وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما بلغه القتال الذى كان بين خالد بن الوليد أرسل إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ينهاه عن القتال، فانتهي، وروى أنه لم يقتل من المشركين إلا بضعة عشر من الرجال. وإن مبدأ من دخل داره فهو آمن قد طبقه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يقتل رجلا أغلق عليه داره، وإنه يذكر فى ذلك أن اثنين من أحماء أم هانيء بنت أبى طالب أخت على بن أبى طالب رضى الله عنهما لجا فتبعهما على لأنهما لم يغلقا دارهما عليهما وفرا إلى أم هانيء، ليقتلهما، ولكنها أغلقت عليهما باب بيتها، وعلى يريد قتلهما فى دارها، وأمام إصرار على رضى الله تعالى عنه ذهبت أم هانئ إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأعلى مكة المكرمة فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثمانى ركعات، ثم انصرف إلى أم هانئ فقال:
مرحبا وأهلا، يا أم هانئ، ما جاء بك، فأخبرته خبر الرجلين، وخبر علي، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما.
دخول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المسجد الحرام:
٥٩٩- دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم البيت الحرام بعد أن ركز رايته بالحجون ثم نهض والمهاجرون والأنصار يحيطون به بين يديه ومن خلفه وحوله، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت وعليه قوس، وحول البيت ستون وثلاثمائة صنم، وهى متماسكة، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. وما يبديء الباطل وما يعيد» والأصنام تتساقط على وجوهها بمجرد إصابتها بقوسه، حتى أتى عليها جميعا تنكيسا.
وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يطوف على راحلته، ولم يكن ذلك محرما، واقتصر فى دخوله على الطواف.
ولقد جاءه على كرم الله وجهه ومعه مفتاح الكعبة الشريفة، وأعطاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وطلب أن يعطيهم الحجابة، والسقاية معهم فى يد العباس رضى الله ﵎ عنه فدعا عثمان ابن طلحة، فأعطاه المفتاح، وعثمان هذا هو ثالث الثلاثة الذين أسلموا فى رحلة واحدة، هم عثمان بن طلحة هذا وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص.
وأمر بالكعبة الشريفة ففتحت ودخلها، ورأى فيها جملة من الصخور منحوتة فى الصخر، ورأى فيها صورة إبراهيم، وإسماعيل يستقسمان بالأزلام وهى منحوتة أيضا، فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بها قط (أى ما استقسما) ورأى فى داخل الكعبة الشريفة حمامة من عيدان فكسرها، وأمر
стр. 877
بالصور فمحيت كلها، ثم أغلق الباب على نفسه، وعلى أسامة وبلال فاستقبل الجدار الذى يقابل الباب، حتى إذا كان بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع، وقف وصلى.
ثم دار فى البيت وكبر فى نواحيه، وفتح الباب.
وقد خرج من باب الكعبة الشريفة، وكانت قريش قد ملأت المسجد ينتظرونه، فخرج إليهم من محراب الله وكأنه مقبل عليهم من عند رب البيت، الذى جعله حرما آمنا، والناس يتخطفون من حولهم.
وقد دهشوا، يتعرفون ماذا يصنع.
فأخذ بعضادتى الباب وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهى تحت قدمى هاتين إلا سدانة البيت. وسقاية الحاج.
قال: وقتل العمد. وشبه السوط والعصا، فيه الدية مغلظة، فإنه من الإبل أربعون منها فى بطونها أولادها.
يا معشر قريش إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية. وتعظمها بالآباء.. الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا الآية يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات- ١٣)
العفو الكريم الشامل:
٦٠٠- خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف- ١٩٩) بهذا الأمر الربانى أخذ نبى الرحمة وأعظم عفو رآه الوجود الإنسانى هو عفو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن أهل مكة المكرمة، لقد اضطهدوه منذ البعثة وهو فى الأربعين واستمر أذاهم غير مقطوع، حتى ذرف فى الستين، لا ينون عن إيذائه، ثم قتاله، ثم الدس الخبيث له ولرجاله فلما غلب وتغلب بعد أكثر من عشرين سنة، لم يقل ويل للمغلوب، كما يقول ساسة هذا الزمان بل قال: مرحبا بالأخوة، وعفوا عما مضي، وإن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف.
قال صلى الله تعالى عليه وسلم لقريش وهم صفوف ينتظرون كلمته فيهم فقال لهم: يا معشر قريش ما تظنون أنى فاعل بكم.
قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم.
قال فإنى أقول لكم كما قال يوسف لإخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء.
стр. 878
وكان عثمان بن طلحة فى يده مفتاح الكعبة الشريفة قبل أن يسلم، وقد أراده على مع السقاية فرده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان بن طلحة وقال له: اليوم يوم بر ووفاء.
وذكر ابن سعد فى طبقاته عن عثمان بن طلحة. قال: كنا نفتح الكعبة الشريفة فى الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما (أى قبل الفتح) يريد أن يدخل الكعبة الشريفة، مع الناس، فأغلظت له فنلت منه فحلم عني، ثم قال: يا عثمان لعلك ترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت.
ولعل ذلك أيام الأذى الذى كان ينزل بالمؤمنين من قريش قبل الهجرة حتى إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يؤذى فيما يستحقه كل الناس، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، مستبشر لا يرجو إلا ما عند الله، مطرح ما عند الناس.
قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان إبان ذلك إن المفتاح سيكون بيده يضعه حيث يشاء، فقال متطاولا فى الأذى بالقول: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت.
فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بل عمرت وعزت يومئذ.
يقول عثمان فوقعت كلمته منى موقعا أى أنه توقع صدقها وهم فى الجاهلية الغافلة، وظن أن الأمر سيصير إلى ما قال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقد تحقق ما توقع، وصدق قول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد آل إليه المفتاح يضعه حيث يشاء، فوضعه فى يد عثمان بن طلحة، الذى أغلظ له فى القول من قبل، ونال منه.
ويقول عثمان فى حكايته: قال لى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: يا عثمان ائتنى بالمفتاح، فأتيته فأخذ منى المفتاح، ثم دفعه إلي، وقال: خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم. يا عثمان:
إن الله تعالى استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف.
فلما وليت ناداني، فرجعت إليه. فقال ألم يكن الذى قلت لك، قال فذكرت قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لى قبل الهجرة، سترى هذا المفتاح بيدى أضعه حيث شئت. قلت: بلى، أشهد أنك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومع السماحة التى تدنى أشد القلوب جفاء، ومع هذا العفو الكريم الذى يجمع الشارد، ويدنى القاصي، كانت قلوب بعض القرشيين ما زال يسكنها الضعف فى الإيمان والبغض الجاهلى.
стр. 879
يروى سعيد بن المسيب يقول تطاول لأخذ المفتاح رجال من بنى هاشم فرده رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان بن طلحة.
وأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بلالا أن يصعد إلى الكعبة الشريفة، فيؤذن، وأبو سفيان ابن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام وأشراف قريش جلوس بفناء الكعبة الشريفة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيدا، ألا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه، فقال الحارث: أما لو أعلم أنه على حق لا تبعته.
وقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمات لأخبرت عنى هذه الحصباء.
قالوا ما قالوا، والنبى ليس بينهم، وهم يقولونه مسرين هامسين، فخرج عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: قد علمت الذى قلتم، ثم ذكر لهم ما قالوا.
فقال عتاب إنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معك، فنقول أخبرك.
الأمان العام:
٦٠١- كان هذا العفو الشامل لقريش أمانا لكل أهل مكة المكرمة، ودعا إلى ألا يقتل إلا تسعة، أهدر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دمهم، وأباح قتلهم، ولو تعلقوا بأستار الكعبة الشريفة وهم عبد الله بن سعد بن أبى السرح، وعكرمة بن أبى جهل قبل إسلامه، وعبد العزيز بن خطل، والحارث بن نفيل بن وهب ومقبس بن صبابة، وهبار بن الأسود وقينتان لابن خطل كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب.
وهؤلاء كادوا كيدا شديدا للإسلام، وبعضهم مع ارتداده قتل مسلما عامدا بعد أخذ الدية أما عبد الله بن سعد بن أبى السرح فكان قد آمن أو أسلم، وكان يكتب الوحي، ثم ارتد بعد إسلام، وكذب كذبة خطيرة، فادعى أنه كان يغير فيما يملى عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يأمره بكتابة عزيز حكيم، فيكتب غفور رحيم.
فكانت إباحة دمه حماية للإسلام من المرتدين، فلما أبيح دمه فر إلى عثمان بن عفان، وكان أخاه فى الرضاعة، مع صلة النسب، فذهب به عثمان إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يستأمن له فصمت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عنه صمتا طويلا، رجاء أن يتقدم أحد الحاضرين لقتله، ثم قال بعد الصمت الطويل نعم- فأخذ الأمان إكراما لعثمان وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال فى عثمان إنه تستحى منه الملائكة.
стр. 880
وقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لمن حضره بعد انصراف عثمان به «أما كان فيكم رجل رشيد، يقوم إلى هذا حين رآنى قد صمت فيقتله، فقالوا يا رسول الله هلا أو مأت إلينا، فقال إن النبى لا يقتل بالإشارة، وفى رواية أنه قال: «لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين» .
ولقد كان من المقربين إلى عثمان فى خلافته، ولاه مصر بعد عمرو بن العاص، وكان ممن لهج به دعاة الفتنة فى آخر عهد عثمان آخذين على عثمان توليته وقربه، وأنه لم يكن عدلا، ولعل ذلك كان من أشد ما لهجوا به وأقواه.
وعبد الله بن خطل، فقد أسلم، وبعثه الله تعالى ليجمع الصدقات، وبعث له رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له، فغضب عليه فقتله، ثم ارتد مشركا. وكانت له قينتان فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلهذا أهدر دمه ودم القينتين، فأما هو فقد قتل متعلقا بأستار الكعبة الشريفة وقتلت إحدى القينتين واستؤمن للآخري، وأما الحويرث بن نفيل بن وهب فقد كان يؤذى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة المكرمة، ولما تحمل العباس رضى الله عنه بفاطمة وأم كلثوم ليذهب بهما إلى المدينة المنورة يلحقهما برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى المدينة المنورة أول الهجرة نخس بهما الحويرث هذا الجمل الذى هما عليه، فسقطتا على الأرض.
فلما أهدر دمه قتله على بن أبى طالب زوج فاطمة الزهراء.
وأما مقبس بن صبابة، فقد آمن ثم ارتد، ثم أخذ دية، ثم قتل قاتل أخيه غدرا، وذلك أن أخاه كان مسلما فقتل خطأ فى أعقاب غزوة بنى المصطلق فجاء هو وأعلن إسلامه، وأخذ دية أخيه من بيت المال، وقد بينا ذلك، ولكنه ما إن أخذ الدية حتى عدا على- قاتل أخيه خطأ- ثم ارتد عائدا إلى مكة المكرمة، فكان من الحق أن يقتل لردته، ولقتله مؤمنا عمدا وقد أخذ الدية.
وقد قتله رجل من قومه.
وسارة مولاة لبنى عبد المطلب، ثم لعكرمة بن أبى جهل، وكانت تؤذى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بمكة المكرمة، وروى عن بعضهم أنها هى التى حملت الكتاب الذى أرسله حاطب بن أبى بلتعة، وكأنها عفى عنه، ثم أهدر دمها فهربت حتى استؤمن لها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمنها فعاشت إلى خلافة الإمام عمر فأوطأها رجل فرسا فماتت.
