه الله تعالى إليه، كانت النصرة لله تعالى واحده الذى لم يضيع عبده ورسوله ساعة من زمان.
المهابة مع المحبة
٢٨٧- كانت حماية الله تعالى لرسالته التى بلغها محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قد اقترنت بما أفاض الله عليه من مهابة كانت تظهر فى أوقاتها حيث كان الأذى يشتد، والاستهزاء يكثر، فيذكرهم الله تعالى بأنه لم يترك نبيه لسخريتهم واستهزائهم، فتظهر المهابة الرادعة القاطعة فى وسط سخريتهم، وتطاولهم على مقام النبوة.
стр. 392
ولنذكر فى ذلك واقعتين تبينت فيهما مهابة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم التى ألقاها الله تعالى عليه مع محبته ورحمته.
الأولى: قصة الأراشى، وخلاصتها كما روى محمد بن إسحاق بسنده عن عبد الملك بن أبى سفيان الثقفى قال: قدم رجل من أراش بإبل له إلى مكة المكرمة، فابتاعها أبو جهل بن هشام فمطله بأثمانها، فأقبل الأراش حتى وقف على نادى قريش، ورسول الله ﵊ جالس فى ناحية المسجد فقال:
يا معشر قريش هل من رجل يعدينى على أبى الحكم بن هشام، فإنى غريب وابن سبيل، وقد غلبنى على حقي؟
فقال أهل المجلس: ترى ذلك. ويشيرون إلى رسول الله ﵊، يهزؤن به لما يعلمون ما بينه وبين أبى جهل من العداوة. اذهب إليه فهو يعديك عليه.
فأقبل الأراشى، حتى وقف على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فذكر ذلك. فقام معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه فانظر ماذا يصنع. فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه. فقال: من هذا؟ قال: محمد فاخرج، فخرج إليه، وما فى وجهه قطرة دم، وقد امتقع لونه، فقال له ﵊: أعط الرجل حقه. قال: لا تبرح حتى أعطيه الذى له،، فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله ﷺ ، وقال للرجل: ارحل لشأنك. فأقبل الأراشى حتى وقف على ذلك المجلس، فقال: جزاه الله خيرا، قد أخذت الذى لى.
جاؤا إلى الرجل الذى بعثوه معه فقالوا: ويحك ماذا رأيت؟ قال: عجبا من العجب، والله ما هو أن ضرب عليه بابه، فخرج وما معه روحه، فقال: أعط هذا الرجل حقه، فقال: نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فأخرج إليه حقه.
لم يلبث أن جاء أبو جهل إلى المجلس، فقالوا: ويلك، والله ما رأينا مثل ما صنعت. فقال: ويحكم، والله ما هو أن ضرب على بابى، وسمعت صوته، فملئت رعبا، فخرجت إليه، وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط، فو الله لئن أبيت لأكلنى» .
وإن هذه الواقعة تدل أولا على هيبة النبى ﷺ يستعين بها إذا أراد فى إقامة حق وخفض باطل، ولا يستعين بها فى الدعوة إلى الله تعالى دائما، حتى يكون دائما رؤفا رحيما، والرأفة تلين
стр. 393
القلوب، والهيبة إذا استخدمت باستمرار أرهقتها، وأرهبتها، والرسالة تستدعى تأليف القلوب دائما واللين دائما، ولقد قال الله تعالى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ «١» .
وتدل ثانيا: على أن أشد الناس سفها، وتهجما على الناس، واستهانة بحقوقهم، وهو فى وسط الجموع هو أشدهم خوفا، وهلعا وفزعا إذا انفرد فهو جبان رعديد، إذا لاقى خصمه وجها لوجه، وإنك لترى الذين يبالغون فى الإيذاء من الحكام وغيرهم أشدهم فزعا، إذا أحسوا بأنهم مرام مقصود، وانفردوا.
فالتهجم من فرط الاندفاع، وهو لا يتنافى مع الجبن، بل إنه يلازمه إذا لاقى الأقوياء.
هذه هى الواقعة الأولى التى أردناها. أما الواقعة الثانية: فهى ما رواه البيهقى بسنده عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت من قريش وما أصابت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيما كانت تظهره من عداوة؟ فقال: رأيتهم، وقد اجتمع أشرافهم يوما فى الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم اباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب الهتنا، وصرنا معه على أمر عظيم.
قال: فبينما هم فى ذلك طلع رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشى حتى استلم الركن. ثم مر بهم طائفا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك فى وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فمضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها فى وجهه صلى الله تعالى عليه وسلم، فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها. فقال: «أتستمعون يا معشر قريش، أما والذى نفسى بيده، لقد جئتكم بالذبح» .
فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنه على رأسه طائر وقع، حتى إن أشدهم فيه قبل ذلك ليرفؤه، حتى إنه ليقول: «انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول»
انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى إذا كان الغد اجتمعوا فى الحجر، وأنا معهم (أى عبد الله بن عمرو) قال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بدأكم بما تكرهون تركتموه.
فبينما هم على ذلك طلع رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذى تقول كذا، وكذا، وكذا، لما كان يبلغهم من عيب الهتهم ودينهم، فيقول رسول الله
стр. 394
صلّى الله عليه وسلّم «نعم أنا الذى أقول ذلك» ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر دونه ويقول:
«ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله» ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط «١» .
وإن هذه الواقعة تدل أيضا على هيبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وطاقته النفسية، ولا ينافى هذه الهيبة ما ارتكبوه بعد ذلك من إثم، فإن الهيبة تفرض نفسها عند أول الصدمة، ولا تتنافى مع التدبير لمقاومتها، فقد لقوه فى المرة الأولى. وواجههم بما يكف ألسنتهم عن الغمز والاستهزاء، ويلقى فى قلوبهم الرعب، فأثمر ذلك في نفوسهم، ولما استرجعوا أنفاسهم، واستردوا تفكيرهم الاثم بعد الصدمة التي أوجدتها الهيبة دبروا أمرهم، ثم كانت تلك الحركة التى أخذ فيها بعضهم بمجامع ردائه، وإن ذلك لا ينافى الهيبة التى كانت للنبى ﷺ عندما يعتزم القول وإلقاء المجابهة فى القلب.
ولننزل عن مقام النبى ﷺ إلى من دونه.
فقد كان عمر رضى الله عنه من ذوى الهيبة، ولم تمنع هيبته تدبير اغتياله، وعلى كان على قدر من الهيبة عظيم، بل كان المهوب المرهوب، ولذلك لما دبروا قتله. انتدب له اثنان أنفسهما، وغذى السيف بالسم شهرا ومع ذلك لم تمنع هذه الهيبة، وتلك الرهبة، التدبير والإقدام.
وهكذا نرى أن النبى ﷺ قد حماه ربه من قريش بما منع به شر الأشرار، وبما منحه الله تعالى من قوة نفس، وعزم وصدق.
محمد ﵊ فى الطائف
٢٨٨- ذاق محمد ﷺ ما ذاق من أهل مكة المكرمة من صد عن سبيل الله ومقاومة، وإيذاء له ولأصحابه، وقد بلغ الدعوة فيهم، وكلبوا عليه، ولكن دعوته عامة، وليست لقريش واحدهم بل هى للناس أجمعين، وقد علمها أهل مكة المكرمة، وقاوموها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولله فى ذلك حكمة، ولو كانوا أول من يطيعه لقيل أنهم يريدون بذلك السلطان على الناس.
لقد اتجه النبى ﷺ فى سبيل توسيع نطاق الدعوة إلى الطائف التى تقرب من مكة المكرمة، ولها من القوة والسلطان والثروة من الثمار والتجارة ما لمكة المكرمة، وربما يرى فيهم نصرة لم يرها من قريش.
وله فى الطائف نوع رحم، لأنه رضع فى بنى سعد، وهم قريبون من الطائف، ففيهم مراضعه، وحواضنه، وذلك فوق القرب النسبى، فقد كان الطائف بينها وبين مكة المكرمة نحو ١٢٠ (عشرين ومائة) ميلا، وذلك ليس ببعيد فى الشقة فى عرف أهل البلاد الصحراوية.
стр. 395
ذهب إلى الطائف فى أخريات شوال من السنة العاشرة، ذهب إلى الطائف ليس لمجرد اشتداد قربه منه كما تذكر كتب السيرة، ولكن ذلك قد يكون بعض الأسباب، وليس أقواها، وإنما لذلك، ولأنه اعتراه ما يشبه اليأس من إيمان قريش، أو من بقى منهم، وما كان له أن يضرب فى حديد بارد، أو أن يقصر دعوته عليهم، وقد غلب عليهم الجدل بالباطل من غير أن يتجهوا إلى الاقتناع، فلا يشغل نفسه بهم، واتجه إلى بلد غير بعيد، وهو الطائف، يرجو منهم الاتباع ومن وراء الاتباع النصرة.
ذهب ﷺ إلى الطائف سعيا على قدميه مع أن المسافة كما قلنا تبلغ نحو عشرين ومائة ميل، ولم يكن معه إلا مولاه زيد بن حارثة الذى أعتقه من قبل، وقد صار له حبيبا ودودا، فلم يكن له خادما، بل كان معينا، وقد ذهب راجلا كما ذكر، قيل لأنه لم يرد أن يعلم أحد بذهابه، وقد يكون ذلك بعض السبب، ولكن نقول إنه كان يجاهد فى سبيل الدعوة، ويبلغ به الجهد والجهاد أقصاهما.
قال ابن إسحاق فى سيرته بسنده لما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرفهم، وهم إخوة ثلاثة. عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير وحبيب بن عمرو بن عمير، وابن عوف بن عقدة بن عوف بن ثقيف» «١» .
