← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9801

الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (297 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

«قل.. يسمع لك» «١» ، ولمّا خلا نداؤنا له ﷺ في حياته وبعد موته ب (يا محمد) عن التعظيم.. كان حراما، كما يأتي أواخر الكتاب. [المسألة] الثالثة: صرح النووي رحمه الله تعالى في «أذكاره» وغيره بكراهة إفراد الصلاة عن السلام وعكسه، واستدل بورود الأمر بهما معا في الآية «٢» ، واعترض بما مرّ في الأحاديث من أن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة، فأفرد التسليم مدة قبل الصلاة في التشهد، ويردّ بأن الإفراد في ذلك الزمن لا حجة فيه؛ لأنه لم يقع منه ﷺ قصدا، كيف والآية ناصّة عليهما؟! وإنما يحتمل أنه علّمهم السلام، وظن أنهم يعلمون الصلاة، فسكت عن تعليمهم إياها، فلما سألوه عن تعليمها.. أجابهم لذلك، على أنه لا إفراد حقيقة، لما يأتي في معنى قولهم: (كيف نصلي عليك) ، والحق أن المراد بالكراهة خلاف الأولى؛ إذ لم يوجد هنا مقتضيها من النهي المخصوص، وما وقع في «الأم» وغيرها من الإفراد خطا لا دليل فيه؛ لاحتمال الجمع لفظا. فإن قلت: الإفراد خطا مكروه أيضا على ما صرح به غير واحد.. قلت: هو وإن صرح به الزين العراقي وغيره.. فيه نظر؛ فقد وقع من الشافعي وغيره كما تقرر، وهو يرد على من ادعى الكراهة. قيل: والمراد بالسلام في قولهم: (أما السلام عليك فقد عرفناه) .. سلام التحلل من الصلاة، وهو بعيد جدا، والأظهر- بل الصواب-: أنه ما علّمه لهم في التشهد، وهو: (السلام عليك أيها النبي) . ومما ورد في فضل السلام عليه ﷺ حديث: «لمّا كانت ليلة بعثت.. ما مررت بشجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» «٣» .

стр. 107

وحديث: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث» «١» ، وفي لفظ: «إن بمكة حجرا كان يسلم عليّ ليالي بعثت، إني لأعرفه إذا مررت عليه» «٢» ، وفيه إيماء إلى ما اشتهر على ألسنة الخلف عن السلف أنه الحجر البارز الآن بزقاق المرفق؛ لأنه كان على ممرّه ﷺ إلى بيت خديجة. [معنى السلام عليه ص] وحديث: «علّم جبريل رسول الله ﷺ كيف يتوضأ، فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم انصرف؛ فلم يمر على حجر ولا مدر.. إلا وهو يسلم عليه يقول: سلام عليك» «٣» . واختلف في معناه: فقيل: (السلام) الذي هو من أسماء الله تعالى (عليك) أي: لا خلوت من الخير والبركة، وسلمت من كل مكروه؛ لأن اسم الله تعالى المنقول من معنى إذا ذكر على شيء.. أفاده ذلك. وقيل: بمعنى السلامة من المذام والنقائص؛ فمعنى (اللهم سلم عليه) : اللهم اكتب له في دعوته وأمته وذكره السلامة من كل نقص؛ لتزداد دعوته على ممر الأيام علوا، وأمته تكاثرا، وذكره ارتفاعا. وقيل: من المسالمة والانقياد، وعلى الأخيرين إنما عدّي ب (على) لأنّ المعنى: قضى الله به عليك، وقضاؤه تعالى إنما ينفذ في العبد من أجل ملكه وسلطانه الذي عليه؛ فلإفادة (على) ذلك كانت أبلغ من (لك) . [حكمة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في التشهد] وخوطب بالحضور مع أن سياق التشهد يقتضي الغيبة؛ لأن المصلي لمّا

стр. 108

استفتح باب الملكوت بالتحيات.. أذن له بالدخول في حرم الحي الذي لا يموت، فقرّت عينه بالمناجاة، فنبّه على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفت فإذا الحبيب حاضر ثمّ، فأقبل عليه قائلا (السلام عليك ... ) إلخ. ولا يعارض وجوب الخطاب الخبر الدالّ على اختصاص ذلك بحياته ﷺ ، وهو ما صح عن ابن مسعود: (أنهم كانوا في حياته ﷺ يقولون في التشهد: السلام عليك أيها النبي، فلما قبض.. قالوا السلام على النبي) «١» لما بينته في «شرح العباب» «٢» . وأيضا: فلفظه ليس صريحا في أن هذا إجماع، وإنما هو حكاية عن جمع، وليس حجة على غيرهم، على أنه يلزمهم أحد أمرين: إما أنهم في بعدهم عنه في حياته بنحو سفر كانوا لا يخاطبونه، فينافي عموم قوله: (كانوا

стр. 109

في حياته يقولون: السلام عليك) ، وإما أنهم يخاطبونه، فهو في مماته كهو حال بعدهم عنه في حياته؛ إذ هو حي في قبره يصلي كما يأتي «١» . ووصف أولا بالنبوة هنا، ثم بالرسالة آخر التشهد؛ لأنهما كذلك وجدتا في الخارج لتقدم نبوته على رسالته بنحو ثلاث سنين، كما بينته في أول «شرح الشمائل» «٢» . وقدم السلام على الصلاة هنا عكس الآية؛ لأن الغرض المقصود منها التعليم والإتيان بالمأمور به، وذلك يبدأ فيه بالأهم الأحق بالمعرفة والفعل، وهو الصلاة؛ لأنها لعلوّ مقامها اختصت بالله تعالى وملائكته، ولأنها تستلزم السلام بمعنى التحية بخلاف السلام؛ فإن من معانيه ما لا يتأتى في حق الله تعالى وملائكته، وهو الانقياد والإذعان كما مرّ، وأيضا: فهو لا يستلزم الصلاة، فكان دونها في الرتبة. ومبنى الصلاة ذات الأركان على أنه يترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى في كل مقام من مقاماتها، وتشهّدها الأخير هو غايتها، فبدىء فيه بالثناء على الله تعالى بأكمل الأوصاف وأجمعها، وهو إثبات التحيات وما بعدها لله تعالى على الوجه الأكمل الأبلغ، وهذا هو الغاية المطلوبة من الصلاة بالنسبة إلى تعظيم الله والخضوع [له] .

стр. 110

ثم لمّا تمّ هذا المقام.. انتقلنا لمقام من وصلت لنا تلك الهداية الباهرة على يديه، فابتدأناه بمخاطبته بالسلام عليه؛ إشارة إلى حضوره معنا بالمعنى، ثم بالسلام على خلفائه في الهداية والبلاغ، وهم الصالحون، ثم ختمنا ذلك بمقام التوحيد الذي به ينتظم شمل تينك المرتبتين؛ مرتبة الثناء على الله تعالى، والثناء على رسوله ﷺ وخلفائه. ثم لمّا تمّ ذلك انتقلنا إلى أعلى ما يستحقه ﷺ علينا من الثناء، وهو الصلاة عليه ﷺ ، فختمنا به، وجعلناه وصلة إلى استجابة دعائنا الذي أمرنا به عقبه، فتأمل ذلك وتدبره.. تعلم فرقان ما بينه وبين غيره مما أطيل به في الجواب عن ذلك، مع أنه لا يجدي شيئا، كما يعلمه من وقف عليه. [المسألة] الرابعة: اختلف في المراد بقولهم: كيف نصلّي عليك؟ فقيل: هو سؤال عن صفتها لا عن جنسها؛ لأنهم فهموا أصلها، فسألوا عن الصفة اللائقة به ﷺ ليستعملوها. وقيل: عن معناها، وبأي لفظ تؤدّى؛ لأن لفظها المأمور به في قوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم، فسألوا: بأيّ لفظ يؤدّى ذلك؟ والأرجح الأول، كما قاله الباجي وغيره، وجزم به القرطبي؛ لأن لفظ (كيف) ظاهر في الصفة، وأما الجنس فيسأل عنه ب (ما) . والحامل لهم على ذلك أن السلام لمّا ورد في التشهد بلفظ مخصوص.. فهموا أن الصلاة أيضا تقع بلفظ مخصوص، ولم يفروا إلى القياس لتيسر الوقوف على النص، سيما والأذكار يراعى فيها اللفظ ما أمكن، فوقع الأمر كما فهموه؛ فإنه لم يقل لهم: كالسلام، بل علّمهم صفة أخرى.