وأما عكرمة، فكان إهدار دمه قبل أن يسلم وقد هرب إلى اليمن، فلما أسلمت امرأته استأمنت له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمنه فذهبت إلى اليمن، فتقدم للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حريصا على ألا يؤذيه، فعندما جاء مسلما قال لأصحابه، لقد
стр. 881
جاءكم عكرمة بن أبى جهل مسلما فلا تسبوا أباه لأن ذلك يؤذى الحي، ولا يصيب الميت، وهكذا يكون كرم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم العطوف الألوف.
ويروى أن الإيمان دخل قلبه قبل أن تجئ إليه امرأته، وذلك أنه وهو فى السفينة عصفت بها عاصفة وقال بعض أهل السفينة لبعضهم. إن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا هنا، فأثر ذلك فى نفس عكرمة وعقله، ورب لفتة تحول القلب من الكفر إلى الإيمان، وقال: «والله لم ينج فى البحر إلا الإخلاص وإنه لا ينجى فى البر غيره، اللهم إن لك على عهدا إن أنت عافيتنى مما أنا فيه آتى محمدا حتى أضع يدى فى يده فلأجدنه عفوا كريما» .
ثم جاءته امرأته، وقد طاب نفسا بالإسلام.
وأما هبار بن الأسود فهو الذى عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عندما هاجرت ومكن لها زوجها من الهجرة، فنخس هبار هذا راحلتها حتى سقطت على صخرة، وكانت حاملا، فسقط جنينها.
الأنصار يتوهمون أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعود إلى مكة المكرمة
٦٠٢- كانت إقامة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رابطة بالود بينه وبين قوم كانوا له أعداء آذوه حتى خرج من عندهم يائسا من أن تتحقق الدعوة إلى الرسالة الإلهية فيهم، وأنه لا سبيل إلا أن يهاجر، ثم كانت الحروب المفرقة.
ولما فتح مكة المكرمة كان لا بد أن يزيل الإحن من النفوس فلان ورفق، وعفا وصفح الصفح الجميل، كما أمره ربه إذ قال له: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ فظن الأنصار الذين آووا ونصروا أن مهمتهم قد انتهت.
لقد قالوا فتح الله مكة المكرمة على يد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهى بلده، وموطنه، جال ذلك فى نفوسهم وتحدثوا به فيما بينهم، ثم قالوا أترون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا فتح الله تعالى عليه أرضه وبلده أن يقيم بها.
وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهم يحدثون أنفسهم بذلك يدعو على الصفا والمروة رافعا يده، فلما فرغ من دعائه اتجه إلى أنصاره فقال لهم: ماذا قلتم، قالوا: لا شئ يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم، أى إنه يعيش فيهم حتى يموت بينهم، لقد نصره الله تعالى بهم، وخذله غيرهم فهو منهم، وهو كما قال فى موضع سيجئ: إنه لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا، وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار.
стр. 882
حرمة مكة المكرمة
٦٠٣- قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (العنكبوت- ٦٧) .
والقتال فى البيت الحرام على ذلك حرام، وإن الرجل كان يلقى قاتل أخيه أو أبيه، فلا يمسه، والمنازعات تكون خارجه لكى يتوافر للناس الأمن فى أول بيت وضع للناس ببكة مباركا، وهدى للعالمين.
ومن أجل ذلك نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نهيا مؤكدا عن القتل والقتال، وأمن الناس حتى لا يضطروا إلى المدافعة، فقال: من كان فى البيت الحرام فهو آمن، ومن أغلق بابه عليه فهو آمن، وصار يعطى الأمان لكل من يطلبه، إلا أولئك الذين كان لهم إجرام واضح، وبعضهم ممن أسلم ثم ارتد، ومن كان مثل هذا فيه، وقتل عمدا مؤمنا بعد أن أخذ دية أخيه.
وذلك كله ليحفظ حرمة البيت الحرام، وشرف مكة المكرمة وحرمتها.
ولكن مع هذا الاحتياط الشديد فى حرمة البيت ومنعها من أن تمس، مع ذلك كان من المشركين الذين لم يدركوا معنى السلام من هاجموا قوات خالد بن الوليد، واضطر جيشه أن ينضح عنه النبل القاتل بالقتال فقاتل، وقتل من جيشه اثنان وقتل من المشركين بضعة عشر رجلا.
ولا شك أنه فى هذه الحال إنما أباح حرمة البيت الحرام أولئك الذين هاجموا، وهم المشركون، لا الذين دافعوا، وهم من كانوا فى جيش خالد.
ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أباح دم الذين أهدر دماءهم، ولو تعلقوا بأستار الكعبة الشريفة وقتل فعلا أحدهم، وهو متعلق بأستار الكعبة الشريفة.
وإن حرمة مكة المكرمة باقية، وإن امتهان حرمتها كان لحالة استثنائية لا يوجد مثلها قط، ولذلك خطب بذلك مؤكدا حرمتها، التى اختصها الله تعالي، فخطب قائلا بعد أن حمد الله تعالي، وأثنى عليه، ومجده بما هو أهله:
«أيها الناس، إن الله تعالى حرم مكة المكرمة يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام كحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يسفك فيها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقولوا له: إن الله أذنه لرسوله ولم يأذن لكم،
стр. 883
وإنما حلت لى ساعة من زمان، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليعلم الشاهد فيكم الغائب» .
وكلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ليبين للناس حرمة مكة المكرمة الدائمة وإنه ليعرف الناس فجور الأمويين، وأتباعهم الذين رموا الكعبة الشريفة بالمنجنيق، فارتكبوا ما كان الجاهليون يتعففون عنه، فهم أشد جرما ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
محطم الأوثان
٦٠٤- اتجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من بعد أن خضعت قريش راضية أو راهبة إلى تجديد بعض أجزاء البيت، فأمر أبا أسيد الخزاعى بذلك.
ولم ينغص على أحد نفسه، بل أخذ منهم الظاهر، وترك لهم ما بطن، ويروى البيهقى أن أبا سفيان كانت تحدثه نفسه أن يثير القتال بينه وبين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو حديث لم يتكلم به ولم يطلع عليه أحدا وإذا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقول له: «ليخزينك الله» وكان كأنه يحدث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى حديث بينهما، فقال أبو سفيان:
لا يعلم هذا أحد وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يمر على الأصنام فيغمزها بقوسه، فتتساقط، وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا» وقد ذكرنا ذلك.
ولكنه لم يكتف بما صنع هو، فقد أرسل رجاله سرايا إلى أماكن الأوثان، فحطموا ما حول الكعبة الشريفة، ثم حطموا ما هو خارجها، فكسرت اللات والعزى ومناة الثالثة الآخرى ونادى فى أهل مكة المكرمة: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدع فى بيته صنما إلا كسره» وصار الذين دخلوا فى الإسلام يتسابقون فى كسر ما تحت أيديهم من الأوثان، وبعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس بقين من شهر رمضان ليهدمها فخرج إليها فى ثلاثين رجلا حتى لا يكون من يستطيع مقاومتهم فهدمها.
ويقول الرواة إنه رجع إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره فقال هل رأيت شيئا قال:
لا. قال فارجع إليها، فإنك لم تهدمها، فرجع خالد وهو متغيظ، فجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عارية سوداء ناشرة شعر رأسها، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فقتلها، وجاء إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وأخبره، فقال له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم نعم تلك العزى وقد أيست أن تعبد
стр. 884
فى بلادكم ويظهر أن هذه المرأة كانت تختفى وخالد لم يكن يراها، فلما رفع سيفه واعتقدت أنها لا محالة ظاهرة، ظهرت فقتلها.
وكانت بنخلة، وكانت قريش، وبنو كنانة، وكانت أعظم أصنامهم، وكان سدنتها من بنى شيبان.
ثم بعث عمرو بن العاص، إلى سواع، وهو صنم لهذيل ليهدمه، فانتهى إليه، وعنده السادن، قال: ما تريد؟.
قال: أمرنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن أهدمه.
قال لا تقدر على ذلك، قال ولم؟ قال: تمنع. قال عمرو: حتى الآن أنت على الباطل ويحك فهل يسمع أو يبصر، فدنا منه فكسره، وأمر عمرو أصحابه أن يهدموه ثم قال عمرو للسادن:
كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله تعالى.
وهذا يثبت أن إيمانهم بهذه الأصنام مبنى على وهم توهموه فيها، فلما انكشف لهم كفروا بها.
وبعث سعد بن زيد الأشهلي، إلى مناة عند القديد، وكانت صنما للأوس والخزرج وغسان وغيرهم ممن يجاورون الشام أو فى طريقه.
فخرج سعد فى عشرين فارسا، حتى انتهى إليها وعندها سادن.
فقال السادن ماذا تريد؟ قال سعد هدم مناة، فقال أنت وذاك، وكأنه يتحداه، فأقبل سعد يمشى إليها، فخرجت إليه امرأة عارية سوداء وثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها فضربها سعد، فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا فى خزائنه شيئا.
هذه عزمة قوية من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، أزال بها ما كانوا يعبدونه من أحجار لا تضر ولا تنفع، وفعل ما فعله جده إبراهيم الخليل ﵇، فجعلهم جذاذا، ولم يبق كبيرا لهم، لأنه لا كبير يبقى أمام معول محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد جعلها جذاذا بعد أن فقدت الأوهام التى كانت تحيط بالنفس العربية حولها.
وبذلك انتهت دولة الأوثان فى البلاد العربية، ولقد رآها الذين كانوا يعبدونها، لا تدفع محطمها، ولا تمنعه، إذ هى لا تملك لنفسها نفعا، ولا ضرا وقد يئس الشيطان من بعدها أن يعبد فى بلاد العرب.
стр. 885
بعثة خالد بن الوليد إلى جذيمة
٦٠٥- عقب تحطيم خالد بن الوليد العزى أرسله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى جذيمة من كتامة داعيا إلى الإسلام، ولم يبعثه مقاتلا، لأنه لا قتال فى مكة المكرمة وما حولها من القرى والبوادى بعد أن دخلت مكة المكرمة فى طاعة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يكن ثمة حاجة إلى القتال ولم يكن منهم غدر أو خيانة، حتى يعاقبوا على غدرهم وخيانتهم.
أرسله صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه قبائل من العرب من سليم بن منصور، ومدلج بن مرة، ومعهم بعض المهاجرين والأنصار كعبد الله بن عمر وسالم مولى أبى حذيفة.
وكانت عدة من خرج فيهم خمسين وثلاثمائة من بنى سليم والمهاجرين والأنصار.
قال لهم خالد: ما أنتم. قالوا: مسلمون قد صلينا وصدقنا بمحمد وبنينا المساجد فى ساحتنا، وأذنا فيها.
وكان حقا على خالد بن الوليد أن يكف عند هذا، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما أرسله مقاتلا، بل أرسله داعيا وهاديا، ولكنه تخلى عن هذه الصفة العالية، وأبى إلا أن يكون مقاتلا، وبرر ذلك بأنهم يحملون السلاح.
قال لهم: فما بال السلاح عليكم.
قالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم. وكان عليه بعد أن يكتفى بذلك، أو أن يتحرى عن صدق كلامهم، أو أن ينزع السلاح من أيديهم.
ولكنه لم يفعل، بل استأسرهم، بعد أن وضعوا السلاح كما أمر، وما كان له ذلك، فأوثقهم وفرقهم فى أصحابه.
وكان حقا عليه أن يأخذهم أسارى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليفعل فيهم ما يحكم الله تعالي، ولكنه فى السحر، نادى خالد بن الوليد، من كان معه أسير، فليضرب عنقه، فأما من كان معه من بنى سليم فقتلوا من فى أيديهم من الأسرى المنكوبين بخالد.
وأما المهاجرون والأنصار أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حقا وصدقا، فإنهم أرسلوا أسراهم، ولم يقتلوهم، لأن الأسرى لا يجوز قتلهم لأنهم مسلمون.