التقى بهؤلاء الذين كانوا يعدون من أشرافهم، لمكانة أبيهم فى ثقيف.
وقد كانت هذه الرحلة النبوية إلى ثقيف غير محققة الاستجابة، ولكنها كانت جهادا فى سبيل الدعوة من صاحبها.. ولنذكر لك المجاوبة التى كانت بين النبى ﵊ ومن تحدث إليهم من أولاد عمرو بن عمير.
جلس رسول الله ﷺ إلى أولاد عمرو بن عمير، فدعاهم إلى الله تعالى، وبما جاءهم له من نصرته ﵊، والقيام معه على من خالفه من قومه، فأجابوه بنكر من القول.
قال أحدهم: وهو يمرط ثياب الكعبة الشريفة، (أى أنه ينزع كساء الكعبة) إن كان الله تعالى أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ينزع ثياب الكعبة الشريفة. وكأنه يسخر بالرسول ﵊، ويعلق علي إرسال النبى ﷺ من الله تعالى أن ينزع هو ثياب الكعبة الشريفة، وذلك مستحيل لقدسيتها.
وقال الثانى: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك!!
وكأنه يستنكر أن يكون هو الرسول ﵊.
стр. 396
وقال ثالثهم: لئن كنت رسولا من الله، كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك، وإن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك.
كان الرد كله تهكما واستهزاء، فرأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه لا استجابة منهم، ويئس منهم وأنهم اشتروا الضلالة بالهدى.
وإذا كانوا غير مستجيبين لدعوة الله تعالى فإنه قد يكون فيهم مروءة. فرأى ﵊ أن يخفوا مجيئه إليهم، وكره أن يبلغ قومه فيدثرهم أى يثيرهم، ولكنهم للؤمهم لم يخفوا أمره، بل أعلنوه، بل أغروا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم سفهاءهم، وعبيدهم، يسبونه ويتصيحون به، حتى اجتمع الناس عليه.
وقد روى موسى بن عقبة أنه قعد له أهل الطائف صفين على طريقه، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، حتى أدموه، فمضى، وهما يسيلان دما» «١» .
عاد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من تلك الرحلة الشاقة لقوم لئام، لم يذوقوا معنى المروءة، ولم يعرفوا الكرامة الإنسانية فى أى صورة من الصور الادمية.
أشد البلاء ما يثير عطف العدو اللدود، وقد أثار ما فعل أولئك اللئام عطف ابنى ربيعة عتبة وشيبة اللذين اشتركا من قبل فى إيذاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فقد كان لهما بستان قريب من الطائف، قد اوى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ظل شجرة من أشجاره.
لقد تحركت الرحم فى ابنى ربيعة، فبعثا غلاما لهما يقال له عداس بقطف من العنب للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ليتبلغ به، وذلك من الكرم القرشى.
عداس والنبى ﷺ :
٢٨٩- كان عداس نصرانيا، فذهب بالقطف الذى كان فى طبق، وقدمه للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فابتدأ صلى الله تعالى عليه وسلم أكله بقوله: «باسم الله» فنظر إليه عداس، وتفحص فى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
ومن أى البلاد أنت عداس وما دينك؟ قال: نصرانى، ومن أهل نينوى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى. فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى!؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ذلك أخى، كان نبيا وأنا نبى.
стр. 397
أكب عداس بن مالك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه.
رأى ابنا ربيعة ما كان من الفتى النصرانى. فلم يلن ذلك قلبهما للإسلام، فقال أحدهما لصاحبه:
أما غلامك فقد أفسده عليك.
لما عاد إليهما عداس قالا له: ويلك يا عداس، مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟!
قال: يا سيدى، ما فى الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرنى بأمر لا يعلمه إلا نبى.
قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك، فدينك خير من دينه.
كانت العاطفة الكريمة، ومعها ذلك الضلال المبين، وإن كان الحق واضحا، جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، فكان الطغيان، وكان الكفران وكان الضلال.
دعاء، وعفو، وإجارة:
٢٩٠- أحس الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بالجفوة، ومرارة الأذى من هؤلاء اللؤماء، وبما أرادوا له من مهانة، فلم يجد مثابة إلا فى أن يلجأ إلى ربه ضارعا، فقال دعاءه لربه وكان بعد أن غادر ابنى ربيعة، ورأى ما رأي من عداس بن مالك، واطمأن قال:
«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهوانى على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمنى، أم إلى عدو ملكته أمرى، إن لم يكن بك غضب على فلا أبالى، ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والاخرة من أن تنزل بى غضبك، أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» .
دعاء منبعث من نفس مكلومة ولكنها راضية، لأنها تقوم بأعظم دعوة فى الوجود، فيهون فى سبيلها كل أمر مهما يكن عنيفا، وكل شديدة مهما تكن بالغة، فهو يقبل ما قدره الله تعالى وما يرضاه، ولا يهمه إلا غضب الله تعالى عليه وما دونه يهون.
استجاب الله تعالى لدعائه ﵊، وبين له أنه معه، وقد ثبت فى الصحيحين أن أم المؤمنين عائشة حدثت أنها قالت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: ما لقيت من قومك ... إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل.. فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسى، فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى، فنظرت، فإذا فيها جبريل ﵇ فنادانى، فقال. «إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا به
стр. 398
عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ثم نادانى ملك الجبال، فسلم على ثم قال:
يا محمد- ﷺ قد بعثنى الله، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال قد بعثنى إليك ربك لتأمرنى ما شئت، إن شئت فأطبق عليهم الأخشبين (جبلين بمكة المكرمة) فقال رسول الله ﷺ «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله» «١» .
استجاب الله تعالى لدعاء نبيه، وقد ذكر فى دعائه ضعف قوته، فبين الله تعالي بأنه يضع في يده كل القوى، وأنه لا يمكن أن يهون عند الناس، والله تعالى معه، وأنه لم يتركه لعدو، ولا ولى، بل إن أمره ﵊ إلى الله سبحانه. وهو القاهر فوق عباده. فمن كان مع الله تعالى لا يهون أبدا.
سماع الجن له:
٢٩١- كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حفيا بأن يتبع الناس دعوة الحق، ويؤمنوا بالله ورسوله ويتركوا عبادة الأوثان، وكما قال الله تعالى مخاطبا نبيه الكريم لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ «٢» ولقد شكا أن قومه لا يتبعون، وأن غيرهم كمثلهم، فبين الله تعالى أنه إذا كان الذين اتبعوه من قومه عددا قليلا، فإن له أتباعا من الجن، فبين الله تعالى أن بعض الجن قد استمعوا، واستجابوا ولم يكفروا فقال تعالى مخبرا عن سماعهم فيما يروى الرواة بعد خروجه من الطائف، وما نزل به، قال الله : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «٣» .
وقال الله تعالى فى سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً. وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً. وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً. وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً. وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً «٤» .
стр. 399
والجن كما تدل ظواهر القران الكريم وما روى من أخبار عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جنس يقابل الإنسان، فليس الجن من الأناسى، ولا يتفق مع القران الكريم قول من يقول إنهم طائفة من الناس غيبوا فى الأرض، أو بعدوا فيها. ولقد أخطأ وجانب الصواب من يقول أنهم الأنصار فذلك كلام باطل بالبداهة، ولكن تبع الغربيين بعض الذين ليس لهم استقلال فكرى أمام ما يقوله الغربيون، وليست عندهم طاقة يستطيعون بها تمييز ما هو حق وما هو باطل، وما هو خطأ وما هو صواب.
إن كل عبارات القران الكريم تصرح بأنهم جنس مقابل للإنس، وايات الكتاب الكريم فى ذلك كثيرة، من ذلك قوله الله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً، يا مَعْشَرَ الْجِنِّ، قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ، رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا، قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.
وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ «١» .
وإن هذه الايات الكريمات تدل بصريحها على أن الجن جنس، والإنس جنس اخر.
ويقول الله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٢» .
واقرأ قوله الله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا، لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ «٣» .
وإننا نأخذ من صريح هذه النصوص اختلاف الجنسين، فليس الإنس من الجن، ولا الجن من الإنس، وإن الواجب أن نأخذ بظواهر الألفاظ إلا إذا قام الدليل على أن الكلام على ظاهره مناقض لحقيقة شرعية قد علمت من الدين بالضرورة، أو أمر عقلى مستحيل مخالفته.
وأولئك الذين يريدون أن يخرجوا لفظ الجن عن ظاهره فى القران الكريم هم من أولئك الذين لا يفكرون فى غير المحسوس، فلا يؤمنون إلا بالمادة، ولا يؤمنون بالغيب، وهو الركن الأول للإيمان، ولذلك كان أول وصف للمؤمنين هو الإيمان بالغيب، إذ يقول الله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وفيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة الإيمان بالغيب.
وبعد ذلك نتساءل: ما حقيقة الجن؟ والجواب عن ذلك أننا نميل إلى ما يقرره المسلمون. وهو أن الجن من نار، واعتمدوا فى ذلك على نص القران الكريم، لا على الأوهام، وذلك لأن الله تعالى قال
стр. 400
عن إبليس اللعين كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ولما أبى واستكبر ولم يسجد لادم، قال فيما حكى الله عنه: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ «١» وبالتقاء النصين الكريمين يثبت أن إبليس بصريح اللفظ كان من الجن، وأن الجن خلق من نار.
هذا كما يدل عليه صريح القران الكريم.
وإن سماع الجن وإيمان بعضهم تسلية للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ فيه بيان أنه إذا كان قد بطؤت الإجابة فى الإنس فقد سارعت الجن إلى الإجابة فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ «٢» .