стр. 111

[المسألة] الخامسة: في بيان ألفاظ مرّت في صلاة التشهد: منها: [معنى قوله: (اللهم) ] (اللهم) كلمة كثر استعمالها في الدعاء، وهي بمعنى: يا ألله، ف (الميم) عوض عن (يا) ، ومن ثمّ لا يجمع بينهما إلا نادرا، ولا يقال: اللهم عفو، بل اعف، أو عفوا بالنصب، وقيل: ميمها ك (واو) الجمع؛ أي: يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى، وشدّدت لتكون عوضا عن علامة الجمع، ومن ثمّ جاء عن الحسن البصري: أنها مجتمع الدعاء، وعن النضر بن شميل: من قالها.. فقد سأل الله تعالى بجميع أسمائه، وعن أبي رجاء: أن في مادتها تسعة وتسعين اسما من أسمائه تعالى. [معنى قوله: (محمد) ] و (محمّد) : علم منقول من اسم مفعول المضعّف، لمن كثرت خصاله المحمودة، وقد كثرت محامده ﷺ حتى صار هو صاحب المقام المحمود، الذي يغبطه به الأولون والآخرون، ويحمده فيه أهل الموقف كلّهم، فجمعت له معاني الحمد وأنواعه، وجعل لواؤه ﷺ لواء الحمد، وهو اللواء الجامع الذي دخل تحته آدم ومن دونه، ومما يدل على عظم موقعه: أنه تعالى يلهمه نبيّه ﷺ حين يخر ساجدا. ولم يسمّ ب (أحمد) أحد قبله ﷺ ولا ب (محمد) ، لكن لما شاع قبيل ولادته ﷺ أن نبيا يبعث اسمه محمد.. سمّى قوم من العرب أبناءهم بذلك؛ رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وعدتهم خمسة عشر، خلافا لما في «الشفا» و «الروض» «١» ، وفيه كبقية أسمائه ﷺ أبحاث بينت المهم

стр. 112

منها في «شرح الشمائل» «١» .

стр. 113

[معنى قوله: (الأمي) ] و (الأميّ) - بالتشديد-: منسوب إلى الأم، وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، كأنه على أصل ولادة أمه أو مثلها؛ إذ الغالب في النساء عدم الكتابة، وقيل: نسبة لأم القرى، وقيل: للأمة التي لا تقرأ ولا تكتب في الأغلب، وهم العرب، وقيل: للأمة لكثرة اهتمامه بها، وقيل: لأم الكتاب لنزولها عليه، أو لدعائه إلى التصديق بها، وقد كان عدم الكتابة معجزة لنبينا ﷺ مع ما أوتيه من العلوم التي لا حدّ لها ولا غاية، ووقوع الكتابة منه في قصة الحديبية على الخلاف فيه.. معجزة له أيضا. [معنى قوله: (أزواجه) ] و (أزواجه) ﷺ : - أولهن: خديجة رضي الله تعالى عنها، تزوجها وهي بنت أربعين، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله تعالى برسالته، فامنت به ونصرته، وكلّ أولاده ﵊ منها إلا إبراهيم؛ فإنه من سرّيّته مارية القبطية، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين في الأصح. - ثم سودة بنت زمعة، تزوجها قبل أن تفرض الصلاة على الجنازة بعد موت خديجة بأيام، وماتت سنة ثلاث وعشرين. - ثم عائشة رضي الله تعالى عنها، ولم يتزوج ﷺ بكرا غيرها، وبنى بها في شوال- ثامن شهور الهجرة- وهي بنت تسع، ماتت في رمضان سنة ثمان وخمسين. - ثم حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما، تزوجها في شعبان بعد ثلاثين شهرا من الهجرة، توفيت رضي الله تعالى عنها في شعبان سنة خمس وأربعين.

стр. 114

- ثم زينب بنت خزيمة الهلالية، وتكنى: أمّ المساكين؛ لكثرة نفقتها عليهم، تزوجها في رمضان من السنة الثالثة، ثم ماتت بعد ثمانية أشهر، ولم يمت منهن بعد الهجرة بالإجماع في حياته غيرها. - ثم أمّ سلمة، تزوجها أواخر شوال سنة أربع، وماتت سنة اثنتين وستين. - ثم زينب بنت جحش تزوجها لهلال ذي القعدة سنة أربع على الأصح، وماتت سنة عشرين. - ثم جويرية بنت الحارث المصطلقيّة تزوجها سنة ست، وماتت سنة ست وخمسين. - ثم ريحانة بنت شمعون من بني النضير إخوة قريظة، وقعت في سبي بني قريظة، فأعتقها ﷺ وتزوجها بصداق خمس مئة درهم كبقية نسائه، وقيل: كانت سرّيّة، وماتت في حياته، وقيل: بعده. - ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان الأموية، تزوجها ﷺ وهي عند النجاشي سنة سبع، وأصدقها عنه أربع مئة دينار، وماتت بالمدينة بعد الأربعين. - ثم صفية الإسرائيلية، من ولد هارون أخي موسى صلى الله على نبينا وعليهما وسلم، تزوجها سنة سبع، وماتت سنة خمس- وقيل: اثنتين- وخمسين. - ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها بسرف، وماتت سنة إحدى وخمسين، ودفنت به. فهؤلاء الاثنتا عشرة جملة من دخل بهن، وعقد على سبع ولم يدخل بهن «١» .

стр. 115

تنبيه: جاء في رواية الاقتصار على (أزواجه) ، وفي أخرى وصفهن ب (أمهات المؤمنين) ، والأولى تشمل غير المدخول بهن بخلاف الثانية. وقاعدة أن المقيّد يحكم به على المطلق، والخاصّ يحكم به على العام.. تبين أن المراد المدخول بهن. [معنى قوله: (الذرية) ] و (الذّرّية) - بضم المعجمة وقد تكسر-: نسل الإنسان من ذكر وأنثى، وقد تخص بالنساء والأطفال، ومنه ذراري المشركين من الذرء، وهو الخلق، ولكثرتها أسقط الهمز، وقيل: من ذرّ فرّق، أو من الذّر؛ لأنهم خلقوا أولا مثل الذر، وهو النّمل الصغير، وعليهما فلا أصل له في الهمز. ويدخل فيهم أولاد البنات اتفاقا على ما قاله ابن الحاجب، لكن ردّ بأن مذهب أبي حنيفة: أنهم لا يدخلون، وهو رواية عن أحمد. نعم؛ أجمعوا على دخول أولاد فاطمة في ذريته ﷺ ؛ خصوصية لهم لشرف هذا الأصل العظيم، والمحتد الكريم «١» . [معنى قوله: (الآل) ] و (الآل) قيل: أصله أهل، قلبت الهاء همزة ثم سهلت، بدليل أهيل، وهذا هو المشهور، وهو مذهب سيبويه ومحققي النحاة، وقيل: أول من آل يؤول إذا رجع، بدليل أويل، حكاه الكسائي «٢» ، ويختص بالإضافة إلى معظّم ك (حملة القرآن آل الله) «٣» ، وإنما قيل: آل فرعون لتصوره بصورة

стр. 116

العظماء، ويضاف للضمير على الأصح، لا لغير العاقل، ويدخل المضاف إليه فيه ك (فعل آل فلان كذا) إلا بقرينة، ومنه «١» : قوله ﷺ للحسن: «إنّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة» «٢» فإن ذكرا معا.. فلا كالفقير والمسكين. والمراد بهم هنا عند الشافعي والجمهور رضي الله تعالى عنهم: من حرمت عليهم الزكاة، وهم مؤمنو بني هاشم والمطلب، بدليل قوله ﷺ للحسن ما ذكر، وقوله: «وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد» «٣» . وقيل: أزواجه وذريته للتعبير بهما في رواية مكان «آله» ، وردّ بأنه صح الجمع بين الثلاثة، فدل على تغايرها. وقد يطلق الآل على الزوجات، كما في خبر عائشة: (ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثا) «٤» . وقيل: ذرية فاطمة خاصة. وقيل: ذرية عليّ والعباس وجعفر وعقيل وحمزة، وهم ورّاثه لو فرض أنه يورث، وبالغ بعضهم في الانتصار لهذا القول، فقال: من فسر الآل بغير هؤلاء.. فقد غلط، وليس كما زعم. وقيل: جميع قريش. وقيل: جميع أمة الإجابة، ومال إليه مالك، واختاره الأزهري وبعض

