دونه، وأمر المؤمنون بهما؛ لأن له معنيين: التحية والانقياد، فأمرنا بهما لصحتهما منا، ولم يضف هو لله تعالى ولا لملائكته؛ حذرا من إيهام أنه فيهما بمعنى الانقياد المستحيل في حقهما.
وقد يقال أيضا: الصلاة منهما متضمنة للسلام بمعنى التحية الذي لا يتصور منهما غيره، فكان في إضافة الصلاة إليهما استلزام لوجود السلام منهما بهذا المعنى، وأما الصلاة منا.. فهي وإن استلزمت التحية أيضا، إلا أنا مخاطبون بالانقياد، وهي لا تستلزمه، فاحتيج إلى التصريح به فينا؛ لأن الصلاة لا تغني عن معنييه المتصوّرين في حقنا المطلوبين منا، وهذا أولى مما قبله؛ لأن ذلك يرد عليه قوله تعالى: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ، وقوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ ولا يرد هذان على ما ذكرته، فتأمله.
وبما تقرر من أن السلام يأتي بمعنى التحية- وهذا هو المراد من سلام الله تعالى على أنبيائه-.. اندفع استشكال سلام الله تعالى عليهم بأنه دعاء، وهو لا يتصور من الله تعالى؛ لأنه الطلب، والله تعالى مدعو ومطلوب منه، لا داع وطالب.
وسقط أيضا قول بعضهم: (هذا إشكال له شأن، فينبغي الاعتناء به، ولا يهمل أمره، فقلّ من يدرك سرّه) ، وجوابه: أن الطلب يتضمن ثلاثة:
طالبا، ومطلوبا، ومطلوبا منه؛ فهذه الثلاثة أركان، وتغايرها ظاهر في الطالب لشيء من غيره، أما الطالب لشيء من نفسه.. فيتّحد فيه الطالب والمطلوب منه، وهذا هو الموجب لغموض هذه المسألة؛ لأن حقيقة الطالب مغايرة لحقيقة المطلوب منه، فيتعذر طلب الإنسان من نفسه، وكشفه: أن الطلب من باب الإرادات، والمريد كما يريد من غيره أن يفعل شيئا، فكذلك يريد من نفسه هو أن يفعله، والطلب النفسي وإن لم يكن الإرادة، فهو أخص منها، وهي كالجنس له، فكما يعقل أن المريد يريد من نفسه.. فكذلك يطلب منها؛ إذ لا فرق بين الطلب والإرادة.
стр. 72
والحاصل: أن طلب الحيّ من نفسه أمر معقول يعلمه كل واحد من نفسه، بدليل أنه يأمرها وينهاها، قال تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى، والأمر والنهي طلب، فتصوّرا من الإنسان لنفسه بالنص، فكذا بقية أنواع الطلب.
وحكمة مجيئه في حقه تعالى بلفظ التنكير، مع كون التعريف في حق العبد أفضل، بل واجب في سلام التحلل من الصلاة.. أن في صدوره منه تعالى على من مرّ غاية التعظيم والتشريف لهم، فلم يحتج إلى مؤكد بخلافه من العبد؛ فإنه لم يقترن به ما يغني عن طلب تأكيده بالتعريف، فكان أولى في حقه، بل يلزمه فيما مرّ للاتباع، مع عدم قيام المنكّر مقام المعرّف.
ويأتي السلام أيضا بمعنى: السلامة من النقائص، وهو العصمة، وبمعنى السلام الذي هو اسم من أسمائه تعالى؛ فمعنى السلام على محمد ﷺ على الأول: اللهمّ سلّمه من النقائص، وعلى الثاني: حفظ السلام- أي: الله- عليه؛ أي: اللهمّ احفظه، فهو على حذف مضاف، ومعناه على أنه بمعنى الانقياد: اللهم صيّر العباد منقادين مذعنين له ﷺ ولشريعته.
قال ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام» : (قد يتمحض السلام لمعنى التحية ولمعنى الانقياد، وقد يتردد بينهما كقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً أي: التحية أو السلامة، وكقوله: وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ. سَلامٌ، فإذا أبدل سلام من «ما» .. احتمل الأمرين أيضا؛ أي:
لهم سلامة أو تحية من الله تعالى أو ملائكته) اهـ
وفي السلام من أسمائه تعالى ستة أقوال:
أي: ذو السلامة من كل آفة ونقيصة؛ أي: من كل وجه ذاتا وصفة وفعلا، فيكون من أسماء التنزيه.
стр. 73
أو مالك تسليم العباد من المهالك؛ أي: فهو المعطي له، فيرجع لصفة القدرة.
أو ذو السلام على المؤمنين في الجنة، فيرجع للكلام القديم.
أو الذي سلّم خلقه من ظلمه.
أو سلّم المؤمنين من العذاب.
أو المسلّم على المصطفين من عباده في الدنيا.
واختار ابن فورك وغيره الأول، وعليه يفارق القدوس بأن السلام للتنزيه عن أفعال النقص، والقدوس للتنزيه عن صفاته، كذا قيل، وهو غفلة عما مرّ في معنى السلام على القول الأول، فالوجه أن يفرق بأن السلام للمعنى الأعم كما مرّ «١» ، والقدوس لأخصّ من ذلك، وهو التنزيه عن صفات النقص.
تنبيه:
نقل ابن عرفة عن ابن عبد السلام: أنه يكفي أن يقال: ﷺ ، وعن غيره: أنه أنكر ذلك، وقال: لا بد أن يزيد (تسليما) ، وكأنه أخذ بظاهر: وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، وليس أخذا صحيحا كما يظهر بأدنى تأمّل.
وإذ انتهت المقدمة، فلنشرع في فصول الكتاب بعون الملك الوهاب، فنقول وبالله التوفيق:
стр. 74
الفصل الأول في الأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ
في أي وقت كان وفي الأمر بتحسينها، وأن علامة أهل السّنة الإكثار منها، وغير ذلك قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً؛ مرّ أن الآية مدنية، وذكر أبو ذر الهروي: أن الأمر بها كان في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: في ليلة الإسراء.
أخرج ابن عدي في «الكامل» وغيره: أنه ﷺ قال:
«صلوا عليّ صلى الله عليكم» «١» .
وقال ﷺ : «صلوا عليّ؛ فإن الصلاة عليّ كفارة لكم وزكاة، فمن صلى عليّ صلاة.. صلى الله عليه عشرا» «٢» سنده صحيح على ما قاله العراقي، لكنه معترض بأن فيه انقطاعا وعلّة.
وقال ﷺ : «صلوا عليّ؛ فإنها لكم أضعاف مضاعفة» ذكره الديلمي بلا إسناد تبعا لأبيه.
وقال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: (أوصاني رسول الله ﷺ أن أصلّيها- أي: الضحى- في السفر والحضر، وألّا أنام إلّا على وتر، وبالصلاة على النبي ﷺ وهو ضعيف «٣» .
стр. 75
ويروى مما لم يعرف له أصل: «الصلاة عليّ نور يوم القيامة عند ظلمة الصراط، ومن أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى يوم القيامة.. فليكثر من الصلاة عليّ» .
ويروى أيضا: «أكثروا من الصلاة عليّ؛ لأن أول ما تسألون في القبر عني» قال الحافظ السخاوي: (لم أقف له على سند، وربما يستدل له بثبوت السؤال للمرء في قبره عنه ﷺ «١» .
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صليتم عليّ.. فأحسنوا الصلاة؛ فإنكم لا تدرون لعلّ ذلك يعرض عليّ، قولوا: اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك ... » الرواية الآتية بتخريجها «٢» .
وفي رواية مرسلة: «إنكم تعرضون عليّ بأسمائكم وسيماكم، فأحسنوا الصلاة عليّ» «٣» .
وروى التّيمي عن زين العابدين عليّ بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم أنه قال: (علامة أهل السنة كثرة الصلاة على رسول الله ﷺ .
