← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

موجدة الأنصار ٦٢٦- روى ابن إسحاق بسنده عن أبى سعيد الخدرى قال: لما أعطى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما أعطى من العطايا الكبار فى قريش، وفى قبائل العرب، ولم يكن فى الأنصار منها شيء، وجد هذا الحى من الأنصار فى أنفسهم، حتى قال قائلهم، لقى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحى من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم، لما صنعت فى هذا الذى أصبت، قسمت فى قومك وأعطيت عطايا عظيمة فى قبائل العرب، ولم يكن فى هذا الحى من الأنصار منها شيء. قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: فأين أنت من ذلك يا سعد. قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومى. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة. فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردوا، فلما اجتمعوا أتى سعد فقال قد اجتمع لك هذا الحى من الأنصار. فأتاهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ووقف فيهم خطيبا، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتنى، وموجدة وجدتموها فى أنفسكم، ألم آتكم ضلالا، فهداكم الله بى. وعالة فأغناكم الله بى، وأعداء فألف بين قلوبكم!! قالوا: لله ورسوله المن والفضل، ثم قال صلى الله تعالى عليه وسلم: ألا تجيبونى معشر الأنصار، قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أما والله لو قلتم، لصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فاويناك، وعائلا فواسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم من لعاعة من الدنيا، تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى رحالكم، فوالذى نفس محمد بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وواديا، وسلك الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار، والناس دثار لهم، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. قال أبو سعيد الخدرى: فبكوا حتى أخضلوا لحاهم. وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا» . وإن الموجدة التى وجدوها، ربما كان من أسبابها أنهم وجدوا أبا سفيان الذى قاتلوه أخذ العطايا العظيمة هو وابناه، وهم الذين قاتلوهم مجاهدين فى سبيل الله.

стр. 912

ولقد دعا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالرحمة لأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار فحقت عليهم الرحمة والرضا من الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم. وكان من أبناء المؤلفة قلوبهم من سبوا نساء الأنصار وأبناء الأنصار فى واقعة الحرة، فلعنه الله تعالى، ولعن من مكنه. الشفاعة في الغنائم بعد توزيعها ٦٢٧- مكث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بضع عشرة ليلة لا يوزع الغنائم، رجاء أن يسلموا، أو رجاء أن يطلبوها على عهد يتعهدونه، ورجاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ليس رجاء محارب إنما هو رجاء هاد مرشد، يريد القلوب ولا يريد الحروب لذاتها. ولما وزعها ﵊، جاء إليه صلى الله تعالى عليه وسلم وفد من هوازن من أربعة عشر رجلا، وعلى رأسهم عم رضاعى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. جاؤا إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد فرغت أيديهم من أموالهم بسبب حمق مالك بن عوف، وعدم طاعته لصاحب الخبرة من قومه، ورأوا نساءهم سبايا. جاؤا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وسألوه أن يمن عليهم بالسبى والأموال، أى يرد عليهم كل ما أخذ منهم. ويظهر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يميل إلى أن يرد السبايا، ولا يرد الأموال، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم لهم: إن معى من ترون، وإن أحب الحديث إلى أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم، قالوا ما كنا نعدل بالأحساب شيئا. فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إذا صليت الغداة، فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المؤمنين، ونستشفع بالمؤمنين على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرد سبينا» . فلما صلى الغداة قاموا فقالوا ذلك. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب، فهو لكم، وسأسأل الناس. فقال المهاجرون والأنصار، ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا.

стр. 913

وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال العباس بن مرداس لقومه: وهنتمونى. وهنا نجد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الحر الكريم المحب للحرية يبين أنه يريد تحرير السبى، فيقول صلى الله تعالى عليه وسلم «إن هؤلاء القوم، قد جاؤا مسلمين، وقد كنت استأنيت سبيهم، وقد خيرتهم، فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان منكم عنده منهن شيء فطابت نفسه، فبسبيل ذلك. ومن أحب أن يتمسك بحقه، فليرد عليهم، وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا» فدى بذلك كل السبايا من مال المؤمنين، وقد طابت نفوس الناس بذلك وقالوا قد طيبنا رسول الله. واتجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من بعد ذلك إلى تعرف من رضى ومن لم يرض، وقال: ارجعوا حتى يرفع إلينا وفاؤكم أمركم، فتفرقوا، وردوا النساء والأبناء ولم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت إليه من السبى، ثم ردها من بعد. وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رد السبايا مكرمات، وكساهن كسوة كريمة، فكساهن من القباطى، وأعطى كل واحدة منهن قبطية، ولسان حاله يقول رحمة: مغلوبين مكرمين. وقبل أن ننتهى من الكلام فى الغنائم ومالها، وهى غنائم هوازن نذكر حكمة الله تعالى فيها ورعايته لجيش الإسلام، وحمايته من الضياع. ذلك أن فتح مكة المكرمة لم ينل فيه المسلمون شيئا من الغنائم، فما أفاء الله تعالى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين بشيء منها تكريما لها، وحماية لأموالها، فجاؤا إليه غير فاتحين بل جاؤا طائفين ساعين بين الصفا والمروة، وإن لم يحرموا إحرام عمرة. ولكنه جيش جرار، يضم عشرة آلاف جاؤا من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، فلا بد أن يحتاجوا ما يمون جيشا كبيرا، فهؤلاء قطعوا الفيافى والقفار، وليسوا على مقربة من ديارهم حتى ينالوا منها ما يحتاجون إليه. فساقهم الله تعالى إلى هوازن، وساق هوازن إليهم، وقذف الله تعالى إلى قلب قائدها مالك بن عوف أن يخرج بمال هوازن جميعه ونسائهم ليقوى الجيش وتجرى فيه الحماسة دفاعا عنهم، فلم يغن عنهم من ذلك شىء، وساق الله تعالى بذلك سبيا كثيرا، ومالهم كله، فأخذ جيش الإسلام المال كله، ووزعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بما أراه الله.

стр. 914

أحكام شرعية في غزوة حنين العارية المضمونة: ٦٢٨- جاء فى أول غزوة حنين أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم علم أن عند صفوان بن أمية عارية فأعار الجيش الإسلامى دروعا وأسلحة، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم تعهد بضمانها، وقال: عارية مضمونة، أفمؤدى هذا الضمان أن يردها عليه، ولا يغتال لها الجيش الإسلامى، أم المراد أنها واجبة الإرجاع بقيمتها إن تلفت، أو نحو ذلك. اختلفت أنظار الفقهاء فى فهم ذلك. وخلاصتها أن الفقهاء أجمعوا على أن الإعارة فى يد المستعير كالوديعة لا تضمن إلا إذا تلفت بالتقصير فى الحفظ، أو استعمالها فى غير ما أعيرت له، فإن ذلك يكون تعديا، والتعدى يوجب الضمان، ولأن الإعارة تبرع، والتبرعات لا تضمن إن تلفت إذا كان التلف بالاستعمال الذى أعيرت له. وإن الشافعى ﵀ قال إن الشروط الظاهرة فى العقود توفى كما نص عليها، فالعارية تقبل الضمان إذا اشترط الضمان، وتكون مضمونة بالشرط، ولا تكون كالغصب لأن الغصب مضمون بالتلف دائما، لأن اليد فيه يد معتدية، وهى توجب الضمان عند التلف. أما العارية فالأصل أنها تكون أمانة فى يد من أخذها، إذ لا يكون اعتداء، ولكن يجوز أن يتفق الطرفان على الضمان، وخصوصا إذا كانت الإعارة لأمر يكون مظنة التلف كأسلحة الحرب، أو طاحونة للإدارة؛ فإن التلف يكون مظنونا وقريبا. وقال أبو حنيفة ومالك وبعض جمهور الفقهاء: إن العارية لا تضمن ولو بالشرط، لأن ذلك قلب لحقيقة معناها، إذ هى وديعة فى معناها، والوديعة لا تضمن، فهى لا تضمن، ولكن يجب أن يلاحظ أن ثمة فرقا بين الوديعة والعارية، فالعارية تستعمل بإذن المالك، والوديعة لا تستعمل، بل استعمالها بغير إذن صاحبها، يخرج من معنى الوديعة إلى معنى آخر، وهو العارية، وبغير إذن المالك تتحول اليد إلى يد معتدية. وإن أولئك الفقهاء الذين قالوا: إن العارية لا تكون مضمونة، قالوا إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يرد الضمان برد العين، أو بقيمتها إن تلفت إنما أراد أنها مؤداة أى مضمون أن تعاد إلى صاحبها إن سلمت، فإن تلفت لا يتصور ضمان قيمتها، وذلك لأن العبارة رويت عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأنه قال مؤادة فى بعض الروايات، فهذا يدل على أن المراد من كلمة مضمونة فى الرواية الأولى أن

стр. 915

تكون مؤداة، والضمان على الأداء، لا على التلف، ولأن كلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان إجابة لصفوان، إذ قال للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أغصبا يا محمد. فتضمن كلام صفوان الاستفهام عن أن تغتصب عينها، فكانت إجابة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليها مؤداة، أننا لا نغتصبها، بل نأخذها على أنها عارية ترد، فكان الأقرب أن تفسر بأنها مردودة أو مؤداة، لأن السؤال لم يكن عن الوصف، بل كان عن أصل الأخذ عن العين بالرضا أو بالكره، وعن نوعه أعلى وجه الملكية أم على وجه العارية. وفوق أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وصف الضمان بأنه للعين ولا يتصور ذلك إلا بردها ذاتها فليس الكلام فى ضمانها إذا تلفت بأداء قيمتها ولهذا كان الواضح هو ضمان ردها. وفى أحكام الإتلاف فى الحرب، أنه يجوز إتلاف كل ما يكون إتلافه مضعفا للعدو، إذا كان موضوع ذلك أداة من أدوات الحرب يملكونها، كما يجوز قتل الحيوان الذى يركب فى الحرب، فقد عقر على كرم الله وجهه الجمل الذى كان يركبه من اتخذ رمحه كاللواء، يقتل بالرمح إن وجد من يقتله، ثم يرفع الرمح من بعد ذلك كاللواء، فجاء على وضرب الجمل، فسقط الرجل فتلقاه بعض الأنصار فقتله. وهذا يدل على أنه يباح من إتلاف الحيوان ما يكون أداة حرب، ولا يعد ذلك تعذيبا للحيوان بقطع طرف من أطرافه فى ميدان القتال. عطاء المؤلفة قلوبهم من غنيمة هوازن ٦٢٩- للمؤلفة قلوبهم حق فى الزكاة يثبت بقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة- ٦٠) . هذا سهم مقرر فى الزكاة، وهو ينفق فى سبيل تأليف القلوب، لتؤمن ويؤمن قومها من ورائها، ولإيواء من يسلم فيجرد من ماله أو يقطع من أهله، فيعان، ولذلك قرر بعض العلماء أن يصرف سهم للمؤلفة قلوبهم فى الدعوة الإسلامية. ولذلك جعل له سهم قائم فى الزكاة، ليكون لهم مورد دائم مستمر، فلا يقتصر على أن يكون موردها الغنائم التى ليس لها صفة الدوام.

