← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9801

الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (297 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بمقتضى الأمر بمقابلة التحية بما ذكر: أن يفعل محمد ﷺ مثلها، وهو أن يطلب لكل من صلّى عليه الرحمة له من الله تعالى، وهذا هو معنى الشفاعة، ثم هو ﷺ غير مردود الدعاء، فوجب أن يقبل الله تعالى شفاعته في الكل، وهو المطلوب) اهـ ملخصا «١» ويؤيده قول بعضهم: (لم يترك الله تعالى النبي ﷺ تحت منّة أمته بصلاتهم عليه.. حتى عوّضهم منه بأمره بالصلاة عليهم بقوله عز قائلا: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) . وسئل الغزالي رحمه الله تعالى: ما معنى صلاة الله تعالى على من صلّى على نبيّه ﷺ عشرا؟ فأجاب: معنى صلاة الله تعالى على نبيه وعلى المصلّين عليه.. إفاضة أنواع الكرامات، ولطائف النعم عليهم، ثم أطال في شرح ذلك وبيانه، وقد قدمته آخر الفائدة الرابعة من فوائد الآية المذكورة في المقدمة، فراجعه فإنه مشتمل على نفائس، فيها بيان سرّ كون الله تعالى يصلي على من صلّى على نبيه ﷺ عشرا، وما يناسب ذلك من النفائس «٢» . - ومنها: أنها سبب للبراءة من النفاق ومن النار ، وللرّقيّ إلى منازل الشهداء؛ ففي الخبر السابق أيضا: «ومن صلّى عليّ مئة.. كتب الله تعالى له بين عينيه براءة من النفاق، وبراءة من النار، وأسكنه الله يوم القيامة مع الشهداء» «٣» . - ومنها: أنها كفارة لنا وزكاة لأعمالنا ، روى التّيمي: «صلّوا عليّ؛ فإن الصلاة عليّ كفارة لكم وزكاة، فمن صلّى عليّ.. صلّى الله عليه عشرا» «٤» .

стр. 142

وفي رواية: «فإن الصلاة عليّ درجة لكم» «١» وسندها صحيح على ما قاله العراقي، لكن اعترض بأن فيه انقطاعا وعلة. وجاء بسند ضعيف: «صلوا عليّ؛ فإن الصلاة عليّ زكاة لكم» «٢» . وفي رواية: «أكثروا من الصلاة عليّ؛ فإنها لكم زكاة، وسلوا الله لي الوسيلة- أعلى درجة في الجنة- لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو» «٣» . ويروى: «صلاتكم عليّ محرزة لدعائكم، ومرضاة لربكم، وزكاة لأعمالكم» ذكره الديلمي وغيره بلا إسناد «٤» . وأخرج التّيمي: «إن لله سيارة من الملائكة، إذا مروا بحلق الذكر.. قال بعضهم لبعض: اقعدوا، فإذا دعا القوم.. أمّنوا على دعائهم، فإذا صلوا على النبي ﷺ .. صلوا معهم حتى يفرغوا، ثم يقول بعضهم لبعض: طوبى لهؤلاء؛ يرجعون مغفورا لهم» «٥» . وفي رواية- قال الذهبي: (سندها مظلم ومتنها باطل) «٦» -: «من صلّى عليّ كل يوم ثلاث مرات، وكل ليلة ثلاث مرات؛ حبّا لي وشوقا إليّ.. كان حقّا على الله تعالى أن يغفر له ذنوبه تلك الليلة وذلك اليوم» «٧» وهي بعض من حديث طويل يشتمل على ثلاث عشرة خصلة. - ومنها: أنها سبب لمزاحمة كتفه ﷺ على باب الجنة ؛

стр. 143

ففي الرواية السابقة: «ومن صلى عليّ ألفا.. زاحمت كتفه كتفي على باب الجنة» ومرّ ما فيها «١» . - ومنها: أنها تستغفر لقائلها ، وتقرّ بها عينه. أخرج الديلمي وغيره بسند فيه ضعيف: «ما من عبد صلّى عليّ صلاة.. إلا عرج بها ملك حتى يجيء بها وجه الرحمن ، فيقول ربّنا ﵎: اذهبوا بها إلى قبر عبدي تستغفر لقائلها، وتقرّبها عينه» «٢» . - ومنها: أن المرة الواحدة منها بقيراط كجبل أحد . أخرج عبد الرزاق بسند ضعيف: أنه ﷺ قال: «من صلّى عليّ صلاة.. كتب الله له قيراطا، والقيراط مثل أحد» «٣» . - ومنها: أن ملكا قائما على قبره يبلغه إياها ، وأن لله ملائكة آخرين يبلغونه إياها أيضا، وأنه ﷺ يرد سلام من سلم عليه. أخرج جمع: أنه ﷺ قال: «إن لله ملكا أعطاه أسماع الخلائق، فهو قائم على قبري إذا متّ، فليس أحد يصلي عليّ صلاة.. إلا قال: يا محمد؛ صلّى عليك فلان بن فلان، فيصلي الرب ﵎ على ذلك الرجل بكل واحدة عشرا» . وفي أخرى: «فهو قائم على قبري حتى تقوم الساعة، ليس أحد من أمتي يصلّي عليّ صلاة.. إلا قال: يا أحمد؛ فلان بن فلان- باسمه واسم أبيه- يصلّي عليك كذا وكذا، وضمن لي الرب أن من صلّى عليّ صلاة.. صلّى الله عليه عشرا، وإن زاد.. زاده الله تعالى» . وفي أخرى: «إن الله وكّل بقبري ملكا أعطاه أسماع الخلائق، فلا يصلّي

стр. 144

عليّ أحد إلى يوم القيامة.. إلا بلّغني باسمه واسم أبيه: هذا فلان بن فلان قد صلّى عليك» . وفي أخرى زيادة: «وإني سألت ربي ألّا يصلّي عليّ واحد منهم صلاة.. إلا صلّى عليه عشر أمثالها، وأن الله أعطاني ذلك» وفي سند الجميع راو ليّنه البخاري ووثقه ابن حبّان، وآخر ضعفه بعضهم «١» . وفي أخرى: «من صلّى عليّ صلاة.. صلّى الله عليه بها عشرا بها ملك موكّل حتى يبلغنيها» وفي سندها انقطاع، وراو كذبه أبو حاتم «٢» . وأخرج أبو موسى المديني: «من صلّى عليّ صلاة.. جاءني بها ملك، فأقول: أبلغه عني عشرا، وقل له: لو كانت من هذه العشر واحدة.. لدخلت معي الجنة كالسبابة والوسطى، وحلت لك شفاعتي، ثم يصعد الملك حتى ينتهي إلى الرب جل وعلا، فيقول: إن فلانا بن فلان صلّى على نبيك مرة واحدة، فيقول ﵎: أبلغه عنّي عشرا، وقل له: لو كانت من هذه العشرة واحدة.. لما مسّتك النار، ثم يقول: عظّموا صلاة عبدي، ثم اجعلوها في علّيّين، ثم يخلق من صلاته بكل حرف ملكا له ثلاثة وستون رأسا ... » الحديث، وهو موضوع بلا ريب، قاله الحافظ السخاوي «٣» . ويروى: «إن الله تعالى أعطاني ما لم يعط غيري من الأنبياء، وفضلني عليهم، وجعل لأمتي في الصلاة عليّ أفضل الدرجات، ووكّل بقبري ملكا يقال له: منطروس؛ رأسه تحت العرش، ورجلاه في تخوم الأرضين السفلى، وله ثمانون ألف جناح، في كل جناح ثمانون ألف ريشة، تحت كل

стр. 145

ريشة ثمانون ألف زغبة، تحت كل زغبة لسان يسبح الله ويحمده، ويستغفره لمن يصلي عليّ من أمتي، ومن لدن رأسه إلى بطون قدميه أفواه وألسن وريش وزغب، ليس فيه موضع شبر.. إلا وفيه لسان يسبح الله ويحمده، ويستغفره لمن يصلي عليّ من أمتي حتى يموت» ، قال الحافظ المذكور: (وهو غريب منكر، كما صرح به المجد اللغوي، بل لوائح الوضع لائحة عليه) «١» . وصح: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» «٢» . وفي رواية: «إن لله ملائكة يسيحون في الأرض يبلغوني صلاة من صلّى عليّ من أمتي» «٣» . وفي أخرى سندها حسن- وقيل: فيه من لم يعرف-: «حيثما كنتم.. فصلّوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني» «٤» ﷺ . وفي أخرى عند البيهقي موقوفة على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (ليس أحد من أمة محمد ﷺ يصلّي عليه صلاة.. إلا وهي تبلغه؛ يقول الملك: فلان يصلّي عليك كذا وكذا صلاة) «٥» . وفي أخرى: ( ... يصلّي أو يسلّم عليه.. إلا بلّغه؛ يصلّي عليك فلان أو يسلم عليك فلان) «٦» .

