← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ولقد كان ابن عباس رضى الله تعالى عنه ينكر ربا البيوع، ويقول أنه لم يثبت، وكان يقول مسندا لقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم! «إنما الربا ربا النسيئة، وهو ربا الجاهلية» ولقد سئل الإمام أحمد ابن حنبل: ما الربا الذى لا يسع مسلما أن يجهله، فقال: أن يعطى الرجل دينا ويزيده فى الأجل فى نظير الزيادة فى الدين، وأن من ينكر أمرا علم من الدين بالضرورة يكون خارجا عن الإسلام. الأمر الثالث: أنه مع الأسف أن كثيرين ممن كتبوا فى الربا، وحللوا وحرموا بغير ما أنزل الله، ومنهم من بلغوا مناصب تجعلهم مسئولين عن أقوالهم أمام الله وأمام الناس، من خلطوا بين ربا البيوع، وربا الجاهلية الذى ثبت بالقرآن الكريم، فضل عنهم فهم الربا، وضلوا فى أنفسهم، وأضلوا الناس ضلالا بعيدا، ولم يكن جهلهم لضرورة يعذرون فيها، بل كانت بين أيديهم أسباب العلم، فتركوها ليتعلقوا بما يرضى الناس ولا يرضى الله. شرعية الجزية ٥٥٤- كان أول تطبيق للجزية فى تيماء التى كان فتحها بعد خيبر، فقد جاء فى الصحيح أنها فرضت فيها الجزية على أهلها، فكان على أهلها جزية الرؤس، وعلى أرضها الخراج وهى جزية الأرض، والجزية فرضت بنص القرآن الكريم إذ يقول الله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، وَهُمْ صاغِرُونَ أى خاضعون للحكم الإسلامى غير متمردين بل مندمجون، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وإن قتال خيبر ووادى القرى، واستسلام تيماء، كان من قتال أهل الكتاب، وقد بين الغاية وهى أن يسلموا أو يستسلموا، وفى الحال الأخيرة يدفعون الجزية عن يد، وهم خاضعون طائعون، وأنه يظهر أن أول جزية فرضت كانت فى تيماء. وقبل أن نذكر ما عمله النبي صلي الله تعالي عليه وسلم في الجزية، نقول أنها ليست للإذلال، كما أخذ بعض الناس من ظاهر لفظ وهم صاغرون، إنما هى لأمرين: أولهما: إظهار الطاعة للحاكم المسلم، وإمام المسلمين غير مضارين في دينهم، ولا مغيرين لعقائدهم ومبادئهم الدينية، ولا مرهقين فى أمرها. ثانيهما: أنها تكون في مقابل ما يفرض علي المسلمين من فرائض مالية ليسهموا بها فى بناء المجتمع الإسلامي، فالمسلم يفرض عليه بحكم الإسلام أداء الزكاة، والدولة هي التي تجمعها، وتفرقها علي الفقراء والمساكين والعالمين عليها والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، وفي سبيل الله تعالي يشمل الجهاد، وكل المصالح والمرافق العامة للدولة.

стр. 807

وعلى المسلم كذلك زكاة الفطر وكفارات النذور والأيمان والقتل الخطأ، والظهار، وفدية الصيام وكفارته، وكل هذه مغارم تصرف لعلاج آفات الفقر فى المجتمع. فكان العدل يوجب أن يفرض على غير المسلم الذى يعيش فى ظل الإسلام فرائض تقابل ذلك، فكانت الجزية، وكان الخراج، يصرف منها على المصارف العامة للدولة الإسلامية التى تظل المسلم والكتابى على سواء، ولذلك كانت حاجات أهل الذمة تسد من بيت مال الجزية والخراج، من أجل هذين الأمرين فرضت الجزية، وإنها أمر عادل لا إذلال فيه، ولا شبه إذلال. ولكن طاعة وتسليم وخضوع للدولة ونظامها مع حرية التدين. ٥٥٥- ولننظر فى نظام الجزية كما طبقه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان أول تطبيقه فى تيماء عقب خيبر، فنجد الحافظ ابن كثير فى تاريخه الكبير يذكر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حمل أهل تيماء على الجزية وقال فى ذلك نقلا عن الواقدى «لما بلغ يهود تيماء ما وطئ به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خيبر وفدك ووادى القرى صالحوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الجزية، وقدموا بأيديهم أموالهم» . وهذا الخبر من الواقدى فى تاريخه، وزكاه أن الحافظ ابن كثير نقله واعتمده، وهو يدل على أن الجزية فرضت عقب خيبر أو فورها، ولم تطبق عليها لأنها فتحت عنوة، ولم تفتح صلحا، وكان المفروض أن يجلوهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنه أبقاهم كما طلبوا، واحتفظ لنفسه بحق الإجلاء فى أى وقت شاء، وأجلاهم عمر من بعد ذلك عملا بما احتفظ به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يكن تطبيق الجزية عليهم لأنها لم تكن قد نزلت آية الجزية، وإنما كان ذلك، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رأى تأجيل الجلاء فى حقهم، لأنهم كانوا أقوياء، ولو أبقوا بالجزيرة العربية لاستطاعوا بكثرتهم أن يكون لهم سلطان، ولكيلا يجتمع فى جزيرة العرب دينان. أما أهل تيماء فقد انتهوا مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صلحا، ولم يقرر إجلاءهم، وكانوا فى أطراف الشام والجزيرة العربية، ولذلك لم يخرجهم الإمام عمر رضى الله ﵎ عنه، إذ هم ليسوا فى داخل الجزيرة، ولم يحتفظ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بحق إخلائهم. وننتهى من هذا الجزء إلى أن الجزية فرضت قبل الفتح، ولم تكن شرعيتها بعد الفتح، ولكن الإمام ابن القيم يقرر أن الجزية لم تقرر إلا بعد الفتح «وأما هديه فى أخذ الجزية فما أخذ من الكفار إلا بعد نزول سورة براءة فى السنة الثامنة من الهجرة، فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس، وأخذها من أهل

стр. 808

الكتاب، كما نصت آية سورة براءة التى تلوناها من قبل، وذكرنا معنى قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ. ونميل إلى المثبت، ولا نميل إلى النافى، نميل إلى رواية أبى الفداء التى ذكرت أنه عقد الجزية على أهل تيماء، وإن كنا نرى أن ما ذكره ابن القيم له وجه. وفى الحق أن أهل خيبر، لم يعقدوا عقد جزية قط، إلا ما كان فى تيماء. وأنه أوجب الجلاء عليهم، أى أهل خيبر، فلما حاولوا أن يبقوا فى الأرض زارعين غارسين وكان هو ورجاله مسئولين عن زراعة الأرض تركها مزارعة على أن حق الإجلاء ثابت، وهو الأصل، وكذلك فعل فى فدك. صحيفة مكذوبة: ولكن الباعث عند ابن القيم على نفى عقد الجزية لخيبر وجيه كل الوجاهة، ذلك أنه فى عبر التاريخ الإسلامى من بعد ذلك ادعوا- أى يهود- أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عقد معهم عقد جزية وقدموه وثيقة لهم، وهو مكذوب من كل الوجوه، ويحمل فى نفسه دليل كذبه. وقد أثبت كذبه ابن تيمية من عشرة وجوه، ذلك أنه فى عصر ابن تيمية فى آخر القرن السابع، وأول القرن الثامن أنه راجت تلك الوثيقة المكذوبة عند من جهل بالسنة والمغازى، حتى أن بعض العلماء أو الأمراء طلب من شيخ الإسلام ابن تيمية أن يقرر ما اشتملت عليه تلك الوثيقة المكذوبة ويطلب العمل على تنفيذها لليهود والعمل بها فيسكن اليهود فى الجزيرة العربية فى مكانهم القديم، ولعلهم يريدون أن يختاروا فى وسط الجزيرة العربية مقاما لهم. ولذلك تحرك الإمام ابن تيمية لبيان كذبها يكشف ما فيه، لأن ما فيها دليل التكذيب. ومما بين كذبها أن فيها كما يدعون شهادة جمع من الصحابة ذكر منهم على بن أبى طالب وسعد بن معاذ. وسعد بن معاذ كان قد مات متأثرا بسهم عائر فى الخندق وقريظة، وهما كانتا قبل خيبر بسنتين. ومنها أنه أسقط عنهم المكس والسخرة، ولم يكن للمكس والسخرة موضوع فى عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن الله تعالى قد أعاذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه من السلف الصالح والرعيل الأول من فرض المكس والسخرة، فإن ذلك من وضع الملوك الظالمين الفاسقين.

стр. 809

ومنها أنه لم يذكر قط فى سيرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا سيرة أحد من أصحابه مثل هذه الوثيقة. ومنها أن هذه الوثيقة لم يذكرها قط أحد من علماء الحديث، لا فى الصحاح ولا فى السنن ولا غيرها، بل لم تذكر حتى فى الأخبار الموضوعة، فمن أين جاؤا بها إلا أن يكون ذلك من افترائهم البهات، كما لم يذكرها أحد من أهل الفقه والإفتاء، فهى كلام دخيل على الإسلام والمسلمين وهو افتراء من اليهود، فى عهد الحكام الغاشمين الجاهلين، ولم يذكروه إلى القرن الخامس حيث العلم الإسلامى يدون ويجمع، ويقول فى ذلك ابن تيمية رضى الله ﵎ عنه «ما أظهروه فى زمن السلف لعلمهم أنهم إن زوروا مثل ذلك ظهر بطلانه، فلما كان بعض الدول فى وقت فتنة وخفاء بعض السنة زوروا ذلك وأظهروه وساعدهم على ذلك طمع بعض الخائنين لله وللرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يستمر لهم ذلك حتى كشف الله تعالى أمرهم. وإنه بذلك يتبين أن اليهود ادعوا أن أهل خيبر لهم عقد جزية ليتخذوا منه سبيلا ليقيموا فى أرض خيبر بالحجاز، ولكن الله كشف أمرهم، وخيب رجاءهم. ومهما يكن الأمر فإنه لم يكن من اليهود أهل عهد بجزية إلا أهل تيماء فى رواية الواقدى. والله تعالى أعلم، وقد تبين كذبهم من قولهم، وقد أعلنوا هذه الوثيقة المكذوبة بعد ثلثمائة من الهجرة، ثم زوروا مثلها سنة سبعمائة. الجزية التى كان يأخذها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ٥٥٦- نذكر بالإجمال الجزية التى كان يأمر بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويقول الواقدى أنه أخذها من أهل تيماء بعقدها وشروطه. لقد قالوا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يعين من تؤخذ منهم، وإن عين مقاديرها من مختلف الأجناس، وذكر بعض شروط عقدها والتزاماتها على ولى أمر المؤمنين والتزاماتها عليهم. ولم يظهر لدى أهل السيرة والمغازى والآثار مقدارها إلا فى نصارى نجران الذين عقد معهم فى مرجعه من تبوك، وكان الاتفاق كما سنبين بالتفصيل من بعد، عندما نتكلم فى سياقنا على وفود نجران وغيرهم.

стр. 810

وخلاصة عقد الذمة أنه تضمن: أولا: أنه لا يهدم لهم بيعة، ولا يمنع منهم قس من أداء شعائرهم الدينية، ولا يفتنون فى دينهم ما لم يحدثوا أحداثا يكون من شأنها نقض التزامهم. وثانيا: أن يلتزموا أحكام المعاملات المالية الإسلامية، بحيث لو ثبت أنهم يأكلون ربا الجاهلية ترد عليهم ذمتهم لأنهم نقضوها. ثالثا: أن يلتزموا بأحكام الحدود والقصاص، بحيث يجرى عليهم ما يجرى على المسلمين فيها على سواء، وقد أخذ من نصارى نجران الجزية من الثياب، أخذها منهم مجتمعين على قسطين الأول فى صفر، وكان ألف حلة، وفى رجب ألف مثلها إلى آخر العام أو إلى نهاية المحرم. وللمسلمين أن يأخذوا على وجه العارية ثلاثين درعا يدرعون به، وثلاثين فرسا، يحاربون عليها، أو بعبارة عامة ثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزو بها المسلمون، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم. ولم تكن الجزية مقيدة بجنس، بل تصح بالدنانير والدراهم، كما تصح بالثياب، على حسب ما يقدرون عليه، وعلى حسب حاجة المسلمين إليه. وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لما أرسل معاذ بن جبل ليجمع الجزية أمره أن يأخذ من كل رجل بلغ الحلم دينارا. ولم يفرضها على النساء والعبيد والمرضى، بل فرضها على القادرين دون المؤمنين والعاجزين، وإن الجزية كانت تؤخذ من نصارى العرب، إلى أن أجلى عمر بن الخطاب النصارى عن الجزيرة العربية نفسها، وإن بقى بعضهم فى أطرافها كاليمن، فكانت تؤخذ منهم الجزية كما تؤخذ من اليهود المقيمين بها، ولم يغادروها إلى داخل الجزيرة. ونلاحظ فى الجزية التى أمر بها الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أمورا ثلاثة: أولها: أنها لم تكن معينة فى جنس، بل كان يعين على أساس التيسير عليهم، فكانوا تتيسر عليهم الدنانير فهى الأصل فى التقدير، وإن لم تتيسر الدنانير وتيسرت الثياب أو غيرها أخذ مما يتيسر عليهم أداؤه. ثانيها: أنها ليست المقدار فى الجماعة. بل تنقص وتزيد على حسب حاجة المسلمين، وقدرة من يعطونها. وثالثها: أنها تسقط أو تدفع جملة على حسب طاقة الدافعين من غير إفراط ولا تفريط.