стр. 916

والعطاء الذى أعطيه المؤلفة قلوبهم أهو من الخمس الذى وضع تحت تصرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لنفسه ولذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الذى نص عليه فى قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأنفال- ٤١) .. أكان عطاء المؤلفة قلوبهم من هذا الخمس؟ أم كان من أربعة الأخماس العامة؟ قال الشافعى ومالك رحمهما الله تعالى: هو من الخمس الذى يخص النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأربعة الأخماس قد وزعت على المحاربين ولأن أربعة الأخماس صارت حقا للفاتحين، ولا يؤخذ شيء من صاحب حق إلا بعد استئذانه، ولم يستأذنهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم تكن هذه العطايا من كل الخمس الذى كان تحت تصرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأنه مقسم على خمسة أحدها للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ ذلك من نصيبه هو. ويرى الإمام أحمد أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عد ما أخذه هؤلاء من الأنفال وهى لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكما قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ (الأنفال: ١) . وكأن الغنائم لا تقسم ابتداء، وليست حقا ثابتا للفاتحين بمجرد الفتح وإنما هى حق لهم بعد أن ينفل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما يرى نفله تقوية للدعوة، وتأليفا للقلوب وتقريب البعيد، وأنه يجب أن يعلم أن الحروب فى الإسلام ما كانت لجمع الغنائم وإنما كانت لدفع الاعتداء وفتح الطريق أمام الدعوة، فما يكون للدعوة بتأليف القلوب أجدى من غيره، وأن الأنفال يكون التصرف فيها قبل توزيع الغنائم، إنما الغنائم بعد الأنفال والأنفال يكون التصرف فيها لمصلحة الدعوة الإسلامية. وعلى هذا يكون الذى أعطاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من الأنفال، فهل يكون لغيره من أمراء المسلمين وأئمتهم؟ ونقول فى الإجابة عن ذلك، إن ذلك يجوز إن كانوا كأبى بكر وعمر وعلى، وعمر بن عبد العزيز فلهم ذلك، لأن عدالتهم ودينهم يمنعانهم من أن يتخذوا أنفالا لغير المصلحة الحقيقية التى تعود إلى مصالح الإسلام والمسلمين، والدعوة الحق إلى الله ورسوله ﵊، وغير هؤلاء الذين يكونون على غير ما هم عليه من العدل، والإيمان، يتخذون ذلك لهواهم، وتقريب الصديق، وإبعاد المستحق.

стр. 917

وما قرره أحمد وعلماء السنة من أن ذلك كان قبل التخميس، يؤيده ما جاء على ألسنة الأنصار من الموجدة والمعتبة، لأن هذا العطاء لأبى سفيان وولديه، وقد كان ينقص من أنصبة المستحقين فى أربعة أخماس الغنيمة، ولكن إيمانهم مكنهم من أن يعرفوا مقصد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. تبادل الرقيق بالحيوان ٦٣٠- عندما اتجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى السبايا من هوازن إلى أهليهم، بعد أن دخلوا فى الإسلام، وكان العدد كثيرا، أربعة آلاف، أطلق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من فى يده وبنى عبد المطلب من السبايا، وعرض على المؤمنين أن يفعل ما فعلوا، فرضى باتباعه المهاجرون الأولون والأنصار، وغيرهم ممن لم يرتضوا بإجازة ما أجاز النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم طلب إليهم إطلاق سراح النساء والأبناء على أن يكون لكل رقبة من السبايا ستة نوق مما يجيء فى المستقبل من غنائم، فرضوا جميعا إلا عيينة بن حصن فقد أبى حتى هذا وتلكأ، ثم رضى بأن يطلق سراح عجوز كانت عنده، ولم يكن عنده غيرها، فهل كان هذا الذى فعله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم معاوضة؟. لقد تكلموا فى هذا فبنوا عليه النظر فى أمرين: أولهما: جواز بيع الحيوان بالحيوان مع التفاضل فى القدر والنسيئة، كما يجوز بيع الرقيق بالحيوان، أو شراء الرقيق بالحيوان. وثانيهما: جواز التأجيل إلى أجل غير معلوم، إذ أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد قرر أنه يعطيهم عن كل رقبة من السبايا الستة من النوق فى الغنائم المقبلة. أما بالنسبة للأمر الأول، فقد قالوا- إنه يجوز بيع الحيوانات بعضها ببعض متفاضلا ولا يشترط التسليم، ومنع ذلك بعض الفقهاء على أنه من ربا البيوع التى لا يجوز فيها التفاضل عند اتحاد الجنس، ويجب القبض مع جواز التفاضل عند اختلاف الجنس لأنها مضمونات، ولقد أخذوا هذا من آثار. وأما تأجيل أحد العوضين إلى أجل غير مسمى، ولا معين، فقد أجازه أحمد بن حنبل وطائفة من علماء السنة إذا تراضى عليه الطرفان، إذ لا محذور فى ذلك، ولا عذر، وكل منهما قد دخل على بصيرة ورضا.

стр. 918

وقال أبو حنيفة إن ذلك يفضى إلى المنازعة، وإن كل ما يؤدى إلى المنازعة يكون باطلا. وإن تخريج عمل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أنه بيع فيه نظر، فلم تكن مقايضة بين القائمين وبين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إنما كان هناك عتق فى نظير مال، فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم طلب إليهم أن يطلقوا ما فى أيديهم من السبايا، وأن يعوضهم عن هذا العتق بمال تكون قيمته هى قيمة من أعتقوهم فى نظر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقد ارتضوا ما قدر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فهو عتق بشرط وليس ببيع. وإن العتق هو تبرع مالك الرقبة للرقبة نفسها، لأن إعطاء الحرية فهو هبة بشرط العوض والهبة (والعتق بالذات) يتسامح فيه بما لا يتسامح فى غيره، وما كان العوض المؤجل ثمنا، حتى تكون جهالته مفضية إلى المنازعة، إنما هو عوض فى عتق فلا يؤدى إلى التنازع، ولذلك نقول إنه ما كان ثمة حاجة إلى مناقشة كونه ربويا، أو غير ربوى، وكون التأجيل إلى أجل مجهول جائز أو غير جائز، فإن تصرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعيد عن ذلك كل البعد. غزوة الطائف ٦٣١- تتبع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هوازن حيثما سارت سار وراءها، سار وراءها إلى أوطاس، إذ دخلتها هوازن وتحصنت بها ثم ساروا إلى الطائف، وهى ذات حصون قوية، وهم أشداء، ورماة، فسار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فلما علموا بمسيره تحصنوا بحصونهم، وجمعوا طعاما وزادا يكفيهم سنة، بحيث يصبرون إذا طال الحصار عليهم، فيجهد أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولا يجهدون، وهم فى حصونهم يرمون ولا ينالون، فيقتلون ولا يقتلون. والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما اتجه إلى حصونهم أشار عليه سلمان الفارسى بالمنجنيق يرمى بها حصونهم، فيأتيها من قواعدها، فتنهار قوة تحصينهم. وصنع لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم دبابات من خشب تقتحم عليهم حصونهم. مضى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم إلى حصون الطائف، فرموا جيش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وصار النبل ينزل على المؤمنين كأنه جراد، فقتل من المسلمين عدد قيل إنه بلغ اثنى عشر شهيدا أو يزيد، فاوى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى مكان بعيد عن مرمى النبل، ولكنه يريد أن يعرف حالهم فى الداخل.

стр. 919

فنادى منادى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، من خرج منهم، ودخل جيش المسلمين من العبيد، فهم أحرار. فخرج نفر من العبيد، ونالوا حريتهم بحكم الشرع، وبحكم ذلك النداء المحمدى الحر الكريم، ولقد تعرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أحوالهم وعلم أن عندهم الزاد الذى يكفيهم سنة. وأخذ ﵊ يعمل على أن يخرجوا من الحصون مختارين فأمر بالنخيل أن يقطع، وبالكرم أن تجتث- فرأوا أن ذلك ضياع لثروتهم، وقالوا ما يكون لنا إن قطعت كرومنا ونخلنا، وقال مناد من بنى ثقيف قد بعثوه يقول، لا تفسدوا الأموال، فإنها لنا أو لكم. هز ذلك نفوسهم، وأضعف عزيمتهم، وخصوصا أن عبيدهم أخذوا يتركونهم، وكان العبد الذى ينال الحرية يدفعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بعض المسلمين يعولونه، حتى ينال خيرا فى حريته، واستمروا يقاومون مع ضعضعة نفوسهم والمسلمين ينالون من حصونهم، حتى إنهم ليحمون الحديد، يرمونه على الدبابات الخشبية، ليحرقوها، ويخرجوا الرجال من تحتها. وقد كان بين الطائف وقريش رحم ومصاهرة. ولذلك تقدم ناس من قريش لثقيف يمنعونهم من المطاولة، فالنتيجة ليست لهم، وإن العاقبة للمتقين. تقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يطالبون ثقيفا بأن تؤمنهم ليتمكنوا من كلامهم، وقد لانت شكيمة ثقيف، وقبلت التفاهم، فأمنوهما، تقدم أبو سفيان والمغيرة ودعوا نساء من نساء قريش وكنانة ليخرجن إليهما، ولكنهما لم يجبن خشية السبى كما كان لنساء هوازن، منهن آمنة بنت أبى سفيان. فلما أبين عليهما قال لهما الأسود بن مسعود يا أبا سفيان ويا مغيرة ألا أدلكما على خير مما جئتما له، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نازلا بواد يقال له العقيق، قال ابن مسعود هذا: إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء، ولا أشد مؤنة، ولا أبعد عمارة من مال بنى الأسود، وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلماه، فليأخذه لنفسه، أو ليدعنه لله وللرحم فإن بيننا وبينه من القرابة، ما لا يجهل. لأن القوم، وثقيف لا يلينون إلا إذا أرادوا أن يباعدوا بينهم العنف، ويريدوا السلم، ولقد وجدوا أن الحصار عضهم، وإن كانت لديهم المؤن والذخائر، فهو حبس كيفما كانت صورته، وأن جيش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ أموالهم من النخيل والكروم، ويأتى حصونهم من قواعدها وهم لا قبل

стр. 920

لهم، فنادوا محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بالرحم والقرابة، وما كان رسول الله ﷺ أن يصم آذانه عن نداء الرحم والقرابة، وهو الذى يأمر أن يوصل ما أمر الله تعالى بوصله. وقد رأى الإسلام يدخل الطائف من مكة المكرمة وما حولها، وأن بعض بنى ثقيف دخلوا فى الإسلام وأكثرهم مال إليه، وما كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلا هاديا داعيا إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وإن اللين مع من عندهم عنف كثقيف قد يكون سببا فى أن تصغى قلوبهم إلى الإسلام، بينما العنف يعمى قلوبهم ويغلظ أكبادهم ويزيدهم عنادا. فرأى ﵊ استجابة لداعى الرحم الذى أثاروه، والقرابة التى تنادوا بها، والإصلاح فى الأرض أن يرحل، وقد غاب عن المدينة المنورة أكثر من شهرين. وإن ذلك كان فى شوال، وإذا استمر فإنه سيجيء ذو القعدة وهو من الأشهر الحرم، وما كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليقاتل مهاجما فى الأشهر الحرم، التى هى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذى بين جمادى وشعبان. وموقف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان موقف هجوم، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا يخالف أمر الله تعالى باحترام الأشهر الحرم. لذلك أخذ فى الرحيل عائدا إلى المدينة المنورة بعد أن حاصر الطائف سبع عشرة ليلة، وفى رواية سبعا وعشرين ليلة، وقال ابن إسحاق: مكث بضعا وعشرين ليلة. اتخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأهبة فى الرحيل، وذكر أن الله تعالى لم يأذن له فى الطائف، وذكر ذلك لخويلة بنت حكيم بن أمية. فخرجت خويلة وذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فقال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما حديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته. أفلا أؤذن بالرحيل، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بلى، فأذن عمر رضى الله تعالى عنه بالرحيل. رحل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى يثرب عائدا من تلك الرحلة المباركة غير مهزوم ولا مغلوب ولا عاجز، ولكنه قادر ومنفذ لحدود الله، غير مقاتل ولا مهاجم فى الشهر الحرام، مراعيا الرحم والقرابة، وآخذا القوم إلى الإسلام فى رفق وغير غلظة، وخرج من بين ظهرانيهم، ليلقى وفد هوازن وثقيف فى المدينة المنورة بين ظهرانى المسلمين.