стр. 146

وفي أخرى: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، صلّوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» ، صححها النووي في «أذكاره» «١» . وفي رواية سندها حسن: «سلّموا عليّ؛ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» «٢» . وفي أخرى في سندها من لم يسمّ: «وصلّوا عليّ وسلّموا حيثما كنتم، فستبلغني صلاتكم وسلامكم» «٣» . وفي أخرى: «صلّوا عليّ؛ فإن صلاتكم وتسليمكم يبلغني حيثما كنتم» «٤» . وفي أخرى: «حيثما كنتم فصلّوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني» «٥» . وروى ابن بشكوال: «ما من أحد يسلم عليّ.. إلا ردّ الله عليّ روحي- أي: نطقي- حتى أردّ ﵇» «٦» . وفي رواية: «ما من أحد يسلّم عليّ.. إلا ردّ الله إليّ روحي حتى أردّ ﵇» وسندها حسن، بل صححه النووي في «الأذكار» وغيره «٧» ، ولكن نظر غيره فيه.

стр. 147

وزيادة (عند قبري) بعد (عليّ) .. قال الحافظ السخاوي: (لم أقف عليها فيما رأيته من طرق الحديث) «١» . وجاء بسند ضعيف، لكن يتقوّى بشواهده: «أكثروا الصلاة عليّ في الليلة الزهراء واليوم الأغر؛ فإن صلاتكم تعرض عليّ» «٢» . وبسند جيد وإن قيل: إنه غريب: «من صلّى عليّ عند قبري.. سمعته، ومن صلّى عليّ من بعيد.. علمته» «٣» . وفي رواية في سندها متروك: «من صلّى عليّ عند قبري.. سمعته، ومن صلّى عليّ نائيا- أي: بعيدا-.. وكّل الله به ملكا يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له يوم القيامة شهيدا أو شفيعا» «٤» . وفي رواية: «ما من عبد يسلّم عليّ عند قبري.. إلا وكّل الله بها ملكا يبلغني ... » «٥» . وفي أخرى في سندها ضعيف: «أكثروا الصلاة عليّ؛ فإن الله وكّل بي ملكا عند قبري، فإذا صلّى عليّ رجل من أمتي.. قال لي ذلك الملك: يا محمد؛ إن فلان بن فلان صلّى عليك الساعة» «٦» . وفي رواية: «ما من مسلم يسلّم عليّ في شرق ولا غرب.. إلا أنا وملائكة ربي نردّ ﵇» ، فقال له قائل: يا رسول الله؛ فما بال أهل المدينة؟

стр. 148

قال: «وما يقال لكريم في جيرانه وجيرته؟! إنه مما أمر الله به من حفظ الجوار حفظ الجيران» ، وسندها غريب، بل فيه من اتهمه الذهبي بوضعه «١» . وفي أخرى سندها ضعيف: «إن أقربكم منّي يوم القيامة في كل موطن أكثركم عليّ صلاة في الدنيا، من صلى عليّ في يوم الجمعة وليلة الجمعة مئة مرة.. قضى الله له مئة حاجة، سبعين من حوائج الآخرة، وثلاثين من حوائج الدنيا، ثم يوكّل الله بذلك ملكا يدخله في قبري، كما تدخل عليكم الهدايا، يخبرني بمن صلّى عليّ باسمه ونسبه إلى عشيرته، فأثبته عندي في صحيفة بيضاء» «٢» . وفي رواية زيادة: «إن علمي بعد موتي كعلمي في الحياة» «٣» . وفي أخرى رجالها ثقات إلا واحدا لم يعرف: «من صلّى عليّ.. بلغتني صلاته وصليت عليه، وكتب له سوى ذلك عشر حسنات» «٤» . وفي أخرى لابن بشكوال بسند لا يصح: «لقّن السمع ثلاثة؛ فالجنة تسمع، والنار تسمع، وملك عند رأسي يسمع، فإذا قال عبد من أمتي كائنا من كان: اللهمّ إني أسألك الجنة.. قالت الجنة: اللهم أسكنه إياي، وإذا قال عبد من أمتي كائنا من كان: اللهمّ أجرني من النار.. قالت النار: اللهم أجره منّي، وإذا سلم عليّ رجل من أمتي.. قال الملك الذي عند رأسي: يا محمد؛ هذا فلان يسلّم عليك، فرد ﵇، ومن صلّى عليّ صلاة.. صلّى الله عليه وملائكته عشرا، ومن صلّى عليّ عشرا.. صلّى الله عليه وملائكته مئة، ومن صلّى عليّ مئة.. صلّى الله عليه وملائكته ألف

стр. 149

صلاة، ولم تمس جسده النار» «١» . وفي أخرى- أخرجها ابنا خزيمة وحبّان، والحاكم في «صحاحهم» وقال: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه) ، وصححه النووي في «أذكاره» «٢» ، وحسنه عبد الغني والمنذري، وقال ابن دحية: (إنه صحيح محفوظ بنقل العدل عن العدل، ومن قال: إنه منكر أو غريب لعلة خفية به.. فقد استروح؛ لأن الدارقطني ردها) -: «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة؛ فأكثروا عليّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة عليّ» قالوا: يا رسول الله؛ وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟! - يعني: بليت- قال: «إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» «٣» . وفي أخرى سندها حسن- قيل: وراويه مكحول لم يسمع من أبي أمامة في قول الجمهور، ولكن أثبت الطبراني سماعه منه-: «أكثروا من الصلاة عليّ في كل يوم جمعة؛ فإن صلاة أمتي تعرض عليّ في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم عليّ صلاة.. كان أقربهم مني منزلة» «٤» . وفي أخرى بسند ضعيف: «من صلّى عليّ.. صلّى عليه ملك حتى يبلغنيها» . وفي أخرى رجالها ثقات إلا أنها منقطعة: «أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة؛ فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلّي عليّ.. إلا عرضت عليّ صلاته حين يفرغ منها» ، قال راويه أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: وبعد الموت؟ قال: «وبعد الموت، إن الله حرم على الأرض أن تأكل

стр. 150

أجساد الأنبياء؛ فنبيّ الله حيّ يرزق» «١» . وفي أخرى للطبراني: «ليس من عبد يصلّي عليّ.. إلا بلغني صوته حيث كان» ، قلنا وبعد وفاتك؟ قال: «وبعد وفاتي، إن الله تعالى حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» «٢» . وفي أخرى للنميري: قلنا: يا رسول الله؛ كيف تبلغك صلاتنا إذا تضمّنتك الأرض؟ قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» ، قال العراقي: (إسناده لا يصح) . وفي أخرى: «ليس أحد يصلّي عليّ يوم الجمعة.. إلا عرضت عليّ صلاته» ، صححها الحاكم والبيهقي «٣» ، وفي سندها راو وثّقه البخاري وضعّفه غيره. وفي أخرى سندها ضعيف: «أكثروا الصلاة علي في الليلة الزهراء واليوم الأغر؛ فإن صلاتكم تعرض عليّ؛ فأدعو لكم وأستغفر» «٤» . والزهراء: ليلة الجمعة، والأغر: يومها. تنبيه: علم من هذه الأحاديث أنه ﷺ يبلّغ الصلاة والسلام عليه إذا صدرا من بعد، ويسمعهما إذا كانا عند قبره الشريف بلا واسطة، سواء ليلة الجمعة وغيرها، وأفتى النووي رحمه الله تعالى فيمن حلف بالطلاق الثلاث أن رسول الله ﷺ يسمع الصلاة عليه هل يحنث؟ بأنه لا يحكم عليه بالحنث للشك في ذلك، والورع أن يلتزم الحنث.