стр. 811

سرايا بعد خيبر ٥٥٧- بعد غزوة خيبر، وما تبعها من وادى القرى وتيماء، ما كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من حرب غير تعرف لاختبارها، وما يجرى فيها بعد الحديبية، ولقد تم كسر الشوكة اليهودية، والقضاء على القوة العسكرية اليهودية فى البلاد العربية، ومنعهم من أن يعملوا على بث العداوة والبغضاء بين العرب، وتحريض أعداء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا بد أن يكون بث سراياه حول مكة المكرمة، أو على مقربة منها، ليتعرف أخبارها وأحوالها فى مدة العقد، ولكى ينبذ إليهم عهدهم إن ثبت لديه منهم خيانة، أو استعداد لها، فإنه ﵊ كان يأخذ للأمر أهبته قبل أن يقع عند توقعه، ولكنه لا يغدر، ولا يخيس فى عهوده مبتدئا. ولذلك أخذ يبعث السرايا فى داخل الصحراء، وعلى مقربة من مكة المكرمة. سرية أبى بكر الصديق إلى فزارة ٥٥٨- يروى الإمام أحمد فى مسنده أنه بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أبا بكر الصديق فى سرية إلى بنى فزارة، ولم يكن أبو بكر رضى الله تعالى عنه رجل الحرب، وإن كان من المجاهدين فى الصف الأول. ولكنه رجل رأى وتدبير، ومعرفة بحال العرب، وهو المدرك عند تعرف أحوال العرب، فيما يحيط بما يقرب من مكة المكرمة وما حولها. وقد سار الصديق رضى الله ﵎ عنه بمن معه، حتى كان ببنى فزارة، فنزل عند الماء، وكان ذلك ليلا، ليباغتهم، فلما صلى الصبح بالمؤمنين معه شن الغارة بأصحابه، فقتلوا من بالماء وحالوا بينهم من النساء والرجال والذرية من فزارة، وبين الجبل الذى يكتنفهم، ورموا بالسهام بينهم وبينه لكيلا يجتازوا مكانهم. وتتبعوهم حتى ساقوهم إلى أبى بكر عند الماء، وفيهم امرأة وابنتها، فنفل أبو بكر الابنة، وكانت ذات جمال، ولم ينل من هذا النفل شيئا حتى وصل إلى المدينة المنورة حيث يوزع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يكشف ثوبا للفتاة. ذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالجارية، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: هب المرأة لى، فقال له: يا رسول الله لقد أعجبتنى، وما كشفت لها ثوبا، فسكت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتركنى، حتى إذا كان من الغد قال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما قال، ورد هو بما كان، وتكرر ذلك مرة أخرى من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومنه، حتى انتهى الأمر

стр. 812

بأن قال له: هى لك يا رسول الله. وما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يريدها لنفسه، ولكن يريدها لفداء المستضعفين من المؤمنين بمكة المكرمة، ولذلك بعث بها إلى مكة المكرمة ليفدى بها مستضعفين بمكة المكرمة، ففداهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بهذه المرأة. وقد روى مثل هذا مسلم فى صحيحه والبيهقى فى دلائل النبوة. سرية عمر بن الخطاب ٥٥٩- أورد الواقدى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى ثلاثين رجلا إلى بعض أرض هوازن وراء مكة المكرمة بأربعة أميال، أى أنها على مقربة من مكة المكرمة، ولقد كان عمر رضى الله عنه من أعرف الناس بالعرب طبعا وخلقا، وهو ذو الفراسة القوية، والبصيرة النافذة المدركة. ويظهر أنه كان ذاهبا إلى هذه الجهة ليتعرف ويتخبر، لا ليقاتل فقط. ومهما يكن فقد سار الفاروق ومعه دليل من بنى هلال، وكان يسير ليلا ويكمن نهارا، وهو يتعرف ما أمامه، وما وراءه حتى وصل إلى بعض هوازن فهربوا من لقائه ومن معه. عاد عمر أدراجه من غير قتال، ولكنه عاد بزاد من المعرفة عن مكة المكرمة وما حولها، وقد أشار عليه أصحابه أن يذهب إلى خثعم، ولكنه أبى، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يأمره بالذهاب إليهم، وهو يصدر عن أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. سرية عبد الله بن رواحة إلى يسير اليهودى ٥٦٠- كان اليهود وإن فقدوا القوة العسكرية فى أرض العرب لا تزال فلول منهم مبعثرين فى أرضهم ويخشى أن يكون منهم تجمع فى جزء منها، ويكون قوة تؤلب على الإسلام، ولذلك كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتتبع أخبارهم ومن يظهر منهم، فيقضى عليهم أجزاء حتى يجعلهم جذاذا بدل أن يتجمعوا حوله. روى الواقدى بسنده عن الزهرى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة فى ثلاثين راكبا، إذ بلغه أن يسير بن رزام اليهودى يجمع بنى غطفان ليغزو بهم، وبنو غطفان قد كانوا يمالئون اليهود فى خيبر، قبل أن يغزو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اليهود، وأنه حال بينهم وبين نصرتهم، حتى تمكن من دك حصون اليهود وفتحها.

стр. 813

ويظهر أن يسير بن رزام هذا أراد أن يحيى ذلك التعاون القديم، فبلغ ذلك محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم وهو الحذر الذى يمنع الشر قبل وقوعه. ذهب إليه عبد الله بن رواحة، وأوهمه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعث إليه ليستعمله على أرض خيبر، فيظهر هو ومن معه، فتبعهم بثلاثين رجلا من رجاله اليهود ومع كل منهم رديف من المؤمنين، ولما بلغوا مكانا معينا ندم يسير بن رزام على مسايرته ابن رواحة فيما قال، فأراد أن ينزع سيف عبد الله بن رواحة، ويهوى به عليه، ففطن له ابن رواحة، فزجر بعيره، وتمكن من يسير، فضربه ضربة قطعت رجله. ولقد ضرب اليهودى عبد الله بن رواحة فى وجهه فشجه شجة عميقة. وانكفأ كل رجل من المسلمين على رديفه من اليهود فقتله، ولم ينج منهم غير رجل واحد، ولم يصب من المسلمين أحد إلا شجة ابن رواحة. ولقد قالوا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تفل على شجة ابن رواحة فلم تتقيح ولم تؤذه حتى مات. ونرى من هذا حذر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من اليهود، وتتبعهم، حتى لا تقوم لهم قائمة فى أرض العرب. سرية بشير بن سعد إلى بنى مرة من فدك ٥٦١- بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بنى مرة من فدك بشير بن سعد فى ثلاثين راكبا، فاستاق نعم بنى مرة، فقاتلوه، وقتلوا كل من معه، واستمر هو على القتال فقاتل وحده قتالا شديدا، ثم أوى إلى فدك، ونزل عند رجل يهودى، وكان غريبا أنه لم يغدر به، ثم كر راجعا إلى المدينة المنورة. وقد بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لبنى مرة هؤلاء غالب بن عبد الله ليقتص للذين قتلوهم من المؤمنين، وليفلوا شوكتهم. وكان معه عدد من الصحابة فيهم أسامة بن زيد رضى الله تعالى عنه وغيرهم، وقد اقتصوا لمن قتلوا من المسلمين، وكان مما حدث أن قتل أسامة بن زيد رجلا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله،

стр. 814

فقد قالوا أنه قتل مرداس بن نهيك حليف بنى مرة، وقال عندما علاه بالسيف: لا إله إلا الله. فلامه الصحابة على ذلك، حتى سقط فى يده وندم على ما فعل. ولما قدموا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال له: يا أسامة من لك بلا إله إلا الله؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذ بها من القتل. قال: فمن لك يا أسامة بلا إله إلا الله، فوالذى بعثه بالحق مازال يرددها حتى تمنيت أن ما مضى من إسلامى لم يكن، وإنى قد أسلمت يومئذ ولم أقتله، وقال: إنى أعطى الله عهدا ألا أقتل رجلا، يقول لا إله إلا الله أبدا. مضى غالب بن عبد الله بما معه يقتص من الذين قتلوا المؤمنين، وتتبعهم حتى خضد شوكتهم، وولوا الأدبار ولم يعد لهم قوة فى الأرض يستطيعون أن يعيثوا بها فى الأرض فسادا. وكان مع رحلة غالب هذا فى البلاد يتتبع جيوب اليهود، حتى صار على مقربة من مكة المكرمة وقد طهر كل جيوب اليهود، وأدب الأعراب حتى استقامت أمورهم. سرية أبي حدود ٥٦٢- كان لا يزال فى الجزيرة العربية من بقايا خيثم وغيرها من يحاول محاربة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن ظهر نور الإسلام فى البلاد العربية، وبدأ قويا يحملهم على التفكير السليم فى العقيدة، وإن لم يكن لتطهير العقول من رجس الوثنية، فاتقاء لسوء المغبة. بلغه ﵊ أن رجلا له مكانة فى قومه من خيثم يريد أن يجمع قيسا على محاربة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فبعث أبا الحدود، ورجلين من المسلمين، وقال لهم ﵊: «اخرجوا إلى هذا الرجل، حتى تأتوا منه بخبر وعلم» . وأركبهم على ناقة عجفاء، وقال: تبلغوا على هذه. خرج الرجال الثلاثة ومعهم سلاحهم، وتحسسوا أمر ذلك الرجل، فوجدوه يجمع من يجمع من الناس، أو على استعداد لأن يجمع، فقتلوه بسهم أصاب فؤاده، وانتهى أمره. واستمر أبو الحدود فى سريته حتى بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أضم، ونزلوا بطنه وقد مر رجل اسمه عامر بن الأضبط النخعى، فألقى السلام، فقتله رجل من المؤمنين اسمه مجشم ابن جثامة لعداوة كانت بينهما مع أنه ألقى السلام، إذ جاء غير مقاتل، ولا مريد للقتال. وقد حدثت أمور فى هذه السرية الصغيرة دلت على مباديء سامية فى الإسلام.

стр. 815

أولها: أن أبا الحدود الذى بعثه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى هذه السرية كان قد ذهب لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يطلب مهر زواجه، وأن ذلك يدل على مدى قوة التعاون بين المؤمنين فى تلك الفترة من تاريخ الإسلام التى تعد نورا لكل الأزمان إن اتبع المسلمون مباديء الإسلام. فقد روى أن أبا الحدود هذا الذى بعث بهذه السرية ذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقد تزوج امرأة من قومه فأصدقها مائتى درهم، ذهب إليه ﵊ يستعين به على زواجه منها، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: كم أصدقتها؟ قال: مائتى درهم، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: سبحان الله، والله لو كنتم تأخذونها من واد مازدتم، والله ما عندى ما أعينك به. وقد أرسله على رأس هذه السرية لعله يصيب ما يصدق به امرأته. وثانيها: أنه لا يصح قتل من ألقى السلام؟ لأن السلام يدافع، ولا يقتل من يسالم فقد نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا، فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ، كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً، وذلك عند قتل مجشم بن جثامة عامر بن الأضبط، وقد أسف ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال ﵊: «اللهم لا يغفر لمجشم» وكان دعاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك لأنه قتل نفسا بغير حق، وأن الله لا يغفر ذنوب من يعتدى على حقوق العباد، إلا بعفو ممن اعتدى عليه. وقد طالب عيينة بن بدر بدم عامر بن الأضبط، وهو سيد قومه بنى عامر. وقد كان الطلب تأخر إلى غزوة حنين فيما يظهر من السياق، فطلب إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقبل خمسين بعيرا، حتى يرجع إلى المدينة المنورة فيعطيه خمسين، فرد، ثم قبل من بعد. وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد دفع الدية من بيت مال المسلمين وأن ذلك أكمل تعاون، وأكمل حرص على الدماء، مع أنه ثبت أن المقتول لم يكن قد أسلم. وقد قال علماء السنة والسيرة أن السرايا والبعوث التى جاءت بعد خيبر ووادى القرى- لم تكن سرايا ذات خطر فى توجيه الحروب، ولكنها كانت لحوادث صغيرة، أو لبث روح الإجلال للإسلام، وفل شوكة من يريدون للإسلام نكاية، أو للتعرف بأحوال العرب، أو هى أشبه بالدوريات التى تمر بالبلاد احتياطيا، وتأديبا لكل من تحدثه نفسه بالاعتداء على المسلمين بأى نوع من الاعتداء.