стр. 117

الشافعية، ورجّحه النووي في «شرح مسلم» «١» ، لكن قيده القاضي حسين وغيره بالأتقياء منهم، ويؤيده قوله تعالى: إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ، قيل: فيحمل كلام من أطلق عليه، وقيل: يبقى على إطلاقه بأن يراد بالصلاة الرحمة المطلقة، وخبر «آل محمد كل تقي» .. سنده واه جدا «٢» ، وروي عن جابر من قوله بسند ضعيف «٣» . وأفتى ابن عبد السلام (بأن الأولى الاقتصار على ما ورد من ذكر الآل والأزواج والذرية دون الأصحاب) «٤» ، وهو ظاهر بالنسبة لصلاة التشهد، أما الصلاة خارج الصلاة.. فالأولى ذكر الصحب فيها؛ لأنها إذا أطلقت على جميع الآل ومنهم من ليس بصحابي.. فعلى الصحابي أولى. [معنى قوله: (البركة) ] و (البركة) : النمو وزيادة الخير والكرامة، وقيل: التطهير من العيب، وقيل: استمرار ذلك، ومنه بركة الماء لإقامته فيها، وبرك البعير إذا لزم محله الذي أنيخ فيه، ويقال: للميمون مبارك؛ أي: محبوب مرغوب فيه؛ فمعنى (اللهم بارك على محمد) : اللهم أعطه من الخير أوفاه، وأدم ذكره وشريعته، وكثّر أتباعه، وعرّفهم من يمنه وسعادته أن تشفّعه فيهم، وتحلّهم دار رضوانك؛ فيجمع التبريك عليه الدوام والزيادة والسعادة، (وعلى آله) أن يعطوا من الخير ما يليق بهم، ويدام لهم ذلك. [معنى قوله: (إبراهيم) ] و (إبراهيم) صلّى الله على نبينا وعليه وسلّم: هو ابن آزر على ما نطق به القرآن، وقيل: آزر عمه، كما أجمع عليه أهل الكتابين، والعمّ يسمى أبا، كما في: قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ إذ إسماعيل عم

стр. 118

يعقوب صلّى الله وسلّم على نبينا وعليهم «١» . [معنى قوله: (آل إبراهيم) ] و (آله) : ذريته من ولديه إسماعيل وإسحاق؛ أي: المتقون منهم، ولا تجب الصلاة على الآل عند الشافعي والجمهور، بل نقل كثير الإجماع على ذلك، لكن فيه رواية عن أحمد، ونقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه، وقال به من أصحابه أبو إسحاق المروزي وغيره، قال البيهقي: وفي الأحاديث الصحيحة دلالة له، وأجيب عنه بجوابين أحسنهما، بل أصوبهما: أن جوابه ﷺ ورد بزيادات ونقص، وإنما يحمل على الوجوب ما اتفقت الروايات عليه؛ إذ لو وجب الكل.. لما اقتصر في بعض الأوقات على بعضه. وإسقاط الصلاة على الآل جاء في رواية للبخاري في حديث أبي سعيد، لكنه أثبتها في البركة، مع أنهم لم يسألوه عن البركة، ولا أمر بها في الآية «٢» . وأيضا: فحديث أبي حميد المتفق عليه ليس فيه الصلاة على الآل، ولا فيه ذكر البركة، وإنما فيه: «وعلى أزواجه وذريته» «٣» . وبين الأزواج والآل عموم وخصوص من وجه، وبين الذرية والآل عموم وخصوص مطلق، وبنظير ذلك استدل على عدم وجوب التشبيه؛ لسقوطه في حديث خارجة، كما مر مع حكاية وجه فيه بالوجوب «٤» . ومذهبنا: سنّ الصلاة على الآل في التشهد الأخير، دون الأول،

стр. 119

واستشكله النووي بأنه ينبغي أن يسنّا جميعا أو لا يسنّا جميعا، ولا يظهر فرق مع الأحاديث الصحيحة المصرحة بالجمع بينهما، واستظهره غيره. ويجاب عنه: بأن من القواعد أنه يستنبط من النص معنى يخصّصه، وهو هنا أنه يلزم من ندب الصلاة على الآل في الأول.. ندب بقية الكيفية من التشبيه بإبراهيم وآله للأمر بالكل؛ فلا مخصص لبعضها، وفي ذلك تطويل للتشهد الأول، وهو خلاف المعروف. وأيضا: فقد جرى قول بوجوب ذلك في التشهد الأخير؛ ففي ندبه في الأول قياسا نقل ركن قوليّ على قول، وهو مبطل على قول، ولا شك أن الاحتياط للإبطال أولى وآكد. وظاهر كلام بعض الحنابلة وجوب (وبارك على محمد) في الصلاة، وابن حزم وجوبه ولو مرة في العمر، كذا قيل، والظاهر: أن أحدا من الفقهاء لا يوافق على ذلك. [معنى قوله: (العالمون) ] و (العالمون) : جمع عالم، وهو: ما سوى الله تعالى، وقيل: العقلاء، وقيل: الإنس والجن، وقيل: والملائكة والشياطين، ولا واحد له، وجمع باعتبار أصنافه بالواو والنون؛ تغليبا للعقلاء لشرفهم. وأشار بقوله: «في العالمين» إلى اشتهار الصلاة والبركة على إبراهيم وآله فيهم، وانتشار شرفه وتعظيمه، وأن المطلوب لنبينا ﷺ صلاة وبركة يشبهان ذينك فيما ذكر. [معنى قوله: (الحميد) ] و (الحميد) : فعيل بمعنى محمود وأبلغ منه، وهو: من جمع أكمل صفات الحمد، وقيل: بمعنى حامد لأفعال عباده. [معنى قوله: (المجيد) ] و (المجيد) : من المجد، وهو: الكرم، فهو بمعنى ماجد؛ أي: كريم. وختم بهما؛ لأن معناهما: أنه تعالى فاعل ما يستوجب به الحمد من النعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عباده، فناسبا المطلوب قبلهما،

стр. 120

من طلب ثناء الله تعالى على نبيه ﷺ وشرّف وكرّم، والتنويه به، وتكريمه بزيادة تقريبه، فهما كالتعليل لذلك، أو التذييل له. [معنى قوله: (الأعلون) ] و (الأعلون) في الرواية السابقة- بفتح اللام-: الملائكة؛ لأنهم يسكنون السماوات، والأسفلون: الجن لسكناهم أسفل الأرض. [معنى قوله: (المصطفون) ] و (المصطفون) فيها أيضا- بفتح الفاء-: المختارون من أبناء جنسهم، فهم بقية أولي العزم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وقيل: هم المصفّون من الدنس، وقيل: الصحابة، وقيل: الأمة. [معنى قوله: (المقربون) ] و (المقرّبون) فيها أيضا هم: من الملائكة: خواصّهم المعنيون بقوله تعالى: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ واختلف فيهم، فقيل: حملة العرش، وجزم به البغوي، وقيل: الكروبيّون الذين حوله «١» ، كجبريل وميكائيل، وقيل: مدبّر والأجرام السماوية، وقيل: هم سبعة: إسرافيل، وجبرائيل، وميكائيل، وعزرائيل، ورضوان، ومالك، وروح القدس بناء على أنه غير جبرائيل. ومن البشر: السابقون؛ لقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. [معنى قوله: (المكيال الأوفى) ] و (المكيال الأوفى) في الرواية السابقة أيضا: كناية عن كثرة الثواب؛ إذ التقدير به يغلب في الكثير، وبالوزن يغلب في القليل، وأكد ذلك بقوله: (الأوفى) ، وقيل: التقدير أن يكتال بالمكيال الأوفى الماء من حوضه ﷺ ؛ لأثر عن الحسن يدل له، وهو تقدير بعيد. [المسألة] السادسة: وجه تخصيص إبراهيم صلّى الله على نبينا وعليه وسلّم بالتشبيه به وباله.. أنه لم يجمع لأحد غيرهم بين الرحمة والبركة؛ قال تعالى: رَحْمَتُ اللَّهِ

