← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وما حال الحول حتى كان فتح مكة المكرمة، وكان أهل مكة المكرمة على ما كان خالد، وكان أبو سفيان من المسلمين. وأخذ الإسلام يدخل مدائن العرب، وأخبيتهم ما بين مؤمن مذعن ومسلم، وكافر يعرفه ويكرهه ولم يبق إلا أن يخرج نوره من أرض العرب إلى غير العرب. وكان التدرج يقتضى ذلك، بأن يكون فى أم القرى، وما حولها، ثم يكون فى يثرب مجتمع القوى، ثم يكون فى العرب أجمعين، ويخرج من مشرق العرب إلى حيث النار والصليب، فيطفيء النار ويحطم الصليب، وتكون الكلمة لله وحده رب المشارق والمغارب. بعث الرسائل إلى الملوك ٥٧٧- اتفق علماء السيرة والصحاح على أن الإرسال إلى الملوك والأمراء كان بعد الحديبية وقبل الفتح، ولكن اختلفوا أكان بعد صلح الحديبية أم كان بعد عمرة القضاء أم كان بعد مؤتة. وإن الذى نختاره أنه كان بعد عمرة القضاء، وقبل مؤتة، وذلك لأن عمرو بن العاص خرج من مكة المكرمة مريدا الهجرة إلى الحبشة بعد عمرة القضاء وقد التقى فى الحبشة بمن بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى النجاشى، كما أنه التقى فى أثناء ذهابه إلى المدينة المنورة بخالد بن الوليد، وقد كانت إرادة خالد بن الوليد، الذهاب إلى مكة المكرمة وكلماته فى الدعوة إلى اتباع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عقب عمرة القضاء مباشرة. وإن السياق التاريخى يثبت أن الكتاب إلى ملك الروم، وأمير الغساسنة فى الشام كان قبل مؤتة لأن غزوة مؤتة كانت بسبب قتل بعض من أسلم من الشام، وبسبب قتل الرسول الذى بعثه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أمير الغساسنة، والسبب مقدم على المسبب، فكان الكتاب بلا ريب سابقا على مسببه وهو غزوة مؤتة. وفوق هذا كله، فإن السنة الصحيحة تصرح بأن الإرسال إلى الملوك قبل مؤتة، فقد روى مسلم بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتب قبل مؤتة إلى كسرى وقيصر، وإلى النجاشى، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الإسلام.

стр. 842

كتابه إلى هرقل وأثره ٥٧٨- بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى هرقل دحية بن خليفة بكتاب هذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدي. أما بعد. فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت، فإنما عليك إثم الأريسين.. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤- آل عمران) . وقد كان هذا الكتاب الكريم له أثره فى أوساط الرومان، وأهل الشام ومشركى قريش، لم يأخذ هرقل الكتاب كما يأخذ ملك من رجل يخشى على ملكه منه، بل أخذه عالم يلقى خبرا له صلة بعلمه، فقد كان هرقل حزاء له علم بالملاحم والنجوم وأخبار النبيين، فكان عالما من علماء النصرانية الذين يريدون أن ينتشر الحق فى ذاته، لولا الملك وسورته. عندما وصل الكتاب إليه، أرسل يبحث عن بعض قوم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى البلاد الشامية فعلم بركب تجار من مكة المكرمة، على رأسهم أبو سفيان قائد الشرك، فدعاهم إلى مجلسه، وحول (هرقل) عظاماء الروم، ثم دعا أبا سفيان ومن معه ودعا الترجمان، وإليك الحديث كما جاء فى البخارى. قال هرقل بلسان الترجمان: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى. فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبا، فقال هرقل أدنوه منى وقربوا أصحابه عند ظهره، ثم قال لترجمانه قل لهم إنى سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبنى فكذبوه، قال أبو سفيان، فو الله لولا أن يؤثروا عنى كذبة فى العرب لكذبت عنه، ولنترك الحكاية كلها لأبى سفيان. يقول: أول ما سألنى عنه أن قال: كيف نسبه فيكم. قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قبله؟ قلت لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك. قلت لا، قال فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت بل ضعفاؤهم، قال أيزيدون أم ينقصون؟ قلت بل يزيدون، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال. قلت لا، قال: فهل يغدر؟ قلت لا ونحن منه فى مدة، لا ندرى ما هو فاعل

стр. 843

فيها، ولم يمكنى كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت نعم، قال فكيف قتالكم إياه؟ قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا، وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق والعفاف والصلة. قال للترجمان بعد ذلك قل له: سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث فى نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك، هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه ما كان ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، وسألتك أأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أهم يزيدون أم ينقصون؟ فقلت إنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا يغدرون، وسألتك بم يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمى هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. كان لهذا الكلام أثره فى نفس أبى سفيان العدو المشرك، فقال: «لقد أمرّ أمر ابن أبى كبشة (زوج المرضع التى أرضعت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم) أنه يخافه ملك الأصفر، وهذه بلا ريب كلمة الشرك، ولكن كان الكلام من هرقل له أثر أعمق من ذلك فى نفس أبى سفيان، فقد قال: ما زلت موقنا أنه سيظهر، حتى أدخل الله تعالى على الإسلام. ولكن فتحت له مغاليق كانت متكافئة فى نفسه، حتى لا تكشف فيه قلب المسلم. ٥٧٩- هذا أثر الكتاب فى قلب هرقل، ونراه يصدق كل ما فيه، ويميل إلى الإسلام، وقبول ما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن هل أذعن للحق، وقبل الإسلام دينا!! يظهر أنه حاول ذلك ولكن قومه لم يقبلوه، وتخير بين الإسلام والإذعان، وبين البقاء على الملك، فاختار الملك، وبذلك اشترى الضلالة بالهدى، فبارت تجارته عند الله. ولنذكر الأمر كما وقع، وما كان ينبغى أن يقع، ولكنه الابتلاء:

стр. 844

لقد كان هرقل كما قلنا عالما، وكان حزاء أوتى علم النجوم، وعلم الملاحم، وكان حين قدم من إيلياء، وهى الأرض التى التقى فيها مع أبى سفيان ومن معه من التجار- خبيث النفس، فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك، فقال لهم إنى رأيت حين نظرت فى النجوم ملك الختان قد ظهر، وعلم من تحريه أن العرب يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. وقد أرسل إلى صاحب له برومية على مثل منزلته من العلم. وسار إلى حمص، فلم يتركها حتى جاءه كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ونرى من هذا أنه كانت عنده أمارات قد علم بها بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت الصور التى تتراءى له أنه ملك، ولكن الله تعالى قد آتاه ما هو أعظم من ذلك، وهو النبوة التى تأتى بخير الدنيا والآخرة. وكانت هذه المعلومات سواء أكانت منتجة فى ذاتها، أم غير منتجة فإنها أثرت فى نفسه، وجعلته على استعداد لقبول الحق إذ جاء إليه، وإن المقدمات هنا، وإن كانت ظنية فى ذاتها قد مهدت لقبول الحق. اقتنع هرقل كما قلنا بأنه الحق، وأراد أن يعرضه على الملأ من قومه داعيا إليه، فأذن هرقل لعظماء الروم أن يحضروا فى دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع عليهم فقال: يا معشر الروم، هل لكم فى الفلاح والرشد، وأن يثبت لكم ملككم، فاتبعوا هذا النبى. فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت. فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من إيمانهم، قال: ردوهم على، وغير وبدل من قوله ونيته، وقال: «إنى إنما قلت مقالتى آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه» . وهكذا غلبت عليه الشقوة على الهداية، ولقد برق له نور الحق وأضاء له، فلما هم أن يمشى فيه، وقف الملك وسلطانه، فكان الظلام بعد النور، والضلالة بعد الهداية، وأمر بقتل من قتل من المسلمين وجيّش الجيوش لحرب المسلمين فى مؤتة، وفى تبوك، ومن بعد ذلك فى اليرموك ومهما يكن من أمر نهاية الكتاب بالنسبة لهرقل والملأ من قومه، فإن الإسلام قد عرف فى وسط الرومان، وعرف فى الشام، وتذاكر به الناس، وعرف ما كان من هرقل لعظماء ملته، والنور دائما يخترق الظلام مهما تكن الحجب، والغياهب والظلمات، فالكتاب أثمر ثمراته، وإن لم يكن الإيمان عاجلا، فإنه آجل والأجل قريب.

стр. 845

ومنهم من آمن، وإن لم يعرف إيمانه. يروى أن هرقل عندما جاءه كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعطاه لكبير الأساقفة الذى كان صاحب أمرهم يصدرون عن رأيه وعن قوله، فلما قرأ الكتاب قال: هو والله الذى بشرنا به موسى وعيسى الذى كنا ننتظره، قال هرقل فما تأمرنى، قال الأسقف أما أنا فمصدقه ومتبعه، فقال قيصر إنه كذلك، ولكنى لا أستطيع، إن فعلت ذهب ملكى وقتلنى الروم، لم يذهب إذن الكتاب صرخة فى واد، بل كان له صدى، وظهر فيما بعد. كتابه إلي كسري ملك الفرس ٥٨٠- عندما أراد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرسل إلى الملوك وقف فى الصحابة خطيبا وبعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله قال: أما بعد فإنى أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا على كما اختلف بنو إسرائيل على عيسى بن مريم. فقال المهاجرون: إنا لا نختلف عليك فى شيء أبدا، فمرنا وابعثنا. فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شجاع بن وهب إلى كسرى. وظاهر هذا الكتاب أنه أرسل إلى كسرى عقب هذا البيان النبوى، وربما يوميء إلى أن الكتاب إلى كسرى كان قبل الإرسال إلى ملك الروم، ولكنا نرجح أن الإرسال للملوك جميعا كان فى وقت واحد، وربما كان وصول الرسول إلى هرقل قبل وصوله إلى كسرى. ومهما يكن الأمر من ناحية السابق واللاحق، فإنه ثبت أنه أرسل للملكين ولغيرهما من الملوك والرؤساء. بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شجاع بن وهب إلى كسرى فمضى بالكتاب إليه، ووقف أمام بابه مستأذنا مع عظاماء الفرس، وقد أذن لعظماء الفرس، ثم أذن له من بعدهم، فلما دخل أراد أن يدفعه لغيره، فأبى إلا أن يدفعه إليه بشخصه، وقال له لا حتى أدفعه أنا إليك كما أمرنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال كسرى ادن، فدنا وناوله الكتاب ثم دعا كاتبا من أهل الحيرة فقرأه، فإذا فيه:

стр. 846

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم الفرس. «سلام على من اتبع الهدى، وشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاء الله تعالى، فإنى أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، وإن تسلم تسلم، وإلا فإن عليك إثم المجوس. فلما قرأه مزقه فدعا عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يمزق ملكه. ولم يكتف بأن مزق الكتاب، بل أراد قتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسل إلى بازام، وهو نائبه على اليمنى، أن ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتيانى به، وحسب أن الإتيان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم مكبلا بالحديد، أمر سهل، ونسى أن العرب فى واقعة (ذى قار) قد أذاقوه من الحرب بؤسا، ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى جنده لا يقل عن قوة العرب فى ذى قار، ولكنه غرور السطوة الذى يدلى بصاحبه حتى يجعله عبرة للمعتبرين. استجاب نائبه إلى طلبه غير المعقول فى غايته، فبعث بازام قهرمانه، وكان كاتبا حاسبا، وبعث معه رجلا من الفرس يقال له حرحورة، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى. ويظهر أن نائبه باليمن لم يكن يريد إيذاء، ولكن يريد أن يتعرف خبر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فكتب الكتاب إطاعة لكسرى، وأراد أن يتصرف لنفسه، فأراد التعرف، وهكذا يغتر الطغاة، فيحسبون أن الناس قلوبهم طوع أيديهم، مع أن قلوبهم لإلههم ولا لأنفسهم. قال نائب كسرى لمن أرسله بالكتاب إيت بلاد هذا الرجل وكلمه ائتنى بخبره، وهذا يدل على أنه لن يجيب كسرى، فغاية كسرى ليست غايته، وأنه هو يريد أن يعرف الإسلام. خرج الرجلان إلى الطائف حتى قدما عليه: فسألا عنه فقيل هو بالمدينة المنوره، واستبشر أهل الطائف بها، وقال بعضهم لبعض أبشروا، فقد نصب له كسرى ملك الملوك.. كفيتم الرجل. خرج الرجلان حتى قدما على المدينة المنورة، فقالا: شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك بازام (نائبه باليمن) يأمره بأن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثنا إليك لتنطلق، فإن فعلت كتب (نائب اليمن) إلى ملك الملوك يمنعك ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت فهو مهلكك ومهلك قومك، ومخرب بلادك. وظنا أن ذلك يرهب الرسول، إذ مثله يرهبهما، ولكن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم لم يلتفت إلى كلامهما، لأن الله يعصمه، بل اتجه إليهما، وقد حلقا لحاهما،

стр. 847

وأعفيا شاربهما، فكرر النظر إليهما. وقال لهما: ويلكما من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا ربنا، يعنيان كسرى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ولكن ربى أمرنى باعفاء لحيتى وقص شاربى. ثم قال لهما: ارجعا حتى تأتيانى غدا، وقد أعلم الله رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بأن كسرى قد قتله ابنه شيرويه، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، عنده ذلك العلم من الله تعالى، دعاهما فأخبرهما. فقالا: هل تدرى ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا فنكتب عنك بهذا، ونخبر الملك بازام (نائب كسرى) . قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أخبراه ذلك عنى وقولا له إن دينى سيبلغ ما بلغ كسرى، وينتهى إلى الخف والحافر، وقولا إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء، ثم أعطى حرحورة الفارسى أحد الرسولين منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك. خرجا من عنده حتى قدما على بازام (نائب كسرى) فى اليمن. فقال هذا الملك النائب عن ملك الملوك. كسرى: ما هذا بكلام ملك، وإنى لأرى الرجل نبيا، كما يقول: وليكونن ما قد قال، فلئن كان هذا حقا فهو نبى مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأيا. علم الجميع أن كسرى قد قتل بيد ابنه. وقد أعلمهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، والرسولان عنده، والأخبار عنه منقطعة عن طريق البرد وغيرها. وبينا نائب كسرى باليمن على الأمر الذى لم يصل إليه نبؤه، وهو فى تردد فى قبوله، جاءه كتاب شيرويه الابن، وجاء فى هذا الكتاب. أما بعد: فإنى قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبا لفارس، لما كان قد استحل دم من قتل من أشرافهم، ونحرهم فى ثغورهم، فإذا جاءك كتابى هذا فخذ لى الطاعة ممن قبلك وانطلق إلى الرجل الذى كان كسرى قد كتب إليه، فلا تهجه حتى يأتيك أمرى فيه. إنه بلا شك لم يكن الابن على عزيمة أبيه فيما يتعلق بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل تردد، وكل ما أمر به ألا يهيجه فلا يطلب إليه الحضور حتى يكون أمر جديد. تلك أمارات متتالية تدل على صدق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيما يدعو إليه من وحدانية وصدقه فى دعوى الرسالة الإلهية.

стр. 848

وإن أحد الرسولين كان يتكلم باسمهما فى حضرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. قال: ما كلمات أحدا كان أهيب عندى منه. فكر أمير اليمن وقدر ما بين يديه من علم، وانتهى تفكيره إلى الإسلام والتسليم، وقال إن هذا الرجل لرسول، فأسلم، وأسلمت الأبناء من فارس الذين كانوا باليمن. وبذلك دخل الإسلام أرض اليمن، ووجد له فيه دعاة. وقد روى البيهقى أن شيرويه هذا الذى قتل أباه، قد استخلف من بعده ابنته، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لن يفلح قوم ولوا أنفسهم امرأة. هذا كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأثره، وإذا كان لم يؤثر فى كسرى إلا سلبا، فقد أثر فى غيره إيجابا واستجابة، لقد أثر فى نائبه باليمن، فأسلم وهو فارسى، وأسلم من معه من الأبناء من فارس، وهم باليمن بما وصل إليه الإسلام فى شعب اليمن العربى الأصيل. ولم يكن كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صرخة فى واد، بل كان لها استجابة، وإذا كان العدد قليلا فإنه سيكون كثيرا فى اليمن وما وراءها وقد كان. كتابه إلى النجاشى ٢٨٥- كتب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى النجاشى ملك الحبشة أصحمة، وقد رجا فيه الخير، لأنه أكرم أصحابه عند الهجرة إلى الحبشة، فهو يدعوه فى هذا الكتاب، وقومه، وكان قد أسلم من قبل فيما يروى الرواة، وفيما يدل عليه ما اقترن بالكتاب من قول، وهذا نص الكتاب وما دار حوله. بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشى ملك الحبشة. «فإنى أحمد الله تعالى إليك، الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح من الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، حملت عيسى فخلقه الله تعالى من روحه، ونفخه كما خلق آدم بيده، وإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى وتؤمن بالذى جاءنى، فإنى رسول الله، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله ، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتى، والسلام على من اتبع الهدى» .

стр. 849

هذا كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ورفق الدعوة، وحكمة النبوة ظاهران فيه ولقد بعثه مع عمرو بن أمية الضمرى الذى جاء بهذا الكتاب، ولأنه رفيق وكان يميل للإسلام، كان لرسول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم شرح وتوضيح وتأكيد لمعنى الرسالة. قال له عمرو: يا أصمحة، إن على القول، وعليك الاستماع، إنك كأنك فى الرقة علينا، وكأنا فى الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيرا قط إلا نلناه، ولم نخفك على شيء إلا أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد، وقاض لا يجور، وفى ذلك الموقع الحز، وإصابة المفصل، وإلا فأنت فى هذا النبى الأمى كاليهود فى عيسى ابن مريم، وقد فرق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رسله فى الناس فرجاك لما لم يرجهم، وأمنك على ما خافهم عليه، بخير سالف، وأجر ينتظر. أجابه النجاشى إجابة المؤمن فقال: «أشهد أنه النبى الأمى الذى ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار، كبشارة عيسى براكب الجمل، وأن العيان ليس أشفى من الخبر..» وأردف ذلك بأن حمل عمرو بن أمية كتابا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وهذا نص الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم- من النجاشى أصحمة سلام عليك يا نبى الله من الله، ورحمة الله وبركاته، الله لا إله إلا هو. أما بعد فقد بلغنى كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت، إنه كما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد عرفنا ابن عمك (أى جعفر بن أبى طالب) وأصحابك فأشهد أنك رسول صادقا مصدقا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين» . كانت إجابة النجاشى صريحة واضحة، وقد كان الكتاب إليه، وإلى جنوده والملأ من قومه، وقد أسلم هو، ودعا من معه، ولم يكرههم على الإيمان، ولكن اكتفى بالدعوة من غير إكراه، لأن الله تعالى يقول: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (٢٥٦- البقرة) فبين هذا الرشد، وكان ملكا عادلا أمن الناس وآمن بالله تعالى واستجاب لكلمة الحق من غير تلكؤ ولا تردد. ولم يؤمن قومه.

стр. 850

كتاب رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم إلى المقوقس ٥٨٢- استمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الإرسال إلى الملوك والرؤساء لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فكان يرسل إلى الرؤساء والملوك، كما رأيناه أرسل إلى هرقل وكسرى والنجاشى، فمنهم من اهتدى، ومنهم من ضل، وممن أرسل إليهم المقوقس عظيم القبط الذين كانوا يرزحون فى حكم الرومان، ويضطهدون فى دينهم. اضطهدوا من وثنية الرومان ثم اضطهدوا من مذهبهم عندما التقوا فى دين واحد. بعث إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع حاطب بن أبى بلتعة هذا الكتاب. بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبط (قل) يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤- آل عمران) . ولقد ذكر حاطب بن أبى بلتعة أنه أكرمه، وأنزله فى منزله، وأقام عنده. جمع بطارقته مع حاطب ووجه إليه أسئلة تتعلق بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقومه، وسأله حاطب عما يتعلق بعيسى مع بنى إسرائيل. قال المقوقس، هلم أخبرنى عن صاحبك، أليس هو نبيا. قلت بل هو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. قال فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها. قال حاطب: عيسى بن مريم ألست تشهد أنه رسول الله؟ قال: بلى، قلت: فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم. قال المقوقس: أنت حكيم قد جاء من عند حكيم. أخذ بعد ذلك يتكلم حاطب بن أبى بلتعة فى معنى الكتاب الذى يحمله من الرسول الكريم ﵊. قال:

стр. 851

إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله تعالى نكال الآخرة والأولى، فانتقم الله تعالى به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك. قال المقوقس: إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه. قال حاطب: ندعوك إلى الإسلام الكافى به الله عما سواه، إن هذا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم دعا الناس فكان أشدهم قريش وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمرى ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد ﵊، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن الكريم إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبى أدرك قوما فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. قال المقوقس: إنى قد نظرت فى أمر هذا النبى فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آيات النبوة بإخراج الجن، والإخبار بالنجوى، وسأنظر. وأخذ كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فجعله فى حق من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية. ومن بعد ذلك دعا كاتبا له يحسن العربية، فكتب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم ... لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط. سلام عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا بقى، وكنت أظن أنه يخرج من الشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان فى القبط عظيم، وبكسوة وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك» . هذا ما كتبه المقوقس، وهو يدل على أنه كصاحبه هرقل قد اقتنع بالقرآن الكريم والإسلام، ولكن تردد فى القبول، وتلطف فى الرد، وبنى تردده على أنه كان يظن أنه سيخرج من الشام. وكانت إحدى الجاريتين مارية القبطية التى كان إبراهيم بن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم منها، وأشهر الروايات أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أعتقها وتزوجها.