стр. 921

ولما ارتحلوا وأخذوا يستقيمون على الطريق بعد هذا الفتح المبين، والنصر المؤزر، قال رسول الله ﷺ : «آيبون عابدون، لربنا حامدون» . وقيل لرسول الله ﷺ : ادع على ثقيف، فقال نبى الرحمة: «اللهم اهد ثقيفا وأت بهم» . ويروى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم اتبعه فى أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة المنورة مسلما، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام فقال له النبى ﷺ : كما يتحدث قومك أنهم قاتلوك. وعرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن فيهم نخوة الامتناع الذى كان فيهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم، وكان حقيقة مجابا مطاعا فيهم، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف عليهم من مكان مرتفع يدعوهم إلى الإسلام رموه بسهم فقتل، فقال رضى الله عنه: كرامة أكرمنى الله تعالى بها، وشهادة ساقها الله تعالى إليّ، فليس فى إلا ما فى الشهداء الذين قتلوا مع النبى ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنونى معهم فدفنوه. ويظهر أن قتلهم عروة، وهو المحبب فيهم، قد أثر فى نفوسهم، وقد رأوا أن العرب قد دخلوا فى طاعة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنهم وحدهم الباقون على عدائه، ولا قبل لهم به، ولا بحرب من حولهم من العرب الذين بايعوا رسول الله ﷺ وأسلموا. لذلك أجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فكلموا عبد بن ياليل، وكان فى سن عروة بن مسعود، وعرضوا عليه ذلك، فأبى أن يجيبهم، وقد رأى ما صنعوه مع عروة، وكانوا هم الذين أرسلوه، كما يحاولون إرساله، فخشى أن يفعل به ما وقع بصاحبه، فقال لهم عبد ياليل: ابعثوا معى وفدا فبعثوا معه ستة، ووصلوا المدينة المنورة، فلقيهم المغيرة بن شعبة، ولنترك الكلام فيما صنعه الوفد، وما قاله الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الكلام فى الوفود من بعد ذلك فى وقتها من الزمان. وإن كلامنا الآن فى وفد ثقيف كلام مبتسر، ذكرناه لنبين أن ترك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غير عاجز، كان لحكمة عالية ألانت قلوبا بعد شماسها، حتى إنه يروى أبو داود: أن العيلة الأحمسى واسمه صخر، أخذ على نفسه عهدا وذمة أن يحمل ثقيفا على مبايعة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الإسلام، وقد استطاع أن يلين قلوبهم وأن ينزلهم على حكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد كتب صخر هذا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول له: «أما بعد فإن ثقيفا قد نزلت على ذلك يا رسول الله، وأنا مقبل بهم، وهم فى خيلى» .

стр. 922

عندما جاء ذلك الكتاب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سر سرورا لا حد له، لأنهم جاؤه مسلمين، ولم تكن حرب تخرب الديار، وأمر بأن ينادى: الصلاة جامعة، فقرأ على المسلمين كتاب صخر، ثم دعا لقبيلة أحمس التى منها صخر هذا، وقال عشر مرات: «اللهم بارك لأحمس فى خيلها ورجالها» . ولقد جاء صخر هذا ببعض ثقيف، ولكن لم يكن هو الوفد الذى جاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد ذكرنا أننا سنتكلم فى وفد ثقيف من بعد عند الكلام فى الوفود فى سنة الوفود. عود إلي غنائم هوازن ٦٣٢- تكلمنا فى توزيع غنائم هوازن، ولعلها كانت أكبر غنائم غنمها من العرب، أو لعلها تماثل غنائم خيبر أو تقاربها، وفعلنا ذلك عقب هزيمة هوازن، ولكن لم نسر سيرا زمانيا، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يوزعها إلا بعد الانتهاء من حرب الطائف، فلم ننتظر حتى يجيء الزمان الذى وزعها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيه، بل ذكرنا توزيعها فور الانتهاء منها. والآن نبين زمان التوزيع، وإن كان متأخرا عن الغزوة لرأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد ذكرنا ما أعطاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المؤلفة قلوبهم، ولم يكن فى المؤلفة قلوبهم أحد من بنى عبد المطلب قط، فلم يكن فيهم العباس، ولا أولاد الحارث بن عبد المطلب ولا غيرهم ممن ثبتوا مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هم وأبو بكر وعمر ولم يثبت أحد غيرهم، ولم يجد أحد من المهاجرين فى نفسه شيئا، لأنهم يريدون عز الإسلام، ولا يريدون مالا ولا نسبا بل يريدون عزة الإسلام، فلم يجد فى نفسه أبو عبيدة، ولا عبد الرحمن بن عوف، ولا غير هؤلاء. ولكن وجد الأنصار فى أنفسهم موجدة لا من أجل المال، ولكنهم حسبوا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، نسيهم بقومه إذ التقى بهم، فقد كان الأنصار الذين آووا ونصروا لا يريدون المال، ولكن يريدون الرسول ﵊ ذاته، يريدونه هم والمهاجرون، يريدون بقاء محبته لهم. هؤلاء الأنصار كانوا أطهارا حتى فى موجدتهم، ولكن وجد ناس ليسوا مهاجرين ولا أنصارا، وليست الدعوة الإسلامية فى حسابهم، ولا تأليف القلوب التى لا يدخلها الإيمان فى نفوسهم قد تكلموا فى هذا ناكرين مما يدل على أنهم لم يكونوا أنصارا بل كانوا منافقين، وعدهم القرآن الكريم منهم. لقد أعطى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المؤلفة، فقام ذو الخويصرة من بنى تميم، فقال للنبى ﷺ : يا محمد لقد رأيت ما صنعت فى هذا اليوم، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه

стр. 923

وسلم: فما رأيت؟ قال: لم أرك عدلت- فغضب النبى ﷺ ولكنها غضبة الرفيق الحكيم، فقال: ويحك إذا لم يكن العدل عندى، فعند من يكون؟. فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله؟ فقال الهادى الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم: دعوه فإنه سيكون له شيعة، يتعسفون فى الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية. وإن قائل هذا القول لا يمكن أن يكون مؤمنا، كما يبدو من لحن قوله فهو يقول فى ندائه للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله: يا محمد، ولم يقل يا رسول الله ﵊، وكذلك قال قوله واحد مثله، فقد رأى بلالا فى ثوبه مال يوزعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقال اعدل يا محمد فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «ويلك من يعدل إذا لم أكن أعدل، لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل» . فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، أفأقتل هذا الرجل؟ فقال الرسول الحكيم صلى الله تعالى عليه وسلم «معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية» . ولقد بلغه أن بعض الناس عندما أعطى رسول الله المؤلفة قلوبهم قال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: «رحم الله تعالى موسى، لقد أوذى بأكثر من ذلك» وهذه إشارة إلى قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا، وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً. وأن هؤلاء أساس كلامهم، وإن كنت أحسب أنهم جميعا لم يدخل الإيمان قلوبهم، وهم من الأعراب الذين قال الله فيهم: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً، وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (التوبة: ٩٧) . لقد فهموا خطأ طواعية لأهوائهم ومطامعهم، أن كل من حضر القتال له حق فيها يساوى غيره ممن حضروا، وظنوا أن هذه المساواة عادلة، وأخطأوا إذ أن المساواة قد تكون ظلما، فالمساواة بين العامل المجاهد، ومن وقف ينتظر النتيجة تكون لأى الفريقين تكون ظلما. وفهموا خطأ أن الذين يحضرون الحرب فى الغنيمة لهم حقوق، وأن من يحول بينهم وبين ما زعموه حقا لهم يكون قد ظلمهم، وتلك أوهام قد أوجدتها المطالع، وهى باطلة، إن النبى صلى الله تعالى

стр. 924

عليه وسلم قد وضع الله تحت تصرفه خمس الغنيمة، والغنائم كلها تحت تصرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، يقيم القسطاس والعدل والرحمة فيها، ألم تره عندما رأى الرحمة ونظام الإسلام أن ترد السبايا إلى أهلهن، وأن يطلق سراحهن نفذ ذلك، وقد صارت السبايا إلى من هى فى أيديهن، فنزعها منهم بحكمته، قدمها المؤمنون طوعا واختيارا واتباعا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ونفذها على بنى عبد المطلب، ولم يحاول أن يأخذ بغير رضا منهم ومن امتنع من المسلمين الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم حملهم على رد السبايا وعوضهم. فالغنائم كلها فى يده يتصرف فيها بما توجب النبوة والدعوة الإسلامية، والرحمة والعدل الإسلامى، لا طلب الأهواء الذى هو الظلم ذاته. لقد وجد أن الدعوة الإسلامية توجب تأليف قلوب، لهم فى قومهم منزلة وليس لهم فى الإسلام جهاد ولم يدخل الإيمان قلوبهم، وقد أكلتهم الضغينة وقتل الجهاد والمجاهدون من قتل منهم، ويريد تأليفهم إلى الإسلام، ونسيان الإحن، فأعطى أبا سفيان وأولاده، وأعطى الأقرع بن حابس وغيره. لقد قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أعطيت الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وتركت جعيل بن سراقة الضمرى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مبينا سبب العطاء، وهو لم يمنع أحدا حقا له: «أما والذى نفس محمد بيده لجعيل خير من مثل عيينة والأقرع، ولكن تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة لإسلامه» . هذا هو أساس العطاء، وهؤلاء نظروا إلى الأموال، ولم ينظروا إلى واجب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى نشر الدعوة، وما يراه طريقا لتأليف القلوب. وإن قوله تعالي: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ، فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (التوبة- ٥٨) فهذه الآية نزلت فى المنافقين، والذين اعترضوا كانوا من الأعراب الذين هم أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً، وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (التوبة- ٩٧) . وما كان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ليخضع فى أمر الدعوة ومقتضياتها لناس حديثى عهد بجاهلية، وحسبه أن يكون معه المهاجرون والأنصار، والذين أخلصوا دينهم لله .