стр. 121

وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وأيضا: فإبراهيم أفضل الأنبياء بعد محمد صلّى الله عليهما وسلّم؛ فلذا أوثر بالذكر، أو أنه كوفىء بذلك على دعائه ﷺ لهذه الأمة بقوله: اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ كذا قيل، وأنصّ منه دعاؤه لهم بقوله: وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ، وأجيب بأجوبة أخرى فيها نظر، على أنها تحتاج إلى صحة النقل بما ادعاه قائلوها. ووجه ذلك التشبيه مع ما هو مقرر: أن المشبّه دون المشبّه به، ومحمد ﷺ أفضل من إبراهيم وآله: - إمّا أنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل؛ لخبر مسلم: أن رجلا قال له: يا خير البرية، قال: «ذاك إبراهيم» «١» ، واعترض بأنه لو كان كذلك.. لغيّر صفة الصلاة عليه ﷺ بعد أن علم أنه الأفضل. - وإمّا أنه قاله تواضعا، وشرع لأمته ليكتسبوا به الفضيلة. - وإمّا أنه تشبيه لأصل الصلاة بالصلاة، دون القدر بالقدر؛ أي: قد تقدمت منك الصلاة على إبراهيم وآله، فنسألها منك على سيدنا محمد وآله بالأولى؛ إذ ما ثبت للفاضل.. أولى أن يثبت للأفضل؛ فالتشبيه للتهييج ونحوه. - وإمّا أن الكاف للتعليل، كما في: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ. - وإما أنه لطلب أن يضاف لما اختص به ﷺ من المحبة الخلة ولِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ اللذان امتاز بهما إبراهيم، فأضيفا له، كما أخبر عن أولهما بقوله: «ولكن صاحبكم خليل الله» «٢» .

стр. 122

ومثال ذلك رجلان يملك أحدهما ألفا والآخر ألفين، فيسأل صاحب الألفين: أن يعطى ألفا أخرى نظير ألف الأول، فيجتمع له أضعاف ما للأول. - وإما أن التشبيه عائد لآل محمد فقط، وفي «البيان» عن الشيخ أبي حامد: أن الشافعي رضي الله تعالى عنه نص عليه «١» ، وغير الأنبياء وإن لم يساوهم، لكن المطلوب هنا صلاة على آل محمد ﷺ مثل الصلاة على إبراهيم- صلّى الله على نبينا وعليه وسلّم- وآله في أصل الثواب والتعظيم، دون كمالهما لاستحالة مساواة غير النبي ﷺ له فيه. وزعم ابن القيم بطلان ذلك عن الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ لأن فصاحته تأباه؛ لأنه تركيب ركيك «٢» .. ليس في محله، وليس بركيك؛ إذ التقدير: وصلّ على آل محمد كما صليت على إبراهيم؛ فهو متعلق بالجملة الثانية، وليس مخالفا لقاعدة الشافعي رحمه الله تعالى: أن المتعلقات ترجع إلى جميع الجمل، خلافا للزركشي؛ لأن محله ما لم يمنع منه مانع، وهنا المانع إيهام أن إبراهيم أفضل. نعم؛ جاء التشبيه في رواية من غير ذكر الآل. - وإما أن التشبيه للمجموع بالمجموع؛ فإن الأنبياء من آل إبراهيم كثيرون، فإذا قوبلت تلك الذوات الكثيرة من إبراهيم وآله بالصفات الكثيرة التي لمحمد ﷺ .. أمكن انتفاء التفاضل، ويقرب منه قول أبي اليمن بن عساكر، وابن عبد السلام ما حاصله: (أن الصلاة على النبي وآله شبهت بالصلاة على إبراهيم وآله، فيحصل لنبينا ﷺ وآله من آثار الرضوان ما يقارب الحاصل لإبراهيم وآله، الذين هم معظم الأنبياء،

стр. 123

ثم تقسم الجملة، فلا يحصل لآله منها ما حصل لآل إبراهيم؛ إذ غير الأنبياء لا يساويهم، فيتوفر ما بقي من آثار الرضوان الشاملة لمحمد وآله على محمد ﷺ ، وهذا يشعر بأنه أفضل من إبراهيم) اهـ «١» واعترض بأنه جاء في رواية مقابلة الاسم بالاسم فقط، ولفظها: «اللهم؛ صلّ على محمد، كما صليت على إبراهيم» «٢» . - وإما أن التشبيه هنا إنما وقع بين عطية تحصل لرسول الله ﷺ لم تكن حصلت له قبل؛ إذ الدعاء إنما يتعلق بمعدوم مستقبل، وبين عطية حصلت لإبراهيم، وحينئذ فالذي حصل له قبل الدعاء لم يدخل في التشبيه، وهو الذي فضل به سيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فسقط الإشكال من أصله، وإنما يرد لو وقع التشبيه في الخبر بأن يقال: العطية الحاصلة لمحمد ﷺ كالعطية الحاصلة لإبراهيم ﷺ . - وإما أن التشبيه باعتبار ما يحصل لمحمد وآله من صلاة كل فرد فرد، فيحصل من مجموع ذلك أضعاف ما لإبراهيم وآله، مما لا يحصيه إلا الله تعالى. وبيّنه السبكي وولده بأن كل من صلّى بهذه الكيفية يستجاب له؛ إذ الصلاة عليه ﷺ دعوة مستجابة، وما طلبه كلّ غير ما طلبه الآخر، وإلا كان تحصيلا للحاصل، وحينئذ فالله تعالى يصلّي على نبيه ﷺ صلاة مماثلة لصلاته على إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم وآله كلما صلّي عليه؛ فلا تنحصر الصلوات عليه من ربه ، التي كل واحدة منها بقدر ما حصل لإبراهيم وآله؛ إذ لا ينحصر عدد من صلّى عليه بهذه الصلاة.

стр. 124

- وإما أن التشبيه راجع للمصلي؛ أي: أعطني ثوابا على صلاتي على النبي ﷺ مثل ثواب المصلي على إبراهيم، وفيه من البعد والتكلف ما لا يخفى. - وإما أن التشبيه بالأعلى غير مطرد، بل قد يكون بالأدون، كما في قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ وأين يقع نورها من نوره تعالى؟! ولكن لمّا كان المراد ثمّ الظهور والوضوح للسامع.. حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا هنا لمّا كان تعظيم إبراهيم وآله مشهورا عند سائر الطوائف.. حسن أن يطلب لمحمد وآله مثل ذلك، ويؤيده قوله في خبر مسلم وغيره: «في العالمين» عقب ذكر آل إبراهيم دون آل محمد «١» ؛ أي: كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وآله في العالمين، فالتشبيه من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر، لا من باب إلحاق ناقص بكامل. - وإما أن سببه أن محمدا ﷺ من آل إبراهيم صلّى الله على نبينا وعليه وسلّم، كما صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فكأنه أمرنا أن نصلّي على محمد وآله خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآله عموما، فيحصل لآل محمد ﷺ ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له، وهو أزيد مما لغيره من آل إبراهيم قطعا، فحينئذ ظهرت فائدة التشبيه، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من الألفاظ. - وإما أن المراد ب (اللهم صلّ على محمد) : اجعل من أتباعه من يبلغ النهاية في أمر الدين، (كما صليت على إبراهيم) بأن جعلت في آله أنبياء يخبرون بالمغيّبات، (وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم) بما أعطيتهم من التشريع والوحي، فأعطاهم التحديث؛ فمنهم محدّثون- بفتح الدال- وشرع لهم الاجتهاد، وقرره حكما شرعيّا، فأشبهوا الأنبياء في ذلك، وفيه من البعد ما لا يخفى.

