← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

انفرد برواية هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل فى مسنده، ولم يكتب فى الضعاف التى قيل أنها أحصيت فى المسند، وقال فيه الحافظ بن كثير «هذا حديث غريب، وإسناده لا بأس تفرد به الإمام أحمد» . ومادام الخبر لا مطعن فيه، وأخبار الثقات تقبل لأن الأصل فى خبر الثقة أن يكون صدقا، وإننا بهذا نقرر أن تبوك كانت موضع ذلك الاتصال الفكرى الذى التقت حقائق الإسلام بما عند النصارى، وأصلحت الأفهام وتشفت الأوهام. مصالحته ﵊ ملك أيلة: ٦٤٦- قلنا إن الوصول إلى تبوك أتى بخير كثير، فقد كان الاتصال الفكرى والسياسى، وقد ذكر خير مكاتبة هرقل والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى تبوك، وقلنا ما فيه، وركنا إلى صدقه قبولا لأخبار الثقات. والآن نذكر خبرا مشهورا، وهو أن ملك أيلة أتى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، واسمه يحنة ابن رؤبة، فصالح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح، فأعطوه الجزية، فكتب لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتابا بذلك، وقال ابن إسحاق إنه عندهم. وهذا نص كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليحنة. بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبى رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم، وسيارتهم فى البر والبحر، لهم ذمة الله تعالى، وذمة محمد النبى، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وأنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يريدونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر. ونرى أن هذا العهد الذى أعطى صاحب أيلة عهدا يعم، ولا يخص، فهو لا يقصر على أهل أيلة، بل من معه من أهل الشام وأهل اليمن، وأهل البحر، والمعية المذكورة هى التى يجمعها النصرانية وإذا كان أهل اليمن وهم فى الجنوب ليسوا معه فى الحكم والسياسة، فهم معه فى الملة والاتباع الدينى، فعقد الذمة يسرى على هؤلاء جميعا، إذا التزموا شروطه، ويكون الذى عقد هو فيه صاحب أيلة، فمن يعلمه منهم، ويأخذ بحكمه فهو منهم. وبذلك العهد يكون قد أخذ أكثر نصارى العرب يغدون إليه.

стр. 947

وكتب مثل هذا الصلح إلى جهم بن الصلت، وشرحبيل بن حسنة، أو أذن لهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يكون لهما ما اشتمل عليه من حقوق. وكتب مثله لأهل جرباء، وأذرح، وهذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لأهل جرباء وأذرح أنهم آمنون بأمان الله تعالى، وأمان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن عليهم مائة دينار فى كل رجب ومائة أوقية، وأن الله تعالى عليهم كفيل بالنصح، والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين. وهكذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعقد العقود الخاصة بالسلم بين المسلمين والنصارى، ومهد السبل للمسلمين يسيرون فى تلك الديار دعاة للإسلام، ولا شك أن هذه نتيجة من أعظم النتائج التى تتفق مع الدعوة الإسلامية، فما جاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم محاربا، ولكن جاء هاديا مبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله تعالى عليه وسلم. ولم يكتف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالعقود يعقدها، وهو فى تبوك بل أرسل السرايا إلى القبائل الشمالية القربية من تبوك، يسالمهم. سرية خالد إلى أكيدر دومة ٦٤٧- أرسل إلى أكيدر بن عبد الملك، من كنانة، كان ملكا على دومة، وكان نصرانيا، وقد كان فى هذه السرية عشرون وأربعمائة فارس، ودومة هى دومة الجندل، وقال البيهقى: كان الجيش مكونا من المهاجرين، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق، وكان خالد على رأس الأعراب. وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عندما أرسل هذه السرية قال لخالد: «إنك ستجده يصيد البقر» ، وهذا يدل على أنه أمير لا يعنى بالجد من الأمور. خرج خالد حتى دنا من حصنه، وصار منه بمنظر العين، وكان ذلك فى ليلة مقمرة صائغة، وهو على سطح له ومعه امرأته، وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر. فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط، قال: لا والله. قالت فمن يحرك هذه؟ قال: لا أحد، عندئذ نزل بفرسه، وقيل أنه ما كرهم قبل أن ينزل. وكان معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان، خرجوا، فتلقتهم خيل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخذته وقتلوا أخاه، لأنه أخذ يقاومهم.

стр. 948

وأكيدر هذا مرفه فاكه فى نعيم، عليه ديباج مخوص بالذهب فاستلمه خالد ليبعث به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد راع الديباج أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وجعلوا يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون، وقد لفتهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن افتنانهم بهذا الثوب الذى هو من نعيم الدنيا الذى يطغى وأخذ يدعوهم إلى نعيم الآخرة، فقال ﵊ «أتعجبون من هذا، فوالذى نفسى بيده لمناديل سعد بن معاذ فى الجنة أحسن من هذا» وقد عقد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع أكيدر عقده على أن يقدم إليه الجزية. ولقد روى الواقدى أنه كان مع أكيدر ألفا بعير، وأربعمائة درع وأربعمائة رمح. ومهما يكن من صحة هذه الرواية فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم خلى سبيله وعاد إلى قريته، ويظهر أنه ما خلى سبيله إلا على أساس الذمة، فيكون هو ومن معه على الذمة، كما ذكر الواقدى. ومما يذكر للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه كان يصطاد البقر، فى هذه الموقعة كانت البقر هى التى اصطادته لأنها دقت بقرونها الباب، فنزل من أعلى حصنه، فاصطاده جيش خالد، ثم كان عفو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وفى رواية البيهقى أن سرية خالد إلى أكيدر واستسلامه هى التى حملت يحنة صاحب أيلة على المجيء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وعقده معه عقد الذمة. عودة المسلمين من تبوك ٦٤٨- كانت غزوة تبوك غزوة مباركة، كانت الدعوة إلى الإسلام هى لبها وغايتها، ونهايتها، فقد نشر الإسلام بها فى شمال البلاد العربية، واستأنس به العرب فى هذه الأقاليم، وأخذ يسرى نوره فى الشام ذاته، مما كان تمهيدا لجيوش المسلمين لفتحه، حتى تكون المواقع من مواجهة بين الإسلام والرومان، والعرب، ومنهم عرب الشام، إذ غزوا باسم الإسلام. وقد عاد النبى بعد ذلك إلى المدينة المنورة، ويقول ابن إسحاق أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة المنورة. ويفهم من هذا أن مدة الإقامة بتبوك بضع عشرة ليلة لا تدخل فيها مدة السفر، ذهابا وأوبة، وقد ألف فى هذه المدة الناس، وعقد عقود ذمة، وأزال سطوات ناس ما كان يهمهم إلا الترف والصيد، وأوصل دعوة الإسلام إلى الأراضى المصاقبة للرومان لكيلا تكون لهم قوة منهم إذا اشتدت الشديدة، وقامت الحرب بين المسلمين والروم لتزول فتنة المسلمين فى بلادهم.

стр. 949

وقد حدثت وهم فى الرجوع خوارق للعادة على يد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وإن ذلك لكثير فى حياته صلى الله تعالى عليه وسلم، تتبعه دلائل النبوة وتسايره، وحيثما كان فى حله وترحاله بينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسير، والعطش شديد، والماء نادر، والأرض صحراء رملة وكان فى الطريق ماء يخرج من وشل ينحدر قليلا من مرتفع، فنهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن أن يستقى منه قبل أن يصل، فاستقى منه ناس، فاستقوه، إذ لا يسقى إلا راكبا أو راكبين إلى ثلاثة. فلما جاء إليه الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجد ماء، فدعا على الذين استقوه، ثم وضع يده تحت الوشل «المكان المرتفع» ودعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما شاء أن يدعو الله تعالى ضارعا إليه فانخرق. ويقول فى وصفه ابن إسحاق: ما إن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لئن بقيتم أو من بقى منكم، لتسمعن بهذا الوادى. وإن هذا الحال كحال موسى إذ استسقى لقومه فضرب الحجر فانبثق منه اثنتا عشرة عينا، فقد قال الله تعالى فى ذلك: إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ، كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (البقرة: ٦٠) . إنها نبع النبوة وصل إليه موسى بعصاه، ووصل إليه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بيده، فقد رأى نشز الأرض يقطر قليلا فدعا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فانخرق، وصار له حس كحس الصواعق، كما قال ابن إسحاق. القائد يرعى جنده حيا وميتا: ٦٤٩- إن القائد يجب أن يكون محبا لجنده يحنو عليهم كما تحنو الأم على ولدها، لأنهم خرجوا مقدمين أنفسهم فى سبيل الله تعالى، غير مدخرين مالا، تاركين الأهل والولد، والراحة، فلا جزاء لهم إلا جنة الله فى الآخرة ومظاهر التكريم فى الدنيا. وقد مات أحد الغزاة فى الطريق، وكان مؤمنا صادق الإيمان، قاوم فى سبيل الإسلام قومه حتى نازعوه ثوبه، ذلكم هو عبد الله ذو البجادين، قد مات فتولى دفنه محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ووزيراه أبو بكر، وعمر رضى الله عنهما، ولنترك الكلمة لابن إسحاق فهو يقول راويا عن عبد الله ابن مسعود قال: «قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى غزوة تبوك،

стр. 950

فرأيت شعلة من نار فى ناحية المعسكر، فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين المزنى قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه، وهو يقول أدنيا إليّ أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه بشقه قال: «اللهم إنى أمسيت راضيا عنه. فارض عنه» . فيقول عبد الله بن مسعود: يا ليتنى كنت صاحب هذه الحفرة. ويقول ابن هشام فى سبب تسميته بذى البجادين أنه كان ينزع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك، ويضيقون عليه، حتى تركوه فى بجاد ليس عليه غيره، والبجاد الكساء الغليظ الجافى، فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما كان قريبا من الرسول ﷺ شق البجاد اثنين، فائتزر بواحد، واشتمل بالآخر، فقيل له ذو البجادين لذلك. انظر إلى تكريم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأمين المجاهد للمجاهدين، لا يتركهم للذئاب تنوشهم، بل يكرمهم فى مماتهم، كما يكرمهم فى محياهم، ليقدموا على الفداء كراما. عصمة الله تعالى لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ٦٥٠- قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة: ٦٧) فالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم دائب على الدعوة لاينى، ينتقل فى لأواء الصحراء من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وما بينهما، ثم يتجاوز الفيافى والصحارى ليكون فى أرض الشام شامخا بالرسالة الإلهية على الرومان، ومن يتبعهم، ومن يخضع، فإذا لم يكن الله تعالى عاصمه من الذين يريدون به السوء فى كل مكان من هذه الجرداء، فمن يكون العاصم غير الله تعالى القوى الجبار. لقد تسلل إلى جيش الإسلام بعض المنافقين، ورجع المدينة المنورة طائفة منهم ليخذلوا المؤمنين، وبقيت أخرى لتخذل إذا سنحت لها الفرصة فى السير، أو فى المعترك، ففوت الله تعالى عليهم الفرصة التى ينتهزون أمثالها دائما. ولما تمت أمور تبوك، وتحولت إلى دعاية إسلامية صادقة، ولم تكن معركة قتال ينفثون فيها سموم التردد والهزيمة، ووجدوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم راجعا بجيش العسرة، وهو فى يسر وأمن وسلام واطمئنان ائتمروا بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ومكروا محاولين أن يطرحوه من عقبة عالية فى