وذكر ابن الجوزي في كتابه «سلوة الأحزان» : (أن آدم لمّا رام القرب من حواء.. طلبت منه المهر، فقال: يا ربّ؛ ماذا أعطيها؟ قال: يا آدم؛ صلّ على صفيي محمد بن عبد الله عشرين مرة، ففعل صلّى الله عليهما وعلى سائر الأنبياء والمرسلين) .
وجاء بسند ضعيف جدّا أنه ﷺ قال: «بكاء الصغير إلى شهرين شهادة ألاإله إلا الله، وإلى أربعة أشهر الثقة بالله تعالى، وإلى ثمانية
стр. 76
أشهر الصلاة على النبي ﷺ ، ولسنتين استغفار لوالديه، فإذا استسقى.. أنبع الله تعالى له من ضرع أمه عينا من الجنة، فيشرب فتجزئه من الطعام والشراب» ، وفي رواية: «وأن محمدا رسول الله» ، و «اليقين» بدل «الثقة» «١» .
وفي رواية: «لا تضربوا أولادكم على بكائهم سنة؛ فإن أربعة أشهر منها يشهد ألاإله إلّا الله، وأربعة أشهر يصلي عليّ، وأربعة أشهر يدعو لوالديه» «٢» .
وجاء بسند صحيح- على ما قاله المجد اللغوي-: «إذا صليتم على المرسلين.. فصلوا عليّ معهم؛ فإني رسول من المرسلين» «٣» ، وفي لفظ:
«إذا سلمتم عليّ.. فسلموا على المرسلين» «٤» .
وللأول طريق أخرى إسنادها حسن جيد، لكنه مرسل.
وجاء من طرق ضعيفة: «صلوا على أنبياء الله تعالى ورسله؛ فإن الله بعثهم كما بعثني» «٥» . صلّى الله عليهم وسلم تسليما.
وأما ما حكي عن مالك: أنه لا يصلّى على غير نبينا من الأنبياء.. فأوّله أصحابه بأن معناه: أنا لا نتعبّد بالصلاة عليهم كما تعبّدنا بالصلاة عليه ﷺ .
стр. 77
والصلاة على الملائكة لا يعرف فيها نص، وإنما تؤخذ من الحديث المذكور: «صلوا على أنبياء الله تعالى ورسله» ، وقد ثبت أن الله سماهم رسلا.
стр. 78
الفصل الثاني في كيفية الصلاة على النبي ﷺ على اختلاف أنواعها
عن أبي مسعود الأنصاري البدري- واسمه عقبة بن عمرو «١» - رضي الله تعالى عنه قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلّي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ ، حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : «قولوا: اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم» رواه مسلم وغيره «٢» ، و «علمتم» فيه فتح العين وتخفيف اللام، وضمها وتشديد اللام.
وفي لفظ صحيح أيضا- كما مر في أحاديث أدلة الشافعي رضي الله تعالى عنه على وجوبها في الصلاة-: «إذا أنتم صليتم.. فقولوا: اللهم؛ صلّ على محمد النبيّ الأميّ، وعلى آل محمد، [كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم] ، وبارك على محمد [النبي الأمّي] وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» «٣» .
стр. 79
وفي لفظ مرسل: قيل: يا رسول الله؛ أمرنا أن نسلم عليك، وأن نصلّي عليك، فقد علمنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلّي عليك؟ قال: «تقولون:
اللهمّ؛ صلّ على آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، اللهم؛ بارك على آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم» «١» .
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، فقال: ألا أهدي لك هدية؛ إن النبيّ ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلي عليك؟ - وفي رواية للحاكم: كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ - قال:
«قولوا: اللهمّ؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم؛ بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» متفق عليه «٢» .
وفي لفظ للبخاري: «على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» في الموضعين «٣» .
وفي رواية للبيهقي: أنه ﷺ كان يقول في الصلاة:
«اللهم؛ صلّ على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد» «٤» .
وصح أن سبب هذا السؤال: أنه لما نزلت آية: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.. قال رجل: يا رسول الله؛ هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ ... الحديث «٥» .
стр. 80
وفي رواية مرسلة: أنها لمّا نزلت.. قالوا: يا رسول الله، هذا السلام عليك قد علمنا كيف هو، فكيف تأمرنا أن نصلي عليك؟ قال: «تقولون:
اللهم اجعل صلاتك وبركاتك على محمد، كما جعلتها على إبراهيم، إنك حميد مجيد» ، زاد ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور: «آل» في الموضعين «١» .
وفي أخرى مرسلة أيضا: «قولوا: اللهم؛ صلّ على محمد عبدك ورسولك وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد» «٢» .
وفي لفظ للبخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه:
قلنا: يا رسول الله؛ هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف نصلي عليك؟
قال: «قولوا: اللهم؛ صلّ على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم» ، وفي رواية: «وآل إبراهيم» «٣» .
وفي أخرى متفق عليها: «قولوا: اللهم؛ صلّ على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذرّيّته، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد» ، زاد أحمد وغيره: «آل إبراهيم» في الموضعين، وابن ماجه: «كما باركت على آل إبراهيم في العالمين» «٤» .
وفي أخرى- في سندها مختلط واختلاف، والمعروف وقفها، وحسّن المنذري سند الموقوف، وصححه مغلطاي، لكن اعترضا بأن فيه من اختلط بأخرة، ولم يتميز حديثه الأول من الآخر فاستحق الترك-: «قولوا: اللهم؛
стр. 81
اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم؛ ابعثه مقاما محمودا يغبطه الأولون والآخرون، اللهم؛ صلّ على محمد وأبلغه الوسيلة والدرجة الرفيعة من الجنة، اللهم؛ اجعل في المصطفين محبته، وفي المقربين مودته، وفي الأعلين ذكره- أو قال: داره- والسلام عليه ورحمة الله وبركاته، اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم؛ بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد» «١» .
وفي أخرى غريبة: «قولوا: اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» «٢» .
وفي أخرى- في سندها اختلاف على راويها-: «قولوا: اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» «٣» .
وفي رواية أبي داود: «اللهم؛ صلّ على محمد النبي، وأزواجه أمهات
стр. 82
المؤمنين، وذريته وأهل بيته» «١» .
وفي أخرى صحيحة لكنها معلولة: «قولوا: اللهم؛ صلّ على محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» «٢» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه قال: يا رسول الله؛ كيف نصلّي عليك؟ - يعني: في الصلاة- قال: «تقولون: اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، ثم تسلّمون عليّ» أخرجه الشافعي رضي الله تعالى عنه، وشيخه فيه ضعيف، وهو عند البزار والسرّاج من وجه إسناده صحيح على شرط الشيخين «٣» .
وله طريق أخرى عند الطبري: «قولوا: اللهمّ؛ صلّ على محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم» .
وفي رواية أخرى ضعيفة: «قولوا: اللهم؛ اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» «٤» .
وفي رواية زيادة: «وارحم محمدا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحّمت على إبراهيم ... » إلخ «٥» ، وفي سندها مجهول عن رجل مبهم، فتصحيح قوم لها اغترارا بذكر الحاكم لها في «المستدرك» شاهدا.. وهم.
стр. 83
وفي أخرى ضعيفة: «اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل بيته، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهمّ؛ صلّ علينا معهم، اللهم؛ بارك على محمد وعلى أهل بيته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم؛ بارك علينا معهم، صلاة الله وصلوات المؤمنين على محمد النبيّ الأميّ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» «١» .
وفي أخرى- ضعيفة أيضا- زيادة: «وارحم محمدا وآل محمد، كما رحمت على إبراهيم، إنك حميد مجيد» «٢» .