стр. 151

وما قيل: إن رده ﷺ على المسلّم عليه مختص بسلام زائره.. مردود بعموم الحديث، فدعوى التخصيص تحتاج إلى دليل، ويرده أيضا: الخبر الصحيح: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن، كان يعرفه في الدنيا، فيسلّم عليه.. إلا عرفه وردّ ﵇» «١» ، فلو اختص رده ﷺ بزائره.. لم يكن له خصوصية به لما علمت أن غيره يشاركه في ذلك. قال أبو اليمن بن عساكر: وإذا جاز رده على من يسلم عليه من الزائرين لقبره.. جاز رده على من يسلم عليه من جميع الآفاق من جميع أمته ﷺ على بعد مشقته. و (أرمت) بفتح أوليه وسكون ثالثه وفتح آخره، أصله: أرممت؛ أي: صرت رميما، قاله الخطابي، حذفت إحدى الميمين تخفيفا كأظلت؛ أي: أظللت، والرميم والرّمة: العظام البالية، وقال غيره: الميم مشددة والتاء آخره ساكنة؛ أي: أرمّت العظام، وقيل: يروى بضم أوله وكسر ثانيه. [مطلب في الحث على زيارة القبر الشريف] وقال أبو طالب المكي صاحب «قوت القلوب» : (أقل الإكثار ثلاث مئة مرة) «٢» ، وكأنه أخذ ذلك عن صالح، أو تجربة، أو جنح إلى من يجعل أقل عدد التواتر ثلاث مئة، وألغى الكسر وهو بضعة عشر. ونهيه ﷺ عن جعل قبره الشريف عيدا يحتمل أنه للحث على كثرة الزيارة، ولا يجعل كالعيد الذي لا يؤتى في العام إلا مرتين. والأظهر: أنه إشارة إلى النهي الوارد في الحديث الآخر عن اتخاذ قبره مسجدا؛ أي: لا تجعلوا زيارة قبري عيدا من حيث الاجتماع لها كهو للعيد، وقد كانت اليهود والنصارى يجتمعون لزيارة قبور أنبيائهم، ويشتغلون باللهو والطرب، فنهى ﷺ أمته عن ذلك، أو عن أن يتجاوزوا في

стр. 152

تعظيم قبره ﷺ ما أمروا به. والحثّ على زيارة قبره الشريف قد جاء في عدة أحاديث بينتها في «حاشية الإيضاح» مع الرد على من أنكر ذلك، وهو ابن تيمية، عامله الله تعالى بعدله «١» . كيف وقد أجمعت الأمة- كما نقله غير واحد من الأئمة- على أن ذلك من أفضل القربات، وأنجح المساعي؟! ومعنى: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورا» «٢» قيل: كراهة الصلاة في المقبرة؛ أي: لا تجعلوا القبور محل صلاتكم كالبيوت، وعليه يدل كلام البخاري. وقيل: معناه لا تجعلوها قبورا؛ أي: كالقبور في أن من صار إليها لا يصلّي ولا يعمل، ورجّحه جمع للرواية الآخرى: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا» «٣» . وقيل: معناه النهي عن دفن الموتى في البيوت، وهو ظاهر اللفظ، ودفنه ﷺ في بيته من خصائصه. وقيل: معناه من لم يصلّ في بيته.. جعل نفسه كالميت، وبيته كالقبر، ويؤيده خبر مسلم: «مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحيّ والميّت» «٤» . وعلم من هذه الأحاديث أيضا: أنه ﷺ حيّ على الدوام؛ إذ من المحال العادي أن يخلو الوجود كله عن واحد يسلّم عليه ﷺ في ليل أو نهار، فنحن نؤمن ونصدّق بأنه ﷺ حيّ يرزق، وأن جسده الشريف لا تأكله الأرض، والإجماع على هذا.

стр. 153

قيل: وكذا العلماء والشهداء والمؤذنون، وصحّ أنه كشف عن غير واحد من الأولين، فوجدوا لم تتغير أجسادهم. وقد جمع البيهقي جزآ في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم، واستدل بكثير من الأحاديث السابقة، وبالحديث الصحيح: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» «١» . ويشهد له خبر مسلم: «مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلّي في قبره» «٢» . ودعوى أن هذا خاص به.. يبطلها خبر مسلم أيضا: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي ... » الحديث، وفيه: «وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء؛ فإذا موسى قائم يصلّي، فإذا رجل ضرب جعد» «٣» ، وفيه: «إذا عيسى ابن مريم قائم يصلّي، أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود، وإذا إبراهيم قائم يصلّي أشبه الناس به صاحبكم- يعني نفسه ﷺ فحانت الصلاة فأممتهم» «٤» . وفي حديث آخر: (أنه لقيهم ببيت المقدس) «٥» . وفي آخر: (أنه لقيهم في جماعة من الأنبياء بالسماوات، فكلّمهم وكلّموه) «٦» . قال البيهقي: (وكل ذلك صحيح، فقد يرى موسى قائما يصلّي في قبره،

стр. 154

ثم يسرى بموسى وغيره إلى بيت المقدس، كما أسري بنبينا فيراهم فيه، ثم يعرج بهم إلى السماوات كما عرج بنبينا فيراهم فيها، كما أخبر، وحلولهم في أوقات مختلفة بأمكنة مختلفة.. جائز عقلا كما ورد به خبر الصادق، وفي كل ذلك دلالة على حياتهم) اهـ «١» وقد ثبتت حياة الشهداء بنص القرآن، وصرح ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم بأنه ﷺ مات شهيدا، والمراد- كما مر بالروح-: النطق، صرح به جماعة. فهو ﷺ حيّ على الدوام، لكن لا يلزم من حياته دوام نطقه، وإنما يردّ عليه عند سلام كل مسلّم عليه، وعلاقة التجوز بالروح عن النطق ما بينهما من التلازم غالبا. [مطلب في معنى رد الروح إليه ص] وأجاب البيهقي بأن معنى رد الروح إليه: أنها ردت إليه عقب دفنه؛ لأجل سلام من يسلّم عليه، واستمرت في جسده الشريف ﷺ ، لا أنها تعاد لردّ السلام ثم تنزع ثم تعاد لرد السلام وهكذا؛ أي: لما يلزم عليه من تعدد حياته ووفاته في أقل من ساعة مرات كثيرة، وأجيب بأنه لا محظور فيه؛ إذ لا نزع ولا مشقة في ذلك الرّد وإن تكرر. وأجاب السبكي بأنه يحتمل أن يكون ردّا معنويّا، وأن تكون روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة الإلهية والملأ الأعلى عن هذا العالم، فإذا سلّم عليه.. أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم؛ لتدرك سلام من يسلّم عليه وترد عليه «٢» . ولا يلزم عليه استغراق الزمان كله في ذلك؛ نظرا لاتصال الصلاة عليه في أقطار الأرض؛ لأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ «٣» أشبه

стр. 155

بأحوال الآخرة، وقال بعضهم: المراد بالرّوح: الملك الموكّل به. وقال ابن العماد: (يحتمل أن يراد به هنا السرور مجازا؛ فإنه قد يطلق ويراد به ذلك) . ولا ينافي ما تقرر من حياتهم ما في «صحيح ابن حبّان» في قصة عجوز بني إسرائيل: أنها دلّت موسى على الصندوق الذي فيه عظام يوسف على نبينا وعليهما أفضل الصلاة والسلام، فاستخرجه وحمله معهم عند قصدهم الذهاب من مصر إلى الأرض المقدسة «١» ؛ إما لأنها أرادت بالعظام كل البدن، أو لأن الجسد لمّا لم تشاهد فيه روح.. عبّر عنه بالعظم الذي من شأنه عدم الإحساس، أو أن ذلك باعتبار ظنها أن أبدان الأنبياء كأبدان غيرهم في البلى. وخبر: «أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث» .. قال البيهقي: (إن صح.. فالمراد: أنهم لا يتركون لا يصلون إلا هذا القدر، ثم يكونون مصلين بين يدي الله «٢» . وفي خبر غير ثابت أيضا: «إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور» «٣» ، وكأن هذا مستند ما رواه عبد الرزاق عن ابن المسيّب: أنه رأى قوما يسلمون على النبيّ ﷺ فقال: (ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين يوما) «٤» ، وقد علمت أن مستند هذه المقالة لا أصل له، فمن ثمّ لم يعول العلماء عليها، بل أجمعوا على خلافها كما مر آنفا. قيل: وإذا تقرر أنه حيّ.. فلا يقال: ﵇، ولا عليك السلام؛ فإنها تحية الموتى، وقد امتلأت كتب كثيرين من المصنفين بذلك!! فليجتنب.