فى جوار المطعم بن عدى
٢٩٢- كان لابد أن يعود النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى مكة المكرمة مهبط الوحى، ومجتمع العرب فى موسم الحج، لأن الخطة التى رسمها وابتدأ بها فى الطائف تقتضى العودة إلى مكة المكرمة، وتلك الخطة أن يتصل بالقبائل العربية فى أثناء اجتماع وفود القبائل فى الحج إلى بيت الله الحرام.
هم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالرجوع إلى مكة المكرمة، وهو عند حراء، وكان معه زيد بن حارثة الذى صحبه فى هذه السفرة فخشى على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وطلب بألا يرجع إلا فى جوار أحد من سادة مكة المكرمة المشركين، حتى لا يضار.
فنزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند مشورته، فأرسل إلى الأخنس بن شريق أن يجيره بمكة المكرمة. فقال إنه حليف قريش لا يجير على صحيحها.
ثم بعث الرسول ﵊ إلى سهيل بن عمرو ليجيره، فقال: إن بنى عامر بن لؤى لا تجير على كعب بن لؤى.
ثم بعث الرسول ﵊ إلى المطعم بن عدى ليجيره، فقال للرسول: نعم، قل له فليأت، فذهب إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فبات عنده تلك الليلة.
ثم لما أصبح خرج معه وبنوه ستة- أو سبعة- على اختلاف الرواية- متقلدو السيوف جميعا، فدخلوا المسجد، فقال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: طف. واحتبى هو وأولاده بحبائل سيوفهم فى المطاف.
كان ذلك إعلانا قويا بهذا الجوار الكريم، فجاء أبو سفيان بن أمية بن عبد مناف، وأقبل على مطعم بن عدى فقال: أمجير أم تابع؟ قال: بل مجير، فقال: إذن لا تخف.
стр. 401
وكأن أبا سفيان بهذا السؤال يشير إلى أنه إن كان تابعا فهو حرب مع النبى ﵊ ينال ما نال أتباع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وإن كان مجيرا فإنه تحفظ ذمته، لأنه منهم، ولا يفرضون فيه العداوة أو الخصومة.
ومن هذا تعرف رحمة الله تعالى فى أن أبا طالب لم يعلن إسلامه مع حمايته للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ أنه لو أعلن الإسلام لحاربوه مع من اذوا من أتباع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الذين لم يرعوا فيهم إلا ولا ذمة.
انشقاق القمر
٢٩٤- قلنا إن الأمور التى كانت بعد الدعاء المحمدى كانت استجابة لهذا الدعاء وإبعادا للوحشة عن قلبه الطاهر، فمجيء ملك الجبال كان لإشعاره ﵊ بالقوة، وقد شكا ضعف قوته، وسماع الجن للقران الكريم وإيمان بعضهم كان لإيناسه ﵊ بكثرة الأتباع، ثم كان تسهيل الجوار ليدخل مكة المكرمة ويكمل دعوته، فيه إثبات سعة الحيلة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، هداه الله تعالى إليها لكى يذهب بقلة حيلته التى شكاها رسول الله ﵊.
وكانت من بعد ذلك الايات الحسية، التى كان منها انشقاق القمر، والإسراء والمعراج. لبيان أن الله تعالى لم يتركه ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «١» .
وقد ذكرنا أن كتاب السيرة لم يذكروا الأخبار مرتبة بترتيب الوقائع، وقد ذكروا انشقاق القمر بعد الإسراء والمعراج، ونحن قد رجحنا كما رجح ابن كثير أن الإسراء كان بعد وفاة أبى طالب وخديجة أم المؤمنين رضى الله عنهما، إذ أنها توفيت قبل أن تفرض الصلوات الخمس والصلوات لم تفرض خمسا إلا فى المعراج.
وقد ذكر بعد المعراج انشقاق القمر، وإن المناسبة تزكى ذلك الترتيب فإن ذلك تقوية للاستدلال على صحة الرسالة، وإن كان القران الكريم هو المعجزة الكبرى التى تحدى بها النبى صلى الله تعالى عليه سلم، وعده ﵊ المعجزة.
ولندخل من بعد للموضوع، وهو انشقاق القمر. لقد قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «٢» ، ويقول فى ذلك ابن كثير: «وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك فى زمنه عليه
стр. 402
الصلاة والسلام، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها، ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان، ويذكر من بعد ذلك الحافظ الحجة ابن كثير الأخبار الصحاح الواردة فى ذلك.
وقبل أن نختار من هذه الصحاح ما نراه أوضح من غيره دلالة، نقول إن انشقاق القمر ثبت بلفظ الماضى مما يدل على حكاية الواقع، لا ذكر المتوقع، فإن اللفظ القرانى يؤخذ بظاهره ما لم توجد قرينة من حقيقة ثبتت بالإجماع والعلم الضرورى، أو من قضايا العقل المبثوثة التى لا مجال للريب فيها، أما تأويل القران الكريم، وإخراجه عن ظاهره باستبعاد بعض ذوى العقول المأفونة أو المتأثرة بالمألوف بين الناس، وتنكر ما عداه، ولا تعلم أن هناك قوة مغيرة محدثة منشئة هى قدرة الله تعالى وإرادته التى توجب الإيمان بالله تعالى فعالا لما يريد، مختارا فيما يفعل، وأنه واحده خالق كل شيء، خلق الأسباب والمسببات، لا توجب إرادته أسبابا عادية لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ «١» .
وعلى ذلك نقرر أنه وقع فى الماضى فى عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن قول الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ عبر عن انشقاق القمر بلفظ الماضى الدال على الوقوع فى زمن مضي، وتخريجها على أن الماضى أريد به المضارع، وأنه سينشق، تخريج للفظ بغير ظاهره الذى دل عليه القران الكريم بظاهره، لابد له من مسوغ يوجب ذلك التخريج، ويكون قرينة دالة على أن اللفظ أريد به غير ظاهره.
٢٩٤- هذا ما يدل عليه ظاهر القران الكريم، وهو فى ذاته حجة دالة على الوقوع لا يحتاج إلى حجة أخرى تؤيده فهو يؤيد غيره، ولا يستمد التأييد من غيره، ولكن السنة تبين لنا كيف وقع لا أصل الوقوع، فنحن نرجع إلى السنة لبيان شكل الوقوع.
لقد ذكر الحافظ ابن كثير أن الوقوع، أو شكل الوقوع يثبت بعدة طرق عن كثيرين من الصحابة، فروى عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وجبير بن مطعم، وحذيفة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهم أجمعين.
روى البخارى ومسلم أن أهل مكة المكرمة سألوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اية فانشق القمر، فانشق القمر بمكة مرتين، وفى رواية لمسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة المكرمة سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يريهم اية فأراهم القمر شقتين، رواه البخارى، وزادت روايته حتى رأوا حراء بينهما.
وبذلك تفسر كلمة مرتين بأنه صار فرقتين.
стр. 403
وروى الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله تعالي عليه وسلم، فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، وقالوا إن كان سحرنا، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
وروى البخارى عن ابن عباس، قال إن القمر انشق فى زمان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد قال البخارى قد مضى ذلك كان قبل الهجرة انشق القمر، حتى رأوا شقيه.
ويقول ابن عباس فيما روى عنه أبو نعيم بسنده: «اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام ...
ونظراؤهم فقالوا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، نصفا على أبى قبيس، ونصفا على قيقعان، فقال لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تؤمنون؟ قالوا نعم، فسأل الله أن يعطيه ما سألوا، وكانت ليلة بدر، فأمسى القمر قد شق نصفا على أبى قبيس، ونصفا على قيقعان» .
وهكذا تضافرت الروايات، وهذا بعضها يدل على أن القمر شق، وكان شقين، وكان القمر بدرا، وعينت بعض الروايات أنه كان فى الليلة الرابعة عشرة، وليس لأحد أن يشك في هذه الروايات التى يسند بعضها بعضا، حتى ادعى ابن كثير أن أخبار انشقاق القمر فى عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بلغت حد التواتر، وأنه لم يعد ثمة مساغ لمستريب، ولا مجال للتكذيب، وخصوصا أن الأصل ثابت بظاهر القران الكريم الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الذين ينكرون يستغربون ثم يؤولون، إن كان للإيمان بالقران بقية فى قلوبهم.
٢٩٥- إن الذين يستغربون، ثم ينكرون، ويؤولون إن كانوا مسلمين يردون أن ذلك لو حصل وهو أمر كونى لكان مرئيا فى كل بقاع العالم. ولم يختص العرب برؤيته، بل تعم ولا تخص، وقد ردد ذلك النصارى من كتاب المشرقيات ونقله عنهم الذين يتعرفون أمور الإسلام من هؤلاء.
ونقول لعلماء الغرب الذين يشككون فى القران الكريم: لقد صدقتم ما هو أشد من ذلك غرابة، فإن الأناجيل التى يصدقونها، ويؤمنون بكل ما فيها يقولون فى ميلاد المسيح ﵇ أنه علم ميلاده عند المجوس بنجم أعلمهم، وأنهم جاؤا من بلادهم، والنجم يسير أمامهم، حتى علموا مكانه عن طريق النجوم، فهل كان الناس كلهم قد رأوا ذلك، كما تطالبون المسلمين بأن يثبتوا أن الناس جميعا قد رأوا انشقاق القمر، وإلا فهم فى حل من أن يكذبوا القران الكريم: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً «١» .