стр. 925

عمرة الجعرانة ٦٣٣- لم يدخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة عند الفتح محرما لعمرة، بل دخلها فاتحا غير محارب، ويريد الاتصال، ويعيد المودة ويعلن الأخوة بعد طول الافتراق، وإن المودة تجذب القلوب النافرة، وتؤوى العقول الشاردة. ولقد كان طواف فى غير إحرام، ولم تكن مناسك عمرة وتعظيم للبيت. ولما انتهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من الفتح شغل بجذامة وإرضاء قلوبها، ومداواة الجراح التى جرحها خالد بن الوليد. ولما أخذت هوازن تهم بالهجوم على جيش محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كان لا بد من لقائها، فكان اللقاء المرير، ذو النتائج الباهرة، وأتبعها بالطائف، فلما أذن الشهر الحرام بالمجيء عاد إلى الجعرانة وهى ميقات من مواقيت الإحرام، فأحرم منها بالعمرة، ودخل بيت الله معتمرا. وكانت تلك العمرة فى ذى القعدة، وذهب إلى المدينة المنورة لست ليال بقين من ذى القعدة. ولم يحج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هذا العام الثامن بنفسه ولا بأحد ناب عنه، وترك الحج لما كان عليه العرب من قبل. ولكن كان مع المسلمين الذين أرادوا الحج عتاب بن أسيد، فحج بهم. ولكن عندما عاد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة المنورة، ترك أميرا عليها عتاب بن أسيد، وكان سن عتاب كما جاء فى شرح المواهب اللدنية عشرين سنة، فخلفه صلى الله تعالى عليه وسلم فى هذه السن، وكان مباركا فى عمله مخلصا فى نيته، قنوعا فى ذات اليد، لا يطمع، بل يشبع بالقليل. أجرى عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رزقا درهما كل يوم فكان به راضيا، غير متطلع لأكثر منه، وكان يقول داعيا إلى القناعة: «أيها الناس أجاع الله تعالى كبد من جاع على درهم، فقد رزقنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم درهما كل يوم، فليس بى حاجة إلى أحد» . وقد خلف صلى الله تعالى عليه وسلم بعد العمرة معاذ بن جبل الحافظ للقرآن الكريم الراوى للسنة بجوار عتاب بن أسيد، وخلفه ليعلم الإسلام، ويفقههم فى الدين، ويحفظهم القرآن الكريم، فقد

стр. 926

كانوا فى حاجة إلى ذلك، لحداثة عهدهم بالجاهلية، ولم يعيشوا فى ظل القرآن الكريم كأهل المدينة المنورة، بل كانوا يناوئون أهل القرآن الكريم، وإن علم بلغاؤهم مكانته، وأنه يعلو ولا يعلى عليه. وقد عاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الجعرانة بعد عمرته، ولم يمكث بها إلا قليلا، وفيها وزع بقية الفيء والغنائم، ومنها سافر إلى المدينة المنورة حتى بلغها لليال ست بقيت من ذى القعدة. وقد ترك الطائف على شركه، وإن أخذت تميل نحو الاسلام على عنجهية الجاهلية. وكان مالك بن عوف يغير عليها آنا بعد آن، فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أدناه منه وأسلم وحسن إسلامه، فكان من بعد ذلك يرهقها بالغارات ويجيء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بما يدل على أنها تلين إلى الإسلام شيئا فشيئا، حتى لانوا كما سنبين فى وفدهم. قدوم كعب بن زهير ٦٣٤- قدم كعب بن زهير على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد عودته من عمرته، وما كان لنا أن نهتم بما نكتب بشاعر أو كاهن، وما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحتاج إلى داعية يدعو بمفاخره، فرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مقامه عند الله العظيم، وما كان يحتاج إلى شاعر يشيد بمنصبه فرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد دان بالطاعة له كبراء العرب، وغيرهم هو فى مكانته رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذى كان يلقى عليه أبو جهل فرث الجزور، فمكانته عند الله وفى نفسه، وعند كل ذى لب واحدة. ولكنا ذكرناه لأن قدومه يدل على بلوغ الدعوة الإسلامية كل نواحى البلاد العربية قاصيها ودانيها، وإن فتح مكة المكرمة جعل القلوب تتجه إليه، والمنكرين يصدقون، والنافرين يدنون، ويأوون. لقد كان كعب هذا يشارك المنكرين وينشد شعره فى ذم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما ظهر النور الذى لا ينطفيء مال إلى أن يتقدم إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مهديا، بعد أن جافاه، وهو ابن زهير بن أبى سلمى حكيم الشعراء فى الجاهلية، فهو من بيت جاهلى فيه شعر الحكمة. وعندما هم بأن يذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حذره أخوه بجير بن زهير بن أبى سلمى، وكتب إليه يخبره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قتل رجالا بمكة المكرمة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بين شعراء قريش ابن الزبعرى وهبيرة بن أبى وهب، قد هربوا منه فى كل وجه،

стр. 927

فإن كانت فى نفسك حاجة، فسر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تائبا، فإنه لا يقتل أحدا جاء إليه تائبا، وإن أنت لم تفعل، فانج إلى نجاتك من الأرض. وكان قد قال قصيدة فيها ذم للإسلام، وقد أسلم أخوه، وأرسل إليه الكتاب المذكور آنفا. ولما بلغ زهيرا هذا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه من قصيدته، ويقول ابن إسحاق أرجف به من كان فى حاضره من عدوه وقالوا هو مقتول، أى أنهم أرادوا أن يحذروه إيفاده على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذا قال قصيدته التى يمدح فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وذكر فيها خوفه، وإرجاف الوشاة من عدوه. ولقد خرج وقدم المدينة المنورة فنزل على رجل كان يعرفه فغدا به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم أشار به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقم إليه فاستأمنه. فقام إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى جلس إليه، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير جاء يستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه، إن أنا جئتك به، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: نعم- فقال يا رسول الله أنا كعب بن زهير، وكان فى المجلس بعض الأنصار، فوثب عليه رجل منهم، فقال: يا رسول الله دعنى وعدو الله أضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «دعه عنك، فإنه قد جاء تائبا، نازعا مما كان عليه» وغضب كعب على الحى من الأنصار كما يقال، وما يضر غضبه على هؤلاء الذين آووا ونصروا ولم يقل فيه أحد من المهاجرين إلا خيرا. ولقد مدح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقصيدة هزت أعطاف رسول الله ﵊، وكان كريما يقبل طيب القول. ولقد روى أنه قال إن من الشعر لحكمة، ولننشد أبياتا منها، لكرم موضوعها. يقول فى مطلعها: بانت سعاد فقلبى اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول وبعد أن يذكر سعاد وهى كما قيل زوجته، وغربته عنها، يقول متجها إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 928

وقال كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول فقلت خلوا سبيلى لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثي وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ... القرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت في الأقاويل ثم يقول فى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول فى عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا ويقول فى وصف أصحاب الرسول: ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا لا يقع الطعن إلا فى نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل وفى هذه القصيدة لم يذكر الأنصار، لأن رجلا منهم أراد قتله، فيروى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن أنشد قصيدته قال: لولا ذكر الأنصار فإنهم لذلك أهل، فقال مادحا الأنصار: من سره كرم الحياة فلا يزل ... فى مقنب من صالح الأنصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر ... إن الخيار هم بنو الأخيار إلى آخر قصيدة ليست مهلهلة طويلة، بل هى موجزة قصيرة. وإنا نذكر أننا ذكرنا كعب بن زهير لبيان أنه إذا كان الإسلام قد فقد عبد الله بن رواحة شاعر الدعوة الإسلامية والذود عنه وعن الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد جاء الشاعر كعب بن زهير، والشعراء كانوا ألسنة الدعوة إلى المكارم ونشر الفضل والفضلاء فى الجزيرة العربية.

стр. 929

السرايا بعد هوازن ٦٣٥- أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ما كان فى هوازن والطائف يرسل السرايا فى القبائل العربية داعية إلى الإسلام، متعرفة لأحوالها، وكان يشغل بذلك الذين أسلموا حديثا ليألفوا الإسلام، ويتحملوا واجباته، وليحملوا عبء الدعوة إلى الإسلام من بعد، وليكون منهم المجاهدون فى سبيله، وليتعودوا القيام بواجباته، وليرضى نهمتهم من حب السلطان. ولكى ينالوا من الغنائم بالحق ممن تأبوا على الإسلام من القبائل. فأرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عيينة بن حصين فى المحرم من السنة التاسعة إلى بنى تميم، فى خمسين رجلا، ليس فيهم من المهاجرين ولا الأنصار أحد. فسار إليهم يكمن نهارا، ويسير ليلا ليفجأهم من حيث لا يشعرون، فهجم عليهم، وهم يسرحون مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولوا الأدبار، فاستطاع أن يسبى منهم نساء عددهن إحدى وعشرون، وأخذ ثلاثين صبيا وأحد عشر رجلا. ساق هؤلاء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فأنزل فى أحد بيوت المدينة المنورة. وجاء من بعد ذلك كبراء من تميم منهم عطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس بن الحارث، وعمرو بن الأهتم، ورباح. فلما رأوا نساءهم وذراريهم بكوا إليهم. فعجلوا فجاؤا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فنادوا: يا محمد اخرج إلينا فخرج رسول الله ﷺ ، وأذن بلال للصلاة وهؤلاء تعلقوا برسول لله صلى الله تعالى عليه وسلم يكلمونه، فوقف معهم، ثم مضى فصلى الظهر، ثم جلس، ثم قدم فتكلم، فأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس فرد عليهم أسراهم وسباياهم وأبناءهم لأنهم ما كانوا محاربين، ويظهر أنهم كانوا غير مطيعين. وقد قال ابن إسحاق فى ذلك: دخلوا المسجد، ونادوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا محمد اخرج الينا، فتأذى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؛ قالوا جئنا لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا، ويظهر أن ذلك بعد أن استردوا الأسرى والسبايا. ولقد قال الله تعالى فى عدم استئذانهم: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ.

стр. 930

ولقد ذكر ابن إسحاق المباراة البيانية، أو المفاخرة الشعرية والخطابية فروى قول شاعرهم ورد حسان وذكر قول خطيبهم. لقد قال خطيبهم حاجب بن عطارد: «الحمد لله الذى له الفضل علينا، جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل الشرق، وأكثره عددا، وأيسره عدة، فمن مثلنا فى الناس، ألسنا رؤوس الناس، وأولى فضلهم، فمن فاخر، فليعد مثل عددنا، فلو شئنا لأكثرنا من الكلام، ولكن نستحى من الإكثار لما أعطانا، أقول هذا لأن يأتوا بمثل قولنا أو أمر أفضل من أمرنا. فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لثابت بن قيس بن الشماس قم فأجبه، فقام فقال: الحمد لله الذى خلق السموات والأرض، وقضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ثم إن من فضل الله أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسبا وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابا، وائتمنه على خلقه، وكان خيرة الله تعالى من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان بالله، فامن به المهاجرون من قومه وذوى رحمه، أكرم الناس أحسابا وأحسنهم وجوها، وخير الناس فعلا، ثم كان أول الناس استجابة لله حين دعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فنحن أنصار الله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع منه ماله ودمه، ومن سكت جاهدناه فى سبيل الله تعالى أبدا، وكان قتله علينا يسيرا، أقول هذا وأستغفر الله العظيم للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم. فتح النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هذه المباراة البيانية إرضاء لرغبة القول عندهم وليعلمهم أن المفاخرة ليست بالأنساب، ولكن المفاخرة بالإيمان والأعمال الصالحة، والتقوى، وليضرب المثل لهم بقومه، وليقدم لهم الحق سائغا، ولقد قال الزبرقان بن بدر من بعد: إن هذا الرجل خطيبه خير من خطيبنا، وشاعرهم أحسن من شاعرنا، وأقوالهم أعلى من أقوالنا، وقد أعطاهم جوائز، يشبه ما يعطى المؤلفة قلوبهم. سرية الضحاك بن سفيان: ٦٣٦- كانت هذه السرية كأخواتها لتعرف أحوال العرب فى صحرائهم ونشر الإسلام بينهم، وجعل الحبل ممدودا بينه وبينهم من غير أن يقطع، وأرسل فى هذه السرية الضحاك بن ثابت إلى بنى كلاب، وهو منهم، فى ربيع الأول من السنة التاسعة. اتجه إليهم ابن سفيان فدعاهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا فقاتلهم فهزمهم.