стр. 816

عمرة القضاء ٥٦٣- كان اتفاق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى عقد صلح الحديبية على أن يبعد عن مكة المكرمة هذا العام، وحتى لا يتحدث الناس أنه دخلها على الرغم من أهلها، ثم يدخلها فى العام المقبل معتمرا، من غير سلاح إلا ما يحمل باليد ويمكث ثلاثة أيام يسعى ويطوف، ثم يتحلل. فلما جاء ذو القعدة اتجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى العمرة التى سميت عمرة القضاء، كما سميت عمرة القصاص، لأنها كانت قصاصا من صد المشركين للمؤمنين عن العمرة، وقالوا إنه نزل فى ذلك قوله تعالى: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ. ونرى أن النص السامى «والحرمات» إنما نزل فى القتال فى شهر الحرام، فقد قال تعالى الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ، وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أى إذا انتهكوا حرمة البيت وصدوا عنه، وانتهكوا حرمات الشهر الحرام، فعليهم أن يتوقعوا مثل ما فعلوا، فالحرمات قصاص. اتجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى العمرة، ودعا الذين حضروا الحديبية إليها، ومن أراد من غيرهم الاعتمار، فما عليه من حرج فى ذلك، ولكن العمرة واجبة بالنسبة لمن أحرموا لها فى الحديبية، ولم يتموها، كمن شرع فى صوم فعلا، ثم يفطر بعد النية، فإنه عليه قضاء ذلك اليوم، وقد ابتدأ فعلا بالأداء، فلما لم يتمه صار واجبا عليه القضاء. خرج مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم معتمرون من المدينة المنورة، وساقوا الهدى، وقالوا إن الهدى فى عمرة القضاء هذه كان بعضه من البقر ورخص لهم ذلك. وقد نوى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلاحرام من ميقاته، وكان يلبى ﵊، والمسلمون يلبون معه، وكان محمد بن سلمة على الخيل والسلاح، وسار بها إلى مر الظهران، فالتقى بنفر من قريش، ويظهر أن ذلك أرهب قريشا وأفزعهم. سألوا محمد بن سلمة فقال: هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصبح غدا فى هذا المنزل إن شاء الله تعالى. ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد ومحمد بن سلمة. خرج النفر من قريش إلى مكة المكرمة فأخبروهم بالذى رأوا من السلاح ففزعت قريش، وقالوا: ما أحدثنا حدثا، وإنا على كتابنا وهو عهدنا فلم يغزونا؟

стр. 817

وبعثوا إليه مكرز بن حفص فى نفر منهم، حتى لقوه ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى أصحابه، والهدى والسلاح قد تلاحقوا. قالوا: يا محمد، ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر، تدخل بالسلاح فى الحرم على قومك، وقد شرطت لهم ألا تدخل إلا بسلاح المسافر، السيوف فى القرب. فقال لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: إنى لا أدخل عليهم بالسلاح. حينئذ اطمأنت قريش. ساق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الهدى يرعى فى الزرع والثمر وهو يلبى كما ذكرنا والمسلمون من ورائه يرجعون تلبيته، وحبس الهدى بذى طوى. وقد خرجت قريش من مكة المكرمة إلى رؤس الجبال، وأخلوا مكة المكرمة، وقالوا: لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه، غضبا من هذه الزيارة المباركة ولخشية أن يكون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه يميلون قلوبهم للوحدانية واتباع الهدى، فإن النظر إلى الفعال يؤثر بأكثر مما تؤثر الأقوال. ومنهم من كان يذهب به الفضول إلى تعرف ما يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه، فقد روى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: صفوا إليه عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه، ولقد طاف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهرول فى ثلاثة أطواف، وسعى بين الصفا والمروة، وأرسل فى بعضها، مظهرا أنه وأهل الإيمان عندهم القوة، والقدرة إذا كانت ساعة الجد، وذلك لأن قريشا قالوا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: إنه يقدم عليكم، وقد وهنتهم حمى يثرب. فلما دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اضطبع بردائه، فجعل بعضه تحت عضده اليمنى، وجعل طرفه على منكبه الأيسر، وقال: «رحم الله امرآ أراهم اليوم من نفسه قوة» ثم استلم الركن، وخرج يهرول، ويهرول أصحابه حتى استلم الركن اليمانى، مشى حتى يستلم الحجر الأسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف. وظن كثيرون أن هذه الهرولة، وهى المشية التى تظهر فيها القوة، خاصة بالحال التى كان فيها المسلمون وهى ظن المشركين أنه قد وهنت قوتهم، وأضعفتهم الحمى. ولكن لما كانت حجة الوداع، هرول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى الطواف ثلاث مرات، فكانت سنة مشروعة واجبة الاتباع.

стр. 818

وقد روى الشيخان البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما «قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صبيحة رابعة ذى القعدة سنة سبع، فقال المشركون، إنه يقدم عليكم، وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، ولم يمنعه أن يرسلوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم» . وهكذا نجد كل المشقات التى يكلفها الإسلام تكون فى الطاقة، ولا تكون إرهاقا وقد ظنوا كما أشرنا أن هذه الهرولة لقول المشركين ما قالوا، ولكنها ثبت أنها سنة- كما قلنا- بحجة الوداع. جاء فى الواقدى: لما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نسكه، دخل البيت، فلم يزل فيه، حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة الشريفة، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمره بذلك وكان بين من هم حول دار الندوة بعض رجال من قريش، كما أشرنا فكان منهم عكرمة بن أبى جهل فذكر أباه، وقال: لقد أكرم الله أبا الحكم، أن لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول، وقال صفوان بن أمية: فقد أكرم الله أبى قبل أن يرى هذا، وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذى أمات أبى ولم يشهد هذا اليوم، حتى يقوم بلال ينهق فوق البيت. ورجال غير هؤلاء من قريش لما رأوا ذلك غطوا وجوههم، وهكذا انتصر النبى ﵊ والمسلمون من بعد ما ظلموا، وغاظوا بالإيمان أهل الشرك. أقام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى مكة المكرمة ثلاثة أيام أدى شعائر العمرة ونال أجر مجاورة البيت هو وأصحابه، وقريش فى غيظ وكمد، لأن دعوة التوحيد وشعار التوحيد دخل مكة المكرمة، وهم يرون، ولا يستطيعون حولا. وفى اليوم الثالث، كانت هناك رغبتان: رغبة الود والرحمة من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه وهى إقامة وليمة يتناولون معا طعاما ما يكون عربون السلام الدائم من بعد ذلك، ورغبة أخرى مناقضة، هى النعرة الشديدة وإبداء العداوة والبغضاء. فى اليوم الثالث جاءه حويطب بن عبد العزى فى نفر من قريش ليخرجوا الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، قد وكلتهم قريش لإخراج الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا له: قد انقضى أجلك فاخرج عنا. فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: وما عليكم لو تركتمونى فأعرست (أقسمت) بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه، فقالوا: لا حاجة لنا فى طعامك، فاخرج عنا.

стр. 819

لم يكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم محاربا، بل داعيا إلى الله، حيثما وجد إلى الدعوة سبيلا، فهو لا بد أن يقرب بالمودة داعيا هاديا مرشدا مهما تكن نفرتهم، فهو مطالب بإدناء القاصى، وإيناس النافر، مهما تكن الأحوال، فانتهز هذه الفرصة ليلتقى بهم، ويدعو بالحق فيهم. ولقد لقى فعلا بعضهم، ودعاهم إلى الحق، وإن لم يكن فى داخل المسجد الحرام. ولقد تزوج صلى الله تعالى عليه وسلم ميمونة بنت الحارث، تأليفا للقلوب وإدناء لها، بإشارة عمه العباس بن عبد المطلب، وهى أخت امرأته، ولذلك تولى هو صيغة الزواج مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل، وكانت هذه مع العباس رضى الله تعالى عنه فوكلت أم الفضل زوجها العظيم الذى شارك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى صيغة العقد، ولم يكتف بذلك، بل دفع العباس صداق زواجها من ابن أخيه أربعمائة درهم، أثابه الله تعالى على محبته لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وحدبه العظيم عليه فى شدته بين قريش، وفى نصرته، بعد أن أدال الله من دولة الأوثان. خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وفاء بالعهد، واستجابة لقريش الذين رفضوا مودته، ولكنه خلف مولاه أبا رافع، ليكون مع زوجه أم المؤمنين ميمونة، حتى أتاه بسرف قرب التنعيم فوافى فيها زوجه، وبنى بها ثم عاد إلى المدينة المنورة فى ذى الحجة. ولقد كانت هذه العمرة تأليفا وتقريبا، وإن حاول المشركون أن يبعدوا ولا يقربوا، وأن ينفروا ولا يتوادوا، ولكن كان منهم من لانوا للإسلام، واتخذوا سبيلهم للإيمان، وحسبك أن تعلم أنه كان عقب هذه العمرة إسلام خالد بن الوليد، الذى سمى سيف الإسلام، فكان سيفا مشهورا فى كل الحروب فى عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ذلك، وفى عهد أبى بكر وأكثر عهد عمر رضى الله عنهم أجمعين. عمرة القضاء فى القرآن الكريم ٥٦٤- كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد رأى رؤيا صادقة أنه سيدخل المسجد الحرام مع أصحابه محلقين رؤسهم ومقصرين، وقد كان بعد هذه الرؤيا صلح الحديبية، وما كان فيه، وتحلل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال عمر غضبان أسفا: ألم تعدنا بأن نطوف، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ما وعدتك هذا العام، ولقد بين الله أن صدق الرؤيا كان فى عمرة القضاء، لا فى الحديبية، وإن كانت الحديبية أول الفتح، أو التمهيد له، فقال تعالى:

стр. 820

لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ، لا تَخافُونَ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ، فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً. حكم شرعى فى عمرة القضاء ٥٦٥- كانت عمارة بنت سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب تقيم فى مكة المكرمة مع أمها سلمى بنت عميس. وذلك أن بعض القرشيين مع إرسالهم حويطبا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، يطلبون منه الخروج، أتوا عليا، فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل. ولما خرج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعه على رضى الله عنه- تبعته عمارة هذه ابنة سيد الشهداء تنادى: يا عم، يا عم، فتناولها على، فأخذها بيده، وقال لفاطمة الزهراء: دونك ابنة عمك لحمايتها. ثم قال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهرانى المشركين» فلم ينه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن إخراجها معهم. ثم تنازع فيها إليه ثلاثة، ولكل واحد منهم صلة خاصة بها. وكل يدعى أنه أحق بها من غيره تنازعها زيد بن حارثة، وعلى بن أبى طالب، وجعفر بن أبى طالب. وحجة زيد التى يدلى بها أن حمزة كان أخاه فى المؤاخاة، فقد آخى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بين زيد وحمزة، فطالب بها على أنه أولى الناس بها، لأنه وصيها، وابنة أخيه فى الإخاء. وطالب بها على لأنها ابنة عمه، فهو أولى بها، وهو الذى أخرجها من المشركين فله ولاؤها وولايتها. وطالب بها جعفر، لأنها ابنة عمه، ولأن خالتها زوجه، وهى أسماء بنت عميس. وتحاكم الثلاثة إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فحكم لجعفر، وقال: أما أنت يا زيد فمولى الله تعالى ومولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأما أنت يا على فتشبه خلقى وخلقى، وأنت يا جعفر أولى بها تحتك خالتها، ولا تنكح المرأة على خالتها، ولا على عمتها، فقضى بها لجعفر.