стр. 951

الطريق، وإذا كان قد أراد الخائنون إخوانهم أن يرموا عليه حجرا ثقيلا وهو جالس بجوار جدار لهم، فقد أراد الخائنون من المنافقين أن يطرحوه من فوق عقبة فى الطريق، ولكن الله تعالى أعلمه بما بيتوا فى الثانية كما أعلمه فى الأولى. لما بلغوا العقبة التى كان تدبيرهم الخبيث ومكرهم السيئ عندها، فلما بلغها صلى الله تعالى عليه وسلم أمر الجند أن يسيروا فى بطن الوادى، وقال: من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادى، فإنه أوسع لكم. وأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم العقبة، وأخذ المسلمون وكل الجيش بطن الوادى إلا الذين ائتمروا، وبيتوا الشر، فقد أخذوا العقبة التى أخذها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لينفذوا ما مكروا به، ومكروا مكرا، ومكر الله تعالى مكرا، والله خير الماكرين. لقد علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مكرهم الخبيث. إن أولئك المنافقين لما علموا ذلك، وما اتخذه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لنفسه من طريق استعدوا وتلثموا، فأخفوا وجوههم لكيلا يعرفوا، فعرفوا بذلك التلثم الذى أرادوا أن يستتروا به، فكشفهم المسلمون به. لقد هموا بأمر عظيم، وهو أن يطرحوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من فوق العقبة. فأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يلازمه عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وأن يمشيا أمامه، على أن يأخذ عمار بن ياسر بزمام الناقة، وأمر حذيفة بسوقها. وبينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى سيره هو ومن معه، أن سمعوا وكز أولئك الذين تامروا لركائبهم، وتدفعها عليهم، وقد أدرك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ماذا يريدون حسا، بعد أن علم بنياتهم من الله، وقد ساروا وراءهم من غير أن يعلموا، وظنوا أنهم مدركون ما يريدون. وأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حذيفة، وهو الذى يسوق الدابة أن يردهم، وأبصر حذيفة غضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وبدا ما يتوقعه ﵊ من شرهم فى وجهه، فرجع حذيفة، ومعه المجن. رآهم حذيفة ملثمين، واستقبل وجوه رواحلهم فضربها فى وجوهها بالمجن ضربا، وأبصر القوم وهم ملثمون، وظن أن ذلك فعل المسافر، يتقى باللثام حر الشمس، أو حرور الهواء، ولكن المتامرين فزعوا واضطربوا بإفزاع الله تعالى لهم، شأن من يريد جريمة ويشرع فيها إذ أنه يضطرب عندما يظن أن أمره قد كشف، فيفزع من تتميمها ويتراجع.

стр. 952

ولذلك أسرع أولئك الملثمون المتامرون إلى الاندماج فى وسط الناس فى بطن الوادى وأبطل الله تعالى كيدهم. بعد ذلك رجع حذيفة إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما أدركه، قال له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: اضرب الراحلة يا حذيفة، وامش يا عمار، فأسرعوا حتى استووا بأعلاها، ثم بعد ذلك خرجوا من العقبة. وهم ينتظرون الناس. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحذيفة وهو الذى كان يسوق الناقة اذهب، وأرسله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فذهب إليهم ومن معهم، وتبين به أنه انكشف أمرهم- قال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم له: هل عرفت من هؤلاء الركب أحدا؟ قال حذيفة عرفت راحلة فلان، وفلان، وكانت ظلمة الليل، قد غشيتهم وهم ملثمون. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: هل علمتهم ما كان شأن الركب وما أرادوا. قال: لا يا رسول الله، قال فإنهم مكروا ليسيروا ورائى، حتى إذا طلعت إلى العقبة طرحونى منها. قال: إذن نضرب أعناقهم. قال: أكره أن يتحدث الناس، أن يقولوا: إن محمدا قد وضع يده فى أصحابه (أى بالقتل) . ويقول ابن إسحاق فى هذه القصة عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: إن الله قد أخبرنى بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وسأخبر بهم إن شاء الله تعالى عند وجه الصبح، فانطلق (والخطاب لحذيفة) حتى إذا أصبحت فاجمعهم، قالوا: إنه صلى الله تعالى عليه وسلم أخبره وفى ذلك كلام بين الرواة. ومهما يكن فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أوصى حذيفة بألا يذكر أسماءهم، وهم منافقون، وقيل: كان حذيفة عنده العلم بأسماء المنافقين، وكان هذا سر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أسره إليه. حتى قيل: إنه إذا مات أحد بعد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تعرفوا حال حذيفة معه، فإن رأوا حذيفة صلى عليه علموه مؤمنا غير منافق، وإن لم يصل عليه كانوا فى ريب من أمره.

стр. 953

مسجد الضرار ٦٥١- كان من أولئك الذين ائتمروا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليطرحوه من فوق القمة أو من التقوا معهم فى قلوبهم، من أنشأوا مسجد الضرار، وقد ذكروا إنشاءه قبل سفر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يجهز الجيش، ويجمع النفقة والرواحل، ويدعو الجميع أن يخرجوا معه. جاؤا إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وهو فى هذه الحال، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجد الذى العلة والحاجة، والليلة المطيرة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلى فيه، فقال ﵊ إنى على جناح سفر، وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله تعالى لصلينا لكم فيه. وبينما هو فى عودته، وهو (بذى أوان) موطن بينه وبين المدينة المنورة نحو ساعة جاء خبر هذا المسجد من السماء، ونزل فيه القرآن الكريم إذ يقول فى بنائه ومن بنوه وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً، لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة: ١٠٧: ١١٠) . نزل ذلك القول الحكيم من عند علام الغيوب الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور. والواضح أن الذى بناه طائفة من المنافقين وليسوا من الأنصار، إلا أن يكونوا من الأوس والخزرج الذى كان المنافقون ينتمى كثير منهم إلى الخزرج، ولا يمكن أن يكونوا من أنصار الله الذين آووا ونصروا، الذين يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة. والآية الكريمة واضحة فى البواعث التى بعثتهم لبنائه إنما اتخذوه ليضاروا المؤمنين الذين يلازمون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى مسجده والمساجد التى بناها كقباء وغيره، التى أسست على تقوى من الله ورضوان، إنهم يريدون بذلك تفريق المسلمين بترويج ما يفرق جماعتهم، وبث الفتن والسوء فيها، وليترصدوا فيه ويترقبوا من يحارب الله تعالى ورسوله، ومن يأتمرون معهم.

стр. 954

ولقد قال بعض الذين لم يدخلوا فى الإسلام «ابنوا مسجدكم، واستعدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإنى ذاهب إلى قيصر الروم، فاتى بجنده من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه» . وإن هذا المقصد السيئ واضح من أن البناء كان والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتجهز، يجمع الجموع للذهاب إلى تبوك، وقد كانوا يتوقعون ما يتمنون، وهو انهزام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وجيشه أمام الرومان، ولذلك دعا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اثنين من صحابته فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم فاهدماه واحرقاه، فخرجا مسرعين حتى أتيا بنى سالم بن عوف فقال أحدهما لصاحبه، انظر حتى أخرج إليك بنار من أهلى، وهم بنو سالم بن عوف وذهب إلى أهله، فأتى بسعف من النخل، فأشعلا فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، فتفرقوا عنه. ولقد خيب الله ظنهم، فقد تخاذل الرومان عن أن يلتقوا مع جيش الإسلام، وذهب عنهم ما كانوا يتحدثون فيه من كلام منبعث من نفاقهم إذ جاء على لسانهم أن المسلمين لا يستطيعون جلاد الروم، فقد خاف الروم ولم يخف رجال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذين قدموا أنفسهم لله تعالي. الثلاثة الذين خلفوا ٦٥٢- انقسم المؤمنون الذين دعاهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عند الخروج إلى تبوك إلى ثلاثة أقسام: وأول الأقسام وأظهرها، وهم قوة الإسلام الأولى، الذين شروا أنفسهم لله بأن لهم الجنة يقاتلون ويقتلون، وهم الذين تقدموا للذهاب مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهم الذين قال الله تعالى فيهم لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (التوبة: ١١٧) . والقسم الثانى: جماعة تخلفوا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومنهم منافقون، ومنهم ضعفاء الإيمان، ومنهم من فيه خور، وضعف، وفى كل أحوالهم ليسوا من أقوياء الإيمان الذين يفدونه بأنفسهم وأموالهم، وراحتهم. وأولئك اعتذروا وقبل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اعتذارهم، وبعضهم كاذب لا محالة، وقال فيهم : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ، قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ، قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ، وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ

стр. 955

وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (التوبة- ٩٣: ٩٦) . عندما دخل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة المنورة بدأ بالمسجد فصلى ركعتين، ثم جاء إليه المخلفون الذين تخلفوا لمرضهم وضعفهم، والذين لا يجدون ما يحملهم، فكان عذرهم باديا، يسقط تكليفهم هذا الخروج الذى لا يكون إلا على أهل القوة والسلامة، والذين يجدون ما ينفقون، ولا ما يحملهم، فالله تعالى قد أسقط عنهم الحرج بقوله تعالت كلماته: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (التوبة: ٩١) . والباقون القادرون الأغنياء تقدموا بالاعتذار للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وطفقوا إليه يعتذرون ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما أظهروه، وكما يقول ابن إسحاق قبل علانيتهم، وبايعهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، وهو يعلم أنه إن رضى عنهم، لا يرضى عنهم الله ، ولكنه مأمور بألا يحكم إلا بالظاهر، وإذا قبل الظاهر، فقد يسيرون فى تحسين الباطن. القسم الثالث- من أخلصوا دينهم لله تعالى، ولكنهم تخلفوا من غير معذرة، ولم يرتضوا الكذب على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وخير لهم أن يعترفوا بتقصيرهم عن أن يكذبوا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهؤلاء ثلاثة، لم يعدهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلا من أقوياء الإيمان، ولكن غلب هواهم فى القعود فى ساعة التجهيز أو غلب فيهم ضعف وقتى، وإحساس ببعد الشقة، فرضوا أن يكونوا مع الخوالف، ولكن فيهم قلوب، لم يطبع عليها كأولئك الذين طبع الله على قلوبهم. لذلك كان لا بد من علاج نفسى لهذه القلوب التى لم ترن عليها روانى الإثم المقصود، وإن كان تقصير فقد أدركوه، وكان ذلك العلاج الذى رآه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى، وذلك بالإعراض عنهم، ومهاجرتهم، وذلك لإيقاظ نفوسهم، وتعويدهم الصبر، وكانت هذه العقوبة تشبه الكفارة بالصوم ستين يوما متتابعة، لأنها تكون تربية للنفس وتهذيبها، لقد أعرض عنهم المؤمنون خمسين يوما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله تعالى إلا إليه.