وفي أخرى- عن علي كرم الله وجهه- زيادة: «اللهمّ؛ وترحّم على محمد وعلى آل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم؛ وتحنّن على محمد وعلى آل محمد، كما تحنّنت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، اللهمّ؛ وسلّم على محمد وعلى آل محمد، كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» ، وسندها ذاهب؛ إذ فيه مجهولان وآخر متروك الحديث يضع على أهل البيت، وله طرق أخرى كلها غريبة، وفي بعضها تسلسل بالعدّ؛ أي: أنه ﷺ عدّ تلك الكلمات في يد عليّ رضي الله تعالى عنه، وقال ﷺ :
«عدّهن في يدي جبريل، وقال: عدّهن في يدي ميكائيل، وقال: عدّهن في يدي إسرافيل، وقال: عدّهن في يدي ربّ العالمين ﷻ » «٣» ولا يخلو سندها عن متّهم بالكذب والوضع؛ فهو بسبب ذلك تالف، بل قال بعض
стр. 84
محققي الفقهاء والحفاظ من المتأخرين: إن سائر الطرق التي فيها زيادة الرحمة والتحنن لا تخلو عن ذلك، ولشيخ الإسلام الوليّ أبي زرعة إفتاء طويل في ذلك لخّصت حاصله في «شرح الإرشاد» .
نعم؛ أخرج البخاري في «الأدب المفرد» وابن جرير والعقيلي: أنه ﷺ قال: «من قال: اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، وترحّم على محمد وعلى آل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم.. شهدت له يوم القيامة بالشهادة، وشفعت له» «١» وهو حديث حسن، ورجاله رجال الصحيح إلا واحدا، لكن ذكره ابن حبان في «الثقات» على قاعدته «٢» .
وفي رواية ضعيفة: «اللهم؛ اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» «٣» .
وفي أخرى سندها هالك: أنه ﷺ قال لمن قال: اللهم؛ صلّ على محمد حتى لا تبقى صلاة، اللهم؛ بارك على محمد حتى لا تبقى بركة، اللهم؛ سلّم على محمد حتى لا يبقى سلام، وارحم محمدا حتى لا تبقى رحمة: «إني أرى الملائكة قد سدّوا الأفق» «٤» .
وورد بسند حسن: «من قال: اللهم؛ صلّ على محمد، وأنزله المقعد المقرّب عندك يوم القيامة.. وجبت له شفاعتي» ، وفي رواية: «عندك في الجنة» «٥» .
стр. 85
فالمقعد المقرّب على الرواية الأولى يحتمل أنه المقام المحمود؛ لأنه أظهر فضائله التي يتميز بها ذلك اليوم، وعلى الرواية الثانية يحتمل أنه الوسيلة؛ لأنها أرفع درجاته التي يتميز بها على جميع أهل الجنة.
وبسند ضعيف: «من قال: جزى الله عنّا محمدا ﷺ بما هو أهله.. أتعب سبعين ملكا ألف صباح» «١» ، وضمير (أهله) يحتمل أنه لله تعالى، وأنه لمحمد ﷺ ، وتعب السبعين هذا الزمن الطويل بكتابة ما يقابل ذلك من الثواب، أو بالاستغفار له.
ويروى: «من صلى على روح محمد في الأرواح، وعلى جسده في الأجساد، وعلى قبره في القبور.. رآني في منامه، ومن رآني في منامه..
رآني يوم القيامة، ومن رآني يوم القيامة.. شفعت له، ومن شفعت له..
شرب من حوضي، وحرم الله جسده على النار» ، قال الحافظ السخاوي:
(لم أقف على أصله إلى الآن) «٢» .
وروى أبو داود في «سننه» ، وعبد بن حميد في «مسنده» وغيرهما:
أنه ﷺ قال: «من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت.. فليقل: اللهم صلّ على محمد النبيّ، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد» «٣» .
وفي رواية في سندها مجهول، وآخر مختلط: «فليقل: اللهم؛ اجعل صلواتك وبركاتك على محمد النبي» «٤» .
стр. 86
وفي رواية موقوفة على عليّ ﵁ وكرم وجهه: (من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى.. فليقرأ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ الآية) «١» .
[في حديث سيدنا علي ﵁: «اللهم؛ داحي المدحوات ... » ]
وجاء عن علي ﵁ بسند ضعيف- وله طريق أخرى رجالها رجال الصحيح، إلا أنها مرسلة؛ لأن راويها لم يدرك عليّا ﵁: أنه كان يعلّم الناس الصلاة على النبي ﷺ ، فيقول: (اللهم داحي المدحوّات) ، ويروى: (المدحيات) ؛ أي: الأرضين، قال تعالى:
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أي: بسطها؛ لأنها كانت أولا ربوة، (وبارىء المسموكات) أي: موجد السماوات لا على مثال سابق، ويروى:
(سامك) أي: رافع، (وجبّار القلوب على فطرتها شقيّها وسعيدها) أي:
من جبر وأجبر بمعنى قهر؛ أي: قهر القلوب جميعها، وأثبتها على ما فطرها عليه من معرفته، (اجعل شرائف صلاتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحننك على عبدك ورسولك الخاتم لما سبق، والفاتح لما أغلق) أي: بضم أوله وكسر ثالثه، (والمعلن الحق بالحق، والدامغ) أي: المهلك، (لجيشات الأباطيل) أي: جمع جيشة، وهي: المرة من جاش إذا ارتفع، (كما حمّل) أي: بضم فكسر مع التشديد، (فاضطلع) أي: بالمعجمة، (بأمرك) أي: نهض به لقوته عليه، (بطاعتك، مستوفزا في مرضاتك) أي: ماضيا فيها، (بغير نكل عن قدم) أي: بغير جبن وإحجام عن الإقدام فيها (ولا وهن في عزم) أي: ضعف في رأي، ويروى: (واهيا) بالمثناة التحتية، (واعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضيا في نفاذ أمرك) أي: بالفاء والمعجمة، (حتى أورى) أي: من ورى الزند يري وريا إذا خرجت ناره، ويجوز وري يري بالكسر فيهما، وأوريته، ووريته، (قبسا لقابس) أي:
стр. 87
شعلة من نار، وفيه تشبيه سعيه ﷺ في إظهار ما جاء به، حتى صار لا يخفى على أحد بإيقاد نار وجعلها على علم، حتى صارت كذلك، فهو استعارة بالكناية، يتبعها استعارة ترشيحية، ويصح أن يكون من مجاز التمثيل، (آلاء الله تصل بأهله أسبابه) أي- بالمد- نعمه، جمع ألى بالفتح والتنوين كرحى، وبالكسر والتنوين كمعى، وبالكسر وسكون اللام والتنوين كنحي، وبالكسر أو الفتح بغير تنوين، (به هديت) أي: بالبناء للفاعل والمفعول، (القلوب بعد خوضات الفتن والإثم، وأنهج) أي: قوم (موضحات الأعلام، ومنيرات الإسلام، ونايرات الأحكام) أي: بنون ثم تحتية، (فهو أمينك المأمون، وخزّان علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة، اللهم افسح له فسحا في عدنك) أي- بفتح فسكون-: جنتك، من عدن: أقام، (واجزه) أي:
بوصل الهمزة وكسر الزاي، قال تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا وفيه ضبط غير ذلك، لكنه تحريف، (مضاعفات الخير من فضلك، مهنّئات «١» له غير مكدرات، من فوز ثوابك المضنون) أي: الذي يضن به لنفاسته، (وجزيل عطائك المعلول) أي: من العلل- وهو بفتحتين-: الشّرب الثاني بعد النّهل- بفتحتين- وهو: الشّرب الأول، وأراد العطاء بعد العطاء، (اللهم أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم مثواه لديك ونزله) أي- بضم فسكون، أو ضم-:
ما يهيّأ للضيف، (وأتمم له نوره، واجزه من ابتغائك له مقبول الشهادة، ومرضيّ المقالة، ذا منطق عدل، وخطّة فصل) أي: أمر قطع؛ أي: مقطوع به، (وحجة وبرهان عظيم ﷺ ، زاد أبو بكر بن أبي شيبة في رواية فيها مجهول: (اللهم اجعلنا سامعين مطيعين، وأولياء مخلصين، ورفقاء مصاحبين، اللهم أبلغه منّا السلام، واردد عليه منّا السلام) «٢» .