стр. 821

فلما قضى بها لجعفر، قام فحجل حول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ما هذا يا جعفر، قال: يا رسول الله كان النجاشى إذا أرضى أحدا، قام فحجل حوله. وقال جعفر للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: إنها ابنة أخى من الرضاعة...... فزوجها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سلمة بن أبى سلمة، فهو صلى الله تعالى عليه وسلم لم يتركها حتى زوجها. وإن هذه القصة أفادت أحكاما فى الحضانة وفى الولاية على النفس، وفى ولاية التزويج فى الحضانة، فقد أثبت فى الحضانة أنه لا بد أن تمسك الحاضنة عند ذى رحم محرم، وجعفر كان ذا رحم محرم، وكان محرما لها، لأنها ابنة أخيه رضاعا وامرأته خالتها، ولا يتزوجها على خالتها. وأفادت أن الولى على النفس بالنسبة للزواج لا يشترط أن يكون ذا رحم محرم، فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم زوجها، وهو عاصب ليس ذا رحم محرم منها. وأثبت أن الأولياء إذا كانوا فى مرتبة واحدة زوج أفضلهم، فكان جعفر وعلى، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أولاد عم، فزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ودل الخبر على أن الولى العاصب الأقرب إذا غاب قام فى الولاية من يليه فى القرب، والولى الأقرب هو العباس رضى الله ﵎ عنه، وكان قد أسلم، وهو عمها، والباقى أولاد عمها، فهو أقرب منهم جميعا، ولكنه كان غائبا، فيتولى التزويج من يليه، فتولى أفضل من يليه. سرية ابن أبى العوجاء السلمى ٥٦٦- كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا ينى عن الدعوة إلى الإسلام، لأنه رسالته، وهو يستمع دائما إلى قوله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. فكان يدعو إلى الإسلام، ويقرب القلوب وهو فى مكة المكرمة، وقد أثمر ثمراته فى أهل مكة المكرمة بعد ذلك فكانوا يدخلون فى الإسلام طالبين الرفعة عن طريقه. فلما انتهت عمرة القضاء، فى ذى الحجة فى السنة السابعة أخذ يوجه الدعوات إلى الجزيرة العربية فأرسل بعدها أبا العوجاء إلى بعض القبائل على قرب من ثلة فى خمسين فارسا يدعو إلى الإسلام أو العهد، أو القتال.

стр. 822

وقد كان لهم عين بالمدينة المنورة فذهب وأخبرهم بسرية الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وحذرهم فجمعوا جموعا كثيرة. فجاء ابن أبى العوجاء وهم مستعدون، فلما رآهم أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتجمعهم دعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوهم بالقول الرافض، ولكن أجابوهم بالعمل المقاوم، فرموهم بالنبل، وقالوا لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه. وجعلت الإمدادات تجيء إليهم، حتى أحدقوا بالخمسين فارسا من المؤمنين من كل جانب، وقاتل المؤمنون قتالا شديدا، حتى قتل أكثرهم، وأصيب ابن العوجاء بجراحات كثيرة، فتحامل حتى رجع بمن بقى من أصحابه. وهكذا كانت التضحيات فى سبيل الدعوة من أهل الغدر والنفاق. إسلام خالد بن الوليد ٥٦٧- قلنا أن عمرة القضاء كانت فرصة لتقريب البعيد، وإيناس الغريب عن الإسلام بمبادئه، والربط بالمودة، وإذا كانت نفوس جافية لم تستجب لداعى المودة والرحم، فإن العقلاء قد سرت إلى نفوسهم دعوة الحق، وأخذوا يرون الإسلام فى علاء، وعرفوا ذلك من منطق القوة، ومنطق الهداية ومنطق العقل، وقد زالت الغمة، وكشفت الحقائق، وكان من هؤلاء وعلى رأسهم خالد بن الوليد، الذى سمى بحق من بعد سيف الإسلام، وإن لم ينل مرتبة المجاهدين الأولين والبلاء بلاء، والقوى كلها تكاتفت على المسلمين. لقد كانت نفس خالد المدركة التي تحس مائلة عن الشرك إلي دعوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان يرى أنه يخوض في الدفاع عن الشرك إلي غير غاية. ولنترك الكلمة، لما روى خالد بن الوليد فى حديثه عن إسلامه. قال: لما أراد الله تعالي بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الإسلام، وحضرني رشدي فقلت، قد شهدت هذه المواطن كلها علي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فليس لي موطن أشهده- أو أنصرف وأنا أري أني موضع في غير شيء، وأن محمدا سيظهر، فلما خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلي الحديبية خرجت في خيل المشركين، فلقيت رسول الله بأصحابه بعسفان، فقمت بإزائه، وتعرضت له، فصلى الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليهم، ثم لم يعزم لنا، وكانت فيه خير. فاطلع علي ما في أنفسنا مما ألهم به، فصلي بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا فقلت: الرجل ممنوع فاعتزلنا، وعدل عن سير خطنا وأخذ ذات اليمين.

стр. 823

فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قلت فى نفسى أى شيء بقى أأذهب إلى النجاشى؟ فقد اتبع محمدا وأصحابه عنده آمنون، أفأخرج إلى هرقل فأخرج من دينى إلى نصرانية أو يهودية؟ أفأقيم فى دارى؟. فأنا فى ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى عمرة القضاء، فتغيبت، ولم أشهد حضوره. وكان أخى الوليد بن الوليد قد دخل مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى عمرة القضاء فطلبنى، فلم يجدنى، فكتب إلى كتابا فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإنى لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام ما جهله أحد، وقد سألنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عنك، وقال: أين خالد، فقلت: يأتى الله تعالى به، فقال: ما مثله يجهل الإسلام؟!، ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين كان خيرا له، ولقدمناه على غيره، فاستدرك يا أخى ما قد فاتك من مواطن صالحة» . فلما جاءنى كتابه نشطت للخروج، وزادنى رغبة فى الإسلام، سؤال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عنى، وأرانى فى المنام كأنى فى بلاد ضيقة مجدبة، فخرجت فى بلاد خضراء واسعة، فقلت إن هذه لرؤيا، فلما أن قدمت المدينة المنورة قلت لأذكرنها لأبى بكر، فقال: مخرجك الذى هداك الله تعالى للإسلام، والضيق الذى كنت فيه من الشرك. فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قلت: من أصاحب إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم!!، فلقيت صفوان بن أمية، فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه، إنما نحن كأضراس، وقد ظهر محمد صلى الله تعالى عليه وسلم على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد واتبعناه، فإن شرف محمد شرف لنا، فأبى أشد الإباء، وقال لو لم يبق غيرى ما اتبعته أبدا، فافترقنا وقلت هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر، قلت فاكتم على فلقيت عكرمة بن أبى جهل، فقال مثل ما قال صفوان بن أمية فخرجت إلى منزلى فأمرت براحلتى، فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن أبى طلحة، فقلت إن هذا لى صديق فلو ذكرت له ما أرجوه، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره، فقلت وما على، وأنا راحل من ساعتي، فذكرت له ما آل الأمر إليه، فقلت إنما نحن بمنزلة ثعلب فى جحر لو صب عليه ذنوب من ماء لخرج، وقلت له نحوا مما قلت لصاحبى، فأسرع الإجابة وقلت له إنى غدوت إليهم، وأنى أريد أن أغدو، وهذه راحلتى ... فأدلجنا سرا، فلم يطلع علينا الفجر، حتى التقينا فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة. فوجدنا عمرو بن العاص، بها، فقال: مرحبا بالقوم، فقلنا: وبك، فقال إلى

стр. 824

أين مسيركم؟ فقلنا وما أخرجك؟ فقال وما أخرجكم؟ قلنا الدخول فى الإسلام، واتباع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، قال وذلك الذى أقدمنى، فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة المنورة، فأنخنا بظهر الحرة ركابنا فأخبر بنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسربنا فلبست من صالح ثيابى، ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلقينى أخى فقال: أسرع فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد أخبر بك فسر لقدومك، وهو ينتظركم، فأسرعنا المشى، فاطلعت عليه، فما زال يبتسم لى حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة، فرد على السلام بوجه طلق، فقلت إنى أشهد أن لا اله إلا الله، وأنك رسول الله صلى الله تعالى عليك وسلم، فقال تعال، ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «الحمد لله الذى هداك، قد كنت أرى لك عقلا، ورجوت ألا يسلمك إلا إلى خير» قلت يا رسول الله، إنى قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك مما أبرأ منه فادع الله أن يغفر لى ذلك، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «الإسلام يجب ما كان قبله» ، قلت يا رسول الله على ذلك فقال صلى الله تعالى عليه وسلم «اللهم اغفر لخالد بن الوليد، كل ما أوضع فيه من صد عن الله ورسوله» . هذا ما نقله الواقدى بالرواية عن إسلام خالد بن الوليد. وذكرناه بطوله، لأنه حكاية نفسه، وبيان خواطره، وبيان ما وجهه إلى الإسلام توجيها نفسيا، أهو الاعتقاد الجازم الذى ينبعث من النفس، أم هو المصلحة، ولا يمنع أن يكون الباعث هو المصلحة، ثم يشرب قلبه حب الإيمان، ويكون من الصادقين فى إيمانهم، ثم يكون من بعد ذلك من المحاربين فى الإسلام، وربما يكون من المجاهدين، إن صح التعبير. كان خالد ممن لم يدخلوا مكة المكرمة من قريش غيظا من الإسلام وأهله وكراهية- عندما دخل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة معتمرا حاجا. فدل هذا على النفرة الشديدة من الإسلام وأهله، ولكنه جاء بعد ذلك وأراد أن يكون مع المسلمين، ولم يكن كعمر الفاروق الذى كان ألبا على المسلمين ثم رق قلبه للإسلام وقذف الله فى قلبه بنوره، فكان قوة فى الإسلام، وفارقا بين الضعف والاختفاء، والقوة والاستعلان، فى وقت ضنت فيه الألسنة عن الحق، والقلوب عن الإيمان، ولا كحمزة أسد الله، فإنه لم يقف قط ضد الإسلام، وأسلم ابتداء حمية لابن أخيه، ثم صار بطل الجهاد، لا بطل الحرب، فقد يكون بطل الحرب غير مجاهد، وقد يكون بطل الجهاد لم تعرف له فى الحرب مكيدة، كبلال وعمار، وغيرهما من المؤمنين الأولين الذين كانوا اللبنة الأولى فى بناء الإسلام، وعلى بلائهم وأذاهم قام الإسلام.

стр. 825

كان خالد فى إسلامه ليس واحدا من هؤلاء ولا كواحد منهم، ولكنه فكر وقدر فى البقاء على وثنية مكة المكرمة، أتكون مصلحته، أم المصلحة فى أن يسير فى الركب لتحفظ له مكانة المحارب الفذ والقائد النادر المثال. وجد مكة المكرمة قد سدت ولم تكن مكان العزة، ورأى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم هو ومن معه يعلون ولا ينخفضون، فهو إلى علاء، ومن فى مكة المكرمة إلى غيره أو استسلام له. ونفذ إدراكه إلى سر فى علو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو أنه ممنوع بمنع الله تعالى كالذى تسرب إلى نفسه وهو فى خيل المشركين يرقبون صلاة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بأصحابه. ولكن كأن ومضة نفسية، لا نقول إنها انطفأت، ولكن نقول إن سباق تاريخ نفسه بنفسه يدل على أن ذلك لم يكن هو المسير الموجه إلى إيمانه. بل كان الموجه أولا- أنه رأى أن لا مقام له بمكة المكرمة حيث سدت أبواب مظاهر النبوغ. ثم كان الموجه ثانيا- أنه لم يكن له ملجأ فى الحبشة، لأن أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم سبقوه، والنجاشى يؤمن بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ويحبه، وفكر فى أن يلجأ إلى الروم، وينتقل من دين قومه إلى اليهودية أو النصرانية، وربما كان ذلك فاتحا له باب النور، ليخرج من دين قومه إلى دين رجل من قومه، شرفه شرفهم، كما عبر هو. ثم كان الموجه ثالثا- الكتاب الذى بعث به إليه أخوه الوليد وقد ذكر فيه سؤال رسول الله وذكره، وذكر عقله، وذكر أن له موضعا فى حروب المسلمين تعرف فيها مكانته، وتتميز فيها قيادته. اتجه إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لهذه الأمور، ولم يكن منها إيمانه بالعقيدة إيمانا دافعا مؤمنا مطمئنا مهديا، إلا أن يكون ما لاحظه من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذ حول الصلاة القائمة إلى صلاة خوف، عندما حدثته نفسه إبان ذلك إلى الانقضاض على المؤمنين فى صلاتهم. ولما ذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتطلق البشير النذير فى وجهه، رضى بالإسلام دينا، وغفر الله تعالى له لدعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم له بالغفران. وإنا لا ننقص من مقام خالد بن الوليد القائد المحارب ذى الدربة فى القتال، إذا قلنا إنه ابتدأ دخوله فى الإسلام بأنه رأى فى دخوله فيه المصلحة بعد أن صارت القوة الوحيدة فى البلاد العربية للإسلام- لأنه إذا رأى فى ذلك مصلحة شخصية دنيوية، فإنها كانت باب النور إليه، ودخل الإسلام قلبه، وصار مؤمنا بالله واليوم الآخر، والملائكة والنبيين.