стр. 956

ولنترك الحديث عنهم وعن نفوسهم وعن معاملة المسلمين إلى الذى تحدث بخوالج نفسه، وما تلقاه وما كان فيه من صبر فريد وهو كعب بن مالك: «جاء كعب بن مالك، فلما سلم عليه صلى الله تعالى عليه وسلم «تبسم له تبسم المغضب، ثم قال: فجئت أمشى حتى جلست بين يديه. فقال: ما خلفك! ألم تكن قد ابتعت ظهرك» . فقلت: بلى والله، إنى لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا، ولكنى والله لقد علمت إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى على ليوشكن الله تعالى أن يسخطك على، ولئن حدثتك حديث صدق تجد فيه عليّ إنى لأرجو فيه عفو الله عنى والله ما كان لى من عذر، والله ما كنت قط أقوى منى ولا أيسر حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أما هذا فقد صدق فقم، حتى يقضى الله تعالى فيك، فقمت، وكان رجال من بنى سلمة، فاتبعونى يؤنبوننى فقالوا لى، والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لك، فو الله ما زالوا يؤنبوننى، حتى أردت أن أرجع، فأكذب نفسى ثم قلت لهم: هل لقى هذا معى أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل الذى قيل لك، فقلت من هما، قالوا مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية، فذكروا لى رجلين صالحين شهدا بدرا، فهما أسوة، فرضيت حين ذكرا لى، ونهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لى الأرض، فما هى بالتى أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.. فأما صاحباى فاستكانا وقعدا فى بيوتهما يبكيان. وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أخرج وأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف فى الأسواق، ولا يكلمنى أحد، وآتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأسلم عليه، وهو فى مجلسه بعد الصلاة، فأقول فى نفسى هل حرك شفتيه يرد السلام على أم لا، ثم أجلس قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتى أقبل إلى وإذا التفت نحوه أعرض عنى، حتى إذا طال على ذلك من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة، وهو ابن عمى وأحب الناس إلى، فسلمت عليه، فو الله ما رد على السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك الله، هل تعلمنى أحب الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، فسكت، فعدت له لنشدته، فقال: الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أعلم، ففاضت عيناى وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشى بسوق المدينة المنورة وإذا نبطى من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه فى المدينة المنورة يقول من يدل على كعب بن مالك. فطفق الناس يشيرون إلى حتى إذا جاءنى دفع إلى كتابا من ملك غسان فإذا فيه:

стр. 957

«أما بعد فإنه بلغنى أن صاحبك جافاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة فالحق بنا نواسك» فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت التنور فسجرتها حتى مضت أربعون ليلة من الخمسين إذ رسول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأتينى فيقول: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأمرك أن تعتزل النساء فقلت: أطلقها، أم ماذا. قال: لا ولكن اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبى مثل ذلك، فقلت لامرأتى الحقى بأهلك فكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم. فهل تكره أن أخدمه قال: لا، ولكن لا يقربك. قالت: والله إنه ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكى منذ كان من أمره إلى يومه هذا، قال كعب: فقال لى بعض أهلى لو استأذنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وما ندرى ما يقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، ولبثت بعد ذلك عشر ليال حتى إذا كانت لنا خمسون من حين نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على سطح بيت من بيوتنا، بينما أنا جالس على الحال فى ذكر الله تعالى، قد ضاقت على نفسى وضاقت علينا الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجدا، فعرفت أن قد جاء فرج الله تعالي، وأذن له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بتوبة الله تعالى علينا، حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبلى صاحباى مستبشرين» . هنأه الناس فلم يقبل تهنئتهم وذهب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم المربى المكمل أبشر بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك قال له كعب: أهو من عندك يا رسول الله أم من عند الله، قال: لا، بل من عند الله. صفت نفس الرجل، وتهذب، وخرج من كل ماله صدقة لوجه الله تعالى ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: أبق بعض مالك، فأبقى سهمه من الغنائم التى استولى عليها المسلمون فى خيبر. ولقد خص الله أولئك الذين تخلفوا فى الأرض بذكر قبول توبتهم مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع المهاجرين والأنصار فقال تعالى كما تلونا لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ

стр. 958

مِنْهُمْ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (التوبة- ١١٧: ١١٩) . العبرة والتربية: ٦٥٣- ذكرنا حديث كعب بن مالك مع طوله، لأنه حديث النفس التائبة النادمة التى زلت، وحديث الندم بعد الزلل، وكما يقول الصوفية: إن زلة أورثت ذلا خير من طاعة أورثت دلا، لقد ذل لله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه أحس بالنفس اللوامة تحركه إلى إرضاء الله ورسوله. وقد مكث خمسين ليلة يذكر الله فى كل ساعاتها، ويحس فى كل آنية منها بوخز ضمير، وما يوقظ ذلك الوخز يرى فى نظرات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وفى نظرات الناس، وفى الأسواق، وهو يصابر نفسه. ويجيء خطاب من ملك غسان يطلب أن يلتحق، فيراها نكبة أخرى، ويجيء إلى التنور ليسجره فيه، وهكذا، وإن هذه القصة تدل على أمرين: أولهما: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رأى فى هذا الرجل وصاحبيه خيرا لم يره فى غيرهما من الذين اعتذروا ومنهم منافقون، وضعاف الإيمان، أما هذا فقد أبدى صفحته، ولم يرض فى موقفه بالاعتذار، ولا يريد أن يكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فهو موقف طاهر وقلب طاهر، ولكن علق به درن قليل، يمكن أن يزول، ولا يتوب عليه الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وفيه هذا الدرن، ويريد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أن تكون منه توبة نصوح تليق بالمؤمن الصادق فى إيمانه ويقينه، فكانت هذه لتكون منبها يستمر خمسين ليلة، وكأنه اعتكف خمسين ليلة منصرفا فيها إلى الله تعالى، حتى كانت القاطعة التى حملت الثلاثة على الاعتكاف، فاعتكف اثنان، وصار الثالث بين الناس، وكأنه ليس بينهم، فهو الغريب بين أصحابه وأهله، حتى أعلن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قبول توبتهم. الأمر الثانى: الذى يدل عليه الخبر أن الإنسان خلق ليأتلف مع غيره يتلمس التشجيع النفسى من نظرات، وملامح الوجوه، ومظاهر الأقوال والأفعال والجوارح التى تصدر عن الناس، وإن الاستنكار النفسى يفعل فى نفوس الأخيار ما لا تفعله العقوبات بالنسبة للأشرار، فالذين يستهينون بالاستنكار القلبى فى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه فإن لم

стр. 959

يستطع فبقلبه» مخطئون، وما كان عقاب هؤلاء الثلاثة إلا استنكارا قلبيا بدا فى الوجوه والجوارح ولم يبد فى القول. وإن هذا الذى سنه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، يجب علينا اتباعه، فلا يصح لنا- أن نبش فى وجوه الأشرار، ولا الذين يرتكبون الآثام لأنه عسى أن يثير ذلك ضمائرهم فتلوم، وإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد فعل ذلك مع ثلاثة لدرن يسير أصاب قلوبهم، أفلا نفعله مع أشرار هذا الزمان، وإذا كنا نعجز عن مقاطعتهم، فإننا لا نمالئهم، ولا نلتف حولهم مع ظلمهم، لأن مجرد الالتفاف حولهم يجعل الرجل من شيعتهم، وإن لم يعمل عملهم، ويجعلنا ذلك سائرين معهم، وإن لم نعاونهم بالفعل، فإنا نعاونهم بالإلف، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: «من مشى مع ظالم، فقد سعى إلى جهنم» . سبعة ربطوا أنفسهم بأعمدة المسجد ٦٥٤- كانوا عشرة تخلفوا، لعل منهم أولئك الثلاثة الذين ذهبوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يستمع إلى الأعذار للمتخلفين يقبل علانيتها، ويترك السرائر إلى الله تعالى، وما كان للرفيق الطاهر الذى قبل لفظ اللسان وليس لفظ القلب إلا أن يقبل العلانية، ويترك لله ما بطن، لأنه لا يفتش عن القلوب. إن أولئك الثلاثة ذهبوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقولون لا عذر لنا، ولا سبيل لأن نكذب عليك، فصدقهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وطهر قلوبهم، وهذب نفوسهم وأزال الضر بتلك العقوبة الهينة فى ظاهرها القوية فى تأثيرها. ولكن سبعة آخرون لم يذهبوا معتذرين، لأنه لا عذر لهم، ولم يذهبوا ينفون الاعتذار بل جاؤا وعاقبوا أنفسهم بأنفسهم، فأوثقوا أنفسهم بسوارى المسجد النبوى، فلما رآهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسوارى؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله أوثقوا أنفسهم حتى يطلقهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ويعذرهم، فقال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذى أطلقهم، رغبوا عنى، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذى يطلقنا، فأطلق سراحهم، ومنع الوثاق بأمر الله تعالى، وقيل نزل فيهم وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً، وَآخَرَ سَيِّئاً، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (التوبة: ١٠٢) أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ففك وثاقهم، وأطلقهم وعذرهم.

стр. 960

ولم يجدوا أن ما فعلوه بأنفسهم فيه تكفير لتقصيرهم الذى تخلفوا به عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ورأوا أن الصدقة تطفيء الذنوب كما يطفيء الماء النار، فتصدقوا بكل أموالهم، وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «ما أمرت أن آخذ أموالكم» فقيل نزل قوله تعالى فيهم خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (التوبة: ١٠٣) . هذا قسم أخذ فى تطهير نفسه، ولم يطهرهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإبعاد الناس، وهم فريق واحد، أبى أن ينتحل عذرا شعورا منه بالتقصير فى التخلف عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإنهم بذلك وقعوا فى خطأ جسيم يكاد يكون خطيئة. ولقد ذكر ابن كثير رضى الله تعالى عنه أقسام المخلفين، فذكرهم أربعة أقسام قريبا مما ذكرنا، قال: «كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام: ١- مأمورون مأجورون كعلى بن أبى طالب، ومحمد بن سلمة وابن أم مكتوم. ٢- ومعذورون، وهم الضعفاء والمرضى، والمقلون وهم البكاؤن. ٣- وعصاة مذنبون وهم الثلاثة، وأبو لبابة، وأصحابه المذكورون. ٤- وآخرون ملومون مذمومون، وهم المنافقون. وقد ذكرنا هذه الأقسام فى القرآن الكريم، ونوافق الحافظ بن كثير على هذا التقسيم، ولكن لا نسمى أبا لبابة وأصحابه مذنبين، ولكن نسميهم مقصرين مخطئين. وفى الحق أن غزوة تبوك التى كانت آخر غزوات فيها اختبار لنفوس الذين مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد بدت فيها أحوال الذين كانوا مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بدا الأقوياء الذين لا يصدرون إلا عن أمره، وبدا المنافقون الذين لازموه مخذلين بخروجهم، ومخذلين فى سيرهم ومتامرين يريدون اغتيال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وبدا الذين ينقصهم الهمة والاستجابة فى الشدة، وإن كان لا ينقصهم الإيمان وقوة اليقين، وقد عالجهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نفسيا بأمر ربه، وعالجوا أنفسهم، والجسم القوى يقبل العلاج، ولم يعالج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غيرهم ممن تخلفوا، بل تركهم إلى ما هم فيه يحاسبهم الله تعالى.