стр. 931

سرية قطبة بن عامر: وكانت قبل هذه السرية فى صفر من هذه السنة سرية قطبة بن عامر إلى خثعم فى عشرين رجلا خرجوا على عشرة إبل يتعقبونها، فلما التقوا ببعض بنى خثعم اقتتلوا قتالا شديدا، وكثر الجرحى من الفريقين جميعا وكان فى القتلى قطبة بن عامر، ولكن الجيش بقى بعده، وساق النعم والنساء وعادوا إلى المدينة المنورة بهذه الغنائم. وقد تجمع كثيرون من بنى خثعم وساروا وراءهم، ولكن كان مطر شديد حال بينهم وبين تتبعهم. سرية علقمة بن محرز: ٦٣٧- وكانت فى ربيع الآخر من السنة التاسعة، وذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بلغه أن ناسا من أهل الحبشة ظهروا أمام جدة، وبدا أنهم يريدون الغارة عليهم، فأرسل إليهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فذهبوا إليهم، وطاردوهم، وخاضوا البحر، وراءهم فلجأوا إلى الجزيرة، وقد تعجل قوم فى الأوبة فأذن لهم، وأمر عليهم بعض المتعجلين، وقد أراد أن يداعب من معه فأوقد لهم نارا، وأمرهم بالتواثب عليها، فأراد بعضهم أن ينزل فيها، فرده، وقال: إنما كنت أضحك منهم، ولا شك أن هذا تعابث ما كان يجوز، ولذلك لما عادوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأخبروه الخبر، فقال: «من أمركم بمعصية فلا تطيعوه» . وكدنا لا نصدق ذلك الخبر لولا أنه روى فى الصحيحين عن على بن أبى طالب ما يؤيده، فعن على أنه قال: «بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سرية، واستعمل عليها رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه، فقال: اجمعوا لى حطبا، فجمعوا، فقال أوقدوا نارا ثم قال: «ألم يأمركم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن تسمعوا؟، قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا إنما فررنا الى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من النار، فسكن غضبه، وأطفئت النار، فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا! لا طاعة فى معصية الله، إنما الطاعة فى المعروف. وفى هذه الرواية أن رئيس السرية ركبه الغضب، فعصى الله وعصى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فأمر بما أمر، وإذا أطاعوه فقد أطاعوه فى معصية فعصوا الله، وفيه أن الأمر بالطاعة إنما هو فى

стр. 932

المعروف المعقول لا المنكر عقلا وشرعا، فليعتبر أولئك الذين يقتلون ويرتكبون أشد المنكرات باسم الطاعة، فبذلك تضيع الأمم والجماعات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. سرية على بن أبى طالب لهدم صنم طيئ: ٦٣٨- بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليا فى خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير، وخمسين فرسا ومعه راية سوداء، ولواء أبيض إلى الفلس، وهو صنم طييء ليهدمه، فشنوا الغارة على محلة حاتم، وكان بعث على فى ربيع الثانى سنة تسع من الهجرة. ذهب على بجيشه الأنصارى فهدم الصنم، وكان القتال مع الفجر، وفروا أمام جيش المسلمين بقيادة المجاهد على، وتركوا نساءهم وأموالهم. فسبوا النساء، وأخذوا النعم والشاء وفى السبى أخت عدى بن حاتم أى بنت حاتم الطائى، وفر عدى إلى الشام وكان نصرانيا، وقد وجدوا فى خزانة عدى ثلاثة أسياف، وثلاثة أدرع. وقد أقام عليّ على السبى أبا قتادة، وعلى الماشية والفضة عبد الله بن عتيك وقسم الغنائم فى الطريق، وجعل السقى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يقسم السبايا حتى أتى بهم المدينة المنورة وليس فيهم عدى بن حاتم. ولقد جاءت ابنة حاتم الطائى، فقالت: يا رسول الله لقد غاب الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة ما بى من خدمة فمنّ على منّ الله عليك، إن رأيت أن تخلى عنى، ولا تشمت بنا أحياء العرب فإنى ابنة سيد قومى، وإن أبى كان يحمى الذمار، ويفك العانى، ويشبع الجائع، ويكسو العارى ويقرى الضيف، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طييء. رق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لحالها، وذكر بالخير أباها إيناسا لها، وتخفيفا لفزعها، فقال لها: «يا جارية هذه صفات المؤمنين، ولو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق» . ويروى أنها قالت داعية للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: اللهم لا تجعل حاجتك إلا عند كريم. ولما التقت مع أخيها عدى بن حاتم حثته على الإسلام. فقالت عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها، ائته راغبا أو راهبا، لقد أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه، وبذلك كانت هى السبيل لإسلام أخيها، وتسليم نفسه للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فأتى النبى

стр. 933

صلى الله تعالى عليه وسلم وليس معه كتاب أمان ولا أمان، فقال القوم هذا عدى بن حاتم، وقال عدى فلما دفعت إليه أخذ بيدى وكان قبل ذلك قد قال إنى أرجو أن يجعل الله يده فى يدى. وظهرت أمام عدى أخلاق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ورفقه بالضعفاء، لقد رأى امرأة لقيته ومعها صبى فقالت له إن لنا إليك حاجة فقام معها، حتى قضى حاجتها. ويقول عدى بن حاتم، ثم أخذ بيدى، حتى أتى داره، فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها، وجلست بين يديه، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ما يضرك؟ أيضرك أن تقول: لا إله إلا الله، فهل تعلم من إله سوى الله قلت: لا، ثم تكلم ساعة، ثم قال، أيضرك أن يقال الله أكبر وهل تعلم شيئا أكبر من الله، قلت لا قال فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضالون، فقلت: إنى حنيف مسلم، فرأيت وجهه ينبسط فرحا، ثم أمرنى فنزلت عند رجل من الأنصار وجعلت آتيه طرفى النهار، فبينما أنا عنده إذ جاء قوم فى ثياب من الصوف من هذه الثمار فصلى ثم قام فقال: يا أيها الناس ارضخوا من الفضل ولو بصاع أو بنصف صاع، ولو بقبضة، ولو ببعض قبضة، يقى أحدكم وجهه حر جهنم، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة، فإن أحدكم لاقى الله وقائل له ما أقول لكم، ألم أجعل لك مالا وولدا، فيقول: بلى، فيقول أين ما قدمت لنفسك، فينظر قدامه وبعقبه، وعن يمينه وعن شماله يقى به وجهه نار جهنم، ليق أحدكم وجهه النار، ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة، فإنى لا أخاف عليكم الفاقة فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينة ما بين يثرب والحيرة، وأكثر ما يخاف على مطيتها السرقة. قال عدى بن حاتم: فجعلت أقول لنفسى أين لصوص طيئ. نقلنا هذا الحديث، لنرى أولا: الرفق والتقريب النفسى فى المعاملة والعطف وحث الناس على الأخلاق الطيبة، وذكر ماثر ذوى الأخلاق، حتى خرج الرجل من مجلس الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو أحب الناس إليه وكان من قبل يكرهه أشد ما تكون كراهة الرجل للرجل. وإن هذا الخبر يرى القاريء مجلسا من مجالس النبوة، وإنه لمجلس يهدى إلى الرشد، أجف الناس حلقا، وأبعدهم عن الحق، إذا لم يكتب الله تعالى عليهم الضلالة، ويقربهم من الغواية. والله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم لهما المن والفضل.

стр. 934

غزوة تبوك ٦٣٩- استوعبت الدعوة الإسلامية البلاد العربية، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ومنهم من أسلم، ولما يدخل الإيمان فى قلبه، ومنهم من آمن وأخلص للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وحمل عبء الدعوة وجاهد فى سبيلها، وليس من العرب من لم يعلم بالإسلام، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والحق الذى يدعو إليه، من غير مواناة ولا تقصير. ولا هوادة. ولا بد أن يتجاوز بعد ذلك دائرة البلاد العربية إلى ما يصاقبها، من البلاد المجاورة خصوصا البلاد التى فيها العنصر العربى، فإنها بتكوينها أقرب إلى الاستجابة إلى ما يعم بلاد العرب التى هى مثابتهم، وفيها الحرم الآمن الذى جعله الله آمنا، والناس يتخطفون من حوله. وأخص بذلك بلاد الشام ففيها الغساسنة من العرب، وكان فيها اعتداء على من أسلم وكانت غزوة مؤتة، بسبب قتل رسول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والى بصري. وانتهت مؤتة، ولم تكن بنصر حاسم، وإن لم تكن بهزيمة، فإن جيش الإسلام لم يرجع مهزوما وإنما تراجع منتظما بمهارة خالد بن الوليد، وكانت هذه أول قيادة ناجحة له فى الإسلام. ولم تكن النتيجة على المسلمين، فلم يقتل منهم أمام مائتى ألف إلا نحو اثنا عشر رجلا وقد قتل من الروم مقتلة عظيمة، حتى إنه فى هذه المعركة يطوى فى يد خالد تسعة سيوف، وقتل الأمراء لم يؤثر بالهزيمة فى الجيش الأقل فى عدد. وإن شئت أن تقول إن غزوة تبوك امتداد لغزوة مؤتة فقل، فهى سير فى الخطة التى ابتدأت بها، ولم تنل مأربها من قتل قتلة الرسول الذى بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. ومع أنها امتداد لغزوة مؤتة فى سببها وسيرها، والمقصد، فقد كان لها وحدها سبب قائم بذاته، ذلك أنه باللقاء بين المسلمين وغيرهم من الأنصار ومن معهم من العرب، أوجد الالتحام الحربى بين العرب الذين عاونوا الرومان والعرب المجاهدين مع اتحاد الجنس، من يميل إلى الإسلام لأنه الدين الجديد فى قومهم، وقد صار رمز القوة عندهم، وخير لهم أن يعتزوا بأنفسهم عن أن يعتزوا بالرومان، ففرق بين من يقول أنت أخى، ومن يقول أنت عبدى أو تابعى، ولذلك كان إقبال الخاضعين للغزو الرومانى شديدا لأنه الدين الجديد لإخوانهم، ولاضطراب الدولة الرومانية، واضطراب الأحوال فيها. ولقد أسلم من العرب الذين استعان بهم الرومان عدد كبير.