стр. 886
ويلاحظ أنه كان فيهم رجل أدرك نية خالد يقال له جحدم، ولم يعتقد أنها نية إسلامية، قال لقومه، لما أمرهم خالد بأن يضعوا أسلحتهم: يا بنى جذيمة إنه خالد، إنه خالد، والله ما بعد وضع السلاح إلا إسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق. انتقل رجل من القوم، وذهب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: هل أنكر عليه أحد؟ قال نعم: قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب، فاشتدت مراجعتهما فقال عمر بن الخطاب، أما الأول فابنى عبد الله يا رسول الله، وأما الآخر. فسالم مولى أبى حذيفة.
عندما بلغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فعل خالد هذا رفع يده إلى السماء ضارعا: اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد.
ولقد رأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن فعل خالد لم يكن من الإسلام، ولعله رأى أنه بقية من بقايا الجاهلية.
أول ما فكر صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرأب الصدع، ويداوى القلوب بالديات يرسلها، فدعا على بن أبى طالب، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: «يا على اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر فى أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك» . هذا أمر فى موضعه وفى وقته، فإن الجاهلية فى هذا الأمر قد بدت نائبة ظاهرة.
فخرج علي، ومعه مال كثير قد بعث به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فودى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الأموال، حتى إذا لم يبق شيء من دم أو مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال، فقال لهم على حين فرغ منهم: هل بقى لكم دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا: لا، قال: أعطيتكم هذه البقية احتياطا لرسول الله مما لا يعلم ولا تعلمون.
جاء على إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقص عليه ما صنع فقال أحسنت وأصبت، ولكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يزال على ألم وأسي، ولذا استقبل القبلة قائما شاهرا يديه، حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه. «اللهم إنى أبرأ مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات» ، لقد أصاب فعل خالد قلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه قتل وهو مبعوثه أبرياء.
وقد ورد ما يدل على الاعتذار عن فعل خالد الذى لا يقبل الاعتذار، ولو كان عذر لأبداه للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: قالوا إنهم قالوا صبأنا صبأنا، يريدون أسلمنا، فظنهم قد كفروا فقتلهم، وهذا كلام غير مقبول فى ذاته لأن سنده ضعيف، وما كان له أن يقاتلهم على ذلك، وقد تبين أنهم
стр. 887
لا قدرة لهم على القتال، فكيف يقتلهم إنه إن صح ذلك لا يكون قتالا محمديا، فقد أسرهم، فلماذا يقتلهم فى السحر.
إن الأمر مهما يؤت من جوانبه لا يبرر فيه إلا العمل الجاهلي، وقد صرح بذلك خالد بن الوليد فى مجادلة مع عبد الرحمن بن عوف الذى كان يلومه.
قال ابن إسحاق: قد كان بين خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن عوف (الصحابى المهاجر أحد العشرة المبشرين بالجنة) كلام فى ذلك، قال له عبد الرحمن بن عوف عملت بأمر الجاهلية فى الإسلام، فقال خالد: «إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن، كذبت، قد قتلت قاتل أبي، ولكنك ثأرت لعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر» .
عبد الرحمن بن عوف يقول قولة الإسلام، وخالد يقول الثارات، وقد بلغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما قال خالد لعبد الرحمن بن عوف فقال لائما لخالد، مبينا له مكانه من أصحابه.
«مهلا يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا، ثم أنفقته فى سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابى ولا روحته» .
نعم هم الأصحاب الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه فى بيعة الرضوان تحت الشجرة.
ومهما يكن حكم التاريخ فى عمل خالد جاهلية وإسلاما، فإنه سيحكم لا محالة فى هذه الواقعة، بأن فيها جاهليته إن لم يكن كلها جاهليا، ورحم الله عمر بن الخطاب عندما عزله فقد قال: «إن فى سيف خالد لرهقا» ولعل كان أشده مما كان واضحا فى أمر جذيمة.
وإننا إذ ننقد فعل خالد فى هذا نتابع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ونراه ينطق بالحق، وإذا كان من الناس من كان ينقد عليا وعثمان ومن يماثلهما، فإن لنا أن ننقد عمل خالد فى هذا، وما كنا مبتدعين فى نقده، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم برئ من صنيعه، ووضح له فعله مع المؤمن المهاجر أحد العشرة المبشرين بالجنة واستنكره.
стр. 888
مدة إقامة رسول الله ﷺ بمكة المكرمة
٦٠٦- أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقية شهر رمضان يقصر من الصلاة فيصلى الأربع اثنتين، ويفطر، لأنه كان لا يزال مسافرا، ولم يعد نفسه فى مكة المكرمة وطنه الأصلى وهو مكة المكرمة، لأنه لم يبق له دار تعد بيته الأصلي، وقال ما أبقى لنا عقيل من دار، وقد استمر يترخص رخصة المسافر، لأنه لم ينونية الإقامة، فكان على سفره يترخص فى الصلاة والصيام معا.
وإن رمضان قد انتهى وهو بمكة المكرمة، فلم يكن محل رخصة الإفطار إنما كانت رخصة القصر قائمة وكان هو يؤم المصلين المقيمين. يقول بعد تمام الركعتين: «يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا سفر» ، وقد اختلف فى مدة إقامة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فروى أنها خمس عشرة ليلة، وروى أنها ثمانى عشرة ليلة، وروى أنها تسع عشرة ليلة، والله أعلم بأصح الروايات.
أحكام فقهية شرعت فى الفتح
٦٠٧- أول حكم يتجه الفقهاء إلى الكلام فيه أن مكة المكرمة فتحت عنوة أم فتحت صلحا، فكثيرون من العلماء يقولون إنها فتحت عنوة، فتكون أرضها خراجية ولا تكون عشرية، لأن الجيوش الإسلامية دخلتها فاتحة، وقتل فيها قتلي، فقتل نحو عشرين منهم نحو اثنى عشر من المشركين، وبعض المؤمنين، وكان يؤمن بعضهم بأمان خاص من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والأمان العام الذى قرره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان ملاحظا معنى خاصا، وهو أن من دخل بيت أبى سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بيته فهو آمن، وبالمفهوم أن من رؤى فى غير بيته، وفى غير واحد من هذه البيوت، فإنه مباح الدم إلا بأمن خاص، وهذا يدل على أنهم حربيون، والحربيون حتى يصدر الأمان لا يقال إنهم فتحت أرضهم صلحا.
ولأنه لم يكن ثمة عقد صلح كان الأمان نتيجة له، ولأنه لم تفرض جزية على أحد من أهل مكة المكرمة، حتى يقال إنهم أعطوا الجزية، وإن أرض مكة المكرمة لم تكن خراجية، هذه وجهة نظر من قالوا إن مكة المكرمة فتحت عنوة.
ويرى الإمام الشافعى مع كثيرين من الفقهاء أن مكة المكرمة لم تفتح عنوة، بل فتحت صلحا مما سبق به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من أنه أعطى الأمان لأهلها بقوله «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن» فكان ذلك تأمينا عاما، ثم صرح عند أمن
стр. 889
الجميع، وأباح دم التسعة الذين ذكرهم وأجاز قتلهم، ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة الشريفة. وأنه لم يقسم أرض مكة المكرمة بين القائمين ولم يعتبر أموال أحد من أهلها غنيمة ولا نفلا من الأنفال، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن القتل والقتال، فكيف يقال بعد ذلك إنها فتحت عنوة، إن المقياس الضابط بين العنوة والصلح هو أن يكون تسليم أهل البلدة فى العنوة بقوة السيف والغزو، وأما الصلح فهو التسليم من غير قتال ولا أمن، ولقد سلم أهل مكة المكرمة من غير قتال، وكان الأمن الكامل من الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم هو فى قوله «اذهبوا فأنتم الطلقاء» .
وإنا نميل إلى أن مكة المكرمة لم تفتح عنوة ولا صلحا، فلم يتحقق أصل الفتح، وإنما تحقق اللقاء بالمودة والرحمة من غير عقد، بل بما هو أعلى من العقد، وهو صلة الرحم بعد قطعها من قريش، ولو أننا اخترنا الموازنة بين الرأيين، وكان لا بد أن نختار أحدهما، لاخترنا أنها لم تفتح عنوة.
مكة المكرمة وما يحرم فيها:
٦٠٨- قلنا إن الله تعالى حرم القتال فى مكة المكرمة، ونقلنا قول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فى ذلك، والآن سنذكر بعض الأحكام المتعلقة بمكة المكرمة فنقول.
إن الله تعالى حرم الصيد فى الحرم الشريف مكة المكرمة وما حولها لمن أحرم بالحج، ولقد قال تعالى فى ذلك: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ، وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ، وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (المائدة- ٩٦) .
ولقد ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تحريم القتل والقتال فى مكة المكرمة، وذكر بعده محرمات أخرى فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام بتحريم الله سبحانه وتعالي، لا تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لى إلا ساعة من الدهر، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شوكها، ولا يتخلى خلاؤها، ولا تحل لقطتها إلا المنشد، فقال العباس إلا الإذخر فإنه لا بد منه للدفن والبيوت، فسكت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قال: إلا الإذخر.
هذا ما رواه البخاري، وقد انفرد بروايته، وحسب البخارى صدقا، لأنه صادق فى جملة ما رواه.
وإن أخذت عليه بعض الأحاديث لمتنها.
وبذلك ننتهى من بيان هذا الحديث.
стр. 890
(أ) بأنه يحرم الصيد فى الحرم كما قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «لا ينفر صيدها وكلها حرم آمن من كل نواحيه» .
(ب) وبأنه لا تقطع أشجارها، لتوجد جوا صالحا من جوها، وإن شوكها لا يعضد، ولا يحتجز خلاء لأحد فلا إقطاع فيها لأحد، ولا تحل لقطتها إلا بعد التعريف بها، وذلك حكم عام لا تختص به مكة المكرمة، فإن اللقطة لا تحل إلا بعد تعريف صاحبها، ويكون حلها أن يتصدق بها، فإن كان اللاقط مستحقا للصدقة تصدق بها على نفسه.
وقد لوحظ أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، حرم على المقيم فى مكة المكرمة ما لا يكون ضروريا للإقامة، فنبه العباس أن الإذخر محتاج إليه فى البيوت، ومحتاج إليه فى دفن الموتي، فذكر للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فتفكر النبى ﵊، ثم وافق، ولعل الوحى قد نزل عليه بذلك، فما كان كلامه اتباعا للعباس، ولكن كان اتباعا لأمر ربه.
ومهما يكن من ذلك، فإن العباس بإدراكه الإسلامي، فهم أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أباح من زرع مكة المكرمة ما لا يمكن الاستغناء عنه فقال مقاله، فنزل الوحى بما قال، فكان الوحى قد وافق نظره كما يذكر أنه وافق رأى عمر فى بعض الأمور التى كان يؤخذ الرأى فيها.
فما كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تابعا للعباس، بل جاء الوحى بموافقته، كما جاء الوحى بموافقة عمر كما ادعى فى بعض المواضع.
لقد حرم الله تعالى القتل فى مكة المكرمة أفلا يصح القتل قصاصا، أو إقامة الحد أو نحو ذلك، قرر العلماء أن ذلك جائز، فيجوز فيها القصاص، وتتبع العصاة وعقابهم، ولذلك قال عمرو بن سعيد إجابته لأبى شريح. قال أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يفيد عاصيا (أى لا يحمى عاصيا) ولا فارا بدم ولا فارا بجزية.
وهكذا فالمحرم القتل بغير حكم شرعي، أما القصاص بحكم القصاص فإنه يجوز، ولقد استباحت خزاعة أن تأخذ بثأرها من بعض بنى بكر، فقتلت واحدا، فنهاها نهيا قاطعا، ودفع دية المقتول.