стр. 404
ومع ذلك فإننا نقبل الاعتراض، وإن كانوا غير مخلصين، ولا مؤمنين بما يقولون. ونقول فى رده إن العرب المشركين عندما رأوا القمر قد انشق، لم يؤمنوا وقالوا: سحرنا محمد- وحكى الله تعالى عنهم ذلك، فقد قال الله تعالى في واقعة انشقاق القمر: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ. وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا، وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «١» .
وبعضهم أراد أن يتعرف، وانتهى تعرفه بأن الناس الذين علموا أمره من غير المقيمين قد رأوه منشقا.
فقد روى الإمام أحمد، والشيخان البخارى ومسلم عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبى كبشة، فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
وروى البيهقى مثل ذلك عن عبد الله بن مسعود أيضا، فقد قال: انشق القمر بمكة المكرمة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش لأهل مكة المكرمة: هذا سحر سحركم به ابن أبى كبشة، انظروا السفار، إن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم، فهو سحر سحركم به، قال فسئل السفار ومن قدموا من كل وجهة، فقالوا: رأينا.
من هذه الصحاح يتبين أن الرؤية كانت عامة، ولم تكن مختصة بإقليم ولا ببلد، وقد تحرى أهل الفحص والنظر فرأوا أن قد رؤى فى كل الأماكن التى كانت تجاورهم. أو أتى فيهم السفر بخبره، فدل هذا على أن الرؤية كانت عامة، والقران الكريم صادق وأخبار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صادقة من كل الوجوه ولا سبيل لإنكارهم بتوهم متوهم، أو استغراب مستغرب، فأمارات الصدق قائمة بينة، ولا يرد الأمر البين بتوهم واهم، أو استغراب مستغرب، أو إنكار كافر جحود.
وفوق ذلك، فإنه جاءت الأخبار بأن انشقاق القمر قد رؤى فى الهند، قال المؤرخ ابن كثير:
ومع ذلك فقد شوهد ذلك فى كثير من بقاع الأرض. ويقال: إنه أرخ بذلك فى بعض بلاد الهند. وبنى بناء فى تلك الليلة، وأرخ بليلة انشقاق القمر «٢» .
стр. 405
الإسراء والمعراج
٢٩٦- كان الإسراء فى السنة التى كانت قبل الهجرة، وروى البيهقى عن ابن شهاب الزهرى أنه كان فى السنة التى قبل الهجرة، وروى الحاكم أن الإسراء كان قبل الهجرة بستة عشر شهرا.
واختلف على ذلك فى الشهر الذى أسرى به فيه، فالسدى قال أنه فى ذى القعدة، والزهرى قال فى ربيع الأول.
وروى عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة الاثنين الثانى عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات.
وفى رواية أن الإسراء كان فى ليلة السابعة والعشرين من شهر رجب، ويقول ابن كثير: «وقد اختاره الحافظ بن سرور المقدسى، وقد أورد حديثا لا يصح سنده كما ذكرنا فى فضائل شهر رجب، وأن الإسراء كان فى ليلة السابعة والعشرين من رجب والله أعلم. ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان فى أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهى ليلة الرغائب التى أحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك، والله أعلم.
وقد جاء في نهاية الأرب أن الإسراء كان في ليلة السبت، ليلة سبع عشرة من رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا، وقد أسرى ﷺ به وسنه إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر!!
وننتهي من هذا إلى أن علماء السيرة النبوية مختلفون في تعيين اليوم الذي كان فيه الإسراء، ولكن الواقعة ثابتة. وقد اتفقوا علي أنها كانت بعد ذهاب النبي صلي الله عليه وسلم إلى الطائف، وردهم له الرد المنكر، وأن كونها فى ليلة السابع والعشرين من رجب ثبتت بخبر لم يصح سنده في نظر الحافظ المحدث ابن كثير، وقال من بعد ذكره: والله أعلم.
وقد وجدنا الناس قبلوا ذلك التاريخ، أو تلقوه بالقبول، وما يتلقاه الناس بالقبول ليس لنا أن نرده، بل نقبله، ولكن من غير قطع ومن غير جزم ويقين.
واتفقت الروايات أيضا علي أن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة على الأقل، ويظهر أنها كانت فى السنة التى قبل الهجرة فى ثلثها الأول أو الأخير. والله أعلم.
стр. 406
ومن سياق التاريخ ومناسبات الحوادث نرى أن الإسراء كان بعد انشقاق القمر.
٢٩٧- وهنا قد يسأل السائل: ما المناسبة لمسألة الإسراء والمعراج، وتعيين الله تعالى لزمانها، والله حكيم عليم، يضع الأمور بموازينها وفى أوقاتها، وأجلها المعلوم، ولنا أن نتعرف حكمة الله تعالى من غير أن نقطع بأن هذا هو مراد الله تعالي، فهو العليم الخبير الذى لا تخفى عليه صغيرة أو كبيرة فى السماء أو فى الأرض.
ونجيب عن هذا التساؤل بما قررنا، وهو أن الله استجاب لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم فى ضراعته بالدعاء الذى دعا ربه عقب خروجه من الطائف، وشكا ضعف قوته، أمده الله تعالى بالقوة، وقلة الحيلة فأمده بحسن التدبير لدخول مكة المكرمة امنا مطمئنا، وأيده باية حسية من نوع ما يطلبون، وإذا كانوا لم يستجيبوا لداعى الله تعالى، فلأن المعاند لا يقنعه الدليل، ولو كان حسيا، فقالوا:
سحرنا، مع أن انشقاق القمر رأته الركبان فى أسفارها، ثم كان من بعد ذلك الأنس بلقاء الله تعالى فى المعراج، سواء أقلنا أن لقاءه بالله تعالى، كان بالروح فى الرؤيا، أم كان بما هو أكثر من الرؤيا «١» ؟.
لقد أحس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالوحشة بعد وفاة الحبيبين، خديجة العطوف، وأبى طالب الشفيق. فقال الله تعالى له بالفعل: أنس الله أكبر، ورحمته أعظم، وحياطته أكرم، وإن عنايته بك وبرسالتك هى التى ستبلغك أمرك، وتحقق لك شأوك، وتصل بك إلى غايتك، وهو المهيمن الرؤف الرحيم، لذلك كان الإسراء، ومن بعده عروجه إلى السماء.
٢٩٨- والان ننتقل إلى الايات الكريمات التى صرحت بالإسراء، ثم كانت الإشارة الواضحة إلى المعراج، قال الله تعالي: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «٢» . ففى هذا النص ذكر الإسراء صريحا، وكانت الإشارة إلى المعراج بقوله تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا.
وقال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لَكَ: إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ، وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً «٣»
فقد ذكر المفسرون أن الرؤيا هى المعراج.
وقال الله تعالى فى سورة النجم: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى.
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ
стр. 407
فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «١» . ولقد قرر المفسرون أن هذه الايات نزلت فى المعراج، وإن ذلك لواضح، وإذا كانت العبارات السابقة لم تصرح بالعروج إلى السموات العلا فإن الإشارات واضحة تكاد تكون تصريحا، والإشارات الواضحة فى قوة الدلالة تكون كالألفاظ الصريحة.
وقد قال بعض علماء السيرة أن الإسراء بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ابتدأ من شعب أبى طالب، وإن كان السند فى ذلك صحيحا، فإنه يشير إلى أن أبا طالب قد مات، وأن مهمته قد انتهت، وأن الله تعالى وهو الباقى الدائم. الأول الاخر والظاهر والباطن به تكون النصرة الدائمة المتجددة فى الشدائد ولكن الثابت فى البخارى أنه ابتدأ من الحطيم بالمسجد الحرام.
الإسراء بالجسم:
٢٩٩- إن ظاهر الاية القرانية التى أثبتت الإسراء وهى قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أن الإسراء كان بالجسد والروح، وذلك لأنه قال أسرى بعبده، والعبد هو الروح والجسد، ومادام الظاهر لا دليل يناقضه من عقل أو نقل، فإنه يجب الأخذ به فإنه من المقررات أن الألفاظ تفسر بظاهرها إلا إذا لم يمكن حملها على الظاهر للمعارض، ولا معارض.
وفوق ذلك فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما أعلن خبر الإسراء بين قريش ففتن بعض الذين أسلموا وارتد من ارتد، ويقول فى ذلك ابن كثير فيما رواه عن قتادة «انصرف رسول الله ﷺ إلى مكة المكرمة، فأصبح يخبر قريشا بذلك، فذكر أنه كذبه أكثر الناس. وارتدت طائفة بعد إسلامها، وبادر الصديق إلى التصديق، وذكر أن الصديق سأله عن صفة بيت المقدس، وقال إنى لأصدقه فى خبر السماء بكرة وعشيا، أفلا أصدقه فى بيت المقدس، فيومئذ سمى أبو بكر الصديق.
وأنه روى أنه عند مروره صلى الله تعالى عليه وسلم على عير لقريش فند بعير لهم نافرا، فأرشدهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى مكانه، وقد أخبروا أهل مكة المكرمة بذلك «٢» » .
وانه روى أن أهل مكة المكرمة الذين ردوا القول استوصفوه عيرا لهم فوصفها، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم فى إخبارهم، والاستدلال على صدقه: «واية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادى كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة «٣» فند لهم بعير، فدللتهم عليه، وأنا متوجه إلى الشام، ثم أقبلت، حتى
стр. 408
إذا كنت بضحنان مررت بعير بنى فلان، فوجدت القوم نياما، ولهم إناء فيه ماء، قد غطوا عليه بشيء، فكشفت غطاءه، وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان، واية ذلك أن عيرهم تصوب الان من ثنية التنعيم «١» البيضاء يقدمهم جبل أورق عليه غرارتان، إحداهما سوداء، والاخرى برقاء، فابتدر القوم الثنية..