стр. 88
وفي «الشفا» : (عن علي أيضا في الصلاة على النبيّ ﷺ لكن قال السخاوي: لم أقف على أصله-: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً لبيك اللهم ربي وسعديك، صلوات الله البرّ الرحيم، والملائكة المقربين، والنبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وما سبّح لك من شيء يا رب العالمين على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الشاهد البشير، الداعي إليك بإذنك السراج المنير، وعليه السلام) «١» .
وأخرج أبو سعد في «شرف المصطفى ﷺ » : «لا تصلوا عليّ الصلاة البتيراء» قالوا: وما الصلاة البتيراء يا رسول الله؟ قال: «تقولون اللهم صلّ على محمد وتمسكون، بل قولوا: اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد» «٢» ، قال السخاوي: (لم أقف له على إسناد) «٣» .
وعنده بسند تالف: «اللهم؛ صلّ على محمد كما أمرتنا أن نصلّي عليه، وصلّ عليه كما ينبغي أن يصلّى عليه» «٤» .
وصح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يقول في صلاته:
(اللهم؛ تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى) «٥» .
стр. 89
وفي رواية ضعيفة: أنه ﷺ قال: «اللهم؛ إني أسألك يا ألله، يا رحمن، يا رحيم، يا جار المستجيرين، يا مأمن الخائفين، يا عماد من لا عماد له، يا سند من لا سند له، يا ذخر من لا ذخر له، يا حرز الضعفاء، يا كنز الفقراء، يا عظيم الرجاء، يا منقذ الهلكى، يا منجي الغرقى، يا محسن، يا مجمل، يا منعم، يا مفضل، يا عزيز، يا جبار، يا منير، أنت الذي سجد لك سواد الليل، وضوء النهار، وشعاع الشمس، وحفيف الشجر، ودويّ الماء، ونور القمر يا ألله، أنت الله لا شريك لك..
أسألك أن تصلّي على محمد عبدك ورسولك» «١» .
تنبيه:
اشتملت هذه الرواية على وصف الله تعالى بأوصاف لم ترد من حديث صحيح، والمشهور عند أهل السنة أن أسماء الله تعالى توقيفية، وأنها لا تثبت بحديث ضعيف؛ وحينئذ فلا يجوز النطق بما في هذه، مما لم يرد في الأحاديث الصحيحة، فتفطّن لذلك.
وفي أخرى ضعيفة أيضا: أنه ﷺ لما جمع فاطمة وعليّا والحسن والحسين تحت ثوبه.. قال: «اللهم؛ قد جعلت صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك على إبراهيم وآل إبراهيم، اللهم؛ إنهم مني وأنا منهم، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليّ وعليهم» ، فقال واثلة:
وعليّ يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فقال: «اللهم وعلى واثلة» «٢» .
وفي رواية موضوعة: «أن من قال: اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.. لو كانت
стр. 90
البحار مدادا، والأشجار أقلاما، والملائكة كتّابا يكتبون.. لفني المداد، وتكسرت الأقلام، ولم تبلغ الملائكة ثواب هذه الصلاة» «١» .
وفي «الشفا» لابن سبع، و «شرف المصطفى» لأبي سعد: أنه ﷺ أجلس رجلا بينه وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فعجب الصحابة رضي الله تعالى عنهم منه؛ إذ كان لا يجلس بينهما أحد، فقال ﷺ بعد أن ذهب: «هذا يقول في صلاته: اللهم؛ صلّ على محمد كما تحب وترضى له» ، قال السخاوي: (لم أقف على سنده) «٢» .
وعلى تقدير ثبوته، فإجلاسه ﷺ لذلك الرجل بينهما لتأليفه، أو لترغيب الحاضرين في فعل تلك الكيفية.
وجاء عن زين العابدين علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم، والحسن البصري، ومعروف الكرخي وغيرهم كيفيات أخر حذفتها اختصارا؛ لأن القصد بيان ما ورد عنه ﷺ ، وكذلك حذفت منامات فيها كيفيات أخر.
ونقل السخاوي عن بعض المعتمدين من شيوخه: أن الكيفية المشهورة:
«اللهم؛ صلّ على سيدنا محمد السابق للخلق نوره، والرحمة للعالمين ظهوره ... » إلخ «٣» [لها] قصة تفيد أن كل مرة منها بعشرة آلاف صلاة، والله تعالى أعلم «٤» .
стр. 91
الفصل الثالث في مسائل وفوائد تتعلق بما مضى في الفصلين الأولين
[المسألة] الأولى:
مرّ في المقدمة الكلام على معنى الصلاة والسلام بما يغني عن إعادته هنا، وصح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه قال: (لا تنبغي الصلاة من أحد على أحد إلا على النبي ﷺ «١» .
وفي رواية عنه: (ما أعلم الصلاة تنبغي على أحد من أحد إلا على النبي ﷺ ، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار) «٢» .
وفي أخرى عنه: (لا تصلح على أحد إلا على النبي ﷺ «٣» .
وأخرج البيهقي وعبد الرزاق عن الثوري: (يكره أن يصلّى إلا على نبيّ) «٤» .
وجاء عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه بسند حسن أو صحيح:
أنه كتب لعامله: (إن ناسا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ ، فإذا جاءك كتابي هذا.. فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين صلى الله عليهم وسلم خاصة،
стр. 92
ودعاؤهم للمسلمين عامة، ويدعوا ما سوى ذلك) «١» .
وكلام ابن عباس وعمر يحتمل الكراهة والحرمة.
[حكم السلام على غير الأنبياء]
وهذه المسألة- أعني: الصلاة على غير الأنبياء والملائكة- وقع فيها اضطراب بين العلماء:
فقيل: تجوز مطلقا، قال القاضي عياض: (وعليه عامة أهل العلم) اهـ «٢» ، ويدل له قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ، وما صح من قوله ﷺ : «اللهم؛ صلّ على آل أبي أوفى» «٣» ، ومن قوله ﷺ وقد رفع يديه: «اللهم؛ اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة» «٤» ، وصحح ابن حبان خبر: (أن امرأة قالت للنبيّ ﷺ صلّ عليّ وعلى زوجي، ففعل) «٥» ، وفي خبر مسلم:
«إن الملائكة تقول لروح المؤمن: صلى الله عليك وعلى جسدك» «٦» ، وفي حديث معضل: (أنه ﷺ صلّى على كلّ من الخلفاء الأربعة وعمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهم) «٧» .
стр. 93
وقيل: لا تجوز إلّا على النبي ﷺ خاصة، وحكي عن مالك رحمه الله تعالى كما مر آخر (الفصل الأول) «١» .
وقيل: لا تجوز مطلقا استقلالا، وتجوز تبعا فيما ورد به النص، أو ألحق به، واختاره القرطبي وغيره.
وقيل: تجوز تبعا مطلقا، ولا تجوز استقلالا، وهو قول أبي حنيفة وجمع.
وقيل: تكره استقلالا لا تبعا، وهي رواية عن أحمد.
ومذهبنا: أنه خلاف الأولى.
قال عياض: (والذي أميل إليه قول مالك وسفيان، وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء، قالوا: يذكر غير الأنبياء بالرضا والغفران، والصلاة على غير الأنبياء- يعني استقلالا- لم تكن من الأمر المعروف، وإنما أحدثت في دولة بني هاشم) اهـ «٢»
ويوافقه قول الإمام أبي اليمن بن عساكر: (قد اختصّ الأنبياء بها يوقّرون بها، كما اختصّ الله تعالى عند ذكره بالتنزيه، فينبغي ألا يشاركهم فيه غيرهم، هذا هو مذهب أهل التحقيق) اهـ
واستدل المانعون بأن لفظ الصلاة صار شعارا لتعظيم الأنبياء وتوقيرهم، فلا يقال لغيرهم استقلالا، وإن صح معناه، كما لا يقال: محمد وإن صح معناه؛ لأن هذا الثناء صار شعارا لله ، فلا يشاركه فيه غيره.
