فقال مفروق: وإلام أيضا يا أخا قريش.
فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا، وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «١» .
فقال مفروق، وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان كلامهم لعرفناه.
فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «٢» .
فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أساء قوم كذبوك، وظاهروا عليك.
وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام هانيء بن قبيصة، فقال: وهذا هانيء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا.
فقال هانيء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وصدقت قولك. وإنى أرى إن تركنا ديننا، واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا.. لم نتفكر فى أمرك، وننظر فى عاقبة ما تدعو إليه- زلة فى الرأى، وطيشة فى العقل، وقلة نظر فى العاقبة، وإنما تكون الذلة فى العجلة، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر.
وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا.
فقال المثنى: قد سمعت مقالتك، واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبنى ما تكلمات به، والجواب هو جواب هانيء بن قبيصة. وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا، وإنا إنما نزلنا بين حيزين:
أحدهما اليمامة، والاخر السماوة.
стр. 422
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وما هذان الحيزان.
فقال له المثنى: أما أحدهما فطفوف البر، وأرض العرب، وأما الاخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى: لا نحدث حدثا ولا نؤوى محدثا، ولعل الأمر الذى تدعونا إليه مما يكرهه الملوك. فأما ما كان مما يلى العرب، فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان يلى بلاد فارس، فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول؛ فإن أردت أن تنصرف ونمنعك مما يلى العرب فعلنا.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أسأتم الرد، إذ أفصحتم بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه.
ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مخاطبا: «أرأيتم، إن لم تلبثوا، إلا يسيرا، حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم، ويغريكم بهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: «اللهم إن ذلك لك يا أخا قريش» .
فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالي: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِراجاً مُنِيراً «١» .
ثم نهض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قابضا على يدى أبى بكر.
يقول ابن كثير فى البداية والنهاية بعد أن ساق الخبر: هذا حديث غريب جدا، كتبناه لما فيه من دلائل النبوة، ومحاسن الأخلاق ومكارم الشيم، وفصاحة العرب» «٢» .
وفى الخبر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تنبأ لهم أنهم سينصرون على فارس قريبا، وقد انتصروا فعلا، وأعلن ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال لأصحابه: «احمدوا الله كثيرا، فقد ظفر أبناء ربيعة بأهل فارس» وإن هذا الخبر الطويل يدل على أمور:
(أ) منها أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان دائبا على بث الدعوة بين القبائل فى موسم الحج، سواء أكانوا من القبائل المتاخمة لفارس، أم المتاخمة للروم فى الشام، وأنه كان يلقى تأييدا على حسب البعد.
(ب) ومنها- أنه كما كان يلقى صدودا، كان يلقى أيضا حسن تفهم، وإن كان ثمة تمرد، ومنشؤه أنهم لا يريدون أن يتركوا ما هم عليه ليغيروا بمجرد مجلس.
стр. 423
ومنها- أن المنافسة وحب السيطرة بالشرف، هى التى أضلت قريشا وحيث لا تكون منافسة يكون التدبر والتفكير.
ومنها تنبؤ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بما يكون بإذن الله تعالى وعلمه.
ما بين الروم والفرس:
٣٠٦- ولمناسبة ما تنبأ به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من هزيمة الفرس فى جوار البلاد العربية، ووقوع الأمر كالنبأ نذكر تنبؤ القران الكريم المنزل من رب العالمين من غلبة الفرس للروم، وأن الفرس سيغلبون من بعد فى قول الله تعالى: «الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ «١» .
ولقد ذكر علماء السيرة والمؤرخون أن كسرى قاد الفرس إلى قتال الروم، فانتصروا عليهم، وهم من عبدة النار؛ فهم كعبدة الأوثان، ويصدران عن ضلال واحد، فكان المشركون يعتزون بهذا النصر، أنهم لا محالة سينتصرون على المسلمين، لأنهم أميون، وليسوا أهل كتاب، والمسلمون أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، فكانت المفاخرة ممن يقاربونهم، ويستطيلون بهم للإيهام بأنهم سينتصرون على المسلمين، فنزل قول الله تعالي الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ إلى اخر الايات الكريمات.
وقد قال بعض المشركين إن الروم لن يغلبوا، وقال له أبو بكر الصديق: سيغلبون فى بضع سنين فتراهنا على عدد من الإبل، فى تسع سنين، إن انتصر الروم فيها خسر الشرك الرهان، وإن لم ينصر الروم فيها كان أبو بكر عليه أن يدفع ما تراهنا عليه.
وقد انتصر الروم فى هذه المدة، فكان الرهان لأبى بكر، ويظهر أن ذلك النصر كان بعد أن هاجر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة.
والحافظ ابن كثير يذكر فى هذه ذلك الخبر، فيقول:
«المشهور أن كسرى غزاه (أى هرقل) بنفسه فى بلاده، فنهره، وكسره، حتى لم يبق معه (أى هرقل) إلا مدينة القسطنطينية، فحاصرها كسرى مدة طويلة، حتى ضاقت عليه.. ولم يقدر على فتح البلد. لحصانتها، لأن نصفها من ناحية البر ونصفها الاخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم (أى
стр. 424
الروم) الميرة من هناك، فلما طال الأمر، دبر قيصر مكيدة فطلب من كسرى أن يقلع من بلاده، على مال يصالحه عليه، وبشترط ما شاء فأجابه إلى ذلك وطلب منه أموالا عظيمة لا يقدر عليها أحد من ملوك الدنيا، من ذهب، وجواهر، وأقمشة، وجوار؛ وخدام، وأصناف كثيرة، فطاوعه قيصر، وأوهمه أن عنده جميع ما طلبه! وسأل كسرى أن يمكنه من الخروج إلى بلاد الشام، وأقاليم مملكته، ليسعى فى تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله.
فخرج من القسطنطينية فى جيش متوسط ... وكسرى مخيم على القسطنطينية ينتظره ليرجع، فذهب قيصر من فوره وسار مسرعا، حتى انتهى إلى بلاد فارس فعاث فيها فسادا وقتلا فى رجالها، ومن كان بها من المقاتلة، وقد كان أكثرهم مع كسرى ... ولم يزل يقتل، حتى انتهى إلى المدائن، وفيها كرسى مملكة كسرى، فقتل من بها، وأخذ جميع حواصله وأمواله، وأسر نساءه، وحلق رأس ولده، وأركبه على حمار، وبعث الأساورة من قومه فى غاية الهوان والذلة، وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبت فخذه....
أصاب العمى كسرى، واشتد حنقه على البلد (القسطنطينية) فجد فى حصارهم فلم يقدر على شيء.
عاد كسرى إلى بلده بعد أن حزب بمكيدة قيصر مكيدة بعد مكيدة، وبذلك غلب الفرس فى أدنى الأرض كما غلبوا الروم من قبل، ولله الأمر من قبل ومن بعد «١» .
وقد ذكر ذلك الخبر فى هذا المقام، لأن ذكره امتداد لما انتصر به بنو شيبان على كسرى، كما تنبأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولسنا مقحمين له فى غير موضعه، لأن وقائعه كانت قبل الهجرة، وامتدت إلى ما بعدها، ولأنه إيذان بنصر الإسلام فى فارس من بعد.
ولنعد بعد ذلك إلى التقاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالقبائل، وما كان قبل الهجرة من تمهيد لها.
стр. 425
التقاؤه ﷺ بالأوس والخزرج
٣٠٧- أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل كما أسلفنا من القول، وما علم فى موسم الحج أن ملأ من قبيل قد جاء إلى مكة المكرمة إلا عرض عليه الدعوة الإسلامية، وإلى التوحيد، والإيمان بالله، وبأنه صلى الله تعالي عليه وسلم رسول الله. وما علم بوجود كبير فى قومه يقول فيتبع إلا عرض الإسلام عليه.
وقد التقى بكثيرين من شمال البلاد العربية وجنوبها ممن جاوروا الروم، وممن جاوروا الفرس، وعقب أن لقى من ربيعة التى تجاور فارس من رأى فيهم من أشراف العرب من كان فيهم نخوة، ومعرفة وإدراك الواجب التقى ببعض رجال من يثرب.
التقى أولا بجماعات منهم، ثم كان الاتفاق على التأييد والنصرة بعد الاتباع على الإيمان، وهدى من الله .
وكانت يثرب بأحوالها، وما فيها الأرض التى تقبل الدعوة المحمدية، ذلك لأن أهلها كان اليهود يحاربونهم ولم يكونوا معهم على وفاق، كشأن اليهود حيثما كانوا، وأينما ثقفوا، وكان أهل المدينة وثنيين، واليهود أهل كتاب، فكانو يذكرون لهم أنه الان نبى مبعوث ينصر اليهود على الوثنيين، وكما قال الله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «١»
وبذلك كانت بين أيديهم معرفة للنبوة، وإدراك للبعثة المحمدية.
وفوق ذلك كان أهل يثرب ينتمون إلى قبيلتى الأوس والخزرج، وكان الخلاف بينهم شديدا، وكانوا يتقاتلون، وربما كان خلافهم بعمل يهودى، كشأنهم فى تفريق الجماعات، وإلقاء بذور الفتن فى أى مجتمع يعيشون فى ظله. فكان التنافر بين الأوس والخزرج قبيلتى يثرب مستمرا، والحرب تقع من وقت لاخر، وفيهم من يهم بالاستنصار بقريش على الاخرين، فكانوا فى حاجة أو نصرة من الخارج، ولتوالى التناحر، وكانوا يرحبون بمن يؤلف بينهم، فكان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هو الجامع بينهم، والله تعالى المؤلف بين قلوبهم، كما قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً، فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها.
стр. 426
ابتداء الاتصال بأهل يثرب:
٣٠٨- ابتدأ الاتصال بأهل يثرب من الأوس والخزرج بالاحاد، ثم سار فى طريق النمو، حتى صار الاتصال بالجماعات، ثم كانت البيعة، وتكررت مرتين.
يروى ابن إسحاق أنه قدم سويد بن الصامت وهو من بنى عوف مكة المكرمة حاجا، وكان رجلا شريفا، ونسبه رفيعا يسمى فى قومه الكامل، لجلده وشرفه، وكان شاعرا وله صوت مسموع فى قومه.
فتصدى له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حين سمع به، فالتقى به ودعاه إلى الإسلام.
فكانت بينهما مجاوبة لأنه لم يكن أعرابيا ليس على علم، بل كان على علم يمهد له العلم بالنبوات.
دعاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال سويد: فلعل الذى معك مثل الذى معى. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وما الذى معك؟ قال مجلة لقمان- يعنى حكمة لقمان- فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اعرضها على. فعرضها عليه، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن هذا الكلام حسن: والذى معى أفضل منه، هذا قران أنزله الله تعالى على هدى ونور، ثم تلا صلى الله تعالى عليه وسلم القران الكريم، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف عنه إلى المدينة، وقدم على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج. وكان قتله قبل واقعة بعاث التى كانت بين الأوس والخزرج.
ولقد كان رجال من قومه يقولون إنا لنراه قتل مسلما، وإن مقدمات الإسلام كانت معه فى لقائه بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ قال فى القران الكريم: «إن هذا القول حسن» وهذا يدل على أن قلبه قد فتح للإيمان، وإن كان وصف القران الكريم أعلى من ذلك، ولقد جاء من بعد ذلك جماعات من الأوس على رأسهم أنس بن رافع، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، أى ليعقدوا حلفا مع قريش لينصروهم من الخزرج.
سمع بهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأتاهم، فجلس إليهم، فقال: هل لكم فى خير مما جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ فقال: «أنا رسول الله تعالى إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، وأنزل على الكتاب» ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القران الكريم.
وكان فيهم شاب مدرك وهو إياس بن معاذ، فقال لهم: يا قوم هذا والله خير مما جئتم له. فنهره رئيس الجماعة وقال له: دعنا عنك، فلعمرى لقد جئنا لغير هذا. فصمت إياس بن معاذ، وعادوا إلى
стр. 427
المدينة، ثم مات إياس، وقد قال من حضر موته من قومه إنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل لله ويكبره ويسبحه ويحمده، فما كانوا يشكون فى أنه مات مسلما، وإن الله تعالى قد أنار بصيرته، وأعطاه الله نفسا طيبة تدرك الحق عند أول سماعه، وتؤمن به إذ خلصت لله تعالى.