ولقد خاطب خزاعة عند ودى قتيلها، «يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، لقد قتلتم قتيلا فوديته فمن قتل بعد مقامى هذا، فأهله بخير النظرين، إن شاؤا قدموا قاتله، وإن شاؤا نعقله لأى وثبة» .
стр. 891
ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن أعدى الناس من قتل فى الحرم أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية» صدق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا يقتل بالكبير فى زعمهم عدد من قبيل القاتل.
دية شبه العمد
٦٠٩- أعلن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم دية القتل شبه العمد، ذلك أن القرآن الكريم بين حكم القتل العمد، فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ، ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ، فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة- ١٧٩) .
بهذا النص الكريم ثبت أن عقوبة القتل العمد القصاص، ولكن رخص لولى المقتول أن يختار الدية بعد القصاص، ويسمى الفقهاء الدية فى هذه الحال قصاصا معنويا، وكان ذلك تخفيفا من الله ورحمة لأنه قد يكون من مصلحة ولى الدم أن يرضى بالدية أو العفو كأخ يقتل أخاه، ولى الدم- وهو الأب- فإذا كان القصاص من غير فرصة الدية أو العفو، خسر المكلوم ولديه، فكان هذا الترخيص بالدية أو العفو تخفيفا ورحمة.
والقتل الخطأ شرع القرآن الكريم عقوبته فثبت بالنص، فقد قال تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا، فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (النساء- ٩٢- ٩٣) . وهكذا ذكر الله تعالى عقوبات القتل. وخلاصة ما نصت عليه الآية: -
أولا: أن تعمد القتل لا كفارة له عن عقوبة الآخرة.
ثانيا: أن الدية فى القتل تكون لأهله المسلمين أو من كان بيننا وبينهم عهد أما العدو فلا دية لأهله لأنهم يقوون بها، ويستعينون بها فى حرب المسلمين.
стр. 892
ثالثا: أن تحرير الرقبة ضرورى أو بدله، وهو صيام ستين يوما، وذلك لتكفير إثم الخطأ، لأنه مهما يكن ففيه إثم ترك الاحتراز، ولأن القاتل خطأ أفقد المسلمين نفسا، فحق عليه أن يحيى نفسا بدل من تسبب فى فقدها، وإحياؤها بحريتها، فالحرية لفاقدها إحياء.
هذه إشارات إلى أحكام القتل فى القرآن الكريم ذكرناها ليميز ما جاء به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو القتل شبه العمد، ولم يذكر فى القرآن الكريم حكم للقتل الشبيه بالعمد.
وذكره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى فتح مكة المكرمة فى المدة التى أقامها بها فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «الحمد لله الذى صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الإبل- وفى مرة قال- مغلظة فيها أربعون خلفة فى بطونها أولادها، وهذا النوع من القتل يسمى فى عرف الفقهاء شبه العمد، وسماه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم العمد الخطأ، وهو كما عرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم القتل المقصود الذى يقع بغير آلة معدة للقتل، كالقتل بالسوط أو العصا، أو الحجر، الذى لا يقتل عادة، وهو الذى يسمى فى عرف القانون فى هذه الأيام الضرب المفضى إلى الموت، وقد ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن ديته دية مغلظة، وذلك لأن الدية فى القتل نوعان، فالدية المغلظة التى تناسب الجريمة وهى التى ذكرها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى مائة من الإبل فقط من غير اشتراط أن يكون فيها هذه الأربعون الحوامل.
والقتل شبه العمد الضرب مقصود فيه، فلم يكن خطأ جاء من غير قصد إنما قصد ثابت لأنه أراد الضرب، ولكن الآلة غير قاتلة فى ذاتها، فهو لا يعد قاصدا النتيجة، وجاءت النتيجة غير مقصودة، فشابه الخطأ من حيث لم يقصد هذه النتيجة، وشابه العمد، لأنه قصد الضرب، وباشره عامدا، ولذلك سماه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «العمد الخطأ، فهو عمد فى ابتدائه وليست نهايته متعمده» .
الميراث بين المسلم والكافر
٦١٠- عندما دخل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة، لم يجد دارا من دور بنى هاشم تعد بيتا، ولم يجد بيته الذى كان له قبل هجرته، وقال ﵊: هل أبقى لنا عقيل من دار، وعد نفسه مسافرا ودل هذا على أنه إذا عاد الشخص إلى موطنه الأصلى لا ينقطع عنه وصف المسافر إلا إذا عاد إلى بيته الذى كان يقيم فيه، فإن لم يجد بيته الذى كان يقيم فيه لا يعد مقيما، بل يعد مسافرا وذلك لأن مكة المكرمة بلده، ولكنه لم يجد فيها راحة المقيم فكان مسافرا.
стр. 893
ولذلك أفطر فى رمضان برخصة السفر، وقصر الصلاة بهذه الرخصة.
ولقد أخذ الخارجون على سيدنا عثمان رضى الله تعالى عنه أنه لم يقصر الصلاة فى مكة المكرمة، فبين أنه كان فى بيته وبين أهله، فلم يعد نفسه مسافرا، فلم تكن الرخصة التى تسوغ له القصر، ولعله وجد بيته الذى كان يقيم فيه قبل الهجرة، وذلك كله على أساس أن القصر رخصة، وليس عزيمة.
وقد ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد قوله. ما ترك لنا عقيل من دار، لا ميراث بين مسلم وكافر، فكان هذا شرعا يمنع ميراث الكافر من المسلم، وميراث المسلم من الكافر، وذلك صريح قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «لا يتوارث أهل ملتين شيئا» .
ولقد كان إجماع الفقهاء على ذلك إلا الشيعة الإمامية، فقد قرروا منع ميراث الكافر من المسلم، ولم يمنعوا ميراث المسلم من الكافر.
وكذلك كان يعمل بذلك معاوية بن أبى سفيان الذى ملك أمر المؤمنين باسم الخلافة واسم إمرة المؤمنين، ولذلك كان القاضى شريح رضى الله تعالى عنه يصدر أحكامه ذاكرا فيها أنه قضاء الله ورسوله ﵊، إلا إذا قضى فى توريث مسلم من كافر، قال: هذا قضاء أمير المؤمنين معاوية.
والحق ما قرر الفقهاء لأنه صريح قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولأن الميراث سببه النصرة بين الوارث والمورث، وهى لا تتحقق إذا كان أحدهما غير مسلم، ولأن الميراث ولاء، ولا ولاء بينهما، ولأن الوارث امتداد لشخصية المورث، ولا يمكن أن يعد المسلم امتدادا لشخصية الكافر.
الولد للفراش
٦١١- جاء هذا الحديث الصحيح فى وقائع فى مكة المكرمة عند فتحها، ذلك أن عتبة بن أبى وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يطالب بنسب ابن عبد بن زمعة على أنه ابن عتبة، وابن أخي، ولكنه جاء من فراش ابن زمعة فتنازعه عبد بن زمعة على أنه أخوه ولد فى فراش أبيه، وسعد على أنه ابن أخيه بوصية عتبة أخيه، فوجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن صفاته الجسمية تشبه صفات عتبة، ولكنه ﵊ لا يحكم بالقيافة بل يحكم بالشرع، فحكم لعبد بن زمعة على أنه أخوه، وأخو أم المؤمنين سودة بنت زمعة، وبذلك تبين معنى الحديث «الولد للفراش وللعاهر الحجر» .
стр. 894
ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمرها بأن تحتجب عنه، ولو كان أخاها حقيقة، ومن كل الوجوه ما احتجبت، ولكن لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يحتاط للتحريم لما رأى من شبه بينه وبين عتبة مما يوميء إلى أنه ابنه، فاحتاط فى التحريم، وحكم بحكم الله فى النسب، والله تعالى أعلم.
قطع اليد
٦١٢- روى البخارى بسنده عن عروة بن الزبير أن امرأة سرقت فى عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى غزوة الفتح، فأهم قريشا أن تقطع يد امرأة منهم فى سرقة، وكانت مخزومية اسمها فاطمة، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد، وكان حب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يستشفعونه، فغضب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقال لأسامة أتشفع فى حد من حدود الله، فقال أسامة أستغفر الله يا رسول الله، فلما كان العشى قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
أما بعد، ما بال أقوام يشفعون فى حد من حدود الله، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذى نفسى بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
وهكذا كانت الأحكام الإسلامية تطبق على القوى والضعيف، ومن له نسب، ومن ليس نسبه يحميه، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أشار إلى معنى اجتماعى فى قيام الأمم وقوتها، فبين ﵊ أن العدالة والمساواة أمام القانون هى التى تبنى الأمم، ولا ملك يقوم من غير عدالة، بل إنه إن بدا قويا، فإن الظلم الذى يكون فيه يهدم أركانه ويقوض بنيانه فلا قوة لأمة بظلم، ولا علو لجماعة بغير العدل.
ولقد أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بقطع يدها، ليعلموا أن قريشا العزيزة المتفاخرة بأنسابها هى والجميع على السواء، وذلك ضرب فى جنب العصبية الجاهلية، ولقد حسن إسلامها بعد قطع يدها، وعلمت أن يدها طهرتها، وسبقتها إلى الجنة، كما قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 895
المتعة وتحريمها
٦١٣- يذكر البخارى وغيره أن المتعة حرمت نهائيا فى غزوة الفتح، وكان فيها التحريم قاطعا، ناسخا للترخص فيها إلى يوم القيامة.
وقد تكلمنا عن المتعة عند الكلام فى الأحكام التى ثبتت فى غزوة خيبر، ونذكر هنا بأننا قلنا أنها لم تبح ساعة من زمان، وإنما هى من اتخاذ الأخدان سكت عنه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فكانت موطن عقد حتى أعلن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم زوال العقود فيها بقوله ﵊ وبالقرآن الكريم القاطع المانع، ولقد شرحناها فى موضعها من القول.
ولا مانع من أن نذكر ما قاله علماء الفقه والحديث هنا، وإن كنا قد أشرنا إليه فيما مضى من قولنا
يقول الحافظ ابن كثير فى تاريخه: «من أثبت أن النهى عنها فى غزوة خيبر، قال إنها أبيحت مرتين، وحرمت مرتين وقد نص على ذلك الشافعي، وقيل إنها حرمت مرة واحدة، وهى هذه المرة فى غزوة الفتح، وقيل إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين.
وقيل إنها أبيحت للضرورة، فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت وهذه رواية عن أحمد، وهذا قول جاف عن الشريعة، فما هى الضرورة، وقد نسب هذا القول إلى الإمام ابن عباس.
المبايعة على الإسلام
٦١٤- قلنا إن الفتح لم يكن لقاء معركة، وإنما كان لقاء مودة ومحبة، ومع المحبة والمودة كانت الدعوة إلى الإسلام، وقد دخل الناس فى دين الله أفواجا أفواجا، إذ جاء نصر الله العزيز الحكيم.
وروى البيهقى أن الناس كانوا يبايعون على الإسلام رجالا كبارا، وغلمانا صغارا إذا كانوا قد بلغوا حد الإدراك، وكانت تلك المبايعة على الدخول فى طاعة الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وكانت بيعة النساء على ذلك، وكانت على أخذ العهد، بألا يفعلن شيئا من المحرمات:
وقال ابن جرير الطبرى:
اجتمع الناس بمكة المكرمة لبيعة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فجلس لهم على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه، فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ورسوله فيما استطاعوا، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء وفيهن هند بنت عتبة منتقبة متنكرة، لحدثها من صنيعها
стр. 896
بحمزة رضى الله عنه، فهى تخاف أن يأخذها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بحدثها (أو تستحى من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما صنعت بعمه الحبيب) .