وأجابوا عما مرّ بأنه صدر من الله تعالى ورسوله ﷺ ،
стр. 94
ولهما أن يخصّا من شاآ بما شاآ، وليس ذلك لغيرهما إلا بإذنهما، ولم يثبت عنهما إذن في ذلك.
ومن ثمّ قال أبو اليمن بن عساكر: (له ﷺ أن يصلي على غيره مطلقا؛ لأنه حقه ومنصبه، فله التصرف فيه كيف شاء، بخلاف أمته ﷺ ؛ إذ ليس لهم أن يؤثروا غيره ﷺ بما هو له) لكن نازع فيه صاحب «المعتمد» «١» من أئمتنا بأنه لا دليل على الخصوصية، وحمل البيهقي القول بالمنع على ما إذا جعل ذلك تعظيما وتحية، وبالجواز على ما إذا كان دعاء وتبركا.
واختار بعض الحنابلة أنها على الآل مشروعة تبعا، وجائزة استقلالا، وعلى الملائكة وأهل الطاعة عموما جائزة أيضا، وعلى شخص معيّن أو جماعة مكروهة، ولو قيل بتحريمها لم يبعد، سيما إذا جعله شعارا له وحده دون مساويه ومن هو خير منه، كما يفعله الرافضة بعليّ رضي الله تعالى عنه، ولا بأس بها أحيانا، كما صلى ﷺ على المرأة وزوجها، وكما صلى عليّ على عمر رضي الله تعالى عنهما لمّا دخل عليه وهو مسجّى، قال: (وبهذا التفصيل تتفق الأدلة) اهـ
ويردّ بأنها متفقة بما قدمناه من الجواب عما استدل به المجوّزون.
والسلام كالصلاة فيما ذكر إلا إذا كان لحاضر، أو تحية على غائب.
وفرّق آخرون بأنه يشرع في حق كل مؤمن بخلافها، وهو فرق بالمدّعى، فلا يقبل، ولا شاهد في (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) لأنه وارد في محل مخصوص، وليس غيره في معناه، على أنه تبع لا استقلال.
وحقق بعضهم فقال ما حاصله مع الزيادة عليه: (السلام الذي يعم الحي والميت.. هو الذي يقصد به التحية، كالسلام عند تلاق، أو زيارة قبر، وهو مستدع للرد وجوب كفاية أو عين، بنفسه في الحاضر، ورسوله أو كتابه في
стр. 95
الغائب، وأما السلام الذي يقصد به الدعاء منّا بالتسليم من الله تعالى على المدعو له، سواء أكان بلفظ غيبة أو حضور.. فهذا هو الذي اختص به ﷺ عن الأمة، فلا يسلّم على غيره منهم إلا تبعا، كما أشار إليه التقي السبكي في «شفاء السّقام» «١» ، وحينئذ فقد أشبه قولنا: «﵇» قولنا: «عليه الصلاة» من حيث إن المراد: ﵇ من الله تعالى؛ ففيه إشعار بالتعظيم الذي في الصلاة من حيث الطلب لأن يكون المسلّم عليه الله تعالى، كما في الصلاة، وهذا النوع من السلام هو الذي جوز الحليمي كون الصلاة بمعناه) اهـ
[المسألة] الثانية:
استدل بتعليمه ﷺ لأصحابه كيفية الصلاة عليه بعد سؤالهم عنها: أنها أفضل الكيفيات في الصلاة عليه ﷺ ؛ لأنه ﷺ لا يختار لنفسه إلا الأشرف والأفضل.
ومن ثمّ صوّب في «الروضة» : (أنه لو حلف ليصلين على النبي ﷺ أفضل الصلاة.. لم يبرّ إلا بتلك الكيفية) «٢» .
ووجّهه السبكي بأن من أتى بها.. فقد صلى على النبي ﷺ بيقين، وكان له الجزاء الوارد في أحاديث الصلاة بيقين، وكل من جاء بلفظ غيرها.. فهو من إتيانه بالصلاة المطلوبة في شك؛ لأنهم قالوا: كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا ... » فجعل الصلاة عليه منهم هي قول ذا. اهـ
ونقل الرافعي رحمه الله تعالى عن المروزي: أنه يبرّ ب (اللهم؛ صلّ على محمد وآل محمد كلما ذكره «٣» الذاكرون، وكلما سها عنه الغافلون) ، وأخذ
стр. 96
ذلك من ذكر الشافعي رضي الله تعالى عنه لها في خطبة «الرسالة» «١» ، لكن بلفظ (غفل) بدل (سها) وأوثرا على (سكت) ؛ لأن الساكت قد يكون ذاكرا بقلبه، والساهي والغافل من لم يذكر بقلبه ولا لسانه.
وظاهر سياق «الرسالة» : أن ضمير (ذكره) و (غفل عنه) راجع إلى الله تعالى، قال الأذرعي رحمه الله تعالى: وهو الوجه، وبيّنه غيره بأن الرب هو الذي يوصف بكثرة الذكر عادة، وبغافلة الذاكر عنه، وإن كان الكل صحيحا والمعنى لا يختلف، ولو استحضر المصلي الأمرين جميعا.. لكان حسنا.
وقول بعضهم: ذاكر النبي ﷺ يعدّ من الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ، والغافل عن ذكره يعدّ من الغافلين.. لا يجدي توجيها؛ لأن ذاكر الله تعالى كذلك.
قال النووي رضي الله تعالى عنه: (ولعل الشافعي رضي الله تعالى عنه أول من استعمل تلك الكيفية) «٢» .
وقال القاضي حسين وغيره: طريق البرّ: (اللهم؛ صلّ على محمد كما هو أهله ومستحقه) .
ونحوه قول بعضهم: أفضل الحمد والصلاة: (اللهم؛ لك الحمد كما أنت أهله، فصلّ على محمد كما أنت أهله، وافعل بنا ما أنت أهله؛ فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة) .
واختار البارزي أن الأفضل: (اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد أفضل صلاتك وعدد معلوماتك) ؛ فإنه أبلغ.
وقيل: هو: (اللهم؛ صلّ على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى كل نبي وملك وولي، عدد الشفع والوتر، وعدد كلمات ربنا التامات المباركات) .
стр. 97
وقيل: هو: (اللهم؛ صلّ على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وأزواجه وذريته، وسلّم عدد خلقك، ورضا نفسك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك) ، قال بعض المحققين: وهذه أبلغ.
وقيل: هو: (اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد وسلم، عدد خلقك، ورضا نفسك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك) ، قال بعض المحققين: وهذا مأخوذ من الحديث الصحيح في التسبيح، وإنه أفضل من غيره.
وقيل: هو: (اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد صلاة دائمة بدوامك) .
وقيل: هو: (اللهم؛ يا رب محمد وآل محمد؛ صلّ على محمد، وآل محمد، واجز محمدا ﷺ ما هو أهله) .
وقيل: هو: (اللهم؛ صلّ على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين ... ) إلخ ما مر؛ لقوله ﷺ في حديثه: «من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى.. فليقل ذلك» «١» .
[الصيغة التي مال إليها المصنف في الصلاة عليه ص]
والذي أميل إليه وأفعله منذ سنين: أن الأفضل ما يجمع جميع ما مر بزيادة، وهو: (اللهم؛ صلّ على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وكما يليق بعظيم شرفه وكماله ورضاك عنه، وما تحب وترضى له، دائما أبدا، عدد معلوماتك، ومداد كلماتك، ورضا نفسك، وزنة عرشك، أفضل صلاة وأكملها وأتمها، كلما ذكرك وذكره الذاكرون،
стр. 98
وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون، وسلم تسليما كذلك، وعلينا معهم) .