وسألوهم عن الإناء وعن العير فأخبروهم، كما ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وإن هذا كله يدل على أن الإسراء كان بالروح والجسد، فإنه تلاقى مع المارين بين مكة المكرمة والشام وأخبر عن التلاقى، وصدق خبره ﵊، وإذا كانت بعض هذه الروايات فى إسنادها كلام، فإن بعضها يقوى الاخر، ونص القران الكريم ظاهر فى تأييد الدعوى، بل لا يدل على غيرها حتى يقوم الدليل.
ولو كان الإسراء بالروح أو الرؤيا الصادقة ما كانت ثمة غرابة تمنع التصديق، ولبادر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإخبارهم أن ذلك رؤيا فى المنام، أو هذا وحى أوحى به إليه.
ولقد كان بجوار هذا القول الذى تنطق به الاية الكريمة قول اخر، روى عن أم المؤمنين عائشة رضى الله ﵎ عنها وعن أبيها الصديق رضى الله عنه، وروى أيضا عن معاوية بن أبى سفيان، وقد كان إبان ذلك هو وأبوه من المكاذبين الذين يناوئون الدعوة، ولكن لعله نقل عن غيره ممن شاهدوا، وعاينوا، كما نقلت عائشة عن غيرها، وما كانت فى ذلك الإبان قد زفت إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقد كان معاوية مسلما من بعد أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها وعن أبيها الصديق، واحتج بقول عائشة هذا، وقد أثر عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه أمر بأن يؤخذ الدين عن عائشة.
ولكن الخبر عنها يحمل فى نفسه ما يوهم عدم صدقه عنها، ففيه: أنها قالت: «لم تفقد بدنه» وأن ذلك يوهم أنها كانت معه فى مبيت واحد، مع إجماع المؤرخين والمحدثين على أنه لم يبن بها إلا فى المدينة.
وقد استدل أصحاب هذا القول بما روى الحسن البصرى عن أن قول الله تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ «٢» وقالوا إن الرؤيا هى ما كان فى ليلة المعراج، والرؤيا هى ما يكون فى المنام، كما حكى عن سيدنا يعقوب: أنه قال لابنه يوسف بعد أن قص عليه ما راه فى المنام: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ.
стр. 409
وجاء فى كتاب البصائر للفيروزبادى: «الرؤيا ما رأيته فى منامك، والجمع رؤى كهدى، وقد تخفف الهمزة من الرؤيا، فيقال بالواو» «١» وهذا وغيره نصوص صريحة فى أن الرؤيا منامية.
ولكن أهى كانت فى الإسراء أم كانت فى المعراج؟ إن رواية الحسن رضى الله عنه تقول: هى ما كان فى ليلة المعراج، نعم أن الليلة كانت واحدة، ولكن النص على ليلة المعراج يدل على أن كلام الحسن ومن معه فى المعراج لا فى الإسراء.
ويستدل أصحاب هذا القول، وهو أن الإسراء كان بالروح بحديث البخارى عن أنس بن مالك قال: ليلة أسرى برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم فى المسجد الحرام. فقال أولهم أيهم هو، قال أوسطهم هذا، وهو خيرهم، فقال اخرهم:
خذوا خيرهم ... فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، ولم يكلموه حتى احتملوا فوضعوه عند زمزم، فتولاه منهم جبريل ... والحديث طويل وقال فى اخره واستيقظ وهو فى المسجد الحرام، ويرى صاحب الروض الأنف أنه نص لا إشكال فيه.
ونرى أن فيه إشكالا، لأنه نص فيه على أنه كان قبل أن يوحى إليه، ونرى أنه لم يتعرض لذكر الإسراء والمعراج، ولعلها كانت إذا صحت الرواية فى موضوع اخر.
ويرى صاحب الروض الأنف أن الأدلة قد تعارضت بالنسبة للإسراء وأنه يوفق بينها بأن الإسراء كان مرتين: إحداهما بالروح والاخرى بالجسد والروح.
ونحن نرى أن الأدلة لم تتعارض، بل الأدلة على أن الإسراء كان بالجسد والروح هى التى لا ريب فيها، ولا يمكن أن يعارض الضعيف القوى.
ولذا نرى أن الإسراء كان بالجسد والروح، ولا نجد فيما استدل به ما يدل على أنه كان بالروح فقط، وإن الاية: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ لا نرى أن موضوعها هو الإسراء، بل إن موضوعها هو المعراج.
ولا غرابة فى أن ينقل الله تعالى نبيه ﷺ من مكة المكرمة إلى بيت المقدس وأن يعود به فى ليلة واحدة، فإن هذا ليس ببعيد على الله ، لأن المسافات فى الزمان والمكان، إنما هى بالنسبة للعبيد، لا تكون قط بالنسبة لله وهو القادر على كل شيء، وهو خالق الأماكن والأزمان.
стр. 410
المعراج بالروح
٣٠٠- إن الأكثرين من العلماء على أن المعراج كالإسراء كان بالجسد والروح، وأخذوا ذلك من ظواهر الأحاديث الصحيحة التى روتها السنة، ففيها التصريح بأنه لقى ادم فى سماء، وإبراهيم فى مثلها، وإدريس وعيسى ويحيى وموسى، وهذه الظواهر اثروا الأخذ بها.
ولكن أولئك الأكثرين وقفوا عند رؤية الله ، فقال فريق منهم أنه رأى ربه وخاطبه، وكان ذلك تكريما له لمخاطبة الله اختص به محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم تعظيما وتقريبا له، وهو فوق المذكور فى قول الله سبحانه وتعالي وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا «١» وليس من هذه الثلاثة رؤية الله ، وتلقى الرسول منه مباشرة من غير حجاب.
وقد رأى ذلك الرأى الامام أحمد بن حنبل وقاله أيضا أبو الحسن الأشعرى وقالت طائفة أخرى لم يقع ذلك لحديث مسلم عن أبى ذر رضى الله ﵎ عنه: «قلت يا رسول الله هل رأيت ربك، فقال ﵊ إنه نور أنى أراه» وفى رواية رأيت نورا.
والذين قالوا إن الإسراء كان بالروح وفى رؤيا صادقة قالوا ذلك فى المعراج، بل هو أولى، فالرحلة كلها كانت رؤيا صادقة. وقد بينا القول فى أدلة هذا الرأى بالنسبة للإسراء من قبل.
وقد انضم إليهم غيرهم ممن يرون ان الإسراء كان بالجسد والروح، فمنهم من قال إن المعراج كان بالروح وليس فى الموضوع نص قرانى يدل بظاهره على أنه كان بالجسد والروح، حتى لا يكون مناص من اتباعه أو تأويله، بل نجد الألفاظ تقبل أن يكون المعراج بالروح، وبالظاهر المتبادل، لا بالتأويل المنتزع انتزاعا.
ولننظر فى الايات الكريمات الدالة على المعراج:
دلالة اية الإسراء على المعراج بالإشارة لا بالعبارة، وذلك فى قوله لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا فتلك الايات التى أراها الله عبده هى المعراج وإمامة الأنبياء السابقين.
والايات الاخرى التى دلت على المعراج، كانت ألفاظها لا تدل على المعراج إلا بالإشارات البيانية، ولننظر فيها عبارة عبارة، وكلها من السمو البيانى فى السماك الأعزل الذى لا يصل إليه بيان قط.
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى «٢» فقد قالوا إنه جبريل ﵇، وإذا كان ، فتعليمه لا يكون بالتلقين بل يكون بالإرشاد والإيحاء.
стр. 411
وقوله : وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى يراد جبريل ﵇ ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى أى نزل وقرب من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
عن طريق جبريل، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى وهو جبريل أيضا وقوله ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى توميء إلى أن الايات الكبرى التى راها كانت بفؤاده لا ببصره، وقوله : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى أى ما كل وما تجاوز حده، والنفى فيه ما قد يكون لأنه لم تكن رؤية بالبصر. حتى يكل المبصر أو يتجاوز حده، وقد يكون لبيان أن البصر لم يتجاوز حده ليطغى، ويحاول أن يرى ما لا يمكن أن يراه، ويزيغ بأن يكل ويمل، ويلقى فى النفس ما لم ير.
وإننا عند هذا النظر الفاحص ننتهى إلى أن الإسراء إذا كان بالجسد والروح، فإن المعراج كان بالروح فقط، وأنه كان رؤيا صادقة، وقد اتجهنا إلى ترجيح ذلك لما يأتي: (أ) أنه ذكر فى المعراج أنه التقى بالأنبياء ادم وإبراهيم وموسى ويحيى، وغيرهم، والباقى منهم هو أرواحهم، وأجسامهم سيبعثها الله تعالى يوم البعث والنشور، وفرض أنه بعثها ثم أفناها فرض بعيد لم يذكر فى حديث من الأحاديث، ولا خبر من الأخبار، ولو ضعيفا، وكل فرض فى أمر غيبى لا دليل عليه من المنقول فهو رد على قائله إلا أن يكون أمرا يؤدى إليه البرهان العقلى، ولا يوجد شيء من المنقول ولا المعقول يقرر إعادة أجسام الأنبياء الكرام أحياء، ثم إعادتها إلى الفناء.
(ب) إن العبارات القرانية الكريمة الواردة فى المعراج توميء بل تصرح بأن الأمر فى هذه الرحلة السماوية كان روحيا وأن الإدراك لم يكن بالحس، بل كان بالقلب والفؤاد، فالله تعالى يقول:
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى فالحديث القرانى كله كان فى إثبات رؤية الفؤاد، وأنه لا تجوز المماراة فيما رأى الفؤاد الذى لا يكذب، وذلك لا يتحقق إلا بأن تكون الرؤية روحية، لأن رؤية القلب لا تكون إلا روحية، وأنه عندما ذكرت حاسة البصر ذكرت بالنفي، لا بالإيجاب، وقد بينا مؤدى النفى فى هذا.