فلما دنين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليبايعهن، قال: بايعننى على ألا تشركن بالله شيئا، فقالت هند، والله إنك لتأخذ علينا مالا تأخذه من الرجال، ولا تسرقن، فقالت والله إن كنت لأصيب مال أبى سفيان الهنة بعد الهنة، وما كنت أدرى أكان ذلك علينا حلالا أو لا، فقال أبو سفيان وكان شاهدا لما تقول: أما ما أصبت فيما مضي، فأنت منه فى حل.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «وإنك لهند بنت عتبة؟» قالت نعم، فاعف عما سلف، عفا الله عنك، ثم قال ﵊: «ولا يزنين» قالت: يا رسول الله وهل تزنى الحرة، ثم قال ﵊: «ولا يقتلن أولادهن» ، قالت: قد ربيناهم صغارا حتى قتلتهم أنت وأصحابك ببدر كبارا، فضحك عمر بن الخطاب، حتى استغرق، ثم قال ﵊:
ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل، ثم قال، ولا يعصينني، قالت فى معروف.
فقال لعمر رضى الله عنه بايعهن، واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم، فبايعهن عمر. وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لا يمس إلا امرأة أحلها الله تعالى له، أو ذات محرم منه. وما كان يبايعهن إلا بالكلام، ويقول: إنما قولى لامرأة واحدة، كقولى لمائة امرأة.
نفقة الزوجة
٦١٥- إن نفقة الزوجة واجبة على الرجل، ويقسمها الفقهاء إلى قسمين نفقة تمكين، ونفقة تمليك. والأصل نفقة التمكين. ونفقة التمليك هى أن يقدر لها ما يكفيها بالمعروف، ويملكه إياها نقدا، أو طعاما، أو أنواعا، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى غزوة الفتح قرر نفقة التمكين فقد سألته هند قائلة: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطينى من النفقة ما يكفينى وبنى، فهل على من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: خذى من مال أبى سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف. وروى البيهقى بسنده عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت: إن هندا بنت عتبة قالت: يا رسول الله ما كان على وجه الأرض أهل خباء أو خباء أحب إلى من أن
стр. 897
يذلوا من أهل أخبائك أو خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أو خباء أحب إلى من أن يعزو من أهل أخبائك أو خبائك، وأيضا: والذى نفسى بيده، يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل على حرج أن أطعم من المال الذى له، قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالمعروف.
وهذا الحديث مهما تختلف صيغة رواياته يدل على ثلاثة أمور:
أولها: أن نفقة الزوجة واجبة على الزوج سواء أكانت غنية أم كانت فقيرة، وسواء أكانت قادرة على الكسب أم عاجزة عنه، لأنها جزاء قيامها بحقوق الزوج ورعاية بيته وأولاده وهى تقسيم فى نظام الحياة الزوجية، المرأة تقوم بإدارة مملكة البيت، والرجل يكدح ويعمل للحصول على الرزق، ولذلك يقول صلى الله تعالى عليه وسلم فى حجة الوداع لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
والثانى: الأمور التى تدل عليها الأحاديث الواردة عن هند وإجابة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن على الزوج أن يمكنها من ماله الذى تتمكن به من أن تطعم وأولادها بالمعروف فى أمانة من غير خيانة.
ثالثها: أن نفقة الزوجية تثبت حقا لها ولأولادها من غير حكم من القضاء، أو أمر من ولى الأمر، بل تثبت بحكم الشرع على أنها حق من حقوقها بمقتضى الأحكام الشرعية لا بسبب الرضا، أو القضاء، وقد يكون تقديرها بالتراضي، ولكن أصل الوجوب يكون بحكم الشرع هذا ما اقتضى الحديث بيانه، وربما عاودنا القول فى حجة الوداع.
حكم الهجرة بعد الفتح
٦١٦- روى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قام بعد تمام فتح مكة المكرمة، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: «لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» ، وإن ذلك المعنى مستقيم بمنطق الوقائع، فقد كانت الهجرة قبل الفتح من مكة المكرمة إلى الحبشة، أو إلى المدينة النبوية فكانت فرارا من الاستضعاف فى مكة المكرمة، إلى حيث الأمن والاطمئنان وخصوصا إلى يثرب، حيث تتجمع القوى الإسلامية فى المدينة المنورة مجاهدة داعية.
стр. 898
وإن الهجرة بعد أن صارت مكة المكرمة دار إسلام، وبها البيت الحرام، فإن الهجرة منها لتقتضى خلوها من السكان. وهم أهل البيت الحرام.
ولكن معنى ذلك أن لا تمنع الهجرة من أى بلد إلى أخرى، ولكن لا يكون له ثواب المهاجر، إذا كان الخروج لمجرد طلب الرزق، والثواب إن كان فلا يكون ثواب هجرة، ولكن يكون ثواب طلب الرزق استجابة لقوله تعالى: وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً (النساء- ١٠٠) .
ولكن يكون بعد ذلك هجرة يكون فيها ثواب الهجرة وهى مطلوبة غير منهى عنها، بل يحاسب فيها المؤمن إن كان قادرا على الهجرة، ولم يهاجر، وذلك فى حال أن يعيش مستضعفا بين الكفار، يسومونه الذل والهوان، وإن خرج إلى أرض الإسلام كان التجمع القوى والوحدة الشاملة الكاملة.
ومن ذلك قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ، قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، وَساءَتْ مَصِيراً. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً فإن هذه الآية توجب الهجرة على كل مستضعف فى الأرض لتكون الجماعة الإسلامية له قوة، ويكون من انضمامه لجماعة المسلمين قوة بانضمام كل بعيد عنها إليها، فإن التجمع قوة فى ذاته، وقوة عامة للمسلمين، والانفراد مع الاستضعاف ذل لبعض المسلمين. وحرمان للمجموع من قوة التجمع.
ولذلك ورد أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال «الهجرة دائمة» وقال عن اجتماع الكافر بالمسلم «لا تتراءى ناراهما» .
فالهجرة التى انتهت هى الهجرة من مكة المكرمة.
أما الهجرة فلم تنته بإطلاق، ويقول فى ذلك الحافظ ابن كثير: إنه يعرض حالة تقتضى الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب، وعدم القدرة على إظهار الدين فتجب الهجرة إلى دار الإسلام، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء. ولكن هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح، كما أن كلا من الجهاد والإنفاق فى سبيل الله مشروع، ورغب فيه إلى يوم القيامة، وليس كالإنفاق، ولا الجهاد قبل الفتح فتح مكة المكرمة، كما قال تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ، وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا (الحديد- ١٠) وإنه بلا ريب الجهاد قبل الفتح، لإنشاء قوة للمسلمين، والجهاد بعد ذلك لبقاء الإسلام، والإبقاء أسهل من الإنشاء فكانت لذلك أفضل والله أعلم بموضع الفضل والخير.
стр. 899
ملكية أرض مكة المكرمة
٦١٧- ملكية أرض مكة المكرمة أتجوز أو لا تجوز؟ فى هذا الأمر نظر السلف الصالح، واختلفوا فى اتجاههم إلى اتجاهين:
أولهما: أنها لا تملك، وحجته أولا أنها دار النسك، ومتعبد الخلق، وحرم الله تعالى الذى جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، وإن الله تعالى يقول: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ (العنكبوت: ٦٧) وإن أرض مكة المكرمة نسك وحرم، فهى معبد، والمعابد لا تملك، إنما هى وقف على العباد لا تباع ولا توهب ولا تورث.
ثانيا: كل تعبير بالحرم أو نحو ذلك فهو تعبير عن مكة المكرمة- يقول الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ، وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (الحج- ٢٥) .
وترى أن مكة المكرمة كلها بظاهر النص وإشاراته هى موطن العاكف ومزار البادى فكلها نسك، لا يورث ولا يملك. وحجة هذا الرأى أيضا: أنه قد وردت الآثار صريحة بالنهى عن بيعها، وعن إجارتها، وعن وراثتها، ولقد قال عبد الله بن عمر من أكل أجور بيوت مكة المكرمة، فإنما يأكل فى بطونه نار جهنم.
وثالثا: أن عمر بن الخطاب نهى عن اتخاذ الأبواب فى دور مكة المكرمة وأمر بفتح الأبواب لمن كان لداره باب، فلا يغلقه، ليسهل أن يبيت العاكف فيه والباد، كما صرح الله .
ورابعا: كتب عمر بن عبد العزيز على مشهد من التابعين ألا تؤجر دور مكة المكرمة.
هذه حجج الذين قالوا إنها لا تملك أرضها، ولا تؤجر، ولا تباع ولا تورث.
وحجة الذين أباحوا امتلاكها- أن الله أضاف ملكيتها إلى أصحابها فقال تعالى:
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ (الحشر- ٨) وقال تعالى:
فَالَّذِينَ هاجَرُوا، وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ (الممتحنة- ٩) .
وقال تعالى: إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ.
وفى هذه النصوص كلها أضاف الديار إضافة اختصاص إلى المهاجرين.
وقد سأل سائل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أين تنزل غدا بدارك؟. فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «وهل ترك عقيل من دار» وفى رواية من رباع، فلم يقل أنه لم يكن له من دار ولقد
стр. 900
آلت ديار أبى طالب عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى عقيل ابنه، ولم يأخذ منها أخوه على شيئا، لأن عليا كان مسلما، فلا يرث من أبى طالب، ولا يرثه إلا عقيل، ومن بقى على الشرك.
وأخبر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن عقيلا أخذها، ولم ينزعها من يده، فدل ذلك على سلامة ملكيته بالميراث، بل أقرها وسكت.
وقد كانت الدور تنسب لأصحابها، فيقال دار أم هانيء، ودار خديجة وغيرها، وكانوا يتوارثونها كما يتوارث المنقول.
وقد باع صفوان بن أمية دار العمر بن الخطاب بوصف أنه أمير المؤمنين فاتخذها سجنا، يسجن بعض ذوى المعاصى ليمنع شرهم.
وهكذا كان يجرى البيع والشراء فى الدور، والتوارث فيها.
ولقد وفق ابن القيم وغيره بين أدلة الفريقين، بأن الأدلة المثبتة لجواز البيع والإجارة والميراث، موضوعها البناء، وأما الأرض فإنه لا يجرى عليها البيع ولا الميراث، وبذلك ينتهى الحكم المقرر بالنسبة لمكة المكرمة أن الأرض موقوفة على مصالح المسلمين، والبناء مملوك لمن أقاموه، وينتقل بالوراثة، والله أعلم.
سب النبى ﷺ
٦١٨- ثبت حكم سب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى هذه الغزوة، لأن جارية سبت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقتلها سيدها، ولأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أباح دم جاريتين كانتا تتغنيان بسب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأمر بقتلهما ضمن من أهدر دمهم ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة الشريفة، وعندما كان كعب بن الأشرف يسب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بقتله.
ولذلك كان الذمى إذا سب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اعتبر نابذا للعهد.
وإن سب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إفساد فى الأرض، وخروج عن حكمه، والمفروض فى كل من يكون تحت طاعة دولة أن يطيع منشيء هذه الدولة، ومنشيء دولة الإسلام هو سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فسبه خروج عليها.
стр. 901
وقد عرض سؤال غريب: إننا قبلنا أن يبقى الذمى، وهو يعبد النار، ويؤمن بالتثليث، وغير ذلك مما هو خطأ فى جنب الله تعالى، فكيف لا نقبل عهد الذمى إذا سب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، إن هذا فى القياس غريب!!