стр. 961

الوفود ٦٥٥- فى العام التاسع جاءت الوفود إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد غزوة تبوك، ويقول كتاب السيرة، إنها آخر غزوة غزاها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد عمت الدعوة الإسلامية البلاد العربية وصار العرب بين مجيبين، وكافرين، ومترددين يسيرون فى طريق الإسلام، ولما يدخل الإيمان قلوبهم، وقد جاءت وفود ممن أسلموا، ووفود أخرى تقدم ذكرها وقد قال ابن إسحاق، وإنما كانت العرب تتربص بإسلامها أمر هذا الحى من قريش، كانوا إمام الناس وهداتهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم، وقادة العرب، لا ينكرون ذلك. وكانت قريش هى التى نصبت الحرب لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وخلافه، فلما افتتحت مكة المكرمة، ودانت له قريش، ودوخها الإسلام عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا عداوته، فدخلوا فى دين الله كما قال : «أفواجا» يضربون إليه من كل وجه، يقول الله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً أى فاحمد الله على ما ظهر من دينك، واستغفره إنه كان توابا. وقد قال كانت العرب تتلوم بإسلامهم قبل الفتح، فيقولون اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبى صادق، فلما كانت واقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم. ومؤدى هذا أن فتح مكة المكرمة لم يكن فتحا لمدينة لها قدسيتها فقط، بل كان فتحا لقلوب الناس نحو الإسلام، إذ هم لقريش تبع، ولم يكن الفتح إكراها لقريش على الإسلام، بل إزالة نقمة الزعماء والكبراء، وتبين الحق الصريح الواضح، حتى إن الكبير منهم كان يقدم على الإسلام، لأنه علم أنه العقل وأنه الحق، كما رأينا فى إسلام عكرمة بن أبى جهل ومن كان معه من إخوان له إلى آخر لحظة من مقاومته. ولكن مع ذلك يجب التمييز بين من دخل فى دين الله، والبلاء بلاء، وحمل عبء المصابرة على الأذى فى مكة المكرمة، والتهكم والاستهزاء، وهم الذين جاهدوا فى سبيل الله، وحملوا السيف، وقاتلوا وقتلوا، وهم الذين اشتروا أنفسهم وباعوها، حتى بلغ الإسلام ما بلغ وفتحت مكة المكرمة أو مهد للفتح بالحديبية، يجب التفرقة بين الذين دخلوا وحملوا العبء مع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وبين الذين جاؤا من بعد، ولذا يقول الله ﵎: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ، وَقاتَلَ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى (الحديد: ١٠) .

стр. 962

ويقول فى ذلك ابن كثير: فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد الله تعالى خيرا وحسنى، ولكن ليس فى ذلك كالسابق له فى الزمان والفضيلة. ونحن نرى أن الفتح الذى جاء به القرآن الكريم كان سنة ست بصلح الحديبية لأن الله تعالى سمى صلح الحديبية فتحا، وقد كان كذلك، لأنه فرق بين قوة الحرب وقوة السلام، وقد دخل الناس بعد صلح الحديبية أفواجا فى الإسلام، والذين كانوا قبل صلح الحديبية هم الذين قرر الله تعالى فى كتابه الكريم، أنهم الذين رضى عنهم ورضوا عنه فى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ، فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (الفتح: ١٠) . وقال : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (الفتح: ١٨) . هؤلاء هم الذين أنفقوا من قبل الفتح، ومن جاء بعدهم ليس مثلهم، فليس عمرو بن العاص كعلى بن أبى طالب، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وأبى عبيدة عامر بن الجراح، وغيرهم، هؤلاء هم الذين سبقوا بالحسنى وقاموا مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالجهاد والإسلام غريب، وكان من بعد ذلك عموم الدخول فى الإسلام، ولذلك كان الذين أسلموا بعد الحديبية والفتح أضعاف الذين أسلموا من قبل. وفد مزينة ٦٥٦- جاء هذا الوفد عند الحديبية وقبل الفتح، ومجيئه فى ذلك الوقت يدل على أن دخول الناس فى دين الله أفواجا كان بعد الحديبية، وامتد إلى ما بعد فتح مكة المكرمة وتبوك. روى أن أول وفد من مضر كان وفد مزينة بأربعمائة من مضر، وروى أن ذلك فى رجب سنة خمس، وقد جاؤا مهاجرين، وقالوا إن أول من وفد من مزينة خزاعى بن عبد سهم، ومعه عشرة من قومه، فبايع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على إسلام قومه، ولما رجع إليهم لم يجدهم كما ظن فيهم إذ تأخروا عنه. ويظهر أن أولئك الأربعمائة جاؤا بعد أن فشا الإسلام فيه، وبعد أن أغلق باب الهجرة إلى المدينة المنورة، وأريد أن يعمر الإسلام البلاد العربية كلها، فقال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم» .

стр. 963

وبذلك يكون تعيين الزمن بأن القدوم سنة خمس، إنما كان وفد خزاعة الذى بايع عن إسلام قومه، ولم يكونوا قد أسلموا، ثم جاء بعد ذلك أربعمائة، فرأى أن يمكثوا دعاة للإسلام فى بلادهم وذلك بعد أن تكاثر المسلمون عندهم، وذلك بعد الحديبية أو بعد الفتح، وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم زود هؤلاء بالطعام من التمر إذ لم يكن معهم زاد. وفد بنى تميم ٦٥٧- وذكرنا من أخبار بنى تميم عندما هموا بالاعتداء على خزاعة، فأرسل إليهم عيينة بن حصن فى خمسين رجلا، فأسر منهم أسرى، وسبى سبايا، فجاؤا لذلك، وقالوا من وراء الحجرات فى جفوة: اخرج إلينا يا محمد، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (الحجرات- ٤: ٥) . وقد رد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أسراهم، وقد تكلموا بعد ذلك مفاخرين بأنفسهم، ورد الأنصار مفاخرتهم. والآن نقول ما رواه البيهقى بسنده. قال: قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الزبرقان ابن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهثم التميميون، فوقف الزبرقان بن بدر وقال: أنا سيد بنى تميم والمطاع فيهم، والمجاب، وأمنعهم من الظلم، وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك، وأشار إلى عمرو بن الأهتم. قال عمرو بن الأهتم: إنه لشديد المعارضة مانع لجاره مطاع فى أدنيه. فقال الزبرقان ابن بدر: والله يا رسول الله لقد علم منى غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو بن الأهتم، أنا أحسدك فو الله إنه للئيم الخال حديث المال أحمق الوالد مضيع فى العشيرة. والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت آخرا، ولكنى إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت فى الأولى، والآخرى جميعا. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة» ، ولعل هذه المجاوبة كانت فى قدومهم لفك أسراهم، فهو قدوم وليس بوفد. وقد روى البخارى فى فضل بنى تميم قول أبى هريرة: «لا أزال أحب بنى تميم بعد ثلاث سمعتها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقولها فيهم: هم أشد أمتى على الدجال، وكانت فيهم سبية عند عائشة، فقال أعتقيها، فإنها من ولد إسماعيل، وجاءت صدقاتهم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: هذه صدقات قومى» .

стр. 964

هذا رواه البخارى، ورواه مسلم كذلك. وأقول قال على كرم الله وجهه، فى أيام شدائد البغى ومقاومته: ما أفل لبنى تميم نجم إلا بزغ لهم نجم آخر. والله أعلم. وفد ثقيف ٦٥٨- امتنع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن هدم حصون ثقيف، وحرق كرومهم، وأنهى الحرب، لأنها كانت آخر شوال، وأقبل ذو القعدة الحرام، ولأن منهم من مال إلى الإسلام، وفشا الإسلام فى الطائف، ولكن نخوة الجاهلية وغلظ قلوبهم منعتهم من التسليم، وإن كان الإسلام قد فشا فيهم. فلما انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود، وقد ذكرنا لقاءه بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وعودته إلى قومه، وقتلهم له بالنبل. بعد قتل عروة، وكان محبوبا فيهم، أحسوا بأنهم صاروا منفردين بين العرب، وخصوصا أن مكة المكرمة التى تقرب منهم قد أسلمت وأذعنت، وأن القبائل تدخل فى الإسلام، وربما كان مقتل عروة المحبوب فيهم كان له أثر فى نفوسهم بالندم على قتل محبوب، فصغت قلوبهم لما كان يدعوهم إليه، ورأوا أنه لا طاقة لهم بالعرب، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إن أعاد الكرة عليهم لم يكن لهم به طاقة، بل إنهم اليوم لا طاقة لهم بين العرب. اتجه عمرو بن أمية من كبرائهم إلى كبير آخر فيهم هو عبد ياليل، فقال له: «إنه قد ذهب أمر ليست معه هجرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، قد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة فانظروا فى أمركم» . عندئذ ائتمرت ثقيف بينها، وقال بعضهم لبعض، أفلا ترون أنه لا يؤمن لكم سرب، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع، فأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رجلا، كما أرسلوا عروة، فامتنع إلا أن يكون معه نفر منهم خشية أن يصنعوا به مثل ما صنعوه بعروة بن مسعود. بعثوا عبد ياليل فى وفد من خمسة كانوا فى جملتهم ستة. قدموا المدينة المنورة، فكان على رعية إبل الصدقة وكان بها المغيرة بن شعبة؛ لأنها نوبته، وكانوا يتولون عليها بالمناوبة، وعندما رآهم المغيرة نهض مسرعا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلقيه أبو بكر، فأراد أن يسبقه هو إلى إخبار الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره.

стр. 965

عاد المغيرة إليهم، وهو يعلم أنهم جفاة ليعلمهم كيف يحيون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. ضرب عليهم رسول الله قبة فى المسجد، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يجيء إليهم فيه وكانوا يطمئنون إلى خالد بن سعيد بن العاص، وكانوا إذا جاءهم الطعام من قبل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا يطعمون إلا إذا طعم منه خالد. وبعد ذلك أعلنوا إسلامهم، ولكن فى بقية جاهلية طلبوا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يبقى اللات ثلاث سنين، فرفض، طلبوا سنتين فأبى، طلبوا سنة فأبى، طلبوا شهرا، فأبى، وكيف يقرهم على الوثنية ساعة من زمان. سألوه صلى الله تعالى عليه وسلم ألا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فأجابهم وأرسل المغيرة بن شعبة، وأبا سفيان بن حرب، أن يهدموها. طلبوا أن يعفيهم من الصلاة، فقال ﵊: «لا خير فى دين لا صلاة فيه» ، وقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أقامهم فى خباء فى المسجد ليروا الناس، إذا صلوا، فيستأنسوا بالصلاة وليعلمهم، ولكن جفوة الجاهلية حالت بينهم وبين الأنس بالصلاة. وكانوا يرون أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذا خطب لا يذكر نفسه فقالوا كيف يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله وهو لا يشهد به فى خطبته، فبلغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما قالوا، قال، فإنى أول من شهد أنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان فيهم عثمان بن أبى العاص وكان أصغرهم فكانوا يخلفونه على رحالهم، فكان القوم كلما عادوا إلى رحالهم بالهاجرة ليقيلوا، ذهب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسأله عن الدين، واستقرأه القرآن الكريم، وكان يختلف إليه مرارا، حتى فقه فى الدين، وعلم، وكان إذا وجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نائما عمد إلى أبى بكر، وكان يكتم ذلك عن أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأحبه. مكث الوفد يختلف إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا. قال كنانة بن عبد ياليل الذى كان على رأس الوفد، كما نوهنا: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية بينى وبينكم.