стр. 125

واستحسن النووي جواب الشافعي، وتشبيه الأصل بالأصل، والمجموع بالمجموع، وغيره المجموع بالمجموع، وزيّف أكثر ما مر، وليس كما زعم. [المسألة] السابعة: مرّ في أحاديث زيادة الترحم في صلاة التشهد، وبهذا أخذ بعض الشافعية والمالكية والحنفية، لكن بالغ جمع في الرد عليهم، وأن ذلك بدعة، منهم الصيدلاني من أئمتنا، فإنه قال: ومن الناس من يزيد (وارحم محمدا، كما ترحمت- أو رحمت- على آل إبراهيم) ، وهذا لم يرد، وهو غير صحيح؛ إذ لا يقال: رحمت عليه، بل رحمته، وأما الترحم.. ففيه معنى التكلف والتصنع، فلا يحسن إطلاقه في حق الله تعالى، والنوويّ وابن العربي وغيرهما فجعلوها بدعة لا أصل لها، وانتصر لهم بعض المتأخرين ممن جمع بين الفقه والحديث، فقال: ولا يحتج بالأحاديث الواردة في زيادتها؛ فإنها كلها واهية جدّا «١» ، إذ لا يخلو سندها من كذاب، أو متهم بالكذب، ويؤيده ما ذكره السبكي: (أن محل العمل بالحديث الضعيف ما لم يشتد ضعفه، وبذلك يردّ على من أيّد الآخذين بتلك الروايات بأنها ضعيفة، والضعيف يعمل به في الفضائل) . نعم؛ قول الصيدلاني: (لا يقال: رحمت عليه) .. مردود بأن الرحمة ضمّنت معنى الصلاة، وبنقل الصغاني عن بعض المتقدمين من أئمة اللغة: أن قول الناس: (ترحمت عليه) لحن وخطأ، وإنما الصواب: (رحّمت عليه) بتشديد الحاء ترحيما، قال المجد اللغوي: (ورحمت عليه- بكسر الحاء

стр. 126

المخففة- لم يقله أحد من أئمة اللغة المشاهير فيما علمناه، وإن صح نقله.. فهو في غاية الشذوذ والضعف) «١» . اهـ وقال ابن يونس شارح «الوجيز» : (قوله: «لا يقال ذلك» .. ممنوع؛ فقد نقل الجوهري: أنه يقال، وقوله: «يشعر بالتكلف» .. منتقض بالتكبر والتفضل) . واعلم: أن ابن عبد البر ذهب إلى منع الدعاء له ﷺ بالرحمة، وردّوه بوروده في الأحاديث الصحيحة، أصحها حديث التشهد: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» «٢» ، ومنها قول الأعرابي: (اللهمّ؛ ارحمني ومحمدا) «٣» ، وتقريره ﷺ لذلك، وقوله ﷺ : «اللهم؛ إني أسألك رحمة من عندك» «٤» ، «اللهم؛ أرجو رحمتك» «٥» ، «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» «٦» ، وفي خطبة «رسالة الشافعي» رضي الله تعالى عنه: ﷺ ورحم وكرّم) . نعم؛ قضية كلامه كحديث التشهد: أن محل الجواز إن ضم إليها لفظ الصلاة والسلام، وإلا.. لم تجز، وبه أخذ جمع، بل نقله القاضي عياض في «الإكمال» عن الجمهور «٧» ، قال القرطبي: وهو الصحيح. وجزم بعدم جوازه- يعني منفردا- الغزاليّ، فقال: لا يجوز (ترحّم)

стр. 127

أي: استقلالا، ويدل له قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً، والصلاة وإن كانت بمعنى الرحمة، إلا أنه كالأنبياء صلّى الله عليهم وسلّم خصّوا بها تعظيما لهم، وتمييزا لمرتبتهم الرفيعة على غيرهم، على أنها في حقهم ليست بمعنى مطلق الرحمة، بل المراد بها ما هو أخص من ذلك، كما مر في المقدمة. نعم؛ ظاهر قول الأعرابي السابق: (اللهم؛ ارحم محمدا) وتقريره ﷺ له.. الجواز، ولو بدون انضمام صلاة أو سلام إليها، وهو الذي يتجه، وتقريره المذكور خاص، فيقدم على العموم الذي اقتضته الآية، وينبغي حمل قول من قال: (لا يجوز ذلك) على أن مرادهم نفي الجواز المستوي الطرفين، فيصدق بأن ذلك مكروه، أو خلاف الأولى، وإنما دعي له بالرحمة مع أنه عينها بنص: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ؛ لأن كونه رحمة لهم من جملة رحمة الله له ﷺ ، ولله عليه رحمات أخر، فطلب له بالدعاء بالرحمة حصول نظائر تلك. [المسألة] الثامنة: في زيادة (سيدنا) قبل (محمد) خلاف، فأما في الصلاة: فقال المجد اللغوي: (الظاهر أنه لا يقال؛ اقتصارا على الوارد) «١» ، وقال الإسنوي: (في حفظي: أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام بناه على أن الأفضل امتثال الأمر أو سلوك الأدب؟ فعلى الثاني: يستحب) اهـ وهذا هو الذي ملت إليه في «شرح الإرشاد» وغيره؛ لأنه ﷺ لما جاء وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يؤم الناس فتأخر.. أمره أن يثبت مكانه، فلم يمتثل، ثم سأله بعد الفراغ عن ذلك، فأبدى له أنه إنما فعله تأدبا بقوله: (ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله

стр. 128

عليه وسلم) ، فأقره ﷺ على ذلك «١» ، وهذا فيه دليل أيّ دليل على أن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر الذي علم من الآمر عدم الجزم بقضيته، ثم رأيت عن ابن تيمية أنه أفتى بتركها وأطال فيه، وأن بعض الشافعية والحنفية ردوا عليه، وأطالوا في التشنيع عليه، وهو حقيق بذلك. وورد عن ابن مسعود مرفوعا وموقوفا- وهو أصح-: «حسّنوا الصلاة على نبيكم» ، وذكر الكيفية، وقال فيها: «على سيد المرسلين» «٢» ، وهو شامل للصلاة وخارجها. وعن المحقق الجلال المحلي أنه قال: (الأدب مع من ذكر مطلوب شرعا بذكر السيد؛ ففي حديث «الصحيحين» : «قوموا إلى سيدكم» «٣» أي: سعد بن معاذ، وسيادته بالعلم والدين، وقول المصلي: «اللهمّ؛ صلّ على سيّدنا محمد» فيه الإتيان بما أمرنا به وزيادة الإخبار بالواقع الذي هو أدب؛ فهو أفضل من تركه فيما يظهر من الحديث السابق وإن تردد في أفضليته الشيخ جمال الدين الإسنوي، وذكر أن في حفظه قديما أن الشيخ ابن عبد السلام بناه على أن الأفضل سلوك الأدب أو امتثال الأمر؟) اهـ ووقع لبعض من كتب على «الحاوي» أنه قال «٤» : إن زيادة (سيدنا) مبطلة للصلاة، وهو غلط واضح فاجتنبه. وأما خارجها: فمنعه بعضهم أيضا محتجا بأنه ﷺ أنكر على من قال له: أنت سيدنا، وليس كما زعم، والإنكار إنما هو للإفراط في المدح بأوصاف ذكروها بعد ذلك، ويدل له قوله ﷺ لهم: «قولوا بقولكم، ولا تستهوينّكم الشياطين» «٥» ، وقد صح قوله صلى الله عليه

стр. 129

وسلم: «أنا سيد ولد آدم» «١» ، وقوله للحسن: «إن ابني هذا سيد» «٢» ، وقوله لسعد: «قوموا لسيدكم» .

стр. 130

الفصل الرابع في فوائد الصلاة على رسول الله ﷺ وهي كثيرة: - منها: صلاة الله تعالى وملائكته ورسوله ﷺ ، ورفع الدرجات وتكفير السيئات، وأنها تعدل عتق عشر رقاب، فقد صح في «مسلم» وغيره: «من صلّى عليّ صلاة واحدة.. صلى الله عليه عشرا» «١» . وفي رواية صحيحة: «كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات» «٢» زاد ابن حبان في «صحيحه» : «ورفعت له عشر درجات» «٣» . وفي رواية سندها حسن: «ما من عبد مؤمن يذكرني فيصلّي عليّ.. إلا كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات» «٤» . وفي أخرى بسند لا بأس به: «من صلّى عليّ عشرا.. صلّى الله عليه مئة، ومن صلّى عليّ مئة.. صلّى الله عليه ألفا، ومن زاد صبابة وشوقا.. كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة» «٥» .