стр. 852

كتابه إلى المنذر بن ساوى ٥٨٣- ذكر الواقدى فى تاريخه بإسناده عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس أنه وجد كتابا فى كتب عبد الله بن عباس بعد موته فنسخه، فتبين فيه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعث العلاء ابن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى وكتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، ولم يذكر أنه عثر على نص كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن وجد رد ابن ساوى، ثم رد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وإليك كتاب المنذر: إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أما بعد يا رسول الله فإنى قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضى يهود ومجوس فأحدث إلىّ فى ذلك أمرك. فكتب إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى. سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد فإنى أذكرك الله ، فإنه من ينصح إنما ينصح لنفسه، وأنه من يطع رسلى، ويتبع أمرهم، فقد أطاعنى، ومن نصح لهم فقد ينصح لى، وإن رسلى قد أثنوا عليك خيرا، وإنى قد شفعتك فى قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل، وإنك مهما تصلح لا نعز لك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية، فعليه الجزية. وقد دل خبر هذا الكتاب على أن عبد الله بن عباس كان حريصا على أن يكتب كتب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ويحفظها فى خزانة كتبه، وأنه يعلن للناس ما يعلن وهو الأكثر، وقد يبقى ما لا يعلن، ودل الكتاب على أنه مرسل لأهل البحرين، وأن المنذر بن ساوى كان واليها، ويدل على استجابة الوالى لدعوة الإسلام، وأن الجزية تفرض على اليهود والمجوس، وتدل على أمر آخر هو الحكمة وهو أن أبقى الوالى الذى سارع إلى الإسلام فى إمرته، ليكون أميرهم، ولم يرسل واليا من كبار الصحابة أو غيره، وذلك ليشعروا أنه ليس أجنبيا مسيطرا، ولكنه من أنفسهم، وما دام مستقيما فإنه أجدر لعلمه بنفوسهم، وخبرته بأحوالهم، وأن يأتيهم من حيث يألفون ويعرفون. وفى الخبر ما يدل على فرض الجزية على الذين لا يؤمنون، إذا كانوا فى ولاية مسلم وهم هنا اليهود والنصارى والمجوس، وقد أجمع الفقهاء على فرض الجزية عليهم، وأجاز أبو حنيفة فرض الجزية على الوثنيين غير العرب قياسا على المجوس.

стр. 853

الكتاب إلى ملك عمان ٥٨٤- لم يكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ينى عن الدعوة إلى الإسلام فى الحواضر والبوادى، وأهل الوبر، وأهل المدر، كما رأيت فى كتابته للملوك. لقد أرسل إلى عمان باليمن، وكان عليها أميران هما جيفر وعبد ابنا الجلندى وقد أرسل لهما كتابا حمله عمرو بن العاص، وهذا نص الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإنى أدعوكم بدعاية الإسلام، أسلما تسلما فإنى رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، فإنكما إن أسلمتما، وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام، فإن ملككما زائل عنكما وخيلى يحل بساحتكم وتظهر نبوتى على ملككما. كتب الكتاب أبى بن كعب، وختم الكتاب. يقول عمرو بن العاص، خرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمنا عمد إلى عبد أحد الأخوين وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا، فقلت: إنى رسول من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليك، وإلى أخيك. فقال: أخى المقدم على بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه، حتى يقرأ كتابك. ثم قال: وما تدعو إليه، قلت: أدعوك إلى الله وحده، لا شريك له، وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال عبد: إنك ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك، فإن لنا فيه قدوة، قلت: مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ووددت أنه لو كان أسلم، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هدانى الله تعالى إلى الإسلام. فسألني: فمتي تبعته؟ قلت: قريبا، عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع بملكه، فقلت أقروه واتبعوه. قال والأساقفة والرهبان تبعوه، قلت نعم. قال: يا عمرو إنه ليس من خصلة فى الرجل، أفضح له من الكذب، قلت: ما كذبت، وما نستحله في ديننا.

стр. 854

قال: هل علم هرقل بإسلام النجاشى. قلت: بلي، قال بأى شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشى يخرج خرجا له، فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم منعه وقال: والله لو سألنى درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له أخوه (أى هرقل) : أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين بدين غيرك، دينا محدثا. قال هرقل: رجل رغب فى دين، فاختار لنفسه ماذا أصنع به، والله لولا الضن بملكى لصنعت كما صنع. قال: انظر ما تقول يا عمرو. قال عمرو: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرنى ما الذى يأمر به وينهى عنه. قلت: يأمر بطاعة الله ، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر، وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا، وعن الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. قال: ما أحسن هذا الذى يدعو إليه، لو كان أخى يتابعنى عليه، ركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به ولكن أخى أضن بملكه من أن يدعه، ويصير ذنبا. قلت: إنه إن أسلم ملكه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم، فيردها على فقيرهم. فقال: إن هذا لخلق حسن. ما الصدقة، فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الصدقات فى الأموال، حتى إلى الإبل، قال: وتؤخذ من سوائم مواشينا التى ترعى الشجر، وترد على المياه فقلت نعم. فقال: والله ما أرى قومى فى بعد دارهم، وكثرة عددهم يطيعون هذا. وبعد هذه المناظرة والتحريات التى قام بها الأخ الأصغر، ودلت على ميله للدخول فى الإسلام اتجه عمرو بن العاص إلى مقابلة الأخ الأكبر، وهو الأمير على هذه الديار، ولنترك القول لعمرو فإنه حسن الحكاية لما حصل. مكثت ببابه أياما، وهو يصل إلى أخيه فيخبره بكل خبرى، ثم إنه دعانى (أى الأمير وهو الأخ الأكبر) دعانى، فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعى، فقال: دعوه، فأرسلت فذهبت، فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعونى أجلس، فنظرت إليه فقال: تكلم، فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض خاتمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه، فقرأه مثل قراءته، إلا أنى رأيت أخاه أرق منه.

стр. 855

قال الأمير: ألا تخبرنى عن قريش كيف صنعت، فقلت اتبعوه، إما راغب فى الدين، وإما مقهور بالسيف. قال: ومن معه، قلت: الناس قد رغبوا فى الإسلام، واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى الله تعالى إياهم أنهم كانوا فى ضلال، فما أحد منهم بقى غيرك فى هذه الخرجة، وإنك إن لم تسلم اليوم وتتبعه توطئك الخيل وتبيد خضراءك، فأسلم تسلم ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال. قال الأمير: دعنى يومى هذا وارجع إليّ غدا. فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو إنى لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه. حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لى. فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أنى لم أصل إليه، فأوصلنى إليه. قال الأمير: إنى فكرت فيما دعوتنى إليه، فأنا أضعف العرب، إن ملكت رجلا ما فى يدى، وهو لا يبلغ خيله هاهنا، وإن بلغت خيله لقيت قتالا ليس كقتال من لاقى. قلت: وأنا خارج غدا. فلما أيقن بمخرجى، خلا به أخوه، فقال: ما نحن فيما ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إليّ، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وخليا بينى وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لى عونا. وقد نقلنا المحاورات التى كانت بين عمرو بن العاص، والأميرين، اللذين مال أحدهما إلى الإسلام ابتداء، ومال الثانى إليه انتهاء، وأسلما وحسن إسلامهما. وإن هذه المحاورة والاستجابة لما فى الكتاب تدل على أن الإسلام قد تغلغل فى نفس العربى ما بين مؤمن به وناظر إليه، ومخادع فيه، وإنه كان موضع تفكير المفكرين. وإن هذه المحاورة تدل على أنهم كانوا من النصارى، وأن هرقل لأنه ملك أكبر دولة مسيحية كان له هيمنة على نصارى الشرق، فمصر تابعة له، والحبشة له خرج على النجاشى ملكها. ويدل أيضا على إيمان النجاشى بأنه لا ولاية لغير المسلم على المسلم، ولذلك رفض أن يرسل الذى كان عليه أن يؤديه، وقال له فى قوة وحزم: لا أدفع درهما.

стр. 856

ويدل أيضا على سعة تفكير هرقل، ورفضه أن يثير حربا لأجل الخرج الذى كان يقدمه تابع له، لأنه اتبع دينا آخر وظهر ميله للإسلام واعتقاده بأنه صدق، وكان يعلن ذلك لوصيه بملكه، ومهما يكن أمر إسلامه، فإنه يظهر بمظهر رجل حر الفكر والرأى يقدر حرية التدين فى غيره، كما يقدرها فى نفسه. وفى الكلام ما يوميء إلى أن هذا الكتاب كان بعد فتح مكة المكرمة، لأنه سأله عن قريش اتبعوا محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم أم لم يتبعوه، فأجاب عمرو بأنهم اتبعوه، إما رغبا وإما قهرا، وإن ذلك كان بعد الفتح لا ريب فى ذلك. وأنه يبدو بلا ريب أن عمرو بن العاص كان ذا فراسة قوية عندما اختار أحد الأميرين وهو الأصغر، عندما ابتدأه فى تقديم الكتاب، فعن طريقه أقنع أخاه ذا الصلف والكبرياء. ويلاحظ أن عمرا كان شديدا فى قوله عندما خاطب الأمير الأكبر، ولعل ذلك من أنفة العربى إذ منعه الملك من الجلوس، وأبى إلا أن يقدم كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو واقف، فلم يرد أن يكون ذليلا. ولم يضر ذلك بقضية الإسلام لأنه كان يستعين بأخى الأمير الذى أبدى لينا غير منتظر، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم ين عن الدعوة، وسط الحروب وفى تدبير الدولة. كتابه ﵊ إلى صاحب اليمامة ٥٨٥- أرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع سليم بن عمرو العامرى كتابا إلى صاحب اليمامة هوذة بن على، وكان نص الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن على سلام على من اتبع الهدى. اعلم أن دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يدك» . فلما قدم عليه سليط حامل الكتاب وكان مختوما أنزله وحياه وبعد أن قرأ الكتاب ودعاه رد على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بكتاب جاء فيه «ما أحسن ما تدعو إليه، وأجمله، والعرب تهاب مكانى، فاجعل لى بعض الأمر أتبعك» . وأجاز سليطا الرسول بجائزة، وكساه أثوابا من نسيج هجر.