стр. 826

ولعل ما قلناه هو السر فى أن عمر بن الخطاب فاروق الإسلام الذى لم يفر أحد فريه فى الإسلام، لم يكن يعامله معاملة المطمئن إليه، وإن كان يقدر مقدرته الحربية. إسلام عمرو بن العاص ٥٦٨- يتشابه إسلام عمرو بن العاص مع إسلام خالد بن الوليد، وإن كان فى إسلام خالد معان توميء إلى أنه أدرك بعض معانى الوحى، بدليل ما لاحظه فى صلاة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وإدراكه أن الله تعالى مانع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنه غير مسلمه وإدراكه مكانة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بين العرب والعجم، وأن شرفه هو شرف قريش، بل كانت المصلحة الدافعة أوضح فى عمرو بن العاص. لو نذكر كيف دخل الإسلام قلبه بما حكاه الواقدى عنه. يقول عمرو بن العاص: «كنت للإسلام مجانبا معاديا، حضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا فنجوت، ثم حضرت الخندق فنجوت، فقلت فى نفسى: والله ليظهرن محمد على قريش فلحقت بمالى، وأقللت من الناس (أى من لقائهم) ، فلما حضر الحديبية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الصلح، ورجعت قريش إلى مكة المكرمة، جعلت أقول يدخل محمد قابلا مكة المكرمة، ما مكة المكرمة بمنزل ولا الطائف، ولا شيء خير من الخروج، وأنا بعد ناء عن الإسلام، وأرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم، فقدمت مكة المكرمة، وجمعت رجالا من قومى، وكانوا يرون رأيى، ويسمعون منى، ويقدموننى فيما نابهم فقلت لهم كيف أنا فيكم، فقالوا ذو رأينا، ومدرهنا فى يمن نفس، وبركة أمر. قلت تعلمون أنى والله لأرى أمر محمد أمرا يعلو الأمور علوا منكرا وإنى قد رأيت رأيا. قالوا وما هو؟ قلت: نلحق بالنجاشى فنكون معه، فإن يظهر محمد كنا عند النجاشى، ونكون تحت يد النجاشى أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا. قالوا: هذا الرأى- قلت فاجمعوا ما نهديه له. جمعوا أحب ما يهدى إليه وهو الأدم، وذهبوا إلى النجاشى. ثم يقول عمرو بن العاص فى لقائه مع النجاشى، فو الله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمرى وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد بعثه بكتاب كتبه يزوجه أم حبيبة بنت أبى سفيان، فدخل عليه، ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابى: هذا عمرو بن أمية الضمرى، ولو دخلت على

стр. 827

النجاشى فسألته اياه، فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سرت قريش وكنت أجزأت عنها حتى قتلت رسول محمد. فدخلت على النجاشى، فسجدت له، كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقى أهديت لى من بلادك شيئا!! قلت نعم أيها الملك أهديت لك أدما كثيرة. ثم قدمته فأعجبه، وفرق منه شيئا بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل فى موضع وأمر أن يكتب ويحتفظ به، فلما رأيت طيب نفسه قلت: أيها الملك إنى رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول عدو لنا قد وترنا، وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فأقتله. فغضب من ذلك ورفع يده، فضرب بها أنفى ضربة، ظننت أنه كسره، فجعلت أتلقى الدم بثيابى، فأصابنى من الذل ما لو انشقت بى الأرض لدخلت فيها فرقا منه. ثم قلت: أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك، فاستحيا وقال: «يا عمرو تسألنى أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى، والذى كان يأتى عيسى- لتقتله» . قال عمرو: فغير الله قلبى عما كنت عليه، وقلت فى نفسى: عرفت هذا الحق العرب والعجم، وتخالف أنت، ثم قلت: أتشهد أيها الملك بذلك؟ قال الملك: نعم أشهد عند الله يا عمرو، فأطعنى واتبعه، فو الله إنه لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه. كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قلت: أتبايعنى على الإسلام، قال نعم. فبسط يده، فبايعنى على الإسلام، ثم دعا بطست، فغسل عنى الدم، وكسانى ثيابا، وكانت ثيابى قد امتلأت بالدم فألقيتها. ثم خرجت على أصحابى، فلما رأوا كسوة النجاشى سروا بذلك، وقالوا هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ قلت: كرهت أن أكلمه فى أول مرة، وقلت: أعود إليه، فقالوا الرأى ما رأيت ففارقتهم، وكأنى أعمد إلى حاجة، فعمدت إلى موضع السفن، فأجد سفينة قد شحنت وتدفع فركبت معهم، ودفعوها، حتى انتهوا إلى الشعبة. وخرجت من السفينة، ومعى نفقة، وابتعت بعيرا، وخرجت أريد المدينة المنورة مررت على الظهران ومضيت حتى إذا كنت بالهدة، فإذا رجلان قد سبقانى بغير كثير يريدان منزلا، وأحدهما داخل فى الخيمة، والآخر يمسك الراحلتين، فنظرت فإذا خالد بن الوليد، فقلت أين تريد قال محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم. دخل الناس فى الإسلام، فلم يبق أحد، والله لو أقسمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع فى مغارتها، قال عمرو وأنا والله أردت محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم أو أردت الإسلام، فخرج عثمان بن أبى طلحة فرحب بى فنزلنا جميعا فى المنزل، ثم اتفقنا حتى أتينا المدينة المنورة فما أنسى

стр. 828

قول رجل لقيناه ببئر أبى عنبة يصيح يا رباح يا رباح فتفاء لنا، بقوله وسرنا، ثم نظر إلينا، فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المكرمة المقادة بعد هذين فظننت أنه يعنينى، ويعنى خالد بن الوليد، وولى إلى المسجد سريعا، فظننت أنه بشر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقدومنا، فكان كما ظننت وأنخنا بالحرة، فلبسنا من صالح ثيابنا، ثم نودى بالعصر فانطلقنا على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن أبى طلحة فبايع، ثم تقدمت، فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفى حياء منه، فبايعته على أن يدعو الله أن يغفر لى ما تقدم من ذنبى، فقال إن الإسلام يجب ما قبله والهجرة تجب ما قبلها، فوالله ما عدل بى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه فى أمر حزبه منذ أسلمنا» . نقلنا الحديث بطوله، وكنا نود أن نحذف الجزء الأخير، وهو أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم يعدل أحدا من أصحابه. فإنا لا نحسب يمينه فى هذا برة إن كانت صحيحة النسبة إليه، لقد كانت بعد ذلك غزوة مؤتة وتبوك وفتح مكة المكرمة وهوازن وحنين فلم يعدل بهما على بن أبى طالب والزبير بن العوام وأبا عبيدة عامر بن الجراح، وسعد بن أبى وقاص. إن هذه اليمين غير البرة فرية عليه أو غير ذلك، ولماذا كان اللواء لزيد بن حارثة، ثم لجعفر بن أبى طالب، ثم لعبد الله بن رواحة، ولم يتولها خالد إلا حيث لم يكن وال يحملها. ومهما يكن من أمر هذه اليمين، فإن ما جاء على لسانه يدل كما دل كلام صاحبه على أن إسلامهم ابتداء كان لمصلحة، وقد أشرب قلوبهم الإيمان من بعد. هذا عمرو كان يقول لو أسلمت قريش كلها ما أسلم، ثم يخرج ببعض قومه ليحرض النجاشى على المؤمنين، ويحاول أن يتمكن من قتل رسول من عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيلطمه النجاشى لطمة جدعت أنفه. هذه اللطمة هى التى نبهته إلى الحق، أم نبهه غضب النجاشى، وإرادة إرضائه. ليس فى الوقائع التى ذكرها ما يدل على أنه رأى فى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن الله مانعه، فهو لم ير شيئا من ذلك، ولذلك نقول إن إسلامه كان لمصلحته الشخصية الدنيوية ولعل الإسلام قد دخل قلبه من بعد ذلك حتى صار إيمانا، وهذا ما رجحناه. وفى قصة عمرو بن العاص عن نفسه ما يدل على أنه رجل لا يظهر فى الهيجاء، ويبغى لنفسه الانحياز عن مواطن الردى، فهو يحضر بدرا، وينجو، وأحدا وينجو، والخندق وينجو، ويظهر أنه لم يقتل ولم يقاتل بل كان من النظارة أو المدبرين، كما كان شأنه فى القتال بين إمام الهدى على بن أبى طالب ومعاوية يدبر فى حرب البغاة.

стр. 829

وسيأتى من الأنباء مقامه هو وخالد بجوار صحابة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الذين رضى الله تعالى عنهم، ورضوا عنه فى بيعة الرضوان. سرايا للتعرف في البلاد ٥٦٩- أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، يرسل سرايا لمعرفة البلاد وحال القبائل، وخصوصا التى لا يأمن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جانبها. فقد بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شجاع بن وهب فى أربعة وعشرين إلى جمع من هوازن وأمرهم أن يغيروا عليهم، وكان بعثه يسير الليل ويكمن النهار، جاؤهم على غرة، وأوعز شجاع إلى أصحابه إلى ألا يمعنوا فى الطلب، فأصابوا نعما كثيرة وشاء، فاستاقوا ذلك، حتى قدموا المدينة المنورة، فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا لكل رجل. ثم قدم أهلوهم مسلمين، فشاور النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أميرهم فى رد السبايا إليه، فردهن، ويقول الحافظ ابن كثير فى تاريخه: قد تكون هذه السرية هى المذكورة فيما رواه الشافعى عن مالك عن نافع أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث سرية قبل نجد. فكان فيهم عبد الله بن عمر، فأصابت إبلا كثيرة. فبلغت سهامنا اثنى عشر بعيرا. ونفلنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعيرا بعيرا وإنا نحسب أنهما سريتان. إحداهما قبل نجد والآخرى أرسلت إلى هوازن. إلي بني قضاعة ٥٧٠- أخذت سرايا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تتجه إلى أرض الشام ليرتادوا الأراضى التى تتاخم أرض الشام، فيتعرف حالها تمهيدا، أو كشفا للغزوة التى تتجه إلى الشام من بعد، فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كعب بن عمير الغفارى إلى بنى قضاعة من أرض الشام فى خمسة عشر رجلا، فوجدوا جمعا منهم كبيرا فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبل. فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قاتلوهم أشد قتال وكانوا قلة فكاثرهم المشركون بكثرتهم حتى قتل المؤمنون فى سبيل الدعوة إلى الإسلام، وكان فى القتلى جريح اشتدت جراحه، حتى ظن أنه بين الموتى، فما أن أقبل الليل حتى تحامل حتى وصل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فهم بأن يبعث إليهم، فبلغه أنهم انسابوا فى الصحراء إلى موضع آخر. وقد يسأل سائل لماذا يرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سرايا قليلة العدد يتغلب عليهم المشركون بالكثرة التى لا قبل لهم بها، فيقتلون جميعا أو كثرتهم.