стр. 935

لقد أسلم فروة بن عمرو الجذامى الذى كان قائدا لإحدى الفرق الرومانية عندما اقتتل الرومان مع المسلمين فى مؤتة. فضاق الرومان ذرعا بإسلامه، واتهموه بالخيانة وقتلوه، وما كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يترك دم هذا الرجل المسلم هدرا، بل لا بد من القصاص، وإن قتله فتنة تمنع غيره من أن يدخل فى الإسلام، فحق أمر الله وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ (البقرة: ١٩٣) وجبت الطاعة لقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً (التوبة: ٩) . قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (التوبة: ٢٩) . وهناك أمر أخر ذكره كتاب السيرة أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا (التوبة: ٢٨) ظن التجار الذين كانوا يقيمون المتاجر فى سوق عكاظ، وذوى المجاز ومجنة، وغيرها من الأسواق فى موسم الحج، ظنوا أن متاجرهم تكسد، فكان لهذا ولغيره غزوة الشام فى تبوك، وفى ذلك فتح لأبواب التجارة. ذلك سبب ذكره كتاب السيرة، وما كنا لنذكره لولا أنهم ذكروه، فما كانت غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لتسهيل تجارة مادية، إنما كانت لتسهيل الدعوة الإسلامية، وإن هذه التجارة لن تبور، بل فيها مكسب أغلى وأعلى، وهو رضا الله . وإن الرومان بعد غزوة مؤتة قد رأوا أن الدين الجديد يغزو النفوس بأحكامه. ويغزو البلاد برجاله، وأنهم يجب أن يعدوا العدة للقضاء عليه قبل أن يقضى على دولتهم، فكانوا يستعدون لغزو الإسلام، وما كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتركهم حتى يغزوه فى داره، فما غزى قوم فى عقر دارهم إلا ذلوا. وقد رأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الروم يجمعون الجموع وأن قيصر قد أعطى أرزاقهم لسنة، وإن فى غزو الرومان تقوية لبأس العرب الخاضعين للرومان فى الشام، إذ يجدونهم يتحفزون لرفع النير عنهم، وإخراجهم من سيطرة من يذلهم، إلى عز قومهم. الحال عند الغزو: ٦٤٠- فى رجب من السنة التاسعة، ويظهر أنه فى آخره أى فى آخر الشهر الحرام، أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الناس بالتهيؤ لحرب الروم الذى قد أعدوا له عدة لحربه، وكان ذلك فى

стр. 936

وقت حر شديد، والنبى ﷺ ما كان يبين للناس اتجاهه إذا خرج لحرب إلا فى تبوك لبعد الشقة، ولعظم المهمة، وليستعد الناس لنوع من الجهاد شاق مرير، فى وقت شديد غليظ إذ كان الحر شديدا، وكانوا يجمعون ثمار حرثهم، وغلالهم، وفى بعض البلاد جدب. وقد طابت ثمار الأرض التى أنتجت، والإرادة المادية عندهم ربما تغالب النية المحتسبة عند بعضهم، ولقد أخذ صلى الله تعالى عليه وسلم يختبر النفوس، والغزوة كلها اختبار للمؤمنين، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما اختار الزمان، إنما اختارته له العناية الإلهية، وإرادة الروم، وقد خاطب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعض الرجال ليعرف ما فى بعض النفوس، قال للجد بن قيس: يا جد، هل لك فى جلاد بنى الأصفر (يريد الروم) . فأجاب إجابة المتردد، غير المعتزم: «أو تأذن لى ولا تفتنى، فو الله لقد عرف أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء منى، وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر لا أصبر» . اعتذار بغلبة هوى النفس عنده على الجهاد، وأنه لا يستطيع جهاد نفسه عن الإثم فهو، يخشى الفتنة وأى فتنة أشد على الرجال من أن يكون عبد هواه، وقد أذن له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه لا جدوى فى رجل لا إرادة له، وإنما هى حرب ضروس تحتاج إلى صبر وجهاد نفسى، فالوصول إلى العدو ليس سهلا، والحر شديد، واللقاء مع عدو كبير. وإن هذه الغزوة كان فيها الناس على أنواع شتى فى نفوسهم. ١- فمنهم من قعدت بهم همتهم، فخلفوا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، واعتذروا بالمعاذير، وهؤلاء يقولون مع المنافقين: وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا، وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (التوبة: ٨١، ٨٢) وهؤلاء منهم ضعفاء الإيمان ومنهم ضعفاء العزيمة وليست لديهم قوة نفسية يتحملون بها الشدائد، ولذلك كان فيهم جزع، وخوف من الإقدام. ٢- ومنهم المنافقون الذين يثبطون، ويريدون الفتنة ويبتغون تثبيط المؤمنين عن المجاهدين، ويقول فيهم: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ، وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ، يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ. وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ

стр. 937

انْبِعاثَهُمْ، فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ، حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (التوبة: ٤٢: ٤٨) . الصنف الثالث أهل الإيمان. وكلهم مجاهد بنفسه وماله، لا يدخرون جهدا ولا مالا، وهم الذين قال الله تعالى فيهم وقرنهم فى الذكر برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (التوبة: ١١٧) . هؤلاء هم الذين حملوا الدور الأول حتى صارت الكلمة العليا لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فى بلاد العرب، فهم أيضا الذين حملوا عبء الجهاد، عندما أخذ الإسلام ينتشر فى غير البلاد العربية، وخرج الجهاد إلى بنى الأصفر (الرومان) الذين كان اسمهم يرهب العرب. ٦٤١- كان على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحتاط من المنافقين وكان على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحرض المؤمنين الذين كانوا معه ويجمع شملهم، وأن يكون بعضهم عونا لبعض فى هذه العسرة الشديدة. أما بالنسبة للمنافقين فإنهم كانوا دائبى الحركة ليثبطوا المؤمنين، وهم يقولون لا تنفروا فى الحر، ليمنعوهم نفسيا من الجهاد، بل وصلت بهم الحال إلى أن يجتمعوا ببعض اليهود يأتمرون معهم. حدث ابن هشام بسنده أن ناسا من المنافقين كانوا يجتمعون فى بيت سويلم اليهودى، وكان بيته فى موضع اسمه جاسوم، يثبطون الناس عن الجهاد، وعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى غزوة تبوك، فبعث إليهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم طلحة بن عبيد الله فى نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم هذا، ففعل طلحة، فاقتحم الضحاك بن خلفة من ظهر البيت، فانكسرت ساقه وأفلت أصحاب البيت. كانت عين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المجاهد تترصد أولئك المثبطين الذين بلغت حالهم، حد التامر، فرد الله كيدهم فى نحورهم. والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يأخذ حذره ممن يثبطون العزائم وهذه المعركة معركة عزائم، وقوة نفوس، وجلد وصبر وقوة احتمال.

стр. 938

كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى ذلك الوقت العصيب يثير عزائم أصحابه، ولا يكتفى بأن يحثهم على الخروج، بل يحثهم على أن يعين بعضهم بعضا، وأن ينفقوا فى الحرب ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، وأنه يحتاج إلى الزاد والراحلة والشقة بعيدة، ولم يكن له اختيار فى الأمان كما ذكرنا بل إنه إذ علم أن الروم يتجمعون لاقتلاع هذا الدين من الأرض العربية، وليستذلوا العرب ويقضوا على منبع العزة فيهم، فما كان له أن ينتظر، بل لا بد أن يبادرهم، ولا ينتظرهم، لقد أراد أن يخرج لهم بأكبر غزوة يغزوها، أن يخرج بثلاثين ألفا، فلا بد أن يكون فى يده ما يغزوهم به، وما يحملهم عليه، ولا يكون معه إلا القوى الأمين. ذكر ابن إسحاق بسنده أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جد فى سفره، وأمر الناس بالجهاد والانكماش (الإسراع) وحض أهل الغنى على النفقة، والحملان فى سبيل الله تعالى فحمل رجال من أهل الغنى، وكان لعثمان ذى النورين الحظ الأكبر من الإنفاق، حتى كاد يحمل الجيش كله. روى الإمام أحمد أن عثمان ابتدأ بألف دينار فصبها فى حجر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال عبد الله بن أحمد فى مسند أبيه بسنده قام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فحث على الإنفاق على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم نزل مرقاة من المنبر، ثم حث، فقال عثمان على مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «ما ضر عثمان عمل بعد هذا» ولقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «من جهز جيش العسرة غفر الله تعالى له» . هؤلاء المؤمنون كان منهم من حمل نفسه وحمل معه زاده كعبد الرحمن بن عوف ومنهم من تبرع بزاد وحملان لغيره كأبى بكر وعمر، وغيرهما من ذوى اليسار من المهاجرين والأنصار. ولكن كان من بين المؤمنين الصادقين البكاؤون، وأولئك أرادوا الجهاد وألا يتخلفوا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى نفير كهذا النفير، الفاصل بين نشر الإيمان فى الأرض وبين أن يقضى عليه فى مهده أهل القوة فيها. كان هؤلاء النفر السبعة الذين سموا البكائين، وقد ذهبوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فاستحملوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأن طلبوا منه ما يحملهم عليه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «لا أجد ما أحملكم عليه» .

стр. 939

ولقد قال الله تعالى فى ذلك الجمع الحاشد: وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ، وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ. رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ، وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ. لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ، وَلا عَلَى الْمَرْضى، وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ، إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ، وَهُمْ أَغْنِياءُ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» (التوبة: ٨٦: ٩٣) . وقبل أن يسير الجيش الكبير كان بعض البكائين من الأنصار الذين لم يجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما يحملهم عليه- وقد وجد من يعينه، فابن يامين بن عمير بن كعب لقى اثنين منهما وهما يبكيان، فقال ما يبكيكما، قالا جئنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه. وإن بعضهم، وهو عطية بن زيد قد أخذ يعتذر إلى الله تعالى عن عدم خروجه، ويقول: «اللهم إنك أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندى ما أتقوى به، ولم تجعل فى يد رسولك ما يحملنى عليه، وإنى أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابنى فيها فى مال أو حد جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس» . المسير ٦٤٢- أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى السير بجيشه الذى بلغ نحو ثلاثين ألفا، وتبعه عبد الله بن أبى مع المنافقين وأهل الريب فلما سار رسول الله ﷺ تخلف، وما كان سيره ثم تخلفه إلا ليخذل المؤمنين ليثير الريب بعمله، كما أثاره بقوله. وقد جعل على المدينة المنورة محمد بن سلمة الأنصارى.

стр. 940

وخلف على بن أبى طالب فى أهله، ويظهر أن هذه تشبه ما خلفه به على الودائع يوم الهجرة، لأن الشقة كانت بعيدة، فاختار رجلا من أهله ليقوم على أهله وأهله، وما كان لعلى أن يكون له بعد أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الخيرة من أمره، بل عليه الطاعة المجردة، ولكن المنافقين الذين من شأنهم أن يثيروا الريب، والإفساد ويسعوا بالنميمة بالأحبة- أشاعوا قالة غير صحيحة أصلا، قالوا: ما خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بن أبى طالب إلا استثقالا له وتخففا منه. فلما أكثروا من القول فى ذلك، أخذ على رضى الله تعالى عنه سلاحه، ثم خرج حتى لحق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو نازل بالجرف فأخبره بما قالوا، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «كذبوا، ولكنى خلفتك لما ورائى فارجع فى أهلى وأهلك، أفلا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى» روى هذا الحديث البخارى ومسلم وأبو داود الطيالسى. وروى الإمام أحمد رضى الله تعالى عنه أن عليا المجاهد، استكثر على نفسه أن يكون ميدان الجهاد متسعا، وفى غزوة كثر فيها التخلف، أن يبقى ولا يحمل سيفه البتار، فقال للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم «يا رسول الله لا تخلفنى فى النساء والصبيان! فقال: يا على أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى» . وإن هذا كان المنتظر من على هذا، فإن المؤمنين المتقين كانوا يتسابقون فى الخروج لأنهم لا يرضون لأنفسهم أن يبقوا فى راحة بين أهليهم والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم يسير فى الصحراء حيث الحر اللافح. قعد أبو خيثمة وله امرأتان عربيتان قد رشتا حول عريشهما الماء لتكونا مع زوجهما فى جو رطيب، فلما رأى ذلك قال: «يكون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الضح والريح والحر. وأبو خيثمة فى ظل بارد، ومكان مهيأ وامرأة حسناء فى حاله مقيم، ما هذا بالنصف، والله لا أدخل عريش واحدة منكما، حتى ألحق برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فهيئالى زادا» ، وأخلف عنه بعض الصحابة فى أهله، وارتحل ناضحا له، وأسرع حتى وصل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم معتمدا على الله تعالى، والناس معه، وبعضهم يقول تخلف فلان، فيقول ﵊: دعوه، فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحنا الله منه، حتى قيل تخلف أبو ذر، وتلوم به بعيره. ولما أبطأ بعير أبى ذر، وهو يريد أن يلحق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، نزل وترك البعير، وتخفف ماشيا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى قارب ركب النبى صلى الله تعالى عليه