стр. 156

وروى ابن أبي شيبة: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: «لا تقل: عليك السلام؛ فإن عليك السلام تحية الموتى» «١» . وروى الترمذي بسند حسن: أن رجلا قال للنبي ﷺ : عليك السلام يا رسول الله ثلاث مرات، فقال له: «إن (عليك السلام) تحية الميت» ، ثم قال: «إذا لقي الرجل أخاه المسلم.. فليقل: السلام عليك ورحمة الله» ، ثم ردّ عليه ﷺ فقال: «وعليك ورحمة الله» ثلاثا اهـ «٢» . وليس بصحيح؛ لأن رده ﷺ السلام يدل على أنه سلام صحيح، والفصل بين الابتداء والرد بكلام يسير لغرض صحيح.. لا يضر، كما بينته في «شرح الإرشاد» . وأيضا: فقد صح أنه ﷺ قال للموتى: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» «٣» فدل على أن معنى كون (عليك السلام تحية الموتى) أي: موتى القلوب؛ وأنها عادة الجاهلية، وعلى كلّ فالسلام عليكم أفضل في حق الحيّ والميّت. خاتمة: ذكر البيهقي وغيره: أن سليمان بن سحيم رآه ﷺ يوما، فسأله: هل يفقه سلام المسلّمين عليه؟ قال: «نعم، وأردّ عليهم» «٤» .

стр. 157

وقال إبراهيم بن شيبان: تقدمت إلى القبر الشريف، فسلّمت على رسول الله ﷺ ، فسمعته من داخل [القبر] يقول: «وعليك السلام» . ووقع للسيد نور الدين بن العفيف الإيجي «١» : أنه سمع جواب سلامه من داخل القبر الشريف: «عليك السلام يا ولدي» . وفي «مسند الدارمي» : أن الأذان والإقامة تركا أيام الحرّة «٢» ، وأن ابن المسيّب لم يبرح مقيما في المسجد، فكان لا يعرف وقت الصلاة.. إلا بهمهمة «٣» يعرفها، يسمعها من قبره ﷺ «٤» . وروى أبو عبد الرحمن السلمي عن أبي الخير الأقطع: أنه مكث خمسة أيام لا يأكل، فجاء للقبر الشريف وشكا، ثم تنحى ونام خلف المنبر، فرآه ﷺ وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعليّ بين يديه، فحرّكني عليّ وقال: قم، قد جاء النبي ﷺ ، فقمت إليه وقبلت بين عينيه، فدفع إليّ رغيفا، فأكلت نصفه، وانتبهت فإذا في يدي نصف رغيف «٥» . ووقع للحفاظ أبي بكر مسند أصبهان، والطبراني، وأبي الشيخ: أنه نزلت بهم فاقة، فجاء الأول للقبر وشكا الجوع، فقال له الطبراني: اجلس؛ إما الرزق أو الموت، فلم يلبثوا أن جاءهم علويّ بشيء كثير مع غلاميه، وأخبرهم أنه رأى النبي ﷺ فأمره بحمل شيء إليهم «٦» .

стр. 158

- ومنها: أنها سبب للكيل بالمكيال الأوفى من الثواب ، ومرت أحاديثه في (الفصل الثاني) «١» . - ومنها: أنها سبب لكفاية المهمات في الدنيا والآخرة ، ولمغفرة الذنوب. أخرج الترمذي وحسّنه عن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل.. قام فقال: «يا أيّها الناس؛ اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه» ، قال أبيّ: فقلت: يا رسول الله؛ إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: «ما شئت» ، قلت: الربع؟ قال: «ما شئت، وإن زدت.. فهو خير لك» ، قلت: فالنصف؟ قال: «ما شئت، وإن زدت.. فهو خير لك» ، قلت: فالثلثين؟ قال: «ما شئت، وإن زدت.. فهو خير لك» ، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إذن تكفى همّك، ويغفر لك ذنبك» ، وقال الحاكم في «المستدرك» : صحيح الإسناد «٢» . وفي رواية: (إذا ذهب ربع الليل) «٣» . وفي أخرى: يخرج في ثلث الليل، وقال: (إني أصلّي من الليل) بدل: (أكثر الصلاة عليك) «٤» . وفي أخرى: أنه قال للنبي ﷺ : (كم أجعل لك من صلاتي؟ ... ) الحديث «٥» .

стр. 159

وفي أخرى عند أحمد وابن أبي عاصم وابن أبي شيبة: قال رجل يا رسول الله: أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: «إذن يكفيك الله ﵎ ما أهمك من دنياك وآخرتك» ، وأخرجها البيهقي بسند جيد، لكن فيه إرسال «١» . وفي أخرى: أن رجلا قال: يا رسول الله؛ أجعل لك ثلث صلاتي عليك؟ قال: «نعم إن شئت» قال: الثلثين؟ قال: «نعم» ، قال: فصلاتي كلها؟ قال ﷺ : «إذن يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك» ، وفي إسنادها راويان ضعفهما الجمهور، لكن الهيثمي كالمنذري حسّنا الحديث لشواهده «٢» . وفي أخرى: أجعل شطر صلاتي دعاء لك؟ قال: «نعم» ، قال: فأجعل صلاتي كلها دعاء لك؟ قال ﷺ : «إذن يكفيك الله همّ الدنيا والآخرة» «٣» . وفي أخرى: «أتاني آت من ربي فقال: ما من عبد يصلّي عليك صلاة.. إلا صلّى الله عليه بها عشرا» ، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله؛ أجعل لك نصف دعائي؟ قال: «ما شئت» ، قال: الثلثين؟ قال: «ما شئت» ، قال: أجعل دعائي كله لك؟ قال: «إذن يكفيك الله همّ الدنيا والآخرة» «٤» ، وأفادت- وإن كانت مرسلة أو معضلة- التصريح بأن المراد بالصلاة في الأحاديث السابقة: الدعاء؛ فلا يحتاج إلى تأويل. والمعنى: إني أكثر الدعاء، فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك؟

стр. 160

أي: إن لي زمانا أدعو فيه لنفسي، فكم أصرف من ذلك الزمان للصلاة عليك؟ فلم ير ﷺ أن يعيّن له في ذلك الزمن حدّا؛ لئلا يغلق عليه باب المزيد، فلم يزل يفوّض الاختيار إليه مع مراعاة الحث على المزيد.. حتى قال: أجعل لك صلاتي كلها؛ أي: أصلّي عليك بدل ما أدعو به لنفسي؟ فقال: «إذن تكفى همّك» أي: ما أهمّك من أمر دينك ودنياك؛ لأنها مشتملة على ذكر الله تعالى وتعظيم رسوله ﷺ . وهي في المعنى إشارة له بالدعاء لنفسه، كما في الحديث القدسي: (من شغله ذكري عن مسألتي.. أعطيه أفضل ما أعطي السائلين) «١» فنتج من ذلك: أن من جعل الصلاة على النبي ﷺ معظم عباداته.. كفاه الله تعالى همّ دنياه وآخرته، وفقنا الله لذلك، آمين. وقيل: المراد الصلاة حقيقة، والمراد: نفس ثوابها، أو مثل ثوابها، وتردّه الرواية السابقة. قيل: وهذا الحديث أصل عظيم لمن يدعو عقب قراءته فيقول: اجعل ثواب ذلك لسيدنا رسول الله ﷺ ؛ حيث قال فيه: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إذن تكفى همّك» . وأما من يقول: مثل ثواب ذلك زيادة في شرفه ﷺ مع العلم بكماله في الشرف.. فلعله لحظ أن معنى طلب الزيادة: أن يتقبل قراءته فيثيبه عليها، وإذا أثيب أحد من الأمة على فعل طاعة.. كان للذي علّمه نظير أجره وهكذا، وللمعلّم الأول وهو الشارع ﷺ نظير جميع ذلك، فهذا معنى الزيادة في شرفه ﷺ ، وإن كان شرفه ﷺ مستقرّا حاصلا، وقد ورد عند رؤية الكعبة: «اللهم؛ زد هذا البيت تشريفا» «٢» اهـ

стр. 161

والاستدلال بالحديث لما ذكر إنما يأتي على القول الضعيف: إن المراد الصلاة حقيقة؛ أي: ثوابها أو مثله، وقد علم رده بصريح الحديث السابق كما مر «١» . نعم؛ قول القائل ذلك.. صحيح؛ لأنه لا محظور فيه. وأما الدعاء بزيادة الشرف.. فأنكره بعض المتأخرين، وقد بالغت في بيان الرد عليه في إفتاءين طويل ومختصر «٢» ، وبينت أن المحققين خالفوه، بل إمام المذهب النووي رحمه الله تعالى استعمل ذلك في خطب كتب من كتبه ك «المنهاج» «٣» و «الروضة» «٤» و «شرح مسلم» . وشرفه ﷺ وإن كان كاملا.. إلا أنه يقبل زيادة الكمال؛ لأنه دائم الترقي في حضرات القرب، فلا نهاية لترقّيه، وما كان كذلك قابلا للزيادة.. فلا منع من طلبها له ﷺ . ومعنى (اجعل مثل ثواب ذلك زيادة في شرفه) : طلب حصول مثل ذلك الثواب له، وبحصوله له يزيد شرفه؛ ضرورة أن حصوله كمال، فإذا انضم إلى كمال شرفه المستقرّ.. زاده كمالا آخر وترقّيا فيه لم يكن حاصلا قبل، وكذا نقول في الصلاة عليه ﷺ يحصل له بها زيادة كمال وترقّ فيه، لم يكن حاصلا له قبل ذلك، كما أشرت إليه في المقدمة، فراجعه «٥» . وإن أردت أبسط من ذلك.. فعليك بالإفتاء الطويل الذي أشرت لك إليه، المسطّر فيما جمع لي من الفتاوى، فإن فيه شفاء للغليل إن شاء الله تعالى «٦» .

стр. 162

وفي رواية: أن ذلك وقع لغير أبيّ أيضا، وهو أيوب بن بشير، وأنه قال للنبي ﷺ : «إني قد أجمعت أن أجعل ثلث صلاتي دعاء لك ... » الحديث «١» ، فإن صحت.. فلا مانع من سؤالهما معا عن ذلك. - ومنها: أنها أمحق للخطايا من الماء للنار ، وأن السلام عليه ﷺ أفضل من عتق الرقاب. أخرج النميري وابن بشكوال عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه موقوفا عليه قال: (الصلاة على رسول الله ﷺ أمحق للخطايا من الماء للنار، والسلام على النبي ﷺ أفضل من عتق الرقاب، وحبّ رسول الله ﷺ أفضل من مهج الأنفس) أو قال: (من ضرب السيف في سبيل الله تعالى) «٢» وله حكم المرفوع؛ إذ مثله لا يقال من قبل الرأي. وأخرجه التيمي وعنه أبو القاسم بن عساكر، ومن طريقه أبو اليمن بن عساكر بلفظ: (الصلاة على النبي ﷺ أفضل من عتق الرقاب، وحبّ رسول الله ﷺ أفضل من مهج الأنفس) أو قال: (من ضرب السيف في سبيل الله تعالى) وسنده ضعيف «٣» . قيل: وإنما كان السلام عليه ﷺ أفضل من عتق الرقاب؛ لأن ثواب العتق إنما علم من جهته ﷺ وعلى لسانه ﷺ ، ولأن العتق يقابله العتق من النار؛ لما في الحديث الصحيح: «من أعتق رقبة.. أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه، حتى الفرج بالفرج» «٤» .

стр. 163

والسلام عليه ﷺ يقابله سلام الله تعالى على المصلّي عليه عشرا، وسلام من الله أفضل من مئة ألف ألف ألف جنّة، فناهيك بها من منّة وأي منّة. - ومنها: أن المرة الواحدة منها تمحو ذنوب ثمانين سنة ، وتكفّ الحافظين عن أن يكتبا عليه ذنبا ثلاثة أيام، وتحفظ من دخول النار. أخرج أبو الشيخ وأبو سعد في «شرف المصطفى ﷺ » : «من صلّى عليّ مرة واحدة فتقبّلت «١» .. محا الله عنه ذنوب ثمانين سنة» «٢» . ويروى: «من صلّى عليّ صلاة واحدة.. أمر الله تعالى حافظيه ألّا يكتبا عليه ذنبا ثلاثة أيام» . ويروى أيضا: «من صلّى عليّ صلاة واحدة.. لم يلج النار حتى يعود اللبن في الضرع» ، قال الحافظ السخاوي: (وفي ثبوتهما نظر) ، وقال أيضا في أولهما: (لم أقف له على سند) «٣» . - ومنها: أنها سبب للنجاة من أهوال يوم القيامة . أخرج جمع لكن بسند ضعيف جدا: أنه ﷺ قال: «يا أيها الناس؛ إنّ أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها.. أكثركم عليّ صلاة في دار الدنيا، إنه قد كان في الله وملائكته كفاية إذ يقول: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الآية، فأمر بذلك المؤمنين ليثيبهم عليه» «٤» .

стр. 164

- ومنها: أنها سبب لرضا الله تعالى . أخرج جمع بسند ضعيف، بل فيه من اتّهم بالكذب: أنه ﷺ قال: «من سرّه أن يلقى الله راضيا- وفي لفظ: وهو عنه راض-.. فليكثر من الصلاة عليّ» «١» . - ومنها: أنها سبب لغشيان الرحمة . أخرج البزار بسند حسن- وإن كان فيه راو منكر الحديث، وآخر ضعيف؛ لأن له شواهد، مع أنهما قد وثّقا-: أنه ﷺ قال: «إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم.. حفّوا بهم، ثم بعثوا رائدهم إلى السماء إلى رب العزة ﵎» أي: إلى محل مناجاته لتعاليه تعالى عن الجهة، كما أشار لذلك ﷺ بقوله: ﵎ ، «فيقولون: ربّنا أتينا على عباد من عبادك يعظّمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلّون على نبيك محمد ﷺ ، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم، فيقول ﵎: غشّوهم رحمتي، فيقولون: يا رب؛ إن فيهم فلانا الخطّاء إنما اعتبقهم اعتباقا «٢» ، فيقول ﵎: غشّوهم رحمتي، فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» «٣» . - ومنها: أنها سبب للأمان من سخط الله تعالى . جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه بسند فيه رجل متّهم: أنه قال: لولا أن

стр. 165

النبي ﷺ ذكر الله .. ما تقرّبت إلى الله تعالى إلا بالصلاة على النبي ﷺ ؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال جبريل: يا محمد؛ إن الله يقول: من صلّى عليك عشر مرات.. استوجب الأمان من سخطي» «١» . - ومنها: أنها سبب للدخول تحت ظل العرش . يروى: أنه ﷺ قال: «ثلاثة تحت ظل عرش الله يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله» ، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «من فرّج عن مكروب من أمتي، وأحيا سنتي، وأكثر الصلاة عليّ» ، قال الحافظ السخاوي: (ذكره صاحب «الدر المنظم» ، ولم أقف له على أصل معتمد، إلا أن صاحب «الفردوس» عزاه لأنس بن مالك، ولم يسنده ولده، وعزاه غيره ل «فوائد الخلعي» من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والله تعالى أعلم) «٢» . - ومنها: أنها سبب لثقل الميزان والنجاة من النار . أخرج ابن أبي الدنيا بسند هالك عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: إن لآدم من الله موقفا في فسيح العرش، عليه ثوبان أخضران، كأنه نخلة سحوق «٣» ، ينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى الجنة، وينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى النار، قال: فبينا آدم على ذلك؛ إذ نظر إلى رجل من أمة محمد ﷺ منطلق به إلى النار، فينادي آدم يا أحمد، يا أحمد، فيقول: «لبيك يا أبا البشر، فيقول: هذا رجل من أمتك منطلق به إلى النار، فأشدّ المئزر، وأسرع في إثر الملائكة، فأقول: يا رسل ربي قفوا، فيقولون: نحن الغلاظ الشداد الذين لا نعصي الله ما أمرنا ونفعل

стр. 166

ما نؤمر» فإذا أيس النبي ﷺ .. قبض على لحيته الشريفة بيده اليسرى، واستقبل العرش، فيقول: «يا ربّ العرش؛ قد وعدتني ألا تخزيني في أمتي، فيأتي النداء من عند العرش، أطيعوا محمدا، وردوا هذا العبد إلى المقام، فأخرج من حجزتي «١» بطاقة بيضاء كالأنملة، فألقيها في كفة الميزان اليمنى وأنا أقول: باسم الله، فترجح الحسنات، فينادى سعد وسعد جدّه «٢» ، وثقلت موازينه، انطلقوا به إلى الجنة، فيقول العبد: يا رسل ربي؛ قفوا حتى أكلّم هذا العبد الكريم على ربه، فيقول بأبي وأمي ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك! فقد أقلتني عثرتي، ورحمت عبرتي، فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلاتك عليّ، قد وفيتك أحوج ما كنت إليها» «٣» . - ومنها: أنها سبب للأمن من العطش يوم القيامة . فعن كعب الأحبار قال: (أوحى الله إلى موسى ﵇ في بعض ما أوحى إليه: يا موسى؛ لولا من يحمدني.. ما أنزلت من السماء قطرة، ولا أنبتّ من الأرض ورقة، يا موسى؛ لولا من يعبدني.. ما أمهلت من يعصيني طرفة عين، يا موسى؛ لولا من يشهد ألاإله إلا الله.. لسيّبت جهنم على الدنيا، يا موسى؛ إذا لقيت المساكين.. فسائلهم كما تسائل الأغنياء، فإن لم تفعل ذلك.. فاجعل كل شيء علمت- أو قال: عملت- تحت التراب، يا موسى؛ أتحب ألا ينالك عطش يوم القيامة؟ قال: إلهي نعم، قال: فأكثر الصلاة على محمد ﷺ «٤» رواه أبو القاسم التيمي في «ترغيبه» . وهو في ترجمة كعب من «حلية الأولياء» لأبي نعيم مطوّل لكن بلفظ:

стр. 167

(يا موسى؛ أتريد أن أكون لك أقرب من كلامك إلى لسانك، ومن وساوس قلبك إلى قلبك، ومن روحك إلى بدنك، ومن نور بصرك إلى عينك؟ قال: نعم يا رب، قال: أكثر الصلاة على محمد ﷺ «١» . - ومنها: أنها تأخذ بيد من يعثر على الصراط حتى يمر عليه . أخرج جمع من طرق بعضها حسن عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «إني رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتي يزحف على الصّراط مرة، ويحبو مرة، ويتعلق مرة، فجاءته صلاته عليّ فأخذت بيده، فأقامته على الصّراط حتى جاوزه» «٢» . وله طريق أخرى مطولة فيها: «ورأيت رجلا من أمتي يرعد على الصّراط، كما ترعد السعفة، فجاءته صلاته عليّ فسكنت رعدته» «٣» . - ومنها: أن من صلى عليه ﷺ في يوم ألف مرة .. لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة. أخرج جمع- لكن مع ذلك هو حديث منكر-: أنه ﷺ قال: «من صلّى عليّ في يوم ألف مرة.. لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة» ، وفي لفظ: «لم يمت حتى يبشّر بالجنة» «٤» . - ومنها: أنها سبب لكثرة الأزواج في الجنة .

стр. 168

ذكر صاحب «الدر المنظم» : أنه ﷺ قال: «أكثركم عليّ صلاة.. أكثركم أزواجا في الجنة» ، قال الحافظ السخاوي: (لم أقف عليه إلى الآن) «١» . - ومنها: أنها تعدل عشرين غزوة في سبيل الله تعالى . أخرج الديلمي بسند ضعيف: أنه ﷺ قال: «حجّوا الفرائض؛ فإنها أعظم أجرا من عشرين غزوة في سبيل الله، وإن الصلاة عليّ تعدل ذلك» «٢» . ويروى: «من حج حجة الإسلام، وغزا بعدها غزاة.. كتبت غزاته بأربع مئة حجة، فانكسرت قلوب قوم لا يقدرون على الجهاد ولا الحج، فأوحى الله إليّ: ما صلّى عليك أحد.. إلا كتبت صلاته بأربع مئة غزاة، كل غزاة بأربع مئة حجة» ، قال الحافظ السخاوي: (وهو تالف، لوائح الوضع عليه ظاهرة) «٣» . - ومنها: أنها تعدل الصدقة . أخرج جمع بسند حسن: أنه ﷺ قال: «أيّما رجل مسلم لم يكن عنده صدقة.. فليقل في دعائه: اللهمّ؛ صلّ على محمد عبدك ورسولك، وصلّ على المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات؛ فإنها زكاة» ، وقال: «لا يشبع مؤمن خيرا حتى يكون منتهاه الجنة» «٤» . وفي رواية: «أيّما رجل كسب مالا من حلال، فأطعم نفسه أو كساها فمن دونه من خلق الله.. فإنه له زكاة، وأيّما رجل لم يكن عنده صدقة.. فليقل في

стр. 169

دعائه: اللهمّ؛ صلّ على محمد عبدك ورسولك، وعلى المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات؛ فإنه له زكاة» «١» . وذهب بعضهم إلى أنها أفضل من الصدقة حتى المفروضة، قال: لأن ما افترضه الله تعالى على عباده وفعله هو وملائكته.. ليس كالذي افترضه على عباده فقط. - ومنها: أن صلاة مئة في يوم بألف ألف حسنة ، وبمئة صدقة مقبولة، وتمحو ألف ألف سيئة. أخرج أبو سعد في «شرف المصطفى» - لكن قال الحافظ السخاوي: (وأحسبه لا يصح) «٢» -: أنه ﷺ قال: «من صلّى عليّ في يوم مئة مرة.. كتب الله له بها ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، وكتب له مئة صدقة مقبولة، ومن صلّى عليّ، ثم بلغتني صلاته.. صليت عليه كما صلّى عليّ، ومن صلّيت عليه.. نالته شفاعتي» . - ومنها: أن صلاة مئة كل يوم سبب لقضاء مئة حاجة ، سبعين للآخرة، وثلاثين للدنيا. أخرج ابن منده- قال أبو موسى المديني: وهو حديث غريب حسن-: أنه ﷺ قال: «من صلّى عليّ في كل يوم مئة مرة.. قضى الله له مئة حاجة، سبعين لآخرته، وثلاثين لدنياه» «٣» . - ومنها: أن صلاة واحدة سبب لقضاء مئة حاجة . أخرج التيمي بسند منقطع: «من صلّى عليّ صلاة واحدة.. قضيت له مئة حاجة» «٤» . وفي «الفرودس» بلا إسناد عن عليّ يرفعه: «من صلّى على محمد وعلى

стр. 170

آل محمد مئة مرة.. قضى الله له مئة حاجة» . - ومنها: أن من صلى عليه ﷺ مئة مرة في اليوم .. كان كمن داوم العبادة طول الليل والنهار، قاله أبو غسان المدني. وأخرج جمع عن وهب قال: (الصلاة على النبي ﷺ عبادة) «١» . - ومنها: أنها أحبّ الأعمال إلى الله تعالى . أخرج الديلمي بسند ضعيف: أنه ﷺ قال: «قلت لجبريل: أيّ الأعمال أحبّ إلى الله ؟ قال: الصلاة عليك يا محمد، وحبّ عليّ بن أبي طالب» «٢» . - ومنها: أنها زينة للمجالس ، وأنها نور يوم القيامة على الصراط. أخرج الديلمي بسند ضعيف أيضا: أنه ﷺ قال: «زيّنوا مجالسكم بالصلاة عليّ؛ فإن صلاتكم عليّ نور يوم القيامة» «٣» . ويروى عن عائشة وعمر رضي الله تعالى عنهما: (زيّنوا مجالسكم بالصلاة على النبي ﷺ «٤» . وأخرج أبو سعد في «شرف المصطفى» : أنه ﷺ قال: «صلاة عليّ نور يوم القيامة على الصراط ... » الحديث، ويأتي في الجمعة نحوه «٥» .

стр. 171

- ومنها: أنها تنفي الفقر . أخرج أبو نعيم بسند ضعيف عن سمرة رضي الله تعالى عنه أنه ﷺ جاءه رجل فقال: يا رسول الله؛ ما أقرب الأعمال إلى الله؟ قال: «صدق الحديث، وأداء الأمانة» ، قلت: يا رسول الله؛ زدنا، قال: «صلاة الليل، وصوم الهواجر» ، قلت: يا رسول الله؛ زدنا، قال: «كثرة الذكر، والصلاة عليّ تنفي الفقر ... » الحديث «١» . وجاء بسند ضعيف: أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ الفقر، وضيق العيش- أو المعاش- فقال له رسول الله ﷺ : «إذا دخلت منزلك.. فسلّم إن كان فيه أحد أو لم يكن فيه أحد، ثم سلّم عليّ، واقرأ (قل هو الله أحد) مرة واحدة» ، ففعل الرجل، فأدرّ الله تعالى عليه الرزق، حتى أفاض على جيرانه وقراباته «٢» . وجاء بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: «من قرأ القرآن، وحمد الرب ، وصلّى على النبي ﷺ ، واستغفر ربه.. فقد طلب الخير من مظانّه» «٣» . - ومنها: أن من أكثر منها.. يكون أولى الناس به ﷺ . أخرج الترمذي وقال حسن غريب: أنه ﷺ قال: «إن أولى الناس بي يوم القيامة.. أكثرهم عليّ صلاة» «٤» ، وقول النسائي في بعض رواته «٥» :

стр. 172

ليس بالقويّ.. مردود بأن ابن معين وثّقه، وكذا وثقه أبو داود وابن حبان وابن عديّ وجماعة. وذكر صاحب «الدر المنظم» : أنه ﷺ قال: «أكثركم عليّ صلاة.. أقربكم مني غدا» ، قال الحافظ السخاوي: (لم أقف على سنده، ولا من أخرجه) «١» . نعم؛ يأتي حديث: «أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن.. أكثركم عليّ صلاة في الدنيا» «٢» . قال ابن حبان عقب الحديث الأول: (وفيه دليل على أن أولى الناس برسول الله ﷺ في القيامة- أي: أقربهم منه- أصحاب الحديث؛ إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه ﷺ منهم) «٣» . وكذا قال غيره: فيه بشارة عظيمة لأصحاب الحديث؛ لأنهم يصلون على النبي ﷺ قولا وفعلا، نهارا وليلا، وعند القراءة والكتابة؛ فهم أكثر الناس صلاة لذلك، واختصوا بهذه المنقبة من بين سائر فرق العلماء. - ومنها: أن بركتها وفائدتها تدرك الرجل وولده وولد ولده . وجاء بسند ضعيف عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: (الصلاة على النبي ﷺ تدرك الرجل، وولده وولد ولده) «٤» . - ومنها: أن أحبّ ما يكون العبد إلى الله تعالى وأقربه إذا أكثر منها . جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بسند ضعيف قال: (أوحى الله

стр. 173

تبارك وتعالى إلى موسى ﵇: إنني جعلت فيك عشرة آلاف سمع حتى سمعت كلامي، وعشرة آلاف لسان حتى أجبتني، وأحب ما تكون إليّ وأقربه إذا أكثرت الصلاة على النبي ﷺ ، وفي لفظ: (وأقرب ما تكون أنت مني إذا صليت على محمد ﷺ «١» . - ومنها: أن الآتي بها قد لا يسأله الله تعالى فيما افترض عليه . عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من حج حجة الإسلام، وزار قبري، وغزا غزوة، وصلّى عليّ في بيت المقدس.. لم يسأله الله فيما افترض عليه» ذكره المجد اللغوي، وعزاه لأبي الفتح الأزدي في الثامن من «فوائده» ، قال الحافظ السخاوي: (وفي ثبوته نظر) «٢» . - ومنها: أن من صلّى عليه ﷺ في يوم خمسين مرة.. صافحه يوم القيامة . أخرج ابن بشكوال: أنه ﷺ قال: «من صلّى عليّ في يوم خمسين مرة.. صافحته يوم القيامة» «٣» . وذكر أبو الفرج عبدوس رواية عن أبي المطرف: أنه سأله عن كيفية ذلك فقال: (إن قال: اللهمّ؛ صلّ على محمد خمسين مرة.. أجزأه إن شاء الله تعالى، وإن كرر ذلك.. فهو أحسن) اهـ ويؤيده أنه ﷺ لما دخل على بعض نسائه فرآها تسبّح وتعدّ بالحصى.. فقال: «لقد قلت كلمة عدلت جميع ما قلتيه: سبحان الله

стр. 174

وبحمده عدد خلقه ... » الحديث «١» ؛ فإنه نصّ في أن من قال: اللهمّ؛ صلّ على محمد ألف مرة، أو عدد خلقك.. يكتب له بهذا اللفظ الواحد صلوات عدد الألف، أو عدد الخلق. - ومنها: أنها طهارة للقلوب من الصدأ . جاء بسند معضل عن محمد بن القاسم رضي الله تعالى عنهما رفعه: «لكل شيء طهارة وغسل، وطهارة قلوب المؤمنين من الصدأ.. الصلاة عليّ» «٢» ﷺ . وفوائد الصلاة عليه ﷺ أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن تستقصى. وقد ذكر ابن القيم منها جملة علمت مما مرّ وغيره، وهي: امتثال أمر الله تعالى، وموافقته في الصلاة عليه ﷺ ، وإن اختلفت الصلاتان، وموافقة ملائكته فيها، وحصول عشر صلوات منه تعالى على المصلّي مرة، ورفع عشر درجات له، وكتابة عشر حسنات له، ورجاء إجابة الدعاء إذا قدمها، ورجاء شفاعته بسؤال الوسيلة له، وغفران ذنوبه، وكفاية ما أهمه من أمر دنياه وآخرته، وقربه منه ﷺ يوم القيامة، وقضاء حوائجه، وصلاة الله وملائكته على المصلّي، وطهارته، وتبشيره بالجنة، ونجاته من أهوال يوم القيامة، وردّه ﷺ الصلاة والسلام عليه، وتأنّسه بذكره ﷺ ، وطيب المجلس بذكره، ونفي فقره، ونجاته من الدعاء عليه برغم الأنف، ومن إخطائه طريق الجنة إذا تركها، ومروره على الصراط، وخروجه عن الجفاء، ونشر الثناء الحسن عليه بين أهل السماء والأرض، والبركة في ذاته وعمله وعمره وأسباب مصالحه،

стр. 175

ورضا الله تعالى عنه، ودوام محبته للنبي ﷺ ، وزيادتها وتضاعفها، وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به، ومحبته ﷺ للمصلّي عليه؛ إذ أقل قليل من حقه ﷺ شكره على النعمة التي أنعم الله تعالى بها علينا، مع أن الذي يستحقه في ذلك لا يحصى علما ولا قدرة ولا إرادة. اهـ ملخصا «١» وقد سرد السخاوي رحمه الله تعالى فوائدها التي قدمتها مفرقة سردا حسنا، لكن نقل بعض من تأخر عنه تلك الفوائد بلفظها المذكور في «كتاب السخاوي» عن «تفسير العلائي» ، فإن كان السخاوي اطلع عليه «٢» ، وإلا.. فهو توافق عجيب.

стр. 176

خاتمة في ذكر منامات ونحوها، لا بأس بالإشارة إلى بعضها لأن فيها حثا لمن سمعها على الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ قال ابن هبيرة: كنت أصلّي على النبي ﷺ وعيناي مطبقتان، فرأيت من وراء جفني كاتبا يكتب بمداد أسود صلاتي على النبي ﷺ في قرطاس، وأنا أنظر مواقع الحروف في ذلك القرطاس، ففتحت عيني لأنظره ببصري، فرأيته وقد توارى عني حتى رأيت بياض ثوبه. ورئي إنسان عليه حلة، وعلى رأسه تاج مكلل بالجواهر، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأكرمني وتوّجني وأدخلني الجنة، فقيل له: بماذا؟ قال: بكثرة صلاتي على رسول الله ﷺ «١» . ورئي ماجن فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، فقيل: بماذا؟ قال: استمليت على بعض المحدثين حديثا مسندا، فصلّى الشيخ على النبي ﷺ ، فسمع أهل المجلس، فصلّوا عليه ﷺ ، فغفر لنا في ذلك اليوم كلّنا «٢» . ورأى الحافظ أبو الحسن الدارمي من يعرفه، فسأله عن حاله، فقال: غفر لي، وسأله عن عمل يدخل به الجنة، فقال: ألف ركعة في كل ركعة ألف

стр. 177

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، فقال: لا أطيق ذلك، فقال: ألف مرة صلاة على النبي ﷺ كل ليلة، قال الدارمي: فأنا أفعل ذلك كل ليلة «١» . ورئي بعض الصالحين فسئل، فقال: رحمني وغفر لي وأدخلني الجنة، فقيل له: بماذا؟ قال: حسبت الملائكة ذنوبي وصلاتي على النبي ﷺ فرأوها أكثر، فقال لهم المولى جلّت قدرته: (حسبكم يا ملائكتي، لا تحاسبوه، واذهبوا به إلى جنتي) . ويروى: أن مسرفا من بني إسرائيل لمّا مات.. رموا به، فأوحى الله لموسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام: أن غسّله وصلّ عليه؛ فإني قد غفرت له، قال: يا ربّ؛ وبم ذلك؟ قال: إنه فتح التوراة يوما فوجد فيها اسم محمد ﷺ ، فصلّى عليه، فغفرت له بذلك. ورأى بعض الصالحين صورة قبيحة في النوم، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا عملك القبيح، قال لها: فبم النجاة منك؟ قالت: بكثرة الصلاة على المصطفى ﷺ . ورأى بعض الصالحين صالحا على هيئة حسنة، فاستخبره عما عندهم، فقال: كنت من الهالكين لولا كثرة صلاتي على رسول الله ﷺ ، فقال له: أين أنتم من الرؤية واللقاء؟ فقال: هيهات! قد رضينا منه بدون ذلك. ورأى الشّبليّ جارا له فسأله، فقال: مرّت بي أهوال عظيمة أرتج عليّ عند السؤال، فقلت في نفسي: من أين أتى عليّ؟! ألم أمت على الإسلام؟! فنوديت: هذه عقوبة إهمالك للسانك في الدنيا، فلما همّ بي الملكان.. حال بيني وبينهما رجل جميل طيب الرائحة، فذكّرني حجتي، فذكرتها، فقلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا شخص خلقت لكثرة صلاتك على النبي ﷺ ، وأمرت أن أنصرك في كل كرب.

стр. 178

وحكي عن العارف أبي الحسن الشاذلي ﵀ ورضي عنه: أنه جاءه السباع بمفازة فخافهم، ففزع إلى الصلاة على النبي ﷺ ؛ مستندا إلى ما صح من أنه من صلّى عليه ﷺ .. صلّى الله عليه عشرا، وأن الصلاة من الله الرحمة، ومن رحمه.. كفاه همه، فنجا بذلك. وقال أبو بكير: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله؛ إن رجلا يكثر الصلاة عليك، قال: «من هو؟» ، قلت: فلان، قال: «لا جرم أنّ الله أعدّ له مقاما كريما» . وتوفّي تاجر عن مال وابنين وثلاث شعرات من شعره ﷺ ، فاقتسما المال نصفين وشعرتين، وبقيت واحدة، فطلب الأكبر قطعها نصفين، فأبى الأصغر؛ إجلالا له ﷺ ، فقال له الأكبر: تأخذ الثلاث بحظّك من المال؟ قال: نعم، ثم جعل الثلاث في جيبه، وصار يخرجها ويشاهدها ويصلّي على النبي ﷺ ، فعن قريب كثر ماله، وفني مال الأكبر، ولمّا توفي الصغير.. رآه بعض الصالحين، ورأى النبي ﷺ فقال له: «قل للناس: من كانت له إلى الله حاجة.. فليأت قبر فلان هذا ويسأل الله تعالى قضاء حاجته» ، فكان الناس يقصدون قبره، حتى بلغ أن كل من عبر على قبره ينزل ويمشي راجلا «١» . وجاء أبا الفضل بن زيرك خراسانيّ فقال: أتاني رسول الله ﷺ في منامي وأنا بمسجد المدينة وقال: «اقرأ على أبي الفضل منّي السلام» ، فقلت: يا رسول الله؛ لماذا؟ قال: «لأنه يصلّي عليّ في كل يوم مئة مرة» ، ثم سأل أبا الفضل أن يعلمه إياها، فعلمه: (اللهم؛ صلّ على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد، جزى الله محمدا ﷺ عنّا ما هو أهله) .

стр. 179

ورأى أبو عبد الله القسطلاني النبي ﷺ في النوم، وشكا إليه الفقر، فقال له: «قل: اللهمّ؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد، وهب لنا اللهم من رزقك الحلال الطيّب المبارك ما تصون به وجوهنا عن التعرض إلى أحد من خلقك، واجعل لنا اللهم إليه طريقا سهلا من غير تعب ولا نصب، ولا منّة ولا تبعة، وجنبنا اللهم الحرام حيث كان، وأين كان، وعند من كان، وحل بيننا وبين أهله، واقبض عنا أيديهم، واصرف عنا قلوبهم، حتى لا نتقلب إلا فيما يرضيك، ولا نستعين بنعمك إلا على ما تحب، يا أرحم الراحمين» . وجاءت امرأة إلى الحسن البصري فقالت: توفّيت لي بنت، وأريد أن أراها في النوم، فأمرها أن تصلّي أربع ركعات بعد صلاة العشاء، [تقرأ] في كل ركعة (الفاتحة) و (ألهاكم التكاثر) مرة، ثم تضطجع وتصلّي على النبي ﷺ إلى أن تنام، ففعلت فرأتها في أقبح العذاب وأشده، فانتبهت وجاءت الحسن، فأمرها بصدقة عنها لعل الله يعفو عنها، ونام الحسن تلك الليلة، فرأى امرأة في أحسن النعيم، فقالت له: أتعرفني؟ أنا ابنة تلك المرأة التي أمرتها بالصلاة على محمد ﷺ ، فقال لها: إن أمك قد وصفت حالك بغير هذه الرؤية؟ فقالت: هو كما قالت، قال: فبماذا بلغت هذه المنزلة؟ قالت: كنا سبعين ألفا في العقوبة، فعبر رجل من الصالحين على قبورنا، وصلى على النبي ﷺ مرة، وجعل ثوابها لنا، فقبلها الله منه، وأعتقنا كلنا من تلك العقوبة ببركته، وبلغ نصيبي ما قد رأيته وشاهدته. وذكر العلامة المجد الفيروز اباذي عن ابن الخيام: أنه اجتمع بالخضر وإلياس، وأنهما أخبراه: أنهما رأيا النبي ﷺ وسمعاه يقول: «ما من مؤمن صلّى عليّ.. إلا نضّر به قلبه، ونوّره الله » . وسمعاه أيضا يقول: «من صلّى على محمد ﷺ .. طهر قلبه من النفاق، كما يطهّر الثوب الماء» .

стр. 180

ويقول: «ما من مؤمن يقول: صلّى الله على محمد.. إلا أحبه الناس وإن كانوا أبغضوه، ووالله لا يحبونه حتى يحبه الله » . ويقول على المنبر: «من قال: صلّى الله على محمد.. فقد فتح على نفسه سبعين بابا من الرحمة» . ويقول: «من قال سبع ليال: صلى الله على محمد.. رآني في المنام» . ويقول: «إذا جلستم مجلسا.. فقولوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد، يوكّل الله بكم ملكا يمنعكم من الغيبة، فإذا قمتم.. فقولوا ذلك؛ فإن الناس لا يغتابونكم، ويمنعهم الملك من ذلك» . وأخبراه أيضا: أن نبيا من بني إسرائيل لم ينصر على عدوّ له حتى أمر قومه بالصلاة على النبي ﷺ . اهـ «١» . والمجد وإن ذكر ذلك بسنده إلى ابن الخيام، لكن قال الذهبي وغيره: إنها موضوعة «٢» ؛ أي: وإن كان الصحيح أن الخضر حيّ. ومن أوضح الأدلة على ذلك ما صح عن إمام الهدى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: أن الخضر اجتمع به، وأنه رئي عنده، فسئل، فقال: هذا الخضر، وقد ذكرت ذلك في أواخر كتابي «الصواعق المحرقة على إخوان الشياطين والضلال والابتداع والزندقة» «٣» . وحكي عن إبراهيم التيمي: أنه اجتمع بالخضر عند الكعبة، وأنه أخبره بكيفية طويلة من فعلها.. رأى النبي ﷺ في منامه، وأنه فعلها فرآه ﷺ ، ورأى الجنة ونعيمها وتنعّم به، فإن عمل ذلك ولم يره.. غفر له جميع كبائره، قال الحافظ السخاوي عقبها: (وهذا منكر، بل
следующие страницы →