стр. 131

وفي رواية- في سندها مجهول- بعد «مئة» : «ومن صلّى عليّ مئة.. كتب الله بين عينيه براءة من النفاق، وبراءة من النار، وأسكنه الله يوم القيامة مع الشهداء» «١» . وفي أخرى بعد «ألفا» : «ومن صلّى عليّ ألفا.. زاحمت كتفه كتفي على باب الجنة» ، قال الحافظ السخاوي: (ولم أقف على أصلها إلى الآن) «٢» . وفي أخرى: «صلّوا عليّ؛ فإن الصلاة عليّ كفارة لكم وزكاة، فمن صلّى عليّ صلاة.. صلّى الله عليه عشرا» «٣» . وفي أخرى: «فإن الصلاة عليّ درجة لكم» ، قال العراقي: سندها صحيح، وردّ بأن فيه علة وانقطاعا «٤» . وفي أخرى عند الدارقطني: «البخيل من ذكرت عنده.. فلم يصلّ عليّ من صلّى عليّ ... » الحديث «٥» . وصح: «من ذكرت عنده.. فليصلّ عليّ، ومن صلّى عليّ مرة.. صلّى الله عليه عشرا» «٦» . وصحح الحاكم خبر: إن عبد الرحمن بن عوف رأى النبي ﷺ وقد استقبل فخرّ ساجدا، فأطال السجود حتى ظن أنه توفّي، فدنا منه فرفع رأسه وقال: «من هذا؟» ، فسأله عن ذلك، فقال: «إن جبريل أتاني فبشرني فقال: إن الله يقول: من صلّى عليك.. صليت عليه، ومن

стр. 132

سلّم عليك.. سلمت عليه، فسجدت لله شكرا» «١» . وفي رواية: «إن جبريل لقيني فقال: أبشّرك أن الله يقول: من صلّى عليك.. صليت عليه، ومن سلم عليك.. سلمت عليه» «٢» . وفي أخرى عنه: «فتوضأ ثم صلى ركعتين، فسجد سجدة، فأطال السجود فيها ... » فذكره «٣» ، ولا مانع من تعدد القصة. وفي أخرى: «سجدت شكرا؛ لأن جبريل أخبرني: أنه من صلّى عليّ.. صلى الله عليه» «٤» . وفي أخرى: «سجدت شكرا لربي فيما أبلاني- أي: فيما أنعم عليّ- في أمتي، من صلّى عليّ صلاة من أمتي.. كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات» «٥» . وفي أخرى سندها حسن: أنه ﷺ خرج عليهم يوما وفي وجهه البشر، فقال: «إن جبريل جاءني فقال: ألا أبشرك يا محمد بما أعطاك ربك من أمتك، وبما أعطى أمتك منك: من صلى عليك منهم صلاة.. صلى الله عليه، ومن سلم عليك منهم.. سلم الله عليه» «٦» . وفي أخرى سندها جيد، بل صححه بعضهم: أنه ﷺ خرج يتبرّز، فتبعه عمر بمطهرة، فوجده ساجدا، فتنحى عنه حتى رفع رأسه، فشكره إذ تنحى، ثم قال: «إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة.. صلى الله عليه عشرا، ورفعه عشر درجات» «٧» .

стр. 133

وفي أخرى رجالها ثقات: «ما صلى عليّ عبد من أمتي صلاة صادقا من قلبه.. إلا صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، ومحا عنه بها عشر سيئات» «١» . وفي أخرى في سندها غير مشهور، لكن وثّقه ابن حبان على قاعدته فيمن لم يجرّح: خرج رسول الله ﷺ وهو مسرور، فقال: «الملك جاءني فقال لي: يا محمد؛ إن الله تعالى يقول لك: أما ترضى- وفي لفظ: أما يرضيك- يا محمد ألّا يصلي عليك أحد من عبادي- وفي لفظ: من أمتك- إلا صلّيت عليه عشرا، ولا يسلّم أحد من عبادي- وفي لفظ: من أمتك- إلا سلّمت عشرا؟ - وفي لفظ: «عليه» فيهما- قال: بلى يا ربّ» «٢» . وفي رواية ضعيفة: أصبح رسول الله ﷺ يوما طيب النفس، يرى في وجهه البشر، فقالوا: يا رسول الله؛ أصبحت طيب النفس، يرى في وجهك البشر، فقال: «أجل؛ أتاني آت من ربي، فقال: من صلّى عليك من أمتك صلاة.. كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وردّ عليه مثلها» «٣» . وفي أخرى: «أتاني آت من ربي فأخبرني: أنه لن يصلّي عليّ أحد من أمتي.. إلا ردّ الله عليه عشر أمثالها» «٤» .

стр. 134

وفي أخرى لأبي نعيم عن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه: دفعنا «١» إلى النبي ﷺ وهو أطيب شيء نفسا، فقلنا له، فقال: «ما يمنعني؛ وإنما خرج جبريل ﵇ آنفا، فأخبرني: أنه من صلّى عليّ صلاة.. كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورد عليه مثل ما قال؟!» «٢» . وفي أخرى عنه للتيمي وابن عساكر: دخلت على النبيّ ﷺ ، فلم أره أشد استبشارا منه يومئذ، ولا أطيب نفسا، قلت: يا رسول الله؛ ما رأيتك قط أطيب نفسا، ولا أشد استبشارا منك اليوم؟! فقال: «ما يمنعني؛ وهذا جبريل قد خرج من عندي آنفا، فقال: قال الله تعالى: من صلّى عليك صلاة.. صليت عليه بها عشرا، ومحوت عنه عشر سيئات، وكتبت له عشر حسنات؟!» «٣» . وفي أخرى عنه للطبراني وغيره: أتيت رسول الله ﷺ وهو متهلل وجهه مستبشر، فقلت: يا رسول الله؛ إنك على حالة ما رأيتك على مثلها، قال: «وما يمنعني؛ أتاني جبريل ﵇، فقال: بشّر أمتك أنه من صلّى عليك صلاة.. كتب الله له بها عشر حسنات، وكفّر عنه بها عشر سيئات» «٤» زاد ابن شاهين: «ورفع له بها عشر درجات، وردّ الله عليه مثل قوله، وعرضت عليّ يوم القيامة؟!» «٥» . وفي أخرى عنه للطبراني: دخلت على رسول الله ﷺ

стр. 135

وأسارير وجهه تبرق، فقلت: يا رسول الله؛ ما رأيتك أطيب نفسا، ولا أظهر بشرا من يومك هذا؟ قال: «وكيف لا تطيب نفسي، ويظهر بشري؛ وإنما فارقني جبريل ﵇ الساعة، فقال: يا محمد؛ من صلّى عليك من أمتك صلاة.. كتب الله له بها عشر حسنات، ورفعه بها عشر درجات، وقال له الملك مثل ما قال لك؟! قلت: يا جبريل؛ وما ذاك الملك؟ قال: إن الله وكّل ملكا منذ خلقك إلى أن يبعثك، لا يصلّي عليك أحد من أمتك.. إلا قال: وأنت صلّى الله عليك» «١» . وفي أخرى: «ما من مسلم يصلّي عليك صلاة واحدة.. إلا صليت أنا وملائكتي عليه عشرا» «٢» زاد أبو يعلى الصابوني: «فأكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة، وإذا صليتم عليّ.. فصلوا على المرسلين؛ فإني رجل من المرسلين» «٣» . وفي أخرى: «ولا يكون لصلاته منتهى دون العرش، لا تمرّ بملك.. إلا قال: صلّوا على قائلها كما صلّى على النبي محمد ﷺ » «٤» . وفي أخرى سندها حسن- وقيل: صحيح-: خرج رسول الله ﷺ ؛ فإذا بأبي طلحة، فقام إليه فتلقاه، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله؛ إني لأرى السرور في وجهك، قال: «أجل؛ أتاني جبريل آنفا، فقال: يا محمد؛ من صلّى عليك مرة- أو قال: واحدة- كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه بها عشر سيئات، ورفع له بها عشر درجات» «٥» .

стр. 136

وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما بسند حسن: (من صلّى على النبي ﷺ واحدة.. صلّى الله تعالى عليه وملائكته بها سبعين صلاة) «١» ، وحكمه الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد فيه. وروى ابن أبي عاصم في بعض طرق حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه الآتي: «سجدت شكرا لربي فيما أبلاني في أمتي، من صلّى عليّ صلاة.. صلت عليه الملائكة مثل ما صلى عليّ، فليقلّ عبد أو ليكثر» «٢» . وفي رواية: «من صلّى عليّ صلاة.. صلّى الله عليه وملائكته عشرا، ومن صلّى عليّ عشرا.. صلّى الله عليه وملائكته مئة، ومن صلّى عليّ مئة.. صلى الله عليه وملائكته ألف صلاة، ولم تمس جسده النار» «٣» . وفي أخرى ضعيفة: «من صلّى عليّ.. صلّى الله عليه وملائكته، فليكثر عبد أو فليقلّ» «٤» . وفي أخرى ضعيفة أيضا: «من صلّى عليّ صلاة.. صلّت عليه الملائكة ما صلّى عليّ، فليكثر عبد أو ليقلّ» «٥» . نعم؛ في رواية سندها حسن: «من صلّى عليّ صلاة.. لم تزل الملائكة تصلّي عليه ما صلّى عليّ، فليقلّ عبد من ذلك أو ليكثر» «٦» .