стр. 966

قال: أفرأيت الزنا، فإنا قوم نغترب، ولا بد لنا منه. قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، حرام، فإن الله تعالى يقول: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (الإسراء: ٣٢) . قالوا: أفرأيت الربا، فإنه أموالنا كلها. قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: لكم رؤوس أموالكم، قال الله تعالي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (البقرة: ٢٧٨) . قالوا: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منها. قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الله تعالى قد حرمها وقرأ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (المائدة: ٩٠) . أخذوا بما قرره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لهم، ولكن بقية الوثنية فيهم، فقد سألوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يبقى الربة (اللات) ، فقال: اهدموها، فقالوا واهمين: لو علمت الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلها. فقال عمر بن الخطاب وكان حاضرا: ويحك يابن عبد ياليل إنما الربة حجر، قالوا: إنا لم نأتك يابن الخطاب. وقال ابن عبد ياليل لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تول أنت هدمها فنحن لا نهدمها، وأرسل الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة فهدماها كما ذكرنا. أكرمهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن علمهم، وطلبوا أن يؤمر عليهم أحدا، فأمر أصغرهم عثمان بن أبى العاص، وكان قد حفظ سورا من القرآن الكريم وأدرك معانى الإسلام. ولكن كان المتحدث عن ثقيف «١» ابن عبد ياليل، لأنهم الذين نصبوه المتحدث باسمهم، وكان عليما بنفوس قومه، يعلم كيف يدخل إلى نفوسهم وأمامه تجربة عروة بن مسعود الذى كان محبوبا أكثر من أبكارهم فلما جاءهم مسلما قتلوه. ولذلك كتم قصة إسلامهم وما سلموا به للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم من قبولهم لتحريم الزنا والربا والخمر، وجاؤا إليهم مخوفين، ولم يجيئوا إليهم مسلمين.

стр. 967

خوفوهم بالحرب، وأن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم سألهم أمورا فأبوها، سألهم هدم اللات والعزى وتحريم الخمر والزنا والربا فأبوا. أظهر الوفد الحزن والكرب، وسرى ذلك إلى ثقيف، وذهب الوفد إلى اللات وثن ثقيف يكرمها، وأظهر كل من فى الوفد لخاصته، أنه جاء من عند رجل فظ غليظ القلب يأخذ من شاء بظهر السيف، وأدان له العرب ففرض علينا أمورا شدادا، هدم اللات والعزى وترك الأموال ... إلى آخر ما طلب. قالت ثقيف: لا نقبل ذلك أبدا. فقال الوفد المدرك: أصلحوا السلاح، وتهيئوا للقتال واستعدوا له، ورموا حصنكم. فكرت ثقيف يومين أو ثلاثة يدبرون القتال، ثم ألقى الله فى قلوبهم الرعب، وقالوا: والله ما لنا به طاقة، وقد دان له العرب كلها، فارجعوا إليه فأعطوه ما سأل، وصالحوه عليه، فلما رأى الوفد أنهم قد اختاروا الأمان على الخوف والحرب. عندئذ أظهر لهم ما أخفى، وقال لهم الوفد: فإنا قد قاضيناه، وأعطيناه ما أحببنا، وشرطنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأصدقهم وأرحمهم، وقد بورك لنا ولكم فى مسيرنا، وفيما قاضيناه عليه فاقبلوا عافية الله. قالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا أشد الغم، قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان. فأسلموا مكانهم، وجاءتهم رسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد أمر على هذه الرسل خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة. أقدم المغيرة ليهدمها، وثقيف كلها رجالا ونساء يزعمون أنها لا تهدم أبدا يظنون أنها ممتنعة عن الهدم، فأخذ المغيرة يخادعهم مستهزئا بزعمهم، وقال: لأضحكنكم اليوم من ثقيف، فأخذ المعول يضرب به، ثم أسقط نفسه وركض، فارتج أهل الطائف بضجة واحدة، وقالوا: أبعد الله المغيرة، قتلته الربة، وفرحوا حين رأوه ساقطا، وقالوا: من شاء فليقترب، وليجتهد على هدمها، فو الله ما استطاع. بعد أن أثار المغيرة ثقيفا مستهزئا بهم وثب وأخذ المعول ليهدم، وقال: قبحكم الله معشر ثقيف، إنما هى حجارة ومدر، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا أعلى سورها، وعلا الرجال معه فهدموها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض. ولكن صاحب مفتاح اللات ما زال على ضلاله فجعل يقول ليغضبن الأساس، فليستخفن بهم، فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعنى أحفر أساسها فحفره، حتى أخرجوا ترابها فبهتت ثقيف ثم انتزعوا حليها وكسوتها وأتى بها الوفد إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 968

وروى أن ثقيفا، قد اشترط وفدها أن لا صدقة عليه ولا جهاد فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «سيتصدقون ويجاهدون» . ويظهر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يظهر ذلك الشرط، أو لم يظهر إجابته انتظارا لما يكون بعد إسلامهم. ويروى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أراد أن يا بنى مسجدا، حيث كان طاغيتهم (اللات) . ٦٥٩- ذكرنا أحوال وفد ثقيف مع طوله، لأن فيه بيانا لأحوال النفوس وكيف تعالج، إنهم قوم أشداء غلاظ، فإنه يتبين من حديثهم كيف تسيطر الأوهام عند نقص المدارك، لقد هدمت كل الأوثان فى مكة المكرمة، فما رأينا من قريش ما ظهر من ثقيف عندما هدمت اللات أو الطاغية كما يسمونها، وكيف كانوا يعتقدون أن من يهدمها يسقط، وكيف تعابث بهم المغيرة، فأسقط نفسه عند ضرب أول ضربة فصاحوا ثم كان الهادم هو خالد بن الوليد القرشى الذى كان حديث عهد بالجاهلية. أثبتت القصة كيف تستولى الأهواء والشهوات على النفوس غير المؤمنة، حتى إنهم ليطلبون منه إباحة الزنا والخمر، والربا، وقد ردهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وما أشبه أجلاف ثقيف بالمسلمين العصريين المجددين الآن الذين يستبيحون الربا، ويعاضدهم بعض الذين يتسربلون سربال العلماء، وكانوا يحفظون القرآن الكريم، ويستبيحون الزنا أحيانا باسم المتعة وأحيانا باسمه الصريح، ويعدونه تقدما، ويستبيحون الخمر جهارا نهارا. وبين أيدى الذين أباحوا المتعة عندما طلبوا إباحة الزنا لأجل اغترابهم، فكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يشير إليهم بالمتعة، لو كانت مباحة، كما يقول أولئك المتفلسفة الذين يريدونها لأغراب التلاميذ ولا حول ولا قوة الا بالله. وهناك أمر تربوى رائع، وهو علاج كنانة بن عبد ياليل لشماس ثقيف إذ أنه أخفى إسلامه وصحبه وطلب إليهم الاستعداد للحرب، ففكروا مليا، وطلبوا هم التسليم للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ولو أظهر إسلامه ومن معه ابتداء، ليقتلوهم كما قتلوا عروة بن مسعود، إن الأمر إذا عرض مقررا قاطعا، قاومته النفوس المشاكسة الشامسة، لأن من طبيعة هذا النوع من النفوس أن ترد ما يعرض عليها على أمر لا بد منه إذ ليسوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فاتبع كنانة بن عبد ياليل طريق التمهيد للأمر الذى قرره، حتى يطلبوه هم، فلا يكون مفروضا عليهم، بل يكون استجابة لما فى نفوسهم. وننبه هنا إلى أن بعض الروايات ذكرت أن ثقيفا عرضت الأمر على أبى بكر، فى حجته، ولكن نجد السياق التاريخى لا يؤيد هذا، ذلك أن ابن إسحاق يقول: إن وفد ثقيف كان فى رمضان. فبينهما زمن، وحج أبى بكر متأخر عن رمضان، والله أعلم.

стр. 969

وفد بني عامر ٦٦٠- أخذت وفود العرب التى وصل إليها الإسلام تجيء وفدا بعد آخر، منهم من يعلن إسلامه ويتلقى تعاليمه بالمدينة المنورة، ومنهم من كان فيه شك، أو عنجهية جاهلية. أو لا تزال الوثنية فى قلوبهم فيتلقاهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالموعظة الحسنة وتأليف قلوبهم، وبعضهم جاء إقرارا بالخضوع لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يهداهم ويرشدهم، وينقذهم من الضلال. روى البيهقى فى دلائل النبوة أن وفد بنى عامر إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قالوا له: أنت سيدنا وذو الطول علينا، فقال ﵊: لا يسخرن بكم الشيطان السيد هو الله. لقد جاء ذلك الوفد مسلما، ولكن كان فيه عامر بن الطفيل يريد غدرا ولا يريد إسلاما، وقد نهاه قومه عما يريد، وقالوا له: يا عامر إن القوم قد أسلموا. فقال: والله لقد كنت آليت، ألا أنتهى حتى تتبع العرب عقبى، وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش. ثم قال لمن دبر أمر الغدر معه وهو أربد: إذا قدمنا على الرجل فإنى شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا أمر عامر أن ينفذ الغدر، فقال مواجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «يا محمد خاللنى، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا.. حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له» . أبى عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يكون له خليلا، حتى يكون مؤمنا، فلم يذعن للإيمان بل انتقل إلى التهديد، وكأن المخاللة تجيء بالنصر والقهر، فقال: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا. فلما ولى قال الذى يعصمه الله من الناس: اللهم اكفنا عامر بن الطفيل. فقد خذله صاحبه أربد، فلم يعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليه بالسيف، فقال له: ويحك يا أربد، أين ما أمرتك به؟ فقال: والله ما كان وجه الأرض أخوف على نفسى منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم، ثم قال أربد: لا أنا لك لا تعجل على، فو الله ما هممت بالذى أمرتنى به إلا دخلت بينى وبينه فأضربك بالسيف، وهكذا وقى الله تعالى رسوله ﵊ بأن كانت صورة أربد قاتله بينه وبين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 970

خرج القاتلان من عند رسول الله ﵊، فأصاب ابن الطفيل الطاعون، ومات فى بيت امرأة، وقيل مات على فرس، وقد خرج متألما من مرضه، قائلا، أغدة كغدة البعير. وأما أربد الذى كان يد الغادر، فإنه خرج وحمله بعد عودته إلى بنى عامر، فنزلت عليهما صاعقة فقتلتهما، يروى أنه كان من حديث عامر بن الطفيل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه لما أتى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، خير النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، قائلا أخيرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل، ولى أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، وهذه رواية البخارى، ويقول البخارى: طعن (أى أصيب بالطاعون) فى بيت امرأة فقال: أغدة كغدة البكر فى بيت امرأة ائتونى بفرسى أركب، فمات على ظهر فرسه. وقد ذكرنا شيئا من ذلك من قبل. وإن الظن أن وفاة عامر بن الطفيل كانت قبل الفتح ولم تكن فى العام التاسع، لأن منطقها يوميء إلى أنها كانت قبل الفتح وتبوك، أى قبل أن يصير السلطان كله فى البلاد العربية للإسلام، سواء فى ذلك من أسلم ومن لم يسلم. ومهما يكن فإنه لم تكن الوفود بعد الفتح وتبوك كلها مسلمة، بل كان فيهم غيرهم ممن دانوا بالطاعة. وفد عبد القيس ٦٦١- فى الصحيحين البخارى ومسلم أن وفد عبد القيس قدموا على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فبش فى وجوههم، وقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى. وقد رحب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بوفد ربيعة، لما كان من التنافس بين ربيعة ومضر، فمجيئهم دليل على أن العصبية الجاهلية خفت صوتها بجوار صوت الإسلام، وصارت تحت قدم الإسلام وهو فوقها. جاء هذا الوفد مريدا الإسلام مطمئنا إليه، ويريدون أن يعلموا من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما يجب عليهم أن يعلموه.