стр. 830

ونقول فى الجواب عن ذلك، إن سرايا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كانت ابتداء للتبليغ والدعوة، ولكنهم كانوا يلتقون بقوم غلاظ لا يجيبون، وإن أمكنتهم الفرصة يقاتلون، وقد رأينا فى هذه السرية الأخيرة، كيف كانت الدعوة إلى الإسلام ابتداء، فردوا ثم رشقوهم بالنبال، ثم قتلوهم، فما ذهبوا مقاتلين، ولكن ذهبوا داعين إلى الحق مبلغين رسالة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأمين. غزوة مؤتة ٥٧١- كان الإسلام يسرى سريان النور، والشام لم يكن بعيدا عن البلاد العربية، بل كانت به قبائل من العرب، فالغساسنة منهم، وإذا كان الإسلام يسرى نوره فيعم الآفاق القربية فقد كان من عرب الشام من دخل فى الإسلام، أو كان من العرب من سافر إلى الشام. وأولئك المسلمون، وإن كانوا عددا قليلا ضاقت بهم صدور النصارى حرجا، فقتل والى الشام من قبل الرومان من أسلم من عرب الشام، ولا بد أن يحمى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه أولئك الذين يفتنون عن دينهم لتمنع الفتنة عنهم، ويقول فى ذلك ابن تيمية فى رسالة القتال: إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما بعث إلى حرب الروم فى مؤتة إلا بعد أن قتل الوالى الرومانى من أسلم فى الشام. هذه كانت بعض الأسباب فى سرية مؤتة وقد كان هناك سبب مباشر قوى، وهو أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدى بكتابه إلى الشام، ثم إلى ملك الروم فعرض له شرحبيل بن عمرو الغسانى، فأوثقه رباطا، ثم قدمه فضرب عنقه، ولم يقتل من رسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غيره إلى ذلك الوقت، فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر، وكان لا بد أن يقف أمام هذا الغدر بقوة، ولو كانت مقابل قوة الرومان. وذلك لأنهم فتنوا المؤمنين، بقتل بعضهم فكان ذلك إرهابا لمن يهم بالدخول فى الإسلام ولأنهم قتلوا رسول النبى الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم فى وقت قد صارت عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم القوة الفاصلة العليا فى البلاد العربية، فكان لا بد لذلك من أن يقاوم ذلك الغدر، لأن السكوت يكون ذلة لأهل الإيمان، وذلة للعرب أجمعين، وهم بصدد أن يقوموا بدعوة الحق وحماية الشعوب من طغاتها. فى جمادى الأولى من السنة الثامنة بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعثة إلى البلقاء من الشام، وكانت عدتها ثلاثة آلاف رجل، ولعلها أكبر الغزوات إلى الآن عددا.

стр. 831

وجعل الأمير على هذه البعثة زيد بن حارثة، فإن قتل زيد كان الأمير جعفر بن أبى طالب، فإن قتل جعفر كان الأمير عبد الله بن رواحة، فإن قتل، فليرتض المسلمون رجلا يكون أميرا عليهم، فلما فصلوا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الشام، ومضوا حتى أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل فى ماب من أرض البلقاء فى مائة ألف من الروم وانضم إليهم عدد من نصارى العرب، وبلغ عدد من انضم مائة ألف أخرى. عندما رأى جيش الإسلام ذلك كان منه من راعه العدد والسلاح، وقالوا نكتب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا، لنمضى إليه، عندما سمع عبد الله بن رواحة ذلك الكلام المتردد. وقف وقال: يا قوم، والله، إن التى تكرهون للتى خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد، ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هى إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة. قال الناس بعد هذا الكلام المؤمن القوى: قد والله صدق ابن رواحة، وتقدم جيش الرومان، وإن كانوا يبلغون مائتى ألف، وتقدم جيش الإسلام وهو يؤمن بقوله تعالي: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ تقدم المؤمنون فى غير وجل من كثرة عدد العدو، وقلتهم. تقدم الصفوف زيد بن حارثة، وهو يحمل راية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان على ميمنة الجيش رجل من بنى عذرة اسمه قطبة بن قتادة، وعلى الميسرة رجل من الأنصار اسمه عباية بن مالك وانتحى المسلمون قرية من قرى البلقاء، فالتقوا بالرومان عندها. وإذ كان المؤمنون قد أخذتهم ابتداء رهبة العدد والسلاح، فقد أخذت الرومان رهبة الإيمان، وإذا كان قد استطاع المؤمنون أن يتغلبوا على ما أصاب نفوسهم من فزع العدد، فإن المائتى ألف لم يستطيعوا أن يتغلبوا على فزعهم من أنهم يلقون قوما مؤمنين أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم. قد التقى الفريقان، الفريق المؤمن، وهو يهاجم دفاعا عن أهل الإيمان الذين قتلهم والى الرومان، ودفاعا عن كرامة الإسلام التى أهينت بقتل رسول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وكرامة العرب وهم مزودون بمعان دافعة، وكان جيش الرومان الكثيف فى عدده وعدته، لا غاية له إلا أن يرد هؤلاء المزودين بالقوة المعنوية، وبنصرهم السابق، ولذلك كان اتجاههم إلى قتل حملة الراية التى هى رمز التقدم إن تقدم حاملها، إذ كلما تقدم زاد الهجوم قوة واحتداما وهم خائفون من هذا الهجوم، وإن النبى صلى الله

стр. 832

تعالى عليه وسلم ألهم، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (النجم ٣- ٥) ، ألهم، أن حملة الراية سيكونون المقصودين، فرتب الولاية بينهم فجعلها لزيد بن حارثة لقوة إيمانه، وليعلم أنه لا شرف إلا بالإيمان والعمل الصالح، ثم تكون لجعفر بن أبى طالب الذى هاجر مرتين، لكى يعلم الناس أنه لا يضن بأهله عن مواطن الردى، ثم لعبد الله بن رواحة ولم يجعلها من بعده لأحد، ولم يكن خالد من بين الأمراء الذين ذكرهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم واصطفاهم لأنه كان قريب عهد بالإسلام. كان هم جيش الروم أن يرد المهاجمين، ولذلك اتجه إلى القواد، وجعلهم غايته، فقتلهم واحدا بعد واحد، وكان هم جيش المؤمنين أن ينتصفوا لإخوانهم الذين فتنوا فى دينهم فقتلوا من الرومان مقتلة عظيمة، حتى قال خالد بن الوليد إنه أبدل فى يده ستة سيوف، ولم يبق إلا صفحة يمينة، فسل نفسك لم كان يخشى السيف فى يد خالد من هؤلاء، الذين سارت فيهم قوة الإيمان، كما تسير السكين فى قطعة الزبد. وأولئك القواد العظام الذين عينهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ما كان ليقتل إلا بعد أن عبروا، ولا يلقى الراية من يده إلا بعد رقاب عدد من الكافرين من النصارى واليهود فزيد حب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وحامل رايته قتل عددا حتى قتل. وجعفر بن أبى طالب حامى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قاتل حتى أحس بأن فرسه لا تسعفه، فنزل عنها، وأخذ يقاتل راجلا، وراية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحملها على يمينه، فلما قطعوها حملها على شماله، فلما قطعوها حملها بين يديه، حتى قتل، فكان فى الجنة الطيار ذلجناحين. وهكذا كان عبد الله بن رواحة كصاحبيه أقدم عليها من غير تردد، فكان كالصاعقة على الكافرين، حتى استشهد، وهو حامل الراية. ولا يصح أن تسقط راية المؤمنين، وانتهى أمرها إلى ثابت بن أقوم بن العجلان، ولكنه أحس بأنه دونها، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت! قال: ما أنا بفاعل، فاصطلحوا على خالد بن الوليد، فلما حملها أخذ يقاتل، وسيفه البتار يقطع الرقاب. ولكنه وهو القائد المدرك علم أنه وإن كانت الجولة إلى الآن للمؤمنين، ولو قتل حاملو الراية لا بد أن يزحمهم الروم ونصارى العرب ويهودهم بكثرة العدد، لأنها تطيل القتال، ولا تتحمل القلة الطول مهما يكن ما عندهم من معنويات صابرة مؤمنة.

стр. 833

اتجه خالد إلى الانحياز تمهيدا لانسحاب منظم، وفى هذا الوقت ابتدأت قوات الروم بتخاذل بعضها من العرب، وبعضهم انضم إلى خالد عند انسحابه. يحكى ابن إسحاق أنه كان من حدس كاهنة، حين سمعت بجيش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مقبلا، قالت لقومها من حدس، قالت لهم أنذركم قوما خرزا (أى مبصرون مدركون) ينظرون شزرا، ويقودون الخيل تترى، ويهريقون دما عكرا. فأخذوا بقولها واعتزلوا من بنى لخم، وكان من الذين صلوا الحرب يومئذ بنو ثعلبة، فلما انصرف خالد بالناس انصرفوا معه وعادوا قافلين إلى أرضهم. فالجيش الرومانى، لم يكن متماسكا، وإن كان كثير العدد، لتعدد الأجناس فيه، فلم تغن كثرتهم عنهم شيئا، ونجا المسلمون منهم، ونجواهم بأنفسهم، وإن جرحوا جرحا شديدا. عندما رأى خالد كثرة الكافرين، كما ذكرنا، أخذ يبدل فى مواقف جيشه، فجعل الميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، والصدر خلفا والخلف صدرا فظنوا أنه قد جاءه المدد، فلهذا أنزل الله تعالى فى قلوبهم الرعب من لقاء المسلمين فاثروا النجاة بأنفسهم، ولم يتبعوا جيش المسلمين فى تراجعهم، ورضوا من الغنيمة بالإياب، وأخذ خالد بجيش الإيمان، حتى عاد إلى المدينة المنورة سالما به، لم يفقد فى هذه المعركة إلا اثنى عشر قتيلا منهم الأمراء الثلاثة زيد بن حارثة، وجعفر، وعبد الله بن رواحة رضى الله تعالى عنهم جميعا، وتسعة معهم، فكان عدد القتلى اثنى عشر قتيلا. ولكن لم يتعود أهل المدينة المنورة أن تعود إليهم جنودهم من المعركة، حتى فى أحد بقيادة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد نال المشركون منهم نيلا وجراحا فلم يعد الجنود من المعركة فارين أو شبه فارين، بل كان الجمع الذى أصيب بالجراح قد أخذ يكر وراء المشركين كرا، وتبعهم إلى حمراء الأسد راجعين فارين من تجدد اللقاء، ورضوا بالإياب. لم يعجب أهل المدينة المنورة صنيع الجيش الذى قاده القائد المدرك بالانحياز ثم الانسحاب، لأنهم لم يتعودوه، وسموهم الفرارين، وأخذ الصبيان يحثون التراب على وجوههم، وقد خرج إليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مستقبلا فأمر بتنحية الصبيان إلا أولاد جعفر بن أبى طالب فضمهم إليه، وقال إنهم الكرارون، أو العكارون، كما جاء فى بعض الصحاح والسنة، وسماهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم متحيزين إلى فئة، فهو فئة المسلمين، وكان ذلك تطبيقا لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا

стр. 834

لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ، إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وتحيزوا إلى فئة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فدخلوا فى استثناء الآية، ولم يدخلوا فى موضع نهيها. نتيجة الغزوة ٥٧٢- انتهت هذه الغزوة بنجاة الجيش الإسلامى من أن يقع فريسة لجيش الكفر، المتكاثف، وحسب ذلك نصرا مبينا، وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أدرك قبلها نتيجة المعركة، فإنه عندما علم أن خالدا تولى القيادة، وحمل الراية قال: تولى الراية سيف من سيوف الله يفتح الله تعالى عليه، وما كانت لتسمى النتيجة فتحالو كانت النهاية أن يرضى الجيش من الغنيمة بالإياب. ولقد قال بعض كتاب السيرة أن النتيجة كانت السلامة، ولم تكن نصرا. ولكنا نقول أنها كانت نصرا لأسباب: منها أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سماها فتحا، وسمى الذين عادوا إلى المدينة المنورة كرارا. ومنها أن المسلمين ساقوا غنائم ولم يؤخذ منهم شيء. ومنها أن قتلى المؤمنين كانوا اثنى عشر، وقتلاهم لا تحصى عددا، فقتلى المسلمين كانوا أقل عددا، وفيها كان النصر المؤزر، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله تعالى هى العليا. ولقد قال فى ذلك الحافظ ابن كثير فى تاريخه: «هذا عظيم جدا، أن يتقاتل جيشان متعاديان فى الدين أحدهما وهو القلة التى تقاتل، فى سبيل الله وعدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة، وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن النصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر، وقد قتل من المشركين خلق كثير، هذا خالد وحده يقول: لقد اندقت فى يدى تسعة أسياف وما بقيت فى يدى إلا صفحة يمانية، فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها. دع غيره من الأبطال الشجعان من حملة القرآن الكريم وقد تحكموا فى عبدة الصلبان، عليهم لعنة الرحمن ذلك الزمان وفى كل أوان، وهذا مما يدخل فى قول الله تعالى: «قد كان لكم آية فى

стр. 835

فئتين التقتافئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين، والله يؤيد بنصره من يشاء إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار» . وإننا نرى أن هذا يشبه ما قرره الله تعالى من أن عشرين صابرين يغلبوا مائتين، وأن مائة صابرة تغلب ألفا، وأنه عند قوة الإيمان وقوة الصبر يكون المؤمن الصابر يغلب مائة. وقد كان ثلاثة آلاف قد غلبوا مائتى ألف، وصدق قول الله تعالى: «يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا، بأنهم قوم لا يفقهون» هذا هو الحق. إن غزوة مؤتة أول غزوة تخرج عن دائرة الجزيرة العربية إلى دائرة أراض تحت سلطان الرومان، فإذا كانت النتائج تكون على هذه الشاكلة، فإن النصر سيكون لجيش الحق بإذن الله تعالى، وقد كان، فكانت اليرموك وما بعدها فى عهد الراشدين، فكانوا يفرون كما تفر الشاة أمام الأسود. وإذا كانت بدر أول انتصار فى الأرض العربية، فمؤتة أول انتصار مؤزر خارج الجزيرة العربية، وهو ابتداء ليس له انتهاء أو مبتدأ له خبر. سرية ذات السلاسل ٥٧٣- عندما أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بلاد الشام سرية من ثلاثة آلاف لمنع فتنة الرومان للمسلمين، ولتأديب الغساسنة الذين قتلوا رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأقبل الرومان فى جيش بلغ تعداده مائة ألف، وانضم من أعراب الشمال من لخم وجذام وطييء وغيرهم مما ضاعف البلاء على المسلمين، ولكن كانت الغالبة، فكانت الفئة التى تقاتل فى سبيل الله هى الغالبة، وقد ذكرنا ذلك. ما كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه أن يتركوا هؤلاء الأعراب من غير تأديب، وكما قال الله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (التوبة- ٩٧) فكان لا بد أن يمنعهم من أن يسترسلوا فى الشر. أرسل عمرو بن العاص يستنفر العرب ليستميلهم إليه بذرابة لسانه، وقد رأى عمرو رجلا ألكن لم يستطع بيانا، فقال رضى الله عنه: سبحان الله خالق لسان هذا هو خالق لسان عمرو بن العاص. ولأنه كما قيل كانت له صلة ببعض هؤلاء الأعراب، ومعه عدد قليل من المسلمين.