стр. 857

قدم الرسول على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه الكتاب والهدايا، فلما قرأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، امتنع عن أن يعطيه جزآ من الأرض. وبعد فتح مكة المكرمة، علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالوحى أن هوذة صاحب هذا الكتاب الطامع قد مات وقد ذم رجال اليمامة، وقال أما إنه سيخرج بها كذاب سينتهى بقتله. قال بعض الصحابة: ومن يقتله؟ قال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أنت وأصحابك. وإن نبوءة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كانت صادقة، فإن الأعراب كانت فيهم ردة، وكانت اليمامة ذات ضلع فيها، وقام الصديق خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعزمة كانت عز الإسلام وبها صار قارا ثابتا، وقد حفظ الله تعالى بأبى بكر قوة الإسلام، وعزته وقالها قولة حازمة جازمة: «إما سلم مخزية، وإما حرب مجلية» . ٥٨٦- وقد أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غب الحديبية إلى أمير الغساسنة بكتاب فيه هذا المعنى. وهو الدعوة إلى الإسلام، ولم يذكر كتاب السيرة أأجاب إلى الهدى أم لم يجب. ونحن ذكرنا كتابته إلى الملوك، والأمراء والرؤساء وردهم عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، ما بين مستجيبين ومترددين مجاملين فى الرد وإن لم يؤمنوا، وجاحدين كافرين معاندين مريدين إنزال الأذى بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم قاصدين الكيد، فرد الله تعالى كيدهم فى نحورهم. وتركنا مؤقتا الكلام فى المغازى لأسباب ثلاثة: أولها: أن المقصود من الرسالة المحمدية هو تبليغ الدعوة إلى الإسلام وما كانت الحروب إلا لحماية الدعوة ولمنع الكافرين من أن يفتنوا المؤمنين فى دينهم، كما فعل مشركو مكة المكرمة ونصارى الشام. فما كانت الحرب مشروعة لذاتها، ولكن كانت دفاعا وحماية للدعوة، وهى المقصود أولا وبالذات. ثانيها: أن هذه المكاتبات والرد عليها تبين مدى انتشار الدعوة، وإيمان الناس واستجابتهم، فقد رأيت بعضهم يستجيب فورا، وبعضهم يستجيب ويسأل عن حكم الشريعة فى أمر من تحت يده من اليهود والمجوس كابن ساوى، ومنهم من كان يتردد فى الاتباع، ثم ينتهى بالإذعان هو وقومه. ورأينا صاحب اليمامة يساوم، وكانت موضع الردة هى وبنو حنيفة، وقد تنبأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، فكان منهم رأس الفتنة فى الردة.

стр. 858

ثالثها: أننا رأينا أمراء العرب، أو جلهم كانوا أكثر استعداد للإجابة من غيرهم، وأن النصارى منهم كانوا أميل إلى الإجابة، وأبعد عن التعنت وخصوصا الذين كانوا يعلمون علم الكتاب، ويدرسون المسيحية فى أصلها الأول، وإن لم يكونوا غير مذكورين فى التاريخ. وإنه فى الجملة قد أخذت الدعوة الإسلامية تعم بلاد العرب كلها، وإذا كان قد أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ذلك مجاهدين، فقد كان عملهم تعليم الإسلام، كما سنتكلم عن غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى اليمن بقيادة على بن أبى طالب، ومعاذ بن جبل رضى الله تعالى عنهما. لقد كانت الاستجابة سريعة، والإجابة صادقة، إذ لم يكن منهم من بعد ذلك ردة كأهل اليمامة، وكان فيهم علم. الذمى ٥٨٧- جاء فى رد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على المنذر بن ساوى عندما سأله عن اليهود والمجوس، الذين يريدون الإقامة تحت سلطانه، ماذا يصنع بهم. فذكر له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يبقيهم مع الاحتفاظ بشعائر دينهم، وألا يضاروا فى تدينهم، على أن يدفعوا الجزية. وقد تكلمنا فى الجزية بكلمات مجملة، تليق بكتاب مكتوب فى سيرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وإن الذى يبقى فى ظل المسلمين مقدما للأمير المسلم حق الطاعة، يسمى ذميا. ذلك أن العهود التى يعقدها المسلمون أقسام ثلاثة: أولها: العهد مع دولة غير إسلامية بهدنة، أو عدم اعتداء، كالعهد الذى كان بين المشركين والمسلمين فى صلح الحديبية، ويمكن عقده مع أى دولة أخرى غير دولة الشرك فى قريش. وثانيها: عهد سلم مع المسلمين، بأن يجيبوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى دعوته إلى الإسلام أو الحرب بأن يرضوا العهد بدل القتال، على أن يبقوا آمنين، لا يعتدون على المسلمين، ولا يظاهرون عليهم. وثالثها: عهد يعطى للآحاد حق أن يقيموا مع المسلمين يكون لهم مالهم وعليهم ما عليهم، وتطلق لهم حرية التدين، وإقامة شعائر دينهم غير مضارين ولا محاربين، ويكونون فى الرعوية الإسلامية، كما يعبر الكتاب فى القوانين الدولية الآن.

стр. 859

وسمى هؤلاء ذميون، لأن لهم ذمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقول «من آذى ذميا، فأنا خصمه يوم القيامة ومن خاصمته خصمته» . ولقد كانت لهؤلاء الذميين رعاية خاصة احتفاظا بحرمات الأديان. وقد قرر الفقهاء جواز عقد الذمة لليهود والنصارى والمجوس، وقد عقد الذمة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، بنص القرآن الكريم، فقد قال تعالى فى ذلك: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ. (التوبة- ٢٩) فثبت بهذا أن أخذ الجزية يعفيهم من القتال، وقد شرحنا ذلك عند الكلام فى أخذ الجزية. أما أخذ الجزية من المجوس، وغيرهم كأهل الكتاب، فى أن يكونوا ذميين وتؤخذ الجزية منهم فإنه ثبت ذلك عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى كتابه للمنذر بن ساوى، وفى غيره من الأخبار والأحاديث. ومشركو العرب يقتلون أو يسلمون حتى لا يكون فى الأرض العربية دينان وتكون خالصة للإسلام والمؤمنين، لأنها أرض الإسلام، منها انبعث، وإليها يعود. بقى حكم الوثنيين غير العرب كالهنود وعبدة النجوم وكالبوذيين الذين يعبدون بوذا وتمثال بوذا إلى غير هؤلاء، فقد قرر أبو حنيفة وأصحابه أن الجزية تؤخذ منهم، ويكونون ذميين، وذلك بالقياس على المجوس، لأنهم ليسوا أسوأ حالا من عبدة النار، فليس عبدة الشمس بأسوأ من عبدة النار، وكذلك غيرهم، وإلى هذا الرأى نميل. وإن الذمة عقد يثبت بالأمان والإقامة، وهو يوجد التزاما على ولى الأمر من المؤمنين بأن يتركهم وما يدينون، لا يضطهدون فى شعائرهم بل يقيمونها، وأن يعاملوا معاملة المؤمنين فى التمكين من الحياة وحمايتهم فى أنفسهم وأموالهم وحرماتهم، وأنكحتهم، وكل شؤون أسرتهم فيما بينهم، ولا يحرمون من حق وعليهم أن يلتزموا أولا بكل الأحكام الإسلامية، فتطبق عليهم العقوبات الإسلامية كاملة، يطبق عليهم القصاص، وتطبق عليهم الحدود كلها: حد السرقة، وحد الزنا، وحد القذف، فيقام عليهم إن قذفوا محصنة أو محصنا من المسلمين، ويحدون حد قطاع الطريق. وتطبق عليهم الأحكام الإسلامية فى المعاملات من بيوع وإجارة ومداينات، ولا يأكلون الربا، ويخضعون معاملاتهم لأحكام ربا البيوع.

стр. 860

وألا يظهروا مخالفة الشريعة الإسلامية معلنين ذلك بألا يقيموا بيوتا للأوثان أو النيران بين المسلمين، وفى الجملة لا يظهرون بما قد يفتن المسلمين فى دينهم. ولا يكون من هم أى خيانة للمسلمين، فلا ينتموا لدولة غير إسلامية تحارب الإسلام، ولا يناصروها وإن ذلك محادة للإسلام وأهله، ويجب أن يكون ولاؤهم للدولة الإسلامية، كولاء المسلمين لتحقق القاعدة الإسلامية: لهم ما لنا، وعليهم ما علينا. ويلتزمون بألا يكون منهم سب للإسلام، ولا للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا لأى أحد من صحابته، فإن كانوا فهم على عهدهم وأمنهم، وإلا ينبذ إليهم، ولا يقيموا فى ظل الإسلام، أو ينالهم العقاب. ويلتزمون بألا يلحقوا بدار الحرب، وإلا كانوا أهل حرب، ولا يكونوا أهل ذمة. وفى الجملة يجب عليهم ما يجب على المسلم على سواء، وقد قال أبو حنيفة لهم أن يشربوا الخمر. وتكون مالا متقوما بالنسبة لهم، بحيث إذا أراقه مسلم وجب عليه دفع قيمته، والخنزير لهم أن يأكلوه، وهو مال متقوم بالنسبة لهم، وإذا اعتدى مسلم وقتل خنزيرا فعليه قيمته، كما لو قتل شاة لمسلم. وقال أبو حنيفة: نكاح بعض المحرمات فى الإسلام صحيح إذا كانوا يعتقدون صحته، وإذا ترافعوا إلى القاضى المسلم فى نفقة زوجية بناء على هذا النوع من النكاح حكم بها، وإذا ترافعوا بنسب كذلك حكم به، وذلك تطبيق للقاعدة الفقهية، أمرنا بتركهم وما يدينون، ويجوز لولى الأمر المسلم أن يعين قاضيا من بينهم يقضى بينهم. وإذا اتفقوا على أن يتحاكموا لدى القاضى المسلم حكم بينهم لقوله تعالى فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ، فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً (المائدة- ٤٢) . وإذا كانوا يخاصمون مسلما، لا يحكم بينهم إلا القاضى المسلم، حفظا لحق المسلم، ولكمال الولاية عليه. ولأنه لا ولاية لغير المسلم على المسلم. وإذا كان خصمان من الذميين وطالب أحدهما أمام القاضى المسلم ألزم الآخر عند بعض الفقهاء، لأنه يكون كما إذا كان الخصم مسلما. وقال آخر لا يلزم. لأن له قاضيا يقضى بينهم. وأحسب أن تعيين قاض لهم إنما هو فى شؤون الأسرة، وأمور دينهم.

стр. 861

وأما ما يتعلق بالمعاملات العامة كالبيوع والإجارات وغيرها فإن القضاء فيها لا يكون إلا للقاضى المسلم لتحقيق المساواة الكاملة بينهم وبين المسلمين. ومسألة جواز أن يشربوا الخمر ويأكلوا الخنزير، هى رأى أبى حنيفة وحده، لأنا أمرنا أن نتركهم وما يدينون، ولأن عمر بن عبد العزيز الحاكم العادل سأل الحسن البصري: ما بالنا تركنا أهل الذمة يأكلون الخنزير ويشربون الخمر، وينكحون بناتهم؟ قال الحسن البصرى: على هذا أخذنا الجزية إنما أنت متبع لا مبتدع. ولكن الجمهور الأعظم من الفقهاء منعوا ذلك- وذلك لأن لهم مالنا وعليهم ما علينا. والحمد لله. الفتح المبين ٥٨٨- هو فتح مكة المكرمة فى شهر رمضان حيث ابتدأ السير إليها فى العاشر منه، ووصل إليها فى الليلة الثالثة عشرة منه، وهو لم يكن فتح قتال، بل كان فتح قلوب، وأوسع فتح للدعوة إلى الإسلام فما كان قتل وقتال إلا خطأ، ومن غير تدبير وتعمد من الصحابة الأولين، بل كان أمنا وسلاما، وتلاقى قلوب قد فرق بينها الجحود، واستضعاف الضعفاء، ومقاومة الإيمان فلما دخل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة، وهو يقول أنا نبى المرحمة وأنا نبى الملحمة ألقى إليهم السلام والإكرام، وتلاقت العشائر التى تخاصمت ثم تهادنت، ثم سالمت ثم آمنت وإن هذا بلا شك كان نهاية الفتح، ولم يكن فى الظاهر ابتداءه، بل كان الظاهر هو إرادة القتال، إذ جاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى عشرة آلاف من المجاهدين، وما كانوا هازلين، بل كانوا جادين، ولكن عند التلاقى غمدت السيوف عن القتل، وفتحت القلوب للدخول فى دين الله أفواجا أفواجا. ولذا كان السؤال: لم كان القتال؟، وقد كان عهد لا ينقض إلا بسبب من التزامات هذا العقد، وما كان لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن ينقض إلا بأسباب منه لأن الله تعالى يقول فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ (التوبة: ٧) ولم يستقيموا، فكان هذا خيانة، فكان عليه أن يعمل بقول الله تعالى، وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ (الأنفال- ٨٥) ، ولم يكن ثمة خوف خيانة، بل خيانة بالفعل فى جزء من العقد. والعقد كل يكمل بعضه بعضا، فإذا دخل الغدر جزآ منه، فقد دخل النقض كله، وفقد الالتزام من الجانب الآخر كل إلزام به، إذ نقض الأول جزآ منه يبطله، ولو كان العهد يبقى ملزما، مع نقض جزئه، لتوالى النقض على كل أجزائه، فلا يبقى للعقد معنى ولا صورة، ويذهب هباء منثورا، وتتبدد أوراقه فى أدراج الرياح.