стр. 971

قال قائلهم المتحدث عنهم: «يا رسول الله إن بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، وإنا لا نصل إلا فى شهر حرام، فمرنا بأمر نأخذ به، ونأمر به من وراءنا، وندخل الجنة» فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده أتدرون ما الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم، وأنهاكم عن أربع، عن الربا والحنتم والنقير والمزفت، وهى أسماء أنواع من الخمور تختلف أسماؤها باختلاف آنيتها «١» . ولقد كان فى وفد عبد القيس الجارود بن بشر بن المعلى، وكان نصرانيا، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كلمه ودعاه إلى الإسلام وعرضه عليه ورغبه فيه. فقال: يا محمد، إنى قد كنت على دينى، وإنى تارك دينى لدينك، أفتضمن لى دينى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنا ضامن أن هداك الله إلى ما هو خير منه. فأسلم وأسلم من معه من أصحابه. عاد الجارود إلى قومه، وكان حسنا شديدا فى دينه حتى مات. ولما قامت الردة بعد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم كان من قومه من ارتد، فوقف فيهم يقول بشهادة الحق، ودعا قومه أن يتوبوا ويعودوا إلى الإسلام، وهو يقول: أيها الناس، إنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأكفر من لم يشهد هذه الشهادة. وهكذا كانت الوفود تجيء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا تخرج من بين يديه إلا وقد خالطت بشاشة الإسلام قلوبهم، فيعودوا إلى أقوامهم، ليعلموهم ما تعلموا. وإن ذلك تطبيق واستجابة لقوله تعالي: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة: ١٢٢) . وفد بنى حنيفة ٦٦٢- كان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم يستقبل الوفود، ويدعوهم إلى الإسلام، سواء منهم من اهتدى، ومن ضل وغوى، والناس قسمان قسم يطلب الحق ويبتغيه، ويجانب الشر، ولا يريد إلا الحق، ولم تدنس نفسه بدرن الهوى والباطل، ولم تركس فى مهاوى الهوى، وما يسول به الشيطان فى الأنفس، وقسم سيطرت عليه الأهواء فلا يتجه إلى الحق يبتغيه، ولكن يتجه إلى ما تهوى الأنفس، وما تضل به الأفهام، وتسيطر الأوهام.

стр. 972

والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يستقبل الفريقين، فمن طلب الحق واستقامت نفسه استجاب للحق، وأسلم، ومن ركبته الأهواء، حاول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إزالة الغشاوة التى تنسجها الأوهام، ومن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يريد الهداية للجميع، ولكن الله تعالى يقول: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ (القصص: ٥٦) . ومن هذا الصنف الثانى قوم مسيلمة الكذاب، وهو وفد بنى حنيفة. جاء وفد بنى حنيفة، وفيهم مسيلمة، وقد ستروه بثياب والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى يده عسيب من سعف النخل، وقد سأله مسيلمة بعض ما تحت سلطانه، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: لو سألتنى هذا العسيب الذى بيدى ما أعطيتكه، وإن الشر لا يظهر إلا فى أشرار، فقومه هم الذين شجعوه على ذلك، وكذلك قال لقومه: أما إنه ليس بشركم. وكان مسيلمة قبل أن يحضر قومه كتب للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كتابا قال فيه: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: «أما بعد فإنى أشركت فى الأمر معك، وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصفه، وليس قريش قوما يعدلون» . قدم رسوله على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا الكتاب. فكتب إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. وقدم من عند مسيلمة هذا رسولان قيل إنهما قدما بالكتاب الذى ذكرناه عنه، فقال لهما محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «تشهدان أنى رسول الله، فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما» . أتى بنو حنيفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهم على هذه الحالة النفسية، وعلى هذا الضلال العقلى، ولكن منهم من أسلم، ومع ذلك ارتدوا من بعد، ولقد استهواهم ضلال مسيلمة الكذاب عن الحق، وذلك بسبب العصبية الجاهلية، حتى كان قائلهم يقول: كاذب ربيعة خير من صادق مضر.

стр. 973

ولقد كان يزعم ذلك الكذاب المئوف العقل أنه يأتى بمثل القرآن الكريم، فيقول زاعم أن ما يقوله يشبه القرآن الكريم فى سجع سمح، «ولقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسخة نفى. من غير صفات وحشا» . وقد أخذ من قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لهم وليس بشركم، وهى ترمى إلى أنهم جميعا أشرار، وليس هو بشرهم، أخذ من هذا أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم أشركه فى رسالته، وأسقط عنهم الصلاة. وهكذا يذهب الضلال فى النفس، وتفعل العصبية الجاهلية فى الإدراك. وقد قال أفراده إن ذلك الوفد المشئوم، جاء فى السنة العاشرة، حتى عمت الدعوة الإسلامية، ولم يكن لهم مناص من الاتباع، فانحرفوا ذلك الانحراف. وفد طيىء ٦٦٣- قدم وفد طييء، وقد كان الإسلام ابتدأ فيهم قبل حضور هذا الوفد من وقت أن كانت السرية إليهم، وهم قوم فيهم خير. ولم يكن فيهم عناد كثقيف والانحراف فى الفكر كحنيفة واليمامة. كان على رأس الوفد زيد الخيل- الذى سماه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم زيد الخير، وروى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال فيه: «ما ذكر لى رجل من العرب بفضل ثم جاءنى، إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه» . وقد عرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الإسلام على الوفد، فأسلموا وحسن إسلامهم. وروى أن زيد الخير قد مات بحمى المدينة المنورة عقب مغادرة الوفد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وروى أنه مات بعد ذلك فى خلافة الإمام عمر رضى الله تعالى عنه. وكان له والدان قد نالا صحبة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فرضى الله ﵎ عنه. وكان له والدان قد نالا صحبة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فرضى الله ﵎ عنه. ولقد أقطعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أرضين، وكتب له كتابا بذلك، وكان ذلك الإقطاع فيما يظهر إقطاع منفعة، يستخرج المعادن والزيوت، ويزرع ما يصلح للزراعة، وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك فى الأراضى النائية عن المدينة المنورة ليمكن استغلالها، وإخراج ينابيع الثروة فى باطنها، ويقدمون فى ذلك أجرا لها، وقد يكون من غير أجر تأليفا للقلوب النافرة.

стр. 974

وفد كندة ٦٦٤- قدم الأشعث بن قيس على رأس وفد من كندة عدته ستون أو ثمانون رجلا، وقد دخلوا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بسلاحهم وبزينة، وقد لبسوا جببا حبرات مكفتة بالحرير. دخلوا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يسلموا فنكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حالهم، فقال لهم أو لم تسلموا، قالوا بلي، ثم قال ما هذا الحرير فى أعناقكم، فكانوا طائفتين، فأجابوا عن الاستنكار بأن شقوا الحرير ونزعوه من ثيابهم، وألقوه، فقال الأشعث بن قيس: نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار، (يظهر أن ذلك إشارة إلى قوة البأس، وأبى أن يعرب عن شرفه الذى ظهر بادى الرأي) وقد ضحك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقد قال هذا النسب ربيعة بن الحارث، والعباس ابن عبد المطلب، فقد كانا إذا سارا فى بلاد العرب، فسئلا من أنتما؟ قالا نحن بنو آكل المرار، يستعلون بذلك عند الناس، ويعتزون، ويظهرون البأس، والقوة، لأن آكل المرار كان ملكا فى كندة وكان أولاده ملوكا، فكانوا يسيرون باسمه آمنين. فلما قال الأشعث بن قيس للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار، يشير إلى ما كان بين الأشعث والعباس من صحبة، ما كان يقولانه فى صحبتهما وتجارتهما، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يستضحك مما كان يصنعه هو وعمه العباس الذى كان تاجرا. ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر نسبه الصادق، وأنه لا ينفيه. روى أحمد فى مسنده بسند متصل إلى الأشعث بن قيس قال: قدمنا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وفد كندة، ولا يرون إلا أنى أفضلهم فقلت ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: لا، نحن بنو النضر بن كنانة، لا نجفو أمنا، ولا ننتفى من أبينا. وكان للأشعث بن قيس ولاية فى بعض الدول الإسلامية فى عهد بنى أمية، فكان يقول: لا أوتى برجل نفى رجلا من قريش نسبه عن النضر بن كنانة إلا جلدته. أكرم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الوفد، وأعلن إسلامه، وعاد مرضيا آمنا مسلما.

стр. 975

وفد الأشعريين وأهل اليمن ٦٦٥- إن الأنصار ينتمون إلى قبائل يمينة، وكانوا هم الذين أحبوا الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهم الذين آووا ونصروا فكان لليمن محبة فى قلبه. ولقد جاء الأشعريون وأهل اليمن، أو ناس من أهل اليمن، جاؤا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مسلمين يريدون أن يتعرفوا مباديء الإسلام. ويستحافظوا القرآن الكريم. إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال عند قدومهم: قدم قوم هم أرق منكم قلوبا. فقدم الأشعريون، وجعلوا يرتجزون: غدا نلقى الأحبة ... محمدا وصحبه وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول، وقد وفدوا عليه، جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة، وأضعف قلوبا للإيمان، والحكمة يمانية والسكينة فى أهل الغنم والفخر والخيلاء فى أهل الوبر. وروى عن جبير بن مطعم أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: أتاكم أهل اليمن، كأنهم السحاب، وهم خيار من فى الأرض، فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول الله، فسكت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قال إلا نحن يا رسول الله: فسكت ثم قال: إلا أنتم ... كلمة ضعيفة. كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يقبل استثناءهم من أهل اليمن وهم الذروة والسنام. وإن الإسلام فى ذاته بشرى الخير لمن دخلوا فيه، لقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم لوفد بنى تميم: أبشروا يريد بالإسلام، فقالوا بشرتنا، فأعطنا، فغضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لهذه المادية الطامعة وقال للأشعريين: اقبلوا البشرى، فقالوا قد قبلنا، وفهموها معنوية لا مادية، ثم قالوا يا رسول الله جئنا لنتفقه فى الدين، ونسألك عن أول هذا الأمر، فقال ﵊ كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب فى الذكر كل شيء. وهنا نجد ظاهرة تبدو غريبة. وهى مسارعة أهل اليمن ومن حولهم إلى الإسلام، ومقاومة أهل مكة المكرمة للدين الجديد مع أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم منهم، وكان معروفا لديهم بالصدق والأمانة والبعد عما يؤثر فى الكمال الإنسانى.

стр. 976

ويبدو لنا أن السبب فى ذلك تشير إليه أمور: أولها: تمكن الوثنية عند كل أهل مكة المكرمة ومن حولها، وسيطرة الأوهام عليهم، واعتزازهم بأنسابهم. وثانيها: حب الرياسة فيهم التى نشأت من اقامتهم بالبيت الحرام، والاستمساك بسيطرتهم على العرب من طريق خدمتهم للبيت الحرام، وأنهم سدنته، وأن ذلك الدين الجديد ينزع منهم ما بأيديهم من سلطان، فاشتدت مقاومتهم، لا من جهة الإيمان، ولكن من جهة السلطان. وثالثها: أن أهل الجنوب اليمنى، كان فيهم علم بالأديان، فكان فيهم اليهود والنصارى، ولهم بذلك علم بالرسائل السماوية. ولم يكن اليهود الذين كانوا باليمن من بنى إسرائيل، بل كانوا من السامرة، وهم اليهود الذين اتبعوا موسى ﵇ من غير بنى إسرائيل، فلم تكن عندهم العصبية الإسرائيلية الحادة التى كانت تؤمن بأنه لا نبى إلا من بنى إسرائيل، ولما جاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، أنكروا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ (البقرة: ٨٩) . وكانوا لا يعترفون بالسامرة على أنهم من اليهود أتباع موسى، لأن اليهودية عندهم جنسية وليست بعقيدة، فكانوا يضطهدونهم، كما يحاولون إيذاء غيرهم من أى دين، وربما كان مجيء نبى من العرب مثير الحماستهم له. ورابعها: أنهم نظروا إلى الإسلام على أنه الدين الظاهر فى البلاد العربية، فسارعوا إليه، لأنه صار الدين الغالب، وصارت كلمة الله تعالى هى العليا. والله أعلم. وفد الأزد ٦٦٦- وهم من اليمن تجرى عليهم الأسباب التى ذكرناها فى مسارعتهم إلى الإسلام بعد أن امتدت كلمته فى البلاد العربية. قال ابن إسحاق: قدم وفد من الأزد، وكان على رأسهم صرد بن عبد الله الأزدى، قد أسلم وحسن إسلامه فأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن ومن جاورهم.