يوم بعاث:
٣٠٩- بعاث موضع بالمدينة المنورة، تقاتل فيه الأوس والخزرج، وكانت بينهم مقتلة عظيمة، قتل فيها خلق كثير من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق كما يقول ابن كثير من شيوخهم إلا القليل، فعضتهم الحرب عضا شديدا بنابها، وكان ذلك غب عودة الأوس من مكة المكرمة، وعرض النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نفسه عليهم، وأجابه شاب منهم، ونهره رئيس الوفد.
وإن الشدة فى كثير من الأحيان توجد فى القلب نورا، وكأن الأحياء فى تناحرهم يحدث من التحامهم نور يضيء كالنور الذى يحدث من احتكاك شيئين أحدهما موجب والاخر سالب.
فقد كانت واقعة بعاث هذه بعد دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم داعية أهل يثرب للتفكير فيما جاء به ﵊، وعندهم معرفة عارضة ببعثه صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه كان ابتداء لدخول الناس من يثرب فيه جماعات، بعد أن كانوا يدخلون احادا.
وقد روى البخارى فى صحيحه بسنده عن عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها، أنها قالت:
«كان يوم بعاث يوما قدمه الله تعالى لرسوله» . قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وقد افترق ملؤهم، وقتل سراتهم.
لقد اكتووا بنار الحرب، ومن اكتوى بها، طلب برد السلام والاطمئنان، وفتح قلبه لنعمة الله تعالى.
بدء إسلام الأنصار
٣١٠- قلنا إن دخول الإسلام يثرب بالاحاد، يدخلون فيه فرادى ثم جاء من بعد ذلك من يدخلون فى دين الله تعالى أفواجا أفواجا.
وإن أولئك الاحاد كانوا يذكرون نعمة الإسلام فى عشائرهم، فيستأنسون به، ولم تكن لهم بأسرة النبى ﵊ عداوة، حجبتها المنافسة، أو الحسد، أو أثارها الحقد على بيته الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، فوجدت بينهم معرفة الحق، وموجبات اتباعه، من غير أن تكون الموانع التى تصد عن
стр. 428
سبيل الله تعالى، والتى تغلف القلوب بغلاف من العداوة والبغضاء، فتمنع نور الحق من أن يدخل إليها، فينيرها.
فى الموسم الذى كان عقب بعاث والنبى ﵊ يعرض الإسلام على القبائل بمنى، يذهب إلى منازلهم بها، فى هذا الموسم التقى برهط من الخزرج، قال ابن إسحاق فى سيرته:
«فقال لهم: من أنتم. قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالى يهود؟ قالوا لا، قال أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا بلى، فجلسوا فدعاهم إلى الله تعالى، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم، القران الكريم، وكان مما صنع الله تعالى بهم فى الإسلام أن يهود كانت معهم فى بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا إن نبيا مبعوثا الان، قد أظل زمانه، نتبعه، فنقتلكم مثل قتل عاد وإرم، وكان عندهم علم بذلك كما قرر القران الكريم.
وإن النفر الذين جاؤا من قبل، وذاقوا بشاشة الإسلام، قد أوجدوا بينهم الفكرة الإسلامية، فلما كلم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الرهط ودعاهم إلى الله، تذاكروا فيما بينهم كلام اليهود.
قال بعضهم لبعض: «يا قوم: تعلمون والله أنه النبى الذى توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه» .
لذلك أجابوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما دعاهم إليه، وصدقوا به، وأرادوا أن يسود الإسلام بينهم، وأن يستبق الحق قومهم، وأن يكون الإسلام طريق الخير لهم، فقالوا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
«إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، ولعل أن يجمعهم الله تعالى عليك، فلا رجل أعز منك» وهكذا أجابوا داعى الله، وقد ذكرت كتب السيرة أسماء هذا الرهط من الخزرج «١» .
واختلفت الروايات، أكانوا ستة أم كانوا ثمانية، وكلهم من الخزرج، ولكن من الروايات ما ذكر فيها أنه كان من الأوس أبو الهيثم.
ومهما يكن، فقد كان أولئك وفد الخير والحق والصدق، فما أن انصرفوا عائدين إلى يثرب، حتى أخذوا يذكرون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويدعون بدعوته، حتى عمت وفشت، وتذاكر بها أهل يثرب، ومنهم من استجابوا لدعوة الحق، لمجرد ذكرها، ولم يطلبوا برهانا، لأنها دعوة إلى التوحيد، وهى فى ذاتها صادقة، وكانوا يعلمون بها، إذ يؤمنون بأن الله تعالى خالق السموات والأرض
стр. 429
واحده، وما كانوا جاهلين بالله تعالى، بل كان فيهم بقية من ملة إبراهيم، واليهود بينهم يذكرون لهم أن رسولا فى مكة المكرمة قد بعث، فكانت الدعوة إلى الله تعالى مستجابة لا مراء فيها.
فشا الإسلام فى المدينة، قبل أن يقدم إليها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقبل أن يرسل مبعوثا، يعلمهم الإسلام، ويتلو عليهم القران الكريم، حتى أن ابن إسحاق يقول بسنده المتصل، لم يبق من دور الأنصار دار إلا وفيها ذكر لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فعلموه جميعا: علموا دعوته إجمالا، وتهيئوا للبيعة.
العقبة الأولى أو البيعة الأولى
٣١١- تجاوبت أصداء الدعوة المحمدية فى ربوع يثرب وتذاكروها مذاكرة من لا يتنازعون فى شرف تمسه أو عصبية جاهلية ينصرونها، ولكن تجاوب من يطلبون الحق، ومن صغت أفئدتهم إليه، ومن يرجون من الاستجابة زوال الفرقة التى تقسمهم، وتجعلهم فى حرب مستمرة، وفوق كل ذلك يريدون أن يستعلوا بها على اليهود الذى كانوا يستفتحون عليهم بأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سيكون مع أهل الكتاب عليهم، فهم يسارعون إليه، لأنهم يسارعون فى الحق، ولا يبغون سواه.
فلما كان موسم الحج الذى أعقب موسم اللقاء الأول، وكان التفاهم الذى رجوا فيه الخير والأمن والسلام فى حضرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فى هذا الموسم جاء اثنا عشر نقيبا من الأوس والخزرج، لا لأداء الحج فقط بل لهذا، وللقاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، مستجيبين له، لما قد عاقدوا العهد على لقائه، وإعطائه به المواثيق عن أنفسهم ومن وراءهم ممن بعثوهم نقباء، يتحدثون باسمهم، ويقدمون العهود والمواثيق عنهم.
وقد روى عن عبادة بن الصامت أنه قال: «كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلا ليبايعنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم» وكانت هذه البيعة بيانا للشرع الإسلامى فى العلاقات الاجتماعية، والأسرية، وأخذ العهد عليهم أن يقوموا بحقها، وهى جزء من الإسلام على عقيدة التوحيد، والعبادات، على أساس هذه العقيدة.
وقد ذكر عبادة بن الصامت نص هذه المبايعة، فقال: «بايعنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة العقبة الأولى على ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزنى، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه فى معروف، قال رسول الله ﷺ : فإن وفيتم فلكم الجنة،
стр. 430
وإن غشيتم شيئا فأخذتم بحده فى الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله تعالى، إن شاء عذب وإن شاء غفر. ولقد قال الحافظ ابن كثير، إن هذا الحديث مخرج فى الصحيحين وغيرهما من طرق عن ابن شهاب الزهرى. ونرى أن هذه المبايعة كانت لبيان بعض التكليفات الإسلامية التى لا اختلاف فيها، وما كانت للإيواء والنصرة، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن قد قرر الهجرة إليهم، ولم يكن قد جاءه الأمر بذلك، أو الإيحاء به، ولأنه لا يأخذ بعهد النصرة، قبل عهد الإيمان، فما كان عهداهم عهد جوار، ولكن عهد تأييد، ومحاربة دون الإسلام، ولا تكون إلا بعد توثيق كلمة الإيمان، وحقها.
وقد سمى كثيرون من كتاب السيرة هذه البيعة بيعة النساء، وما كانت هذه التسمية فيما نحسب فى وقت البيعة، إنما كانت بعد ذلك لمشابهتها لما ذكره القران الكريم من مبايعة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم للنساء فى أحكامها، وإن اختلف وقتها، واختلف موضوعها، فتلك كانت مع النساء، أما هذه فكانت مع الرجال، وهى للرجال وللنساء على سواء. وهذا نص بيعة النساء كما جاء بها القران الكريم، فقد قال الله تعالى فى سورة الممتحنة: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلا يَسْرِقْنَ، وَلا يَزْنِينَ، وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ، وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ، فَبايِعْهُنَّ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» بيعة النساء بعد الهجرة.
مصعب بن عمير:
٣١٢- انصرف القوم إلى يثرب تحفهم بركة الله، ونعمة الإيمان، فبعث معهم مصعب بن عمير الذى يلتقى فى النسب مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى قصى بن حكيم، فهو كما جاء فى نسبه مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى.
وقد أرسله إليهم، ليدعو إلى الله تعالى من لم يؤمن، وليعلمهم، ويفقههم فى الدين، ويقرأ عليهم القران الكريم.
ويذكر البيهقى بسنده عن عمرو بن قتادة أن رسول الله ﷺ ، إنما بعث إليهم مصعبا حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم، وهو الذى يذكره موسى بن عقبة «٢» .
стр. 431
وإنا ترجح أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو الذى اختار لهم مصعبا، وأنه قرر أن يبعثه إليهم ليعلمهم الإسلام ويتلو عليهم، فما كان من المعقول أن يتركهم صاحب الرسالة، وقد استجابوا لله وللرسول من غير أن يرسل إليهم من يعلمهم، ولعلهم قد كتبوا إلى الرسول أيضا، فالتقت رغبتهم مع ما قرره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ذهب إليه مصعب بن عمير، ومعه علم الإسلام، وعلم القران الكريم، فأخذ يعلمهم مباديء الإسلام، وعباداته ويقرئهم القران الكريم، ولذلك سمى فى المدينة (المقريء) .
وقد نزل عندما قدم المدينة عند أسعد بن زرارة.
وكان يؤم المسلمين بالمدينة المنورة فى الصلاة، لأنه أعلمهم بالقران الكريم وبالإسلام، إذ جاء ليعلمهم، فهم منه بمقام التلميذ من الأستاذ، ولأنه رسول رسول الله ﵊ صاحب الرسالة، فهو نائبه، والنائب يستمد ممن أنابه السلطان، ويضيف الرواة سببا اخر مستمدا من العصبية الأولى، وهو أن الأوس كرهوا أن يؤمهم خزرجى، والخزرج كرهوا أن يؤمهم أوسى، فكان الوفاق على أن يؤمهم مصعب، ونرى أن السببين الأولين كافيان وهما الأليق برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وروى أنه كان يتبادل الإمامة مع مصعب، أسعد بن زرارة.
أول جمعة أقيمت بالمدينة المنورة:
٣١٣- هذا عنوان أخذناه من سيرة ابن هشام، رواه عن ابن إسحاق، ونقول فيه: إن هذه البيعة والاتصال بقبائل يثرب كان بعد الإسراء والمعراج، حيث فرضت الصلوات الخمس، والجمعة قائمة مقام صلاة الظهر وهى إحدى الخمس. وكان لابد أن تقام الجمعة فى المدينة المنورة بعد أن فشا الاسلام، وسارت فى الطريق، لتكون مدينة إسلامية، يأمن فيها المسلم على نفسه وعلى دينه، والجمعة تقوم حيث الأمن، واستقرار الأمور على الوجه الإسلامى الذى يبتغيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه.
لقد أخذ أسعد بن زرارة الذى نزل عنده مصعب بن عمير رضى الله عنهما وذهبا إلى جبل هزم النبيت من حرة بنى بياضة فى بقيع يقال له بقيع الخضمات وكانت عدتهم يومئذ أربعين رجلا.