стр. 836

سار حتى وصل إلى جذام، ونزل ماء السلاسل. ولكن لم يفلح فى استمالة أحد، ولم يكن كعبد الله بن رواحة يطلب من جيشه إحدى الحسنيين، ولذلك أرهبته كثرة عدوه، فلم يصنع شيئا، وأرسل إلى الرسول ﵊ ليبعث إليه الرجال وبقى ينتظر المدد. عندئذ بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جيشا من المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر، والقائد أبو عبيدة عامر بن الجراح أمين هذه الأمة. ولقد تحرك فى عمرو حب الرياسة التى ظهرت من بعد فى عهد عثمان عندما عزله، وفى عهد على التى تفرق بها وبغيرها أمر المسلمين. قال لأبى عبيدة: إنما جئت مددا لى، وهو ما أرسل فى جيش من المهاجرين والأنصار، ولكن أرسل طليعة للتعرف والاستمالة. وما كان من شأن أبى عبيدة أن يعطى رياسة الجند إلا بأمر الرسول لعمرو بن العاص الذى هو حديث عهد بالإسلام، ولكن أبا عبيدة لم يجابهه بأن الأمر له بل قال إجابة له لا، ولكنى على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت. ولكن عمرو أصر على قوله، وقال: أنت مددى. وهنا بدت تقوى التقى المؤمن، فقال له: يا عمرو إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لا تختلفا، وإنك إن عصيتنى أطعتك. هذه صورة عمرو فى أول إسلامه، وهى صورته عند تولى الإمرة على مصر عندما عزله ذوالنورين عثمان بن عفان، لقد قال: كنت ألقى الراعى فأحرضه عليه. وهى صورته عندما اجتمع مع معاوية ضد إمام الهدى على لأنه يعلم أن عليا لن يعطيه إمرة فى شيء. أخذ الجيش الإسلامى يطارد القبائل التى ظاهرت الروم، فتوغل الجيش الإسلامي، وكلما انتهى إلى قبيلة ولت الأدبار، ولم يصطدم إلا مرة واحدة، وانتهت بفرارهم.

стр. 837

وبذلك كان تأديب هذه القبائل الأعرابية، وبدت كلمة الإسلام عالية كما هى، وبذلك انتهى المراد من هذه السرية. سرية أبي عبيدة ٥٧٤- فى رجب من السنة الثامنة أرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبا عبيدة فى ثلاثمائة رجل إلى القبلية، على ساحل البحر الأحمر، داعيا إلى الإسلام، ومتعرفا أمر القبائل هناك، وكان فى السرية عمر بن الخطاب. ولقد أصاب أولئك الصحابة جوع فى الطريق، فلم يجدوا ما يأكلونه حتى أكلوا ورق الشجر. واشترى قيس بن سعد إبلا ونحرها لهم، وانصرفوا، ولم يلقوا حربا وما جاؤا للحرب، بل للدعوة إلى الإسلام، والعمل على نشره والتعريف به فى وسط القبائل سرية أبي قتادة ٥٧٥- بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى شعبان من السنة الثامنة أبا قتادة الأنصارى إلى غطفان فى نحو خمسة عشر رجلا. وغطفان هى القبيلة العنيفة التى عاونت قريشا فى غزوة الخندق، وهى التى همت بأن تعاون اليهود فى خيبر، وكان منها من ناصر جيش الرومان فى مؤتة فسار إليهم هذا العدد القليل. وأمره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يشن الغارة عليهم، فكان يسير بالليل ويكمن بالنهار، حتى لقيهم فهجم على جمع عظيم منهم، وأحاط بهم، وقاتلهم قتالا شديدا فقتلوا بعضهم، واستاقوا النعم والشاة، وعادوا إلى المدينة المنورة بعد خمس عشرة ليلة، ولا شك أن الغرض من هذه السرية هو تعرف أطراف الجزيرة العربية، والدعوة إلى الإسلام حيثما ساروا، وأينما اتجهوا. فما كانت هذه السرايا للقتال، ولكن لمعرفة الأراضى الدانية والقاصية والإعلام بالإسلام للدخول فيه طوعا لا كرها. وقد بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أبا قتادة الأنصارى أيضا إلى أختم على بعد ثلاثة برد من المدينة المنورة، بعثه فى رمضان وكان الغرض من إرسالها تعمية قريش عنه حتى لا تصده إذ كان بعدها فتح مكة المكرمة بليال، أو كانت فى ليلة الثانى عشر من رمضان.

стр. 838

انتشار الإسلام فى البلاد العربية ٥٧٦- كان الإسلام ينتشر فى البلاد العربية قاصيها ودانيها، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يرسل الدعاة، والناس منهم من يستجيب مؤمنا صادقا. فيهاجر إلى المدينة المنورة ليكون قوة مع قوة المؤمنين، ومنهم من يسلم، ويذعن مستسلما من أن يسكن الإيمان قلبه، وإن ذلك كان فى الأعراب الذين لم يخالطوا أهل الإيمان ولم يجاورهم، ولم يلتقوا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليطلبوا منه، ولم يقرأوا القرآن الكريم مستمتعين بتلاوته، ولذلك قال الله تعالى فيهم: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ (١٤- الحجرات) . وكان من الأعراب من ينتظر أيكون الغلب للمشركين أم لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه فهم كانوا مذبذبين بين هؤلاء وهؤلاء، ومنهم من يبلغ به العناد فى الكفر أن يجيئوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مظهرين أنهم يطلبون الهداية فيرسل إليهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من يحفظهم القرآن الكريم ويعلمهم الإسلام فيغدرون بهم، ويقتلونهم. كما قتلوا طائفة من القراء بلغوا سبعين. ومنهم من كانوا يأخذون المؤمنين ويبيعونهم للمشركين، كما فعل مع خبيب وأصحابه الذين باعوهم لأهل مكة المكرمة. وقتلوهم قتلة فاجرة. فكان الحق أن يقول الله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (٩٧- التوبة) وكان هذا النوع من النفاق الأعرابى متغلغلا فى الصحراء وحول مكة المكرمة. وحول المدينة المنورة ذاتها، فقد قال تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ، سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١- البقرة) . ولقد قسم الله تعالى الأعراب قسمين متعادلين أولهما منافق جلى النفاق يحسب الزكاة مغرما ومنهم من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتخذ ما ينفق قربات، ولقد ذكر القسمين فقال تعالت كلماته وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً، وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ، أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨، ٩٩: التوبة) وهكذا كان فى الأعراب المؤمن الطاهر، والمنافق. ومن هؤلاء المنافقين كانت الردة التى أعقبت وفاة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان انتشار الإسلام بين الأعراب على هذا النحو الذى بينه الله تعالى فى كتابه.

стр. 839

كان الأعراب بين منافق كافر غادر، وبين مسلم يتربص الدوائر، وبين مؤمن تقى طاهر، ومهما يكن أمرهم فقد كان الإسلام ينتشر مع هذا الدخل، وإن دخل الإسلام قلبا، ولو على تردد فإنه بتوفيق الله تعالى، ومن بعد ذلك يشرق إشراقا، ثم يكون من ذلك إيمانا. وإن الحروب التى وقعت بين المشركين ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه من المؤمنين كانت قوارع تقرع النفوس العربية، فيهتز صداها فى النفوس، إذ خلاصتها أنها قتال بين التوحيد ديانة إبراهيم أبى العرب ﵇، وبانى البيت الحرام، وبين الشرك فيدعوهم إلى التفكير بين الوحدانية والشرك، وبين ملة إبراهيم محطم الأوثان، وبين عبادة الأصنام، فإن ذلك يدفع نفس العرب والأعراب إلى التفكير فى الأمر تفكيرا من غير إرهاق. وفوق ذلك فإن الحرب بين الإيمان الذى ينصره الله تعالى ويؤيده، والشرك الذى يتوالى خذلانه يدفع إلى تعرف السر فى النصر مع قلة العدد، والخذلان مع كثرته، وإن واقعة الخندق وحدها داعية إلى التفكير فى القوة الخفية التى نصرت محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ أرسل الله تعالى ريحا عاتية قلبت أوعيتهم، وخلعت أخبيتهم، وخلعت مع ذلك قلوبهم، ففروا من اللقاء فرارا، إن هذه وحدها قارعة تلفت العقول عن عبادة غير الله تعالى، لأنها تدرك أن الله مؤيد دعاة التوحيد بغير ما يقدرون، وما يقتدرون. وإن الغزوات الكبار كان بجانبها سرايا تنبث فى أنحاء البلاد العربية داعية كاشفة هادية أو مقاتلة إن رأت غدرا وخيانة. وإن كل هذا يدفع إلى التفكير فى الدين، والموازنة بينه وبين عبادة الأوثان، وإن الجمود على اتباع الآباء ولو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون هو الذى يصم الآذان والقلوب عن إدراك الحق، فقوارع الحرب تسمع الذين فى آذانهم وقر، وعلى أبصارهم غشاوة. وإذا فتحت المدارك اتجهت إلى الطريق المستقيم، الذى لا عوج فيه، ولا أمت. وفى الحق أن دعوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم صغت إليها قلوب الضعفاء ابتداء، ثم كانوا من بعد قوة الإسلام التى أزعجت الكفر فى مكامنه، وهدته إلى مواطن الهداية. لا نقول إن الحرب أكرهت أحدا على الإيمان، ولكن نقول إن قوة الحق أخذت غير المحاربين إلى محراب الإيمان فجاؤا إليه طائعين مختارين، ولأن انتصار المؤمنين لإيمانهم يجعل النفوس ترمقهم، والقلوب تصغى إليهم.