стр. 977

أخذ صرد بن عبد الله يجاهد من حوله من المشركين، وكان بجوارهم مدينة مغلقة يقال لها جرش، وبها قبائل من اليمن، وقد انضمت إليهم خثعم، فتضافروا معهم عندما علموا أن جيش المسلمين يسير إليهم بقيادة صرد بن عبد الله. حاصرهم فى مدينتهم جرش نحوا من شهر، وهم فيها ممتنعون، فترك الحصار، وأوى إلى جبل يقال له شكر، واعتصم به رجاء أن ينتهز فرصة، فيأتيهم من حيث لا يشعرون، ويفرقهم عن بلدهم. ظنوا أن صرد بن عبد الله ومن معه ولى عنهم منهزما أو يائسا من أن يقتحم بلدهم، فزين لهم أن يخرجوا فى طلبه، فكان خروجهم تمكينا له من ضربهم، فإنهم إذ أدركوه عطف عليهم، ولم يكن لهم معتصم يعتصمون به فقتلهم قتلا شديدا، وكانت الهزيمة الشديدة قد نزلت، وعلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك النصر الذى كان من عند الله تعالى العزيز الحكيم، ولم يكن بسرية من المدينة المنورة، ولكن بمن أسلم من العرب. وفى الوقت الذى علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيه بهزيمة المشركين كان عنده وفد من جرش جاءه عشية أن علم، وكان مسلما. سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وفد جرش وكان مكونا من اثنين: بأى بلاد الله تعالى شكر، فقالا: يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر، ولذلك تسميه أهل جرش، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنه ليس بكشر، ولكنه شكر. قالا له: فما شأنه يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «إن بدن الله لتنحر عنده الآن» . لم يفهم الرجلان مؤدى كلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فجلسا إلى الشيخين الجليلين فى الصحابة، أبى بكر وعثمان، رضى الله ﵎ عنهما، فسألا ماذا يريد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقال لهما صاحبا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ويحكما، إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ينعى إليكما قومكما، فاقدما إليه، فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما. فذهب الرجلان إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سألاه الدعاء لقومهما، فقال: اللهم ارفع عنهم. خرج الرجلان إلى قومهما، فوجدا قومهما قد أصيبوا فى اليوم الذى قال لهما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك، بل فى الساعة التى ذكر فيها ما ذكر.

стр. 978

ولقد جاء بعد ذلك وفد جرش فأسلموا وحسن إسلامهم، وحمى لهم حمى حول قريتهم ليستغلوه، وكان يفعل ذلك مع من يسلمون من أهل البلاد ليتمكنوا من استغلال الأرض كلها، وذلك نظير أجرة أو خرج يخرجونه، والله أعلم. وفد بني الحارث بن كعب ٦٦٧- كان يستقبل الوفود الذين يجيئون إليه مسلمين، وإن لم يكونوا مسلمين دعاهم إلى الإسلام إذا جاؤا إليه، وفى أكثر الأحيان يجيبون، وفى بعض الأحيان يجيبون بعد تردد، ومهما يكن فالإسلام يدخل ديارهم ومن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ومن بقى على دينه ورضى أن يعيش فى ظل الإسلام عقد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عقد الذمة. والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتعرف القبائل وأحوالها، فمن يجىء منها دعاه إلى الإسلام، وقبل منه ما يتقدم به، وإذا تخلفت قبيلة ولم يعرف إيمانها، ولم يتبين حالها، أرسل إليها سرية فدعوها إلى الإسلام، ومن هؤلاء بنو الحارث، فأرسل خالد بن الوليد فى شهر ربيع الآخر من السنة العاشرة إلى بنى الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، قبل أن يقاتلهم يدعوهم ثلاثا، فإن استجابوا قبل منهم، وإن لم يفعلوا قاتلهم. ذهب إليهم خالد بن الوليد، وبعث الركبان يضربون فى كل وجه، ويدعون إلى الإسلام يقولون لهم أسلموا تسلموا. أسلم الناس، ودخلوا فى دين الله، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام، وكتب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك. كتب إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقبل، ويكون معهم وفد منهم، فأقبل معه وفدهم فيهم قيس بن الحصين ذو العصبة، ويزيد بن عبد المدان وغيرهما. قال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «بم كنتم تغلبون من قاتلكم فى الجاهلية» ؟ قالوا لم نكن نغلب أحدا؟ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. بلى. قالوا كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم، استنطقهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. ليعلنوا أخلاقهم، لأنه يقر هذه الأخلاق، ويريد منهم الاستمرار عليها، لأنها أخلاق إسلامية. أمرهم واحد يجتمعون ولا يتفرقون ولا يعتدون، فهم لا يحاربون.

стр. 979

وقد أمر عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم، بعد أن مكثوا فى المدينة المنورة أشهرا تعرفوا فيها الدين واستحافظوا بعض القرآن الكريم. وإنا نرى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا رأى من وفودهم استجابة للإسلام، وشيوعه بينهم أمر عليهم أميرا، يكون متصلا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وبذلك يكونون جميعا فى ولاية واحدة، هى ولاية الإسلام التى يجتمعون حول لوائها، غير متفرقين، ولا متخاصمين. وفد همذان ٦٦٨- أقبل وفد همذان مسلما، غير متردد، ولا متلوم، وكان فيهم مالك بن النمط، وغيره، وكان هذا الوفد عقب رجوعه من تبوك. وقد حضر هذا الوفد على أتم زينة ومظهر، فقد حضروا وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية على الرواحل، ويظهر أن ملابسهم وإن كانت منمقة فيها زينة وزخرف لم يكن فيها حرير، أو ذهب، ولذلك لم يستنكر شيئا من لبسهم. وقد جاؤا فى سرور بإسلامهم، ولقائهم بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى إن مالك بن النمط أخذ يرتجز بين يدى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. إليك جاوزن سواد الريف ... فى هبوط الصيف والخريف مخطمات بحبال الليف وتكلموا بكلام فصيح أمام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد قدم لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمرين: أولهما: أنه أمر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بجهاد من يقرب منهم من المشركين أو الكفار بشكل عام. وقد عاونهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإرسال خالد بن الوليد فى سرية كما روى البيهقى ليدعو فى اليمن إلى الإسلام، وقال البيهقى: مكث ستة أشهر يدعوهم. وقال البراء بن عازب: كنت فيمن أرسلهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع خالد بن الوليد، إلى أهل اليمن، وقد مكث يدعوهم إلى الإسلام ستة أشهر، فلم يجيبوه، ويظهر أنه كان قائد حرب ولم يكن داعيا إلى الإسلام.

стр. 980

ولذلك بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من بعد ذلك بعلى بن أبى طالب فلما دنا من الجمع اليمنى المسالم، وإن لم يكن قد دخل كله فى الإسلام، وقد خرجوا فلم يقاتلهم ولم يدعهم إلى الإسلام بالقول، بل برسالة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، فصف من معه من المسلمين صفا واحدا، ثم تقدم فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. بعد قراءته كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسلمت همذان كلها. وهذا ما جاء فى صحيح البخارى. وفى الحق أنه قد جاء فى أخبار الوفود كلام لم تثبت صحته، فقد قيل إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كلف همذان بقتال ثقيف، وهذا غير معقول فى ذات نفسه؛ لأن ثقيفا بالطائف وهمذان باليمن، ولأن ثقيفا كانت قد أسلمت برسالة وفدها، وهدمت اللات طاغيتهم. وفى الحق أن تاريخ قدوم الوفود على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يدون بدقة. قدوم وفد دوس ٦٦٩- قدم وفد دوس على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يجاهد فى خيبر فهو لم يقدم عليه فى السنة التاسعة التى توصف بأنها عام الوفود، والدعوة إلى الإسلام عن طريقهم. وكان على رأس هذا الوفد المسلم الطفيل بن عمرو الدوسى. وقد أسلم والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يهاجر إلى المدينة المنورة، وأمره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على قومه دوس يدعوهم إلى الإسلام فأسلم بعض عشيرته الأقربين، ولم يجيء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم موفدا من قومه المسلمين إلا بعد ذلك فى السنة السابعة وهو فى خيبر، ولقد أسهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لهم فى الغنيمة، لأنهم اشتركوا فيها. وقصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسى ودعوته لقومه، ثم امتناعهم، ثم إسلامهم يحكيها رضى الله عنه، فلنتركه يحدثنا بها، إذ كان قد قدم مكة المكرمة وكان رجلا شريفا لبيبا، مستقيم النظر فأحاطت به قريش تمنعه من أن يستمع إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتقول له: إن كلامه كالسحر يفرق بين الرجل وولده وأبيه وزوجه. أصاخ إلى كلامهم، ويقول فى ذلك «فو الله ما زالوا بى، حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا، فرقا من أن يبلغنى شيء من قوله فغدوت إلى المسجد فإذا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قائم يصلى، فقمت قريبا منه، فأبى الله تعالى إلا أن يسمعنى بعض قوله. فسمعت كلاما

стр. 981

حسنا، فقلت فى نفسى، وا ثكل أماه، والله إنى لرجل لبيب شاعر، ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنا قبلت، وان كان قبيحا تركته. فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بيته، فتتبعته، حتى إذا دخل بيته، دخلت عليه فقلت: إن قومك قالوا لى كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفوننى أمرك، حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع قولك، فأبى الله تعالى إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولا حسنا ... فاعرض على أمرك، فعرض على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الإسلام، وتلا عليّ القرآن الكريم، فو الله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله، إنى امرؤ مطاع فى قومى، وإنى راجع إليهم، فداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لى آية تكون عونا لى فيما أدعوهم إليه، فقال: النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «اللهم اجعل له آية» ، وبعد أن ذكر هذه الآية، وهو نور جاء على وجهه، ثم على وسطه. قال بعد ذلك: «لما نزلت أتانى أبى وكان شيخا كبيرا، فقلت: إليك عنى يا أبت، فلست منى، ولست منك، قال: ولم يا بنى، قلت قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال يا بنى دينى دينك. فقلت: اذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال، حتى أعلمك ما علمت ... ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتنى صاحبتى فقلت لها إليك عني، فلست منك، ولست منى: فقالت لم بأبى أنت وأمى؟ قلت فرق الإسلام بينى وبينك، أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. قالت فدينى دينك، قلت فاذهبى فاغتسلى ... ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت. بعد ذلك انتقل من الدعوة الخاصة إلى دعوة دوس عامة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يستنكروا ولكن أبطأوا. عاد إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال له: يا رسول الله إنى قد غلبنى على دوس الزنا (أى اتباعهم لأهوائهم وشهواتهم) فادع عليهم، ولكن الهادى الأمين رسول رب العالمين صلى الله تعالى عليه وسلم لم يدع عليهم بل دعا لهم بالهداية، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: «اللهم اهد دوسا» ثم قال لطفيل: ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله تعالى وارفق بهم. فرجع إليهم، واستمر بأرضهم يدعوهم إلى الإسلام، حتى استجابوا أو أكثرهم. بعد هذا جئت إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بوفد، فنزلت المدينة المنورة بسبعين أو ثمانين فى وقت توزيع الغنائم من خيبر، فأسهم لهم مع المسلمين.