стр. 862

نقض قريش لصلح الحديبية: ٥٨٩- هذا هو السبب الجوهرى، لقد نقضوا فقرة من فقراته، فنقضوه كله، على النحو الذى بيناه من أن كل عهد كل لا يتجزأ، نقض بعضه نقض لكله. ذلك أنه كان فى العقد أن من أراد أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل، ومن أحب أن يدخل فى عقد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم دخل، فيكون من يدخل فى عقد أحد الفريقين له حقوق العقد، وعليه التزاماته، فدخلت خزاعة فى عهد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ودخل بنو بكر فى عقد قريش. وكان بهذا حقا على قريش ألا تعتدى على خزاعة، وكذلك على الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وكان ثمة إحن جاهلية بين بنى بكر وخزاعة، عدت فيها خزاعة على بنى بكر فقتلت، وعدت مثلها على خزاعة فقتلت، ثم كانت من بعد ذلك معركة، كان الغلب فيها لخزاعة. وكانت العداوة قائمة، فلما جاء الإسلام وحاربت قريش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والذين آمنوا، شغلوا بحربه، وكانوا على ضغن. فلما كانت الهدنة، كانت خزاعة تحس من قريش نفرة ومعاونة لعدوها، فدخلت فى عقد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان بهذا العهد عليه حمايتها فى دائرة العقد، وكان بنو بكر على وداد مع قريش فدخلوا فى عقدها. وكان صلح الحديبية مغريا بالانتقام اتخذه بنو بكر فرصة انتهزوها ولم يعلموه عهدا عليهم يلتزمون بمبادئه. اعتدى بنو بكر على خزاعة، ورفدتهم قريش بالسلاح، ثم قاتلوا معهم مستخفين ليلا، منهم صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص. وما زالوا يقاتلون حتى انحازوا إلى البيت، وكان حقا عليهم أن يمنعوا القتال فى البيت الحرام الذى جعله الله حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم، ولكن قائدهم نوفل بن معاوية قاتل مع اعتراض بنى بكر، إذ قالوا له: يا نوفل إنا دخلنا الحرم إلهك. فقال كلمة كبيرة، بل فاجرة، قال: لا إله اليوم، يا بنى بكر أصيبوا ثأركم فلعمرى إنكم لتشرقون فى الحرم، فلا تصيبون ثأركم فيه.

стр. 863

ولجأ بنو خزاعة إلى داخل دار بديل بن ورقاء الخزاعى ودار مولى لهم وكانت هذه مقتلة فاجرة. وخرج رجل من بنى خزاعة اسمه عمرو بن سالم الخزاعى حتى قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وبذلك حدثت أمور استوجبت أن يقف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع الذين فى عهده ضد بنى بكر ابتداء، ومن أعانوهم. لقد ارتكب بنو بكر خيانة العهد. والقتال فى البيت الحرام. وعاونتهم قريش فيما ارتكبوا من خيانة عهد وإصابة للحرمات. فما كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يسكت على هذا الضيم الذى ينزل بأهل عهده من أعدائهم، وبمعاونة قريش. خرج بديل بن ورقاء الخزاعى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذى لجأوا إلى داره فى نفر من خزاعة بعد عمرو بن سالم، فأخبروه كما أخبره من قبل عمرو بن سالم بما أصيبوا به من بكر، ومظاهرة قريش لهم. وعاد بديل، فالتقى بأبى سفيان وقد جاء يجس النبض، ويطلب شد العقد، ومد المدة. وظن أبو سفيان أنه جاء للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم. جاء أبو سفيان، وقد أدرك كبر ما فعلت قريش، وما كان قد تحرك لمنع هذا، ولكن قد وقعت الواقعة، ولعله لم يكن لما حدث كارها. استمر أبو سفيان فى مسيره حتى التقى بابنته أم حبيب قادما للقاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. أراد أن يجلس على فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فطوته فقال: يا بنية ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى، فقالت: هو فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه، فقال: يا بنية، والله لقد أصابك بعدى شر. ظن أن ابنته وهى زوج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد تكون شفيعا عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنها بادرته بما ألقى فى نفسه اليأس، فالتمس الشفاعة عند غيرها ذهب إلى أبى بكر، فكلمه فى أن يكلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل، ذهب

стр. 864

إلى عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، فكلمه، فقال عمر رضى الله عنه: أنا أشفع إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فوالله لو لم أجد لكم إلا الذر لجاهدتكم به، ترك عمر يائسا، كما يئس من أبى بكر. فذهب إلى على بن أبى طالب، وله به رحم، فدخل على على وعنده الزهراء فاطمة بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعنده حسن ابنها غلام يدب بينهما. قال أبو سفيان يا على إنك أمس القوم بى رحما، وأقربهم منى قرابة، وقد جئت فى حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا فاشفع لى إلى رسول الله. قال على: ويحك أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. التفت أبو سفيان إلى الزهراء فاطمة فقال لها: يا بنت محمد هل لك أن تأمرى ابنك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر. قالت الزهراء فاطمة: والله ما بلغ بابنى ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. اتجه أبو سفيان مرة ثانية، وقال له: يا أبا الحسن إنى أرى الأمور قد اشتدت على، فانصحنى، فقال على: والله ما أعلم شيئا يغنى عنك، ولكنك سيد بنى كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. قال أبو سفيان: أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا، قال على: لا والله ما أظن، ولكن لا أجد عملا غير ذلك. قام أبو سفيان فى المسجد، فقال: أيها الناس إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق حتى قدم على قريش، وقد أحسوا كبر ما فعلوا، وحمق ما صنعوا، سألوه، فأخبرهم بأن أحدا لم يردوا عليه شيئا، لا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر، ثم ما أشار به على من أنه أجير بين يدى الناس، فسألوه هل أجاره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. قال: لا.

стр. 865

ذل الغدر ٥٩٠- غدرت قريش فى عهدها، وما كان لها ذلك، وجاء أبو سفيان كبيرها يستغفر للخيانة التى لم يمنعها وأراد عجبا، أن يمنع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أن يحمى من دخلوا فى عهده، وأن يتركهم من غير أن يحميهم عهدهم، وتشفع بابنته، فما شفعت وتشفع بأبى بكر فامتنع امتناعا قاطعا، وإن كان هادئا كطبعه رضى الله ﵎ عنه إلا فى الشديدة، وتشفع بعمر فرده ردا عنيفا، وتشفع متوسلا بالرحم لعلى فما شفع هو ولا الزهراء فاطمة، وقالت كلمة حاسمة: لا يجار على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وكان عجبا أن يجير على قريش كلها، ليكون لها أمان من الغزو، لأنه شعر بالجريمة وقعت منها كلها، وإذا كانت حرب فعليها كلها. ونقول إنه قد جاء لتوثيق العهد وزيادة المدة، وإن ذلك يتضمن بلا ريب إلغاء العهد السابق وما اشتمل عليه، وربما توهم أن ذلك ربما يسقط الغدر الأول، ولعله ظن أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يعلم غدرة قريش التى تعد فسخا للعقد، فلما رأى أن الخزاعى سبقه وأخبر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن بد من أن يطلب الأمان لقريش. ولكن لم يجب. وروى موسى بن عقبة أن أبا سفيان دخل على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يدخل على أبى بكر وعمر وعلى. وقال له: «يا محمد شدد العقد وزدنا فى المدة، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ولذلك قدمت، هل من حدث قبلكم؟ قال معاذ الله، نحن على عهدنا، لا نغير ولا نبدل» . ثم ذهب على الصحابة أبى بكر، ثم عمر، ثم عثمان، إلى أن وصل إلى على، فلان معه المجاهد الأول بعض اللين. وقد صرحت هذه الرواية بأنه ذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليأخذ منه إقرارا على ما قال فى المسجد، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن قال: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة- ردا على قوله ما أظن أن تخفرنى- أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة. وقد عاد إلى قومه فاستخفوه إذ قص عليهم خبر الرحلة، وقالوا له: رضيت بغير رضا، وجئتنا بما لا يغنى عنا ولا عنك شيئا، وإنما لعب بك على، لعمرو الله ما جوارك بجائر، وإن إخفارك عليهم لهين. وحدث امرأته بحديث الرحلة، فقالت له: «قبحك الله من وافد قوم فما جئت بخير» .

стр. 866

الاستعداد للفتح ٥٩١- كان لا بد إذن من اللقاء، وروى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن صنعت ما صنعت قريش بمن فى عهده اعتزم أن يذهب إلى مكة المكرمة بالفتح المبين، وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: والله لأغزون قريشا، قالها ثلاث مرات، على ما روى. أذن أصحابه بأن يتجهزوا للذهاب إلى مكة المكرمة، وأمرهم بالجد والتهيؤ وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها فى بلادها» . ولقد أخطأ بعض الصحابة ممن حضروا بدرا، وله فى الجهاد مقام، خطأ يعد فى نظر الحرب والجهاد خيانة أو خطيئة، ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الحكيم الواسع العقل والصدر عفا عنه، بعد أن أبطل عمله. بينما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يضرع إلى ربه أن يأخذ العيون والأخبار عن قريش، أراد بعض الصحابة أن يكون عينا لقريش يخبرها. كتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الأمر بالسير إليهم. وأعطى كتابه امرأة وأوصاها بإخفائه، وجعل لها جعلا حتى تبلغه قريشا، فجعلته فى رأسها وفتلت عليه ضفائرها فى قرونها، ثم خرجت به. وأوحى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بما فعل حاطب، وفعلت المرأة فبعث اثنين من أخلص حوارييه شابين نشا فى طاعة الله والجهاد فى سبيله، وهما على بن أبى طالب، والزبير بن العوام. فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، فاستنزلاها من فوق البعير الذى تركبه، فالتمسا الكتاب فى رحلها فلم يجداه، فقال على فى حزم: إنى أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا كذبنا؛ ولتخرجن هذا الكتاب، أو لنكشفنك. فلما رأت منه الجد قالت لعلى: أعرض فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه. فذهبا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهنا نجد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم القوى يسأل عن مسوغ لهذه الخيانة، فيقول فى رفق القوي، ورحمة الحليم. يا حاطب ما حملك على هذا- لم يجابهه بالخيانة، ولكن طلب إليه مسوغا، إن كان لمثل هذا مسوغ، ولكن الكريم الحليم القوى أراد أن يقدم اعتذارا عما فعل من غير أن يبادره باللوم والتعنيف. أجاب حاطب عن هذا السؤال وقد أحس بالضمير يؤنبه: يا رسول الله أنا والله مؤمن بالله ورسوله ما غيرت، ولا بدلت. ولكنى كنت امرأ ليس لى فى القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم وفود وأهل فصانعتهم عليه.