فهذه الكيفية قد جمعت الوارد في معظم كيفيات التشهد التي هي أفضل الكيفيات كما مرّ، وسائر ما استنبطه العلماء رضي الله تعالى عنهم من الكيفيات، وادّعوا أنها أفضل، وزادت عليهم زيادات بليغة، تميزت بها، فلتكن هي الأفضل على الإطلاق.
ثم رأيت اليافعي رحمه الله تعالى قال: (ينبغي أن يجمع بين الكيفيات الثلاث فيقول ... ) ، وذكر بعض هذه الكيفية.
وبعض المحققين قال: (لو جمع بين ما في الحديث، وأثر الشافعي رضي الله تعالى عنه، وما قاله القاضي حسين.. لكان أشمل) اهـ
وهذه الثلاث مذكورة في هذه الكيفية التي استنبطتها، مع ما فيها من الزيادات.
وقال المحقق الكمال بن الهمام: (كل ما ذكر من الكيفيات موجود في:
«اللهم؛ صلّ أبدا أفضل صلاتك على سيدنا عبدك ونبيك ورسولك محمد وآله وسلم عليه تسليما كثيرا، وزده شرفا وتكريما، وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة» ) اهـ
ولا شك أن الكيفية التي ذكرتها مشتملة على جميع ما في هذه وزيادة، فلتكن أولى منها وأفضل.
ونقل ابن مسدي عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ومن بعدهم: أن هذا لا يوقف فيه مع المنصوص، وأن من رزقه الله تعالى بيانا، فأبان عن المعاني بالألفاظ الفصيحة المباني، الصريحة المعاني، مما يعرب عن كمال شرفه ﷺ ، وعظيم حرمته.. كان ذلك واسعا، واحتجوا بقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (فأحسنوا الصلاة على نبيكم ﷺ ؛ فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه) .
وحاول بعضهم كيفية تجمع جميع ما مر من الوارد، وهي: (اللهم؛ صلّ
стр. 99
وبارك وترحم على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، وآله وأصهاره وأنصاره، وأتباعه وأشياعه ومحبيه، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
وصلّ وبارك وترحم علينا معهم، أفضل صلاتك، وأزكى بركاتك، كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، عدد الشفع والوتر، وعدد كلماتك التامات المباركات، وعدد خلقك، ورضا نفسك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك، صلاة دائمة بدوامك.
اللهم؛ ابعثه يوم القيامة مقاما محمودا، يغبطه به الأولون والآخرون، وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة، وتقبّل شفاعته الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الدنيا والآخرى، كما آتيت إبراهيم وموسى.
اللهم؛ اجعل في المصطفين محبته، وفي المقربين مودته، وفي الأعلين ذكره، واجزه عنا ما هو أهله، خير ما جزيت نبيّا عن أمته، واجز الأنبياء كلهم خيرا.
صلوات الله وصلوات المؤمنين على محمد النبي الأمي، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه، اللهم؛ أبلغه منا السلام، واردد علينا منه السلام، وأتبعه من أمته وذريته ما تقرّ به عينه، يا رب العالمين) .
وهذه وإن جمعت الألفاظ الواردة، لكن الكيفية التي قدمتها أبلغ منها؛ لاشتمالها على أصح الكيفيات، مع زيادة أبلغيّة متضمنة لمعاني جميع هذه الألفاظ وزيادة.
واعلم أن صلاة التشهد التي مرّت عن النووي رحمه الله تعالى أنها أفضل الكيفيات.. لها كيفيات جاءت في الأحاديث الصحيحة وغيرها، كما قدمتها في (الفصل الثاني) ، فيحصل بكل منها المقصود، لكن قال الشافعي
стр. 100
رضي الله تعالى عنه: الأفضل أن يقول- يعني في التشهد-: (اللهم؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد) .
ونقله النووي في «شرح المهذب» عن الأصحاب أيضا، وقال: (إنه الأولى، لكن بزيادة «على» قبل «آل» في الموضعين لثبوتها في روايات، قال: وينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة، فيقول: «اللهم؛ صلّ على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد» ) «١» .
زاد في «الأذكار» بعد (محمد) في (صلّ) فقط: (عبدك ورسولك) «٢» ، وأسقط في «الفتاوى» : (النبي الأمي) في (وبارك) «٣» ، واعترض بأنه فاته أشياء واردة تفضل ما زاده، أو تزيد عليه ك (أمهات المؤمنين) بعد (وأزواجه) ، ونحو (وأهل بيته) بعد (وذريته) ، وك (عبدك ورسولك) في (وبارك) ، ونحو (في العالمين) في الأولى، ونحو (إنك حميد مجيد) قبل (وبارك) ، ونحو (وترحم على محمد) ... إلخ (وصلّ علينا معهم) آخر التشهد؛ لورودها عند الترمذي وغيره.
ومنازعة ابن العربي فيها بأنها تكرار بلا فائدة؛ لجريان قول في (الآل) بأنهم كل الأمة، وبالخلاف في الصلاة على غير الأنبياء، وبأن روايها انفرد بها.. مردودة بأن راويها ثبت، فلا يضر انفراده على أنه لم ينفرد.
стр. 101
[الصلاة على غير الأنبياء تبعا]
والصلاة على غير الأنبياء تبعا لا خلاف في جوازها، وقد شرع الدعاء للآحاد بما دعا به النبي ﷺ لنفسه في الحديث الصحيح:
«اللهم؛ إني أسألك من خير ما سألك منه محمد ﷺ » ، والتكرار إنما يأتي عند القائل بأن (الآل) كل الأمة، على أنه لا محذور في ذلك على هذا؛ لأنه من عطف الخاص على العام، ونكتته الاهتمام بالخاص، كما في: وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ.
واعترض الأذرعي ما مرّ عن النووي رحمه الله تعالى أيضا بأن التلفيق يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد، فالأولى أن يأتي بأكمل الروايات، ويقول كل ما ثبت مرة، وسبقه لنحو ذلك بعض الحنابلة.
وللعزّ بن جماعة اعتراض عليه في قوله: (ينبغي أن يأتي ب «إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا كثيرا» ليجمع بين الروايتين) ، ورددته عليه في «حاشية الإيضاح» في (مبحث الوقوف) «١» ، فاستحضر نظيره هنا.. يظهر لك صحة
стр. 102
اتجاه ما ذكره النووي رحمه الله تعالى.
واعترضه الإسنوي بأنه يلزمه أن يجمع الأحاديث الواردة في التشهد، ورددته عليه في «شرح العباب» ، ويفرق بين ما هنا والقراآت؛ حيث لم يقل أحد من الأئمة باستحباب التلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في الحرف الواحد، وإن أجازه بعضهم عند التعلم للتمرن.. بأنا متعبّدون بالإتيان بألفاظ القرآن على الكيفية الواردة، فلم يشرع لنا تغييرها بخلاف نحو ألفاظ الصلاة؛ فإن القصد بالذات معاني ألفاظها، دون نفس ألفاظها، فلم يتعين رعاية ذلك، وشرع لنا الإتيان بكل ما فيه زيادة في المعنى المطلوب من ذلك، وهو زيادة تعظيمه ﷺ وتوقيره.
إذا تقرر ذلك.. فالذي يظهر: أنه متى كان بين لفظين واردين ترادف..
تخيّر بين أن يأتي بهذا أو بهذا، وإلا: فإن أفاد كلّ ما لا يفيده الآخر.. أتى بكل منهما، وإن أفاد أحدهما معنى الآخر وزيادة.. أتى بما يفيد الزيادة، هذا كله إن استويا صحة، وإلا آثر الصحيح.