стр. 941

وسلم، فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله هذا رجل ماش على الطريق فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «كن أبا ذر» فلما تأمله الناس قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «يرحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده، ويبعث وحده» . وقد مات أبو ذر، وقد نفاه عثمان إلى الربذة، فمات وحيدا حتى عثر به فى الصحراء عبد الله بن مسعود، فدفنه، وبكاه، وقال صدق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. ولقد كانت هذه الغزوة رحلة إسلامية إلى حيث آثار عاد وثمود، فمر بها، ولقد مر بالحجر، فسجى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثوبه على وجهه واستحث راحلته، ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم، إلا وأنتم باكون، خوفا من أن يصيبكم مثل ما أصابهم فهو يدعو إلى الاعتبار بالآثار، لا بمجرد التطواف بالرسوم من غير نظر إلى ما تدل. وبينما المؤمنون سائرون أصابهم عطش شديد ولا ماء يروون به غلتهم، فشكوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فدعا ﵊ واستسقى، فأرسل الله سحابة مملوءة ماء، فأمطرت، وألقت حمولتها، وارتوى الناس، واحتملوا معهم ماء يرويهم عند حاجتهم إلى الماء. ولقد ضلت ناقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخبر عن مكانها وبعث بعض الناس فوجدوها، وقد مضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى لأواء الصحراء وشدتها، والمؤمنون الذين نصحوا لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، يركبون الصعاب وهم حوله يعاونونه، ويشدون من أزره، وكان بعض الذين تخلفوا منهم منافقون لا يكتفون بأن يكونوا مع الخوالف، بل يتهكمون ويسخرون من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن معه من المؤمنين، وهو فى منطلقه إلى تبوك يقولون: أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب، والله لكأننا بكم غدا مقرنين بالحبال يقولون ذلك إرجافا وترهيبا. ولقد بلغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما قالوا، فأتوا إليه يعتذرون بقول قائل إنما كنا نخوض ونلعب، فقال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ (التوبة: ٦٥) . كان ذلك أمر الذين نصحوا لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخلصوا، وهذا الذى ذكرناه شأن الذين رضوا بالقعود، وأولئك يقطعون الفيافى والقفار ليصلوا إلى الغاية التى يتحقق فيها أمر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد وصلوا سالمين وعادوا سالمين.

стр. 942

وصول رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم إلى تبوك وخطبته ٦٤٣- وصل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بجيش الإيمان إلى تبوك من أرض الشام ولم يلق حربا، لأنه لم يجد جندا من جنود الرومان يحاربهم، وقد عقد عقود ذمة مع بعض النصارى، وأرسل سرايا لمن لم يكونوا فى طريقه، وسنشير إليها. والآن نذكر أنه عندما وصل إلى تبوك، وقف بجوار نخلة هناك، وألقى خطبة فيها حكمة النبوة وخلق الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى أجمع الخطب فى الأخلاق، رواها الإمام أحمد رضى الله تعالى عنه، وهذا نص الرواية: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، خطب الناس، وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: ألا تحبون أن أخبركم بخير الناس وشر الناس، إن من خير الناس رجلا عمل فى سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدمه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوى إلى شيء منه. وروى البيهقى بسنده لما أصبح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فحمد الله تعالي، وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس، أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأوثق العرا كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله تعالى، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلال بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتى الجمعة إلا دبرا، ومن الناس من لا يذكر الله تعالى إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله ، وخير ما وقر فى القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المأكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أذرع، والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق،

стр. 943

وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألى على الله تعالى يكذبه، ومن يستغفره يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لى ولأمتى، اللهم اغفر لى ولأمتى، اللهم اغفر لى ولأمتى، قالها ثلاثا، أستغفر الله لى ولكم» هذا الحديث بهذه الخطبة رواه البيهقى، ولكن قال فيه الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب فيه نكارة وفى إسناده ضعف، والله أعلم بالصواب. ولعل روايته مجتمعا هكذا هو الذى كانت فيه النكارة وكان فيه الضعف فى إسناده وذكرناه، لأن أجزاءه لا يمكن أن يكون فيها نكارة، كل واحد منها بمفرده وكله حكم رائعات إن لم تكن حديثا صحيحا فهى فى أجزائها من جوامع الكلم الذى اتصف بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وليس لنا أن نكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونقول عنه ما لم يقل، فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نقل عنه فى حديث متواتر أو شبه متواتر: «من كذب على متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» . ولكنا نقلنا هذا الكلام كما نقله الحافظ البيهقى، وإنه يسعنا ما يسعه والعلم عند الله. نتائج تبوك ٦٤٤- لم نجد فى تبوك معركة حربية، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد ذهب إلى الروم لما علم أنهم يجمعون جيشا، وأنفق قيصر الروم على هذا الجيش رزق عام، سبق به لتتوافر أعطيات الجند، وذلك ليفرض إرادته ونفوذه على العرب كما كان، وقد هزته مؤتة بكثرة القتل فى الرومان وإن انسحب جيش النبوة انسحابا ليس فرارا، وخافوا أن يتبعوه، ولكى يقضى أولئك النصارى على هذا الدين الجديد، الذى يقوض الدولة الرومانية فى الشام على الأقل. ولم يكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لينتظر فى المدينة المنورة، بل إنه يجيء إليه، وقد جاء إليه فى جيش يريد الاستشهاد، فلما علم ذلك هرقل وقواده، وقد ذاق جيشه الذى كان مائتى ألف أمام ثلاثة آلاف تردد فى اللقاء، ويظهر أنه لم يستطع أن يستعين بمن حول الشام من الأعراب كما كان فى مؤتة، ولذلك فض جمعه، ولم يلق المسلمين، فلم يلق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حربا، ولم يكن من نتيجة لتبوك إلا أن أرهب الله الرومان فارتدوا على أدبارهم خاسرين، واقتص النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من انسحاب جيشه بتخاذلهم عن لقائه.

стр. 944

وكان لا بد من منع الفتنة فى الدين الذى تكرر منهم، ولذلك أوصى بإرسال جيش أسامة إليهم، ليعلمهم أن أهل الإيمان لا يسلمون مسلما أو يخذلونه. وإذا لم تكن ثمة نتائج حربية إلا هذه الصورة التى ذكرناها، فقد كانت هناك نتائج أخرى لا تقل آثارها عن النتائج الحربية بل تزيد عليها. أولها: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم علم أحوال القبائل العربية التى تتاخم الشام من صحراء العرب، وألقى فى نفوس أهلها روح العزة الإسلامية لكيلا يكونوا من بعد ذلك للرومان تبعا يضربون بسيوفهم العرب ويكونوا شوكة فى جنب، وليريهم أن الرومان فروا من لقائه، وبذلك يستهينون بالرومان، ويمزقوا نفوذهم، ويستعدوا لينالوا من الرومان، ويضربوهم بالسيوف الإسلامية، كما كان فى واقعة اليرموك من بعد. ثانيها: إن كلمة الإسلام أخذت تتردد فى الشام بين نصارى غسان، فكثر التابع، وقل المانع وعلم أولئك العرب أن المستقبل للإسلام فى تلك الأرض لأنه دين الله ودين الحق الواضح الذى لا ضلال فيه، وأنه الدين المستقيم الذى لا التواء فى معانيه، وبذلك لا يناصرون الرومان، لذلك كانت واقعة اليرموك فى الشام بين الرومان والمسلمين، ولم يكن للعرب دور فيها يعاونون الرومان به. ثالثها: أن الفكر الإسلامى أخذ يتلاقى مع النصارى وتميزت الحقائق الإسلامية لدى كبراء النصارى، ومن أسلم منهم كان له إسلامه، ومن لم يسلم كان عقد الهدنة، وكانت بعض السرايا تذهب فى الأرض القريبة من الشام. ولعل أبرز الاتصال بين مباديء الإسلام، والنصارى، مكاتبة قيصر للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 945

كتاب قيصر إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ٦٤٥- لما نزل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بتبوك بعث إليه قيصر كتابا بعد أن لم يبعث جيشا، روى الإمام أحمد أن قيصر الروم قال: «ادع لى رجلا حافظا للحديث عربى اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه (أى الذى بعثه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أيام الهدنة) فجيء بالرجل فدفع إليه الكتاب، واسم الرجل التنوخى، والقول عن الكتاب يسند إليه، فهو يقول جاءنى فدفع هرقل إلى كتابا، فقال: اذهب بكتابى هذا إلى هذا الرجل، فما سمعت من حديثه، فاحفظ لى منه ثلاثا، فلينظر فى صحيفته أكتب إلى بشيء، وانظر إذا قرأ كتابى هل يذكر الليل، وانظر فى ظهره، هل به شيء يريبك. قال الرجل: فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا، فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا، فإذا هو جالس بين ظهرانى أصحابه محتبيا على الماء، فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه، فناولته كتابى فوضعه فى حجره، ثم قال: من أنت؟ فقلت: أنا تنوخ. قال: هل لك إلى الإسلام الحنيفية ملة أبيكم إبراهيم؟ قلت: إنى رسول قوم، وعلى دين قوم لا أرجع عنه، حتى أرجع إليهم، فضحك وقال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (القصص: ٥٦) يا أخا تنوخ إنى كتبت إلى كسرى والله ممزقه، وممزق ملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها. ولن يزال الناس لا يجدون منه بأسا مادام فى العيش خير. قلت هذه إحدى الثلاث التى أوصانى بها صاحبى، فأخذت سهما من جعبتى، فثبته فى جنب سيفى، ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية، فإذا فى كتاب صاحبى «تدعونى إلى جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار» فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟ قال: فأخذت سهما من جعبتي، فألقيته فى جلد سيفى، فلما أن فرغ من قراءة كتابى قال إن لك حقا، وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرسلون، قال: فناداه رجل من طائفة الناس: أنا أجيزه، ففتح رحله فإذا هو بحلة صفورية، فوضعها فى حجري، قلت: من صاحب الجائزة؟ قيل لى عثمان ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أيكم ينزل هذا الرجل، فقال فتى من الأنصار: أنا. فقام الأنصارى وقمت معه حتى إذا أخرجت من طائفة المجلس نادانى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يا أخا تنوخ، فأقبلت أهوى، حتى كنت قائما بمجلس فى مجلسى الذى كنت بين يديه فحل حبوته عن ظهره، فقال: هاهنا امض لما أمرت به فجلت فى ظهره فإذا أنا بخاتم النبوة فى موضع غضون الكتف» .