стр. 867

لا شك أن الجواب لا يبرر العمل، ودل على شيء غير قليل من الضعف النفسي، فوفوده وأهله بينهم من قبل الحديبية، ولعلهم وصلوا إلى مكة المكرمة فى مدتها، وفى كلتا الحالين، ما كانت البواعث الشخصية تسوغ مخالفة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو القائد الأعلى صلى الله تعالى عليه وسلم ولا تعريض الجيش للأذى، والاستعداد له ومواجهته، وقد تدول الدولة لأعدائه. ولذلك لم يستسغ عمر رضى الله عنه ذلك، بعد أن لم يستسغه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولذلك قال عمر رضى الله تعالى عنه: يا رسول الله دعنى فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، ولكن الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم الذى لم يستسغ ذلك العذر، خالف عمر، وقال معتذرا عن حاضره بماضيه فى بدر: ما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أصحاب يوم بدر، فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم. ما يرد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن فعلته التى فعلها، ولكنه يلومه فى عبارات رقيقة عاطفة إن ماضيه ينهاه عن حاضره، وأظن أن ذلك القول، أروع من قول الفاروق عمر. ولقد قالوا إنه نزل فيه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ، أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي، وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي، تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ، وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً، وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ. لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ، يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَفَرْنا بِكُمْ، وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (الممتحنة- ١: ٤) . وإذا كان ثمة أمر يسهل أن يرتكب الصحابى البدرى ذلك، فليس هو النفاق، ولكن المدة التى سهلت الالتقاء أحيت ما كان من مودة قديمة، فسال سيله فى طريقها حتى وقع فى هذا الخطأ، بل الخطيئة، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قد جعل ماضى أمره مسقطا لذنب حاضره وهو الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم المؤلف بين القلوب، الجامع لها، وهو بالمؤمنين رؤف رحيم.

стр. 868

خروج الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ٥٩٢- خرج رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم ماضيا لسفره، واستخلف علي المدينة المنورة أبارهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وذلك ليعلم الناس أنه لا تفاوت في الولاية بالنسب، فقد ولى من الأنصار والمهاجرين من بطون قريش وغيرهم. خرج صلي الله تعالي عليه وسلم لعشر ليال من رمضان، وصام الناس، حتي إذا كان بالكديد أفطر- لأنه صار علي سفر، ولأنه رخص للمسافر أن يفطر، وقد قال الله تعالى: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (البقرة- ١٨٥) . وإن الله يحب أن تؤتي رخصه، كما تؤتي عزائمه، والسفر قطعة من العذاب في الصحراء العربية وحال الجهاد تجعل الفطر قوة فيه، وكل ما يؤدي إلي القوة فيه يكون مطلوبا علي قدر هذه القوة، ويظهر أن بعض المؤمنين تحرجوا من أن يفطروا في رمضان، فدعا رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم بإناء فشرب نهارا ليري الناس، فأفطر حتي قدم مكة المكرمة مفطرا. صار رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم، حتي لقيه في الجحفة عمه العباس بن عبد المطلب، مهاجرا هو وأهله، وقد كان إسلامه سابقا علي ذلك، وبقي علي السقاية في الكعبة الشريفة: ولقيه ﵊ في الطريق بعض ذوي قرابته، أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة، وكان رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم ذا مودة وخير دائما، فقالت له ابن عمك وابن عمتك وصهرك يا رسول الله، قال: «لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي، فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهرى فهو الذى قال لي ما قال بمكة» ذلك أن النبي صلي الله تعالي عليه وسلم لما دعا إلي ربه قال له: «والله لا آمنت لك حتي تتخذ سلما إلى السماء فتعرج فيه وأنا أنظر، ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون بأن الله تعالي أرسلك» . وأصر رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم علي عدم الإذن لهما، فلما خرج إليهما الخبر، قال أبو سفيان ابن عم الرسول صلي الله تعالي عليه وسلم ومعه ابن صغير له فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض، ثم نموت عطشا وجوعا، فرق لهما رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم لرحمه ما، ولأنهما قد رقا للإسلام، والإسلام يجب ما قبله.

стр. 869

قريش تتحسس الأخبار ٥٩٣- مضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى نزل مر الظهران فى عشرة آلاف من المسلمين، وفى رواية فى اثنى عشر ألفا، وقد عميت الأخبار عن قريش، ولكنهم يظنون لنقضهم العهد الذى كان بينهم وبين الرسول صلوات الله وسلامه عليه لم يحسوا بأمر، ولكن هم يتوقعون أمرا، فخرج فى تلك الليالى أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء الخزاعي، يتحسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا. ويلاحظ من ذلك أن الثلاثة يختلف اثنان فيهم عن الثالث، لأن بديلا هو الذى ذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يستنصر بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم لخزاعة، إذ عاونت قريش بنى بكر فى قتالهم لخزاعة، حتى جاوزوهم إلى البيت الحرام فما امتنعوا، فلعل الجميع كانوا يتحسسون، ولكن اختلفت الغاية عندهم. وفى الوقت الذى كانت قريش تتحسس فيه أخبار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان العباس ابن عبد المطلب الودود المسالم يريد أن يرسل إلى قريش من يعرفهم مكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليجيئوا إليه مستأمنين لكيلا يكون قتال بل يكون أمن وسلام، ويقول رضى الله عنه من جراء محبته لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: والله لئن دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة عنوة قبل أن يأتوه، فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. ركب بغلة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم البيضاء وأخذ يتلمس الحطابين، أو ذوى الحاجات الذين يسيرون فى الصحراء ليجد من يخبر أهل مكة المكرمة. وبينا هو فى سيره متحسسا سمع صوت أبى سفيان، ولنترك له رضى الله عنه، يحكى كيف كان لقاؤه مع صديقه المشرك أبى سفيان، وهو المؤمن فهو يقول: وإنى لأسير عليها (بغلة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) ، إذ سمعت كلام أبى سفيان، وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط، ولا عسكرا. قال بديل: هذه والله خزاعة حمستها (أى ألهبتها) . قال أبو سفيان: خزاعة أذل من ذلك وأقل أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة فعرف صوتى فقال أبو الفضل، قلت نعم، قال مالك فداك أبى وأمى؟ قلت ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة، فداك أبى وأمى، قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فاركب فى

стр. 870

عجز هذه البغلة، حتى آتى بك رسول الله فأستأمنه لك، فركب خلفي، ورجع صاحبه، فجئت به، كلما مررنا بنار من نيران المسلمين، قالوا من هذا فإذا بغلة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنا عليها، قالوا هذا عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بغلته، حتى مررت على عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال من هذا، وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وركضت، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ودخل عليه عمر، فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان، قد أمكن الله تعالى منه بغير عقد ولا عهد، فدعنى فلأضرب عنقه، قلت: يا رسول الله، قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيك الليلة، دونى رجل، فلما أكثر عمر فى شأنه (أى أبى سفيان) قلت مهلا يا عمر، فوالله لو كان من بنى عدى بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بنى عبد مناف. فقال: مهلا يا عباس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتنى به، فذهبت به إلى رحلي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما رآه، قال ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله. قال أبو سفيان بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك؛ والله لو قد علمت أن معه إلها غيره لقد أغنى عنى شيئا بعد، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله، قال أبو سفيان، أما هذه والله فإن فى النفس منها حتى الآن شيئا، فقال العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك فشهد شهادة الحق، فأسلم. قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا. قال: نعم. قال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذى يحب حقن الدماء. من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فلما ذهب أبو سفيان لينصرف قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: احتبسه عند خطم الجبل (أنف الجبل) حتى تمر به جنود الله تعالى فيراها. فحبسه، حتى مرت به الرايات كل قبيلة على رايتها، وكلما مرت قبيلة، قال: يا عباس ما هذه القبيلة، وأخذ يسأل عنهم قبيلة قبيلة، حتى مرت قبيلة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم برايته

стр. 871

الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله من هؤلاء؟ قلت رسول الله فى المهاجرين والأنصار، قال أبو سفيان ما لأحد بهؤلاء، والله يا أبا الفضل قبل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، قال العباس يا أبا سفيان إنها النبوة، فقال نعم إذن. ٥٩٤- ذكرنا هذا الحديث بطوله، لأنه التقاء صديقين كلاهما يتحسس الأخبار لحماية مكة المكرمة من الحرب، فالعباس رضى الله عنه يتحسس، ليرسل لقريش يحرضهم على أن يستأمنوا لأنفسهم من جيش الإيمان لكيلا تكون حرب فى الحرم، ولتحمى قريش نفسها لا بالحرب، ولكن بالإيمان أو الأمان. وأبو سفيان يتحسس الأخبار، لأنه توجس خيفة بعد الغدر، وتوقع من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عملا لحماية من دخلوا فى عهده، ولأنه أصبح فى حل من الصلح الذى صالحوه عليه، إذ نقضوه من جانبهم، فهو عليهم رد ولا سبيل لأن يدفعوا بعهد نقضوه. والتقى الصديقان، وكان لقاء فيه خير، إذ انتهى بإسلام أبى سفيان، وضمه للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بعد أن أرضى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد بذل العباس فى ذلك جهدا، خصوصا عندما اشتد عمر رضى الله تعالى عنه، وما كنا لنقر العباس رضى الله عنه فى قوله لعمر لو كان من عدى ما وقف فى هذا، فعمر لا يمكن أن يؤثر قرابة فى قول الحق، وهو الذى قال فيه صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن الله كتب الحق على لسان عمر وقلبه» ومهما يكن من تلك الكلمة، فإن العباس رضى الله تعالى عنه، قد كانت سياسته حكيمة فى ضم أبى سفيان، فإنه كان له أثر فى حقن الدماء، ومنع الحرب. لقد قال من بعد ذلك العباس لأبى سفيان يحرضه على السرعة فى الذهاب إلى قريش يسكنها قال له النجاء إلى قومك، أى السرعة المنجية. فلما جاءهم صرخ بأعلى صوته، يا معشر قريش قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن، قالوا له قاتلك الله، وما تغنى عنا دارك، قال ناقلا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد، فهو آمن. وبهذا تهيأت النفوس للإسلام إلا بعض الذين أكل الحقد قلوبهم، وسيطر عليهم النزع الجاهلي، ولم ينظروا إلى ما هو أمامهم، بل التفتوا إلى ما وراءهم، ولكنهم مع ذلك لم يجعلوها حربا،