واعلم أن مذهبنا أنه لا يتعين اللفظ الوارد في الصلاة عليه ﷺ في الصلاة، وقيل: يتعين؛ فعلى الأول: يكفي (اللهم؛ صلّ على محمد) وكذا (صلى الله على محمد) على الأصح؛ لأن الدعاء بلفظ الخبر آكد، بخلاف (الصلاة على رسول الله) ﷺ لا يجزىء اتفاقا؛ لأنه ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله ، فليس في معنى الوارد.
стр. 103
ومن ثمّ قال النيسابوري: لا يكفي صليت على محمد؛ لأن مرتبة العبد تقصر عن ذلك، بل يسأل ربه أن يصلّي عليه، وحينئذ فالمصلّي حقيقة هو الله تعالى، وتسمية العبد مصليا عليه مجاز عن سؤاله الصلاة من الله تعالى عليه.
ويؤيده قول أبي اليمن ابن عساكر: (حسن قول من قال: لمّا أمرنا الله تعالى بالصلاة على رسوله ﷺ .. لم نبلغ معرفة فضيلتها، ولم ندرك حقيقة مراد الله فيه، فأحلنا ذلك إلى الله ، فقلنا: اللهم؛ صل أنت على رسولك؛ لأنك أعلم بما يليق به، وبما أردته له ﷺ .
[عدم جواز إبدال لفظ (محمد) ب (أحمد) ، وبالضمير في التشهد]
ويجوز إبدال لفظ (محمد) ب (النبي) و (رسول الله) ، لا ب (أحمد) ، ولا بالضمير، وإن سبق ما يعود عليه؛ لأن العلم يشبه المتعبد به؛ فلم يجزىء نظيره، وأجزأ عنه الوصف؛ لأنه أعلى منه، وظاهر أنه لا يجزيء (الرسول) بدل (النبي) لقول الشافعي ﵁، كما نقله البيهقي والعبّادي: (يكره أن يقال: «قال الرسول» ، ولكن «قال رسول الله ﷺ » تعظيما له) «١» أي: لأن لفظ الرسول يشمل غير النبي، فلا تعظيم فيه، ولا ينافيه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لأنه يخاطب عبده بما شاء، على أن فيه غاية التعظيم؛ إذ معناه: يا أيها الرسول عنّي، بخلافه من غيره؛ فإنه ليس نصّا في ذلك، وإن قال عقبه: ﷺ .
ولا تجزىء الصلاة إلا بعد فراغ جميع التشهد، لأنها ركن مستقل، فوجب الترتيب بينهما، ووقع لبعضهم هنا وهم، فاحذره.
وإنما اكتفي في الوجوب ب (اللهم؛ صلّ على محمد) مثلا، مع مخالفته للكيفيات الواردة في تعليم الصلاة؛ لأن الوجوب ثبت بنص القرآن بقوله
стр. 104
تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ فلما سأل الصحابة عن الكيفية، وعلّمها النبيّ ﷺ لهم، واختلف النقل لتلك الألفاظ.. اقتصر على ما اتفقت عليه الروايات، وترك الزائد عليه، كما في التشهد؛ إذ لو وجب المتروك.. لما سكت عنه.
وقيل: يجب ذكر إبراهيم؛ لأن أقل ما وقع في الروايات: «اللهم؛ صلّ على محمد، كما صليت على إبراهيم» ، وردّ بأنه ورد بدون ذكره في حديث زيد بن خارجة عند النسائي بسند قويّ، ولفظه: «صلوا عليّ، وقولوا:
اللهم؛ صلّ على محمد، وعلى آل محمد» «١» ، ونظر فيه بأنه من اختصار بعض الرواة؛ فإن النسائي أخرجه من هذا الوجه تامّا، ويردّ بأن إخراجه له كذلك لا يعيّن الاختصار؛ لجواز أن يكون سمعه مرتين، مختصرا وتامّا، فتمت الحجة به؛ لأن الأصل عدم الاختصار.
[الصلاة عليه ص خارج الصلاة بصيغة الطلب أفضل منها بصيغة الخبر]
والإتيان خارج الصلاة بصيغة الطلب.. أفضل منه بصيغة الخبر؛ لأنها الواردة عقب التشهد، وأجيب عن إطباق المحدثين على الإتيان بها خبرا بأنه مما أمرنا به من تحديث الناس بما يعرفون؛ إذ كتب الحديث يجتمع عند قراءتها أكثر العوام، فخيف أن يفهموا من صيغة الطلب أن الصلاة عليه لم توجد من الله بعد، وإنما طلبنا حصولها له، فأتي بصيغة يتبادر إلى أفهامنا منها الحصول، وهي مع إبعادهم من هذه الورطة متضمنة للطلب الذي أمرنا به.
[الحكمة من اقتصاره ص في كثير من الروايات على اسمه العلم]
وحكمة اقتصاره ﷺ في كثير من الروايات السابقة على اسمه العلم بقوله: «قولوا: اللهم؛ صلّ على محمد» ، مع أنه في مقام تعليمهم ما هو اللائق به ﷺ .. أنه آثر التواضع لربه ، أو مع أبيه إبراهيم فإنه ذكره باسمه العلم، ولم يأت له بوصف؛ إشارة إلى أن شهرة عظيم أوصافه تغني عن ذكرها، وإتباعه في بعض الروايات
стр. 105
السابقة ب «عبدك ونبيك ورسولك ... » إلخ؛ لبيان ما يقتضيه حق مقام النبوة من مزيد التأدب معه بذكر عظيم أوصافه.
والحاصل: أن شهوده ﷺ كان يتفاوت، فتارة يؤثر مقام التواضع وهو الأكثر في الروايات، وتارة يؤثر بيان ما هو الواقع؛ مبالغة في نصح الأمة وإرشادهم إلى الأولى والأكمل، وقد يجب هذا كما في (السلام عليك أيها النبي) في التشهد؛ فإنه لا يجزىء غير هذا اللفظ، اقتصارا على الوارد لتطابق جميع روايات التشهد عليه، بخلاف روايات تعليم كيفية الصلاة؛ فإنها اختلفت كما مرّ.
وحكمة اتفاقها ثمّ واختلافها هنا: أنه هنا مقتض للتواضع، وهو مقابلة اسمه باسم أبيه إبراهيم صلى الله عليهما وسلم، فاثره في الأكثر كما مرّ، وفي التشهد لا مقتضى له، فاثر ما هو الأنفع للأمة، وهو إتيانهم بما هو الأليق بكماله ﷺ .
واقتصر ﷺ على اسمه محمد في حديث الترمذي الآتي في (الخامس والثلاثين من الأحوال التي تستحب فيها الصلاة على النبي ﷺ ، حيث علّم الأعمى أن يقول: «يا محمد؛ إني متوجه بك إلى ربي ... » إلخ «١» ؛ لأنه في مقام الدعاء والتوسل به ﷺ ، فكان التواضع أليق به، على أنه بيّن حق المقام بقوله قبل (يا محمد) : (نبيك نبي الرحمة) فتأمل ذلك، وأعرض عمّا سواه.
وحكمة قول عيسى في حديث الشفاعة: «اذهبوا إلى محمد» .. الإعلام بمقامه المحمود الذي اختص به ذلك اليوم، ولهذا يقال له ﷺ لمّا يخر ساجدا لربه : «يا محمد؛ ارفع رأسك» «٢» إشعارا بذلك، وبقبول شفاعته ﷺ ، ومن ثم قيل له عقبه:
стр. 106
«قل.. يسمع لك» «١» ، ولمّا خلا نداؤنا له ﷺ في حياته وبعد موته ب (يا محمد) عن التعظيم.. كان حراما، كما يأتي أواخر الكتاب.