стр. 840

ولذا كانت الوفود من بعد ذلك تجيء من القرى والقبائل تعلن إيمانها، وتتعلم الإسلام، وتسمع تلاوة القرآن الكريم كما سنتكلم إن شاء الله تعالى على الوفود التى جاءت تترى والتى جاءت بنور الحق لتسمع الحق من الداعى إلى الحق، وإن ذلك كله جاء من تسامع العرب بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت الحروب من أسباب ذلك. وإن انتهاء القتال بصلح ابتداء، ثم بمواجهة بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وبين من يعاديه هى الآخرى دعوة إلى الإسلام فى هدأة النفوس، وقرار القلوب، وقد صار صوت الحق هو وحده الذى يتكلم، وسكتت صلصلة الأسلحة، وفى هذه الهدأة وقد خبت العداوة، واطمأن الجامح، ولم تكن العداوة التى تؤجج النفوس بل السلم العزيز الذى يرطب النفوس والأفئدة. وحينئذ دخل بعض العرب، ومال الذين كانوا يحاربون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الإسلام، وبدأوا يفكرون بقلب سليم من الأضغان، قد استلت منه الأحقاد وسخائم النفوس، وما كان المشركون لينفروا من الإيمان إلا جحودا وعنادا. فإذا اختفى العناد كان التفكير السليم، وهو سبيل الإسلام، وكان كل أمر بعد ذلك يوجه إلى الإيمان، ولا يرنقه حقد، ولا محنة، ولا إحنة، وتوالت الأمور التى تقرب الأرحام، وتصل من كانوا قد قطعوه من رحم متوادة رحيمة. وإن عمرة القضاء التى كانت فى العام السابع دنت بها قلوب كانت متباعدة، وأذن المؤذن تكبيرا لله تعالى وحده على الكعبة الكريمة المشرفة زادها الله تعظيما، عندئذ مالت قلوب أعتى الكافرين عداوة. وإن لم يتقدموا بالإيمان، حسبك أن يكون منهم عكرمة بن أبى جهل فقد مال إلى الإسلام، وأن يعمل على إعلان إيمانه كما فعل صاحبه خالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة، وعمرو بن العاص. فقد رأت قريش محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم يعظم البيت الحرام. ويقيم شعائره، وينحر الهدى عند المروة ويقيم المودة بدل القطيعة، ويحاول أن يقيم وليمة يتناولون فيها الطعام على مائدة الرحمن.. دخل إلى مكة المكرمة راضيا، وخرج عنها وهم راضون. وبعد أن خرج أخذت النفوس تفكر فى الإسلام، لقد وقف خالد بن الوليد يدعوهم إلى التفكير فى أمر محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، «لقد استبان لكل ذى عقل أن محمدا ليس بساحر، ولا شاعر، وأن كلامه من كلام رب العالمين، فحق على كل ذى لب أن يتبعه» . بلغ أبا سفيان ما قاله خالد، فسأله عن صحة ما سمع، فأكده، فاندفع أبو سفيان غاضبا، وقد باعد بينهما عكرمة بن أبى جهل وكان يميل فى هذه القضية إلى خالد، فقال: مهلا يا أبا سفيان أتقتلون خالدا على رأى رآه، وهذه قريش كلها عليه، والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة المكرمة.

стр. 841

وما حال الحول حتى كان فتح مكة المكرمة، وكان أهل مكة المكرمة على ما كان خالد، وكان أبو سفيان من المسلمين. وأخذ الإسلام يدخل مدائن العرب، وأخبيتهم ما بين مؤمن مذعن ومسلم، وكافر يعرفه ويكرهه ولم يبق إلا أن يخرج نوره من أرض العرب إلى غير العرب. وكان التدرج يقتضى ذلك، بأن يكون فى أم القرى، وما حولها، ثم يكون فى يثرب مجتمع القوى، ثم يكون فى العرب أجمعين، ويخرج من مشرق العرب إلى حيث النار والصليب، فيطفيء النار ويحطم الصليب، وتكون الكلمة لله وحده رب المشارق والمغارب. بعث الرسائل إلى الملوك ٥٧٧- اتفق علماء السيرة والصحاح على أن الإرسال إلى الملوك والأمراء كان بعد الحديبية وقبل الفتح، ولكن اختلفوا أكان بعد صلح الحديبية أم كان بعد عمرة القضاء أم كان بعد مؤتة. وإن الذى نختاره أنه كان بعد عمرة القضاء، وقبل مؤتة، وذلك لأن عمرو بن العاص خرج من مكة المكرمة مريدا الهجرة إلى الحبشة بعد عمرة القضاء وقد التقى فى الحبشة بمن بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى النجاشى، كما أنه التقى فى أثناء ذهابه إلى المدينة المنورة بخالد بن الوليد، وقد كانت إرادة خالد بن الوليد، الذهاب إلى مكة المكرمة وكلماته فى الدعوة إلى اتباع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عقب عمرة القضاء مباشرة. وإن السياق التاريخى يثبت أن الكتاب إلى ملك الروم، وأمير الغساسنة فى الشام كان قبل مؤتة لأن غزوة مؤتة كانت بسبب قتل بعض من أسلم من الشام، وبسبب قتل الرسول الذى بعثه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أمير الغساسنة، والسبب مقدم على المسبب، فكان الكتاب بلا ريب سابقا على مسببه وهو غزوة مؤتة. وفوق هذا كله، فإن السنة الصحيحة تصرح بأن الإرسال إلى الملوك قبل مؤتة، فقد روى مسلم بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتب قبل مؤتة إلى كسرى وقيصر، وإلى النجاشى، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الإسلام.

стр. 842

كتابه إلى هرقل وأثره ٥٧٨- بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى هرقل دحية بن خليفة بكتاب هذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدي. أما بعد. فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت، فإنما عليك إثم الأريسين.. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤- آل عمران) . وقد كان هذا الكتاب الكريم له أثره فى أوساط الرومان، وأهل الشام ومشركى قريش، لم يأخذ هرقل الكتاب كما يأخذ ملك من رجل يخشى على ملكه منه، بل أخذه عالم يلقى خبرا له صلة بعلمه، فقد كان هرقل حزاء له علم بالملاحم والنجوم وأخبار النبيين، فكان عالما من علماء النصرانية الذين يريدون أن ينتشر الحق فى ذاته، لولا الملك وسورته. عندما وصل الكتاب إليه، أرسل يبحث عن بعض قوم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى البلاد الشامية فعلم بركب تجار من مكة المكرمة، على رأسهم أبو سفيان قائد الشرك، فدعاهم إلى مجلسه، وحول (هرقل) عظاماء الروم، ثم دعا أبا سفيان ومن معه ودعا الترجمان، وإليك الحديث كما جاء فى البخارى. قال هرقل بلسان الترجمان: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى. فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبا، فقال هرقل أدنوه منى وقربوا أصحابه عند ظهره، ثم قال لترجمانه قل لهم إنى سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبنى فكذبوه، قال أبو سفيان، فو الله لولا أن يؤثروا عنى كذبة فى العرب لكذبت عنه، ولنترك الحكاية كلها لأبى سفيان. يقول: أول ما سألنى عنه أن قال: كيف نسبه فيكم. قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قبله؟ قلت لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك. قلت لا، قال فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت بل ضعفاؤهم، قال أيزيدون أم ينقصون؟ قلت بل يزيدون، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال. قلت لا، قال: فهل يغدر؟ قلت لا ونحن منه فى مدة، لا ندرى ما هو فاعل

стр. 843

فيها، ولم يمكنى كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت نعم، قال فكيف قتالكم إياه؟ قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا، وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق والعفاف والصلة. قال للترجمان بعد ذلك قل له: سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث فى نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك، هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه ما كان ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، وسألتك أأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أهم يزيدون أم ينقصون؟ فقلت إنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا يغدرون، وسألتك بم يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمى هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. كان لهذا الكلام أثره فى نفس أبى سفيان العدو المشرك، فقال: «لقد أمرّ أمر ابن أبى كبشة (زوج المرضع التى أرضعت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم) أنه يخافه ملك الأصفر، وهذه بلا ريب كلمة الشرك، ولكن كان الكلام من هرقل له أثر أعمق من ذلك فى نفس أبى سفيان، فقد قال: ما زلت موقنا أنه سيظهر، حتى أدخل الله تعالى على الإسلام. ولكن فتحت له مغاليق كانت متكافئة فى نفسه، حتى لا تكشف فيه قلب المسلم. ٥٧٩- هذا أثر الكتاب فى قلب هرقل، ونراه يصدق كل ما فيه، ويميل إلى الإسلام، وقبول ما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن هل أذعن للحق، وقبل الإسلام دينا!! يظهر أنه حاول ذلك ولكن قومه لم يقبلوه، وتخير بين الإسلام والإذعان، وبين البقاء على الملك، فاختار الملك، وبذلك اشترى الضلالة بالهدى، فبارت تجارته عند الله. ولنذكر الأمر كما وقع، وما كان ينبغى أن يقع، ولكنه الابتلاء:

стр. 844

لقد كان هرقل كما قلنا عالما، وكان حزاء أوتى علم النجوم، وعلم الملاحم، وكان حين قدم من إيلياء، وهى الأرض التى التقى فيها مع أبى سفيان ومن معه من التجار- خبيث النفس، فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك، فقال لهم إنى رأيت حين نظرت فى النجوم ملك الختان قد ظهر، وعلم من تحريه أن العرب يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. وقد أرسل إلى صاحب له برومية على مثل منزلته من العلم. وسار إلى حمص، فلم يتركها حتى جاءه كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ونرى من هذا أنه كانت عنده أمارات قد علم بها بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت الصور التى تتراءى له أنه ملك، ولكن الله تعالى قد آتاه ما هو أعظم من ذلك، وهو النبوة التى تأتى بخير الدنيا والآخرة. وكانت هذه المعلومات سواء أكانت منتجة فى ذاتها، أم غير منتجة فإنها أثرت فى نفسه، وجعلته على استعداد لقبول الحق إذ جاء إليه، وإن المقدمات هنا، وإن كانت ظنية فى ذاتها قد مهدت لقبول الحق. اقتنع هرقل كما قلنا بأنه الحق، وأراد أن يعرضه على الملأ من قومه داعيا إليه، فأذن هرقل لعظماء الروم أن يحضروا فى دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع عليهم فقال: يا معشر الروم، هل لكم فى الفلاح والرشد، وأن يثبت لكم ملككم، فاتبعوا هذا النبى. فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت. فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من إيمانهم، قال: ردوهم على، وغير وبدل من قوله ونيته، وقال: «إنى إنما قلت مقالتى آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه» . وهكذا غلبت عليه الشقوة على الهداية، ولقد برق له نور الحق وأضاء له، فلما هم أن يمشى فيه، وقف الملك وسلطانه، فكان الظلام بعد النور، والضلالة بعد الهداية، وأمر بقتل من قتل من المسلمين وجيّش الجيوش لحرب المسلمين فى مؤتة، وفى تبوك، ومن بعد ذلك فى اليرموك ومهما يكن من أمر نهاية الكتاب بالنسبة لهرقل والملأ من قومه، فإن الإسلام قد عرف فى وسط الرومان، وعرف فى الشام، وتذاكر به الناس، وعرف ما كان من هرقل لعظماء ملته، والنور دائما يخترق الظلام مهما تكن الحجب، والغياهب والظلمات، فالكتاب أثمر ثمراته، وإن لم يكن الإيمان عاجلا، فإنه آجل والأجل قريب.

стр. 845

ومنهم من آمن، وإن لم يعرف إيمانه. يروى أن هرقل عندما جاءه كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعطاه لكبير الأساقفة الذى كان صاحب أمرهم يصدرون عن رأيه وعن قوله، فلما قرأ الكتاب قال: هو والله الذى بشرنا به موسى وعيسى الذى كنا ننتظره، قال هرقل فما تأمرنى، قال الأسقف أما أنا فمصدقه ومتبعه، فقال قيصر إنه كذلك، ولكنى لا أستطيع، إن فعلت ذهب ملكى وقتلنى الروم، لم يذهب إذن الكتاب صرخة فى واد، بل كان له صدى، وظهر فيما بعد. كتابه إلي كسري ملك الفرس ٥٨٠- عندما أراد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرسل إلى الملوك وقف فى الصحابة خطيبا وبعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله قال: أما بعد فإنى أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا على كما اختلف بنو إسرائيل على عيسى بن مريم. فقال المهاجرون: إنا لا نختلف عليك فى شيء أبدا، فمرنا وابعثنا. فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شجاع بن وهب إلى كسرى. وظاهر هذا الكتاب أنه أرسل إلى كسرى عقب هذا البيان النبوى، وربما يوميء إلى أن الكتاب إلى كسرى كان قبل الإرسال إلى ملك الروم، ولكنا نرجح أن الإرسال للملوك جميعا كان فى وقت واحد، وربما كان وصول الرسول إلى هرقل قبل وصوله إلى كسرى. ومهما يكن الأمر من ناحية السابق واللاحق، فإنه ثبت أنه أرسل للملكين ولغيرهما من الملوك والرؤساء. بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شجاع بن وهب إلى كسرى فمضى بالكتاب إليه، ووقف أمام بابه مستأذنا مع عظاماء الفرس، وقد أذن لعظماء الفرس، ثم أذن له من بعدهم، فلما دخل أراد أن يدفعه لغيره، فأبى إلا أن يدفعه إليه بشخصه، وقال له لا حتى أدفعه أنا إليك كما أمرنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال كسرى ادن، فدنا وناوله الكتاب ثم دعا كاتبا من أهل الحيرة فقرأه، فإذا فيه:
следующие страницы →