стр. 872

لأن الله تعالى. أراد السلام وقصد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يدخل البيت معظما مشرفا، زاده الله شرفا وتعظيما. اللقاء ٥٩٥- لم نقل المعركة، ولكن قلنا اللقاء، لأنه لقاء التصفية وتنقية القلوب من ضغائنها، وتلاقى النفوس على المرحمة بعد الملاحم، ومن يقدر على ذلك إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذى أرسله رب العالمين الذى ألف بين قلوبهم القائل تعالت كلماته: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها (آل عمران: ١٠٣) . دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا دخول المقاتل، ولكن دخول المسالم الذى يريد أن يفتح القلوب للإيمان، فكان على أحد جانبى الجيش الزبير بن العوام، وعلى الجانب الآخر خالد بن الوليد، وعلى المهاجرين أبو عبيدة عامر بن الجراح، والجميع متجهون صوب مكة المكرمة، من شمالها الزبير بن العوام بمن يقودهم، ومن جنوبها خالد بن الوليد بمن يقودهم، ومن الشمال الغربى أبو عبيدة بالمهاجرين ومن الغرب سعد بن عبادة يقود الأنصار. وكانت أوامر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ألا يقتلوا ولا يقاتلوا فما دخلوا لحرب ولكن لأجل إقرار السلم. ولكن علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو فى كتيبته أن أوشاب قريش أو بعضهم، ليسوا من كبرائهم، ورأى أن هؤلاء قد يشوهون وجه اللقاء، فنادى أبا هريرة: اهتف بالأنصار، ولا يأتين إلا أنصاري، فأمر الأنصار بأن يحصدوهم حصدا إذا وجدوا منهم أمرا يخرج المجاهدين السالمين عن سلمهم. ركزت راية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند الحجون. لقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حريصا على أن يبعد كل نزعة إلى الحرب، ويبعد صاحبها ولو كان عنده من المقربين الذين أيدوه بنصرهم، والناس عنه معرضون. قال سعد بن عبادة حامل راية الأنصار عندما مر على أبى سفيان، أو جعل شعاره: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمات» فقال عمر بن الخطاب: أتسمع. وقال عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له فى قريش صولة، وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: بل اليوم يوم تعظم فيه وتعز فيه الكعبة الشريفة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشا. ثم أرسل على بن أبى طالب

стр. 873

لينزع منه الراية، وفى رواية أنه أعطاها عليا، وفى رواية أعطاها الزبير بن العوام، والرواية المشهورة أنه أعطاها قيس بن سعد بن عبادة، لكيلا يكون فى نفس سعد بن عبادة شيء من نزعها، إذ أنها أعطيت لابنه فأخذت منه إليه، ولأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يريد ألا يحمل راية الأنصار إلا أنصارى لتكون حمية الأنصار وليكون لهم مقام الفتح برجالهم وبقيادتهم، والرواية التى تقول أنه ﵊ أعطاها عليا، قامت على أن عليا هو الذى نزعها منه، ولعل الزبير هو الذى أعطاها قيسا، بأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وبذلك تتلاقى الروايات الثلاث؛ وتكون الراية انتهت إلى ابن سعد. دخول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة: ٥٩٦- دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة، ومعه لواء أبيض، وعليه عمامة سوداء وهو يقرأ سورة الفتح وهو راكب على ناقته، وكان يرجع فيها، فهو يترنم بها، ويرجع كلماتها مستطيبا ألفاظها ومعانيها، وقد خفض رأسه متواضعا لله تعالي، ولما انتهى إلى ذى طوى اعتجر بشقة بردة حبرة حمراء، وإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله تعالي، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى عثنونه لتكاد يمس الرحل. ويروى أن رجلا كلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الفتح فأخذته الرعدة، فقال الرسول الذى يزيده التواضع عزا، أو كما قال: «هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» . وإن العزيز الكريم لا تزيده القوة إلا تواضعا، يقول فى ذلك ابن كثير «وهذا التواضع فى هذا الموطن عند دخوله مكة المكرمة فى مثل هذا الجيش الكثيف العرمرم بخلاف ما اعتمده سفهاء بنى إسرائيل حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس، وهم سجود أى ركع يقولون حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة» . وأنى يكون بنى إسرائيل الذين تطغيهم النعمة من محمد الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، الذى تدفعه النعمة إلى التواضع، فيقوم بحقها وشكرها، فشكر كل نعمة، نعمة من نوعها، فشكر القوة الرفق والعدل، وشكر الرفعة التواضع، وقد رفع الله تعالى نبيه، بما لم يرفع به رجل فى العرب، وبما لم يرفع به نبى فى أمته، فكان هذا التواضع الكريم الذى زاده عزا. وقد دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أعلى مكة المكرمة من كداء، وهو أصح الروايات، كما جاء فى البخارى.

стр. 874

إسلام أبى قحافة: ٥٩٧- وقف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذى طوي، ولم يكن أبو بكر قد التقى بأبيه أبى قحافة منذ هاجر إلا أن يكون قد زاره فى عمرة القضاء. وكان قد أصيب فى عينيه، فكف بصره، فكان يرى الرؤية الكاملة بابنته أصغر أولاده، فلما وقف عند ذى طوي، وقف أبو قحافة على جبل أبى قبيس، فقال: أى بنية ماذا ترين؟ قالت أرى سوادا مجتمعا قال: تلك الخيل، قالت وأرى رجلا يسعى بين ذلك السواد مقبلا مدبرا، قال أى بنية من ذلك الوازع (الذى يأمر الخيل ويتقدم إليها) ثم قالت قد والله انتشر السواد، فقال قد والله إذن دفعت الخيل، فأسرعى بى إلى بيتي، فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، وفى عنق الجارية طوق من ورق (فضة) فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها. فلما دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة ودخل المسجد أتى أبو بكر بأبيه (أبى قحافة) يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «هلا تركت الشيخ فى بيته، حتى أكون أنا آتيه» ، قال: يا رسول الله هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى أنت إليه. أجلس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أبا الصديق، ثم مسح على صدره، ثم قال: أسلم، فأسلم، ثم قام أبو بكر، فأخذ بيد أخته الصغيرة يسألها عن طوقها، ولما علم أنه خطف منها، أنشد المسلمين بالله والإسلام طوق أخته. فقال الصديق معزيا أخته الصغيرة فى قرطها، إن الأمانة اليوم قليل، فاحتسبى طوقك. هذا هو الرفق، إن الطوق الفضى أحب إليها فى سنها، فواساها الصديق فيه رفقا ومحبة، ولقد هنأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أبا بكر صاحبه فى الغار بإسلام أبيه. قتال فى جوانب من مكة المكرمة: ٥٩٨- نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن القتال، ولكنه لم ينه عن الدفاع، وقد ذكر أن أهل مكة المكرمة قد رضوا بالمسالمة والسلام، واطمأنوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلا الذين بقوا على جاهليتهم ولم يذوقوا حب الإيمان أو أن فيهم الحقد الدفين، والرغبة فى الثأر، لا يريدون سلاما، ولكن يريدون حربا وخصاما، ولم يؤخذوا بالقوة، بل جحدوا بها، كما جحدوا هم وآباؤهم بالحق إذ جاءهم.

стр. 875

فهؤلاء المتطرفون فى عداوتهم قد تجمعوا مع بنى بكر الذين كانت مناصرتهم سببا لخرق العهد، وقد تجمعوا فى منطقة الخندمة، فلما وصلها خالد ومن معه أمطروها وابلا من النبل، فاضطر خالد أن يقاتلهم حتى فرق جمعهم، وكانوا عددا قليلا يسهل تفريقه. وأسلست قريش القياد، ولم تنفر، ورضيت بالبقاء، ولم يقتل من أصحاب خالد إلا اثنان قد ضلا وشذا بالانفراد، فيظهر أنهما قد تمكن الأعداء منهما، وكان فى الذين هاجموا خالد بن الوليد بالنبل، صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل فانطلقا خارجين إلى البحر، ولم يقبلا أن يقيما مع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة المكرمة أو تحت سلطانه. بعد أن انهزم صفوان، اتجه إلى جدة، فقد روى ابن إسحاق قال: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبى الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا، ليقذف نفسه فى البحر، فأمنه صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: هو آمن، قال يا رسول الله، فأعطنى آية يعرف بها أمانك، فأعطاه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عمامته التى دخل بها مكة المكرمة، فخرج بها عمير حتى أدركه، وهو يريد أن يركب فى البحر، فقال: يا صفوان فداك أبى وأمي، الله الله فى نفسك أن تهلكها، فهذا أمان من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد جئتك به، قال: ويلك اغرب عنى فلا تكلمنى. قال: أى صفوان، فداك أبى وأمي، أفضل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك، عزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال: إنى أخافه على نفسى؟ قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتني، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، صدق قال: فاجعلنى فيه بالخيار شهرين قال: أربعة أشهر، هذا هو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى خلقه، الرفيق اللين فى قوته المتواضع فى عزته يرجو العربى العنيف، ليستأمنه فيؤمنه، ولكنه يشترط لقبول الأمان الخيار شهرين. ولقد جاءت إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أم حكيم زوج عكرمة بن أبى جهل فأسلمت، فاستأمنت لزوجها عكرمة فأمنه، وكان قد سبق صفوان، إلى اليمن وتخلف صفوان كما ذكرنا، فلحقت به إلى اليمن، فجاءت به فلما أسلم عكرمة بقيت معه زوجه أم حكيم، وكذلك كانت فاطمة بنت الوليد زوجا لصفوان بن أمية، فلما أسلم بقيت زوجه. وقد بقيتا بالزواج الأول، وذلك أن من تسلم زوجه، وهو كافر يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم بقيت الزوجية كما هى من غير عقد جديد، وذلك لأن الفرقة لا تكون بسبب الإسلام، وإنما تكون بسبب إباء الزوج الإسلام بعد العرض عليه.