ونقول فى الجواب عن ذلك: إن ذلك اعتقادهم، وقد قبلنا أن يبقوا تحت ظلنا مع استنكار ما هم عليه، وأمرنا بتركهم وما يدينون، ولم يكن فى ذلك البقاء إفساد للنظام، ولا هدم للعهد، أما سب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فهو متضمن أمورا أخرى عظيمة، فهو يتضمن مهاجمة الإسلام، وألا يترك المسلمون وما يدينون، بينما المسلمون تركوهم وما يدينون، وفوق ذلك يكون إعلانا للخروج على الطاعة والنظام.
غزوة هوازن
٦١٩- أخذت القوى العربية المشركة تتخاذل شيئا فشيئا، وبعد أن فتحت أم القرى، وتلاقت فيها القلوب على مودة ورحمة، وعادت الأخوة بين ذوى الأرحام، لم يبق من أهل القوة من العرب إلا هوازن وثقيف بالطائف، وكانوا ذوى بأس شديد فى البلاد العربية.
ولقد قال الصديق وهو ينطق بالحكمة: «لن نغلب بعد اليوم من قلة» وقد صدق فى ذلك، فإنهم قد صاروا كثيرا وقد توافر العدد، وتوافرت العدة، ولكن تكون الهزيمة من غرور أو ضعف فى النفوس، أو عدم التنظيم الجامع. وقد صدقه ربه فى ذلك. فقال تعالى:
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (التوبة: ٢٤- ٢٧) .
وإن الجيش الإسلامى كان اثنى عشر ألفا، وذهب إلى هوازن، والتقى بهم فى أوطاس فى العاشر من شوال من السنة الثامنة من الهجرة.
ونحب هنا أن نشير إلى جيش الإسلام فى هذه الموقعة، أهو جيش المؤمنين، أم كان فيه من دخل الإسلام، ولم يدخل الإيمان فى قلبه، كما قال تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ (الحجرات- ١٤) .
стр. 902
كذلك كان الجيش فيه الطلقاء، الذين قال لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، وفيه ضعاف الإيمان الذين كانت تحدثهم نفوسهم بأن ينقلبوا على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، كما قال أبو سفيان فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «إذن ليخزينك الله» وفيهم من هم باغتيال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكشف الله تعالى سره، وفيهم والمعركة دائرة بين الجيشين فى حنين من هم بأن يقتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وفيه كثيرون من الأعراب الذين أسلموا ولم يؤمنوا، فكان جيش الإسلام ولم يكن جيش الإيمان، ألم تر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أعطى من غنائم حنين طائفة من كبار قريش أموالا كثيرة، ليتألف قلوبهم كأبى سفيان بن حرب، وابنه معاوية، وإن التأليف إلى الإسلام دليل على ضعف الإيمان، لأنه يتألف قلوبا للإيمان.
وإن الهزيمة لم تكن من أهل الإيمان الأولين الذين بايعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الحديبية، بل نادى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والمعركة عنيفة بينه وبين هوازن المهاجرين والأنصار، فجاء منهم مائة حولوا الهزيمة إلى نصر، ولم يثبت مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلا عشرة هم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعلى بن أبى طالب، والعباس الذى أسلم عقب بدر، وأبو سفيان بن الحارث ابن عم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والفضل بن العباس، وجعفر بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن أم أيمن. فأين خالد وعمرو بن العاص؟.
والآية صريحة فى أن الله ألقى السكينة والثبات على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين، فهم الذين ثبتوا بعد أن اضطربت الصفوف بين الذين لم تكن لهم خبرة بلقاء أهل الإيمان وأهله، ولقد دعا رسول الله المؤمنين من المهاجرين والأنصار، فلبوا النداء. وسارع منهم مائة، فقلبوا الهزيمة لقاء، ثم نصرا بتأييد الله تعالى.
ابتداء المعركة:
٦٢٠- قلنا أنه لم يكن من بين القوى العربية فى البلاد من له قوة وشوكة بعد مكة المكرمة وقريش إلا هوازن فاعتزم أن يعمل لإسلامهم، بينما هوازن يفكرون فى حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اتقاء لأنفسهم، ومنعا من دخول الإسلام إليهم، أو هجوم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليهم، وما كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يهاجم الآمنين ولكن يرد كيد من يدبرون له حربا، أو يريدون كيدا.
стр. 903
ولقد جاء مالك بن عوف النضرى، فجمع الجموع. فاجتمع إليه من هوازن ثقيف كلها، واجتمع نضر وجشم كلها وعدد قليل من قيس بن عيلان.
وكان فى جشم شيخ له تجربة ودراية فى الحروب، وإن لم تكن له قوة على المنازلة لشيخوخته وهو دريد بن الصمة، ولما أراد النفير مالك بن عوف، أخذ مع الجيش النساء والمال ليستثير حميتهم بنسائهم وأموالهم فيندفعوا مقاتلين ليحموا نساءهم وأموالهم وذراريهم.
وقد ساروا بدريد بن الصمة فى شبه هودج، فسمع أصوات الأموال من النوق والحمير والنساء والصبيان، فقال: مالى أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، وثغاء الشاة؟ قالوا: ساق مالك ابن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فقال: أين مالك؟ فجيء به إليه فقال له:
يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، مالى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، وثغاء الشاة؟ قال: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم.
قال ولم ذلك؟ قال أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم. فانقض به (أى زجره) وقال: راعى ضأن. أى لست بمقاتل. وهل يرد المنهزم شيء، إنها إن كانت لك، لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت فى أهلك ومالك.
ولكنه لم يطعه مالك بن عوف ولكن هوازن أطاعوه «١» .
وقد ترامى إلى سمع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم همس بما دبروا، فأرسل إليه من يأتيه بجملة أمرهم وأمره أن يدخل فى الناس ليعرف حالهم ويأتيه بأخبارهم، فأقام فيهم، حتى سمع ما أجمعوا عليه من حرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وسمع من مالك بن عوف وهوازن فجاء وأخبر الرسول.
فأخذ الرسول الكريم المدافع عن الحق يستعد لهم ويلقاهم. وذكر له أن عند صفوان بن أمية دروعا وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك ولعله كان فى المدة التى جعل لنفسه الخيار فيها، بين البقاء على ما هو عليه والإسلام، فقال له: يا أبا أمية أعرنا سلاحك نلق به عدونا غدا، فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ قال ﵊: بل عارية مضمونة نردها إليك، قال: ليس بهذا من بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من سلاح.
стр. 904
خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم معه اثنا عشر ألفا، منهم عشرة آلاف دخل بهم، وهو جيشه الأول، ولم يكن كله من المهاجرين والأنصار، وألفان من أهل مكة المكرمة الذين أسلموا بعد الفتح، أو لم يظهر إسلامهم إلا فى الفتح، وفيهم أبو سفيان بن حرب، وأمثاله. وخلف فى مكة المكرمة عتاب بن أسيد من بنى عبد شمس، ثم مضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على وجهه نحو هوازن، أو حنين أو أوطاس، وكلها أسماء لهذه المعركة.
ولا شك أن الجيش كان فيه ألفان قريبا عهد بالجاهلية، كما أشرنا من قبل، ولقد روى ابن إسحاق بسنده عن الحارث بن مالك، أن الحارث هذا قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية.
ولقد رأى الجيش شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط كانت قريش ومن حولهم يقدسونها ويأتون كل سنة يذبحون عندها تقديسا لها.
فراعهم منظرها، ورأوها سدرة عظيمة. ويقول الحارث بن مالك: تنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط (أى شجرة عظيمة نقدسها، وننحر عندها) .
قال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الله أكبر قلتم والذى نفس محمد بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة؛ قال إنكم قوم تجهلون. إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم.
كان من الألفين اللذين ضمهما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الجيش الذى غزا به مكة المكرمة، من فيهم هذه العقلية وكلهم أو جلهم حديث عهد بالجاهلية لما يدخل الإيمان فى قلوبهم.
الانهزام ثم الانتصار:
٦٢١- تقدم جيش الإسلام إلى وادى حنين، وكان ذا أودية وطرق مختلفة، فتقدم المسلمون فى واد من أودية تهامة، وانحدر فيه انحدارا حتى أو غلوا فى باطن الوادى، وكان جيش هوازن قد سبقهم إلى الوادى وادى حنين، وكمنوا فى شعابه، وأحنائه ومضايقه.
وكانوا محميين مهيئين، وكان فى المتقدمين من جيش المسلمين على رأس بنى سليم خالد ابن الوليد، وما أن تقدم المسلمون وسط هذا الكمين المتعدد النواحى، وهم فى عماية الصبح، وهو الظلام الذى يسبقه!.
وفى هذه الحال راع جيش المسلمين انقضاض هوازن عليهم كتائب قد تعددت، فشدوا شدة رجل واحد، فكانت المفاجأة مروعة عنيفة، وانتثر الناس راجعين لا يلوى أحد على أحد.
стр. 905
وقد انحاز رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذات اليمين، ثم قال: أيها الناس هلم إلى أنا رسول الله محمد بن عبد الله.
ولكن الناس يفرون، وحمل بعضهم على بعض، وكان الفرار من غير المؤمنين الأولين قد أفسد نظام الجيش واضطرب الأمر، واختلط الحابل بالنابل.
ولقد ثبت مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أبو بكر وعمر، وثمانية من بنى هاشم صدقوا وآمنوا، وعلى رأسهم على بن أبى طالب، والعباس بن عبد المطلب، ولا نعد ثبات على للقرابة، بل لأن الثبات من شيمته أولا إذ هو فارس الإسلام كما قال النبى ﷺ ، ولإيمانه ثانيا، وقد يكون لقرابته ثالثا، فهى فى المرتبة الأخيرة من الأسباب.
وأما السبعة الباقون فإنا قد نقول للرحم دخل فيها، ولكن لا نحرمهم من الإيمان، خصوصا العباس فقد آمن بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى أعقاب بدر وخرج مكرها فى بدر، فرضى الله تعالى عنه، وفى الوقت الذى كانت فيه الكفة راجحة لهوازن، وقبل أن يلبى نداء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المهاجرون الأولون والأنصار جرت أمور تدل على سبب الهزيمة.
أولها: وحدتهم فى الفكرة، وإن كانوا على ضلال، فالوحدة مع الشرك تثمر فى الحرب أكثر من العقيدة السليمة عند تفرق الأهواء والمنازع، ووجود ضعاف الإيمان مع أقويائه.
لقد كان فيهم رجل على جمل أحمر معه رمح طويل، فإن وجد هدفا لرمحه ضرب، وإن لم يجد هدفا رفع رمحه أمام جيش هوازن، والناس من خلفه يتبعونه.
ثانيها: أن التردد وروح الهزيمة ظهر من رجال من الألفين، فتكلم ناس من جفاة أهل مكة المكرمة. قال ابن إسحاق: لما انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من جفاة أهل مكة المكرمة الهزيمة تكلم رجال بما فى نفوسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب:
«لا تنتهى هزيمتهم دون البحر» ، تلك أمانيه، وأخذ الطالع فى الأزلام رجاء أن تنبئه فى زعمه بأنها هزيمة ساحقة.
ولقد صرخ كلدة بن الحنبل، وهو مع صفوان بن أمية الذى كان لا يزال مشركا، إذ لم تمض المدة التى أخذ الخيار لنفسه فيها، صرخ كلدة هذا: ألا بطل السحر اليوم، فقال صفوان الذى لم يعلن بعد إسلامه لهذا الذى ظهر فى الجيش مسلما، وقال ما قال. قال صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربنى رجل من قريش أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن.