стр. 137

وجاء بإسناد لا بأس به: «من صلّى عليّ.. بلغتني صلاته، وصليت عليه، وكتب له سوى ذلك عشر حسنات» «١» . وسيأتي: «ومن صلّى عليّ، ثم بلغتني صلاته.. صليت عليه، كما صلى عليّ، ومن صليت عليه.. نالته شفاعتي» «٢» . وروى ابن أبي عاصم: «من صلّى عليّ.. كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه بها عشر سيئات، ورفعه بها عشر درجات، وكنّ له عدل عشر رقاب» ، وفيه من لم يسم «٣» . وأخرج جمع: «من صلّى عليّ صلاة تعظيما لحقي.. جعل الله من تلك الكلمة ملكا، جناح له في المشرق، وجناح له في المغرب، ورجلاه في تخوم الأرض، وعنقه ملويّ تحت العرش، يقول الله له: صلّ على عبدي، كما صلّى على نبيّي؛ فهو يصلي عليه إلى يوم القيامة» ، وهو حديث منكر «٤» . ويروى: «إن لله ملكا له جناحان، أحدهما بالمشرق، والآخر بالمغرب، فإذا صلّى العبد عليّ حبّا.. انغمس في الماء، ثم ينتفض، فيخلق الله من كل قطرة تقطر منه ملكا يستغفر لذلك المصلي إلى يوم القيامة» ، قال الحافظ السخاوي: (لم أقف على سنده، وفي صحته نظر) «٥» . وكذا قال فيما روي عن مقاتل أنه قال: (إن لله تعالى ملكا تحت العرش على رأسه ذؤابة قد أحاط بالعرش، ما من شعرة على رأسه إلا مكتوب عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا صلّى العبد على النبي صلى الله عليه

стр. 138

وسلم.. لم تبق شعرة منه إلا استغفرت لصاحبها) «١» يعني: قائلها. ويروى عنه ﷺ ، عن جبريل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن الرفيع، عن اللوح المحفوظ، عن الله : «من صلّى عليك في اليوم والليلة مئة مرة.. صليت عليه ألفي صلاة، ويقضى له ألف حاجة، أيسرها أن يعتق من النار» أخرجه ابن الجوزي عن الخطيب، ونقل عنه أنه قال: هذا حديث باطل «٢» . وأخرج الطبراني وابن مردويه والثعلبي وغيرهم بسند فيه متروك: قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله؛ أرأيت قول الله : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ؟ فقال ﵊: «إن هذا من العلم المكنون، ولولا أنكم سألتموني عنه.. ما أخبرتكم به؛ إن الله وكّل بي ملكين، فلا أذكر عند عبد مسلم فيصلّي عليّ.. إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: آمين» «٣» . تنبيه: من تفضّل الله تعالى على نبيه ﷺ أن حباه بأنه كما قرن ذكره بذكره في الشهادتين، وفي جعل طاعته طاعته، ومحبته محبته.. كذلك قرن ثواب الصلاة عليه بذكره تعالى، فكما أنه قال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، وقال: «إذا ذكرني عبدي في نفسه.. ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ.. ذكرته في ملأ خير منهم» ، كما ثبت في الصحيح «٤» .. كذلك فعل في حق نبينا

стр. 139

محمد ﷺ ؛ بأن قابل صلاة العبد عليه بأن يصلّي عليه سبحانه عشرا، وكذلك إذا سلّم.. يسلم عليه عشرا. وبهذا علم الجواب عما يقال: كل حسنة بعشر أمثالها بالنصّ، فما مزيّة الصلاة عليه ﷺ ؟ وإيضاحه: أن لها مزيّة، وهي: أن غيرها بعشر درجات من الجنة، وهي بصلاة الله تعالى عشرا، وذكر الله تعالى للعبد مرة.. أعظم من الحسنة مضاعفة، على أنه تعالى لم يقتصر على ذلك، بل ضمّ إليه رفع عشر درجات، وحط عشر سيئات، وكتابة عشر حسنات، وكونها كعتق عشر رقاب. فتأمل شرف هذه العبادة، وعظم تميّزها على غيرها بأضعاف مضاعفة.. لعل ذلك يحملك على الإكثار منها؛ لتفوز بخيري الدنيا والآخرة، وسبق أول المقدمة عن ابن عيينة ما له تعلّق بذلك «١» . ومن علامة صلاة الله تعالى على عبده أن يزينه بأنوار الإيمان، ويحليه بحلية التوفيق، ويتوّجه بتاج الصدق، ويسقط عن نفسه الأهواء والإرادات الباطلة، ويبدله به الرضا بالمقدور. وذكر البيهقي وغيره: أن مظالم العباد إنما توفّى من أصول الحسنات، وأما التضعيف- وهو ما زاد على الواحد بالنسبة لكل حسنة- فيدّخر للعبد حتى يدخل الجنة، فيعطى ثوابه، وهي فائدة جليلة إن عضدها حديث صحيح. - ومنها: أنها سبب لمحبة الملائكة وإعانتهم وترحيبهم ، وأنهم يكتبونها بأقلام الذهب في قراطيس الفضة، ويقولون للمصلين: زيدوا زادكم الله؛ فقد جاء بسند ضعيف: «إن للمساجد أوتادا جلساؤهم الملائكة، إن غابوا.. تفقّدوهم، وإن مرضوا.. عادوهم، وإن رأوهم.. رحّبوا بهم، وإن طلبوا حاجة.. أعانوهم، وإذا جلسوا.. حفّت بهم الملائكة من لدن أقدامهم إلى

стр. 140

عنان السماء، بأيديهم قراطيس الفضة وأقلام الذهب، يكتبون الصلاة على النبي ﷺ ، ويقولون: اذكروا رحمكم الله، زيدوا زادكم الله، فإذا استفتحوا الذكر.. فتحت لهم أبواب السماء، واستجيب لهم الدعاء، وتطلع عليهم الحور العين، وأقبل الله عليهم بوجهه ما لم يخوضوا في حديث غيره ويتفرقوا؛ فإذا تفرقوا.. قام الزوّار يلتمسون حلق الذكر» «١» أي: بكسر ففتح جمع حلقة بفتح فسكون. - ومنها: أنها سبب لشفاعته وشهادته ﷺ ؛ ففي الخبر السابق: «ومن زاد صبابة وشوقا.. كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة» «٢» ، ومرّ في (الفصل الثاني) رواية: «شهدت له يوم القيامة وشفعت» ، ورواية: «وجبت له شفاعتي» «٣» ، وفي رواية: «من صلّى عليّ حين يصبح عشرا، وحين يمسي عشرا.. أدركته شفاعتي يوم القيامة» رواها الطبراني بإسنادين أحدهما جيّد، لكن فيه انقطاع «٤» . وفي أخرى ضعيفة: «من صلّى عليّ.. كنت شفيعه يوم القيامة» «٥» . ومما يدل على أن الصلاة عليه ﷺ سبب لشفاعته.. قوله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها. قال الرازي: (معناه أن الله تعالى أمر الكل بأنه إذا حياهم أحد بتحية أن يقابلوا تلك التحية بأحسن منها، أو بأن يردوها، ثم أمرنا بتحية محمد ﷺ حيث قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ، والصلاة من الله الرحمة، فطلبها له ﷺ تحية له، فأوجب هذا