روى ابن إسحاق بسنده عن أبى الشامة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك حين ذهب بصره قال: كنت إذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان صلى على أبى أمامة، أسعد بن زرارة، فمكثت حينا على ذلك لا يسمع الأذان لجمعة إلا صلي عليه واستغفر له، فقلت فى نفسى، والله إن
стр. 432
هذا بى لعجز، ألا أسأله ماله إذا سمع أذان الجمعة صلى على أبى أمامة أسعد بن زرارة، فخرجت به فى يوم جمعة، كما كنت أخرج، فلما سمع الأذان للجمعة صلى عليه، واستغفر له، فقلت: «يا أبت مالك إذا سمعت الجمعة صليت على أبى أمامة، فقال: أى بنى كان أول من جمع بنا فى المدينة فى هزم النبيت من حرة بنى بياضة فى مكان يقال له بقيع الخضمات، قلت: وكم أنتم يومئذ؟ قال:
أربعون رجلا «١» .
ولم يكن عمل مصعب وأسعد بن زرارة من بنى النجار مقصورا على إقامة الصلوات، بل أخذا يدعوان إلى الإسلام فى يثرب.
فقد جاء فى السيرة لابن إسحاق وفى البداية والنهاية لابن كثير. أنهما أخذا يدعوان إلى الإسلام بنى عبد الأشهل، وبنى ظفر، وهما من أقوى الأنصار صوتا، وأبعدهم ذكرا. وإليك ما جاء فى البداية والنهاية: كان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر فجلسا فى الحائط (البستان) واجتمع إليهما رجال ممن أسلموا، وسعد بن معاذ، وأسيد بن الحضير يومئذ من بنى عبد الأشهل، كلاهما مشرك على دين قومه. فقال سعد لأسيد: لا أبالك انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا ... فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما. فلما راه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه، قد جاءك، فاصدق الله فيه ... فوقف عليهما أسيد متشمتا، ثم قال: ما جاء بكما إلينا، تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانى، إن كان لكما بأنفسكما حاجة، وقال غلام: أتيتنا فى دارنا رعديد الغريب لتسفه ضعفاءنا بالباطل، وتدعوهم إليه.
فقال مصعب لأسيد: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره.
قال: أنصت. ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القران الكريم.
فقال مصعب وأسيد، والله لعرفنا الإسلام فى وجهه، فى إشراقه وتسهله، قبل أن يتكلم.
فقال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا فى هذا الدين، قالا له:
تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى ... ففعل ما طلب إليه، ثم قال لهما: إن ورائى رجلا إن اتبعكما لم يتخلف أحد من قومه، وسأرسله إليكما، سعد بن معاذ.
ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس فى ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله، لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم.
стр. 433
فلما وقف على النادى، قال سعد: ما فعلت. قال كلمات الرجلين، فو الله ما رأيت بهما بأسا.
وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك، ليحقروك.
فقام سعد مغضبا مبادرا، مخوفا للذى ذكر له من بنى حارثة، وأخذ الحربة فى يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا.
ثم خرج إليهما سعد، فلما راهما مطمئنين عرف أن أسيدا، إنما أراد أن يسمع منهما فوقف متشمتا، ثم قال سعد بن معاذ: والله يا أبا أمامة لولا ما بينى وبينك من القرابة، ما رمت هذا منى، أتغشانا فى دارنا بما نكره.
قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه إن يتبعك لا يتخلف منهم اثنان.
قال مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا رغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره.
قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس. وعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القران الكريم، وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول سورة الزخرف حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ. أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ. وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ فعرفنا فى وجهه الإسلام قبل أن يتكلم فى إشراقه وتسهله.
ثم قال سعد لهما: كيف تصنعون إذا أنتم دخلتم فى هذا الدين، قالا: تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، ... وقد أخذ حربته بعد أن فعل ما أشار به، فأقبل عائدا إلى نادى قومه، فلما راه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد عاد اليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم، وقف داعيا للإسلام، ويقول:
يا بنى عبد الأشهل، كيف تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، وأيماننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام، حتى تؤمنوا بالله ورسوله «١» .
اجتمع مصعب وأسعد بن زرارة وسعد بن معاذ فى منزل أسعد، وأخذوا يدعون إلى الإسلام حتى فشا فى يثرب فأسلم بنو عبد الأشهل رجالا ونساء.
وقد فصلنا القول فى دعاية مصعب بن عمير، وأسعد بن زرارة، ونقلنا لك المجاوبة التى جرت بين الزعماء والكبراء، فإن الاستماع إلى كلمات الرجال، كما جرت على أفواههم تصور حالهم ونفوسهم.
стр. 434
لقد كانوا ينتهون من المجاوبة إلى الإصغاء إلى دعوة الحق واتباعها من غير تلكؤ، وإن هذا يدل على صفاء نفوسهم، وحيث خلت النفوس من المنازعات بالشرف، والمنافسة فى الفخر، فإنها تتجه إلى الحق بقلب سليم، فتسارع إلى الدخول فيه، وقد أحسوا أن فى الاتباع منجاة لهم من التفرق والنزاع الذى أداهم إلى الحرب، وعضتهم بنابها، وفوق ذلك كانت وصلتهم إرهاصات بذكر النبوة المحمدية كان يستفتح بها اليهود عليهم.
العقبة الثانية
٣١٤- جاءت العقبة الأولى بعد اللقاء الأول بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والخزرج وبهم انتقل خبر الإسلام إلى يثرب التى أعدها الله تعالى لتكون المدينة الفاضلة، مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم كان فى العقبة الأولى التعريف بمباديء الإسلام والبيعة بها، على أن تكون هذه البيعة الميثاق الذى أخذه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت البيعة الثانية فى العقبة بعد أن فشا الإسلام، وكانت تمهيدا للانتقال إلى المدينة والهجرة، ويظهر أنها كانت فى اخر موسم حضره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة المنورة، والعقبة الأولى كانت فى الموسم الذى قبله، ولذلك كانت البيعة فيها بالإيواء والنصرة، كما يتبين ذلك.
ويظهر أن خبر اتصال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتسرب إلى قريش، ويحاولون أن يأخذوا حذرهم، إذ رأوا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعرض نفسه على القبائل، وهم يتوجسون خيفة من أن تخرج الدعوة إلى التوحيد من بين ظهرانيهم إلى العرب، وإنهم يتوقعون منهم الاستجابة، ليستعين بهم، ويتخذ منهم قوة عليهم.
وقد رأينا كيف يتعقبه أبو جهل وأبو لهب، ويتناوبان.
لذلك عندما جاء مصعب من يثرب هو وأسعد بن زرارة، ومعهم جماعات من الأوس والخزرج، قد أسلموا، وقد كان معهم من سكان يثرب من كانوا لا يزالون على وثنيتهم، ولم يذوقوا بعد بشاشة الإسلام، ومنهم من تتجافي قلوبهم دونه مثل عبد الله بن أبى بن سلول الذى أكله بغض الإسلام والمسلمين، حتى صار رأس النفاق فى المدينة المنورة من بعد، وكان يضع الفتنة ويبنيها، ويثيرها حيثما وجد إلى ذلك سبيلا.
ولقد أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حذره من ناحيتين، من ناحية قريش الذين احتسبوا بأن أمرا يدبر من ورائهم، ولقد كان يرى عيونهم تبث من حوله، حتى أن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 435
ليقول لوفد الأوس والخزرج عندما التقى بهم فى العقبة: «ليتكلم متكلمكم، ولا يطل الخطبة، فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم» .
والناحية الثانية من أولئك المشركين الذين صحبوا المسلمين من الأوس والخزرج، ولعله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما حذر من عيون المشركين، كان كلامه يعم الفريقين، فريق قريش، وفريق المشركين الذين صحبوا وفد الإيمان.
ولهذا لم يلتق فى أول حضورهم، بل ضرب لهم موعدا فى أيام منى، فلم يأخذ عليهم البيعة فى أول لقاء.
فروى ابن إسحاق بسنده عن كعب بن مالك، قال «خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالعقبة من أواسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ... وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين.
ويقول كعب فى هذه الرواية: فنمنا تلك الليلة فى قومنا فى رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا عند العقبة ونحن ثلاث وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان.
هذه رواية كعب بن مالك، وروى أنهم كانوا سبعين، ومعهم امرأتان.
التقى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فى الميقات المحدود، والمكان المعين وقد صحبه فى هذا اللقاء عمه العباس بن عبد المطلب، وهو على دين قومه وإنما صحبه ليتوثق له، ويطمئن على نصرته، وقد قال فى هذا اللقاء: «يا معشر الخزرج «١» ، إن محمدا منا، حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هم على مثل رأينا فيه فهو فى عز من قومه، ومنعة فى بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، وما نعوه من خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الان فدعوه، فإنه فى عزة ومنعة من قومه وبلده.
عندئذ قال قائل الأوس والخزرج: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
فتكلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ودعا إلى الله تعالى، ورغب فى الإسلام.
وقد طلب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يختاروا من بينهم اثنى عشر نقيبا ففعلوا.
стр. 436
البيعة:
٣١٥- هذه هى البيعة الثانية، كما جاءت بذلك الروايات المتضافرة وقد انقسمت البيعة إلى قسمين:
أحدهما- لتوثيق مباديء الإسلام؛ وقد روى الإمام أحمد فى هذا القسم: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال فيه: «تبايعون على السمع والطاعة فى النشاط والكسل، والنفقة فى العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر. وأن تقولوا فى الله لا تخافون لومة لائم» .
والقسم الثانى- خاص بنصرته صلى الله تعالى عليه وسلم. وأن يمنعوه.
ويروى ابن إسحاق عن أبى أمامة أسعد بن زرارة أنه قال للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك ما شئت، ثم أخبرنا مالنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أسئلكم لربى أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأسئلكم لنفسى وأصحابى أن تؤوونا وتنصرونا، وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم» .
وروى الإمام أحمد أيضا عن عبادة بن الصامت أنه قال: إنا بايعنا رسول الله على السمع والطاعة فى النشاط والكسل، والنفقة فى العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وعلى أن نقول فى الله، لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب، مما نمنع به أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة.
هذه روايات متعددة فى ألفاظ البيعة ومعانيها، ولا تخالف بينها، بل يكمل بعضها بعضا، وإذا كانت نقصت بعض العبارات من رواية، فإن الرواية الاخرى تكملها.
ولقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى نتيجة البيعة «أخذت وأعطيت» أخذ عليهم العهد لله بالتوحيد والطاعة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وأعطاهم الوعد بالجنة.
ولقد أعطوا الوعد بالنصر والإيواء عن بينة من ربهم، فقد بين بعضهم لبعض ما فى الوعد بالنصر من تبعات، سيتحملونها، ولنذكر لك بعض ما تذاكروه قبل أن يصفقوا بالبيعة، أو فى عنفها.
قال العباس بن عبادة بن فضلة الأنصارى أحد بنى سالم بن عوف: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالو: نعم.
قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الان، فهو والله إن فعلتم خزى الدنيا والاخرة، وإن كنتم ترون أنكم
стр. 437
وافون له بما دعوتموه إليه، على نهكة المال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والاخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف.
ولقد قال البراء بن معرور أحد النقباء مجيبا قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما طلب أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. قال رضى الله تعالى عنه:
نعم، فو الذى بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع أزرنا. فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا من كابر.
واعترض أبو الهيثم بن التيهان فقال: «يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا- وإنا قاطعوها- يعنى اليهود- فهل عسيت إن قبلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا.
فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم.
ولقد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن تمت البيعة: «أنتم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين بعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على مدتى» .
بهذا تمت البيعة الثانية، وكانت إيذانا بالهجرة، وكان أساس قيامها ما يكون من حماية للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقد كانت حماسة الأنصار لهذه البيعة شديدة، وبعضهم أراد تنفيذها؛ ومحاربة قريش فى عقر دارهم، لقد قال العباس بن فضلة الذى نقلنا كلامه انفا: يا رسول الله، والذى بعثك بالحق؛ إن شئت لنميلن على أهل منى عذابا بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم.
علم قريش بالبيعة:
٣١٦- كان حذر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من أن يعلم المشركون بالبيعة قبل أن تتم فى موضعه، لأنهم كانوا يبثون العيون لمعرفة أخبار الخزرج والأوس، إذ كانوا يتوجسون منهم خيفة.
لقد رجع أهل البيعة إلى منازلهم فلما أضحوا غدا عليهم ناس من جلة قريش، حتى جاؤا إلى منازلهم.
стр. 438
قالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حى من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.
وقد كان من بين أهل يثرب مشركون مثلهم، وقد اجتهد الذين مال قلبهم للإيمان وأسلموا أن يخفوا عنهم أمر البيعة وما يتصل بها. لذلك انبعث من أولئك المشركين من يحلفون ما كان من هذا شيء وما علمنا، فصدق القرشيون مقالتهم.
وقد روى ابن إسحاق أن القرشيين أتوا عبد الله بن أبى بن سلول الذى صار من بعد رأس المنافقين، وكان من المشركين، فسألوه عن أمر البيعة، فقال لهم: إن هذا الأمر جسيم، ما كان قومى ليتفرقوا على مثل هذا، وما علمته. كان الأمر بالنسبة لقريش أول الأمر ظنا ظنوه، ولم يكونوا قد استوثقوا من صدقه، فكان التكذيب كافيا، لإزالة الظنة، ولكن لم يطمئنوا.
لذلك أخذوا يتحرون صدق الخبر، ليطمئنوا، فلما نفر الناس من منى، وجدوا أن البيعة قد تمت، أو أن ما ظنوه ظنا قد وقع.
راعهم ذلك، فخرجوا فى طلب القوم الذين بايعوا، فلم يلحقوا بهم، ولكن أدركوا منهم سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، وكان كلاهما من النقباء، وقد استطاع المنذر ألا يمكنهم منه، فأعجزهم اتباعه.
وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة المكرمة يضربونه، ويجذبونه بجمته «١» ، وكان ذا شعر كثيف.
ولقد حكى سعد حاله، فقال: «فو الله إنى لفى أيديهم، إذ طلع على نفر من قريش فيهم رجل وضئ الوجه شعشاع، خلو من الرجال، فقلت فى نفسى إن يك عند أحد من القوم خير، فعند هذا، فلما دنا منى كلمنى كلمة شديدة، فقلت فى نفسى: «لا والله، ما عندهم بعد هذا من خير» فو الله إنى لفى أيديهم، إذ أدلى لى رجل ممن معهم، فقال: ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار، ولا عهد. قلت: بلى والله، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم.. تجارة، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادى، وللحارث بن حرب بن أمية.. قال: ويحك.. وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما فى المسجد عند الكعبة الشريفة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج يضرب بالأبطح، ويذكر أن بينكما وبينه جوارا، قالا:
ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة، قالا: صدق والله! إنه كان ليجير تجارنا، ويمنعهم من أن يظلموا ببلده، فجاا فخلصا سعدا.
стр. 439
ذكرنا هذه القصة بطولها. ليتبين أن قريشا أحنقهم، أن استجيب طلب محمد ﵊ أن يجد المأوى لدعوته فى يثرب وظهر غضبهم فى تتبع القوم وفى الأذى الذى أنزلوه بسعد بن عبادة، وهو الذى أدركوه، وغيره قد اجتازوا الطريق، ورحلوا، قبل أن يصلوا، ولو أدركوهم فوق السبعين لا يعلم إلا الله تعالى كيف تكون العاقبة. ولعلها تكون أول موقعة بين المشركين والمسلمين، بل لعل هذه المطاردة ذاتها أول معركة بين قوة الإسلام ولو قليلة وقوة الشرك، وإن كانت كثيرة، ولعل المشركين أدركوا بأن عهد الاستضعاف أو شك على نهايته، والله ولى الصابرين.
ابتداء الهجرة
٣١٧- وجد المسلمون أنه صار لهم مأوى ينقلون إليه، وشعر المشركون أن الإسلام خرج نقيا طاهرا ظاهرا قويا من أرضهم ليكيل لهم الضربة بمثلها، والإيذاء بدفعه، وأن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم قد صار له قوة تناوئهم إن أرادوا به كيدا، وأنه قد تلتف عليه قبائل العرب، قبيلة قبيلة، وما شعروا بالندم على أن حاربوه، ولم يمكنوه من الدعوة، بل لاقوه هو وصحبه بالأذى والاستهزاء، ولكن الندم لم يعرهم، لأنهم سادرون فى غيهم. وقد استولت عليهم العداوة، ومن استولى عليه العداء، وسيطرت البغضاء، لا يرعوى، ولا يتجه إلى الرجوع عما هو فيه، وكلما ازداد قوة ازداد حدة. ولا ندم من الحدة، لأن الندم شعور بسلطان الحق. وليس للحق سلطان فى قلوب المشركين الذين استمكن الشرك والتعصب فى قلوبهم، فلا تزيدهم مظاهر القوة فى الحق إلا عتوا واستكبارا، ولا ننسى أن المنافسة بين العشائر، والتنازع بين الشرف هى الأصل فى الإعراض، وتثبيت الكفر فى القلوب، وكلما ازدادت قوة الدعوة، حسبوا أن ذلك زيادة لشرف بنى هاشم أهل الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه.
ولذلك اشتد كلبهم على المسلمين الذين بين ظهرانيهم، لما رأوهم يخرجون إلى القوة يتجمعون بها، ولم يخرجوا فارين بدينهم، كما خرجوا فى هجرة الحبشة مرتين، بل هم فى هذه المرة يخرجون ليجمعوا قوة يستعصمون بها بتوفيق الله تعالى، وهدايته.
وذلك هو الفرق الواضح بين هجرتى الحبشة، وهجرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذلك لم ترعهم هجرتا الحبشة، بل أثارت إشفاق بعض قريش كعمر بن الخطاب، كما ذكرنا، أما الهجرة إلى يثرب، فلقد أزعجتهم، وأثارت غضبهم، وإن كان ثمة إشفاق، فعلى أنفسهم لا على غيرهم.
هذا شعور المشركين من قريش عندما بايع أهل يثرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أما شعور المؤمنين الصابرين فقد ابتدأوا يحسون بنصر الله تعالى لهم، وأنهم صار لهم قوة، تدفع عنهم وبهم ذل
стр. 440
الاستضعاف والاستهزاء، كما قال الله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.
النبى ﷺ يحرض المؤمنين على الهجرة:
٣١٨- أخذ رسول الله ﷺ من بعد البيعة الثانية- يحرض المؤمنين على الهجرة إلى يثرب. وأهل يثرب من الأوس والخزرج يدعون إلى دين الله تعالى، وينشرونه بين أهليهم وإخوانهم، حتى صاروا كثرة كاثرة فى المدينة، وصاروا هم أنصار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأصبحوا كالحواريين لعيسى ﵇، بيد أن الحواريين لم يكونوا عددا كثيرا، وكان الأنصار عددا كثيرا من بعد.
روى البخارى ومسلم بطرق مختلفة عن رسول الله ﵊ قال: «رأيت فى المنام أنى أهاجر إلى أرض بها نخل، وذهب وهمى إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هى يثرب» وروى الزهرى عن عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يومئذ بمكة المكرمة للمسلمين: «قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين» فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ورجع إلى المدينة من كان هاجر إلى الحبشة من المسلمين.
ويذكر ابن إسحاق في سيرة النبي ﷺ بروآياته أن الإذن بالهجرة أو الأمر بها ذكره الله سبحانه وتعالي في قوله تعالت كلماته: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ، وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ «١» .
ونري أن هذه الايات الكريمات نزلت بالمدينة، لأن سورة الحج مدنية، ولأن الايات تنبيء عن أنهم أخرجوا بالهجرة من ديارهم وأن الإذن من الله بالخروج والإخراج قبل الهجرة، والسبب مقدم علي المسبب وأن الأمر فيها إذن بالقتال، وهو بعد الهجرة، بعد أن صارت قوة متجمعة في يثرب التي صارت مدينة الرسول.
стр. 441
الإذن للمؤمنين بالهجرة .
٣١٩- أذن رسول الله ﷺ ، وبين لهم أن فى يثرب الإيواء والنصرة وقال ﷺ : «إن الله تعالى قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» .
بعد هذا الإذن الصريح الذى يكاد يكون أمرا، خرج المسلمون مهاجرين أرسالا، احادا وجماعات، ولم يجد المهاجرون السبيل ذللا سهلا، بل كانوا يجدون معوقين من قريش، لأن هؤلاء بعد أن علموا ببيعة الأنصار أدركوا أن المسلمين بمكة المكرمة يتجمعون بإخوانهم فى يثرب التى صارت مدينة رسول الله ﷺ فأخذوا يترصدون كل من هاجر، فإن استطاعوا منعه منعوه، فحاولوا أن يمنعوا أم سلمة وزوجها، وتركوه يهاجر دونها، وهى بإرادة مؤمنة صبرت وهاجرت واحدها، حتى وجدت من أهل المروءة من عاونها على هجرتها.
وأحيانا كانوا يتحايلون على المهاجرين بالكذب حتى يردوهم ثم يعذبوهم غير موفين بعهد أو ذمة، ولنضرب لذلك مثلا، بأحد المهاجرين وهو عياش بن أبى ربيعة.
يروى أن عياشا هذا عندما هم بالهجرة خرج إليه أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما، فتتبعاه، حتى قدم المدينة المنورة، والنبى ﷺ لم يكن قد هاجر بعد، بل كان لا يزال بمكة المكرمة وقالا له: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها، فقال له عمر وكان معه: «يا عياش إنه والله، إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو اذى أمك القمل لا متشطت، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فقال، وهو مخدوع: أبر أمي، ولى هناك مال فاخذه. قال له عمر: والله إنك لتعلم أنى لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالى ولا تذهب معهما. فلما أبى ذلك قال عمر الرفيق الشفيق، أما إذ فعلت ما فعلت، فخذ ناقتى هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من أمر القوم ريب، فانج عليها، فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخي، والله لقد استغلظت بعيرى هذا، أفلا تعقبنى على ناقتك هذه. قال: بلي، فأناخ وأناخها ليتحولا عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه، فأوثقاه رباطا، ثم دخلا به مكة المكرمة، ففتناه فافتتن، وخرج من الإسلام مكرها، وقلبه مطمئن بالإيمان.
وكان صاحب عمر فى الهجرة، ومعهما صاحب ثالث، وهو هشام بن العاص أدركه أهله قبل أن يصل إلى المدينة المنورة ففتنوه عن دينه ففتن.
قال عمر صاحب الرواية كلها، وكان قد صحبهما فى الهجرة، «كنا نقول لا يقبل الله ممن افتتن» وفى رواية عبد الله بن عمر عن أبيه قوله «ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا، ولا توبة؛ قوم عرفوا الله، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم» وكانوا يقولون هم لأنفسهم ذلك.
стр. 442
ولعل هذا الاعتقاد الذى سكن قلب عمر الفاروق، وسكن قلوب أولئك المؤمنين الأولين، إنما هو لكى يتحملوا أقصى ما يمكن من البلاء، وليكون صبرهم تحريضا لغيرهم، فقوة الإيمان تسرى من أقوياء النفوس إلى ضعفائها، وإن الماء العالى يهبط إلى السافل، لتتوازن النفوس كالسوائل.
لما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة أنزل الله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ، لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ، ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ.
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً، وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ «١» .
لما نزلت هذه الاية لم ينس عمر الكريم صاحبيه اللذين كانا على نية مرافقته، ورافقه أحدهما، ثم افتتن فى دينه وافتتن الاخر قبل أن يسافرا، ولأنه لم ينسهما أرسل إليهما فى صحيفة هذه الاية الكريمة، أرسلها إلى هشام بن العاص الذى افتتن أولا- فلما قرأها فهمها بعد أن استعصى عليه فهم ما يقصد عمر من كتابتها إليه، وعرف أنها أنزلت فيه وفى أمثاله، ممن كانوا قد قنطوا من رحمة الله تعالى.
وهناك رواية أخرى تقول: إن رسول الله ﷺ ، وهو بالمدينة المنورة، قال: من لى بعياش بن أبى ربيعة، وهشام بن العاص، فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله ﷺ بهما، فخرج إلى مكة المكرمة مستخفيا فلقى امرأة تحمل طعاما، فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد هذين المحبوسين (تعنيهما) ، فتبعها حتى عرف موضعهما، وكانا محبوسين فى بيت لا سقف له، فلما أمسى تسور عليهما، ثم أخذ ردة (أى خنجرا) فوضعها تحت قيديهما، ثم ضربهما بسيفه، فحل القيدان، ثم حملهما على بعيره.
٣٢٠- من أجل هذا التتبع الشديد من المشركين، كان المؤمنون يتسللون فى هجرتهم لواذا استخفاء من ظلم قريش، الذى انبعث من خوف تجمع المؤمنين بيثرب لينقضوا عليهم، ويمنعوهم من فتنة الناس فى دينهم، وكان الأقوياء منهم يختارون التستر ليظفروا بالهجرة فى أمان من الأذي، إلا عمر بن الخطاب الذى أبى إلا أن يجهر بالإيمان فى كل موطن من مواطن مكة المكرمة، وأبى الاستخفاء، فهو فى الهجرة أيضا أبى الاستخفاء، وخرج مجاهرا بالهجرة متحديا من يقف فى سبيله.
روى على بن أبى طالب كرم الله تعالى وجهه فى الجنة أنه قال: «ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب (رضى الله تعالى عنه) فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه،
стр. 443
وتنكب قوسه، وانتضى فى يديه أسهما، واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة الشريفة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا، ثم أتى المقام، فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة فقال:
شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه، أو ييتم ولده، أو ترمل امرأته، فليلقنى وراء هذا الوادى «١» .
وقد يسأل سائل: إن المشهور أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه صحب فى رحلته عياش ابن أبى ربيعة. وكان فى عزمته أن يصحبهما هشام بن العاص، فكيف نوفق بين هذه الرواية المشهورة ورواية على كرم الله وجهه؟ ونقول فى الجواب عن ذلك، إن الجمع بين الروايتين ممكن، ومتى أمكن الجمع يتعين تصديق الروايتين، إذ لا ترد إحداهما إلا إذا تعذر التوفيق بينهما.
والتوفيق ممكن وظاهر، إذ أن الصحبة كانت فى السفر، وواضح أن السفر يكون بعد اعتزام النية والإصرار، وقد كان متفقا معهما على أن يلتقيا معه فى مكان يقال له التناضب، من أضاة بنى غفار.
والواقعة التى رواها على كرم الله وجهه كانت وهو لا يزال بمكة المكرمة، وقد أعلن الهجرة، فهو قد قال ما قال معلنا هجرته، متحديا قريشا، ثم أخذ طريقه إلى المكان الذى اتعدوا فيه، فوجد عياشا، وتخلف عنهما هشام، إذ افتتن فى دينه، واستجاب لهم وقلبه مطمئن بالإيمان.
كانت هجرة المهاجرين سرا، أو على استخفاء من قريش.
وكانوا ينزلون فى مهجرهم على الأنصار، فينزلون معهم فى بيوتهم، فعمر بن الخطاب حين انتقل إلى المدينة المنورة ولحق به أهله وأخوه زيد بن الخطاب، وعمرو بن سراقة وغيرهم، نزلوا على رفاعة بن عبد المنذور بن زهير فى بنى عمرو بن عوف فى قباء. ونزل طلحة بن عبيد الله، وصهيب بن سنان، على خبيب بن أصاف، وهكذا غيرهم نزل فى منازل الذين اووا ونصروا، وكانوا يرحبون بهم، وكأنهم بين أهليهم وذويهم، لأن الإيمان الصادق جمعهم، ومحبة الله ورسوله ﵊ فاضت عليهم، فجعلتهم أحبابا على مائدة الرحمن، وقد علموا فضل إخوانهم المهاجرين الذين صبروا عند الصدمة الأولي، وأوذوا فى أنفسهم وأخرجوا من ديارهم وأموالهم، فجعل الله تعالى من خوفهم أمنا، ومن ذل ضعفائهم عزة، إذ اعتزوا بعزة الله تعالي، وكان بهم بتوفيق الله أن صارت كلمة الله تعالى هى العليا، وقد قال الله تعالى فى المهاجرين والأنصار:
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
стр. 444
مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «١» .
ويقول الله سبحانه تعالت كلماته: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «٢» .
فالسابقون الأولون هم الذين هاجروا فارين بدينهم، مجتمعين فى ظل الله تعالي، ولا ظل غيره، والأنصار الذين ولو هم فى السبق، وفتحوا لهم ديارهم، إذ فتحوا لهم قلوبهم، واثروهم على أنفسهم، أولئك لهم الفضل الأول فى السبق إلى اتباع الرسول ﵊، والذين دونهم اتبعوهم بإحسان؛ فهؤلاء لهم فضل السبق، والاخرون لهم فضل الاتباع.
هجرة النبى ﷺ
٣٢١- أخذ المسلمون يهاجرون زرافات وواحدانا مستخفين، وقليل منهم من هاجر معلنا، كما فعل عمر رضى الله تعالى عنه، فقد أعلن هجرته وتحداهم أن يمنعوه، وعلى كرم الله وجهه يخص عمر بأنه الذى أعلن وتحدي، ولعل ما انفرد به عمر رضى الله عنه هو هذا التحدى. ولا شك أن من الأقوياء من يعلن ولا يختفى، كسيد الشهداء حمزة بن المطلب، فما كان لمثل حمزة فى قوته وبأسه وإيمانه أن يختفى، وفوق ذلك فإن عشيرته من بنى هاشم وعلى رأسهم العباس بن عبد المطلب لا يرضون أن يرهقوا حمزة فى إرادته، أو لا يوافقوه على هجرته، وقد رضى العباس بهجرة الرسول ﷺ ، كما تدل على ذلك خطبته فى العقبة الثانية، حيث كانت البيعة الثانية على الإيواء والنصرة، بل لو سايرنا التصور العقلى المنطقى لقلنا أن العباس كان يرحب بهجرة حمزة ليكون بجوار ابن أخيه، ينصره مع الناصرين.
ما بقى من المؤمنين من يثبت أنهم لم يهاجروا قبل النبى ﷺ إلا على وأبو بكر، فأما على فهو مع النبى ﷺ وقد ثبت أنه هاجر بعد النبى بأمر منه صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يبقى من بعده ليرد الودائع، أما أبو بكر رضى الله تعالى عنه فقد كان يهم بالهجرة، والنبى ﷺ يستبقيه، ويشير إليه بمعاريض القول بأنه قد يكون صاحبه، ثانى اثنين.
стр. 445
لقد قال ابن إسحاق فى السيرة: «أقام رسول الله ﷺ بمكة المكرمة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له فى الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة المكرمة أحد من المهاجرين، إلا من حبس أو فتن إلا على بن أبى طالب، وأبو بكر بن أبى قحافة الصديق رضى الله عنهما، وكان أبو بكر كثيرا ما استأذن النبى ﷺ فى الهجرة، فيقول له رسول الله ﷺ : لا تعجل لعل الله تعالى يجعل لك صاحبا، فيطمع أبو بكر أن يكونه.
كان النبي ﷺ يستعد للهجرة منذ البيعة الأولى عندما التقى بالأوس والخزرج، بدليل هذه المبايعة، ثم كانت البيعة الثانية بيعة الإيواء والنصرة دليلا على أنه اعتزم الهجرة وأرادها، ثم من بعدها أذن رسول الله ﷺ ، أو أمرهم بأن يهاجروا، فهاجروا زرافات وواحدانا، مستخفين فى الأكثر، معلنين فى الأقل، فكانت الهجرة ترتيبا للدعوة، وخروجا من موطن لا قوة للإسلام فيه إلى بلد يكون للإسلام فيه قوة، ويكون له فيها السلطان لانشاء دولة إسلامية، فما كان من المعقول أن ينفذ النبى ﷺ مباديء الإسلام فى مكة المكرمة، وهى فى ظل الوثنية، ويحكمها مشركون، فالزكاة لا يمكن جمعها إلا فى ظل سلطان عادل يجمعها من الأغنياء، ويردها على الفقراء، وتنفيذ مباديء المساواة والإخاء، ودعوة المسلمين إلى التراحم ليكونوا أشداء على الكفار رحماء بينهم، وما كان يمكن أن يقيم الحدود الزاجرة، لبناء دولة فاضلة، ولا القصاص العادل، ولا لينظم المعاملات بين الناس على أساس من الرضا والعدل، وما كان ليحارب الربا الجاهلي، ما كان يمكن شيء من ذلك إلا فى ظل الله تعالي، وبدولة إسلامية تنفذ أوامر الله تعالي، وتبعد الناس عن نواهيه، وما كان يمكنه ﵊ أن يقيم رأيا عاما فاضلا، يقوم المنحرف، ويرشد المسترشد، ويكافيء المحسن إلا فى ظل دعائم الإسلام، ولتثبت أركانه، وتعم فى الوجود الإنسانى دعوته، وليست الهجرة جاءت بسبب حادث وقع، أو خوف لأمر متوقع.
ما اقترن بالهجرة المحمدية:
٣٢٢- اقترنت الهجرة بواقعة وقعت من قريش، فظن كثير من كتاب السيرة أن هذه الواقعة هى سبب الهجرة، وأن الهجرة كانت أمرا مسببا لها، ولكن الهجرة كانت أمرا مقررا، وتنظيما محكما.
يقول الله ﵎: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ «١» فهم يدبرون من جانبهم، والله تعالى يدبر أمرا، قد وجه النبى ﷺ إليه، وهو الهجرة، والأمر الذى مكروا به وتامروا عليه خلاصته ما ذكرته الاية الشريفة.
стр. 446
رأى المشركون أن مكة المكرمة قد خرج منها الذين اتبعوا محمدا ﵊، ليتجمعوا، وليكونوا مع أهل يثرب قوة تقاوم الشرك وتنقض على المشركين، وأنهم بلا ريب أشد أعداء محمد ﵊ وأتباعه، فلابد أن تكون تلك القوة عليهم، وأن عليهم أن يتداركوا الأمر قبل أن يستفحل، وأن تتحقق المارب.
وإذا كان الأتباع قد هاجروا، ولم يبق إلا ضعيف أو عبد، فإن محمدا ﵊ لا يزال بين ظهرانيهم، وهو الرأس وغيره أتباع، فإذا نالوا منه، فقد تحقق مأربهم.
قال ابن إسحاق فى سيرته: لما رأت قريش أن رسول الله ﷺ ، قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم، وغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم- عرفوا أنهم أصابوا دارا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم.
اجتمعوا فى دار الندوة، وهى دار قصى بن كلاب، وكانت مجتمع أمر قريش، لا يقضون أمرا ذا بال إلا فيها، اجتمع فى الندوة كبراء قريش، ودلف عليهم رجل من نجد، حضر جمعهم، قيل إنه إبليس، وإن لم يكن هو فهو مثله خبثا.
تشاوروا فى أمر محمد ﷺ ، وقال بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا.
فقال قائل منهم: احبسوه فى الحديد، وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذى كانوا قبله، ومن مضى منهم من هذا الموت.
قال الشيخ النجدي: ما هذا لكم برأي، ولئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا إليكم، لينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به، حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأى فانظروا فى غيره.
فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا، فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا، فو الله ما نبالى أين ذهب، ولا حيث وقع، إن غاب عنا، وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
فقال الشيخ النجدى: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به، فو الله لو فعلتم ما أمنتم أن يحل على حى من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم، حتى يطأكم بهم فى بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، فروا فيه رأيا غير هذا.
стр. 447
فقال أبو جهل بن هشام، والله إن لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟
قال: أري أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا نسيبا وسيطا فتيا، ثم نعطى كل واحد منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم اذا فعلوا ذلك تفرق دمه فى القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فيرضوا منه بالعقل (أى الدية) فعقلناه لهم.
قال الشيخ النجدى: القول ما قال هذا الرجل، هذا الرأى الذى لا رأى غيره.
انتهوا إلى ذلك فأعلم الله تعالى نبيه بما دبروا، وأمره ألا ينام الليلة على فراشه.
تنفيذ المؤامرة:
٣٢٣- إن القوم ائتمروا بالنبى ﷺ ليقتلوه، ولكن الله تعالى أعلم النبى ﷺ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ولقد روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن ابن عباس أن أمر رسول الله ﷺ بالهجرة كان فى ذلك الوقت، ونزل قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً «١» وأن دخول الصدق كان بدخول المدينة المنورة، والخروج مخرج صدق كان بالهجرة من مكة المكرمة، كما فسر قتادة، وهكذا كان خروجه من مكة المكرمة وهى أحب أرض الله تعالى إليه لدعوة الحق ولنصرته وإعزازه، وكان دخوله المدينة المنورة صدقا، لأنه بسبب إرادة نصرة الحق، وإعلاء شأنه، فخروجه صدق، ودخوله صدق، وكلاهما حق.
إن قريشا فى عتمة الليل الذى بيتوا فيه تنفيذ مؤامرتهم بقتل محمد رسول الله ﷺ قد أحاطوا بداره، ليقتلوه إذ يخرج إليهم، ولم يحاولوا أن يدخلوا إلى منامه، وقال السهيلى فى تعليل ذلك. وذكر بعض أهل التفسير السبب المانع لهم من التقحم عليه فى الدار، مع قصر الجدار، وأنهم إنما جاؤا لقتله، فذكر فى الخبر أنهم هموا بالولوج عليه فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها للسبة فى العرب أن يتحدث عنا أننا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا سر حرمتنا. فهذا هو الذى أقامهم بالباب، وأصبحوا ينتظرون خروجه.
عندما أعلم الله نبيه ﷺ بأمرهم كان محملا أمانات من القوم، فكانت عنده ودائع الناس، وليس بمكة المكرمة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عند النبى ﷺ ، لما يعلم من صدقه وأمانته، وكان ذلك مع شدة العداوة والمناوأة من كبرياء المشركين.
стр. 448
ولذلك خلف عليا رضى الله تعالى عنه، وكرم الله تعالى وجهه فى الجنة، وجعله ينام فى مكان نومه ﷺ ، وقال لعلى كرم الله وجهه: نم على فراشي، وتسجّ ببردى هذا الحضرمي، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، فنام على المؤمن المصدق لرسول الله ﷺ ، وهو الشجاع الجلد القوى الذى لا يهاب الموت فى سبيل الله، وكان إذ ذاك فى نحو الثالثة والعشرين، أو الثانية والعشرين.
اجتمع المشركون فى العتمة:
روى ابن إسحاق بسنده عن كعب القرظى أنهم لما اجتمعوا له ﵊، وفيهم أبو جهل قال أبو جهل؛ وهم على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم، ثم جعلت لكم نارا تحرقون فيها. فخرج رسول الله ﷺ ، فأخذ حفنة من تراب، ثم قال:
نعم أقول ذلك وأنت أحدهم، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤسهم، وهو يتلو: يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ، فَهُمْ غافِلُونَ. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا، وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا، فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ «١» .
مر بهم رسول الله ﷺ وهم لم يروه، وقرأ عليهم هذه الايات، وسواء أصحت الرواية التى تقول، أنه خاطبهم أم لم تصح، فإنها لم تغير من اللب شيئا، بل الحقيقة أنه مر عليهم، وتلا عليهم تلك الايات البينات، وحثا التراب فى وجوههم، وانصرف النبى ﷺ إلى حيث كان على موعد مع صاحبه الصديق.
أما المشركون المؤتمرون الذين كانوا يريدون قتل الرسول ﷺ ، فإنهم استمروا فى موقفهم منتظرين النبى ﷺ أن يخرج ليقتلوه، حتى أتاهم ات ممن لم يكن معهم، ويظهر أنه قد رأى رسول الله ﷺ قد خرج. فقال لهم: ما تنتظرون ها هنا؟ فقالوا: محمدا، فقال: خيبكم الله، والله قد خرج محمد عليكم ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم مضى لحاجته، أما ترون ما بكم، فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ولكنهم مع ذلك لم يصدقوا هذا الرجل الذى أتاهم، فجعلوا يتطلعون، فيرون عليا فى الفراش، متسجيا ببرد رسول الله ﷺ ، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك، حتى أصبحوا، فقام على من الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذى حدثنا.
стр. 449
النبى ﷺ مع صاحبه إلي الهجرة وطريقهما:
٣٢٤- كان أبو بكر يريد الهجرة كما هاجر أصحاب النبى ﷺ ، فكلما هم بالهجرة قال له النبى ﷺ لا تعجل. ويقول ابن إسحاق: استأذن أبو بكر رسول الله ﷺ فى الهجرة، فى الهجرة، فقال له: «لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا» وقد طمع أبو بكر أن يكون رسول الله ﷺ ، إنما يعنى نفسه، ولقد عظم ذلك الظن فى نفسه، فابتاع راحلتين، فحبسهما فى داره، يعلفهما إعدادا لذلك، وكان رسول الله ﷺ يأتى كل يوم إلى بيت أبى بكر فى طرفى النهار إما بكرة، وإما عشية، كما تروى عائشة رضى الله تعالى عنها، وتقول: حتى إذا كان اليوم الذى أذن فيه للنبى بالهجرة، والخروج من مكة المكرمة من بين ظهرى قومه أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة فى ساعة كان لا يأتى فيها، فلما راه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله ﷺ فى هذه الساعة إلا لأمر حدث.... قال الرسول ﷺ لأبى بكر: إن الله قد أذن لى فى الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال رسول الله: الصحبة» .
قالت راوية الخبر: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي، ثم قال: يا نبى الله، إن هاتين راحلتان كنت أعددتهما لهذا.
كان هذا فى الليلة التى أعلم الله نبيه ﷺ بما يأتمر به القوم، وأذن لرسول الله ﷺ ، فلما خرج، وقد غشى الله تعالى على أبصارهم كانت الرحلة الشاقة، وكانت الهجرة المباركة، وقد أخذت لها الأهبة، وأعدت لها العدة.
عندما أخبر الرسول ﷺ أبا بكر بإذن ربه له بالهجرة، وأخبره ﵊ بالصحبة تجمعهما، قال الصديق: «يا نبى الله إن هاتين راحلتان كنت أعددتهما لهذا»
وقد استأجر أبو بكر عبد الله بن أريقط، وكان لا يزال على الشرك، وأبوه من بنى بكر، وأمه من بنى سهم بن عمرو، قد استأجره أبو بكر ليكون دليلهما فى الرحلة، وقد دفع إليه أبو بكر الراحلتين، فكانتا عنده يعدهما ويرعاهما حتى يحل ميعاد الخروج عليهما، ويروى أنه أهدى فضلاهما لرسول الله ﷺ ، فسأله الرسول ﵊ عن ثمنها، فذكره، وقال هى لك.
وكان الميعاد بينهما وخرج رسول الله ﷺ هو وأبو بكر، خرج من خوخة لأبى بكر فى ظهر بيته. وذلك للإمعان فى الاستخفاء حتى لا تتبعهما قريش، وتمنعهما من تلك الرحلة المباركة، وقد اتعدا مع الدليل على أن يلقاهما فى غار ثور بعد ثلاث ليال.
стр. 450
وقد دعا النبى ﷺ فيما روى ابن نعيم قائلا: «الحمد لله الذى خلقني، ولم أك شيئا، اللهم أعنى على هول الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب الليالى والأيام، اللهم اصحبنى فى سفري، واخلفنى فى أهلي، وبارك لى فيما رزقتنى، ولك فأذلني، وعلى صالح خلقى فقومني، وإليك ربى فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذى أشرقت له السماوات والأرض وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والاخرين أن تحل على غضبك، وتنزل بى سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحول عافيتك، لك العتبى عندى خير ما استطعت، ولا حول ولا قوة الا بك» .
ومن قوله ﵊ حين خرج من مكة المكرمة، ونظر إلى البيت «إنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت» وإخراجهم كان بالأذى ومنع الدعوة.
بهذا الدعاء الضارع ابتدأ رسول الله ﷺ رحلته المباركة التى اتت أكلها للإنسانية كلها، لأنها كانت ابتداء عموم الدعوة.
وقد كانت فكرة الهجرة بعد العقبة الثانية وفى عامها، فقد انتهى الحج، وابتدأ التفكير فى الهجرة النبوية، وقد هاجر المؤمنون قبله، وقالوا إن هجرته ﵊ لم تكن فى المحرم ولا فى صفر، ولكن قد ابتدأت، ولعلها ابتدأت مع ابتدائه، وقد وصلوا إلى المدينة المنورة فى الثانى عشر من ربيع الأول على أصح الروايات، وكانت فى يوم الاثنين.
ولقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: «ولد نبيكم يوم الاثنين، ونبيء يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين» .
فى غار ثور:
٣٢٥- كانت الهجرة هى النصر الأول، بل هى أعظم النصر، لأن النصر الذى جاء من بعدها كان ثمرة لها، فهى باب للفتح، ولقد عدها الله النصر الأول، وذكر محمدا ﷺ وصاحبه فى غار ثور هذا، إذ قال الله تعالت كلماته: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ، إِذْ هُما فِي الْغارِ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «١» .
стр. 451
خرج النبى ﷺ إلى غار ثور، وهو على مسافة من مكة المكرمة بأسفله، وسار هو وصاحبه الصديق فجعل أبو بكر يكون أمام النبى ﷺ مرة، وخلفه مرة، فسأله النبى ﷺ عن ذلك، فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك. ويروى أنه قال إذا كنت أمامك خشيت الطلب، وإذا كنت خلفك خشيت الرصد.
وروى البيهقى عن عمر بن الخطاب قال: «لقد خرج رسول الله ﷺ ليلة انطلق إلى الغار، ومعه أبو بكر، فجعل يمشى ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله ﷺ ، فقال: «يا أبا بكر مالك تمشى ساعة خلفي، وساعة بين يدي، فقال: يا رسول الله أذكر الطلب، فأمشى خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشى بين يديك، فقال النبى ﷺ : يا أبا بكر، لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني. قال:
نعم، والذى بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار. قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبريء لك الغار فدخل حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبريء الجحر، فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبريء، فدخل فاستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل، قال عمر: والذى نفسى بيده، لتلك الليلة خير من ال عمر» «١»
مكث رسول الله ﷺ مطمئنا إلى وعد الله تعالي، راضيا بالمشقة فى سبيل الدعوة، وتبليغ الرسالة، وقد رضى أن يفارق مكة المكرمة، وهى أحب بلاد الله تعالى فى سبيل اقامة الدولة الإسلامية، التى لم يمكنه أهلها من الدعوة، وحاولوا قتله، وكانت هذه المحاولة مع عنادهم، وكفرهم، وجحودهم بالايات سببا فى أن يخرج يريد أرضا لدولة الإسلام فى غيرها.
علم المشركون، أو العتاة منهم أن رسول الله ﷺ خرج، وأن الذى نام مكانه علي، وأنهم ترصدوا عليا، وهم يحسبون أنهم يترصدون النبى ﵊ ليقتلوه، حاولوا أن يعرفوا من على أين ذهب النبى ﷺ ، فلم يجدوا عنده ما يطلبون، فأخذوا يتقصون أثره، ويتأثرون خطاه ليعرفوا أين يكون، وأطلقوا فى الأسواق والأماكن من يأتى به حيا أو ميتا وقد اقتفوا أثره، وتتبعوه، حتى وصل بهم الأمر إلى جبل ثور الذى بغاره الصاحبان، ولكن اية الله تعالى أن جعلت العنكبوت ينسج نسيجه، وكأنه من سنين، وأن حمامتين عششتا على بابه، فكانت اية حسية من خوارق العادات، ولكن النبى ﷺ لم يتحدث لإثبات نبوته إلا بالقران الكريم، لأنه المعجزه الكبرى الباقية إلى يوم الدين. وهو حجة على الخليقة فى كل الأجيال، ولكل الأجناس.
جاء رجال قريش يطلبون النبى ﷺ ، وقد انتهى بهم الأثر الى الغار، ولكنهم، وجدوا ما وجدوا وقالوا إذ رأوا نسج العنكبوت: لم يدخل أحد. وهم لو ألقوا بأنظارهم إلى داخله لرأوا الرسول وصاحبه، ولكن
стр. 452
صرف الله تعالى أنظارهم، والنبى ﷺ أمن مطمئن، ولذا كان قائما يصلي، وأبو بكر يرتقب، فلما أتم النبى ﷺ صلاته، قال أبو بكر خائفا على النبى ﵊ «إن قومك يطلبونك أما والله أنى لأئل «١» على نفسي، ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره» ، فقال له النبى ﷺ : «لا تخف إن الله معنا» .
هذا ما كان من القوم، وما كان يجرى داخل الغار، وكان أبو بكر قد دبر الأمر بالنسبة للرسول ﷺ ، لقد كلف ابنه عبد الله أن يأتيهما وهما فى الغار بأخبار قريش، وما تدبر من أمرها، وهو غلام شاب ثقف مدرك لقن، فيدلج من عندهما فيصبح مع قريش بمكة المكرمة، ولا يسمع أمرا يكيدون به لرسول الله ﷺ وصاحبه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه، فيريحها عليهما وهما فى الغار، وذلك فى ساعة العشاء، فيبيتان وأرسال لبن الغنم تصل إليهما، حتى إذا جاء الغلس، أخذ عامر بن فهيرة الغنم، وعاد إلى مكة المكرمة، فيكون من اللبن غذاء، ويذهب سير الغنم باثار من يجيئون إلى الغار، حاملين أخبارا، أو حاملين طعاما.
وكانت أسماء بنت أبى بكر تعد لهما سفرة من الطعام فى جراب، ولما لم تجد ما تربط به قطعت نطاقها، فربطت بقطعة منه على فم الجراب، ولذلك سميت ذات النطاقين، وكانت تذهب بالطعام لرسول الله ﷺ وصاحبه كل يوم، أو كلما أمكنتها الفرصة.
سراقة والسير إلى المدينة المنورة:
٣٢٦- مكث النبى ﷺ فى الغار ثلاث ليال، حتى يسكن طلب قريش، ويئسوا من أن يصلوا إليه، ﷺ ، وبعدها خرجا قاصدين إلى المدينة المنورة، ومعهما دليلهما المشرك، ولكنه كان أمينا عليهما، غير مدلس ولا مماليء؛ فسلك بهما طريق الساحل، حتى لا يتبعهم أحد من قريش، لأنهم لا يتصورون أنه يسلك هذا الطريق وهم يتتبعونه، ويقتفون طريقه، وقد جعلوا لمن يعود به حيا أو ميتا مائة ناقة كما أشرنا من قبل.
وقد طمع سراقة بن مالك بن جعشم فى أن ينالها، وقد روى ابن إسحاق عنه أنه قال:
«لما خرج رسول الله ﷺ من مكة المكرمة مهاجرا، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم.
فبينما أنا جالس فى نادى قومي، إذ أقبل رجل منا.. فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا على انفا، إنى لأراهم محمدا وأصحابه، فأومأت إليه بعينى أن اسكت، ثم مكثت قليلا ... ثم أمرت بفرسى..
وأمرت بسلاحى. ثم أخذت قداحى أستقسم بها، ثم انطلقت فلبست لأمتى «٢» ، فاستقسمت،
стр. 453
فخرج السهم الذى أكره، وكنت أرجو أن أرده على قريش، فاخذ مائة الناقة،. فركبت على أثره، فبينما فرسى يشتد عثر بي، فسقطت عنه، فقلت: ما هذا، ثم أخرجت القداح فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره، فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت فى أثره فبينما فرسى يشتد عثر بي، فسقطت عنه فقلت ما هذا ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فركبت فى أثره، فلما بدا القوم ورأيتهم عثر بى فرسي، فذهبت يداه فى الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يداه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع عني، وأنه ظاهر، فناديت القوم، فقلت: أنا سراقة بن جعشم، أنظرونى أكلمكم، فو الله لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. فقال رسول الله ﷺ : وماذا تبغي منا؟
قلت: تكتب كتابا يكون بينى وبينك» .
يلاحظ أنه ذكر له ما كان يسعى إليه، ولكنه عندما رأى ما رأى، وعلم اليقين فى الرسالة، استوثق من أن محمدا ﷺ منصور بأمر الله تعالي.
فكتب رسول الله ﷺ كتابا، ثم ألقاه إليه.
وقد استمر سراقة حافظا لهذا الكتاب، حتى جاء الفتح المبين بفتح مكة المكرمة، ثم فرغ رسول الله ﷺ من حنين والطائف ذهب سراقة إلى رسول الله ﷺ بالكتاب، ويقول فى ذلك «دنوت من رسول الله ﷺ ، فرفعت يدى بالكتاب، وقلت يا رسول الله، هذا كتابك لى، أنا سراقة بن جعشم، فقال رسول الله ﷺ «هذا يوم وفاء» .
أعلن سراقة إسلامه، ويظهر أنه كان مؤمنا بصدق النبى ﷺ من يوم أن رأى ما رأى، ولذلك أراد أن يأخذ هذا الكتاب.
وقد سأل النبى ﷺ عن سقى الإبل الضالة قائلا: الضالة من الابل يغشى حياضى، وقد ملأتها الإبل هل لى من أجر فى أن أسقيها؟
قال الرسول ﵊ الرحيم: «نعم فى كل ذات كبد حرى أجر» .
ولقد حسن إسلامه فرجع إلى قومه، وساق إلى رسول الله ﷺ صدقته.
الركب يسير فى طريق وعر:
٣٢٧- لم تكن الرحلة المباركة سهلة، لأن الطريق فى الصحراء، ليس سهلا فى ذاته، بل هو طريق وعث تجتاز فيه الرمال والوهاد والاكام، وقد اختار الدليل طريقا هو أشد طرق الصحراء وعورة، وذلك لكيلا تتبعهم قريش إذا سار فى الطريق الذى ألفوا السير فيه، وقد يكون معبدا إلى حد مناسب للصحراء.
стр. 454
لقد سلك بهم طريق الساحل، ولم يكن مألوفا فى الوصول إلى يثرب منه، ولنترك الكلمة لابن إسحاق فى سيرته يذكر الأماكن التى مر بها فهو يقول:
«لما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط (أريقط) سلك بهما أسفل مكة المكرمة، ثم مضى بهما (النبى ﷺ وأبى بكر) على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج، ثم استجار بهما حتى عارض بهما الطريق، بعد أن أجاز قديدا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما الخرار ثم سلك بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا، ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة محاج «١» ، ويقال له مجاج، ثم سلك بهما مرجع مجاج، ثم تبطن بهما مرجع ذى العضوين، ثم بطن ذى كشر، ثم أخذ بهما على الجداجد، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما سلم، من بطن أعداد مدلجة تعهن (وزن فعلل) اسم عين ماء، ثم على العبابيد.. ثم أجاز بهما الفاحة» .
قال ابن هشام: «ثم هبط بهما العرج، وقد أبطأ عليهما بعض ظهرهما. فحمل رسول الله ﷺ ، رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر، على جمل له يقال له ابن الرداء- إلى المدينة، وبعث معه غلاما له يقال له مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية الفا عن يمين ركوبه، حتى هبط بهما بطن رئم، ثم قدم بهما قباء لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين، حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل» «٢» .
هذا هو البيان الذى ذكرت فيه أسماء الأماكن التى مر بها ذلك الركب المبارك، فما ذكر كله أسماء أماكن فى الصحراء العربية، وهى مجاهل فيها، ما كان ليعلمها إلا خبير بها، وهو ذلك الدليل الذى كان عليما بها، وكان أمينا على من معه مع بقائه على الشرك.
وهذا البيان يدل على مقدار صعوبة الرحلة، حتى أجهدت الرواحل، واضطر النبى ﷺ إلي تغيير الراحلة.
أم معبد:
٣٢٨- هذا خبر عن امرأة نقية طاهرة مخلصة، التقى بها النبى ﷺ فى القديد فى أثناء رحلته، وقد ظهر فى لقائه بها ﵊ من خوارق العادات، مما يضاف إلى خارقة خروجه ﵊، وقد وضع الله تعالى على بصرهم غشاوة، فلم يروه، ويضاف نسج العنكبوت فى الغار، وإلى تعشيش الحمام عليه، وإلى غوص قوائم فرس سراقة، وعثرته عدة مرات.
стр. 455
فإن كل هذه خوارق عادات حسية، لا تقل عن معجزات موسى وعيسى الحسية، ولكن النبى ﷺ لم يتحد قريشا بها، ولم يتحد الوجود الإنسانى بها، بل تحداه بالقران الكريم المعجزة الكبرى.
والخارق الذى بدا فى المرور على أم معبد، هو أن اللبن در من شاة عجفاء حائل لا لبن فيها، وسقى جميع الركب، وتكرر السقى، وشاركهم أهل المنزل الذى نزل فيه النبى ﷺ ، وإليك القصة كما رواها البيهقى بسنده عن أبى معبد الخزاعى:
«أن رسول الله ﷺ خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثى، فمروا بخيمتى أم معبد الخزاعية، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة، تحتبى بفناء الخيمة فسألوها هل عندها لحم أو لبن، يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك، وقالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، وإذ القوم مرملون مسنتون (أى فى سنة جدب) .
فنظر رسول الله ﷺ فإذا شاة فى كسر خيمتها، فقال ﵊: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت: هى شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال ﵊: فهل بها من لبن؟ فقالت هى أجهد من ذلك. قال ﵊: تأذنين لى أن أحلبها؟ قالت: إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسح ضرعها، وذكر اسم الله تعالي، ودعا بإناء لها يريض الرهط «١» ، فتفاجت واجترت فحلب منها ثجا حتى ملأه، وأرسله إليها، فسقاها، وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل «٢» ، حتنى اذا أرووا شرب (أى ﵊ اخرهم، وقال: ساقى القوم اخرهم، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء، فغادروه عندها، ثم ارتحلوا. فما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزات عجفا يتساوكن هزلا لا نقى بهن «٣» ، فلما رأى اللبن عجب، وقال: من أين هذا اللبن يا أم معبد، ولا حلوبة فى البيت، والشاة عازب؟ فقالت: لا، والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت، وكيت، فقال: صفيه، فو الله إنى لأراه صاحب قريش الذى تطلبه، فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه تجلة، ولم تزر به صعلة «٤» ، قسيم وسيم، فى عينيه دعج، وفى أشفاره وطف، وفى صوته صحل، أكحل، أزج، أقرن (أى سيد) فى عنقه سطع، وفى لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار وإذا تكلم سما، وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر، ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم
стр. 456
يتحدرن، أبهى الناس وأحلمهم من بعيد، وأحسنهم من قريب، ربعة، لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفود، محسود، لا عابس ولا مفند.
فقال بعلها: هذا والله صاحب قريش الذى تطلب، ولو صادفته لألتمسن أن أصحبه، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
هذه قصة أم معبد. وهذه أقوالها، وقد أشرنا إلى ذلك فى صفات النبى ﷺ ، واسمها كما جاء فى كتب السيرة عاتكة بنت خلف بن معد بن ربيعة بن أضرم. وأبو معبد زوجها- اسمه أكثم بن العزى ابن معبد بن ربيعة بن أضرم، فهو من أبناء عمومتها، وقيل أنه أسلم، وهاجر.
خوارق أخرى:
٣٢٩- سار الرائد الذى سلك بالنبى ﵊ وصاحبه غير الطريق الجاد، وسار فى طريق غير مطروق، مر بأماكن كثيرة وقد حدثت فى هذه الطريق خوارق للنبى ﷺ ، وكلها يتعلق بمسير السائر فى الصحراء، وحاجته إلى الزاده والماء، فكانت الخوارق تجيء مناسبة لذلك.
وقد روى البيهقى بسند عن قيس بن النعمان قال: «لما انطلق رسول الله ﷺ ، وأبو بكر رضى الله تعالى عنه مستخفين، مروا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن فقال ما عندى شاة تحلب، غير أن هناك عناقا حملت أول الشتاء وقد أخدجت «١» ، وما بقى لها من لبن، فقال ﵊: ادع بها، فدعا بها، فاعتقلها النبى ﷺ ، ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بوعاء فحلب، فسقى ﵊ أبا بكر، ثم حلب، فسقى الراعى، ثم حلب، فشرب ﷺ . أخذ العجب الراعى فقال:
من أنت، فو الله ما رأيت مثلك قط، قال ﵊: «وتراك تكتم على حتى أخبرك؟ قال نعم، قال النبى ﷺ فإنى محمد رسول الله ﷺ . فقال الراعى المخلص: أنت الذى تزعم قريش أنه صابيء!! قال إنهم ليقولون ذلك، قال فإنى أشهد أنك نبى، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبى، وأنا متبعك، قال النبى ﷺ : «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا فإذا بلغك أنى قد ظهرت فأتنا» .
وقد روى هذا أيضا أبو يعلى.
стр. 457
وروى أبو نعيم بسنده عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعتبة بن أبى معيط بمكة، فأتى رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وقد فرا من المشركين، فقال ﷺ «يا غلام عندك لبن تسقينا» فقلت: إنى مؤتمن، ولست بساقيكما فقال: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟
قلت: نعم، فأتيتهما بها، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع، فدعا، فحفل الضرع. وجاء أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، وسقيانى، ثم قال للضرع أقلص فقلص، فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: علمنى من هذا القول الطيب: يعنى القران الكريم، فقال رسول الله ﷺ :
«إنك غلام معلم، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعنى فيها أحد» .
وهذه القصة لعلماء السيرة فيها كلام، وذلك أن ابن مسعود رضى الله عنه كان من المسلمين الذين أسلموا قبل الهجرة، وأوذوا فى سبيل الله، وهاجر إلى الحبشة، والقصة توهم أنه كان إسلامه فى أثناء رحلة النبى ﷺ .
وكلام علماء السيرة، لا يمنع أصل القصة، ولب الخوارق للعادة، فإن ذلك ثابت فى الصحاح، وربما كان الكلام منصبا على السياق، لا على أصل الواقعة وغيره ثابت بلا ريب.
وقد سقنا ذلك الكلام، وليس فيه تطويل، لأنه صدق، ولا تطويل فى نقل الصادق من الأخبار.
وإن هذا كله يدل على أن سيدنا رسول الله ﷺ قد جاء على يديه من الخوارق الحسية ما يزيد على التسع التى اختص بها موسى ﵇، إذ أحيا الموتى باذن الله، وإذ أخرجها من قبورها بإذن الله، واختلاف النوع لا يدل على ضعف الروحانية فى خوارق محمد ﷺ ، فالإسراء والمعراج خارق للعادة مادى روحى، وغوص فرس سراقة، ونبع اللبن بين أصابعه وتكرره يدل على قوة روحية لا تقل عن إحياء الموتى، ومع ذلك لم يتحد النبى ﷺ إلا بالقران الكريم أنزله عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً.
وصول النبى ﷺ إلى قباء
استمر الركب المبارك محمد ﷺ وصاحبه سائرا فى طريق وعر فى وعثاء الصحراء، وقد استطال فرارا من الطلب، وايات الله تتبعها اية، وكثرت فى الطريق، وتوالت، ليعلم النبى ﷺ بالواقع أن الله معه حيث حل وحيث ارتحل، كما علم من قبل بعين الإيمان، إذ قال لصاحبه وهو بالغار، لا تحزن إن الله معنا. فأراه الله تعالى الايات فى رحلته، كما أراه الايات فى نبوته.
وقد انتهت شدة الرحلة بالوصول إلى قباء، حيث المنعة والنصرة، وحيث لقاء أهل الإيمان الذين كانوا يترقبون شخصه، ويستشرفون لحلوله بينهم.
يقرر ابن إسحاق بسنده فى هذا عن عبد الرحمن بن عويمر بن ساعدة، قال: حدثنى رجال من قومى من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله ﷺ من مكة المكرمة وتوقعنا
стр. 458
قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننظر رسول الله ﷺ ، فو الله ما يبرح حتى تعلينا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك فى أيام حارة، حتى إذا كان اليوم الذى قدم فيه رسول الله ﷺ ، جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا ... وقدم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت، فكان أول من راه رجل يهودى، وقد رأى ما كنا نصنع، وأن ننظر قدوم رسول الله ﷺ علينا.
فصرخ بأعلى صوته يا بنى قيلة (الأنصار) هذا جدكم قد جاء، فخرجنا إلى رسول الله ﷺ ، وهو فى ظل نخلة، ومعه أبو بكر رضى الله عنه فى مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله ﷺ ، وركبه الناس أى (ازدحموا) عليه وما يعرفونه من أبى بكر، حتى زال الظل عن رسول الله ﷺ ، فقام أبو بكر، فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك.
نزل رسول الله ﷺ ، فيما يذكر علماء السيرة الطاهرة على كلثوم بن هند، وبعض العلماء يقول أنه نزل عند سعد بن خيثمة، وقد وفق ابن إسحاق وغيره بين الخبرين، فقال إنه ﷺ نزل عند كلثوم، ولكنه كان إذا خرج للناس وجلسوا إليه، كان ذلك فى بيت سعد.
ولقد جاءت عبارات تفيد أنه كان يختار الجلوس فى بيت سعد، لأنه كان عزبا لا أهل له، وكان منزله منزل الأعزاب من المهاجرين.
ونزل صاحب رسول الله ﷺ أبو بكر على خبيب بن أساف.
وفى قباء التقى علي بن أبى طالب برسول الله ﷺ إذ مكث ثلاث ليال وأيامها بمكة المكرمة بعد رسول الله ﷺ لرد الودائع، ثم أخذ سمته إلى يثرب، وكأنه أقام فى مكة المكرمة بعد الرسول ﵊ المدة التى مكثها النبى وصاحبه فى الغار إذ أنهما مكثا فى الغار ثلاث ليال.
ونزل على كرم الله وجهه فى المنزل الذى نزل فيه النبى ﷺ ، وهو منزل كلثوم بن هند، ويظهر أن حضوره إلى قباء كان بعد حضور النبى ﷺ بليلة على الأقل، لأنه أقام بقباء ليلة أو ليلتين، وقد ذكر ابن إسحاق أنه أقام فى قباء أربعة أيام بلياليها، فذكر أنه أقام يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفى هذه المدة التى أقامها بقباء أنشأ مسجدها، وهو الذى أشار الله تعالى إليه فى قوله تعالى:.. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ «١» ، فهو مسجد أسس على التقوى من أول يوم أقام فيه النبى ﷺ ، وهو جدير بأن يسمى مسجد الهجرة، وأنه مسجد الذين يحبون أن يتطهروا فى عبادتهم غير مرائين ولا منافقين. ولقد كان رسول الله ﷺ وصل فى اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول، وكان يوم الاثنين، وقيل فى اليوم التالى، والأول هو الذى يرجحه الرواة.
стр. 459
دخول المدينة
٣٣١- كان دخول رسول الله ﷺ المدينة يوما مباركا على أهل المدينة المنورة، وعلى الأخلاف، وعلى الخليقة كلها، لأنه اليوم الذى انتقل فيه الإسلام من الدعوة فى مكة المكرمة وما حولها، غير معلم بنظام ثابت مقرر عام بل كانت الدعوة فى دائرة العقيدة، وبيانها، وبيان ما يتعلق بها، من غير أن تكون نظاما مفروضا يتبع وينفذ، انتقل الإسلام من ذلك الحيز إلى عموم الدعوة فعلا، للبلاد العربية، فى كل صقع من أصقاعها، ثم تجاوز حيز العرب، إلى الدول المجاورة، ومنها انساب إلى ما وراءها من إقليم إلى إقليم.
ولقد أحس أهل المدينة المنورة بما حباهم الله به من فضل، وبما اختص المدينة من شرف، إذ صارت موطن الإيواء والنصرة أولا، وموطن النظام الإسلامى ثانيا، والمكان الذى يأرز إليه الإسلام ثالثا، وأحست بأن الوثنية اذنت بأفول، وأن اليهود فيها صاروا لا يتطاولون بعلم علموه، أو كتاب سبقوهم به.
ولذا خرج الناس مهللين مكبرين بمقدم النبى ﷺ يستقبلون من يرونه فيه الهداية فرحين واجدين فى مقدمه العزة والكرامة، والإخلاص والطهر من الوثنية.
روى الشيخان البخارى ومسلم بالسند المتصل عن أبى بكر رضى الله تعالى عنه أنه قال: «خرج الناس حين قدمنا المدينة فى الطريق، وعلى البيوت الغلمان والخدم يقولون: «الله أكبر جاء رسول الله ﷺ ، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله، فلما أصبح انطلق، وذهب حيث أمر» .
وروى البيهقى فى دلائل النبوة، وأبو بكر المقرى فى الشمائل، والطبرى فى الرياض، عن ابن عائشة، واسمه عبيد الله بن محمد بن حفص، وأمه عائشة بنت طلحة، أنه صعدت ذوات الخدور تعلن تهنئة له حال دخوله:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع «١»
روى هذا الخبر فى سنن الترمذى والنسائى عن السائب بن يزيد.
стр. 460
هذا استقبال رائع- صحبه تكبير أهل المدينة لمقدم النبى ﷺ ، فقد كان هناك استقبال عملى أروع فى معناه، وهو تزاحم أهل كل بطون الأوس والخزرج، فى أن يأخذ بناقة رسول الله ﷺ ، لتكون إقامته بينهم.
جاء رجال من بنى سالم، فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا فينا العدد والعدة والمنعة، وأخذوا بزمام الناقة، فقال رسول الله ﷺ «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» .
وجاء رجال من بنى بياضة. فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال ﵊: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة، اعترضه سعد ابن عبادة والمنذر بن عمرو فى رجال من بنى ساعدة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والمنعة، فقال ﵊: خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازت دار بنى الحارث بن الخزرج اعترضه معاذ بن ربيعة، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن رواحة، فى رجال من بنى الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك، ومنهم أم عبد المطلب جد النبى ﷺ قالوا: هلم إلى العدد، والعدة، والمنعة، فقال ﵊: خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها.
فانطلقت حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت، وكان ذلك عند دار أبى أيوب الأنصارى، ويقول ابن إسحاق: لما بركت لم ينزل رسول الله ﷺ عنها، حتى وثبت، فسارت غير بعيد، ورسول الله، واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه. ثم نزل عنها رسول الله ﷺ فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه فى بيته، ونزل عليه رسول الله ﷺ حتى بنى المسجد، وبنى له دارا.
خطب لرسول الله صلي الله عليه وسلم
٣٣٢- تدل هذه الأخبار التى سقناها، على أن الأنصار الذين دخلوا فى الإسلام كانوا يرحبون بالنبى ﷺ فى بيوتهم فرادى، وجماعات، وأنهم بيوتا وبطونا كانوا يستعدون بعددهم، ويعطون العهد، على المنعة والحرب معه، من غير تحفظ ولا شرط.
ويظهر أن ذلك كان يثير غضب المشركين فيهم، وخصوصا الذين صاروا من بعد منافقين، يبطنون ما لا يظهرون أو يخفون مالا يبدون، ولقد روى أنه ما مر بأهل بيت إلا أعلنوا التأييد وأبدوا الترحيب إلا عبد الله بن أبى الذى صار من بعد زعيم النفاق فى المدينة الطاهرة.