[المسألة] الثالثة:
صرح النووي رحمه الله تعالى في «أذكاره» وغيره بكراهة إفراد الصلاة عن السلام وعكسه، واستدل بورود الأمر بهما معا في الآية «٢» ، واعترض بما مرّ في الأحاديث من أن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة، فأفرد التسليم مدة قبل الصلاة في التشهد، ويردّ بأن الإفراد في ذلك الزمن لا حجة فيه؛ لأنه لم يقع منه ﷺ قصدا، كيف والآية ناصّة عليهما؟! وإنما يحتمل أنه علّمهم السلام، وظن أنهم يعلمون الصلاة، فسكت عن تعليمهم إياها، فلما سألوه عن تعليمها.. أجابهم لذلك، على أنه لا إفراد حقيقة، لما يأتي في معنى قولهم: (كيف نصلي عليك) ، والحق أن المراد بالكراهة خلاف الأولى؛ إذ لم يوجد هنا مقتضيها من النهي المخصوص، وما وقع في «الأم» وغيرها من الإفراد خطا لا دليل فيه؛ لاحتمال الجمع لفظا.
فإن قلت: الإفراد خطا مكروه أيضا على ما صرح به غير واحد.. قلت:
هو وإن صرح به الزين العراقي وغيره.. فيه نظر؛ فقد وقع من الشافعي وغيره كما تقرر، وهو يرد على من ادعى الكراهة.
قيل: والمراد بالسلام في قولهم: (أما السلام عليك فقد عرفناه) ..
سلام التحلل من الصلاة، وهو بعيد جدا، والأظهر- بل الصواب-: أنه ما علّمه لهم في التشهد، وهو: (السلام عليك أيها النبي) .
ومما ورد في فضل السلام عليه ﷺ حديث: «لمّا كانت ليلة بعثت.. ما مررت بشجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» «٣» .
стр. 107
وحديث: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث» «١» ، وفي لفظ: «إن بمكة حجرا كان يسلم عليّ ليالي بعثت، إني لأعرفه إذا مررت عليه» «٢» ، وفيه إيماء إلى ما اشتهر على ألسنة الخلف عن السلف أنه الحجر البارز الآن بزقاق المرفق؛ لأنه كان على ممرّه ﷺ إلى بيت خديجة.
[معنى السلام عليه ص]
وحديث: «علّم جبريل رسول الله ﷺ كيف يتوضأ، فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم انصرف؛ فلم يمر على حجر ولا مدر.. إلا وهو يسلم عليه يقول: سلام عليك» «٣» .
واختلف في معناه:
فقيل: (السلام) الذي هو من أسماء الله تعالى (عليك) أي: لا خلوت من الخير والبركة، وسلمت من كل مكروه؛ لأن اسم الله تعالى المنقول من معنى إذا ذكر على شيء.. أفاده ذلك.
وقيل: بمعنى السلامة من المذام والنقائص؛ فمعنى (اللهم سلم عليه) :
اللهم اكتب له في دعوته وأمته وذكره السلامة من كل نقص؛ لتزداد دعوته على ممر الأيام علوا، وأمته تكاثرا، وذكره ارتفاعا.
وقيل: من المسالمة والانقياد، وعلى الأخيرين إنما عدّي ب (على) لأنّ المعنى: قضى الله به عليك، وقضاؤه تعالى إنما ينفذ في العبد من أجل ملكه وسلطانه الذي عليه؛ فلإفادة (على) ذلك كانت أبلغ من (لك) .
[حكمة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في التشهد]
وخوطب بالحضور مع أن سياق التشهد يقتضي الغيبة؛ لأن المصلي لمّا
стр. 108
استفتح باب الملكوت بالتحيات.. أذن له بالدخول في حرم الحي الذي لا يموت، فقرّت عينه بالمناجاة، فنبّه على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفت فإذا الحبيب حاضر ثمّ، فأقبل عليه قائلا (السلام عليك ... ) إلخ.
ولا يعارض وجوب الخطاب الخبر الدالّ على اختصاص ذلك بحياته ﷺ ، وهو ما صح عن ابن مسعود: (أنهم كانوا في حياته ﷺ يقولون في التشهد: السلام عليك أيها النبي، فلما قبض.. قالوا السلام على النبي) «١» لما بينته في «شرح العباب» «٢» .
وأيضا: فلفظه ليس صريحا في أن هذا إجماع، وإنما هو حكاية عن جمع، وليس حجة على غيرهم، على أنه يلزمهم أحد أمرين: إما أنهم في بعدهم عنه في حياته بنحو سفر كانوا لا يخاطبونه، فينافي عموم قوله: (كانوا
стр. 109
في حياته يقولون: السلام عليك) ، وإما أنهم يخاطبونه، فهو في مماته كهو حال بعدهم عنه في حياته؛ إذ هو حي في قبره يصلي كما يأتي «١» .
ووصف أولا بالنبوة هنا، ثم بالرسالة آخر التشهد؛ لأنهما كذلك وجدتا في الخارج لتقدم نبوته على رسالته بنحو ثلاث سنين، كما بينته في أول «شرح الشمائل» «٢» .
وقدم السلام على الصلاة هنا عكس الآية؛ لأن الغرض المقصود منها التعليم والإتيان بالمأمور به، وذلك يبدأ فيه بالأهم الأحق بالمعرفة والفعل، وهو الصلاة؛ لأنها لعلوّ مقامها اختصت بالله تعالى وملائكته، ولأنها تستلزم السلام بمعنى التحية بخلاف السلام؛ فإن من معانيه ما لا يتأتى في حق الله تعالى وملائكته، وهو الانقياد والإذعان كما مرّ، وأيضا: فهو لا يستلزم الصلاة، فكان دونها في الرتبة.
ومبنى الصلاة ذات الأركان على أنه يترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى في كل مقام من مقاماتها، وتشهّدها الأخير هو غايتها، فبدىء فيه بالثناء على الله تعالى بأكمل الأوصاف وأجمعها، وهو إثبات التحيات وما بعدها لله تعالى على الوجه الأكمل الأبلغ، وهذا هو الغاية المطلوبة من الصلاة بالنسبة إلى تعظيم الله والخضوع [له] .
стр. 110
ثم لمّا تمّ هذا المقام.. انتقلنا لمقام من وصلت لنا تلك الهداية الباهرة على يديه، فابتدأناه بمخاطبته بالسلام عليه؛ إشارة إلى حضوره معنا بالمعنى، ثم بالسلام على خلفائه في الهداية والبلاغ، وهم الصالحون، ثم ختمنا ذلك بمقام التوحيد الذي به ينتظم شمل تينك المرتبتين؛ مرتبة الثناء على الله تعالى، والثناء على رسوله ﷺ وخلفائه.
ثم لمّا تمّ ذلك انتقلنا إلى أعلى ما يستحقه ﷺ علينا من الثناء، وهو الصلاة عليه ﷺ ، فختمنا به، وجعلناه وصلة إلى استجابة دعائنا الذي أمرنا به عقبه، فتأمل ذلك وتدبره.. تعلم فرقان ما بينه وبين غيره مما أطيل به في الجواب عن ذلك، مع أنه لا يجدي شيئا، كما يعلمه من وقف عليه.
[المسألة] الرابعة:
اختلف في المراد بقولهم: كيف نصلّي عليك؟ فقيل: هو سؤال عن صفتها لا عن جنسها؛ لأنهم فهموا أصلها، فسألوا عن الصفة اللائقة به ﷺ ليستعملوها.
وقيل: عن معناها، وبأي لفظ تؤدّى؛ لأن لفظها المأمور به في قوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم، فسألوا: بأيّ لفظ يؤدّى ذلك؟
والأرجح الأول، كما قاله الباجي وغيره، وجزم به القرطبي؛ لأن لفظ (كيف) ظاهر في الصفة، وأما الجنس فيسأل عنه ب (ما) .
والحامل لهم على ذلك أن السلام لمّا ورد في التشهد بلفظ مخصوص..
فهموا أن الصلاة أيضا تقع بلفظ مخصوص، ولم يفروا إلى القياس لتيسر الوقوف على النص، سيما والأذكار يراعى فيها اللفظ ما أمكن، فوقع الأمر كما فهموه؛ فإنه لم يقل لهم: كالسلام، بل علّمهم صفة أخرى.