стр. 906
ثالثها: أنه وجد من بين هذين الألفين من كان يحاول فى زحمة الاضطراب أن يغتال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلقد قال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة أخو بنى عبد الدار قال ذلك الحاقد: اليوم أدرك ثأرى من محمد، وكان أبوه من حملة اللواء الذين قتلوا فى أحد «١» ، وهو غير عثمان بن طلحة الذى أسلم مع خالد، وأعطاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مفتاح الكعبة الشريفة، ولم يعطه على بن أبى طالب مهلة، إذ طلبه.
٦٢٢- هذه ظواهر بدت بعد الانهزام وهى تعلن سبب الانهزام، وهو أن الجيش الإسلامى الكبير كان فيه دعاة التردد والهزيمة من بين الألفين الذين كان الكثيرون منهم حديثى عهد بالجاهلية، ولما يدخل الإيمان قلوبهم.
ونعود إلى الانتصار بعد الهزيمة، لم يزلزل قلب المؤمن، والرسول ﵊ لم تؤثر فيه هذه الحال، بل اشتد بأسه، وقال: لقد حمى الوطيس، وأخذ يدعو المهاجرين الأولين ليعلموا مكانه، ويقول: مناديا لهم، أين أيها الناس، ثم قال: يا عباس اصرخ، وكان جهير الصوت: يا معشر أصحاب الشجرة، يا معشر أنصار الله وأنصار رسوله، يا معشر الخزرج، فأجابوه لبيك لبيك، فكان الرجل يذهب ليعطف بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه فى عنقه ثم يأخذ سيفه وترسه، ويؤم الصوت، حتى اجتمع عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نحو مائة ولكنهم بقية من بقايا بدر، وكما قال على بطل بدر وأحد، والخندق: بقية السيف أبقى عددا وأكثر ولدا، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم راكب بغلته، وأخذ بزمامها العباس وهو يقول ومعه هذا الجمع المؤمن:
أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم أنزل نصرك
ثم تجمعت الجموع المؤمنة حول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يقول: الآن حمى الوطيس، عادت الجولة لجيش المؤمنين بعد أن مازت الهزيمة الخبيث من الطيب.
رأى على كرم الله وجهه الرجل الذى يحمل الرمح الطويل الذى يضرب به الهدف، إن وجده، ووراءه جيش هوازن، رأى على الرجل، وهوى إليه مع أنصارى، فضرب على عرقوبى الجمل فوقع على عجزه، ووثب الأنصارى على الرجل وضربه ضربة أطن بها قدمه.
وإذا كان كما يبدو الرجل حامل لوائهم فهذا لواؤهم قد سقط.
стр. 907
والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يحث المؤمنين على القتال، ويقول: من قتل قتيلا فله سلبه، وقد قتل بعض المؤمنين عشرين قتيلا من هوازن، فكانت له أسلابهم.
وكان يتناول زمام بغلة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم العباس عمه، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن صبر فى تلك المعركة.
وكان فى المقاتلين فى جيش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نساء مؤمنات، ومنهن أم سليم، وكانت حازمة وسطها ببرد لها وهى حامل، وكانت راكبة جملا، فكانت تخشى أن ينفر، فكانت تأخذ حزامها مع خطامه.
وكانت ترى أن الذين انهزموا كانوا من دعاة التردد والهزيمة، رآها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال لها أم سليم، فقالت نعم بأبى أنت وأمى يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال لها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، أو يكفى الله تعالى يا أم سليم، وكان معها خنجر، فقال لها زوجها ما هذا الخنجر الذى معك يا أم سليم؟
قالت خنجر أخذته إن دنا منى أحد من المشركين بعجته، فقال زوجها ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم!!.
تحارب الناس، واجتلدوا، وكانت هوازن رماة، ولكن رمى الله بالمؤمنين فى أوساطهم وهم يسلبون القتلى، ويكتفون الأسارى.
يروى ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله أنه قال: والله ما رجعت راجعة، حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
الانتهاء بالهزيمة الساحقة:
٦٢٣- انتهت المعركة بالهزيمة الساحقة فى حنين، بأن لجأ المنهزمون إلى أوطاس، وذلك بعد أن دعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وجمع المؤمنين حوله، وكان دعاؤه هكذا: «اللهم إنى أنشدك ما وعدتنى، اللهم لا ينبغى لهم أن يظهروا علينا» ، ونادى أصحابه «يا أصحاب البيعة، يا أصحاب الحديبية: الله، الله، الكرة على نبيكم، يا أنصار الله، وأنصار رسوله، يا بنى الخزرج يا أصحاب سورة البقرة» وأمر من ينادى بذلك، وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين، وقال:
شاهت الوجوه، فهزم الله أعداءه، وأعداء الحق من كل من حصبهم فيها، واتبعهم المؤمنون يقتلونهم، وغنمهم الله تعالى أموالهم ونساءهم، وذراريهم.
стр. 908
وفر فى هذه الهزيمة كبيرهم وقائدهم الذى كان يحثهم على أن يضربوا ضربة رجل واحد، وهو مالك بن عوف، فروا فرارا حتى دخلوا حصن الطائف. وفريق آخر منهم فروا إلى أوطاس ، فأرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سرية لهم، سنذكر أمرها إن شاء الله.
وأخذ الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه يجمعون الغنائم من السبايا والأموال، وغيرها مما أفاء الله تعالى به عليهم. ولقد حدث ابن إسحاق بسنده أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يبحث بقايا المعركة من غنائم، وآثار انهزام، رأى امرأة مقتولة، قالوا إن خالد بن الوليد قتلها، ويظهر أنها ممن كن خلف المقاتلين، ليدفعوهم للقتال، كما دبر مالك بن عوف، وحذره منه دريد بن الصمة لما رأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك قال مستنكرا: ما كانت هذه لتقاتل. وقال لبعض من حوله: الحق خالدا فقل له لا تقتلن ذرية وعسيفا.
ولم يذكر خالد فى هذه المعركة إلا فى هذا الموضع منها. ورضى الله عن عمر إذ قال عندما عزله عن قيادة الجيش فى الشام: «إن فى سيف خالد لرهقا» .
أوطاس:
٦٢٤- انهزمت هوازن هزيمة ساحقة، ففروا إلى الطائف، وتجمعوا للقاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هنالك متجمعين.
وتوجه فريق آخر نحو أوطاس، وعسكر بها، وتوجه بعضهم نحو نخلة، وكانوا عددا فتبعت الجميع خيل المسلمين، وكان ممن أدركوه دريد بن الصمة صاحب رأيهم، ومن يصدرون عنه، ولما خالف مالك بن عوف رأيه كانت الفضيحة التى قدرها ونبه إليها دريد بن الصمة، إذ سبيت النساء، ولم يكن فى إخراجهن فائدة بل فضيحة، اضطرتهم صاغرين للاجتماع عند محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
ولقد قال ابن إسحاق: بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى آثارهم أبا عامر الأشعرى فأدرك هو ومن معه بعض من انهزم، فناوشوه القتال، فرمى أبو عامر الأشعرى فقتل، وقد كانوا يحسنون الرمى، وهو الذى حمل الراية فى أول يوم حنين.
وقد حمل الراية من بعده ابن عمه أبو موسى الأشعرى فقاتلهم، ففتح الله تعالى عليه أوطاس وانتصر عليهم.
стр. 909
وقد جاهد من قبله ابن عمه جهادا قويا شديدا، إذ لقى عشرة أخوة فبرزوا واحدا بعد واحد، حتى قتل تسعة. وأسلم العاشر رغبا لا رهبا وحسن إسلامه والتقى برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فكان إذا لقيه يقول شريد أبى عامر.
وقد سبى فى حرب أوطاس كثيرات كما سبى أكثر من فى حنين.
ويروى فى ذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أصابوا يوم أوطاس سبايا لهن أزواج من أهل الشرك، فكان أناس من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تأثموا من غشيانهن فنزل قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (النساء: ٢٤) وإن فى هذه الآية التى نزلت فى بيان المحرمات دلالة على جواز غشيان الإماء المشركات بملك اليمين ولا يمسك أحد بعصمة الكوافر ولكن يستبريء أرحامهن بحيضة يحضنها.
هذا وسميت هذه الغزوة الكبرى بغزوة هوازن وحنين وأوطاس، إلا أنها كانت فى هوازن وفى يوم حنين، واستمرت حتى أوطاس.
ثمرات المعركة
٦٢٥- جمع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غنائم هوازن، وأرسلها إلى الجعرانة حتى يتتبع فلولها ثم ضم إليها ما غنمه من أوطاس من أموال وسبايا، وكان مجموع ذلك كثيرا، لأن هوازن برأى مالك بن عوف قربت السبايا والأموال من موطن الجهاد، فكان مؤدى هزيمته.
أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالسبى والغنائم أن تجمع، فجمع ذلك كله، ووجه إلى الجعرانة، وكان السبى ستة آلاف رأس ما بين نساء وذرية، وعدد الإبل أربعة وعشرون ألفا، وعدد الغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية من الفضة.
وهذا على أن أكثر معاملتهم النقدية كانت بالفضة، ولم يكن استعمالهم للدينار الرومانى كثيرا.
ولم يوزع هذه الغنائم بين الفاتحين بمجرد انهزامهم، وجمعها، بل استأنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رجاء أن يأتوا مسلمين، ولو بظاهر من القول، تقريبا للنفوس، فما كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلا هاديا يدعو إلى الإسلام، وخصوصا أن ما أخذ منهم إن لم يكن كل أموالهم، فهو أكثرها.
ولكن مضى بضع عشرة ليلة، ولم يجيء أحد.
стр. 910
فقسمها بين الفاتحين، وصرف منها للمؤلفة قلوبهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب تأليفا لقلبه، وليدخله الإيمان أربعين أوقية من فضة، ومائة من الإبل، ولكنه لم يكتف بما أخذ بل طلب لابنه يزيد، فقال: ابنى يزيد، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أعطوه أربعين أوقية، ومائة من الإبل، ولكنه الطمع، فقال ابنى معاوية فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل، فمعاوية كان من المؤلفة قلوبهم ليدخلها الإيمان فليذكر ذلك من يضعونه أمام على أو يناصرونه.
وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه، وأعطى النضر بن الحارث ابن كلدة، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفى خمسين وأعطى العباس بن مرداس أربعين، فقال فى ذلك شعرا، فكمل له مائة.
واختص من بعد ذلك زيد بن ثابت بإحضار الغنائم والناس، ثم فرقها على الناس، فكانت سهامهم لكل رجل أربعا من الإبل وأربعين شاة، فإن كان فارسا أخذ اثنى عشر بعيرا، وعشرين ومائة شاة، وإنه مما يلاحظ أن المؤلفة قلوبهم الذين كانوا فى المعركة نظارة ينظرون، أخذوا أكثر نسبيا من المجاهدين، فبينما كان نصيب المجاهد فى الغنيمة التى استولى عليها بسيفه أربع نوق كان نصيب أبى سفيان المترقب مائة له ولكل واحد من أولاده مائة وله أربعون أوقية، ولكل واحد مثلها.
ولكن المؤمنين الصادقين فى إيمانهم ما كانوا ليعترضوا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فهو الهادى وهو المرشد، وهو الداعى إلى الحق، والمؤلف للقلوب التى تتجه إليه، ولكيلا تنحرف عنه، وأولئك الذين ألفت قلوبهم ماديون، تجذبهم المادة أكثر مما يجذبهم الحق المجرد.
ولا يصح أن يفهم أحد أن ذلك شراء للإيمان، فإن الإيمان لا يشرى بالمال، ولكن يشترى بالإذعان للحق، ولكن أولئك أخذت منهم رياسة، وأخذ منهم سلطان، وهم كما عرف من ماضيهم لا يذعنون للحق المجرد، ولا للدليل، وفى دخولهم للإسلام، لا بد من تأليف قلوبهم للإسلام، وما يكتسبه الإيمان بدخول الإيمان قلوبهم أكثر ما نخسر من مال، ولقد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لإمام الهدى على بن أبى طالب «لأن يهدى الله تعالى بك رجلا واحدا، خير لك من حمر النعم» .