стр. 946

انفرد برواية هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل فى مسنده، ولم يكتب فى الضعاف التى قيل أنها أحصيت فى المسند، وقال فيه الحافظ بن كثير «هذا حديث غريب، وإسناده لا بأس تفرد به الإمام أحمد» . ومادام الخبر لا مطعن فيه، وأخبار الثقات تقبل لأن الأصل فى خبر الثقة أن يكون صدقا، وإننا بهذا نقرر أن تبوك كانت موضع ذلك الاتصال الفكرى الذى التقت حقائق الإسلام بما عند النصارى، وأصلحت الأفهام وتشفت الأوهام. مصالحته ﵊ ملك أيلة: ٦٤٦- قلنا إن الوصول إلى تبوك أتى بخير كثير، فقد كان الاتصال الفكرى والسياسى، وقد ذكر خير مكاتبة هرقل والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى تبوك، وقلنا ما فيه، وركنا إلى صدقه قبولا لأخبار الثقات. والآن نذكر خبرا مشهورا، وهو أن ملك أيلة أتى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، واسمه يحنة ابن رؤبة، فصالح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح، فأعطوه الجزية، فكتب لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتابا بذلك، وقال ابن إسحاق إنه عندهم. وهذا نص كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليحنة. بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبى رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم، وسيارتهم فى البر والبحر، لهم ذمة الله تعالى، وذمة محمد النبى، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وأنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يريدونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر. ونرى أن هذا العهد الذى أعطى صاحب أيلة عهدا يعم، ولا يخص، فهو لا يقصر على أهل أيلة، بل من معه من أهل الشام وأهل اليمن، وأهل البحر، والمعية المذكورة هى التى يجمعها النصرانية وإذا كان أهل اليمن وهم فى الجنوب ليسوا معه فى الحكم والسياسة، فهم معه فى الملة والاتباع الدينى، فعقد الذمة يسرى على هؤلاء جميعا، إذا التزموا شروطه، ويكون الذى عقد هو فيه صاحب أيلة، فمن يعلمه منهم، ويأخذ بحكمه فهو منهم. وبذلك العهد يكون قد أخذ أكثر نصارى العرب يغدون إليه.

стр. 947

وكتب مثل هذا الصلح إلى جهم بن الصلت، وشرحبيل بن حسنة، أو أذن لهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يكون لهما ما اشتمل عليه من حقوق. وكتب مثله لأهل جرباء، وأذرح، وهذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لأهل جرباء وأذرح أنهم آمنون بأمان الله تعالى، وأمان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن عليهم مائة دينار فى كل رجب ومائة أوقية، وأن الله تعالى عليهم كفيل بالنصح، والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين. وهكذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعقد العقود الخاصة بالسلم بين المسلمين والنصارى، ومهد السبل للمسلمين يسيرون فى تلك الديار دعاة للإسلام، ولا شك أن هذه نتيجة من أعظم النتائج التى تتفق مع الدعوة الإسلامية، فما جاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم محاربا، ولكن جاء هاديا مبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله تعالى عليه وسلم. ولم يكتف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالعقود يعقدها، وهو فى تبوك بل أرسل السرايا إلى القبائل الشمالية القربية من تبوك، يسالمهم. سرية خالد إلى أكيدر دومة ٦٤٧- أرسل إلى أكيدر بن عبد الملك، من كنانة، كان ملكا على دومة، وكان نصرانيا، وقد كان فى هذه السرية عشرون وأربعمائة فارس، ودومة هى دومة الجندل، وقال البيهقى: كان الجيش مكونا من المهاجرين، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق، وكان خالد على رأس الأعراب. وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عندما أرسل هذه السرية قال لخالد: «إنك ستجده يصيد البقر» ، وهذا يدل على أنه أمير لا يعنى بالجد من الأمور. خرج خالد حتى دنا من حصنه، وصار منه بمنظر العين، وكان ذلك فى ليلة مقمرة صائغة، وهو على سطح له ومعه امرأته، وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر. فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط، قال: لا والله. قالت فمن يحرك هذه؟ قال: لا أحد، عندئذ نزل بفرسه، وقيل أنه ما كرهم قبل أن ينزل. وكان معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان، خرجوا، فتلقتهم خيل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخذته وقتلوا أخاه، لأنه أخذ يقاومهم.

стр. 948

وأكيدر هذا مرفه فاكه فى نعيم، عليه ديباج مخوص بالذهب فاستلمه خالد ليبعث به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد راع الديباج أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وجعلوا يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون، وقد لفتهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن افتنانهم بهذا الثوب الذى هو من نعيم الدنيا الذى يطغى وأخذ يدعوهم إلى نعيم الآخرة، فقال ﵊ «أتعجبون من هذا، فوالذى نفسى بيده لمناديل سعد بن معاذ فى الجنة أحسن من هذا» وقد عقد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع أكيدر عقده على أن يقدم إليه الجزية. ولقد روى الواقدى أنه كان مع أكيدر ألفا بعير، وأربعمائة درع وأربعمائة رمح. ومهما يكن من صحة هذه الرواية فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم خلى سبيله وعاد إلى قريته، ويظهر أنه ما خلى سبيله إلا على أساس الذمة، فيكون هو ومن معه على الذمة، كما ذكر الواقدى. ومما يذكر للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه كان يصطاد البقر، فى هذه الموقعة كانت البقر هى التى اصطادته لأنها دقت بقرونها الباب، فنزل من أعلى حصنه، فاصطاده جيش خالد، ثم كان عفو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وفى رواية البيهقى أن سرية خالد إلى أكيدر واستسلامه هى التى حملت يحنة صاحب أيلة على المجيء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وعقده معه عقد الذمة. عودة المسلمين من تبوك ٦٤٨- كانت غزوة تبوك غزوة مباركة، كانت الدعوة إلى الإسلام هى لبها وغايتها، ونهايتها، فقد نشر الإسلام بها فى شمال البلاد العربية، واستأنس به العرب فى هذه الأقاليم، وأخذ يسرى نوره فى الشام ذاته، مما كان تمهيدا لجيوش المسلمين لفتحه، حتى تكون المواقع من مواجهة بين الإسلام والرومان، والعرب، ومنهم عرب الشام، إذ غزوا باسم الإسلام. وقد عاد النبى بعد ذلك إلى المدينة المنورة، ويقول ابن إسحاق أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة المنورة. ويفهم من هذا أن مدة الإقامة بتبوك بضع عشرة ليلة لا تدخل فيها مدة السفر، ذهابا وأوبة، وقد ألف فى هذه المدة الناس، وعقد عقود ذمة، وأزال سطوات ناس ما كان يهمهم إلا الترف والصيد، وأوصل دعوة الإسلام إلى الأراضى المصاقبة للرومان لكيلا تكون لهم قوة منهم إذا اشتدت الشديدة، وقامت الحرب بين المسلمين والروم لتزول فتنة المسلمين فى بلادهم.

стр. 949

وقد حدثت وهم فى الرجوع خوارق للعادة على يد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وإن ذلك لكثير فى حياته صلى الله تعالى عليه وسلم، تتبعه دلائل النبوة وتسايره، وحيثما كان فى حله وترحاله بينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسير، والعطش شديد، والماء نادر، والأرض صحراء رملة وكان فى الطريق ماء يخرج من وشل ينحدر قليلا من مرتفع، فنهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن أن يستقى منه قبل أن يصل، فاستقى منه ناس، فاستقوه، إذ لا يسقى إلا راكبا أو راكبين إلى ثلاثة. فلما جاء إليه الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجد ماء، فدعا على الذين استقوه، ثم وضع يده تحت الوشل «المكان المرتفع» ودعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما شاء أن يدعو الله تعالى ضارعا إليه فانخرق. ويقول فى وصفه ابن إسحاق: ما إن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لئن بقيتم أو من بقى منكم، لتسمعن بهذا الوادى. وإن هذا الحال كحال موسى إذ استسقى لقومه فضرب الحجر فانبثق منه اثنتا عشرة عينا، فقد قال الله تعالى فى ذلك: إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ، كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (البقرة: ٦٠) . إنها نبع النبوة وصل إليه موسى بعصاه، ووصل إليه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بيده، فقد رأى نشز الأرض يقطر قليلا فدعا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فانخرق، وصار له حس كحس الصواعق، كما قال ابن إسحاق. القائد يرعى جنده حيا وميتا: ٦٤٩- إن القائد يجب أن يكون محبا لجنده يحنو عليهم كما تحنو الأم على ولدها، لأنهم خرجوا مقدمين أنفسهم فى سبيل الله تعالى، غير مدخرين مالا، تاركين الأهل والولد، والراحة، فلا جزاء لهم إلا جنة الله فى الآخرة ومظاهر التكريم فى الدنيا. وقد مات أحد الغزاة فى الطريق، وكان مؤمنا صادق الإيمان، قاوم فى سبيل الإسلام قومه حتى نازعوه ثوبه، ذلكم هو عبد الله ذو البجادين، قد مات فتولى دفنه محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ووزيراه أبو بكر، وعمر رضى الله عنهما، ولنترك الكلمة لابن إسحاق فهو يقول راويا عن عبد الله ابن مسعود قال: «قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى غزوة تبوك،

стр. 950

فرأيت شعلة من نار فى ناحية المعسكر، فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين المزنى قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه، وهو يقول أدنيا إليّ أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه بشقه قال: «اللهم إنى أمسيت راضيا عنه. فارض عنه» . فيقول عبد الله بن مسعود: يا ليتنى كنت صاحب هذه الحفرة. ويقول ابن هشام فى سبب تسميته بذى البجادين أنه كان ينزع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك، ويضيقون عليه، حتى تركوه فى بجاد ليس عليه غيره، والبجاد الكساء الغليظ الجافى، فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما كان قريبا من الرسول ﷺ شق البجاد اثنين، فائتزر بواحد، واشتمل بالآخر، فقيل له ذو البجادين لذلك. انظر إلى تكريم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأمين المجاهد للمجاهدين، لا يتركهم للذئاب تنوشهم، بل يكرمهم فى مماتهم، كما يكرمهم فى محياهم، ليقدموا على الفداء كراما. عصمة الله تعالى لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ٦٥٠- قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة: ٦٧) فالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم دائب على الدعوة لاينى، ينتقل فى لأواء الصحراء من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وما بينهما، ثم يتجاوز الفيافى والصحارى ليكون فى أرض الشام شامخا بالرسالة الإلهية على الرومان، ومن يتبعهم، ومن يخضع، فإذا لم يكن الله تعالى عاصمه من الذين يريدون به السوء فى كل مكان من هذه الجرداء، فمن يكون العاصم غير الله تعالى القوى الجبار. لقد تسلل إلى جيش الإسلام بعض المنافقين، ورجع المدينة المنورة طائفة منهم ليخذلوا المؤمنين، وبقيت أخرى لتخذل إذا سنحت لها الفرصة فى السير، أو فى المعترك، ففوت الله تعالى عليهم الفرصة التى ينتهزون أمثالها دائما. ولما تمت أمور تبوك، وتحولت إلى دعاية إسلامية صادقة، ولم تكن معركة قتال ينفثون فيها سموم التردد والهزيمة، ووجدوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم راجعا بجيش العسرة، وهو فى يسر وأمن وسلام واطمئنان ائتمروا بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ومكروا محاولين أن يطرحوه من عقبة عالية فى
следующие страницы →