стр. 876

وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما بلغه القتال الذى كان بين خالد بن الوليد أرسل إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ينهاه عن القتال، فانتهي، وروى أنه لم يقتل من المشركين إلا بضعة عشر من الرجال. وإن مبدأ من دخل داره فهو آمن قد طبقه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يقتل رجلا أغلق عليه داره، وإنه يذكر فى ذلك أن اثنين من أحماء أم هانيء بنت أبى طالب أخت على بن أبى طالب رضى الله عنهما لجا فتبعهما على لأنهما لم يغلقا دارهما عليهما وفرا إلى أم هانيء، ليقتلهما، ولكنها أغلقت عليهما باب بيتها، وعلى يريد قتلهما فى دارها، وأمام إصرار على رضى الله تعالى عنه ذهبت أم هانئ إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأعلى مكة المكرمة فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثمانى ركعات، ثم انصرف إلى أم هانئ فقال: مرحبا وأهلا، يا أم هانئ، ما جاء بك، فأخبرته خبر الرجلين، وخبر علي، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما. دخول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المسجد الحرام: ٥٩٩- دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم البيت الحرام بعد أن ركز رايته بالحجون ثم نهض والمهاجرون والأنصار يحيطون به بين يديه ومن خلفه وحوله، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت وعليه قوس، وحول البيت ستون وثلاثمائة صنم، وهى متماسكة، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. وما يبديء الباطل وما يعيد» والأصنام تتساقط على وجوهها بمجرد إصابتها بقوسه، حتى أتى عليها جميعا تنكيسا. وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يطوف على راحلته، ولم يكن ذلك محرما، واقتصر فى دخوله على الطواف. ولقد جاءه على كرم الله وجهه ومعه مفتاح الكعبة الشريفة، وأعطاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وطلب أن يعطيهم الحجابة، والسقاية معهم فى يد العباس رضى الله ﵎ عنه فدعا عثمان ابن طلحة، فأعطاه المفتاح، وعثمان هذا هو ثالث الثلاثة الذين أسلموا فى رحلة واحدة، هم عثمان بن طلحة هذا وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص. وأمر بالكعبة الشريفة ففتحت ودخلها، ورأى فيها جملة من الصخور منحوتة فى الصخر، ورأى فيها صورة إبراهيم، وإسماعيل يستقسمان بالأزلام وهى منحوتة أيضا، فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بها قط (أى ما استقسما) ورأى فى داخل الكعبة الشريفة حمامة من عيدان فكسرها، وأمر

стр. 877

بالصور فمحيت كلها، ثم أغلق الباب على نفسه، وعلى أسامة وبلال فاستقبل الجدار الذى يقابل الباب، حتى إذا كان بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع، وقف وصلى. ثم دار فى البيت وكبر فى نواحيه، وفتح الباب. وقد خرج من باب الكعبة الشريفة، وكانت قريش قد ملأت المسجد ينتظرونه، فخرج إليهم من محراب الله وكأنه مقبل عليهم من عند رب البيت، الذى جعله حرما آمنا، والناس يتخطفون من حولهم. وقد دهشوا، يتعرفون ماذا يصنع. فأخذ بعضادتى الباب وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهى تحت قدمى هاتين إلا سدانة البيت. وسقاية الحاج. قال: وقتل العمد. وشبه السوط والعصا، فيه الدية مغلظة، فإنه من الإبل أربعون منها فى بطونها أولادها. يا معشر قريش إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية. وتعظمها بالآباء.. الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا الآية يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات- ١٣) العفو الكريم الشامل: ٦٠٠- خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف- ١٩٩) بهذا الأمر الربانى أخذ نبى الرحمة وأعظم عفو رآه الوجود الإنسانى هو عفو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن أهل مكة المكرمة، لقد اضطهدوه منذ البعثة وهو فى الأربعين واستمر أذاهم غير مقطوع، حتى ذرف فى الستين، لا ينون عن إيذائه، ثم قتاله، ثم الدس الخبيث له ولرجاله فلما غلب وتغلب بعد أكثر من عشرين سنة، لم يقل ويل للمغلوب، كما يقول ساسة هذا الزمان بل قال: مرحبا بالأخوة، وعفوا عما مضي، وإن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف. قال صلى الله تعالى عليه وسلم لقريش وهم صفوف ينتظرون كلمته فيهم فقال لهم: يا معشر قريش ما تظنون أنى فاعل بكم. قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال فإنى أقول لكم كما قال يوسف لإخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء.

стр. 878

وكان عثمان بن طلحة فى يده مفتاح الكعبة الشريفة قبل أن يسلم، وقد أراده على مع السقاية فرده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان بن طلحة وقال له: اليوم يوم بر ووفاء. وذكر ابن سعد فى طبقاته عن عثمان بن طلحة. قال: كنا نفتح الكعبة الشريفة فى الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما (أى قبل الفتح) يريد أن يدخل الكعبة الشريفة، مع الناس، فأغلظت له فنلت منه فحلم عني، ثم قال: يا عثمان لعلك ترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت. ولعل ذلك أيام الأذى الذى كان ينزل بالمؤمنين من قريش قبل الهجرة حتى إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يؤذى فيما يستحقه كل الناس، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، مستبشر لا يرجو إلا ما عند الله، مطرح ما عند الناس. قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان إبان ذلك إن المفتاح سيكون بيده يضعه حيث يشاء، فقال متطاولا فى الأذى بالقول: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت. فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بل عمرت وعزت يومئذ. يقول عثمان فوقعت كلمته منى موقعا أى أنه توقع صدقها وهم فى الجاهلية الغافلة، وظن أن الأمر سيصير إلى ما قال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد تحقق ما توقع، وصدق قول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد آل إليه المفتاح يضعه حيث يشاء، فوضعه فى يد عثمان بن طلحة، الذى أغلظ له فى القول من قبل، ونال منه. ويقول عثمان فى حكايته: قال لى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: يا عثمان ائتنى بالمفتاح، فأتيته فأخذ منى المفتاح، ثم دفعه إلي، وقال: خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم. يا عثمان: إن الله تعالى استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف. فلما وليت ناداني، فرجعت إليه. فقال ألم يكن الذى قلت لك، قال فذكرت قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لى قبل الهجرة، سترى هذا المفتاح بيدى أضعه حيث شئت. قلت: بلى، أشهد أنك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. ومع السماحة التى تدنى أشد القلوب جفاء، ومع هذا العفو الكريم الذى يجمع الشارد، ويدنى القاصي، كانت قلوب بعض القرشيين ما زال يسكنها الضعف فى الإيمان والبغض الجاهلى.

стр. 879

يروى سعيد بن المسيب يقول تطاول لأخذ المفتاح رجال من بنى هاشم فرده رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان بن طلحة. وأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بلالا أن يصعد إلى الكعبة الشريفة، فيؤذن، وأبو سفيان ابن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام وأشراف قريش جلوس بفناء الكعبة الشريفة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيدا، ألا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه، فقال الحارث: أما لو أعلم أنه على حق لا تبعته. وقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمات لأخبرت عنى هذه الحصباء. قالوا ما قالوا، والنبى ليس بينهم، وهم يقولونه مسرين هامسين، فخرج عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: قد علمت الذى قلتم، ثم ذكر لهم ما قالوا. فقال عتاب إنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معك، فنقول أخبرك. الأمان العام: ٦٠١- كان هذا العفو الشامل لقريش أمانا لكل أهل مكة المكرمة، ودعا إلى ألا يقتل إلا تسعة، أهدر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دمهم، وأباح قتلهم، ولو تعلقوا بأستار الكعبة الشريفة وهم عبد الله بن سعد بن أبى السرح، وعكرمة بن أبى جهل قبل إسلامه، وعبد العزيز بن خطل، والحارث بن نفيل بن وهب ومقبس بن صبابة، وهبار بن الأسود وقينتان لابن خطل كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب. وهؤلاء كادوا كيدا شديدا للإسلام، وبعضهم مع ارتداده قتل مسلما عامدا بعد أخذ الدية أما عبد الله بن سعد بن أبى السرح فكان قد آمن أو أسلم، وكان يكتب الوحي، ثم ارتد بعد إسلام، وكذب كذبة خطيرة، فادعى أنه كان يغير فيما يملى عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يأمره بكتابة عزيز حكيم، فيكتب غفور رحيم. فكانت إباحة دمه حماية للإسلام من المرتدين، فلما أبيح دمه فر إلى عثمان بن عفان، وكان أخاه فى الرضاعة، مع صلة النسب، فذهب به عثمان إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يستأمن له فصمت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عنه صمتا طويلا، رجاء أن يتقدم أحد الحاضرين لقتله، ثم قال بعد الصمت الطويل نعم- فأخذ الأمان إكراما لعثمان وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال فى عثمان إنه تستحى منه الملائكة.

стр. 880

وقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لمن حضره بعد انصراف عثمان به «أما كان فيكم رجل رشيد، يقوم إلى هذا حين رآنى قد صمت فيقتله، فقالوا يا رسول الله هلا أو مأت إلينا، فقال إن النبى لا يقتل بالإشارة، وفى رواية أنه قال: «لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين» . ولقد كان من المقربين إلى عثمان فى خلافته، ولاه مصر بعد عمرو بن العاص، وكان ممن لهج به دعاة الفتنة فى آخر عهد عثمان آخذين على عثمان توليته وقربه، وأنه لم يكن عدلا، ولعل ذلك كان من أشد ما لهجوا به وأقواه. وعبد الله بن خطل، فقد أسلم، وبعثه الله تعالى ليجمع الصدقات، وبعث له رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له، فغضب عليه فقتله، ثم ارتد مشركا. وكانت له قينتان فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلهذا أهدر دمه ودم القينتين، فأما هو فقد قتل متعلقا بأستار الكعبة الشريفة وقتلت إحدى القينتين واستؤمن للآخري، وأما الحويرث بن نفيل بن وهب فقد كان يؤذى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة المكرمة، ولما تحمل العباس رضى الله عنه بفاطمة وأم كلثوم ليذهب بهما إلى المدينة المنورة يلحقهما برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى المدينة المنورة أول الهجرة نخس بهما الحويرث هذا الجمل الذى هما عليه، فسقطتا على الأرض. فلما أهدر دمه قتله على بن أبى طالب زوج فاطمة الزهراء. وأما مقبس بن صبابة، فقد آمن ثم ارتد، ثم أخذ دية، ثم قتل قاتل أخيه غدرا، وذلك أن أخاه كان مسلما فقتل خطأ فى أعقاب غزوة بنى المصطلق فجاء هو وأعلن إسلامه، وأخذ دية أخيه من بيت المال، وقد بينا ذلك، ولكنه ما إن أخذ الدية حتى عدا على- قاتل أخيه خطأ- ثم ارتد عائدا إلى مكة المكرمة، فكان من الحق أن يقتل لردته، ولقتله مؤمنا عمدا وقد أخذ الدية. وقد قتله رجل من قومه. وسارة مولاة لبنى عبد المطلب، ثم لعكرمة بن أبى جهل، وكانت تؤذى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بمكة المكرمة، وروى عن بعضهم أنها هى التى حملت الكتاب الذى أرسله حاطب بن أبى بلتعة، وكأنها عفى عنه، ثم أهدر دمها فهربت حتى استؤمن لها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمنها فعاشت إلى خلافة الإمام عمر فأوطأها رجل فرسا فماتت. وأما عكرمة، فكان إهدار دمه قبل أن يسلم وقد هرب إلى اليمن، فلما أسلمت امرأته استأمنت له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمنه فذهبت إلى اليمن، فتقدم للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حريصا على ألا يؤذيه، فعندما جاء مسلما قال لأصحابه، لقد
следующие страницы →