(ج) أن أخبار المعراج تصرح بأنه رأى ربه، والرؤية القلبية ممكنة باستحضار عظمته، وبالسبحات الروحية المتجهة إلى الله وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد قرر أنه لم ير ربه فى حديث أبى ذر الغفارى، فقد قال ﵊ فى إجابة سؤال الصحابى الجليل أبى ذر: «إنه نور، فأنى أراه» .
وإننا لا نتعرض فى ذلك لكون رؤية الله تعالى يوم القيامة ممكنة، أو غير ممكنة، فذلك يوم القيامة بعد البعث والنشور، وذهاب أهل الجنة إليها، وإبقاء أهل النار فيها، فإن الكلام فيها غير الكلام فى الدنيا، ونحن نحس ونرى، فإن كانت رؤية الله تعالى الان فهى بالعين الفانية، ورؤية أهل الجنة عند من يثبتونها تكون بالعين الباقية، والله أعلم كيف يرى.
стр. 412
وننتهى من هذا إلى تقرير حقيقتين نراهما:
الأولى: أن الإسراء كان بالجسد والروح بظواهر النصوص المثبتة، ولا معارض لها.
الثانية: أن المعراج كان بالروح فقط لعدم وجود الأدلة المثبتة أنه كان بالجسد والروح من القران الكريم، ولوجود المعارض من النقل والعقل.
والان نعود إلى قصة الإسراء والمعراج كما هى فى الصحاح على أن نفسر الألفاظ على ضوء هاتين الحقيقتين اللتين قررناهما.
الاسراء والمعراج فى صحاح السنة
٣٠١- كان من الممكن أن نقف بالنسبة للإسراء والمعراج عند هذا الذى قررناه، ولكن يجب أن نستأنس بالمنقول عن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم على أساس أن كل ما ذكر فى المعراج أنه بالروح.
وقد رويت روايات مختلفة تتعلق بواقعة الإسراء ثم العروج، نختار منها رواية البخارى.
روى البخارى بسنده عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسرى به قال:
«بينما أنا فى الحطيم، وربما قال فى الحجر- مضطجعا إذ أتانى ات، وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه، فقلت (أى الراوى) للجارود وهو إلى جنبى ماذا يعنى به، قال من نقرة شعره إلى شعرته، وسمعته يقول من قصة إلى شعرته. فاستخرج قلبى، ثم أتيت بطشت من ذهب مملوء إيمانا فغسل قلبى، ثم حشى، ثم أعيد ... ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، فقال الجارود، وهو البراق: قال أنس: نعم. يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بى جبرائيل، حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبرائيل قال ومن معك! قال محمد قيل أوقد أرسل إليه؟ قال نعم قيل مرحبا به. فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت فإذا ادم، فقال هذا أبوك ادم، فسلم عليه فرد السلام فقال مرحبا بالابن الصالح، والنبى الصالح، ثم صعد بى إلى السماء الثانية، فاستفتح، قيل من هذا قال جبرائيل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أوقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به، فنعم المجيء جاء.
ففتح، فلما خلصت، إذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة، قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت عليهما فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح.
стр. 413
ثم صعد بى إلى السماء الثالثة. فاستفتح جبرائيل، قيل من هذا؟ قال جبرائيل. قال ومن معك؟
قال محمد، قيل أوقد أرسل إليه! قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء، ففتح، فلما خلصت إذا يوسف. قال هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح.
ثم صعد بى إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل من هذا؟ قال جبرائيل قال ومن معك؟ قال محمد، قيل أوقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت إذا إدريس، قيل فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال مرحبا، بالأخ الصالح والنبى الصالح.
ثم صعد بى حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل من هذا؟ قال جبرائيل، قيل ومن معك قال محمد، قيل أوقد أرسل إليه! قال نعم، قيل مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت إذا بهارون، قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح، والنبى الصالح.
ثم صعد بى حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، فقيل من هذا؟ قال جبرائيل، قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل أوقد أرسل إليه؟ قال نعم، قيل مرحبا به فنعم المجىء جاء، فلما خلصت إذا موسى، قال هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح، فلما تجاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال أبكى، لأن غلاما بعث بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر ممن دخلها من أمتى.
ثم صعد بى إلى السماء السابعة، فاستفتح جبرائيل، قيل من هذا؟ قال جبرائيل. قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أوقد بعث إليه؟ قال نعم. قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، إذا إبراهيم قال هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبى الصالح.
ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت ما هذا يا جبرائيل؟ قال أما الباطنان فنهران فى الجنة وأما الظاهران، فالنيل والفرات، ثم رفع لى البيت المعمور. يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن. قال هى الفطرة التى أنت عليها وأمتك.
ثم فرض على الصلوات، خمسون صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال بم، أمرت؟ قلت أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإنى والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك فرجعت، فوضع عنى عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عنى عشرا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس
стр. 414
صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال بم أمرت، فقلت بخمس صلوات كل يوم. قال أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإنى قد جربت الناس قبلك، وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربى حتى استحييت، ولكنى أرضى وأسلم، قال فلما جاوزت نادانى مناد: أمضيت فريضتى وخففت عن عبادى» .
وفى رواية البخارى فى كتاب التوحيد أنه بعد أن راجع ربه بمشورة موسى ﵊، وجاء فى مراجعة الخامسة أنه قال لربه: «يا رب إن أمتى ضعفاء، وأجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم واذانهم، فخفف عنا، فقال الجبار ﵎: يا محمد، قال: لبيك وسعديك. قال: إنه لا يبدل القول لدى، كما فرضت عليك فى أم الكتاب لكل حسنة بعشر أمثالها. فهى خمسون فى أم الكتاب هى خمس عليك» «١» .
وإنه من المتفق عليه بين العلماء أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمّ الأنبياء أجمعين، وعلى مقتضى الذين قالوا إن الإسراء كان بالروح تكون الإمامة روحية ثبتت بالرؤيا الصالحة، وكذلك يرى الذين قالوا إن المعراج كان روحيا.
ولكن من الرواة ما يدل سياق روايته على أن صلاة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالأنبياء إماما كانت عند مقدمه إلى المسجد الأقصى، ومن الرواة ما يدل سياق الرواية على أن الإمامة كانت وهو يعرج إلى السموات العلا.
واختار ابن كثير فى تاريخه أن إمامته ﵊ للأنبياء كانت بعد أن نزل من العروج، ويقول فى ذلك:
«وهبط رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، والظاهر أن الأنبياء هبطوا معه تكريما له وتعظيما، عند رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة، كما هى عادة الوافدين، لا يجتمعون بأحد قبل الذين طلبوه إليه، ولهذا كان كلما سأل على واحد منهم يقول له جبريل: هذا فلان فسلم عليه، فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده ما احتاج إلى تعرفه بهم مرة ثانية، ومما يدل على ذلك أنه قال ﵊ «فلما حانت الصلاة أممتهم، ولم يجيء وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر، فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل فيما يرويه عن ربه » «٢» .
стр. 415
وإن هذا الكلام يدل على أن إمامة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم للأنبياء كانت بعد أن تنزل من الأفق الأعلي، وأن المعراج كما انتهينا كان بالروح، وكانت رؤيا صادقة.
هذه قصة الإسراء والمعراج، كما نص عليها فى القران الكريم، وكما جاءت بها السنة الصحيحة، وقد ذكرناها بشيء من الإطناب، لكثرة الكلام حولها، ولاختلاف الروايات، فكان لابد من أن نصفى القول فيها. وخصوصا أنها وانشقاق القمر أعظم خوارق العادات الحسية التى كانت فى حياة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومع ذلك لم يتحد بها كما تحدى بالقران الكريم لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إنما تحدى بما يتناسب وخلود شريعته، ودوام رسالته وهو ما يبقى مخاطبا الأجيال كلها إلى يوم الدين، وهو القران الكريم.
انتشار الاسلام في البلاد العربية
٢٠٣- اختار الله أن تكون مكة المكرمة مهبط الوحى، ومنزل الدعوة الإسلامية الأولى، لأنها مطمح أنظار العرب، ولأنها مثابة الناس وأمنهم، تعد مصدر المعرفة العربية على قدر ما عند العرب، وبها حج بيت الله الحرام، وبها ملتقى العرب فى موسمهم وبها أسواق الأدب والمتاع، ففى موسم الحج يلتقى العرب من كل فج عميق، وفى الأسواق التى تقام فى الموسم يتبارى الشعراء والخطباء فى عكاظ، وذى مجاز ومجنة.
وإذا كانت مكة المكرمة لها تلك المكانة فى بلاد العرب، فإن كل ما يكون فيها من أحداث تنتقل أخباره إلى بلاد العرب، فإذا كانت الأحداث منها رسالة رسول يدعو إلى هدم الأوثان وعبادة الله واحده، فإنه لابد أن يسير بخبرها الركبان.
ومن العرب من لا يعيرها اهتماما، ومنهم من يلتفت إليها، ويهتم لها، معاندا مع العاندين، أو طالبا للحق، فيبتغيه.