стр. 141

بمقتضى الأمر بمقابلة التحية بما ذكر: أن يفعل محمد ﷺ مثلها، وهو أن يطلب لكل من صلّى عليه الرحمة له من الله تعالى، وهذا هو معنى الشفاعة، ثم هو ﷺ غير مردود الدعاء، فوجب أن يقبل الله تعالى شفاعته في الكل، وهو المطلوب) اهـ ملخصا «١» ويؤيده قول بعضهم: (لم يترك الله تعالى النبي ﷺ تحت منّة أمته بصلاتهم عليه.. حتى عوّضهم منه بأمره بالصلاة عليهم بقوله عز قائلا: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) . وسئل الغزالي رحمه الله تعالى: ما معنى صلاة الله تعالى على من صلّى على نبيّه ﷺ عشرا؟ فأجاب: معنى صلاة الله تعالى على نبيه وعلى المصلّين عليه.. إفاضة أنواع الكرامات، ولطائف النعم عليهم، ثم أطال في شرح ذلك وبيانه، وقد قدمته آخر الفائدة الرابعة من فوائد الآية المذكورة في المقدمة، فراجعه فإنه مشتمل على نفائس، فيها بيان سرّ كون الله تعالى يصلي على من صلّى على نبيه ﷺ عشرا، وما يناسب ذلك من النفائس «٢» . - ومنها: أنها سبب للبراءة من النفاق ومن النار ، وللرّقيّ إلى منازل الشهداء؛ ففي الخبر السابق أيضا: «ومن صلّى عليّ مئة.. كتب الله تعالى له بين عينيه براءة من النفاق، وبراءة من النار، وأسكنه الله يوم القيامة مع الشهداء» «٣» . - ومنها: أنها كفارة لنا وزكاة لأعمالنا ، روى التّيمي: «صلّوا عليّ؛ فإن الصلاة عليّ كفارة لكم وزكاة، فمن صلّى عليّ.. صلّى الله عليه عشرا» «٤» .

стр. 142

وفي رواية: «فإن الصلاة عليّ درجة لكم» «١» وسندها صحيح على ما قاله العراقي، لكن اعترض بأن فيه انقطاعا وعلة. وجاء بسند ضعيف: «صلوا عليّ؛ فإن الصلاة عليّ زكاة لكم» «٢» . وفي رواية: «أكثروا من الصلاة عليّ؛ فإنها لكم زكاة، وسلوا الله لي الوسيلة- أعلى درجة في الجنة- لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو» «٣» . ويروى: «صلاتكم عليّ محرزة لدعائكم، ومرضاة لربكم، وزكاة لأعمالكم» ذكره الديلمي وغيره بلا إسناد «٤» . وأخرج التّيمي: «إن لله سيارة من الملائكة، إذا مروا بحلق الذكر.. قال بعضهم لبعض: اقعدوا، فإذا دعا القوم.. أمّنوا على دعائهم، فإذا صلوا على النبي ﷺ .. صلوا معهم حتى يفرغوا، ثم يقول بعضهم لبعض: طوبى لهؤلاء؛ يرجعون مغفورا لهم» «٥» . وفي رواية- قال الذهبي: (سندها مظلم ومتنها باطل) «٦» -: «من صلّى عليّ كل يوم ثلاث مرات، وكل ليلة ثلاث مرات؛ حبّا لي وشوقا إليّ.. كان حقّا على الله تعالى أن يغفر له ذنوبه تلك الليلة وذلك اليوم» «٧» وهي بعض من حديث طويل يشتمل على ثلاث عشرة خصلة. - ومنها: أنها سبب لمزاحمة كتفه ﷺ على باب الجنة ؛

стр. 143

ففي الرواية السابقة: «ومن صلى عليّ ألفا.. زاحمت كتفه كتفي على باب الجنة» ومرّ ما فيها «١» . - ومنها: أنها تستغفر لقائلها ، وتقرّ بها عينه. أخرج الديلمي وغيره بسند فيه ضعيف: «ما من عبد صلّى عليّ صلاة.. إلا عرج بها ملك حتى يجيء بها وجه الرحمن ، فيقول ربّنا ﵎: اذهبوا بها إلى قبر عبدي تستغفر لقائلها، وتقرّبها عينه» «٢» . - ومنها: أن المرة الواحدة منها بقيراط كجبل أحد . أخرج عبد الرزاق بسند ضعيف: أنه ﷺ قال: «من صلّى عليّ صلاة.. كتب الله له قيراطا، والقيراط مثل أحد» «٣» . - ومنها: أن ملكا قائما على قبره يبلغه إياها ، وأن لله ملائكة آخرين يبلغونه إياها أيضا، وأنه ﷺ يرد سلام من سلم عليه. أخرج جمع: أنه ﷺ قال: «إن لله ملكا أعطاه أسماع الخلائق، فهو قائم على قبري إذا متّ، فليس أحد يصلي عليّ صلاة.. إلا قال: يا محمد؛ صلّى عليك فلان بن فلان، فيصلي الرب ﵎ على ذلك الرجل بكل واحدة عشرا» . وفي أخرى: «فهو قائم على قبري حتى تقوم الساعة، ليس أحد من أمتي يصلّي عليّ صلاة.. إلا قال: يا أحمد؛ فلان بن فلان- باسمه واسم أبيه- يصلّي عليك كذا وكذا، وضمن لي الرب أن من صلّى عليّ صلاة.. صلّى الله عليه عشرا، وإن زاد.. زاده الله تعالى» . وفي أخرى: «إن الله وكّل بقبري ملكا أعطاه أسماع الخلائق، فلا يصلّي

стр. 144

عليّ أحد إلى يوم القيامة.. إلا بلّغني باسمه واسم أبيه: هذا فلان بن فلان قد صلّى عليك» . وفي أخرى زيادة: «وإني سألت ربي ألّا يصلّي عليّ واحد منهم صلاة.. إلا صلّى عليه عشر أمثالها، وأن الله أعطاني ذلك» وفي سند الجميع راو ليّنه البخاري ووثقه ابن حبّان، وآخر ضعفه بعضهم «١» . وفي أخرى: «من صلّى عليّ صلاة.. صلّى الله عليه بها عشرا بها ملك موكّل حتى يبلغنيها» وفي سندها انقطاع، وراو كذبه أبو حاتم «٢» . وأخرج أبو موسى المديني: «من صلّى عليّ صلاة.. جاءني بها ملك، فأقول: أبلغه عني عشرا، وقل له: لو كانت من هذه العشر واحدة.. لدخلت معي الجنة كالسبابة والوسطى، وحلت لك شفاعتي، ثم يصعد الملك حتى ينتهي إلى الرب جل وعلا، فيقول: إن فلانا بن فلان صلّى على نبيك مرة واحدة، فيقول ﵎: أبلغه عنّي عشرا، وقل له: لو كانت من هذه العشرة واحدة.. لما مسّتك النار، ثم يقول: عظّموا صلاة عبدي، ثم اجعلوها في علّيّين، ثم يخلق من صلاته بكل حرف ملكا له ثلاثة وستون رأسا ... » الحديث، وهو موضوع بلا ريب، قاله الحافظ السخاوي «٣» . ويروى: «إن الله تعالى أعطاني ما لم يعط غيري من الأنبياء، وفضلني عليهم، وجعل لأمتي في الصلاة عليّ أفضل الدرجات، ووكّل بقبري ملكا يقال له: منطروس؛ رأسه تحت العرش، ورجلاه في تخوم الأرضين السفلى، وله ثمانون ألف جناح، في كل جناح ثمانون ألف ريشة، تحت كل

стр. 145

ريشة ثمانون ألف زغبة، تحت كل زغبة لسان يسبح الله ويحمده، ويستغفره لمن يصلي عليّ من أمتي، ومن لدن رأسه إلى بطون قدميه أفواه وألسن وريش وزغب، ليس فيه موضع شبر.. إلا وفيه لسان يسبح الله ويحمده، ويستغفره لمن يصلي عليّ من أمتي حتى يموت» ، قال الحافظ المذكور: (وهو غريب منكر، كما صرح به المجد اللغوي، بل لوائح الوضع لائحة عليه) «١» . وصح: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» «٢» . وفي رواية: «إن لله ملائكة يسيحون في الأرض يبلغوني صلاة من صلّى عليّ من أمتي» «٣» . وفي أخرى سندها حسن- وقيل: فيه من لم يعرف-: «حيثما كنتم.. فصلّوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني» «٤» ﷺ . وفي أخرى عند البيهقي موقوفة على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (ليس أحد من أمة محمد ﷺ يصلّي عليه صلاة.. إلا وهي تبلغه؛ يقول الملك: فلان يصلّي عليك كذا وكذا صلاة) «٥» . وفي أخرى: ( ... يصلّي أو يسلّم عليه.. إلا بلّغه؛ يصلّي عليك فلان أو يسلم عليك فلان) «٦» .
следующие страницы →