ويجب التنبيه هنا إلى أن كثيرين من أهل مكة المكرمة الذين يترددون فى الدخول فى الإسلام دخلوا فيه أفواجا أفواجا لما رأوا النصر المبين، والتأييد البين من الله .
стр. 911
موجدة الأنصار
٦٢٦- روى ابن إسحاق بسنده عن أبى سعيد الخدرى قال: لما أعطى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما أعطى من العطايا الكبار فى قريش، وفى قبائل العرب، ولم يكن فى الأنصار منها شيء، وجد هذا الحى من الأنصار فى أنفسهم، حتى قال قائلهم، لقى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحى من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم، لما صنعت فى هذا الذى أصبت، قسمت فى قومك وأعطيت عطايا عظيمة فى قبائل العرب، ولم يكن فى هذا الحى من الأنصار منها شيء. قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
فأين أنت من ذلك يا سعد. قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومى. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة.
فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردوا، فلما اجتمعوا أتى سعد فقال قد اجتمع لك هذا الحى من الأنصار.
فأتاهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ووقف فيهم خطيبا، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتنى، وموجدة وجدتموها فى أنفسكم، ألم آتكم ضلالا، فهداكم الله بى. وعالة فأغناكم الله بى، وأعداء فألف بين قلوبكم!! قالوا: لله ورسوله المن والفضل، ثم قال صلى الله تعالى عليه وسلم: ألا تجيبونى معشر الأنصار، قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أما والله لو قلتم، لصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فاويناك، وعائلا فواسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم من لعاعة من الدنيا، تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى رحالكم، فوالذى نفس محمد بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وواديا، وسلك الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار، والناس دثار لهم، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. قال أبو سعيد الخدرى: فبكوا حتى أخضلوا لحاهم. وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا» .
وإن الموجدة التى وجدوها، ربما كان من أسبابها أنهم وجدوا أبا سفيان الذى قاتلوه أخذ العطايا العظيمة هو وابناه، وهم الذين قاتلوهم مجاهدين فى سبيل الله.
стр. 912
ولقد دعا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالرحمة لأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار فحقت عليهم الرحمة والرضا من الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم. وكان من أبناء المؤلفة قلوبهم من سبوا نساء الأنصار وأبناء الأنصار فى واقعة الحرة، فلعنه الله تعالى، ولعن من مكنه.
الشفاعة في الغنائم بعد توزيعها
٦٢٧- مكث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بضع عشرة ليلة لا يوزع الغنائم، رجاء أن يسلموا، أو رجاء أن يطلبوها على عهد يتعهدونه، ورجاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ليس رجاء محارب إنما هو رجاء هاد مرشد، يريد القلوب ولا يريد الحروب لذاتها.
ولما وزعها ﵊، جاء إليه صلى الله تعالى عليه وسلم وفد من هوازن من أربعة عشر رجلا، وعلى رأسهم عم رضاعى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
جاؤا إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد فرغت أيديهم من أموالهم بسبب حمق مالك بن عوف، وعدم طاعته لصاحب الخبرة من قومه، ورأوا نساءهم سبايا.
جاؤا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وسألوه أن يمن عليهم بالسبى والأموال، أى يرد عليهم كل ما أخذ منهم. ويظهر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يميل إلى أن يرد السبايا، ولا يرد الأموال، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم لهم: إن معى من ترون، وإن أحب الحديث إلى أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم، قالوا ما كنا نعدل بالأحساب شيئا.
فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إذا صليت الغداة، فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المؤمنين، ونستشفع بالمؤمنين على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرد سبينا» .
فلما صلى الغداة قاموا فقالوا ذلك.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب، فهو لكم، وسأسأل الناس.
فقال المهاجرون والأنصار، ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا.
وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا.
стр. 913
وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال العباس بن مرداس لقومه: وهنتمونى.
وهنا نجد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الحر الكريم المحب للحرية يبين أنه يريد تحرير السبى، فيقول صلى الله تعالى عليه وسلم «إن هؤلاء القوم، قد جاؤا مسلمين، وقد كنت استأنيت سبيهم، وقد خيرتهم، فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان منكم عنده منهن شيء فطابت نفسه، فبسبيل ذلك. ومن أحب أن يتمسك بحقه، فليرد عليهم، وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا»
فدى بذلك كل السبايا من مال المؤمنين، وقد طابت نفوس الناس بذلك وقالوا قد طيبنا رسول الله.
واتجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من بعد ذلك إلى تعرف من رضى ومن لم يرض، وقال: ارجعوا حتى يرفع إلينا وفاؤكم أمركم، فتفرقوا، وردوا النساء والأبناء ولم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت إليه من السبى، ثم ردها من بعد.
وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رد السبايا مكرمات، وكساهن كسوة كريمة، فكساهن من القباطى، وأعطى كل واحدة منهن قبطية، ولسان حاله يقول رحمة: مغلوبين مكرمين.
وقبل أن ننتهى من الكلام فى الغنائم ومالها، وهى غنائم هوازن نذكر حكمة الله تعالى فيها ورعايته لجيش الإسلام، وحمايته من الضياع.
ذلك أن فتح مكة المكرمة لم ينل فيه المسلمون شيئا من الغنائم، فما أفاء الله تعالى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين بشيء منها تكريما لها، وحماية لأموالها، فجاؤا إليه غير فاتحين بل جاؤا طائفين ساعين بين الصفا والمروة، وإن لم يحرموا إحرام عمرة.
ولكنه جيش جرار، يضم عشرة آلاف جاؤا من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، فلا بد أن يحتاجوا ما يمون جيشا كبيرا، فهؤلاء قطعوا الفيافى والقفار، وليسوا على مقربة من ديارهم حتى ينالوا منها ما يحتاجون إليه.
فساقهم الله تعالى إلى هوازن، وساق هوازن إليهم، وقذف الله تعالى إلى قلب قائدها مالك بن عوف أن يخرج بمال هوازن جميعه ونسائهم ليقوى الجيش وتجرى فيه الحماسة دفاعا عنهم، فلم يغن عنهم من ذلك شىء، وساق الله تعالى بذلك سبيا كثيرا، ومالهم كله، فأخذ جيش الإسلام المال كله، ووزعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بما أراه الله.
стр. 914
أحكام شرعية في غزوة حنين
العارية المضمونة:
٦٢٨- جاء فى أول غزوة حنين أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم علم أن عند صفوان بن أمية عارية فأعار الجيش الإسلامى دروعا وأسلحة، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم تعهد بضمانها، وقال:
عارية مضمونة، أفمؤدى هذا الضمان أن يردها عليه، ولا يغتال لها الجيش الإسلامى، أم المراد أنها واجبة الإرجاع بقيمتها إن تلفت، أو نحو ذلك.
اختلفت أنظار الفقهاء فى فهم ذلك.
وخلاصتها أن الفقهاء أجمعوا على أن الإعارة فى يد المستعير كالوديعة لا تضمن إلا إذا تلفت بالتقصير فى الحفظ، أو استعمالها فى غير ما أعيرت له، فإن ذلك يكون تعديا، والتعدى يوجب الضمان، ولأن الإعارة تبرع، والتبرعات لا تضمن إن تلفت إذا كان التلف بالاستعمال الذى أعيرت له.
وإن الشافعى ﵀ قال إن الشروط الظاهرة فى العقود توفى كما نص عليها، فالعارية تقبل الضمان إذا اشترط الضمان، وتكون مضمونة بالشرط، ولا تكون كالغصب لأن الغصب مضمون بالتلف دائما، لأن اليد فيه يد معتدية، وهى توجب الضمان عند التلف.
أما العارية فالأصل أنها تكون أمانة فى يد من أخذها، إذ لا يكون اعتداء، ولكن يجوز أن يتفق الطرفان على الضمان، وخصوصا إذا كانت الإعارة لأمر يكون مظنة التلف كأسلحة الحرب، أو طاحونة للإدارة؛ فإن التلف يكون مظنونا وقريبا.
وقال أبو حنيفة ومالك وبعض جمهور الفقهاء: إن العارية لا تضمن ولو بالشرط، لأن ذلك قلب لحقيقة معناها، إذ هى وديعة فى معناها، والوديعة لا تضمن، فهى لا تضمن، ولكن يجب أن يلاحظ أن ثمة فرقا بين الوديعة والعارية، فالعارية تستعمل بإذن المالك، والوديعة لا تستعمل، بل استعمالها بغير إذن صاحبها، يخرج من معنى الوديعة إلى معنى آخر، وهو العارية، وبغير إذن المالك تتحول اليد إلى يد معتدية.
وإن أولئك الفقهاء الذين قالوا: إن العارية لا تكون مضمونة، قالوا إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يرد الضمان برد العين، أو بقيمتها إن تلفت إنما أراد أنها مؤداة أى مضمون أن تعاد إلى صاحبها إن سلمت، فإن تلفت لا يتصور ضمان قيمتها، وذلك لأن العبارة رويت عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأنه قال مؤادة فى بعض الروايات، فهذا يدل على أن المراد من كلمة مضمونة فى الرواية الأولى أن
стр. 915
تكون مؤداة، والضمان على الأداء، لا على التلف، ولأن كلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان إجابة لصفوان، إذ قال للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أغصبا يا محمد. فتضمن كلام صفوان الاستفهام عن أن تغتصب عينها، فكانت إجابة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليها مؤداة، أننا لا نغتصبها، بل نأخذها على أنها عارية ترد، فكان الأقرب أن تفسر بأنها مردودة أو مؤداة، لأن السؤال لم يكن عن الوصف، بل كان عن أصل الأخذ عن العين بالرضا أو بالكره، وعن نوعه أعلى وجه الملكية أم على وجه العارية.
وفوق أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وصف الضمان بأنه للعين ولا يتصور ذلك إلا بردها ذاتها فليس الكلام فى ضمانها إذا تلفت بأداء قيمتها ولهذا كان الواضح هو ضمان ردها.
وفى أحكام الإتلاف فى الحرب، أنه يجوز إتلاف كل ما يكون إتلافه مضعفا للعدو، إذا كان موضوع ذلك أداة من أدوات الحرب يملكونها، كما يجوز قتل الحيوان الذى يركب فى الحرب، فقد عقر على كرم الله وجهه الجمل الذى كان يركبه من اتخذ رمحه كاللواء، يقتل بالرمح إن وجد من يقتله، ثم يرفع الرمح من بعد ذلك كاللواء، فجاء على وضرب الجمل، فسقط الرجل فتلقاه بعض الأنصار فقتله.
وهذا يدل على أنه يباح من إتلاف الحيوان ما يكون أداة حرب، ولا يعد ذلك تعذيبا للحيوان بقطع طرف من أطرافه فى ميدان القتال.
عطاء المؤلفة قلوبهم من غنيمة هوازن
٦٢٩- للمؤلفة قلوبهم حق فى الزكاة يثبت بقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة- ٦٠) .
هذا سهم مقرر فى الزكاة، وهو ينفق فى سبيل تأليف القلوب، لتؤمن ويؤمن قومها من ورائها، ولإيواء من يسلم فيجرد من ماله أو يقطع من أهله، فيعان، ولذلك قرر بعض العلماء أن يصرف سهم للمؤلفة قلوبهم فى الدعوة الإسلامية.
ولذلك جعل له سهم قائم فى الزكاة، ليكون لهم مورد دائم مستمر، فلا يقتصر على أن يكون موردها الغنائم التى ليس لها صفة الدوام.