وكذلك كان الأمر، فإن أخبار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ودعوته إلى الحق، وإلى صراط مستقيم كانت تتجاوب أصداؤها فى البلاد العربية، ومن العرب من كان يجيء إلى مكة المكرمة متعرفا أمر ذلك الرسول الكريم ﷺ ، ومنهم من يرسل إليه من يتعرف دعوته، ويدرسها، كما فعل أكثم بن صيفى حكيم العرب، إذ أرسل بنيه إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتعرف ما يدعو إليه، فلما حضروا وسألوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تلا عليهم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
стр. 416
وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «١» فلما بلغه ما تلا عليهم الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. قال: إنه إن لم يكن دينا فهو فى خلق الناس أمر حسن، يا بنى كونوا فى هذا الأمر أولا، ولا تكونوا اخرا.
وقد أسلم أبو ذر الغفارى بهذا العلم العام الذى شهرت به دعوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
وكذلك أسلم على هذا النحو الطفيل بن عمرو، فقد أسلم إذ جاءه الخبر بدعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان رجلا شريفا شاكرا، وقد حضر إلى مكة المكرمة ليتعرف خبره وما يدعو إليه، ولنتركه يقص علينا قصة إيمانه، إذ يحدث أنه قدم مكة المكرمة، فمشى إليه رجال من قريش فقالوا:
يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل بين أظهرنا قد أعضل بنا (أى ظلمنا) ، وقد فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله سحر، يفرق بين الرجل وبين بنيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإننا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئا.
ويقول الطفيل: «فو الله ما زالوا حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا ولا أكلمه حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا خوفا من أن يبلغنى شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، فغدوت إلى المسجد. فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قائم يصلى عند الكعبة الشريفة، فقمت منه قريبا.
فأبى الله تعالى إلا أن يسمعنى بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا. فقلت فى نفسى: واثكل أمى! والله إنى لرجل لبيب شاعر ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذى يأتى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.
ولما انصرف النبى ﵊ من صلاته إلى بيته تبعه الطفيل وقد مال إلى الإسلام فدخل على النبى ﵊ وقال له:
«يا محمد، إن قومك قد قالوا كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفوننى أمرك حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع، ثم أبى الله تعالى إلا أن يسمعنى قولك، فسمعته قولا حسنا فاعرض على أمرك.
قال فعرض على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وتلا على القران الكريم، فو الله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله إنى امرؤ مطاع
стр. 417
فى قومى، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لى اية تكون لى عونا عليهم فيما أدعوهم إليه.
عاد طفيل إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام الذى انبعث نوره من مكة المكرمة، زاد الله البيت الحرام تكريما وتعظيما» .
وفد نصارى نجران:
٣٠٣- وممن أسلموا عندما علموا دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وفد نجران وهم عشرون رجلا، أو قريب من ذلك، من النصارى، عندما علموا أمر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من الحبشة، ولنترك الكلمة لابن إسحاق فهو يقول:
قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو بمكة المكرمة عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه فى المسجد فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش فى أنديتهم حول الكعبة الشريفة، فلما فرغوا من مساءلة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الله ، وتلا عليهم القران الكريم، فلما سمعوا القران الكريم فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم فى كتابهم من أمره.
لما قاموا عنه مؤمنين اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش فقالوا قولا اثما، قالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتدون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده، حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم، أو كما قالوا «فقالوا لهم سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا» .
وقد ذكر الله سبحانه وتعالي خبر هؤلاء في القران الكريم مبينا له بالإشارة في وصف عام لبعض أهل الكتاب، فقال الله تعالي: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ.
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ «١» .
стр. 418
وقد رجح الأكثرون أن هذه الايات نزلت في نصاري نجران الذين ذكرنا لك الخبر عنهم، ولم تكن الايات في النجاشي وأتباعه، ويقول ابن إسحاق إن الذى نزل في النجاشي وأصحابه من النصاري هو ما جاء في سورة المائدة، إذ يقول الله سبحانه وتعالي: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً، وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ.
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ.
فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ «١»
عرض الرسول ﵊ نفسه على القبائل
٣٠٤- يئس الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من أن يؤمن قومه فى هذا الوقت، ورحمة الله تعالى قد تحملهم على الإيمان، ولكن بعد أدوار من الزمان والأحوال، فإذا كان قد يئس من إيمانهم فى ذلك الوقت، فهو لم ييأس من إيمانهم بعد تعاقب الأحداث، لأن الله تعالى لم يقل له، كما قال لنوح ﵇: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ «٢» .
وإذا كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجد من قومه إلا الأذى فى هذه الجولة، فإنه وجد فى بعض الذين يفدون إلى الحج، أو يفدون إليه من يجد قول الحق إلى قلوبهم سبيلا، وقد رأينا كيف كان نور الإسلام ينبعث خارج مكة المكرمة فيجيء احاد من القبائل العربية، ويستمعون القران الكريم وهم ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، فإذا تلى عليهم القران الكريم خروا لله ساجدين، ثم يدعون من بعد أقوامهم.
وقد رأى النبى صلى الله تعالي عليه وسلم أن يقدم إلى القبائل فى موسم الحج يدعوهم فى منازلهم التى ينزلونها فى منى يذهب إليهم قبيلة قبيلة، يدعوهم إلى الحق، ويتلو عليهم القران الكريم، وقد أحست قريش بذلك، فانبرى الذين يلجون فى عداوة الحق ليصدوا عن سبيل الله، وعلى رأسهم أبو جهل، وأبو لهب، فكانا يتحريان أن يتبعاها، وإذ يدعو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الله تعالى
стр. 419
بقوله: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» يتصدى أبو جهل وأبو لهب وهما يتناوبان فيقول: «يا بنى فلان، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، إلى ما جاء من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه» .
وهكذا كانت الدعوة المحمدية تأخذ طريقها، والذين يصدون عن سبيل الله يدعثرونها، ولكن نور الحق لا تطفئه الضلالة، ولا تعمى عنه الأبصار، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم دائب على الدعوة، اتبعوه أو فارقوه، وربما وجد غفلة عن اتباعه، فانتهزها. ومهما يكن مقدار الاستجابة، فإن إعلام الناس بعقيدة التوحيد ينبه الأذهان إلى التفكير فى الأوثان، ومجرد التفكير فيها يحبطها.
ولقد روى عن ابن شهاب الزهرى أنه قال: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب فى كل موسم، ويخاطب أشرافهم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول «لا أكره أحدا على شيء، من رضى منكم بالذى أدعو إليه، فذلك، ومن كره، لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزونى (أى تمنعونى) فيما يراد لى من القتل، حتى أبلغ رسالة ربى، وحتى يقضى الله تعالى لى، ولمن صحبنى بما شاء» .
ونرى من هذا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعوهم بالحكمة، فهو يأتيهم من قبل ما شهر عن العرب بحبهم للنجدة، ولا يأتيهم ابتداء بمحاربة تدينهم، كما قال الله تعالى ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «١» .
وكان أكثر الجماعات لا يحبون دعوة الحق، ومنهم من يحسن الرد، ومنهم من كان يقول:
الحق بقومك. ولكن بعض الاحاد كانت تصغى أفئدتهم، وإن لم يستطع الكثيرون أن يخرجوا من ربقة ما هم عليه دفعة واحدة.
جماعات تقبل الواحدانية:
٣٠٥- ومع الصدود من الجماعات، والصد من بعض الاحاد، والميل من اخر كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ماشيا فى الاتجاه إلى القبائل فى موسم الحج، وهو يتوسم الناس، ويتعرف الوجوه والأشراف ومعه أبو بكر الصديق، وهو من أعلم الناس بأحوال العرب.
وكان بجوار القبائل التى أعرضت، كانت جماعات قد أقبلت على الاستماع، وبدت منها الاستجابة، حتى كانت قبيلتا الأوس والخزرج، على ما سنبين، ولنذكر لك خبرا عن بعض الجماعات
стр. 420
التى مالت ابتداء، قبل اللقاء بأهل يثرب، وسنجد فى كلامهم مجاوبة تدل على قدرتهم على المنعة، وقوة تفكيرهم.
روى أبو نعيم أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صحب فى إحدى مرات عرضه نفسه الكريمة على القبائل على بن أبى طالب وأبا بكر رضى الله تعالى عنهما، وكان بين أبى بكر، وبين قبيلة من شيبان بن ثعلبة صلة ومودة، ثم جرى بينهم وبين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حديث طويل.
قال أبو بكر مخاطبا القوم: ممن القوم؟ قالوا: من بنى شيبان بن ثعلبة.
فالتفت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال: بأبى أنت وأمى ليس بعد هؤلاء من عز فى قومهم، وهؤلاء غرر فى قومهم، وغرر الناس، وكان فى القوم مفروق بن عمرو، وهانيء بن قبيصة؛ والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان أقرب الناس إلى أبى بكر مجلسا مفروق بن عمرو وكان قد غلب عليهم بيانا ولسانا فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟
فقال له مفروق بن عمرو: إنا لنزيد على ألف، ولن نغلب من قلة.
فقال له أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟
فقال مفروق: علينا الجهد، ولكل قوم جد.
فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم،
فقال مفروق: إنا أشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا، لعلك أخو قريش (أى النبى ﷺ .
فقال أبو بكر: إن كان قد بلغكم أنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فها هو ذا.
فقال مفروق: بلغنا أنه يقول ذلك. ثم التفت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مخاطبا له، فجلس، وقام أبو بكر يظله بثوبه. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
أدعوكم إلى شهادة ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأنى رسول الله وأن تؤوونى وتنصرونى حتى أؤدى عن الله تعالى الذى أمرنى به، فإن قريشا تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغنى الحميد.
стр. 421
فقال مفروق: وإلام أيضا يا أخا قريش.
فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا، وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «١» .
فقال مفروق، وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان كلامهم لعرفناه.
فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «٢» .
فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أساء قوم كذبوك، وظاهروا عليك.
وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام هانيء بن قبيصة، فقال: وهذا هانيء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا.
فقال هانيء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وصدقت قولك. وإنى أرى إن تركنا ديننا، واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا.. لم نتفكر فى أمرك، وننظر فى عاقبة ما تدعو إليه- زلة فى الرأى، وطيشة فى العقل، وقلة نظر فى العاقبة، وإنما تكون الذلة فى العجلة، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر.
وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا.
فقال المثنى: قد سمعت مقالتك، واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبنى ما تكلمات به، والجواب هو جواب هانيء بن قبيصة. وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا، وإنا إنما نزلنا بين حيزين:
أحدهما اليمامة، والاخر السماوة.
стр. 422
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وما هذان الحيزان.
فقال له المثنى: أما أحدهما فطفوف البر، وأرض العرب، وأما الاخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى: لا نحدث حدثا ولا نؤوى محدثا، ولعل الأمر الذى تدعونا إليه مما يكرهه الملوك. فأما ما كان مما يلى العرب، فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان يلى بلاد فارس، فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول؛ فإن أردت أن تنصرف ونمنعك مما يلى العرب فعلنا.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أسأتم الرد، إذ أفصحتم بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه.
ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مخاطبا: «أرأيتم، إن لم تلبثوا، إلا يسيرا، حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم، ويغريكم بهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: «اللهم إن ذلك لك يا أخا قريش» .
فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالي: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِراجاً مُنِيراً «١» .
ثم نهض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قابضا على يدى أبى بكر.
يقول ابن كثير فى البداية والنهاية بعد أن ساق الخبر: هذا حديث غريب جدا، كتبناه لما فيه من دلائل النبوة، ومحاسن الأخلاق ومكارم الشيم، وفصاحة العرب» «٢» .
وفى الخبر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تنبأ لهم أنهم سينصرون على فارس قريبا، وقد انتصروا فعلا، وأعلن ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال لأصحابه: «احمدوا الله كثيرا، فقد ظفر أبناء ربيعة بأهل فارس» وإن هذا الخبر الطويل يدل على أمور:
(أ) منها أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان دائبا على بث الدعوة بين القبائل فى موسم الحج، سواء أكانوا من القبائل المتاخمة لفارس، أم المتاخمة للروم فى الشام، وأنه كان يلقى تأييدا على حسب البعد.
(ب) ومنها- أنه كما كان يلقى صدودا، كان يلقى أيضا حسن تفهم، وإن كان ثمة تمرد، ومنشؤه أنهم لا يريدون أن يتركوا ما هم عليه ليغيروا بمجرد مجلس.
стр. 423
ومنها- أن المنافسة وحب السيطرة بالشرف، هى التى أضلت قريشا وحيث لا تكون منافسة يكون التدبر والتفكير.
ومنها تنبؤ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بما يكون بإذن الله تعالى وعلمه.
ما بين الروم والفرس:
٣٠٦- ولمناسبة ما تنبأ به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من هزيمة الفرس فى جوار البلاد العربية، ووقوع الأمر كالنبأ نذكر تنبؤ القران الكريم المنزل من رب العالمين من غلبة الفرس للروم، وأن الفرس سيغلبون من بعد فى قول الله تعالى: «الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ «١» .
ولقد ذكر علماء السيرة والمؤرخون أن كسرى قاد الفرس إلى قتال الروم، فانتصروا عليهم، وهم من عبدة النار؛ فهم كعبدة الأوثان، ويصدران عن ضلال واحد، فكان المشركون يعتزون بهذا النصر، أنهم لا محالة سينتصرون على المسلمين، لأنهم أميون، وليسوا أهل كتاب، والمسلمون أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، فكانت المفاخرة ممن يقاربونهم، ويستطيلون بهم للإيهام بأنهم سينتصرون على المسلمين، فنزل قول الله تعالي الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ إلى اخر الايات الكريمات.
وقد قال بعض المشركين إن الروم لن يغلبوا، وقال له أبو بكر الصديق: سيغلبون فى بضع سنين فتراهنا على عدد من الإبل، فى تسع سنين، إن انتصر الروم فيها خسر الشرك الرهان، وإن لم ينصر الروم فيها كان أبو بكر عليه أن يدفع ما تراهنا عليه.
وقد انتصر الروم فى هذه المدة، فكان الرهان لأبى بكر، ويظهر أن ذلك النصر كان بعد أن هاجر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة.
والحافظ ابن كثير يذكر فى هذه ذلك الخبر، فيقول:
«المشهور أن كسرى غزاه (أى هرقل) بنفسه فى بلاده، فنهره، وكسره، حتى لم يبق معه (أى هرقل) إلا مدينة القسطنطينية، فحاصرها كسرى مدة طويلة، حتى ضاقت عليه.. ولم يقدر على فتح البلد. لحصانتها، لأن نصفها من ناحية البر ونصفها الاخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم (أى
стр. 424
الروم) الميرة من هناك، فلما طال الأمر، دبر قيصر مكيدة فطلب من كسرى أن يقلع من بلاده، على مال يصالحه عليه، وبشترط ما شاء فأجابه إلى ذلك وطلب منه أموالا عظيمة لا يقدر عليها أحد من ملوك الدنيا، من ذهب، وجواهر، وأقمشة، وجوار؛ وخدام، وأصناف كثيرة، فطاوعه قيصر، وأوهمه أن عنده جميع ما طلبه! وسأل كسرى أن يمكنه من الخروج إلى بلاد الشام، وأقاليم مملكته، ليسعى فى تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله.
فخرج من القسطنطينية فى جيش متوسط ... وكسرى مخيم على القسطنطينية ينتظره ليرجع، فذهب قيصر من فوره وسار مسرعا، حتى انتهى إلى بلاد فارس فعاث فيها فسادا وقتلا فى رجالها، ومن كان بها من المقاتلة، وقد كان أكثرهم مع كسرى ... ولم يزل يقتل، حتى انتهى إلى المدائن، وفيها كرسى مملكة كسرى، فقتل من بها، وأخذ جميع حواصله وأمواله، وأسر نساءه، وحلق رأس ولده، وأركبه على حمار، وبعث الأساورة من قومه فى غاية الهوان والذلة، وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبت فخذه....
أصاب العمى كسرى، واشتد حنقه على البلد (القسطنطينية) فجد فى حصارهم فلم يقدر على شيء.
عاد كسرى إلى بلده بعد أن حزب بمكيدة قيصر مكيدة بعد مكيدة، وبذلك غلب الفرس فى أدنى الأرض كما غلبوا الروم من قبل، ولله الأمر من قبل ومن بعد «١» .
وقد ذكر ذلك الخبر فى هذا المقام، لأن ذكره امتداد لما انتصر به بنو شيبان على كسرى، كما تنبأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولسنا مقحمين له فى غير موضعه، لأن وقائعه كانت قبل الهجرة، وامتدت إلى ما بعدها، ولأنه إيذان بنصر الإسلام فى فارس من بعد.
ولنعد بعد ذلك إلى التقاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالقبائل، وما كان قبل الهجرة من تمهيد لها.
стр. 425
التقاؤه ﷺ بالأوس والخزرج
٣٠٧- أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل كما أسلفنا من القول، وما علم فى موسم الحج أن ملأ من قبيل قد جاء إلى مكة المكرمة إلا عرض عليه الدعوة الإسلامية، وإلى التوحيد، والإيمان بالله، وبأنه صلى الله تعالي عليه وسلم رسول الله. وما علم بوجود كبير فى قومه يقول فيتبع إلا عرض الإسلام عليه.
وقد التقى بكثيرين من شمال البلاد العربية وجنوبها ممن جاوروا الروم، وممن جاوروا الفرس، وعقب أن لقى من ربيعة التى تجاور فارس من رأى فيهم من أشراف العرب من كان فيهم نخوة، ومعرفة وإدراك الواجب التقى ببعض رجال من يثرب.
التقى أولا بجماعات منهم، ثم كان الاتفاق على التأييد والنصرة بعد الاتباع على الإيمان، وهدى من الله .
وكانت يثرب بأحوالها، وما فيها الأرض التى تقبل الدعوة المحمدية، ذلك لأن أهلها كان اليهود يحاربونهم ولم يكونوا معهم على وفاق، كشأن اليهود حيثما كانوا، وأينما ثقفوا، وكان أهل المدينة وثنيين، واليهود أهل كتاب، فكانو يذكرون لهم أنه الان نبى مبعوث ينصر اليهود على الوثنيين، وكما قال الله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «١»
وبذلك كانت بين أيديهم معرفة للنبوة، وإدراك للبعثة المحمدية.
وفوق ذلك كان أهل يثرب ينتمون إلى قبيلتى الأوس والخزرج، وكان الخلاف بينهم شديدا، وكانوا يتقاتلون، وربما كان خلافهم بعمل يهودى، كشأنهم فى تفريق الجماعات، وإلقاء بذور الفتن فى أى مجتمع يعيشون فى ظله. فكان التنافر بين الأوس والخزرج قبيلتى يثرب مستمرا، والحرب تقع من وقت لاخر، وفيهم من يهم بالاستنصار بقريش على الاخرين، فكانوا فى حاجة أو نصرة من الخارج، ولتوالى التناحر، وكانوا يرحبون بمن يؤلف بينهم، فكان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هو الجامع بينهم، والله تعالى المؤلف بين قلوبهم، كما قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً، فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها.