← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

شَيْءٍ قَدِيرٌ. ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (الحشر: ٦: ١٠) وإنه إذا كانت المقايسة ثابتة بين أموال بنى النضير، وفدك، فإن التعبير بأنها خالصة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم مؤداه أنها لا تقسم مقسم الغنائم فلا يكون للفاتحين المجاهدين أربعة الأخماس كما هو الشأن فى الغنائم، وإنما يكون مصرفها مصرف خمس الغنائم لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ولذى القربى واليتامى والمساكين، لذلك يصرفه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى مصالح المسلمين، ويبقى له ما يكفيه وأهله منه بالمعروف. وعلى ذلك نقرر أنه لم يكن مملوك الرقبة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم حتى يورث، ويجرى فيه النزاع على الملكية كما توهم كتب السيرة وكتب التاريخ. والذى أحسبه أن الاختلاف فى إدارتها، وتولى صرفها فى مصارفها باعتبار أنها ليست فى ظل الولاية العامة، بل لها ولاية خاصة، هى ولاية النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومن يخلفه من أهله، وبذلك انتهى أمرها فى عهد عمر رضى الله ﵎ عنه، ولنترك الكلمة بعد ذلك للحافظ ابن كثير فى تاريخه: كانت هذه الأموال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة، وكان يعزل منها نفقة أهله لسنة، ثم يجعل ما بقى مجعل مال الله تعالى يصرفه فى الكراع والسلاح ومصالح المسلمين، فلما مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، اعتقدت فاطمة وأزواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أو أكثرهن أن هذه الأراضى تكون موروثة عنه ولم يبلغهن ما ثبت عنه من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه يكون صدقة. ولما طلبت فاطمة وأزواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نصيبهن من ذلك، وسألوا الصديق أن يسلمه إليهن وذكر لهم قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «لا نورث ما تركناه صدقة» وقال: أنا

стр. 772

أعول من كان يعول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والله لقرابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي، وصدق رضى الله عنه وأرضاه، فإنه البار الراشد، فى ذلك التابع للحق. نحن لا نظن أن السيدة الزهراء التى هى قطعة من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يكون طلبها للميراث، وإنما طلبها أن تتولى هى الصدقة. وقد صرح ابن كثير أن فاطمة طلبت بلسان العباس وعلى أن ينظرا فى هذه الصدقة وأن يصرفا ذلك فى المصارف التى كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يصرفها فيها، فأبى عليهم الصديق ذلك، ونحن لا نفرض أنهم طلبوا ميراثا، فعلى كرم الله وجهه ما كان يجهل أن الأنبياء لا يورثون، وهو فقيه الصحابة، وكما قال صلى الله تعالى عليه وسلم أقضى الصحابة. ويقول الحافظ ابن كثير أن فاطمة رضى الله ﵎ عنها، والصلاة والسلام على أبيها غضبت عليه فى ذلك ووجدت فى نفسها بعض الموجدة، ولم يكن لها ذلك، والصديق من قد عرفت هى والمسلمون محله من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقيامه فى نصرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتوفيت فاطمة بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ... «فلما كانت أيام عمر بن الخطاب سألوه أن يفوض أمر هذه الصدقة إلى على والعباس، وثقلوا عليه بجماعات من سادات الصحابة ففعل عمر ذلك لكثرة أشغاله، واتساع مملكته، وامتداد رعيته» . هذه عبارات الحافظ ابن كثير، وله مقامه فى علم السنة، والأخذ بمنهاج السلف، ولكن نلاحظ أن عباراته فى حق فاطمة التى تنتهى عترة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إليها لم تكن لائقة بمقامها من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فإذا كان للصديق مكانته، فلفاطمة مكانتها من المحبة لأنها قطعة منه صلى الله تعالى عليه وسلم، فقوله عنها ما كان لها ذلك فيه تعد للحدود، بدليل أن عمر بن الخطاب من بعده نفذ ما طلبت، فلم تكن متجنية عندما وجدت موجدة على الصديق صديق أبيها. وهناك عبارة لا نوافقه عليها، لأنه يقول أنهم ثقلوا على عمر رضى الله عنه بجماعة من سادات الصحابة، فإن هذه العبارة لا يصح أن تقال فى على ولا فى عمر، فمقام على أجل من أن يعبر عنه فى طلبه واحتكامه إلى الصحابة بكلمة ثقلوا، وما كان عمر بن الخطاب فاروق الإسلام من صفاته أن يخضع لإثقال أحد من الصحابة، فهو القوى فى الحق الذى لا يخشى فيه لومة لائم، وما كنا نود أن يقع هذا من الحافظ ابن كثير العالم السلفى الإمام، إنما الأمر الذى يتصور أن يكون من العباس وعلى أنهما احتكما إلى جمع من الصحابة فنزل عمر عند رأيهم، لأنه رآه أنه الحق، ولنذكر بقية ما قصه الحافظ ابن كثير.

стр. 773

فهو يقول أن الصدقة أعطيت لعلى والعباس رضى الله عنهما، فتغلب على على عمه العباس فيها، ثم تساوقا يختصمان إلى عمر، وقدما بين أيديهما جماعة من الصحابة، وسألا عمر أن يقسمها بينهما، فينظر كل واحد فيما لا ينظر فيه الآخر، فامتنع عمر عن ذلك أشد الامتناع، وخشى أن تكون هذه القسمة تشبه قسمة المواريث وقال: انظرا فيها، وأنتما جميع، فإن عجزتما عنها، فادفعاها إلى، والذى تقوم السماء والأرض بأمره، لا أقضى فيها قضاء إلا هذا، فاستمرا فيه، ومن بعد إلى ولدهما إلى أيام بنى العباس تصرف فى المصارف التى كان يصرف فيها أموال بنى النضير وفدك، وسهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من خيبر. حوادث ذات مغزى في خيبر ٥٣٠- فى أثناء خيبر، وفى أعقابها وجدت حوادث تدل على قوة إيمان بعض المؤمنين، وصدق ما وعدوا الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وحوادث فيها غدر من اليهود، وسماحة من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو الغالب. منها أمر الأسود الراعى: قصته تدل كيف يدخل الإسلام إلى القلوب المخلصة التى لم يرنقها هوى وما غلبت عليها شهوات، كان مع اليهود عبد أسود أجير عندهم يرعى غنما لهم وقد سمع اليهود يقولون أنه يدعى أنه نبى مرسل، فساقه هذا لأن يذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يسأله عما يدعو إليه، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذى نصر بالضعفاء والمساكين لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام، ولذا عرضه عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأسلم، وجمع قلبه الطيب بين الإيمان والأمانة. فدعته الأمانة بعد الإيمان أن يقول لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنى كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهى أمانة عندى، فكيف أصنع بها، لم يقل له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنها للمؤمنين بحكم أنها غنيمة للغالب، ولكنه أجرى أمانة الرجل على رسلها، بل قال له اضرب فى وجوهها، فإنها سترجع إلى ربها، فأخذ حفنة من الحصا، فرمى بها فى وجوهها، وقال: ارجعى إلى صاحبك فوالله لا أصحبك أبدا، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها، حتى دخلت الحصن، ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر قتله. قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إنه شهيد وأنه دخل الجنة.

стр. 774

ومنها قصة أعرابى يجاهد ويرد المغنم: ٥٣١- روى البيهقى بسنده، أن رجلا من الأعراب جاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فامن به واتبعه فقال: أهاجر معك، فأوصى به بعض أصحابه، وغزا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وغنم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقسم المغنم، وقسم لهذا الأعرابى المؤمن، فأعطى ما قسم له، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا- وأشار إلى حلقه بسهم- فأموت فأدخل الجنة، فقال الرسول الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم: إن تصدق الله يصدقك. رفض المال ولو أنه حق وحلال، ومنحة الغنيمة أخذها بحقها، وذلك فى سبيل أن يكون عمله خالصا لوجه الله تعالى، فهو لا يرد الحلال، ولكن لا يريد عوضا للجهاد. ولما نهضوا للقتال كان معهم، فقتل بسهم أصابه حيث أشار إلى حلقه، فحمل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقدمه لله شهيدا، وقال: «اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا فى سبيلك، قتل شهيدا، وأنا عليه شهيد» . وقد ضرب هذا الأعرابى المؤمن أعلى مثل للإيمان، وطلب ما عند الله وحده لا شيء سواه، فطلب رضوانه ولا يريد مغنما، فرضى الله ﵎ عنه. مؤمن يتحايل لماله بمكة المكرمة: ٥٣٢- وإن الإسلام فتح الطريق أمامه، لا تحول بينه وبين انتشاره قوة الطغاة، ولا صد عن سبيل الله، أخذ يطوف فى البلاد العربية فيعشو إليه من يريد الهداية، ومن يصغى قلبه للحق والنور والهداية. وكان من ذلك إسلام الحجاج بن علاط السلمى، فإنه لما فتحت خيبر وزال كل ما كان يصد عن الإسلام جاء الحجاج هذا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن لى مالا عند صاحبتى أم شيبة بنت أبى طلحة وكانت زوجه، وله منها ولد وأموال متفرقة فى تجارة مكة المكرمة والمؤمن يكون حريصا غير مستهين ولا يكون بخيلا، وفرق بين البخل والحرص، لأن الحرص معناه ألا يفرط فى حق اكتسبه بحله، ولا يكون هملا فرطا لا يعطى كل ذى حق حقه، ولا يفرط فى حقه مع التسامح فى موضعه أما البخل فإنه يشح بالمال ولا يضعه فى مواضعه. فالمؤمن حريص غير مفرط، ولا بخيل، أراد الحجاج أن يصل إلى ماله وهو بمكة المكرمة، ولو أعلن إسلامه منع ماله، فاستأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخفى أمره، ويقول ما يسهل

стр. 775

الوصول إلى ماله من غير تعمد للكذب، ولا خدع لمؤمن، فأذن له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. خرج الحجاج إلى مكة المكرمة، حتى إذا التقى برجال من قريش يستمعون الأخبار، ويسألون عن أمر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر، وهم يعلمون أنها قرية الحجاز، ريفا ومنعة ورجالا، فهم يتحسسون الأخبار، ويسألون الركبان. فلما قابلوا الحجاج، ولم يكونوا علموا بإسلامه، ولم يظهره لهم، فسألوه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وعن أمر خيبر، وقالوا له قد بلغنا أن القاطع (أى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم) قد سار إلى خيبر، (وهى بلد يهود وريف الحجاز) . قال: قد بلغنى ذلك، وعندى من الخبر ما يسركم، هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلا لم نسمع أبدا بمثله قط، وأسر محمد أسرا، وقالوا: لا نقتله، حتى نبعث به إلى أهل مكة، فيقتلوه بين أظهرهم. أعينونى على جمع مالى بمكة المكرمة، وعلى غرمائى، فإنى أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقنى التجار إلى هنالك. فقاموا فجمعوا له ماله يحثون الغرماء على ذلك. وكان له عند امرأته مال موضوع، وأراد أن يأخذه، فطلب منها لعله يصيب من فرص البيع قبل أن يسبقه التجار. تسامع الناس بخبر هزيمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والناس يصغون دائما إلى ما يحبون، ويذيعونه وينشرونه فرحين مستبشرين، ويعميهم حبهم عن فحص الخبر ووزنه أو الشك فيه، بل يطمئنون إلى ما يحبون من غير تمحيص. وفى مكة المكرمة محبون للنبى من ذوى قرباه، وعلى رأسهم العباس عم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فهاله الخبر، فذهب إلى الحجاج فسأله: ما الخبر الذى جئت به، فأشار إلى العباس أن عنده أخبارا وطلب إليه أن يسايره حتى يفرغ من جمع ماله، ويلقاه فى خلاء. حتى إذا فرغ من جمع كل شيء كان له بمكة المكرمة، وأجمع الخروج لقى العباس رضى الله عنه، وقال: احفظ عنى حديثى يا أبا الفضل ثلاثا، فإنى أخشى الطلب، ثم قل ما شئت، قال: أفعل، قال: فإنى والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم صفية بنت حيى، ولقد افتتح

стр. 776

خيبر، وصارت له ولأصحابه ولقد أسلمت. وما جئت إلا لأخذ مالى فرقا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث ليال، فأظهر أمرك فهو والله على ما نحب. مكث العباس ثلاث ليال لا يلتقى بالناس، حتى إذا خرج لبس حلة، وتطيب، وأخذ عصاه، وخرج حتى أتى الكعبة المشرفة، فلما رأوه قالوا والله هذا التجلد لحر المصيبة. قال: كلا والله الذى حلفتم به، لقد افتتح محمد صلى الله تعالى عليه وسلم خيبر، ونزل عروسا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، فأصبحت له، ولأصحابه. قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذى جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلما، فأخذ ماله، وانطلق ليلحق بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه، فيكون معه، قالوا: يالعباد الله أفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر. ونقف وقفة قصيرة فى هذا، أيعد الرجل قد كذب، وهل يعد هذا الكذب إثما، ونقول قبل الإجابة أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يأذن له بالكذب، بل أذن بالقول، بأن يورى ولا يكذب، وأن يحاول من غير أن يتورط فى قول غير صحيح فى ذاته ولا فى موضعه. ولكن هل يعتبر كذبا أن يوهم بالقول، ثم يوضح هو الحقيقة، وهو بين قوم ظالمين، ولا يمكن أن يصل إلى حقه المشروع إلا إذا أوهمهم، ثم أزال وهمهم بقول الحق الصريح، وهو قد ترك للعباس أن يصحح القول، ويبين مقصده من إيهامهم. وإنى أحسب أنه لم يكذب ويصر على ما أدخله فى نفوسهم، والله أعلم.

стр. 777

زواج النبي صلي الله تعالي عليه وسلم بأم المؤمنين صفية ٥٣٣- كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم شفيقا رفيقا رؤفا فى ذات نفسه وبالناس. وقد رأى صفية وأختها. يمر بهما بلال رضى الله عنه فى وسط قتلى اليهود، فنادى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بلالا لائما له قائلا: «أليس فى قلبك رحمة تمر بالفتاتين فى وسط القتلى من أهلهما» وكانت إحداهما مذعورة نافرة وكانت صفية ساكنة مستسلمة تاركة نفسها للمقادير. والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقرب القلوب، ولا ينفرها، وييسر ولا يعسر، وكما كان ﵊ يقول «يسروا ولا تعسروا، واكفوا ولا تنفلوا» . وقد كانت صفية فى قسمه، فلم يرد أن يبقيها على الرق أو أن يفرض عليها رقا تأليفا ورفقا، وكان يمكن أن ينال ما ينال بملك اليمين، ولم يكن حراما، ولكنه يبغض الرق ولا يريد أن ينشيء رقا على أحد قط، وخصوصا إذا كانت ابنة رئيس القوم، فهو لا يحب الذلة ينزلها بإنسان بعد عزة. ولذلك أعتقها وتزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وجعل صداقها عتقها، وكان زوجها ابن عمها فى جملة القتلى. ولقد دخل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد استبراء رحمها بحيضة تحيضها، ولم يكن لها عدة، لأنه لا عدة من كافر، وخصوصا أن عدتها تكون عدة وفاة، وهى تكون للإحداد على الزوج السابق، ولا حداد على كافر، ولكن لا يصح أن يدخل بحامل، فتركها صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى تستبرىء. ولقد نظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى وجهها، فوجد أثر كدمة فى وجهها فسألها عنها فقصت خبر رؤيا لها رأتها، بعد بضع ليال من زواجها بابن عمها، وتلك أنها رأت فى منامها كأن قمر السماء وقع فى حجرها، فقصت رؤياها على ابن عمها، فلطم وجهها، وقال: أتتمنين ملك يثرب أن يصير بعلك. وقد تحققت رؤياها وكانت صادقة، فجاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وفتح حصونها وكانت فى السبايا. فكرمها بأن أعتقها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتزوجها. ولقد أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وليمة لزواجها، وقال أنس: أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وليمة بين خيبر والمدينة المنورة ثلاث ليال فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلال بالأنطاع فبسطت فألقى فيها التمر والسمن، فقال المسلمون: أجدى أمهات المسلمين.

стр. 778

ولقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رفيقا فى معاملته لها، وقد اعتذر لها من قتل أبيها وزوجها، إذ كان أبوها يحرض عليه القبائل، ويؤلب عليه الناس وما كان يستطيع أن يتركه يؤلب العرب عليه، وقتل زوجها، لأنه خان العهد وأخفى مال أبيه، ونقض الذمة، وكان يتألف قلبها بسماحته ورفقه؛ حتى صار أحب الناس إلى قلبها. وإن زواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من السيدة صفية فيه فوائد اجتماعية، فهو أولا يطفيء ما فى قلوب المؤمنين بالنسبة لليهود، وضرب المثل السامى فى معاملة السبايا، فهى كانت منهن، فاختارها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم زوجا بدل أن يتخذ منها أمة يدخل عليها بملك اليمين، وهو يضرب الأمثال فى حسن العشرة الزوجية، فيكون خير الناس لأهله، كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى» . وإن هذا الزواج فيه مداواة للجروح المكلومة، لقد أمرها بلال على القتلى من قومها، فأكرمها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ورفعها إلى أعلى درجات النساء وهو أن تكون من أمهات المؤمنين. وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يصلح بينه وبين اليهود فجعلهم شركاء للمؤمنين، فكان من الحق أن يتألفهم، وأن يرأف بهم، وإن ذلك الزواج تأليف وتقريب، وإبعاد للنفور ولكنهم جاحدون دائما. غدر وسماحة ٥٣٤- كان سلام بن مشكم الحامل الأول للواء اليهود، ولما قتل حمل غيره اللواء وقد بقيت امرأته من بعده بحقدها وضغنها على من قتلوا زوجها عامة، وخاصة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وأرادت قتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأداة القتل عند النساء، وهو السم، وتظاهرت بالمودة واتجهت إلى إهداء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم شاة، وضع السم فى أجزائها، وتعرفت ما يحبه النبى ﵊ من أجزاء الشاة، فقيل لها الذراع فزادتها سما، وأكثرت فيها. أهدت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الشاة، فجاءت بها ووضعتها بين يديه، تناول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذراع الشاة التى هى أحب أجزائها إليه، فلاك منها مضغة فلم يسغها، لعل ذلك لأنها أسرفت فى وضع السم فيها، فكان غريب المذاق، ولذلك رماها من يده ولم يأكلها ولفظها، وكان معه على الطعام صاحب له هو بشير بن البراء بن معرور، فأكل هو الآخر، فأساغها ولعل ذلك لعدم ظهور السم، وإن كان كامنا، ومات بشر من أكلته هذه، ولكن ذلك لم يكن فور تناولها.

стр. 779

ولقد قال ﵊ عندما لفظها: «ان هذا العظم ليخبرنى بأنه مسموم» ودعا المرأة وسألها فاعترفت، وصرحت بالعداوة قائلة: بلغت من قومى ما لم يخف عليك، ثم أردفت ذلك بقولها، فقلت إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر. وقد تجاوز عنها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويظهر أن بشرا لم يكن قد مات بأثر السم، وإلا ما تجاوز النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عنها، لأنها قتلت نفسا غدرا وعامدة. وإن عمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان السماحة كلها، والسماحة دائما تقرب، ولا تنفر، وإن العلماء يقولون إن هذا الفعل الذى لاك به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مضغة اللحم، ولم يسغها كان له أثر فى جسمه صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى يقال أنه عندما ضعف جسمه الكريم بمرض الموت أحس به يسرى فى بدنه. يروى أنه قال فى مرضه الذى توفى فيه، لأم بشر بنت البراء بن معرور، وقد جاءت إليه تعوده قال لها: «يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهرى التى أكلت مع أخيك بخيبر» . ويا بنى العلماء على ذلك أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد مات شهيدا. وهكذا نجد غدرا واضحا، وسماحة غالبة لمداوة جروح النفوس، وإذا كان اليهود ابتداء قد حاولوا رمى الحجر عليه، وهو جالس بجوار جدارهم، فقد حاولته امرأة حقود بالسم تقتله به، وظهر أثره عندما ضعف بالمرض فمات شهيدا وهو أعظم الشهداء.

стр. 780

قدوم جعفر بن أبى طالب ومن معه من المهاجرين ٥٣٥- انتصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى خيبر انتصارا مؤزرا. زال سلطان اليهود فى جزيرة العرب فقوض قوتهم العسكرية، وفل من شوكتهم، وجعل العدو يسير وراء الإسلام، ولا يواجهه، وبقى أن يعود الغرباء إلى عزة الإسلام، وقد خرجوا فرارا من إذلال المشركين؛ عادوا ليتحملوا عبء الجهاد أعزاء، بدل أن يبقوا مستضعفين، ولو كانوا ضيوفا بين قوم كرماء وملك كريم. عاد جعفر بن أبى طالب ومعه المهاجرون الذين هاجروا إلى الحبشة، ونالوا فضل الهجرتين. لقى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الرفيق ابن عمه الحبيب جعفر بن أبى طالب، فقبله بين عينيه والتزمه، وقال: ما أدرى بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر. عندما اطمأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعزة الإسلام التى أعزه الله تعالى العلى القدير بها، بعد غزوة الأحزاب، وقد صار الإسلام يغزو أعداءه، ويخضد شوكتهم، ويدعو الناس بدعوة الحق، وهو فى أمن، وخصوصا بعد الحديبية، عندئذ أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أتباعه بعد الحديبية؛ يدعوهم إلى أن يحضروا ليجاهدوا مع إخوانهم، فهم فى غربتهم وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حريصا عليهم، يشعرهم بأنهم منه وهو منهم. بعث إلى النجاشى الكريم- عمرو بن أمية الضمرى، ليسهل لهم عودتهم، بعد أن أكرم ضيافتهم، فحملهم فى سفينتين، فقدم على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو بخيبر. عاد المهاجرون إلى الحبشة، وكانوا من بطون مختلفة، ومن أسر قريشية، وغير قريشية مختلفة، جمعهم الحق والإيمان والهجرة. وإن فرقت البطون والأسر. فكان من الهاشميين جعفر بن أبى طالب، ومعه امرأته أسماء بنت عميس الخيثمية وولد له فى الحبشة عبد الله بن جعفر. ومن بنى أمية خالد بن سعيد بن العاص، وامرأته وابنه سعيد بن خالد. ومن بنى عبد الدار بن قصى الأسود بن نوفل بن خويلد. ومن بنى تيم بن مرة بن كعب الحارث بن صخر وامرأته.

стр. 781

وهكذا من بطون قريش وقد أحصاهم ابن إسحاق عدا فكان عددهم ستة عشر رجلا، ومعهم أولادهم الصغار الذين صحبوهم أو ولدوا فى الحبشة. كان ممن حضر أبو موسى الأشعرى، وعدد من الأشعريين، كانوا هم عم أبى موسى الأشعرى وأخاه أبا بردة. وكان مع مهاجرى الحبشة فى السفينتين نساء من هلك من المسلمين هنالك. وقد روى البخارى أن أبا موسى الأشعرى لم يكن من مهاجرى الحبشة، بل كان ممن آمن بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو باليمن، ولما علم بهجرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هاجر إليه، فالتقى فى الحبشة بجعفر بن أبى طالب، ولنترك الكلمة للبخارى عن أبى موسى الأشعرى قال «بلغنا مخرج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فخرجنا مهاجرين إليه ... فى ثلاث وخمسين رجلا من قومى، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشى بالحبشة، فرافقنا جعفر بن أبى طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فرافقنا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حين افتتح خيبر، فكان أناس من الناس يقولون لنا سبقناكم بالهجرة» . ويروى البخارى مناقشة كانت بين أسماء بنت عميس امرأة جعفر بن أبى طالب وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما. ذلك أن أسماء زارت أم المؤمنين حفصة رضى الله عنها. فدخل عمر أبو حفصة وعندها أسماء. فقال عمر: الحبشية هذه، البحرية هذه. قالت أسماء: نعم. قال عمر رضى الله عنه: «سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فغضبت أسماء وقالت: كلا والله كنت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم وكنا فى دار البيداء والبغضاء بالحبشة، وذلك فى الله، وفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأيم الله لا أطعم طعاما، ولا أشرب شرابا، حتى أذكر ما قلت للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأسأله، لا أكذب ولا أزيغ، ولا أزيد عليه» . ذهبت فى هذه الحماسة إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقالت: يا نبى الله إن عمر قال كذا وكذا وقلت كذا وكذا.

стр. 782

قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حاكما بين هذين المؤمنين المخلصين: «ليس بأحق منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان» . هذا حديث كان يجرى بين الصحابة أيهما أسبق للهجرة أأولئك الذين هاجروا من مكة المكرمة إذ هاجر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من مكة المكرمة، أم أولئك الذين هاجروا فرارا من فتنة المشركين، وبسبب بعدهم وغربتهم لم يهاجروا مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة المنورة، بل حبسهم البعد والغربة عن أن يهاجروا مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وفى ذلك الشرف والإخلاص فليتنافس المتنافسون، وفى كل فضل، فالذين هاجروا مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نالوا نعمة الجهاد فى غزوات وسرايا، فجاهدوا فى بدر وأحد، وبنى قينقاع، وبنى النضير، ثم تحملوا البلاء فى حفر الخندق، وزلزال غزوة الأحزاب فى الخندق، ثم كان لهم فضل الصبر فى الحديبية، وليس صبر القتال، ولكنه صبر النفس، وضبطها، ثم بيعة الرضوان. وفضل مهاجرى الحبشة أنهم كانوا فى غربة معزولة، وكانوا مستضعفين فى الأرض يبغون الجهاد ولا يدركونه، حتى أنقذهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فجاؤا إليه ليحملوا عبء الجهاد كإخوانهم، ويزول عنهم بلاء الاغتراب إلى بلاء الجهاد، وعزته. وادى القرى ٥٣٦- كان حول خيبر أو على مقربة جيوب لليهود، لم يقدعها هزائم أهل الحصون فكانوا يعلون برؤسهم حاسبين أنهم ينالون من المسلمين نيلا. فكان اليهود بوادى القرى ينهدون برؤسهم، ولم يعتبروا بما كان فى خيبر، وبينما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بوادى القرى أصيب رجل من المؤمنين بسهم فقتل. وأخذ يهود وادى القرى، يجمعون أنفسهم، وانضم إليهم ناس من العرب، فلم يكن بد من القتال وهم أهون فى أنفسهم وعند الله من خيبر ومن كان وراءهم. هيأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم، وأعطى اللواء سعد بن عبادة، وأعطى راية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، وتقدم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله.

стр. 783

فلم يجيبوا داعى الله، وآثروا القتال فخرج رجل منهم يطلب المبارزة، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه على فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر، وكلما قتل رجل منهم كرر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الدعوة إلى الإسلام، وإلى الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم. ولكنهم عموا وصموا عن دعوة الحق، فكان القتال الذى ابتدأوه بالسهم القاتل لرجل من المؤمنين ولم تجدهم الدعوة إلى الإسلام، وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يصلى كلما حضر وقت الصلاة، ثم يدعوهم، لم يجد ذلك كله فقاتلهم، حتى أمسى، وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم من مال وسلاح. وبذلك فتحت أرض وادى القرى عنوة، ولم تكن بصلح كفدك، وقد أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أربعة أيام، ذهب بعدها إلى تيماء. ولقد قسم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أموال وادى القرى، كما قسم خيبر، فكانت الأموال ابتداء مخمسة أربعة أخماس للفاتحين وخمسها لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ولذى القربى واليتامى والمساكين، وابن السبيل. والأرض والنخيل بقيت فى أيديهم على أن يكون لهم نصف ما تنتج، وللنبى صلى الله تعالى عليه وسلم النصف، وتكون الثمار والزروع موزعة توزيع الغنائم. ولقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقوم بهذه القسمة على اعتبار أن كل أموال خيبر، ومن سار مسارها، وهم أهل وادى القرى، غنائم تخمس، وقد خمس الأموال المنقولة وخمس نتاج الأرض والنخيل، وبقية الأموال الثابتة. وذلك لأن الفاتحين من أهل المدينة المنورة كانوا عددا قليلا، ولم يكونوا كثرة كبيرة وكان جميع أهل المدينة المنورة مجاهدين، وكان نصيب الفقراء والمساكين واليتامى ثابتا، غير موزع على غيرهم، والكراع والسلاح وما يحتاج إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يؤخذ من حصة الله والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ يستبقى لنفسه من هذا الخمس نفقة سنة، وينفق الباقى على المصالح العامة للمسلمين. ولما جاء عهد عمر رضى الله عنه نفذ الأمر فى خيبر، وما يشابهها كما قسم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يتضمن المعانى التى ذكرناها، وهو بقاء الأرض تحت أيدى أهلها، وكان يقول رضى الله ﵎ عنه «أما والذى نفسى بيده لولا أن أترك آخر الناس ليس لهم شيء ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم خيبر ولكنى أتركها خزانة لهم يقتسمونها» . ولذلك ترك أرض سواد العراق فى أهلها، وجعل خراجها لمصالح المسلمين مستندا إلى ما قرره القرآن الكريم بالنسبة لأرض بنى النضير، ونعتقد أنه هو ما قرره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى أرض

стр. 784

خيبر، فمعناه لا يخرج عنه، لأن جماعة المؤمنين كانوا جميعا مجاهدين أو يتامى أو أبناء سبيل أو مساكين، ولكل حظ، وكان أولئك معروفين فى المدينة المنورة. فلما اتسعت رقعة الدولة كان الخراج موزعا على مصالح المسلمين، وسد حاجة المحتاجين بشكل عام. صلح تيماء ٥٣٧- بما كان فى خيبر ووادى القرى انتهت قوة اليهود العسكرية فى بلاد العرب، ولكن بقى فيها ناس لم يخضعوا لحكم الإسلام وسلطانه، ويكونون تابعين له من غير أن يضاروا فى دينهم، ولا يرهقوا فى عقائدهم وهم يهود تيماء، وكانت على مقربة من الشام ولم يعتبر الإمام عمر رضى الله عنه أرضهم من أرض العرب التى لا يجتمع فيها دينان. وأهل تيماء من اليهود عندما علموا ما نزل بخيبر ووادى القرى، وما سامحهم فيه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من معاملة عندما علموا ذلك لم يريدوا قتالا، وجاؤا ودفعوا الجزية، وصالحوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليها، وجزيتهم كانت جزية على الأرض وهو الخراج، وجزية على الرؤس على ما هو مبين فى كتب الفقه، وإعطاء الجزية إقرار بخضوعهم لحكم الإسلام على أن يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم من أحكام القصاص والحدود، وسنتكلم بعد ذلك فى الأحكام الشرعية التى أخذت من أقوال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى غزوة خيبر، وما جاء بعدها، فإنا لا نترك ذلك، ولكن أخرناه حتى ننتهى من القتال والحرب والتسليم وشروطه. إجلاء عمر لليهود ٥٣٨- أجلى عمر بن الخطاب اليهود، يهود خيبر ووادى القرى الذين يسكنون فى الجزيرة العربية عملا بقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «لا يجتمع فى جزيرة العرب دينان» . ولكنه لم يجل أهل تيماء، لأن أرضهم لم تكن فى داخل الجزيرة، بل كانت فى أطراف الشام، وهم قد قبلوا أن يكونوا ذميين لهم ذمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم ينقض أحد منهم ذمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهم لم تفتح أرضهم عنوة، بل كانت صلحا، فلم تكن ثمة مشابهة بينهم وبين خيبر ووادى القرى، والحديث النبوى لا ينطبق عليهم، لأنهم كانوا فى طرف الشام الذى يصاقب جزيرة العرب، وبذلك جمع عمر رضى الله عنه بين المحافظة على عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومصلحة المسلمين، جزاه الله تعالى عن الإسلام خيرا.

стр. 785

الأحكام الشرعية التى تقررت في خيبر ٥٣٩- كثرت الأحكام التى شرعت فى أثناء غزوة خيبر لطولها ولتنوع أحداثها، وهى جزء من تبليغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رسالة ربه فما كان نبيا للقتال، بل كان نبيا مبلغا رسالة ربه؛ فهو المطلوب فى السلم وفى الحرب، وهو مطلوبه بالذات والقصد الأول، وما كانت الحرب إلا دفاعا ومنعا للفتنة، وتعبيد الطريق لكى تسير فى مسارها لا يحول حائل بينها وبين القلوب؛ ولا إكراه فى الدين من بعد أن تصل الدعوة فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (الزمر: ٤١) . فالدعوة هى لب الرسالة والحرب لدفع ما يعترض طريقها. ومن أظهر الأحكام الشرعية التى ثبتت فى خيبر. إباحة المزارعة والمساقاة: ٥٤٠- وأظهر الأحكام هو ما صنعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع أهل خيبر من دفع الأرض إليهم على نصف غلاتها والأرض مملوكة للمسلمين. فدفعها إليهم على نصف الغلات مزارعة ومساقاة. لأن دفع الأرض لزراعتها على سهم معلوم للمالك مزارعة. ودفع الشجر لإصلاحه على سهم معلوم للمالك مساقاة. والاتفاق بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وبين يهود خيبر يتضمن الزرع وإصلاح الشجر فهو يتضمن مزارعة ومساقاة معا. ومن قال أن عقد المزارعة فاسد، فقد رد السنة وذلك غير جائز. وإن المزارعة والمساقاة إجارة ابتداء، وقد تكون إجارة فاسدة. وهى مشاركة انتهاء. وإن ذلك وصف فقهى؛ وليس حكما شرعيا والحكم الشرعى قد ثبت بفعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه صحيح فلا مشاحة فيه، وللفقهاء أن يطبقوا أقيستهم الفقهية كما يرون ما يكون منها صالحا للتطبيق وما لا يكون صالحا يردونه وعمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وما يؤدى إليه من إباحة فوق ما يقررون من أقيسة قد تخطيء وقد تصيب ولا قياس مع النص. وإن هذه المزارعة كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا يقدم البذر، بل كان البذر والعمل من العامل وعمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يجيز ذلك النوع من الزراعة كما يجيز أن يكون البذر والأرض من صاحب الأرض، وكما يجوز أن يكون البذر منهما. ويشبه ابن القيم الأرض برأس المال فى المضاربة، وقد يضيف إليه المالك البذر وربما لا يضيفه كما فعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 786

ومهما يكن الوصف الشرعى عند الفقهاء فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد فتح باب الاستغلال لمن له أرض ولا يستطيع زراعتها بنفسه، لمشاغل تشغله كأولئك المجاهدين أو المرضى. أو لعدم خبرة أو غير ذلك من الأسباب المعوقة له عن الزراعة بنفسه. وقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقسم الثمرات قسمة الغنائم، والله هو الحكيم العليم. تحريم أكل لحم الحمر الإنسية: ٥٤١- ثبت نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن أكل لحم الحمر الأنسية، وأباح ﵊ أكل لحم الخيل، فقد رأى صلى الله تعالى عليه وسلم، بعض أصحابه يأكلون لحم الحمر الإنسية، فى خيبر فنهاهم عنها، وروى ابن إسحاق بسنده عن بعض من شهد خيبر قال: أتانا نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الإنسية، والقدور تفور بها، فكفأناها على وجوهها. وقد روى الحافظ ابن كثير أنه نادى منادى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس فأكفئوها، والقدور تفور بها» . وإن هذه النصوص الواردة فى تحريم لحوم الحمر الإنسية صحيحة تضافرت رواياتها من عدة جهات، وهنا يسأل الباحث لماذا كان تحريمها، وهى تأكل العشب ولا تأكل اللحم وليست ذات ناب، ولا تعد من السباع المنهى عنها بأى صورة من الصور. يقول بعض الباحثين، ومنهم بعض التابعين أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عنها فى خيبر، لأنها كانت تحمل الأمتعة، وكانت ضرورية للناس فى استعمالها، ولذلك قال ابن عباس أنها ليست حراما لذاتها ولكن كانت فى خيبر ممنوعة الأكل لهذا. ولكن يرد ذلك التأويل أمران: أولهما: أن الخيل كانت ألزم للجهاد من الحمر. ومع ذلك أبيحت لحومها مع أن الحاجة إليها أشد وألزم- الأمر الثانى- أن صريح الحديث الذى رواه ابن اسحاق أنها رجس فهى محرمة لذاتها أى لحمها وأن فيه ما يمنع أكلها.

стр. 787

ولقد قيل فى سبب تحريمها فى خيبر بالذات أن الحمير فى خيبر كانت قذرة لأنها جلالة وكانت تأكل العذرة. وقيل أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم منع أكلها؛ لأنهم كانوا يأكلونها قبل قسمتها من الغنائم؛ وقد يقال أنه ينافى ذلك وصف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: بأنها رجس. ولكن يجاب عن هذا بأنها كانت رجسا أى مالا خبيثا، لأنها لم تكن قد قسمت، فمعنى رجسها أنها لم تكن كسبا حلالا طيبا بل كانت كسبا خبيثا غير طيب. ويقول الحافظ ابن كثير فى تاريخه: إن تحريمها هو مذهب جمهور العلماء سلفا، وخلفا، وهو مذهب الأئمة الأربعة، ولعل من المفارقة فى مذهب مالك أن يحرم لحم الحمر الأنسية، ويبيح أكل لحم الكلب، وله فى إباحة لحم الكلب اجتهاد يتصل بنص قرآنى، إذ أن القرآن الكريم أباح أكل صيده فى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ، قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. ويقول الامام مالك فى ذلك، كيف يؤكل صيده، ويحرم لحمه. وبعض العلماء لهذه التأويلات المختلفة قال إن أكل لحمها مكروه، لأن التحريم يثبت بدليل يقبل التأويل ففيه شبهة! ومال ذلك الكراهة لا التحريم القاطع. تحريم سباع البهائم: ٥٤٢- ثبت فى غزوة خيبر تحريم أكل سباع البهائم، وهى الحيوانات التى تعيش على أكل اللحوم، أو كل ذى ناب، كما يعبر الحديث النبوى، فقد روى ابن اسحاق بسنده أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نهى يومئذ- أى يوم خيبر- عن أربع: عن إتيان الحبالى من السبايا، وعن أكل الحمار الأهلى، وعن أكل كل ذى ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم. وقد تكلمنا فى النهى عن أكل لحوم الحمير الأهلية. ونتكلم عن أكل كل ذى ناب من السباع، وهو ما يسمى فى عرف الفقهاء بسباع البهائم، وهى محرمة لذاتها، لهذا النص، ولحمها نجس، ولعابها وهو تبع للحمها نجس أيضا. هذا وإن لحم سباع البهائم، أو كل ذى ناب كما عبر القرآن الكريم يكون حراما بالنص، ويحرم سباع الطير، كالنسر والحدأة والغراب وغيرها من أكلة اللحوم بالقياس على ذى الناب من سباع البهائم.

стр. 788

تحريم وطء الحبالى من السبايا وغيرهن: ٥٤٣- ثبت تحريم الدخول بالحبالى من السبايا، وقد ورد ذلك فى الحديث السابق المروى بسند ابن إسحاق رضى الله ﵎ عنه. وقد روى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره، (يعنى الحبالى من السبايا) ولا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما، حتى يقسم، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها، ولا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه رده» . ونرى أن الحديث منع أمورا تتعلق بالمغانم، ومنع الدخول بالحبالى من السبايا، ونريد أن نتكلم فى هذا الجزء الأخير، لأنه موضوع قولنا ونؤخر الباقى. والكلام فى الدخول بالحبالى، وقد نهى عنه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولم ينه عن سببه فيما يتعلق بالسبايا. ذلك أن سبب الدخول بالسبايا هو ملك اليمين، فلم يكن ثمة نهى عنه، بل الملكية تثبت، ولكن لا يترتب عليها أثرها وهو الدخول، لأنه إذا كان السبب قد وجد، فقد كان المانع، وهو كونها حاملا، وأن دخوله يسقى به ماءه زرع غيره، وهو المنهى عنه. فلا بد قبل أن يدخل بالمسبية من استبراء رحمها بالولادة إن كانت حاملا، وأن تحيض مرة إذا كانت حائلا، لأن الحيض أمارة أنه لا حمل، فيحل الدخول. وأن السبب هنا، وهو الملكية حكم شرعى، ثبت بحكم تقسيم الغنائم، فهو سبب شرعى، وليس بسبب جعلى يقوم به المكلف. ونثير هنا بحثا: هل السبب الجعلى، وهو عقد الزواج يكون كالسبب الشرعى، بأن يحل عقد الزواج على الحامل، كما يثبت سبب الملكية. لقد فصل الفقهاء الأمر فى ذلك بالاستناد إلى ما قرره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من وجوب العدة من كل دخول كان بسبب أمر ليس حراما عند الشارع، أو عفا عنه. فإن العقد على الحامل حرام وذلك لأن لها عدة، ولا عقد فى حال العدة، فإذا كان من زواج صحيح أو دخول بشبهة تسقط الحد، وتمحو وصف الزنا، فإن العقد لا يصح، لأنها ذات عدة، والعقد على معتدة باطل، ولذلك يكون السبب باطلا، والدخول يكون زنا. وإذا كانت حاملا من زنا، فهل يجوز الدخول وهل يصح العقد، اتفق الفقهاء على أن الدخول لا يجوز، لأنه ينطبق عليه الحديث، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره، ولكن أيصح إنشاء العقد على الزانية.

стр. 789

قالوا أنه إذا انتهت عدتها يصح العقد بالإجماع إذا تابت، وإذا كانت العدة لم تنته، فإنه من المقررات الشرعية أنه لا عدة للزانية، ولو كانت حاملا بيد أنه يصح الزواج من غير الحامل. أما الحامل فينعقد زواجها من صاحب الحمل، لأنه لا يسقى ماءه زرع غيره، وكره بعض الفقهاء أن يدخل بغير الحامل قبل استبراء الرحم. أما إذا كان العاقد غير صاحب الحمل، فقد قال بعض الفقهاء يصح الزواج ولا يدخل بها كما بينا، أما صحة الزواج فلأنه لا عدة لها تمنع صحته، لأنها ليست فى عصمة أحد، والزانى لا عصمة له. وأما الدخول بها فممنوع بنص الحديث الذى ينص عليه فى غزوة خيبر وهو عام فى منع أن يسقى ماءه زرع غيره، ونسب هذا القول إلى أبى حنيفة والشافعى ومحمد من أصحاب أبى حنيفة. وقالت طائفة أخرى من الفقهاء منهم مالك وأبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة وأحمد فى رواية عنه وزفر من أصحاب أبى حنيفة رضى الله عنهم أن الزواج لا يصح، لأنه إذا كان الدخول لا يجوز وهو غاية العقد، لأن القصد الأول المتعة، ولا فائدة من عقد لا تترتب عليه لوازمه، وما دام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد نهى عن الدخول بالحامل، بالنهى عن أن يسقى ماءه زرع غيره فقد نهى عن الزواج، لأن النهى عن الأمر اللازم نهى عن الملزوم. ولأن النهى لأجل حق الحمل، وحق الحمل يراعى، لأنه لا جناية منه. وإذا عقد على المرأة وتبين أنها كانت حاملا وقت الزواج فإن العقد لا يكون صحيحا، لأنه لا يفرض أنها كانت حاملا من زنا. إذ يجب حمل حال المؤمن على الصلاح، بل يفرض أنه كان من زواج وشبهة تسقط الحد وتمحو وصف الزنا. قسمة الغنائم ومالا تقسم منها ووقتها: ٥٤٤- ثبت أن المال الذى يقسم غنيمة الأموال المنقولة وثمرات الأموال غير المنقولة ويكون للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الخمس، وأربعة الأخماس للغانمين، وأنه يعطى للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم سهمان للفرس، وسهم لصاحبه، وذلك لأن نفقات الفرس كبيرة، ويريد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أن تكون ذات قوة دائما لأنها عدة القتال، ولتشجيع المجاهدين على اتخاذها للجهاد، وفى بعض الروايات أنه جعل للفرس سهما، ولصاحبها سهما، ولكنه غير الرواية المشهورة. وإنه يلاحظ أمران بالنسبة للغنائم:

стр. 790

أولهما: أنها لا تملك قبل القسمة، ولذلك صرح النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى غزوة خيبر أنه لا يجوز بيع من له فيها قبل أن يقسم له قسم ويدخل فى حوزته، ولذا قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيما روينا من قبل ولا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين، حتى اذا أخلقه رده. وهذا الحديث يدل على أنه لا يملك. ولا يصح أن ينتفع به قبل القسمة. الأمر الثانى: الذى يجب التنبيه عليه أن الطعام الذى لا يدخر، لا يخمس، لأنه لا يعد غنيمة، ولأنه يدفع غائلة الجوع الذى يصيب المجاهدين، وحال مغبة الجوع، وكان الجوع يصيب المسلمين فعلا فى غزوة خيبر، وإنه إذا لم يتناول قبل القسمة كان الناس فى مخمصة، والطعام بين أيديهم، وإن ذلك ابتلاء فوق الابتلاء بالجهاد والصبر على شدائده. يروى ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن مغافل المدنى أنه قال: «أصبت من خيبر جراب شحم فاحتملته على عنقى إلى رحلى وأصحابى، فلقينى صاحب المغانم الذى جعل عليها، فأخذه بناحيته، وقال: هلم، حتى تقسمه بين المسلمين، قلت: لا والله لا أعطيه وجعل يجاذبنى الجراب، فرآنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتبسم ضاحكا، ثم قال لصاحب المغانم: خل بينه وبينه، فأرسله، فانطلقت إلى رحلى وأصحابى فأكلناه» . وهناك أمر يجب التنبيه عنه، وهو غلول الغنيمة، فهو محرم تحريما قاطعا، لأنه سرقة فى مال الله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا يمكن أن يغل، وليس من شأنه وكماله أن يغل هو، أو يقر غلول أحد، أو يسكت عنه، والغلول الأخذ من الغنيمة خفية، وإذا كان لا ينطبق عليه حد السرقة، لأن مال الغنائم ليس فى حرز مثله، ولأن المحارب له شبهة حق فيه، والحدود تدرأ بالشبهات، فإنه شدد الله تعالى فى عقوبته فى الآخرة. وفى غزوة خيبر، بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم شدة العقوبة فى الآخرة. وقد كان بين المحاربين رجل اسمه مدعم، وقد أخذ من الغنائم شملة، وفتش متاعه بعد مقتله فوجد فيه مع الشملة خرزا من خرز يهودى يساوى درهمين، وهو غلول مهما تكن قيمته. وقد جاء سهم فقتله وهو بوادى القرى، فقال الناس: هنيئا له بالشهادة فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «كلا والذى نفسى بيده أن الشملة التى أخذها يوم خيبر لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا» فأخرجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من صفوف الشهداء بفعلته التى فعلها.

стр. 791

الأمانة واجبة مع الأعداء: ٥٤٥- إن الأمانة عدالة، بل إن العدالة ذاتها تدخل فى ضمن الأمانات ولذلك قرنها بها فى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها، وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ. وفى غزوة خيبر بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن الأمانة فى مال الأعداء واجبة، لا تبرر العداوة إهمالها، وإذا كانت أموال الأعداء تغنم فى القتال ويأخذها المسلمون، ويقسمونها بينهم، فإن ذلك قانون الحروب، وليس من قانون الإسلام خيانة الأمانة ولو لعدو يحارب. روى موسى بن عقبة عن عروة بن الزبير أنه جاء عبد حبشى أسود من أهل خيبر، كان فى غنم لسيده، فلما رأى أهل خيبر قد حملوا السلاح سألهم: ماذا تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى، فوقع فى نفسه ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فأقبل بغنمه، حتى عمد إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له: إلى من تدعو؟ قال: أدعوك إلى الإسلام، أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله وألا تعبد إلا الله، فقال العبد: فماذا يكون لى إن شهدت بذلك، وآمنت بالله، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الجنة إن مت على ذلك، قال الرجل المؤمن: يا رسول الله إن هذه الغنم عندى أمانة، إذ كان يرعاها، وهنا أمره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يؤدى أمانته، ولم يقل أنها غنيمة للمسلمين، ولم يضمها إلى أموال الله، لأن الأمانة يجب أن تراعى لذاتها، لا فرق فيها بين عدو محارب، وولى مناصر، بل قال الرسول الأمين: أخرجها من عسكرنا، وارمها بالحصا، فإن الله سيؤدى عنك أمانتك. ففعل، فرجعت الغنم إلى سيدها فعرف اليهودى أن غلامه قد أسلم. ولقد قتل ذلك العبد الأمين بأمانة الله تعالى فى خيبر شهيدا، فأدخل فى قماط الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. وإن هذا درس حكيم للذين يخونون أموال الناس، ويبررونها بعداوة لهم، وقد يكونون ظالمين فى العداوة كما هم ظالمون بالخيانة، والله عليم بذات الصدور. النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تفوته الصلاة: ٥٤٦- إن الأعذار تكون على الناس أجمعين، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم من أصل البشرية، فيجرى عليه ما يجرى على الإنسان ويرهقه ما يرهق الإنسان.

стр. 792

ولقد كان فى خيبر أن نام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حتى أشرقت الشمس، وقد وقف حارسه ينبهه إذا نام، ويوقظه إذا استغرق الناس، فضرب الله تعالى على آذانه أيضا فنام ولم يوقظ حتى أشرقت الشمس، ومع أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم تنام عيونهم ولا تنام قلوبهم، ففى خيبر استغرق صلى الله تعالى عليه وسلم فى النوم بعينه. وإن كان قلبه يقظا لم ينم، وذلك ليعلن الله تعالى إنسانيته، وليكون عمله أسوة للناس فى تدارك ما فاته، لأن المؤمنين يتخذونه أسوة حسنة، ولأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: صلوا كما رأيتمونى أصلى، فهو يبين لهم الصلاة فى حال الأداء وحال القضاء معا. ولنذكر قصة ذلك، كما جاءت فى صحاح السنة وفى كتب السيرة- فى غزوة خيبر: روى أبو داود بسنده أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين قفل راجعا من خيبر، سار ليلا حتى أدركنا الكرى، وقال لبلال اكلأ الليل، وبلال يحرسه، وغلبت بلالا أيضا عيناه، وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أولهم استيقاظا، ففزع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال: يا بلال، فقال: أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك بأبى أنت وأمى يا رسول الله. فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأمر بلالا، فأقام الصلاة، وصلى بهم الصبح، فلما أن قضى الصلاة قال: من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى يقول: «وأقم الصلاة لذكرى» وإن هذا الحكم يستفاد منه أمران: أولهما: وجوب قضاء الصلاة إذا فاتته بنوم أو نسيان مما لا قبل له بدفعه كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» . ثانيهما: أن قضاء الصلاة كما يكون بالانفراد يكون بأدائها جماعة مع إقامة الصلاة، وذلك بلا ريب هو الأفضل، لأن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فالجماعة لا تسقط عند القضاء، كما يتوهم بعض الناس. ويجب أن نبين هنا أن بعض الفقهاء يقرر أن القضاء يغنى غناء الأداء فى حال فوات الصلاة بالنوم والنسيان، ولا يغنى القضاء غناء الأداء إذا كان فوات الأداء من غير هذين العذرين. ويكون القضاء واجبا فى هذين العذرين ولا يكون واجبا فى غيرهما. بل إن التوبة تكون هى الرافعة للإثم، والقضاء لا يغنى عنها، وذلك لأن فوات الوقت وترك الصلاة من غير عذر لا يسقط وجوب أدائها، فلا يغنيه فتيلا القضاء بعد ذلك، لأن الصلاة ليست نقدا يكون فى مقابل نقد، إنما الصلاة شرعت تهذيبا للنفوس فى مواقيتها، فهى عبادة مقصودة فى أوقاتها لتجلو

стр. 793

صدأ القلوب فى الصباح، وصدأها فى الظهيرة، وفى الأصيل وفى العشية، كما قال الله : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَعَشِيًّا، وَحِينَ تُظْهِرُونَ فالصلاة فى أوقاتها مطلوبة فى ذاتها وفى الوقت تطهيرا للنفس، وإزالة لصدئها، ولا تترك حتى يعلوها الصدأ ويتراكم فلا يزال، ولا يصلح ذلك الإثم إلا التوبة. ونحن نرى أنه لا بد من التوبة، وقد يجدى القضاء مع التوبة، والله تعالى غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا، ثم اهتدى. تحريم المتعة في خيبر ٥٤٧- جاء فى تاريخ الحافظ ابن كثير: وقد تكلم الناس فى الحديث الوارد فى الصحيحين عن طريق الزهرى عن عبد الله والحسن ابنى محمد بن الحنفية عن أبيهما عن على بن أبى طالب رضى الله ﵎ عنهم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية. هذا لفظ الصحيحين عن طريق مالك وغيره عن الزهرى، وهو يقتضى تحريم نكاح المتعة يوم خيبر، وهو مشكل فى وجهين: أحدهما: أن يوم خيبر لم يكن ثم نساء يستمتعون بهن، إذ قد حصل الاستغناء، بالسبايا عن نكاح المتعة. الثانى: أنه قد ثبت فى صحيح مسلم عن الربيع بن ميسرة عن معبد عن أبيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أذن لهم فى المتعة زمن الفتح، ثم لم يخرج من مكة المكرمة حتى نهى عنها، وقال: «إن الله تعالى حرمها إلى يوم القيامة» فعلى هذا يكون قد نهى عنها، ثم أذن فيها ثم حرمت فيلزم النسخ مرتين، وهو بعيد، ومع هذا فقد نص الشافعى على أنه لا يعلم شيئا أبيح ثم حرم، غير نكاح المتعة، وما حداه إلى هذا إلا الاعتماد على هذين الحديثين. إن هذا الذى ساقه الحافظ ابن كثير يدل على أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن المتعة فى خيبر، وما أقامه من إشكال لا يرد الحديث الصحيح الذى أجمع عليه الشيخان. فالإشكال الذى ساقه بتوافر السبايا فى خيبر يدل على النهى ويؤكده، ولا ينقضه، لأنه حيث توافرت السبايا لا يكون شكوى من العزوبة، فلا يكون للمتعة موضع، فلا يكون إذن، فهو موثق للتحريم وليس بناقض له. أما الإشكال الثانى: فقد رده هو بتكرار الإذن، ثم تكرار النهى، وكونه بعيدا فى نظره يرد كلام الشافعى رضى الله تعالى عنه، وإذا كان بعيدا، فإنا نرجح حديثا أجمع عليه الشيخان على حديث انفرد به أحدهما.

стр. 794

ومهما يكن ما ارتاه الحافظ بن كثير من إشكال حول حديث الشيخين فإنه من المؤكد أنه كان ثمة نهى عن المتعة فى خيبر، سواء أجاء إذن بعد ذلك، ثم نهى أم لم يجيء. حقيقة المتعة: ٥٤٨- وجد فى هذه الأيام ناس فى مصر لا حريجة تدفعهم ولا دراسة تمنعهم، يدعون إلى المتعة، فعلينا أن نذكر حقيقتها كما هى عند الذين يدعون إليها، ومن حقيقتها يتبين أهى متفقة مع المباديء الشرعية المقررة فى الزواج، وهى مباديء علمت من الدين بالضرورة. وقد عرفها العلماء بأنها اتفاق بين رجل وامرأة بحضرة شهود على أن يعاشرها مدة معلومة، على مهر، أو أجرة معلومة، وقال صديق خان فى كتابه (سبل السلام) لا تتجاوز مدتها خمسة وأربعين يوما، ولكن المشهور أنها تصح بأكثر من هذه المدة. واذا أخلت المرأة بتسليم نفسها جزآ من المدة نقص من الأجرة ما يقابلها، فهى إجارة لبضع المرأة كإجارتها للرضاعة. وتختص بالأحكام الآتية: ١- لا تورث فيها، فإذا مات أحد الطرفين لا يرثه الآخر، لأن الميراث ثبت بين الزوجين وهما ليسا زوجين باتفاق الفقهاء. ٢- لا يقع فيها طلاق ولا ظهار ولا إيلاء ولا غير ذلك مما هو من أحكام إنهاء الزواج، ولكن ينتهى الأمر فيها بانتهاء المدة. ٣- أن العدة فيها حيضتان لا تزيدان عن خمسة وأربعين يوما، أو بأقل الأجلين. ٤- أنه ليس فيها عدة وفاة، لأنها خاصة بالأزواج، بل العدة هى حيضتان، وأخيرا هى عند الذين أباحوها من الشيعة ليست من الزواج فى شيء مطلقا. فتلك الأحكام التى ذكرناها منقولة من كتبهم، منها أخذناها، وفيها نردها. وإن الأحكام التى يقررها لها الشيعة الإمامية التى أجازوها تنبه لا محالة إلى أنها ليست زواجا، وليس لها أحكام، وهى من قبل اتخاذ الخلائل كما يعبر الأوربيون، وكما هى لغة الفساق فى هذا العصر، أو بتعبير هى من قبيل اتخاذ الأخدان المنهى عنه فى القرآن الكريم نهيا أبديا قاطعا، اذ لا يحل فى العلاقة بين الرجل والمرأة إلا الزواج، الذى يكون ما عداه امتهانا للمرأة إذ تتخذ متاعا، لقضاء لبانة الرجل يذوقها، ثم

стр. 795

يرميها، ويستأجرها مستمتعا بأجر، ولقد قال الله مبينا أن الفروج لا تحل إلا بالزواج، أو بملك الأيمان، فقال الله فى وصف المؤمنين: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ. فهذا النص قاطع فى أنه لا تباح الفروج إلا بالزواج، أو ملك اليمين، وأن من ابتغى وراء الزواج أو ملك اليمين فهو عاد أثيم، فالذى يتخذ المتعة فى الفروج عاد أثيم. ولقد نهى القرآن الكريم نهيا قاطعا عن اتخاذ الأخدان، وليست المتعة إلا من قبيل اتخاذ الأخدان أو اتخاذ الخلائل، كما ذكرنا، فتحريمها ثابت بنص قرآنى، إذ يقول الله : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أى أحل لكم الزواج غير تلكم المحرمات السابقات أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ، وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ فاتخاذ الأخدان حرام بهذا النص، ويقول الله فى شأن زواج الإماء: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ، وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ. وينهى عن اتخاذ الأخدان عند بيان حل النساء الكتابيات؛ فيقول سبحانه وتعالي: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ. واتخاذ الأخدان أو اتخاذ الخلائل، الذى هو اتفاق مع امرأة على أن يتعاشرا من غير زواج مدة معلومة بأجر، فإذا انتهت المدة افترقا، وهو والمتعة شيء واحد. نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن المتعة: ٥٤٩- لم يرد عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذن بالمتعة صريح قط، إنما الذى ورد فيها نهى صريح عنها، وفهم الذين فهموا الإذن بها من النهى عنها، لأن النهى يجب أن يكون له موضوع ولا موضوع للنهى فى المتعة إلا إذا كان إذن بها. ولقد اتفق العلماء على أن أول نهى عنها كان فى خيبر، ثم تتابع النهى بعد ذلك فى خمسة مواضع أخرى فنهى عنها فى عمرة القضاء، وفى غزوة تبوك وغزوة فتح مكة المكرمة، وعام الفتح، وفى

стр. 796

حجة الوداع، ولولا تضافر الأخبار بأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أذن بها لقلنا أن ذلك التكرار كان لتأكيد المنع، إذ كانت عادة عميقة فى الجاهلية، فكان التأكيد لقلع جذورها من نفوسهم. ولكن تكاثرت الأخبار بالفعل قبل الإذن، فتقبل الأمرين الإذن من غير إباحة مطلقة، بل بضرورة الفردية الشديدة فى الحرب، والأمر الثانى النهى القاطع فى تحريمها إلى يوم القيامة. ويصح أن نقول أن النهى فى أوله كان لمن أذن له قبله. والنهى من بعد ذلك كان نهيا ناسخا إلى يوم القيامة. وفوق ذلك بيان التحريم القاطع فى القرآن الكريم الذى لا إذن فيه قط، وهو العزيمة التى لا رخصة فيها، ولا مظنة لرخصة قط. ٥٥٠- فلننظر بعد ذلك فى أمرها. لقد أجمع فقهاء السنة جميعا أنها محرمة تحريما أبديا إلى يوم القيامة، وقد روى أن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما كان يترخص فيها للضرورة فى حال الحرب، وهى التى قيل أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أذن بها لشدة العزوبة فى بعض حروبه، وإذ كان لم يعرف أنه أذن بذلك فى حرب معينة، ولقد نهاه على كرم الله وجهه عن أن يفتى بهذه الرخصة، وبين له أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد نهى عنها، وقال مخاطبا ابن عباس: «إنك امرؤ تائه- لقد نسخها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم- ووالله لا أوتى بمستمتعين إلا رجمتهما» . ويروى أن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما قد رجع عن ترخصه، وأفتى بالمنع. ولم يقل أحد قط من علماء الجماعة أنها مباحة لضرورة الشباب الذين يتعذر عليهم الزواج، فتلك فرية من رجل لا يتحرج في قوله، ولا يتعمق في علم، ولا يهتم بحرام ولا حلال. بقي أن ننظر في الشيعة الإمامية فنقول أننا نرى المتأخرين منهم يفتون بها، ولا نري الأئمة أو الأوصياء قالوها، وإن وجد من ادعاها لهم. وتنقل لك المصادر الفقهية الشيعية التي تنفي عن أئمة الشيعة المهديين وعلي رأسهم الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق، وأبوه العظيم أبو جعفر محمد الباقر بن علي زين العابدين. فقد روي أن بساما الصير في سأل أبا عبد الله جعفر الصادق عن المتعة، فقال رضي الله ﵎ عنه: إنها الزنا. ولقد جاء في الكافي عن يحيي بن زيد فقيه العراق أنه قال: أجمع آل رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم على كراهة المتعة والنهي عنها.

стр. 797

ولقد روى البيهقى عن ابن شهاب الزهرى أنه قال أن ابن عباس رضى الله عنهما ما مات حتى رجع عن هذه الفتيا، ولقد قال سعيد بن جبير لابن عباس: ما تقول فى المتعة، فقد أكثر الناس فيها، وأنه نقل عنك الفتوى بجوازها، فقال ابن عباس: والله ما أفتيت بهذا، وإلا فهى كالميتة لا تحل إلا للضرورة ونحن لا نجد أى ضرورة تبيحها حتى يكون أقرها عند الاضطرار كالميتة، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد صرح بأنه لا ضرورة عند الشباب تلجئهم إلى ذلك كما يدعى من لا حريجة للدين فى قلبه، فقد قال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» ومادام باب الصوم مفتوحا فإنه لا ضرورة تسوغ المتعة، أو ترخص فيها. وإن فقهاء الشيعة الإمامية الذين جاؤا بعد عصر أئمة الشيعة ادعوا أنه لا نسخ فيها واستدلوا على بقائها بما يأتى: أولا: أنه ثبت الإذن بها بالإجماع، فقد أجمع المسلمون على أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أذن بها، وإن الأدلة التى ثبت فيها النسخ أخبار آحاد، وهى لا تنقض الأمر المجمع عليه، وقد روى عن ابن مسعود أنه أفتى بها، وفى الصحيحين أنه قال: رخص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء، ثم قرأ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. وأن عبارات النسخ التى وردت فى أقوال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إنما هى منصبة على الميراث والطلاق. ثانيا: قالوا إن قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ تدل على إباحتها، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. وإن هذا الكلام غير صحيح فى جملته وتفصيله، وهو جاء بعد عهد الأئمة والأوصياء، وهو باطل من وجوه: أولها: أن الآية التى ساقوها هى فى بيان أحكام النكاح الصحيح المرتب لآثار، ولم يكن موضوعها المتعة، إنما موضوعها النكاح، لأنها بيان لنهاية المحرمات، إذ يقول : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ ... إلى قوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ، فالاستمتاع هو استمتاع الزوجين، يعرف هذا المدلول من له أدنى إلمام بالعربية، وفوق ذلك فإنه قال بعد ذلك: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ، وبدليل قوله

стр. 798

تعالى فى النص الكريم: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا شك أن المتعة لا توجب إحصانا يوجب الرجم. وثانيا: أن الإجماع لم ينعقد على إباحتها، والتعبير بإباحتها خطأ، فلم يقل المحققون بأنها كانت مباحة إنما أذن فيها، كما أذن بأكل الميتة، فإن الإباحة تكون لأمر ذاتى فى الفعل، أما الإذن فإنه يكون لضرورة سوغت الإذن، وإذا عبر بعض الأئمة بالإباحة فمن قبيل التسامح فى التعبير. وإن العلماء من بعد نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أجمعوا على نسخها فلا موضع للقول بالإجماع، وإذا كان قد أثر عن ابن عباس أنه أذن بها فى حال الضرورة الحربية فقط، فقد روى أنه رجع عن رأيه، والله أعلم. ولقد قالوا- أى بعد عصر الأئمة والأوصياء عندهم- أن الإجماع انعقد على إباحتها بين الشيعة والسنة وانفرد أهل السنة بالنسخ، ونقول لهم أن الأدلة التى أذنت بها هى التى نسختها، فلا يقال إجماع على الإذن، وعدم إجماع على النسخ، فالأدلة ملزمة فى الأمرين. وثالثها: أن ثبوت النسخ لم يكن بخبر آحاد، بل لأنها فى ذاتها محرمة كالميتة والخنزير والدم المسفوح، وما أهل لغير الله به، وذلك ثابت بالقرآن الكريم، فى قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ قاطعة فى إثبات التحريم، لأنه من المؤكد المتفق عليه أن علاقة المتعة ليست علاقة زوجية، فهى لا تعد زوجة بدليل أنه لا يجرى فيها طلاق ولا ميراث، ولا عدة زوجية، لا فى حال الموت ولا فى حال الانفصال. والنهى عن اتخاذ الأخدان المتكرر يدل على تحريمها لأنها ليست إلا كذلك، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما أذن بها كان لضرورة. فى مخالفة المحرم تحريما قاطعا كمبدأ عام، وقد قال العلماء فى ذلك: قاعدة الضرورات تبيح المحظورات. وقد نسخ الإذن فى حال الضرورة فى حال الحرب ضرورة لما استأنس الناس بالإسلام، وأشربوا حبه وعودوا الصبر وضبط النفس بالإيمان. وفى الحق أن المتعة من بقايا الجاهلية وهى كما قررنا من نوع اتخاذ الأخدان، فلما كان المؤمنون قريبى عهد بالجاهلية عد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك ضرورة لهم فى الحرب، فأذن بها للذين لا يزالون فى نفوسهم بعض العادات الجاهلية، ولذلك لم يؤثر عن أحد من المؤمنين الراسخين أنه استساغها كأبى بكر وعمر وعلى وأحد من المهاجرين الأولين والأنصار والسابقين، وهم كانوا يحضرون كل

стр. 799

حروب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مجاهدين، وكان فيهم شباب أقوياء فى أبدانهم كعلى بن أبى طالب، والجميع كانوا أقوياء ولعل الذين شكوا العزوبة من الأعراب أو ممن لا قدم لهم فى الإسلام فالنهى عنها ثابت بالقرآن الكريم ونسخ الإذن للضرورة ثابت بالسنة، ونقول متحدين أأباحها أحد فى حال السلم والإقامة حتى تبيحوها معشر الشيعة فى الحل والترحال والسلم والحرب فى السفر والحضر. ويجيء من لا حرمة للحقائق عنده لتبليغ كلامهم لأنه يبيح المحرمات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ورابعها: أن ادعاء أن الحديث الناسخ خبر آحاد، ادعاء باطل، وذلك لأمرين: (أ) أنه قاله فى جيش فتلقاه أكثر من خمسة وألف، فمستحيل أن يكون ناقله واحدا، بل الذى نقله يؤمن تواطؤه على الكذب، ونقله هذا الجمع إلى الأمة كلها، ففرض الآحادية باطل لا شك فى ذلك. (ب) أن الأمة كلها أجمعت على ذلك ورمى على كرم الله وجهه وهو الوصى الأول عندهم ابن عباس فقال له إنك امرؤ تائه، ولقد كان ابن عباس فى وقت قول هذا الإذن غلاما، وكان فى مكة المكرمة، لم يهاجر أبوه إلى المدينة المنورة، ولذلك كان الوصف بأنه تائه، وصفا صحيحا من إمام الهدى على. ونكرر القول هنا بأن أئمة الشيعة، أو الأوصياء فى لغتهم لم ينقل عن أحد منهم. ولنختم الكلام فى المتعة التى هى أمر فاسد فى ذاته بكلمتين: أولاهما: أن المتعة بحكم القرآن الكريم حرام، وإذا لم نلتفت إلى النص القرآنى (ولا يصح ذلك) لا تكون مباحة، لأن ما يكون معمولا به فى الجاهلية ويحرمه الإسلام، لا يقال أنه كان مباحا، ثم حرم، لأن الإباحة تقتضى أنه لم يكن فى ذاته قبيحا، وهو كذلك، بل يقال إنه قبل التحريم كان محل عفو، وكذلك كان التعبير فيما يحرمه، وقد كان أهل الجاهلية يستبيحونه عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ. الثانية: نذكر ما يشترطه الشيعة فى شروط صحة المتعة مما ينأى بها عن معنى الزواج من كل الوجوه، لقد ذكروا لها شروطا وركنا. أما الركن فهو إالايجاب والقبول، وأما الشروط فهى ثلاثة: أولها: ذكر المهر، وهو الأجرة، فإذا لم يذكر الأجر تفسد المتعة، كالإجارة إذا لم تذكر الأجرة لا تنعقد الإجارة، فهى فى حقيقتها اجارة المرأة للمتعة كإجارتها للخدمة على سواء.

стр. 800

والشرط الثانى: ذكر الأجل أو المدة، وذلك لا بد منه فى الإجارة الخاصة بالأجير الوحد أو الأجير الخاص، بيد أن ذلك شرط فى الأجير الوحد إذا كانت الإجارة لمدة معلومة ولم تطلق من غير زمان كأن يستأجره لغير مدة على أن تكون الأجرة كل يوم، أو كل أسبوع كذا، أو كل شهر، والإجارة فى المتعة أخص من ذلك، لأن الأجرة فيها على مجموع المدة. ثالثها: ويشترط لكى تستحق المرأة الأجرة كاملة أن تمكنه منها طول المدة، فإذا لم تقدم نفسها فترة من المدة المتفق عليها، فإنه ينقص من الأجرة بمقدارها، ومثلها فى ذلك من استأجر دارا ليسكنها، فتعذر الانتفاع بالسكن فيها مدة، فإنه ينقص من الأجرة ما يقابل الفترة التى تعذر الانتفاع فيها. وقالوا فى أحكامها أن الولد الذى يجيء ثمرتها يثبت نسبه، ولكنه يقبل النفي، فإذا نفى النسب انتفى من غير لعان، وبذلك يكثر الأولاد الذين لا آباء لهم، إذ لا يوجد من يلحق نسبهم به، ولا حاجة إلى لعان فى نفى نسب إذ اللعان فى حال قيام الزوجية ولا زوجية. وقد ذكرنا أن الانفصال فيها يتم بانتهاء المدة، كما تنتهى المدة بانتهاء مدة الإجارة تماما إذ كانت الاجارة الخاصة مقدرة بمدة معلومة، فهى إجارة لبضع المرأة، فحكمها كسائر الإجارات، وأيضا لا توارث بينهما، وعدتها استبراء الرحم بحيضتين بحيث لا تزيد على خمسة وأربعين يوما. أيها الناس هذه هى المتعة، أو بعبارة أدق إجارة بضع المرأة لمدة معلومة فهل هى صالحة للتطبيق فى عصرنا إن فرضنا صحتها، وهو مستحيل، إنها لا تليق بكرامة المرأة، بل فيها أشد الامتهان لها، والنزول بها إلى مرتبة الخادم التى تستأجر فى شرفها وهى دون المرضع، ثم هى تكثر الأولاد غير الشرعيين. فكروا أيها الناس إن كان ثمة موضع للتفكير. إنها الزنا كما قال الإمام محمد الباقر، وابنه أبو عبد الله جعفر الصادق. فهل مع هذه الأضرار الاجتماعية الخطيرة، نبيحها بغير إباحة الشرع لشبابنا، الذين لم يتزوجوا، ونقضى على الأسرة، ولا نقول لشبابنا ما قاله الرسول الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أحصن للفرج، وأغض للبصر ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» . أيها الناس أطيعوا الله ورسوله ﵊ ولا تستمعوا إلى المتفيهقين المتعالين فى هذا الزمان، والله هو الهادى إلى سواء السبيل رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً.

стр. 801

تحريم ربا البيوع ٥٥١- ثبت أن تحريم ربا البيوع كان فى غزوة خيبر، أو أن تطبيقه كان واضحا فى غزوة خيبر، وربما كان تحريمه قبل ذلك، ولكنا نرى أول تطبيق كان فى غزوة خيبر أو مقترنا فى الزمان بها، فحق علينا أن نذكره ونحن نتكلم فيها، كما تكلمنا فيما تنبهنا له، من الأحكام العملية التكليفية التى ظهرت فى أثناء الغزوات التى ذكرناها من قبل. وقبل أن نخوض فى بيان ما ذكر فى تحريم ربا البيوع فى غزوة خيبر نقول: إن كلمة ربا فى الأحكام الشرعية تطلق بإطلاقين، أحدهما لغوي، والثانى عرفى إسلامى اصطلاحى فقهى، والقسمان متمايزان مختلفان. فالقسم الأول: اللغوى هو ربا الجاهلية وهو ربا الديون بأن يقرض دينا، ويزيد فى الدين كلما زاد الأجل، فالزيادة تكون فى نظير الأجل، وهذه الزيادة هى الربا. وهو الذى نزلت الآيات القرآنية بتحريمه فى مثل قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا إلى قوله تعالى وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ. وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ. والتحريم فى هذا النوع من الربا عام، سواء أكان القرض للاستهلاك أو الاستغلال، ومن يفرق بينهما يفسر الأحكام القرآنية كما يهوى، لا كما تدل عليه. القسم الثانى: ربا البيوع، وهو ربا لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سماه ربا، فهو حقيقة عرفية، وقد جاء فيه الحديث الشريف «الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد، والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والبر بالبر مثلا بمثل يدا بيد، والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد، فقد أربي» . ونرى من هذا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سماه ربا فهو ربا، وقد طبق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك النوع من الربا فى غزوة خيبر، فحق لنا أن نتكلم ببعض القول فيه. فقد جاء فى السيرة النبوية لابن هشام: قال ابن إسحاق: حدثنى يزيد بن عبد الله بن قسيط أنه حدثه ابن الصامت قال: نهانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم خيبر عن أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين. وتبر الفضة بالورق العين، وقال: ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين، وتبر الفضة بالذهب العين.

стр. 802

وأن معنى الحديث أن يباع الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، فإن تعذرت المماثلة بين التبر والذهب العين، فإنه لا يصح البيع، بل يجب أن يتخالف الجنس فيباع تبر الذهب بالفضة، وتبر الفضة بالذهب لأن المماثلة فى هذه الحال غير واجبة. ولقد جاء بعد ذلك الحديث السابق وهو أعم من الذهب والفضة وجاء بعد ذلك فى أحاديث أخرى التمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد أى اشتراط القبض فى الحال ثابت، ولا يصح التأجيل وأن الردئ لا يضاعف فى سبيل الجيد من هذه الأصناف، وقد ثبت فى غزوة خيبر، فقد جاء فى تاريخ الحافظ ابن كثير أن البخارى روى عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاء بتمر جنيب، فقال ﵊: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تفعل هذا بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا. وإن هذا الحديث الصحيح يدل على أمور ثلاثة: أولها: أن تطبيق ربا البيوع كان فى خيبر، ولعله كان ابتداء تحريمها. وثانيها: أن الجنيب بلح جيد، وأن غيره دونه، ولذلك كانوا يلاحظون هذه التفرقة عند المبايعة، فالجنيب يبادل بضعفه، أو الاثنين بثلاثة، وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن البيع بغير المماثلة فى التمر والبر والشعير والذهب والفضة، والملح، والزيت فى بعض الروايات، وغيرها من المطعومات. ثالثها: الطريق فى التعامل بهذه الأشياء التى لا يصح البيع فيها إلا بالتماثل فى الكيل أو الوزن عند اختلافها فى الجودة، قد بينه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يبيع الرديء، ويشترى بثمنه جيدا وهذا الحديث الذى جاء فى خيبر روى فى معناه أن رجلا جاء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقال: عندى بسر وأريد رطبا، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: بع البسر، واشتر رطبا. وهذه الفتوى النبوية فيها فائدة لمن عنده بسر، وفائدة لغيره، ففائدة صاحب البسر أنه استبدل به رطبا، وهو ما يشبهه، وفائدة المشترى أنه أخذ البسر، وربما يبتغيه، وهناك فائدة لثالث، وهو أن يأكل من ليس عنده بسر، ولا رطب، فلا يحرم من البلح حرمانا كاملا. وقبل أن نترك هذا الخبر الذى جاء تطبيقه فى غزوة خيبر لا بد من التعرض بالإجمال لموضوعين: أحدهما حكمة التحريم، والثانى العلة القياسية التى يمكن أن يطبق فيها النص على غير هذه الأنواع من المبيعات.

стр. 803

الحكمة فى تحريم البيوع فيها إلا بالمثل: ٥٥٢- إن هذه الأشياء التى ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا يصح بيعها إلا بما يماثلها كيلا أو وزنا، كالقمح والشعير، والملح، والذهب والفضة، هى من الضروريات للحياة، ومنع بيعها إلا بمثلها، وأن تكون مقبوضة يدا بيد، إنما المنع لكيلا يكون التبادل محصورا فى المالكين لها فقط، فإنه إذا ساغ بيع البر بالبر ملاحظا فيه أن الجيد يكون فى مقابل ضعف الرديء وكذلك الشعير والتمر والملح، فإن التبادل فيها يكون مقصورا على الذين يملكونها دون غيرها، وقد يؤدى ذلك إلى أن يحرم منها من لا ينتجونها ولا يملكونها، وإن ذلك قد يؤدى إلى احتجازها عمن لا يملكون وهم مضطرون إليها، فيكون توزيع الإنتاج بين الناس بالعدل والقسطاس المستقيم. وإن ذلك يمنع الاحتكار أو يسد ذرائعه، وتكون الأقوات متوافرة لدى الناس، إذ أن ملاكها يكونون مضطرين لأن يبيعوها، ولا يختزنوها طلبا لحاجاتهم. وإن النقدين الذهب والفضة، كانا ولا يزال الذهب مقياس قيم الأشياء، وبهما تقوم المنافع فى الثمرات والأثواب والأقوات، وإذا اتخذ المقياس النقدى موضعا للاتجار اضطربت الموازين، واختلت المقاييس، وكانت الاضطرابات الاقتصادية، وحسبك ما تراه الآن وقت أن تحلل الناس من الذهب، واستبدلوا بها النقد الورقي، وقد اضطربت فيه العلاقات الاقتصادية، وصعب التعامل من ضعف الأوراق وقوتها مما صعب الاتجار، وتعذر جلب الأرزاق فى أرض الله، وتكدسها فى أرض أخرى. ولقد ادعى بعض الكتاب من الأوربيين أن حديث الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد، والفضة والبر والشعير، وغيرها من المطعومات قد وضعه اليهود على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليبعدوا العرب عن الاتجار، وتبقى التجارة فى أيديهم. وذلك كلام لا تبرره الحقائق، للوجوه الآتية: أولها: أن حديث بيوع الربا روته كل الصحاح، حتى كاد يخرج عن حد الأحاديث إلى ما يقرب من المتواتر، ومن المؤكد أنه مستفيض مشهور تلقته الأمة كلها بالقبول، والأحاديث المكذوبة لا يمكن أن يكون لها ذلك الوصف من الاستفاضة والشهرة. ثانيها: أن هذا الحديث ثبت أنه طبق فى خيبر، وروى البخارى وغيره تطبيقه فى خيبر، وذلك فى الوقت الذى دكت فيه حصون اليهود دكا ولم يكن لهم قوة، ولم يكن لهم أمل إلا أن يكونوا زارعين يحرثون ويغرسون، ويصلحون النخيل، وسائر الأشجار، ولم يكن لهم قوة يستطيعون بها الاتجار، بل كانوا نتيجة الحرب أذلاء مستضعفين، وقد كانوا يريدون غير ذلك، فحيل بينهم وبين ما يشتهون.

стр. 804

ثالثها: أن اليهود المقيمين فى ظل الدولة الإسلامية فى أحكام العقود وشروط صحتها كالمسلمين، فلا يمكن أن يخالفوها، وهى مطبقة عليهم، وعلى المؤمنين على سواء، عملا بالقاعدة الإسلامية العادلة «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» . علة القياس فى الأموال الربوية: ٥٥٣- هذه هى الحكمة، وهى المصلحة الاجتماعية والإنسانية فى بطلان البيع إلا مثلا بمثل يدا بيد وإن هذه الأموال التى ذكرت تحريم الفاضل فيها معلولة، أى أن الحكم يشتمل على هذه الأشياء المذكورة، وعلى غيرها مما يكون فى معناها، كالزيوت، والذرة، وغيرها مما يتحقق فيه معناها الذى اعتبر سببا للتحريم، أو علة له. والفرق بين العلة والحكمة أن الحكمة هى المصلحة الثابتة التى تكون وصفا مناسبا للحكم، وغاية له يتعرفها المكلف مما احتوى عليه الأمر التكليفى. والعلة هى الوصف المنضبط الذى يتحقق فى الأمر الذى جاء به التكليف، وكانت الحكمة متحققة فيه غالبا، فالفرق بينهما هو الانضباط، وأن العلة تكون وعاء للمصلحة التى هى العلة. وقد اتفق الفقهاء الذين يقيسون الأمور غير المنصوص على حكمها على الأمور المنصوص على حكمها، اتفقوا على الحديث الشريف الوارد فى تحريم الأصناف المذكورة، والمروية بروايات مختلفة معلل المعنى وليس نصا تعبديا مقصورا على موضعه، وكذلك كل الأمور المتعلقة بمعاملات الناس، فالنصوص معللة أى تثبت فى كل موضع تثبت فيه العلة، قد اتفق الفقهاء على أن علة التحريم فى النقدين الذهب والفضة بأن لا بيع فيها إلا بالمثل يدا بيد هو الثمنية، وكونها ميزانا لقياس قيم الأشياء، ومقدار ما فيها من نفع يشبع حاجات الناس، فكل ما يتحقق فيه الثمنية يجرى فيه حكم الذهب والفضة. وكان الاختلاف بين فقهاء القياس فى علة التحريم فى غيرهما، فقال أبو حنيفة وأصحابه: علة التحريم اتحاد التقدير بالكيل أو الوزن واتحاد الجنس، فالذرة بالذرة مثلا بمثل يدا بيد، لاتحاد الكيل واتحاد الجنس، وكذلك الزيت بالزيت، وحينئذ يحرم التفاضل، ويحرم تأجيل أحد العوضين، وكل ذلك فى الأمور التى يقر العرف التفاوت فيها كالحديد ونحوه، فإن التفاضل والتأجيل يجوز. فأبو حنيفة رأى أن تكون العلة أمرا ماديا ظاهريا يصلح أن يكون جامعا بين الأمرين، والشافعى نظر فى غير الأثمان إلى كونه مطعوما، فجعل العلة فى منع التفاضل كونه مطعوما، إذ التفاضل فيه يؤدى إلى أن تحتكر الأطعمة فى يد منتجيها أو المستولين عليها، لأنه إذا جرى فيها التفاضل فى التعامل بها، بأن يبيع

стр. 805

البر الرديء بضعف البر الجيد، كان التعامل بين المالكين للبر ولا يأخذه من ليس عنده بر قط، وأنه إذا امتنع التفاضل فى مبادلة الجيد بالرديء، كان لا بد أن يأكل من ليس عنده جيد من البر ولا رديء، فإنه يلزم حينئذ أن يبيع الرديء ليشترى جيدا أو العكس، فيقع الطعام فى يد المحروم. وأنه إن اتحد الجنس منع التأجيل ومنعت الزيادة، ويسمى التأجيل ربا النساء، ويسمى التفاضل ربا الفضل، هذا ما قاله الشافعي، وهو يتحد مع الحنيفة فى أن سبب منع التفاضل والتأجيل فى النقدين الذهب والفضة هو الثمنية، وأنها مقاييس القيم والمالية فى الأموال، فلا يصح أن تكون سلعة تباع وتشترى ويجرى فيها الاتجار، وإلا اضطراب الميزان، كما نرى الآن فى الأوراق النقدية، وما يترتب على علوها وانخفاضها من اضطراب اقتصادى. وقالت طائفة من حذاق المالكية، أن العلة فى التحريم فى الأمور المنصوص على تحريم التفاضل والتأجيل فيها هى الطعم والادخار، بأن تكون من المطعومات، وأن تكون قابلة للادخار، فتكون من الأطعمة التى لا يفسدها الادخار كالبر والشعير والتمر، والملح، وما يشبهها من الأطعمة، والفواكه المجففة التى تدخر، كالزبيب ونحوه. وذلك لأن كونها من الأطعمة، وقابلة للتخزين يؤدى للاحتكار الأثيم، والاحتكار من أسباب الأزمات ويزيدها حدة. تنبيهات: قبل أن نترك الكلام فى الربا الذى اقترن تحريمه بغزوة خيبر، فنزل فى إبانها، وهو ربا البيوع، لا بد أن نذكر أمورا ثلاثة هى توجيه الأنظار إلى الوقائع، وما يقترن بها، وما يجرى حولها. أول هذه التنبيهات: هو الاجابة عما يجول فى النفس لماذا كان تحريم ربا البيوع فى خيبر؟ وتلك الإجابة.. أن فتح خيبر كان فتحا جديدا بالنسبة للعلاقات المالية التى يجرى فى ظلها التبادل المالى، فكانت فيها شرعية المزارعة والمساقاة ولم تكن تجرى كثيرا فى يثرب. وثانيها: تحريم البيوع التى تؤدى إلى الاحتكار فى الأطعمة، وقد حرمه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تحريما قاطعا، فجعل أموالا معينة غير خاضعة للاتجار المطلق، لأن باب التجارة انفتح بغزوة خيبر، فكان لا بد من جعله فى إطار لا يؤدى إلى الاحتكار. الأمر الثانى: أن الربا القوى وهو ربا الديون أو ربا الجاهلية حرام لا شك فيه لا يسع مسلما أن ينكره، أما ربا البيوع فلم يثبت إلا بالأحاديث الواردة فيه، وهى أحاديث لا تثبت قطعيا ويقينا، ولكن تثبت العمل.

стр. 806

ولقد كان ابن عباس رضى الله تعالى عنه ينكر ربا البيوع، ويقول أنه لم يثبت، وكان يقول مسندا لقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم! «إنما الربا ربا النسيئة، وهو ربا الجاهلية» ولقد سئل الإمام أحمد ابن حنبل: ما الربا الذى لا يسع مسلما أن يجهله، فقال: أن يعطى الرجل دينا ويزيده فى الأجل فى نظير الزيادة فى الدين، وأن من ينكر أمرا علم من الدين بالضرورة يكون خارجا عن الإسلام. الأمر الثالث: أنه مع الأسف أن كثيرين ممن كتبوا فى الربا، وحللوا وحرموا بغير ما أنزل الله، ومنهم من بلغوا مناصب تجعلهم مسئولين عن أقوالهم أمام الله وأمام الناس، من خلطوا بين ربا البيوع، وربا الجاهلية الذى ثبت بالقرآن الكريم، فضل عنهم فهم الربا، وضلوا فى أنفسهم، وأضلوا الناس ضلالا بعيدا، ولم يكن جهلهم لضرورة يعذرون فيها، بل كانت بين أيديهم أسباب العلم، فتركوها ليتعلقوا بما يرضى الناس ولا يرضى الله. شرعية الجزية ٥٥٤- كان أول تطبيق للجزية فى تيماء التى كان فتحها بعد خيبر، فقد جاء فى الصحيح أنها فرضت فيها الجزية على أهلها، فكان على أهلها جزية الرؤس، وعلى أرضها الخراج وهى جزية الأرض، والجزية فرضت بنص القرآن الكريم إذ يقول الله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، وَهُمْ صاغِرُونَ أى خاضعون للحكم الإسلامى غير متمردين بل مندمجون، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وإن قتال خيبر ووادى القرى، واستسلام تيماء، كان من قتال أهل الكتاب، وقد بين الغاية وهى أن يسلموا أو يستسلموا، وفى الحال الأخيرة يدفعون الجزية عن يد، وهم خاضعون طائعون، وأنه يظهر أن أول جزية فرضت كانت فى تيماء. وقبل أن نذكر ما عمله النبي صلي الله تعالي عليه وسلم في الجزية، نقول أنها ليست للإذلال، كما أخذ بعض الناس من ظاهر لفظ وهم صاغرون، إنما هى لأمرين: أولهما: إظهار الطاعة للحاكم المسلم، وإمام المسلمين غير مضارين في دينهم، ولا مغيرين لعقائدهم ومبادئهم الدينية، ولا مرهقين فى أمرها. ثانيهما: أنها تكون في مقابل ما يفرض علي المسلمين من فرائض مالية ليسهموا بها فى بناء المجتمع الإسلامي، فالمسلم يفرض عليه بحكم الإسلام أداء الزكاة، والدولة هي التي تجمعها، وتفرقها علي الفقراء والمساكين والعالمين عليها والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، وفي سبيل الله تعالي يشمل الجهاد، وكل المصالح والمرافق العامة للدولة.

стр. 807

وعلى المسلم كذلك زكاة الفطر وكفارات النذور والأيمان والقتل الخطأ، والظهار، وفدية الصيام وكفارته، وكل هذه مغارم تصرف لعلاج آفات الفقر فى المجتمع. فكان العدل يوجب أن يفرض على غير المسلم الذى يعيش فى ظل الإسلام فرائض تقابل ذلك، فكانت الجزية، وكان الخراج، يصرف منها على المصارف العامة للدولة الإسلامية التى تظل المسلم والكتابى على سواء، ولذلك كانت حاجات أهل الذمة تسد من بيت مال الجزية والخراج، من أجل هذين الأمرين فرضت الجزية، وإنها أمر عادل لا إذلال فيه، ولا شبه إذلال. ولكن طاعة وتسليم وخضوع للدولة ونظامها مع حرية التدين. ٥٥٥- ولننظر فى نظام الجزية كما طبقه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان أول تطبيقه فى تيماء عقب خيبر، فنجد الحافظ ابن كثير فى تاريخه الكبير يذكر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حمل أهل تيماء على الجزية وقال فى ذلك نقلا عن الواقدى «لما بلغ يهود تيماء ما وطئ به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خيبر وفدك ووادى القرى صالحوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الجزية، وقدموا بأيديهم أموالهم» . وهذا الخبر من الواقدى فى تاريخه، وزكاه أن الحافظ ابن كثير نقله واعتمده، وهو يدل على أن الجزية فرضت عقب خيبر أو فورها، ولم تطبق عليها لأنها فتحت عنوة، ولم تفتح صلحا، وكان المفروض أن يجلوهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنه أبقاهم كما طلبوا، واحتفظ لنفسه بحق الإجلاء فى أى وقت شاء، وأجلاهم عمر من بعد ذلك عملا بما احتفظ به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يكن تطبيق الجزية عليهم لأنها لم تكن قد نزلت آية الجزية، وإنما كان ذلك، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رأى تأجيل الجلاء فى حقهم، لأنهم كانوا أقوياء، ولو أبقوا بالجزيرة العربية لاستطاعوا بكثرتهم أن يكون لهم سلطان، ولكيلا يجتمع فى جزيرة العرب دينان. أما أهل تيماء فقد انتهوا مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صلحا، ولم يقرر إجلاءهم، وكانوا فى أطراف الشام والجزيرة العربية، ولذلك لم يخرجهم الإمام عمر رضى الله ﵎ عنه، إذ هم ليسوا فى داخل الجزيرة، ولم يحتفظ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بحق إخلائهم. وننتهى من هذا الجزء إلى أن الجزية فرضت قبل الفتح، ولم تكن شرعيتها بعد الفتح، ولكن الإمام ابن القيم يقرر أن الجزية لم تقرر إلا بعد الفتح «وأما هديه فى أخذ الجزية فما أخذ من الكفار إلا بعد نزول سورة براءة فى السنة الثامنة من الهجرة، فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس، وأخذها من أهل

стр. 808

الكتاب، كما نصت آية سورة براءة التى تلوناها من قبل، وذكرنا معنى قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ. ونميل إلى المثبت، ولا نميل إلى النافى، نميل إلى رواية أبى الفداء التى ذكرت أنه عقد الجزية على أهل تيماء، وإن كنا نرى أن ما ذكره ابن القيم له وجه. وفى الحق أن أهل خيبر، لم يعقدوا عقد جزية قط، إلا ما كان فى تيماء. وأنه أوجب الجلاء عليهم، أى أهل خيبر، فلما حاولوا أن يبقوا فى الأرض زارعين غارسين وكان هو ورجاله مسئولين عن زراعة الأرض تركها مزارعة على أن حق الإجلاء ثابت، وهو الأصل، وكذلك فعل فى فدك. صحيفة مكذوبة: ولكن الباعث عند ابن القيم على نفى عقد الجزية لخيبر وجيه كل الوجاهة، ذلك أنه فى عبر التاريخ الإسلامى من بعد ذلك ادعوا- أى يهود- أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عقد معهم عقد جزية وقدموه وثيقة لهم، وهو مكذوب من كل الوجوه، ويحمل فى نفسه دليل كذبه. وقد أثبت كذبه ابن تيمية من عشرة وجوه، ذلك أنه فى عصر ابن تيمية فى آخر القرن السابع، وأول القرن الثامن أنه راجت تلك الوثيقة المكذوبة عند من جهل بالسنة والمغازى، حتى أن بعض العلماء أو الأمراء طلب من شيخ الإسلام ابن تيمية أن يقرر ما اشتملت عليه تلك الوثيقة المكذوبة ويطلب العمل على تنفيذها لليهود والعمل بها فيسكن اليهود فى الجزيرة العربية فى مكانهم القديم، ولعلهم يريدون أن يختاروا فى وسط الجزيرة العربية مقاما لهم. ولذلك تحرك الإمام ابن تيمية لبيان كذبها يكشف ما فيه، لأن ما فيها دليل التكذيب. ومما بين كذبها أن فيها كما يدعون شهادة جمع من الصحابة ذكر منهم على بن أبى طالب وسعد بن معاذ. وسعد بن معاذ كان قد مات متأثرا بسهم عائر فى الخندق وقريظة، وهما كانتا قبل خيبر بسنتين. ومنها أنه أسقط عنهم المكس والسخرة، ولم يكن للمكس والسخرة موضوع فى عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن الله تعالى قد أعاذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه من السلف الصالح والرعيل الأول من فرض المكس والسخرة، فإن ذلك من وضع الملوك الظالمين الفاسقين.

стр. 809

ومنها أنه لم يذكر قط فى سيرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا سيرة أحد من أصحابه مثل هذه الوثيقة. ومنها أن هذه الوثيقة لم يذكرها قط أحد من علماء الحديث، لا فى الصحاح ولا فى السنن ولا غيرها، بل لم تذكر حتى فى الأخبار الموضوعة، فمن أين جاؤا بها إلا أن يكون ذلك من افترائهم البهات، كما لم يذكرها أحد من أهل الفقه والإفتاء، فهى كلام دخيل على الإسلام والمسلمين وهو افتراء من اليهود، فى عهد الحكام الغاشمين الجاهلين، ولم يذكروه إلى القرن الخامس حيث العلم الإسلامى يدون ويجمع، ويقول فى ذلك ابن تيمية رضى الله ﵎ عنه «ما أظهروه فى زمن السلف لعلمهم أنهم إن زوروا مثل ذلك ظهر بطلانه، فلما كان بعض الدول فى وقت فتنة وخفاء بعض السنة زوروا ذلك وأظهروه وساعدهم على ذلك طمع بعض الخائنين لله وللرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يستمر لهم ذلك حتى كشف الله تعالى أمرهم. وإنه بذلك يتبين أن اليهود ادعوا أن أهل خيبر لهم عقد جزية ليتخذوا منه سبيلا ليقيموا فى أرض خيبر بالحجاز، ولكن الله كشف أمرهم، وخيب رجاءهم. ومهما يكن الأمر فإنه لم يكن من اليهود أهل عهد بجزية إلا أهل تيماء فى رواية الواقدى. والله تعالى أعلم، وقد تبين كذبهم من قولهم، وقد أعلنوا هذه الوثيقة المكذوبة بعد ثلثمائة من الهجرة، ثم زوروا مثلها سنة سبعمائة. الجزية التى كان يأخذها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ٥٥٦- نذكر بالإجمال الجزية التى كان يأمر بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويقول الواقدى أنه أخذها من أهل تيماء بعقدها وشروطه. لقد قالوا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يعين من تؤخذ منهم، وإن عين مقاديرها من مختلف الأجناس، وذكر بعض شروط عقدها والتزاماتها على ولى أمر المؤمنين والتزاماتها عليهم. ولم يظهر لدى أهل السيرة والمغازى والآثار مقدارها إلا فى نصارى نجران الذين عقد معهم فى مرجعه من تبوك، وكان الاتفاق كما سنبين بالتفصيل من بعد، عندما نتكلم فى سياقنا على وفود نجران وغيرهم.

стр. 810

وخلاصة عقد الذمة أنه تضمن: أولا: أنه لا يهدم لهم بيعة، ولا يمنع منهم قس من أداء شعائرهم الدينية، ولا يفتنون فى دينهم ما لم يحدثوا أحداثا يكون من شأنها نقض التزامهم. وثانيا: أن يلتزموا أحكام المعاملات المالية الإسلامية، بحيث لو ثبت أنهم يأكلون ربا الجاهلية ترد عليهم ذمتهم لأنهم نقضوها. ثالثا: أن يلتزموا بأحكام الحدود والقصاص، بحيث يجرى عليهم ما يجرى على المسلمين فيها على سواء، وقد أخذ من نصارى نجران الجزية من الثياب، أخذها منهم مجتمعين على قسطين الأول فى صفر، وكان ألف حلة، وفى رجب ألف مثلها إلى آخر العام أو إلى نهاية المحرم. وللمسلمين أن يأخذوا على وجه العارية ثلاثين درعا يدرعون به، وثلاثين فرسا، يحاربون عليها، أو بعبارة عامة ثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزو بها المسلمون، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم. ولم تكن الجزية مقيدة بجنس، بل تصح بالدنانير والدراهم، كما تصح بالثياب، على حسب ما يقدرون عليه، وعلى حسب حاجة المسلمين إليه. وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لما أرسل معاذ بن جبل ليجمع الجزية أمره أن يأخذ من كل رجل بلغ الحلم دينارا. ولم يفرضها على النساء والعبيد والمرضى، بل فرضها على القادرين دون المؤمنين والعاجزين، وإن الجزية كانت تؤخذ من نصارى العرب، إلى أن أجلى عمر بن الخطاب النصارى عن الجزيرة العربية نفسها، وإن بقى بعضهم فى أطرافها كاليمن، فكانت تؤخذ منهم الجزية كما تؤخذ من اليهود المقيمين بها، ولم يغادروها إلى داخل الجزيرة. ونلاحظ فى الجزية التى أمر بها الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أمورا ثلاثة: أولها: أنها لم تكن معينة فى جنس، بل كان يعين على أساس التيسير عليهم، فكانوا تتيسر عليهم الدنانير فهى الأصل فى التقدير، وإن لم تتيسر الدنانير وتيسرت الثياب أو غيرها أخذ مما يتيسر عليهم أداؤه. ثانيها: أنها ليست المقدار فى الجماعة. بل تنقص وتزيد على حسب حاجة المسلمين، وقدرة من يعطونها. وثالثها: أنها تسقط أو تدفع جملة على حسب طاقة الدافعين من غير إفراط ولا تفريط.
следующие страницы →