стр. 982

ولقد حسن إسلام الطفيل وقوى إيمانه، وإن الابتداء يدل على قوة الانتهاء، فقد ابتدأ طالبا للحق مع الموانع والسدود التى وضعتها قريش فى سبيل إيمانه فاجتازها، ووصل الإيمان إلى قلبه، وكان الداعية فى قومه، حتى هداهم إلى سداد. وإن قصة إيمان ذلك الرجل تدل على قوة نفسه وعقله وخلقه، وأن المنع لم يجعله يمتنع بل جعله يبحث ويفكر، فإذا كانوا قد زينوا إليه ألا يسمع من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقد زين الإيمان فى قلبه أن يذهب وراء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى داره. وهو قد باعد التقليد عن قلبه، والتقليد هو الذى يعمى عن الحقائق، ويمنع الاتجاه إليها. قدوم رسول ملوك حمير ٦٧٠- الإسلام بعد علم العرب أجمعين به صار هو يدعو لنفسه، لما اشتمل عليه من حقائق ولأنه دين الفطرة، ولم تعد الحوائل تحول بينه وبين الناس، فصار الناس يدخلون فيه طواعية من غير أى نوع من أنواع الإكراه أو التقليد، أو الاتباع من غير علم، بل صارت الحقائق واضحة نيرة. لا يمنع نصرانى ولا يهودى من الاتباع، فاستقامت قلوبهم. ورضوا بالإسلام دينا، ولم يعد الأمراء يقفون محاجزين بين الأقوام والإيمان، وخصوصا بعد أن علموا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يبقى الأمير على إمرته ما استقام أمره، وما عدل فى قومه. ولم يرهقهم من أمرهم عسرا. وكانت الوفود تجيء إليه معلنة الإسلام. ومنهم من كان يرسل رسولا، وملوك حمير وهم يمثلون الكثرة الكاثرة فى اليمن لما رأوا الإسلام قد غلب فى كل أرض الشمال، وتراجعت أمامه جيوش الروم التى كدسوها لغزو الإسلام، واقتلاعه، واقتلاع عز العرب، فعاد جندهم ولم يلاقوا محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن قتلت جنوده مع قلة عددهم منهم مقتلة عظيمة، وعادوا بحكمة خالد بن الوليد سالمين لم يفقدوا إلا بضعة عشر رجلا. أدرك ملوك حمير قوة الإسلام منطقا وعقلا وحقا، وأدركوا شوكة الإسلام أمام الرومان فأرسلوا رسلا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعلنون إسلامهم، والملوك كحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين، ومعافر وهمدان وزرعة ذويران مالك بنى مرة الرهاوى، قد أعلنوا الإسلام، ومفارقة الشرك. وقد كتب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كتابا للوفد الذى جاءه يبين فيه حقائق الدين وما يجب على الأفراد، ليعلموا به من وراءهم، وإليكم الكتاب كما رواه الواقدى:

стр. 983

بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد النبى إلى الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال والنعمان (قيل ذى رغين) ومعافر وهمدان. أما بعد ذلكم- فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، فإنه قد وقع نبأ رسولكم منقلبا من أرض الروم. فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به، وخبرنا ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم، وقتلكم المشركين، وأن الله تعالى قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من الغنائم حق الله تعالى، وسهم النبى (صلى الله تعالى عليه وسلم) ، وما كتب على المؤمنين فى الصدقة العقار عشر ما سقت العين، وما سقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر. وإن فى الإبل فى الأربعين ابنة لبون، وفى ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفى خمس من الإبل شاة، وفى كل عشر من الإبل شاتان، وفى كل أربعين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين تبيع جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها، شاة. وأنها فريضة الله تعالى التى فرضها على المؤمنين فى الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، ومن أدى ذلك، وأشهد على إسلامه، وظاهر المسلمين على المشركين، فإنه من المؤمنين له ما لهم، وعليه ما عليهم، وأنه من أسلم من يهودى أو نصرانى فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم. ومن كان على يهوديته أو نصرانيته، فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل حالة ذكرا أو أنثي، حر أو عبد دينار وافر من قيمة المعافرى (ثياب وبرود منسوبة إلى معافر) أو عرضه ثيابا، فمن أدى ذلك إلى رسول الله فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه، فإنه عدو لله ولرسوله. أما بعد: إلى زرعة ذى يزن إذا أتاك رسلى، فأوصيكم بهم خيرا، معاذ بن جبل، ومالك بن عبادة وعقبة بن عمر، ومالك بن مرة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة، والجزية، من مخالفيكم، وأبلغوها رسلي. وإن أميرهم معاذ بن جبل، فلا ينقلبن إلا راضيا. أما بعد فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله، وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوى قد حدثنى أن أسلمت من أمرك حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرا ولا تحزنوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله هو ولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لأهل بيته، إنما هى زكاة مزكى بها على فقراء المسلمين، وابن السبيل، وأن مالكا قد بلغ الخبر، وحفظ الغيب، وآمركم به خيرا، وإنى قد أرسلت إليكم من صالحى أهلى، وأولى دينهم وأولى علمهم فامركم بهم خيرا، فإنهم منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 984

هذا كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لملوك حمير، وقد كان يخص بعضهم بخطاب، إذ تعدد فيه لفظ أما بعد، مما يدل على أنه يخص بعضهم بالخطاب، وإن كان مضمونها جميعا واحدا. وفى هذا الكتاب بين الله فريضة الزكاة فى الزرع والثمار والسوائم، ويلاحظ أنه لم يذكر إلا زكاة الأموال الظاهرة والأموال الباطنة وهى الدراهم والدنانير، وما يتعلق بها من عروض التجارة قد بينها صلى الله تعالى عليه وسلم فقال فى كل مائتى درهم خمسة دراهم، وروى أنه قال فى كل عشرين مثقالا نصف مثقال، ولعله لم يذكر زكاة الأموال الباطنة، لأنه يذكر ما يجمعه الإمام، أو والى الصدقات، أما الأموال الباطنة، فإن أصحاب المال يؤدونها. ولعل هذا هو المسوغ به الإمام ذو النورين عثمان ولاة الصدقات، بأن يجمعوا زكاة الأموال الظاهرة، ويتركوا الأموال الباطنة، وكأنه أنابهم عنه فى أدائه، بحيث إذا ثبت أنهم لا يؤدونها أخذها منهم. ويلاحظ فى كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ذكر زكاة الزرع والثمار بأنها زكاة العقار، وإن كانت تؤخذ من غلاته، نصف العشر وإن سقيت بالة، والعشر إن سقيت بماء العيون أو ماء السماء وإن هذا النص يفهم أن العقار فيه زكاة، وقد كان العقار المثمر هو الأراضى الزراعية وثمار الأشجار. وذلك لأن النصاب فى الزكاة مال نام، والزرع ثمار الأرض، والشجر نماؤه الثمر. وقد كانت البيوت والدور والحوانيت تتخذ للحاجات الأصلية، فلم يكن لها ثمار بذاتها، وكذلك أدوات الصناعة. والآن قد صارت الدور لا تتخذ للإقامة فقط، بل تتخذ للاستغلال، والنماء بإجارتها فكان لا بد من زكاتها، لأنها مال نام بالفعل، ولأنها عقار، وقد ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم زكاة العقار المزروع بأنه العشر إن سقى بغير آلة، وإن سقى بالة فنصف العشر، وهنا نجد القياس لا يتجه إلى أصل زكاة العقار، فهو ثابت بالنص، إنما يتجه إلى طريقة أخذ الزكاة، فتقاس الغلات بالإجارة على الزرع والثمار. ولذا نرى أن يؤخذ عشر الصافى بعد النفقات التى تنفق على المبانى والتحصيل. ٦٧١- كتاب آخر لليمن: كان الكتاب السابق فيه دعوة إلى الإقرار بالإسلام والحث عليه وما يجب عليهم من جمع الزكوات، والجزية، أى تكوين ميزانية دولة الإسلام، وهناك كتاب آخر كتبه لعمرو بن حزم عندما بعثه إلى اليمن، وهو خاص بالواجبات التى تجب على الآحاد، فهو يفقههم فى الدين ويعلمهم السنن، ويأخذ صدقاتهم، وهذا نص الكتاب وقد رواه الحافظ البيهقى.

стр. 985

«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهدا من رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، آمره بتقوى الله تعالى فى أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وآمره أن يأخذ بالحق، كما أمره الله تعالى. وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم فى الدين، وأن ينهى الناس، فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر، وأن يخبر الناس بالذى لهم، والذى عليهم، ويلين لهم فى الحق، ويشتد عليهم فى الظلم، فإن الله حرم الظلم ونهى عنه، فقال ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله، وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس بالنار وعملها، ويستألف الناس حتى يتفقهوا فى الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه، وما أمر الله به، والحج الأكبر الجامع، والحج الأصغر، العمرة، وأن ينهى الناس أن يصلوا فى ثوب واحد صغير، إلا أن يكون واسعا ... وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعو العشائر والقبائل، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين وأن يمسحوا رؤوسهم، كما أمر الله ، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود، وأن يغلس بالصبح. ثم يذكر بعد ذلك أحكام الخمس فى الغنائم، وأحكام الزكوات، ونصابها وما يؤخذ من مقاديرها أ. هـ. وفى هذا يتبين أن أولى الأمر عليهم أن يجمعوها إذا كانت ظاهرة، وعلى الناس أن يؤدوها ظاهرة وباطنة، وإن كانت الثانية الأمر فيها إلى الضمائر، والله أعلم بالسرائر. وفد نجران ٦٧٢- أخذ المشركون يسلمون تباعا لما عم سلطان الوحدانية البلاد، وما أسلموا رهبا من قوة فى أكثر الأحوال، بل أسلم الأكثرون رغبا فى الإسلام، وقد زالت عنهم غشاوة الوثنية وخرجوا من التقليد للآباء إلى الاستنارة بنور الإسلام، ورأوا أن آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون. هذا ما كان من المشركين، كان الإسلام يدعو لنفسه فيهم بعد أن زالت عنهم عماية الجاهلية وغشاوة الوثنية- أما اليهود والنصارى- فقد علمت أمر اليهود منهم، ومغالبتهم للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالخيانة والنفاق، وتأليب الناس عليه، بعد عهود أخذوها على أنفسهم، ومن كان منهم فى غير جوار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد أخذ عليهم ميثاق الأمان على أن يؤدوا الجزية، كما رأينا فى كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأمراء الجنوب عندما ذكروا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن عندهم يهودا ومجوسا، يريدون أن يبقوا معهم من غير أن يغيروا دينهم الذى ارتضوا، فأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يؤدوا الجزية، ولا يرد عليهم دينهم.
следующие страницы →